|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 112 ) باب: قراءةُ القُرآن على المِنْبر في الخُطبة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 416.عن أُمِّ هِشَامٍ بنتِ حارثَةَ بنِ النُّعْمَانِ رضي الله عنها قالَت: لَقَدْ كَانَ تَنُّورُنَا وتَنُّورُ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَاحِدًا، سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةً وَبَعْضَ سَنَةٍ، وما أَخَذْتُ (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) إِلّا عن لِسَانِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، إِذَا خَطَبَ النَّاسَ.الشرح: قال المنذري: باب: قراءةُ القُرآن على المِنْبر في الخُطبة. والحديث أخرجه مسلم في الجمعة (2/595) في الباب السابق: باب: تخفيف الصلاة والخطبة. أم هشام بكسر الهاء بنت حارثة بن النعمان الأنصارية، صحابية مشهورة، وهي أخت عمرة بنت عبد الرحمن لأمها، وقد روت عنها عمرة الحديث في رواية لمسلم. روى لأم هشام: م د س ق. قولها: «لَقَدْ كَانَ تَنُّورُنَا وتَنُّورُ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَاحِدًا، سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةً وَبَعْضَ سَنَةٍ» التنور ما يُخبز به، وفيه إشارة إلى حفظها، ومعرفتها بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم ، وقُربها من منزله. قولها: «ما أخذتُ» أي: ما حَفِظت (ق والقرآن المجيد) أي هذه السورة. «إلا عن لسان رسول الله يقرؤها كل جمعةٍ على المنبر، إذا خطب الناس» أي: أنها كانت تحضر الخطبة، وتسمع قراءته لها، فحفظتها منه. قال النووي: وفيه استحباب قراءة (ق) أو بعضها في كل خُطبة. قال الطِّيبي: المراد أول السورة لا جميعها،؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يقرأ جميعها في الخطبة. انتهى. قال القاري: وفيه أنه لم يُحفظ أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ أولها في كل جمعة، وإلا لكانت قراءتها واجبة أو سُنّة مؤكدة، بل الظاهر أنه كان يقرأ في كل جمعةٍ بعضها، فحفظت الكل في الكل. انتهى. وقال ابن حجر المكي: قوله: «يقرؤها» أي: كلها، وحملها على أول السورة، صرفٌ للنص عن ظاهره. انتهى. وقال في عون المعبود (3/449-450): القول ما قال ابن حجر المكي، وما قاله الطيبي هو خلاف الظاهر انتهى. قلت: كان يفعل ذلك أحياناً، ونحن نصرفه عن ظاهره، بقراءته لها على خطبٍ متعددة، إذْ الحمل على كل السورة في كل خطبةٍ، مستبعد جداً! فهذا الحديث هو من العام المخصوص، بدليل أنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه خطب خطباً كثيرة، ليس فيها سورة (ق)، فقد روى مسلم أيضا (2/595): عن صفوان بن يعلى عن أبيه: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر (ونَادَوا يا مَالك) الزخرف: 77. وروى أحمد وابن ماجة بإسناد حسن: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قــرأ يوم الجمعة (تَبَارك)، وهو قائم..» الحديث. وروى أبو داود: عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر صلى الله عليه وسلم فلما بلغَ السجدةَ نزل فسَجد، وسَجد الناس معه». وروى ابن خزيمة في صحيحه: عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: دخلت المسجد يوم الجمعة، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فجلست قريباً من أبي بن كعب، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة «براءة» فقلت لأبي: متى نزلت هذه السورة؟... الحديث. ورواه أحمد وابن ماجة. قال الشوكاني في (نيل الأوطار) بعد ذكر أحاديث كثيرة في قراءة سورة من القرآن على المنبر ما نصه: والظاهر من أحاديث الباب، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يُلازم قراءة سورة، أو آية مخصوصة في الخطبة، بل كان يقرأ مرةً هذه السورة، ومرة هذه، ومرة هذه الآية انتهى. فيؤخذ مما سبق: 1- مشروعية قراءة آياتٍ من القرآن في خطبة الجمعة، سواء قيل بالشرطية أو الوجوب أو الاستحباب. قال النووي في شرح مسلم (6/160) قوله: «سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر (ونَادَوا يا مَالك)(الزخرف: 77)» فيه: القراءة في الخطبة، وهي مشروعة بلا خلاف، واختلفوا في وجوبها، والصحيح عندنا وجوبها، وأقلها آية. انتهى. وهو مذهب الحنابلة أيضا، وأنها ركنٌ من أركان الخطبة. وقال القرطبي في المفهم (2/512): «وفي قراءته صلى الله عليه وسلم هذه الآية - يعني قوله تعالى: (ونادوا يا مالك) - وسورة (ق) دليلٌ على صحة استحباب مالك قراءة شيء من القرآن في الخطبة، وخصّ هذه الآية، وسورة (ق)، لما تضمّنته من المواعظ، والزجر والتحذير» انتهى. وقد قال غير واحد: إن سبب اختيار سورة (ق) أنها مشتملة على البعث والموت، والمواعظ الشديدة، والزواجر الأكيدة. 2- وفيه: سُنية الخطبة بقراءة سورة (ق) بمفردها، وهو الظاهر من مراد لأنها قالت «يخطب بها كل جمعة» وفي اللفظ الآخر «وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة»، فحفظتها من كثرة ما يردد النبي صلى الله عليه وسلم آياتها في ثنايا خطبه. قال الحافظ ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد (1/423-424): «وكذلك كانت خطبته صلى الله عليه وسلم ، إنما هي تقرير لأصول الإِيمان، من الإِيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، ولقائِه، وذكرِ الجنة، والنار، وما أعدَّ الله لأوليائه وأهل طاعته، وما أعدَّ لأعدائه وأهل معصيته، فيملأ القلوب مِن خُطبته إيماناً وتوحيداً، ومعرفة باللّه وأيامه، لا كخُطب غيره التي إنما تُفيد أموراً مشتركة بين الخلائق، وهي النَّوح على الحياة، والتخويف بالموت، فإن هذا أمرٌ لا يُحصِّلُ في القلب إيماناً باللّه، ولا توحيداً له، ولا معرفة خاصة به، ولا تذكيراً بأيامه، ولا بعثاً للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه، فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة، غير أنهم يموتون، وتُقسم أموالهم، ويُبلي الترابُ أجسامهم، فيا ليت شعري أيّ إيمانٍ حصل بهذا؟! وأيِّ توحيد ومعرفة وعلم نافع حصل به؟!. ومن تأمل خطب النبي صلى الله عليه وسلم ، وخطب أصحابه، وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد، وذِكر صفات الربِّ جل جلاله، وأصولِ الإيمان الكلية، والدعوة إلى اللّه، وذِكر آلائه تعالى التي تُحبِّبه إلى خلقه وأيامِه التي تخوِّفهم من بأسه، والأمر بذكره وشكره الذي يُحبِّبهم إليه، فيذكرون مِن عظمة اللّه وصفاته وأسمائه، ما يُحبِّبه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره، وذِكره ما يُحبِّبهم إليه، فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم. ثم طال العهد، وخفي نورُ النبوة، وصارت الشرائعُ والأوامرُ رسوماً تُقام، من غير مراعاةٍ حقائقها ومقاصدها، فأعطَوْها صورها، وزيّنوها بما زينوها به، فجعلوا الرسوم والأوضاع سنناً لا ينبغي الإخلالُ بها، وأخلُّوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإِخلال بها، فرصعوا الخُطب بالتسَجيع والفِقر، وعلم البديع، فَنقَص بل عَدمَ حظُ القلوب منها، وفات المقصود بها! فمما حُفظ من خطبته صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر أنْ يخطُب بالقرآن وسورة (ق). قالت أم هشام بنت الحارث بن النعمان: ما حفظت (ق) إلا منْ في رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مما يخطب بها أعى المنبر. قال: وحُفظ من خطبته أيضا: الحمد لله نستعينه ونستغفره... انتهى 3- كيف يبتدئ الخطيب الخطبة إذا أراد أن يقرأ السورة؟ هل يفتتحها بالحمد كالمعتاد، أم يبدأ بالاستعاذة ثم بالبسملة، ثم يقرأ السورة؟ والجواب: أن عادة النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه: البدء بخطبة الحاجة، فيبدأ بها، ثم يقرأ السورة. 4- هل تقسم السورة على الخطبتين؟ أم يقرؤها في الأولى،ثم يبين للناس في الثانية سبب قراءتها، ويوضح معانيها بإجمال شديد؟ والجواب: أنّ ظاهر الحديث أنه صلى الله عليه وسلم يقرؤها في الخطبتين، ولو قرأها كاملة في الخطبة الأولى ثم فسرها باختصار، فهو أفضل. 5- هل له أن يرتّل على المنبر سورة (ق) وكذا الآيات الثلاث، وهي آية آل عمران ثم آية النساء ثم آية الأحزاب من خطبة الحاجة؟ وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله، فقال: «يقرأها قراءة عادية أو مرتلة، كله طيب ما فيه شيء، الأمر واسع». انتهى من الشريط الأول من شرحه على كتاب النكاح من بلوغ المرام. وقد وجه السؤال لللجنة الدائمة للإفتاء، وأجابت بالمنع من الترتيل: لقد ظهر في ساحة الدعوة عندنا بعض الخطباء، وعند ذكر خطبة الحاجة عند الوصول إلى الآيات الثلاث الواردة في الخطبة، يرتلون الآيات كما لو كانوا يقرؤون في القرآن، فهل هذا مشروع، وبعضهم يزيد على الترتيل استبدال آية (يا أيها الذين آمنُوا اتقوا اللهَ وقولوا قولاَ سديداً) بآية سورة الحج (يا أيها الناس اتقوا ربكم....) الآية، فما جوابكم عليهم جزاكم الله عنا كل خير؟ الجواب: تلاوة الآية عند الاستدلال بها في الخُطبة، تلقى كما تلقى الخطبة استشهاداً بها، وأما قراءة آية الحج فلا مانع منها، وليست هي من الآيات التي تقرأ في خطبة الحاجة. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة العلمية للبحوث العلمية والإفتاء. وكذا قال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله في كتابه (تصحيح الدعاء) (ص 320)، قال: «مما أحدث الوعّاظ وبعض الخطباء في عصرنا: مغايرة الصّوت عند تلاوة القرآن لنسق صوته في وعظه أو الخطابة. وهذا لم يُعرف عن السالفين ولا الأئمة المتبوعين، ولا تجده لدى أجلاّء العلماء في عصرنا، بل يتنكّبونه، وكثير من السّامعين لا يرتضونه، والأمزجة مختلفة، ولا عبرة بالفاسد منها، كما أنه لا عبرة بالمخالف لطريقة صدر هذه الأمة وسلفها، والله أعلم». انتهى
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 113 ) باب: الإشارة بالإصْبع في الخُطبة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 417.عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ رضي الله عنه قال: رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ على الْمِنْبَرِ، رَافِعًا يَدَيْهِ، فقال: قَبَّحَ اللَّهُ هاتَيْنِ الْيَدَيْنِ! لقد رَأَيْتُ رسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ما يَزِيدُ على أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هكذا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ.الشرح: قال المنذري: باب: الإشارة بالإصبع في الخطبة. والحديث أخرجه مسلم في الجمعة (2/595) في الباب السابق: باب: تخفيف الصلاة والخطبة. عُمارة بن رُؤَيبةَ الثقفي، أبو زهير، صحابي، نزل بالكوفة، تأخرت وفاته إلى بعد السبعين، روى له: م د ت س. وحصين الراوي عنه، هو ابن عبد الرحمن السلمي، أبو الهذيل الكوفي، تابعي ثقة، تغير في آخر عمره، روى له الجماعة. قوله «رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ على الْمِنْبَرِ» بِشر بن مروان أميرٌ أموي، أحد الأجواد، من أبناء الخليفة مروان بن الحكم، وأمه قُطَيَّة بنت بشر البدوية من بني كلاب، استعمله أخوه الخليفة عبد الملك بن مروان على الكوفة بعد مقتل مصعب بن الزبير، على صلاتها وخراجها سنة 71هـ، وفي سنة 73هـ عزل عبد الملك خالد بن أسيد عن ولاية البصرة، لإخفاقه في حرب الخوارج الأزارقة، وضم البصرة إلى أخيه بشر. ولما مات بشر وقف الفرزدق على قبره، ورثاه بأبياتٍ، فما بقي أحدٌ إلا بكى. قال خليفة في تاريخه: مات بالبصرة سنة خمس وسبعين، وله نيف وأربعون سنة. قوله «رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ على المِنْبَرِ» على عادة الأمراء سابقا، أنهم يتولون خطبة الجمعة. قوله «قَبَّحَ اللَّهُ هاتَيْنِ الْيَدَيْنِ» القبح ضد الحسن، وهو إنكارٌ شديد عليه ودعاء، لمخالفته للسنة النبوية، وإقرار البقية له. قال النووي: فيه: أَنَّ السُّنَّة أَلا يَرْفَع الْيَد في الْخُطْبة، وهو قول مالك وأَصحابنَا وغيرهم اهـ. فالْحديثُ يَدُلُّ علَى المنع من رفْعِ الأَيْدي علَى المِنْبَر أثناء الدُّعَاءِ، للإمام والمأموم، فإنه إذا لم يُشرع رفع اليدين للخطيب، فالمأمومون مثله؛ لأنهم يقتدون به ويتابعونه. إنما ورد في شأن الخطيب يوم الجمعة، أنه إذا دعا على المنبر، يشير بسبابته فقط، ولا يرفع يديه. وإنْ كان الأصل أنْ يرفع الداعي يديه عند الدعاء، وهو من موجبات قبول الدعاء، لقول النبيصلى الله عليه وسلم : «إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْه يَدَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ» رواه الترمذي (3556). ففي هذا الْحديث دَلالَةٌ علَى اسْتحبابِ رَفْعِ الْيدين في الدُّعاءِ، والْأَحاديثُ فيه كثيرة. لكن إذا دعا الإمام للاستسقاء يوم الجمعة وهو على المنبر، فالسُنة أن يرفع يديه، ويرفع المأمومون أيديهم ويدعون معه. فقد روى البخاري (933) ومسلم (897): عن أَنسِ بنِ مالكٍ قال: أَصَابَتْ النَّاسَ سَنَةٌ على عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَبَيْنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ في يومِ جُمُعَةٍ، قامَ أَعْرَابِيٌّ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْمَالُ، وجاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ. زاد البخاري في رواية تعليقاً ووصلها البيهقي: «ورَفَعَ النَّاس أَيْدِيهمْ مع رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم يَدْعُونَ». وهكذا قال علماؤنا المعاصرون، فقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: ما حكم رفع اليدين في الدعاء يوم الجمعة للمأمومين، ذلكم أني أرى هذه الظاهرة منتشرة بكثرة؟ فأجاب: أما حال الخُطبة، فلا يَرفع الإمام ولا يرفع المأمومون، يُنصتون ولا يرفعون أيديهم، ولا يرفع هو في الخُطبة، إلا في الاستسقاء، إذا استسقى طلب الغوث طلب المطر، يرفع يديه ويرفعون أيديهم معه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، لما استسقى عليه الصلاة والسلام، أما الخطبة العادية التي ليس فيها استسقاء، فإنّ السُنة أنه لا يرفع ولا يرفعون، ولو دعا يدعو لكن من دون رفع، وهكذا خطبة العيد ليس فيها رفع، إلا إذا استسقى، إذا طلب السُقيا: طلب الغوث، طلب المطر، فإنّ السُنة أن يرفع يديه، والمأمومون كذلك يرفعون أيديهم، في الجمعة وفي غيرها، إذا استسقى يرفعون أيديهم، حتى لو جلس العالم بين أصحابه واستسقى ورفع يديه، يرفعون أيديهم في حلقه العلم، أو في أي مكان، وهم محتاجون للغيث، قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، ورفعوا أيديهم، كله طيب، لا حرج في ذلك. قال: فرفع اليدين من أسباب الإجابة، لكن المواضع التي لم يَرفع فيها النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد وُجدت في عهده، لا نرفع فيها؛ لأن تركه حجة وفعله حجة عليه الصلاة والسلام، قال: وهكذا بعد الفرائض إذا سلّم من الفريضة ما كان يرفع يديه، فلا نرفع بعد الفريضة، وهكذا في دعاء آخر الصلاة قبل أن يسلم كان يدعو، قبل أنْ يسلم، ولم يرفع يديه، وهكذا بين السجدتين كان يدعو ولا يرفع يديه، فالشيء الذي ما رفع فيه النبي صلى الله عليه وسلم وهو موجود في عهده وقد فعله، نكون مثله لا نرفع أيدينا عليه الصلاة والسلام، تأسياً به صلى الله عليه وسلم في الفعل والترك انتهى مختصرا من موقعه. وكذلك سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ما حكم رفع الأيدي، والإمام يخطب يوم الجمعة؟ فأجاب: رفع الأيدي والإمام يخطب يوم الجمعة ليس بمشروع، وقد أنكر الصحابة على بشر بن مروان حين رفع يديه في خطبة الجمعة، لكن يستثنى من ذلك الدعاء بالاستسقاء؛ فإنه ثبت عن النبي أنه رفع يديه يدعو الله -عز وجل- بالغيث وهو في خطبة الجمعة، ورفع الناس أيديهم معه، وما عدا ذلك فإنه لا ينبغي رفع اليدين في حال الدعاء في خطبة الجمعة اهـ. «فتاوى أركان الإسلام» (ص 392). وفي الحديث أيضا: مشروعية الدعاء يوم الجمعة في الخُطبة، للمسلمين والمسلمات، ولأئمة المسلمين وولاتهم، وهو قول الفقهاء رحمهم الله جميعا، وقيل هي: ساعة الإجابة التي في يوم الجمعة: قال الشيخ أبو محمد بن قدامة الحنبلي رحمه الله: «ويستحب أنْ يدعو للمؤمنين والمؤمنات والحاضرين، وإنْ دعا لسلطان المسلمين بالصلاح فحسنٌ، وقد روى منبه بن محسن: أنّ أبا موسى كان إذا خطب فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لعمر وأبي بكر، وأنكر عليه منبه البداءة بعمر، قبل الدعاء لأبي بكر، ورَفع ذلك لعمر، فقال لمنبه: «أنتَ أوثق منه وأرشد... قال: ولأنّ سُلطان المسلمين إذا صَلَح، كان فيه صلاحٌ لهم، ففي الدعاء له دعاءٌ لهم، وذلك مستحبٌ غير مكروه» اهـ. وقال العلامة الزركشي رحمه الله في (شرح الخرقي): «وإنْ أراد أنْ يدعو لإنسان دعا» قال: «أي: للسلطان ونحوه؛ لأنّ صلاحه صلاح للمسلمين، ولأنّ الدعاء لمعينٍ يجوز في الصلاة على الصحيح، فكيف بالخطبة» اهـ (2/182). وقال المرداوي في الإنصاف: «يُسن أنْ يدعو للمسلمين بلا نزاعٍ، وأشار ابن عبدالهادي في (مغني ذوي الأفهام) إلى أنّ هذا: «باتفاق الأئمة الأربعة». كما في غاية المرام للشيخ العبيكان (7/216). وكذا قال الشافعية، فقال صاحب (المنهاج) وهو يعدّد شروط الخطبة: «الخامس: ما يقع عليه اسم دعاء للمؤمنين في الثانية، وقيل لا يجب». قال شارحه العلامة الخطيب الشربيني: «لنقلِ الخلف له عن السلف... قال: ويستحب الدعاء لأئمة المسلمين، وولاة أمورهم، بالصلاح والإعانة على الحق، والقيام بالعدل، ونحو ذلك» اهـ. وكذا قال ابن عابدين الحنفي رحمه الله: «لا مانع من استحبابه - أي الدعاء للسلطان- فيها كما يُدْعى لعموم المسلمين، فإنّ في صلاحه صلاحُ العالَم...اهـ. (3/22). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الاختيارات (148): «إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يشير بإصبعه إذا دعا». وقال العلامة ابن القيم: «وكان يشير بإصبعه السبابة في خطبته، عند ذكر الله تعالى ودعائه» (1/428) زاد المعاد. - والدعاء لأئمة المسلمين وولاتهم، في الخطب يوم الجمعة وغيرها، هو من عمل السلف رحمهم الله، واشتهر بين المسلمين، ولم ينكره إلا أهل البدع، فمما جاء في كتب العقائد: قول الإمام الطحاوي رحمه الله في عقيدته المشهورة: «ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإنْ جارُوا، ولا نَدْعو عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضةً، ما لم يأمروا بمعصية». ثم قال: «وندْعُو لهم بالصّلاحِ والمُعافاة». وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: لو كانت لي دعوةٌ مستجابة، ما جعلتها إِلا في السُلطان، فقيل له: يا أبا علي، فَسِّر لنا هذا. فقال إذا جَعلتُها في نفسي لم تَعْدُني، وإِذا جعلتها في السلطان صَلَح، فصَلَح بصلاحه العبادُ والبلاد. والدعاء لولي الأمر، في الخُطبة يوم الجمعة وغيرها، له فوائد كثيرة عظيمة، نُجملها فيما يأتي: - الفائدة الأولى: أنّ المسلم حين يَدعو لولي أمره، فإنه يتعبّد لله -عز وجل- بهذا الدعاء؛ ذلك لأنّ سمعه وطاعته لولي الأمر إنما كان بسبب أمر الله تعالى له، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، فالله تعالى يقول لعباده: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (النساء 59)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «على المرءِ المسلم السمعُ والطاعة، فيما أحبَّ وكره، إلا أنْ يُؤمر بمعصية» متفق عليه. فالمسلم يسمع ويطيع لولي أمره، تعبداً لله عز وجل، وطاعة له وامتثالاً. ولاشك أنّ هذا الامتثال لأوامر الله تعالى، من أعظم الأدلة على عبودية الإنسان لربه، وخضوعه له، وإيمانه به رباً وإلهاً وشارعاً. - الفائدة الثانية: أنّ في الدعاء لولي الأمر إبراءً للذمة؛ إذْ الدُعاء من النصيحة، والنصيحة لأئمة المسلمين واجبة على كل مسلم، قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: «إني لأدعو له - أي السلطان - بالتسديد والتوفيق، في الليل والنهار، والتأييد، وأرى ذلك واجباً عليّ». السُنة للخَلال (ص 38). - الفائدة الثالثة: أنّ الدعاء لولي الأمر، من علامات أهل السُنة والجماعة، فالذي يدعو لولي الأمر، متصفٌ بصفات أهل السنة. كما قال الإمام أبو محمد البربهاري رحمه الله: «وإذا رأيتَ الرجل يدعو على السلطان، فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا رأيتَ الرجل يدعو للسلطان بالصلاح، فاعلم أنه صاحب سُنة إن شاء الله». - الفائدة الرابعة: أنّ الدُعاء لولي الأمر، نفعه عائد إلى الرعية أنفسهم، فإن ولي الأمر إذا صلح، صلحت الرعية، واستقامت أحوالها، وطاب عيشها. - الفائدة الخامسة: أن ولي الأمر إذا بلغه أنّ الرعية تدعو له، سُرَّ بذلك غاية السرور، ودعاه ذلك إلى محبتهم، والألفة بهم، والاجتماع معهم , والبحث عما فيه سعادتهم وراحتهم، وقضاء حوائجهم. - الفائدة السادسة: أن في ذلك ترويضاً للرعية، وتربية لهم على الطاعة والانقياد، فإنّ منْ شرع الله وطاعته: طاعة ولاة الأمور، من الأمراء والعلماء، والوالدين والأزواج ونحوهم. وإذا تربّت الأمة على ذلك، أصبحت تصرفاتها وفق إرادة الشارع، وتغلبت كلمة الشرع على العقل والقلب، والعاطفة والهوى، وعلى كل التصرفات، وتهذبت غرائزها وطباعها. والتغلب على الهوى والنفس، فيه الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة. - الفائدة السابعة: أنّ بالدعاء لأولي الأمر، والطاعة لهم، تتلاحم الأمة وتتماسك، وتقوى الصلة بينهم جميعاً، ويشيع الأمن والاستقرار في ربوع البلاد، وتتحقق وحدة الأمة وقوتها. - الفائدة الثامنة: أنّ طاعة ولي الأمر والدعاء له، سببٌ للنصر على الأعداء؛ إذْ به تجتمع الكلمة، وتتلاحم الصفوف، وتحصل القوة، وهذه هي أهم مقومات النصر، ولذلك كان من أهم أسباب انتصارات المسلمين في المعارك الكثيرة: هي الطاعة لولي الأمر. وفي قصة غزوة أُحد، دليلٌ واضح على ذلك، فالمسلمون انتصروا في أول الأمر حينما كانوا مطيعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم انهزموا حينما خالفوا أمره، فنزل الرماة من الجبل، لمشاركة الناس في جمع الغنائم، دون إذن من رسول الله عليه الصلاة والسلام، فحصل ما حصل. ومما سبق: يتضح بطلان ما عليه الخوارج، قديما وحديثاً، من كراهية الدعاء للسلطان على المنابر يوم الجمعة، بل بعضهم يدعون عليه! وهذا من جهلهم بنصوص الوحي، وعمل السلف، ومخالفتهم لأئمة المسلمين سلفاً وخلفاً. والله تعالى أعلم،،،
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 114 ) باب: التَّعــلــيـــــمُ للــعـــلــــــمِ فـــــي الخُطـــبــــة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 418-عنَ أَبُي رِفَاعَةَ رضي الله عنه قال: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وهو يَخْطُبُ، قال فَقُلْتُ : يا رسُولَ اللَّهِ ، رجُلٌ غَرِيبٌ، جاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ، لَا يَدْرِي ما دِينُهُ؟ قال: فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، وتَرَكَ خُطْبَتَهُ حتَّى انْتَهَى إليَّ، فأُتِيَ بِكُرْسِيٍّ حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا، قال: فَقَعَدَ عليه رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، وجَعَلَ يُعَلِّمُنِي ممَّا علَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا.الشرح: قال المنذري: باب: التعليم للعلم في الخطبة . والحديث أخرجه مسلم في الجمعة (2/597) باب: حديث التعليم في الخطبة. أبو رفاعة هو العدوي، صحابيٌ اسمه تميم بن أسد، وقيل: عبد الله بن الحارث، نزل البصرة، استشهد بكابل سنة أربع وأربعين . (رواه البخاري ومسلم). قوله: «انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِ صلى الله عليه وسلم وهو يَخْطُبُ، قال فَقُلْتُ: يا رسُولَ اللَّهِ، رجُلٌ غَرِيبٌ، جاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ، لَا يَدْرِي ما دِينُهُ؟» قال النووي: فيه: استحباب تلطّف السائل في عبارته، وسؤاله العالم . قوله « فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، وتَرَكَ خُطْبَتَهُ حتَّى انْتَهَى إليَّ» فيه: تواضع النبي صلى الله عليه وسلم ، ورفقه بالمسلمين، وشفقته عليهم، وخفض جناحه لهم. وفيه: المبادرة إلى جواب المستفتي، وتقديم أهم الأمور فأهمها، ولعله كان سأل عن الإيمان وقواعده المهمة. وقد اتفق العلماء على أن من جاء يسأل عن الإيمان، وكيفية الدخول في الإسلام، وَجَب إجابته وتعليمه على الفور. قوله: «فأُتِيَ بِكُرْسِيٍّ حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا، قال: فَقَعَدَ عليه رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم الكرسي بضم الكاف وكسرها، والضم أشهر . وقعوده صلى الله عليه وسلم على الكرسي مرتفعاً، ليسمع الباقون كلامه ، ويروا شخصه الكريم. وهذه الخطبة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم فيها، يحتمل أنها خطبة أمرٍ غير الجمعة، ولهذا قطعها بهذا الفصل الطويل، ويحتمل أنها كانت الجمعة واستأنفها، ويحتمل أنه لم يحصل فيها فَصْلٌ طويل، ويحتمل أن كلامه لهذا الغريب كان متعلقا بالخطبة، فيكون منها، ولا يضر المشي في أثنائها. وفي الحديث: إباحة الكلام بين الإمام والمأموم أثناء الخطبة يوم الجمعة وغيرها، إذا كان لضرورة عارضة، في حالة التعليم، والسؤال المهم، والتنبيه على أخطاء المأمومين، ونحوها من الأمور، كما صح في أحاديث، منها : ما جاء في حديث جابر بن عبد الله قال: «دخل رجلٌ يوم الجمعة والنبيصلى الله عليه وسلم يخطب، فقال: «أصليت؟»، قال: لا، قال: «فصلّ ركعتين». رواه البخاري في كتاب الجمعة (2/ 478) ومسلم برقم (1987). ومما يدل أيضا : على جواز كلام المأموم مع الإمام، والإمام مع المأموم أثناء الخطبة، ما صح من سؤال الأعرابي النبي صلى الله عليه وسلم الاستسقاء في الخطبة، فعن أنس بن مالك قال: أصابت الناس سَنة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فبينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في يوم الجمعة، قام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلكَ المالُ، وجاعَ العيال، فادْع الله لنا، فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة؛ فوالذي نفسي بيده، ما وضعهما حتى ثار السحابُ أمثالَ الجبال ، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيتُ المطر يَتحادَر على لحيته صلى الله عليه وسلم ، فمُطرنا يومنا ذلك ومن الغد وبعد الغد، والذي يليه حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي - أو قال غيره – فقال: يا رسول الله، تهدم البناء، وغرقَ المال، فادْع الله لنا، فرفع يده فقال: اللهم حَوالينا ولا علينا، فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجتْ، وصارت المدينة مثلَ الجوبة، وسالَ الوادي قناة شهراً، ولم يجئ أحدٌ من ناحية إلا حدّث بالجود». صحيح البخاري برقم (933) . وأيضا: عن أبي الزاهرية حُدير بن كريب قال: كنا مع عبد الله بن بسر صاحب النبيصلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، فقال عبد الله بن بسر: جاء رجل يتخطّى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبيصلى الله عليه وسلم يخطب ؛ فقال له النبيصلى الله عليه وسلم : «اجلسْ، فقد آذيتَ» أخرجه أبو داود في سننه برقم (1114). وصححه الألباني في السنن برقم (1118). وكذا الحديث في الباب السابق: عن ابن عمر: «أن عمر بن الخطاب بينا هو يخطب الناس يوم الجمعة، دخل رجلٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ فقال: إني شُغلت اليوم، فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعتُ النداء، فلم أزدْ على أنْ توضأت، قال عمر: والوضوء أيضا! وقد علمتَ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغُسل». فكان صلى الله عليه وسلم يقطع خطبته للحاجة تعرض له أو لأصحابه، أو يتوجّه له سؤال من أحد أصحابه فيجيبه، ثم يعود إلى خطبته فيتمها، كحديث أبي رفاعة رضي الله عنه في الباب . بل ربما نزل صلى الله عليه وسلم عن المنبر للحاجة، ثم يعود إلى خطبته فيُتمّها، كما نزلَ لأخذ الحسن والحسين -رضي الله عنهما- فأخذهما ثم ارتقى بهما المنبر، فأتمّ خُطبته، فقد روى بريدة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَخطبنا، إذْ جاء الحسن والحسين، عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول اللهصلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: «صدقَ الله {إنّما أمْوالُكم وأولادُكمْ فتنةٌ}(التغابن : 15)، نظرتُ إلى هذين الصبيين، يمشيان ويعثران، فلم أصبرْ حتى قطعتُ حديثي ورفعتهما». أخرجه الترمذي برقم (4027). وهذا كله هو من قبيل تعليمه صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم ما يحتاجونه، وليس ناسخاً لأحاديث الإنصات للخطبة يوم الجمعة، بل هذه حالات عارضة كانت تحدث للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كحديث الاستسقاء، وحديث الأمر بصلاة ركعتين لمن جلس قبل أنْ يصليهما، وغيرها، فكلها حالات خاصة، ولا تنسخ أحاديث وجوب الإنصات. ثم هذه الأحاديث كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المأمومين، أما النهي فهو خاص بالمأمومين، كي لا يلهيهم الكلام عن سماع الخطبة التي من أجلها حضروا، فالنهي عن الكلام أثناء الخطبة موجه إلى المأمومين بعضهم مع بعض، أما كلام الإمام مع المأمومين بُغية تعليمهم أو نحو ذلك، فجائز لدلالة الأحاديث عليه، وعلى هذا فلا تعارض بين الأحاديث. ومعلوم أنه إذا أمكن الجمع فلا يقال بالنسخ، حسبما اتفق عليه الأصوليون. وتحريم الكلام علته: الاشتغال عن الإنصات الواجب لسماع الخطبة، ولا يحصل ههنا، فمن كلّم الإمام لحاجة ضرورية، أو سأله عن مسألة، فلا حرج عليه. قال الحافظ ابن حجر: «للخطيب أنْ يأمر في خُطبته وينهى ، ويُبين الأحكام المحتاج إليها، ولا يقطع ذلك التوالي المشترط فيها، بل لقائلٍ أنْ يقول: كلُ ذلك يُعد من الخُطبة » فتح الباري (2/ 478). فأحاديث النهي عن الكلام أثناء الخطبة باقية لم تُنسخ ، بالإجماع على وجوب الإنصات أثناء خطبة الجمعة، فذكر ابن حجر أن ابن عبد البر نقل إجماع الأمة على وجوب الإنصات للخطبة، وكذا النووي في شرحه لصحيح مسلم، وغيرهم من العلماء . وقد تضافرت الأدلة على وجوب إنصات المأمومين أثناء خطبة الجمعة، حتى وإنْ كان الكلام بينهم أمراً بمعروف، أو نهيا عن منكر، أو رداً لسلام، أو تشميتاً لعاطس، فإنه يعد لغواً، فقد روى الشيخان: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا قلتَ لصاحبك: أنصتْ يومَ الجمعة، والإمامُ يَخطبُ، فقد لَغوت». فقوله لصاحبه: أنصت، هو من الأمر بالأمر ، ومع ذلك عدّه لغواً. وأخرج مسلم: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «منْ توضأ فأحسنَ الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمعَ وأنصت، غُفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، ومَنْ مسَّ الحصى، فقد لَغى». وغيرها من الأحاديث . وفي الحديث: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام، وشرائعه، ويأمرهم وينهاهم في خطبته، إذا عرض له أمر أو نهي، ولا يؤخر البيان عن وقت الحاجة. وفي الحديث: أنه ينبغي للمعلّم أنْ يتواضع لطلابه، فيرعى حال جاهلهم، ويرحم ضعيفهم، وقد يَخصّه بمزيد بيانٍ، وشرحٍ ووقت، ولاسيما إذا كان قريب العهد بالإسلام أو الهداية . وقد جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: إنّ امرأةً كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله، إنّ لي إليك حاجة، فقال: «يا أم فلان، انظري أيُّ السِكك شئتِ، حتى أقضيَ لك حاجتك».
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 116 ) بـــاب: تخـفـيـف الصـــلاة والخـطـبـة الفرقان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 420.عن جابرِ بنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قال : كُنْتُ أُصلِّي مع رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فكانتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا.الشرح : قال المنذري: باب: تخفيف الصلاة والخطبة . والحديث أخرجه مسلم في الجمعة (2/591) باب: تخفيف الصلاة والخطبة. قوله: «فكانت صلاته قصدا» أي: متوسطة بين الإفراط والتفريط، من التقصير والتطويل. وفي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه: كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وركوعه، وإذا رفع رأسه من الركوع، وسجوده، وما بين السجدتين، قريباً من السواء. وفي حديث أنس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع، قام حتى يقول القائل: قدْ نَسِي، وبين السجدتين حتى يقول القائل: قدْ نسي. صحيح البخاري كتاب الأذان (حديث 820، 821) وصحيح مسلم (1/ 344). فإنْ قيل: حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنه- هذا، ينافي حديث عمار رضي الله عنه مرفوعا: «إنّ طُول صلاة الرجل، وقصر خطبته، مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة» رواه مسلم. قال النووي: المراد بالحديث الذي نحن فيه: أن الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة، لا تطويلاً يشق على المأمومين، وهي حينئذ قصدٌ؛ أي: معتدلة، والخطبة قصد بالنسبة إلى وضعها. شرح مسلم (6/159 ). وقال العراقي في شرح الترمذي: أو حيث احتيج إلى التطويل لإدراك بعض من تخلف، قال: وعلى تقدير تعذر الجمع بين الحديثين، يكون الأخذ في حقنا بقوله؛ لأنه أدلّ، لا بفعله لاحتمال التخصيص انتهى. قلت: قال القاري في المرقاة: لا تنافي بينهما؛ فإنّ الأول دل على الاقتصاد فيهما، والثاني على اختيار المزية في الثانية منهما انتهى. قوله: «وخُطبته قصداً» القَصْد: الوَسط، أي: لا قصيرة ولا طويلة . قال النووي رحمه الله: أي بين الطول الظاهر، والتخفيف الماحق اهـ. فإنْ قلت: هذا ينافي حديث أبي زيد بن أَخْطَب رضي اللَه عنه: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن. رواه مسلم. نقول : لا تنافي بينهما؛ لأن حديث أبي زيد لم يَذكر أنه كان يوم جمعة . أو أن ما في حديث أبي زيد كان نادرا اقتضاه الحال ، وبيانا للجواز . وقد كره الشافعي إطالة الخطبة فقال: «وأحبُ أنْ يرفع صوته حتى يسمع أقصى من حضره، إنْ قدر على ذلك، وأحب أنْ يكون كلامه كلاماً مُترسّلاً مبيناً بغير الإعراب الذي يشبه العي، وغير التمطيط وتقطيع الكلام ومدّه، وما يستنكر منه، ولا العجلة فيه عن الإفهام، ولا ترك الإفصاح بالقصد، وأحب أنْ يكون كلامه قصداً بليغاً جامعاً». انتهى من الأم (1/230) . وقال النووي رحمه الله: «المراد من الحديث أن الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة، لا تطويلاً يشق على المأمومين» اهـ . وقال في المجموع (4/400): «يُستحب كون الخطبة فصيحةً بليغة، مرتبة مبينة ، من غير تمطيطٍ ولا تقعير، ولا تكون ألفاظاً مبتذلة ملفقة، فإنها لا تقع في النفوس موقعاً كاملاً، ولا تكون وَحْشيةً -أي ألفاظها غريبة لا يفهمها الناس-؛ لأنه لا يحصل مقصودها، بل يختار ألفاظاً جزلة مفهمة» انتهى. وقال ابن القيم: «وكان صلى الله عليه وسلم يقصر في خطبته أحياناً، ويطيلها أحياناً بحسب حاجة الناس، وكانت خطبته العارضة أطول من خطبته الراتبة» اهـ . زاد المعاد (1 / 191 ) . وقال الحافظ ابن حجر: «وقد اتفق العلماء على مدح الإيجاز، والإتيان بالمعاني الكثيرة بالألفاظ اليسيرة، وعلى مدح الإطناب في مقام الخطابة بحسب المقام» اهـ . الفتح (11 / 404). وقال في الإنصاف: «ويقصر الخطبة، هذا بلا نزاع، لكن تكون الخطبة الثانية أقصر، قاله القاضي في التعليق، والواقع كذلك» اهـ . الإنصاف (5/ 242). وهذه مسألة مهمة يَغفل عنها كثير من الخطباء، ألا وهي مسألة قصر الخطبة وطول الصلاة، فالناس فيها بين الإفراط والتفريط إلا من رحم الله، فبعضهم يُطيل الخُطبة إطالةَ مملة، فيخالف بذلك السُنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وآخرون يقصرونها تقصيراً مخلاً؛ بحيث تقل فائدتها المرجوة منها؛ وسبب ذلك هو عدم فهم الحديث الوارد في هذه المسألة فهماً صحيحاً؟! فالخطبة ليست قصيرة جداً كما يظن بعضهم؛ لأنها لو كانت كذلك، لما احتاج بعض السلف كعثمان ومعاوية -رضي الله عنهما- إلى أنْ يجلسوا فيها أثناء الخطبة لما كبروا في السن. وأيضا العجب من بعض الخطباء ذوي العلم، كيف يُطيلون الخطبة، حتى يتجاوز بعضهم ثلاثة أرباع الساعة؟ ولربما قال الناس: ليته سكت! فما سبق يدلَّ على أن الخطبة وسط بين القصر والطول، وخير الأمور الوسط، كما قال جابر ابن سمرة -رضي الله عنه- في حديث الباب: «قصدا». قال أبو وائل رحمه الله: خطبنا عمار رضي اللَّهُ عنه فأوجز وأبلغ، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان! لقد أبلغت وأوجزت فلو كنت تنفست -أي أطلت قليلاً- فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ طول صلاة الرجل، وقصر خطبته، مَئِنةٌ -أي علامة- منْ فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقْصُرُوا الخُطبة، وإنّ من البيان سِحْراً» رواه مسلم. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إنكم في زمان قليلٌ خطباؤه، كثير علماؤه، يُطيلون الصلاة، ويقصرون الخطبة، وسيأتي عليكم زمانٌ، كثير خطباؤه، قليل علماؤه، يطيلون الخطبة، ويؤخرون الصلاة..» . رواه الطبراني في الكبير (9496) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ( 2/ 417 ) : ورجاله ثقات ، وهو كما قال .
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 117 ) باب: إذا دَخَلَ والإمام يَخطب يوم الجمعة يركع الفرقان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 421.عن جابرٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قال: جاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ورسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَاعِدٌ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَقَعَدَ سُلَيْكٌ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فقال لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ؟»، قال: لَا، قَال : «قُمْ فَارْكَعْهُمَا».الشرح: قال المنذري : باب : إذا دَخَلَ والإمام يَخطب يوم الجمعة يركع . والحديث أخرجه مسلم في الجمعة (2/596) باب: التحية والإمام يخطب. قوله: «جاء سُليك الغطفاني» سليك بالسين المهملة مصغراً، هو ابن هدبة وقيل: ابن عمرو الغطفاني، بفتح المعجمة ثم المهملة بعدها فاء من غطفان بن سعد بن قيس عيلان، ووقع غير مسمى في هذه القصة عند البخاري عن جابر بلفظ: جاء رجلٌ يوم الجمعة». قوله: «ورسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَاعِدٌ علَى الْمِنْبَرِ وفي رواية البخاري» ورسول الله[ قائم على المنبر»، وهذا معنى قوله «قاعد» . قوله: «فقعد سليك قبل أنْ يصلي، فقال له: أركعت ركعتين؟»، وفي رواية البخاري «أصليت ركعتين»، وفي رواية الأكثر «فقال: صليت؟» بحذف همزة الاستفهام. قوله: «فقال: لا. فقال: «قم فاركعهما». وفي رواية: «قم فاركع ركعتين» وهو دليل على أنّ الخطبة لا تمنع الداخل من صلاة تحية المسجد. السنة عند دخول المسجد أن يصلي الداخل ركعتين تحية المسجد ولو كان الإمام يخطب . ولما روى مسلم في صحيحه: عن جابر -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب، فليركع ركعتين وليتجوز فيهما». أخرجه البخاري في الجمعة برقم (1170)، ومسلم في الجمعة برقم (875) واللفظ له. وهذا نصٌ صريح في المسألة، لا يجوز لأحد أنْ يخالفه. وكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : «إذا دخلَ أحدُكم المسجدَ، فلا يجلس حتى يُصلي ركعتين» أخرجه الشيخان. وقال المالكية: لا يجوز أنْ يصلي وقت الخطبة، قال خليل: ومنع نفل وقت طلوع شمس وغروبها، وخطبة جمعة. وقال في (الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني): ودليلنا ما في أبي داود والنسائي: أن رجلاً تخطّى رقاب الناس، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له: «اجلس ، فقد آذيت». فأمره بالجلوس دون الركوع، والأمر بالشيء نهي عن ضده، وخبر «إذا قلت لصاحبك أنصت، والإمام يخطب ، فقد لغوت». نهى عن النهي عن المنكر مع وجوبه، فالمندوب أولى، وأما خبر سليك الغطفاني وأمره صلى الله عليه وسلم بالركوع لما دخل المسجد وهو يخطب، فيحتمل نسخه بنهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة حينئذ ، كما في الخبر السابق ، وعلى تقدير معارضته وعدم نسخه فحديثنا أولى - كما قال ابن العربي - لاتصاله بعمل أهل المدينة ولجريه على القياس من وجوب الاشتغال بالاستماع الواجب، وترك التحية المندوبة... اهـ (1/266). وقال القاضي ابن العربي: «عارض قصة سليك ما هو أقوى منها، كقوله تعالى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} (الأعراف: 204). وقوله: «إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب يوم الجمعة، فقد لغوت» متفق عليه، قال: فإذا امتنع الأمر بالمعروف، وهو أمر اللاغي بالإنصات مع قصر زمنه، فمنع التشاغل بالتحية مع طول زمنها أولى. والجواب عن حديث: «اجلس، فقد آذيت» من وجوه: الأول: أنه يحتمل أن يكون هذا الرجل قد صلى التحية في مؤخر المسجد، على مرأى منه صلى الله عليه وسلم ، ثم تقدم ليتمكن من سماع الخطبة، فتخطى الأعناق فأنكر عليه . الثاني: أنّ معنى قوله صلى الله عليه وسلم : «اجلس» هو النهي عن تخطي الأعناق ، بدليل قوله: «فقد آذيت»، وأما التحية فقد وكله عليه الصلاة والسلام إلى ما علمه قبل ذلك من ضرورة التحية. ومع هذه الاحتمالات، لا يقوى الحديث المذكور على رد حديث سليك. قال الشيخ ابن باز رحمه الله: ولعل الإمام مالكاً رحمه الله لم تبلغه هذه السُنة، إذْ ثبت عنه أنه نهى عن الركعتين وقت الخطبة، وإذا صحّت السُنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يَجز لأحدٍ أنْ يخالفها لقول أحد من الناس ، كائناً من كان ؛ لقول الله عز وجل : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}(النساء : 59). ولقوله سبحانه: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} (الشورى : 10)، ومعلوم أنّ حكم الرسولصلى الله عليه وسلم ، من حكم الله عز وجل، لقوله سبحانه: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } (النساء : 80).انتهى. وقال بعضهم: إنها واقعة عين لا عموم لها، فيحتمل اختصاصها بسليك، ويدل عليه قوله في حديث أبي سعيد الذي أخرجه أصحاب السنن وغيرهم: جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب والرجل في هيئة بذة، فقال له: أصليت؟ قال: لا. قال: «صل ركعتين». وحض الناس على الصدقة الحديث، فأمره أن يصلي ليراه بعض الناس، وهو قائم فيتصدق عليه، ويؤيده أن في هذا الحديث عند أحمد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا الرجل دخل المسجد في هيئة بذة فأمرته أن يصلي ركعتين، وأنا أرجو أن يفطن له رجل فيتصدق عليه وعرف بهذه الرواية الرد على من طعن في هذا التأويل فقال: لو كان كذلك لقال لهم: إذا رأيتم ذا بذة فتصدقوا عليه، أو إذا كان أحد ذا بذة فليقم فليركع حتى يتصدق الناس عليه. وكله مردود؛ لأن الأصل عدم الخصوصية ومما يُبيِّن أن الْحكم عام، وليس خاصًّا بِسُليك، عموم قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب، فليركع ركعتين وليتجوّز فيهما». رواه مسلم . والتعليل بكونه صلى الله عليه وسلم قصد التصدق عليه، لا يمنع القول بجواز التحية بل والأمر بها. وهذا ما فهمه الصحابة رضي الله عنهم، فقد روى الترمذي: من طريق عِيَاضِ بنِ عبد اللَّهِ بن أَبي سَرْحٍ أَنَّ أَبا سعيدٍ الْخُدْرِيَّ دَخَلَ يوم الْجُمُعَةِ ومروانُ يَخْطُبُ، فقامَ يُصلِّي، فجاءَ الْحَرَسُ لِيُجْلِسُوهُ فأَبَى حتى صلَّى ، فلما انْصرفَ أَتَيْنَاهُ فَقُلْنا: رَحِمَكَ اللَّهُ، إِنْ كَادُوا لَيَقَعُوا بك! فقال: ما كنتُ لأَتْرُكَهُمَا بعد شيءٍ رَأَيْتُهُ من رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ ذكر أَنَّ رجلا جاءَ يوم الْجُمُعَةِ في هَيْئَةٍ بَذَّةٍ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ يومَ الْجُمُعَةِ، فَأَمَرَهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَالنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ. قال الترمذي عقبه: قال ابنُ أَبي عمرَ كان سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ يُصلي ركْعَتينِ إِذا جاءَ والإِمامُ يخطبُ، وكان يأْمر بِهِ ، وكَان أَبو عبْد الرحمن الْمُقرئُ يَراهُ. اهـ . قال الألباني: حكاية عياض بن عبد الله بن أبي السرح عن أبي سعيد الخدري. حسن صحيح. اهـ . وأما قول من قال: إن التحية تفوتُ بالجلوس، فقد حكى النووي في شرح مسلم عن المحققين: أن ذلك في حقّ العامد العالم، أما الجاهل أو الناسي فلا. وعارضوا أيضا: بما روى الطبراني: من حديث ابن عمر رفعه: «إذا دخل أحدكم والإمام على المنبر، فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام». والجواب: أن حديث ابن عمر هذا ضعيف، فيه أيوب بن نهيك ، وهو منكر الحديث، قاله أبو زرعة وأبو حاتم؛ فالأحاديث الصحيحة لا تعارض بمثله، وأما قصة سليك فقد ذكر الترمذي أنها أصح شيء روي في هذا الباب وأقوى . وقال الحافظ ابن حجر شيئا مما اعترض به المانعون أيضا، نذكره ملخصاً: 1- أن هذه القصة كانت قبل شروعه صلى الله عليه وسلم في الخطبة، ويدل عليه قوله في رواية الليث عند مسلم، «والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر». وأجيب بأن القعود على المنبر لا يختص بالابتداء، بل يحتمل أن يكون بين الخطبتين أيضا، فيكون كلّمه بذلك وهو قاعد، فلما قام ليصلي قام النبي صلى الله عليه وسلم للخطبة؛ لأن زمن القعود بين الخطبتين لا يطول، ويحتمل أيضا أن يكون الراوي تجوّز في قوله: «قاعد»؛ لأن الروايات الصحيحة كلها مطبقة على أنه دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب. 2- قيل: كانت هذه القصة قبل تحريم الكلام في الصلاة. وتعقب بأن سليكاً متأخر الإسلام جدا، وتحريم الكلام متقدم جدا، فكيف يدعى نسخ المتأخر بالمتقدم؟ مع أن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقيل: كانت قبل الأمر بالإنصات، وقد تقدم الجواب عنه. 3- قالوا : قد اتفقوا على أن منع الصلاة في الأوقات المكروهة، يستوي فيه من كان داخل المسجد أو خارجه، وقد اتفقوا على أنّ من كان داخل المسجد يمتنع عليه التنفل حال الخطبة، فليكن الآتي كذلك، قاله الطحاوي، وتعقب بأنه قياس في مقابلة النص، فهو فاسد. 4- قالوا : اتفقوا على أن الداخل والإمام في الصلاة، تسقط عنه التحية، ولا شك أنّ الخُطبة صلاة، فتسقط عنه فيها أيضا! وتعقب بأن الخطبة ليست صلاة من كل وجه، والفرق بينهما ظاهر من وجوه كثيرة، والداخل في حال الخطبة مأمور بشغل البقعة بالصلاة قبل جلوسه، بخلاف الداخل في حال الصلاة، فإن إتيانه بالصلاة التي أقيمت يحصل به المقصود ، هذا مع تفريق الشارع بينهما، فقال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، وقد وقع في بعض طرقه: «فلا صلاة إلا التي أقيمت « ولم يقل ذلك في حال الخطبة، بل أمرهم فيها بالصلاة . 5- قالوا : اتفقوا على سقوط التحية عن الإمام ، مع كونه يجلس على المنبر مع أن له ابتداء الكلام في الخطبة دون المأموم؛ فيكون ترك المأموم التحية بطريق الأولى. وتعقب بأنه أيضا قياس في مقابلة النص فهو فاسد؛ ولأن الأمر وقع مقيدا بحال الخطبة، فلم يتناول الخطيب. وقال الزين بن المنير: منع الكلام إنما هو لمن شهد الخطبة، لا لمن خطب؛ فكذلك الأمر بالإنصات واستماع الخطبة. 6- قال جماعة منهم القرطبي: أقوى ما اعتمده المالكية في هذه المسألة: عمل أهل المدينة خلفاً عن سلف من لدن الصحابة إلى عهد مالك ، أن التنفل في حال الخطبة ممنوع مطلقا؟ وتعقب بمنع اتفاق أهل المدينة على ذلك ، فقد ثبت فعل التحية عن أبي سعيد الخدري كما سبق، وهو من فقهاء الصحابة من أهل المدينة، وحمله عنه أصحابه من أهل المدينة أيضا. ولم يثبت عن أحدٍ من الصحابة صريحا ما يخالف ذلك، ثم قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وهذه الأجوبة التي قد قدمناها، تندفع من أصلها بعموم قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين». متفق عليه ، وقد تقدم الكلام عليه . وورد أخص منه في حال الخطبة، ففي رواية جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب: «إذا جاء أحدكم والإمام يخطب - أو قد خرج - فليصل ركعتين». متفق عليه أيضا . ولمسلم: عن جابر أنه قال ذلك في قصة سليك، ولفظه بعد قوله: «فاركعهما وتجوّز فيهما»، قال النووي: هذا نصٌ لا يتطرق إليه التأويل، ولا أظن عالماً يبلغه هذا اللفظ، ويعتقده صحيحا فيخالفه. وقال أبو محمد بن أبي جمرة: هذا الذي أخرجه مسلم نصٌ في الباب لا يحتمل التأويل . وحكى ابن دقيق العيد أن بعضهم تأول هذا العموم بتأويل مستكره؛ وكأنه يشير إلى بعض ما تقدم من ادعاء النسخ أو التخصيص. وقد عارض بعض الحنفية الشافعية بأنهم لا حجة لهم في قصة سليك؛ لأن التحية عندهم تسقط بالجلوس ، وقد تقدم جوابه . وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم: جواز صلاة التحية في الأوقات المكروهة ، لأنها إذا لم تسقط في الخطبة مع الأمر بالإنصات لها ، فغيرها أولى. وفيه: أن التحية لا تفوت بالقعود، لكن قيده بعضهم بالجاهل أو الناسي كما تقدم. وأنَّ للخطيب أنْ يأمر في خطبته وينهى، ويبين الأحكام المحتاج إليها، ولا يقطع ذلك التوالي المشترط فيها، بل لقائل أنْ يقول : كل ذلك يُعد من الخطبة . واستدل به على أن المسجد شرطٌ للجمعة، للاتفاق على أنه لا تُشرع التحية لغير المسجد، وفيه نظر. (فائدة): قيل يخص عموم حديث الباب، بالداخل في آخر الخطبة كما تقدم، قال الشافعي: أرى للإمام أن يأمر الآتي بالركعتين، ويزيد في كلامه ما يمكنه الإتيان بهما قبل إقامة الصلاة، فإنْ لم يفعل كرهت ذلك! وحكى النووي عن المحققين: أن المختار إن لم يفعل، أن يقف حتى تقام الصلاة؛ لئلا يكون جالسا بغير تحية، أو متنفلا حال إقامة الصلاة؛ واستثنى المحاملي المسجد الحرام؛ لأن تحيته الطواف! وفيه نظر لطول زمن الطواف بالنسبة إلى الركعتين . والذي يظهر من قولهم أن تحية المسجد الحرام الطواف، إنما هو في حق القادم، ليكون أول شيء يفعله الطواف، وأما المقيم فحكم المسجد الحرام وغيره في ذلك سواء، ولعل قول من أطلق أنه يبدأ في المسجد الحرام بالطواف ، لكون الطواف يعقبه صلاة الركعتين، فيحصل شغل البقعة بالصلاة غالبا وهو المقصود، ويختص المسجد الحرام بزيادة الطواف، والله أعلم. وأما التنفل بركعتين بعد صلاة الجمعة، فقد سنّه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما سيأتي في الخبر الصحيح .
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 118 ) بـــــاب : فــــي الإنْصـــــــــات للخُــطــبـــــــة الفرقان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 422-عن أَبي هُريرةَ رضي الله عنه : أَنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: «إِذا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ والْإِمامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ».الشرح: قال المنذري: باب: في الإنصات للخطبة. والحديث أخرجه مسلم في الجمعة (2/ 583) باب في الإنصات يوم الجمعة في الخطبة. وأخرجه البخاري في الجمعة ( 2/413) باب: الْإِنْصاتِ يومَ الجُمُعةِ والْإِمامُ يَخْطُبُ، وإِذا قال لصاحبه: أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَا. قوله: «إِذا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ»، قال الأزهري: يقال: أنصت ونصت وانتصت، قال ابن خزيمة: المراد بالإنصات: السكوت عن مكالمة الناس دون ذكر الله. قال الحافظ: وتُعقب بأنه يلزم منه جواز القراءة والذكر حال الخطبة، فالظاهر أن المراد السكوت مطلقا، ومن فرق احتاج إلى دليل، ولا يلزم من تجويز التحية لدليلها الخاص ، جواز الذكر مطلقا. وقال الحافظ في تبويب البخاري: «باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب»: أشار بهذا إلى الرد على من جعل وجوب الإنصات: من خروج الإمام؛ لأن قوله في الحديث: «والإمام يخطب» جملةٌ حالية، يخرج ما قبل خطبته من حين خروجه وما بعده، إلى أنْ يَشرع في الخطبة، نعم الأولى أنْ ينصت كما تقدم الترغيب فيه في «باب فضل الغسل للجمعة» وأما حال الجلوس بين الخُطبتين ، فحكى صاحب (المغني) عن العلماء فيه قولين، بناءً على أنه غير خاطب، أو أن زمن سكوته قليل، فأشبه السكوت للتنفس . قوله: «يوم الجُمعة» مفهومه أن غير يوم الجمعة بخلاف ذلك. قوله: «فَقَدْ لَغَوْتَ»، وفي رواية البخاري «وإذا قال لصاحبه: أنصت فقد لغا»، وفي رواية النسائي: «مَنْ قال لصاحبه يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت، فقد لغا» والمراد بالصاحب: من يخاطبه بذلك مطلقا؛ وإنما ذكر الصاحب لكونه الغالب. وقوله: «فقد لغوت»، قال الأخفش: اللغو الكلام الذي لا أصل له، من الباطل وشبهه. وقال ابن عرفة: اللغو السقط من القول، وقيل: الميل عن الصواب، وقيل: اللغو: الإثم، كقوله تعالى: {وإذا مَرُوا باللغوِ مرُوا كراما}. وقال الزين بن المنير: اتفقت أقوال المفسرين على أن «اللغو» ما لا يحسن من الكلام . قال الحافظ (2/414): وأغرب أبو عبيد الهروي في «الغريب» فقال: معنى لغا تكلم! كذا أطلق، والصواب التقييد. وقال النضر ابن شميل: معنى لغوت: خبتَ من الأجر، وقيل: بطلت فضيلةُ جمعتك، وقيل: صارت جمعتك ظهرا. قال الحافظ : أقوال أهل اللغة متقاربة المعنى، ويشهد للقول الأخير ما رواه أبو داود وابن خزيمة: من حديث عبد الله بن عمر مرفوعا «ومَنْ لغا وتخطى رقاب الناس، كانت له ظُهرا»، قال ابن وهب أحد رواته: معناه أجزأت عنه الصلاة، وحرم فضيلة الجمعة. ولأحمد: من حديث علي مرفوعا «منْ قال: صه فقد تكلم، ومن تكلم فلا جمعة له». ولأبي داود نحوه . وروى أحمد (1/230) والبزار: من حديث ابن عباس مرفوعا «من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب، فهو كالحمار يحمل أسفاراً، والذي يقول له: أنصت، ليست له جمعة»، قلت: وإسناده ضعيف، فيه مجالد بن سعيد. قال الحافظ: وله شاهد قوي في جامع حماد بن سلمة عن ابن عمر موقوفا. قال العلماء: معناه لا جمعة له كاملة، للإجماع على إسقاط فرض الوقت عنه؛ لأنه إذا جعل قوله: «أنصت» مع كونه أمراً بمعروف لغواً، فغيره من الكلام أولى أنْ يسمى لغوا. وقد وقع عند أحمد من رواية الأعرج عن أبي هريرة في آخر هذا الحديث بعد قوله: «فقد لغوت : عليك بنفسك»، واستدل به على منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة، وبه قال الجمهور في حق من سمعها؛ وكذا الحكم في حق من لا يسمعها عند الأكثر. وقال ابن عبد البر: «لا خلاف علمته بين فقهاء الأمصار: في وجوب الإنصات للخطبة على من سمعها في الجمعة». وهو قول مالك وأبي حنيفة وعامة العلماء. لكن إذا أراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فليجعله بالإشارة . فالحديث يدل على أنه لا يجوز أن يقول لمن سمعه من الجهال يتكلم، والإمام يخطب: أنصت، ونحوها، أخذاً بهذا الحديث . قال الحافظ: وروى عن الشعبي وناس قليل؛ أنهم كانوا يتكلمون إلا في حين قراءة الإمام في الخطبة خاصة، قال: وفعلهم في ذلك مردودٌ عند أهل العلم، وأحسن أحوالهم أنْ يقال: إنه لم يبلغهم الحديث. وقال: وللشافعي في المسألة قولان مشهوران، وبناهما بعض الأصحاب على الخلاف في أنّ الخطبتين بدلٌ عن الركعتين أم لا؟ فعلى الأول: يَحرم لا على الثاني، والثاني هو الأصح عندهم، فمن ثَم أطلق من أطلق منهم إباحة الكلام، حتى شنّع عليهم من شنع من المخالفين. وعن أحمد أيضا روايتان وعنهما أيضا: التفرقة بين من يسمع الخطبة ومن لا يسمعها، ولبعض الشافعية التفرقة بين من تنعقد بهم الجمعة؛ فيجب عليهم الإنصات دون من زاد ، فجعله شبيها بفروض الكفاية. واختلف السلف إذا خطب بما لا ينبغي من القول، وعلى ذلك يحمل ما نقل عن السلف من الكلام حال الخطبة . والذي يظهر أن من نفى وجوبه أراد أنه لا يشترط في صحة الجمعة، بخلاف غيره . ويدل على الوجوب في حق السامع ، أن في حديث على المشار إليه آنفا «ومن دنا فلم ينصت كان عليه كفلان من الوزر»؛ لأن الوزر لا يترتب على من فعل مباحا، ولو كان مكروها كراهة تنزيه. وأما ما استدل به من أجاز مطلقا من قصة السائل في الاستسقاء ونحوه ففيه نظر؛ لأنه استدلال بالأخص على الأعم، فيمكن أن يخص عموم الأمر بالإنصات بمثل ذلك كأمر عارض في مصلحة عامة. ونقل صاحب «المغني» الاتفاق على أنّ الكلام الذي يجوز في الصلاة، يجوز في الخطبة كتحذير الضرير من البئر، وعبارة الشافعي: وإذا خاف على أحد لم أر بأسا إذا لم يفهم عنه بالإيماء أنْ يتكلم . وقد استثنى من الإنصات في الخطبة ما إذا انتهى الخطيب إلى كل ما لم يشرع مثل الدعاء للسلطان مثلا، بل جزم صاحب التهذيب بأن الدعاء للسلطان مكروه. وقال النووي : محله ما إذا جازف وإلا فالدعاء لولاة الأمور مطلوب اهـ. قال الحافظ : ومحل الترك إذا لم يخف الضرر، وإلا فيباح للخطيب إذا خشي على نفسه ، والله أعلم . قلت: هذا في الدعاء للسلطان بالاسم، وأما الدعاء لولاة الأمر عامة بالسداد والصلاح وغيره، فهو من سمات أهل السنة والجماعة، بخلاف الخوارج ومن شابههم! قال النووي: واختلفوا إذا لم يسمعوا الإمام، هل يلزمه الإنصات كما لو سمعه؟ فقال الجمهور: يلزمه، وقال النخعي وأحمد: لا يلزمه انتهى والصحيح المختار وهو مذهب الجمهور أنه يلزمه الإنصات؛ لأن الحديث لم يفصل.
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 120 ) باب: في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا } الفرقان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 424.عن جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ رضي الله عنه : أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم : «كانَ يَخْطُبُ قَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنْ الشَّامِ، فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْجُمُعَةِ {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا}(الجمعة :11).الشرح: قال المنذري : باب : في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا }(الجمعة :11). والحديث أخرجه مسلم في الجمعة (2/590) وبوب عليه النووي كتبويب المنذري . ورواه البخاري في الجمعة (936) باب: إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة، فصلاة الإمام ومَنْ بقيَ جائزة. قوله: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يَخطبُ قائما» سبق في باب الجلسة بين الخطبتين، بيان أنَّ السُنة النبوية أنْ يخطب الإمام قائماً، وفيه حديث جابر -رضي الله عنه-: «أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً..». وذكرنا أيضاً حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه في إنكاره على عبد الرحمن ابن أم الحكم حين خَطب قاعدًا، فقال كعب رضي الله عنه: انظروا إلى هذا الخبيث! يخطب قاعِدًا، وقال الله تعالى : {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا }(الجمعة : 11). رواه مسلم . قوله: «فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنْ الشَّامِ»، وفي رواية البخاري: «إذ أقبلت عيرٌ تحمل طعاما»، العير: بكسر العين، هي الإبل التي تحمل التجارة، طعاما كانت أو غيره، وهي مؤنثةٌ لا واحدَ لها من لفظها. وفي الرواية الأخرى له «فقدِمتْ سُويقة، سويقة: تصغير سُوق، وسميت سوقا؛ لأنّ البضائع تُساق إليها. قوله: «فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا»، ظاهره أن الانفضاض وقع حال الخطبة، وظاهر قوله في الرواية الأخرى: «ونحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم » أن الانفضاض وقع بعد دخولهم في الصلاة . قوله: «فانفتل الناس إليها» وفي الرواية الأخرى: «فانفض الناس إليها»، وهو موافق للفظ القرآن. وفي رواية للبخاري: «فالتفتوا إليها»، والمراد بالانْفتَال والالتفات: الانصراف، يدل على ذلك رواية: «فانفض» وفيه ردٌ على من حمل الالتفات على ظاهره، وقال: لا يفهم منه الانصراف عن الصلاة وقطعها، وإنما يفهم منه التفاتهم بوجوههم أو بقلوبهم. وأيضا: لو كان الالتفات على ظاهره، لما وقع الإنكار الشديد عليهم؛ لأنه لا ينافي الاستماع للخطبة، قاله الحافظ. قوله: «حتى لم يبق معه إلا إثنا عشر رجلا ، فأنزل الله: {وإذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً}». في رواية لمسلم: «فيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما». وفي أخرى قال جابر: «وأنا فيهم»، وفيها منقبة لهم رضي الله عنهم . وقوله: «إلا اثنا عشر رجلا»، قال الكرماني: ليس هذا الاستثناء مفرغاً فيجب رفعه، بل هو من ضمير «لم يبق العائد إلى الناس»؛ فيجوز فيه الرفع والنصب. قال: وثبت الرفع في بعض الروايات. قوله: «فأنزلت هذه الآية»، ظاهر في أنها نزلت بسبب قدوم العير المذكورة. والمراد باللهو على هذا، ما ينشأ من رؤية القادمين وما معهم. ووقع عند الشافعي: من طريق جعفر بن محمد عن أبيه مرسلا «كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، وكان لهم سوقٌ كانت بنو سليم يجلبون إليه الخيل والإبل والسمن، فقدموا فخرج إليهم الناس وتركوه قائما، وكان لهم لهو يضربونه فنزلت»، ووصله أبو عوانة في صحيحه ، قاله الحافظ . قوله: انفضوا إليها قيل: النكتة في عود الضمير إلى التجارة دون اللهو، أنّ اللهو لم يكن مقصوداً، وإنما كان تبعاً للتجارة. وقيل: حذف ضمير أحدهما لدلالة الآخر عليه، وقال الزجاج: أعيد الضمير إلى المعنى، أي: انفضوا إلى الرؤية. وقد استشكل الأصيلي حديث الباب فقال: إن الله تعالى قد وصف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم {لا تُلهيهم تِجارةٌ ولا بيْعٌ عنْ ذِكرِ اللهِ}، ثم أجاب باحتمال: أنْ يكون هذا الحديث قبل نزول الآية. قال الحافظ: وهذا الذي يتعين المصير إليه، مع أنه ليس في آية النور التصريح بنزولها في الصحابة، وعلى تقدير ذلك؛ فلم يكن تقدم لهم نهي عن ذلك، فلما نزلت آية الجمعة، وفهموا منها ذم ذلك اجتنبوه، فوصفوا بعد ذلك بما في آية النور. وقد أثار بعض أعداء الإسلام شبهة، حول انفضاض بعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم خلال خطبة الجمعة. قال الكاشاني والقمي والطبرسي وغيرهم من الشيعة: نزلت فى أكثر الصحابة الذين انفضوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العير التي جاءت من الشام، وتركوه وحده في خطبة الجمعة، وتوجهوا إلى اللهو، واشتغلوا بالتجارة، وذلك دليل على عدم الديانة . والرد على هذه الشبهة من وجوه: 1- لابد أولاً من العلم: أن أبا بكر وعمر وجابر وغيرهم، كانوا من بين الصحابة الذين لم ينفضوا عن النبي صلى الله عليه وسلم , فلماذا يطعنون عليهم، وينفون عنهم العدالة، وهم خيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو معلوم؟ 2- سبق أن انفضاضهم كان في وقت الخطبة وليس في الصلاة، كما ورد في حديث الباب عند مسلم: «أَنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم كان يَخْطُبُ قَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ..»، كما رجحه ابن حجر الصلاة, وهو اللائق بالصحابة, وعلى تقدير كون الانفضاض كان في الصلاة كما في رواية البخاري, فيحمل على أن ذلك وقع قبل النهي ، وقبل النهي عن الفعل الكثير في الصلاة . وجاء في عمدة القاري: أن رواية «ونحن نصلي...» أي: ننتظر الصلاة، من باب تسمية الشيء بما يُقاربه, والمراد بالصلاة هنا: انتظارها في حال الخُطبة, وهو ما رجحه النووي ليوافق رواية مسلم. 3- أن الحادثة وقعت في بدء زمن الهجرة, ولم يكن الصحابة حينئذ واقفين على جملة الآداب والأحكام الشرعية, بل الأحكام الشرعية لم تتكامل بعد، ولذلك لم يتوعدهم الله تعالى في الآية الكريمة بعذابٍ, ولم يُعاتبهم صلى الله عليه وسلم على ما فعلوا, وقد انتهوا عن ذلك بعد نزول الآية. 4- وأخرج أبو يعلى (3/468) الحديث بالإسناد نفسه، وفيه التصريح بمن ثبت من الصحابة رضي الله عنهم أيضا، وأنهم سبب دفع العقوبة عن الباقي: فعن جابر بن عبد الله قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقدمت عيرٌ إلى المدينة، فابتدرها أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلاً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «والذي نفسي بيده، لو تتَابعتم حتى لم يَبق منكم أحدُ، لسَالَ بكم الوادي نارًا»، ونزلت هذه الآية: {وإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا}، وقال: كان في الاثني عشر الذين ثَبَتُوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبو بكر، وعمر -رضي الله عنهما-. 5 – أن ذلك كان في زمن كان فيه جوعٌ وقحط، فقد أخرج ابن جرير في تفسيره : عن الحسن قال : إن أهل المدينة أصابهم جوعٌ وغلاء سعر، فقدمت عيرٌ والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فسمعوا بها، فخرجوا والنبي صلى الله عليه وسلم قائم، كما قال الله عز وجل . والحديث استدل به من قال: إنّ العدد المشترط للجمعة اثنا عشر رجلا! وقد اختلف العلماء في العدد الذي تنعقد به الجمعة على أقوال: فقال الحسن: تنعقد الجمعة باثنين. وقال الليث وأبو يوسف: تنعقد بثلاثة . وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة بأربعة. وقال ربيعة : باثني عشر رجلا . وقال الشافعي: بأربعين رجلا. ومال أحمد وإسحاق إلى هذا القول. وقال مالك: إذا كانت قرية فيها سوقٌ ومسجد، فعليهم الجمعة . قال كاتبه: وكونها لا تقام إلا في المدن والقرى، تدل عليه سُنة النبي صلى الله عليه وسلم وعمل الصحابة من بعده بالاستقراء، فلم تُقم الجُمعة في عهده صلى الله عليه وسلم ، ولا عهد الخلفاء الراشدين في القبائل في الصحراء ونحوها، وعليه أكثر أهل العلم . وهو ما يدل عليه أيضا: حديث ابن عباس، قال: إن أول جمعة جُمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بقرية من قرى البحرين يقال لها: جواثى. وحجة الإمام الشافعي وأحمد في الأربعين: حديث جابر رضي الله عنه الذي خرجه الدارقطني (164) والبيهقي (3/177)، ولفظه: «مضت السُنة أنّ في كل أربعين فما فوق ، جمعة وأضحى وفطر». وهو حديث ضعيف جدا، فيه: عبدالعزيز القرشي، منكر الحديث، انظر الإرواء (603). وكذا حديث: كعب بن مالك قال: «أول من جَمّع بنا أسعدُ بن زرارة في هزم النبيت, فى نقيعٍ يقال له: نقيع الخضمات, قلت : كم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلا». أخرجه أبو داود (1069) والدارقطني (164- 165) والحاكم (1/281) والبيهقي (3/176ـ 177) قال الحافظ في «التلخيص» (ص 133) وهذا إسناد حسن، ووافقه الألباني في الإرواء (600) . وقال الإمام أحمد في مسائل ابنه عبد الله (108): «قد جمع بهم أسعد بن زرارة, وكانت أول جمعة جمعت في الإسلام, وكانوا أربعين رجلا». لكن هذا لا يدل على اشتراط العدد في الجمعة. وقول الليث وأبو يوسف: أنها تنعقد بثلاثة، هو الصحيح الذي تدل عليه الأدلة، واختاره الشيخ ابن باز رحمه الله . أما تفسير الآيات : فيعاتب الله تبارك وتعالى ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ فيقول تعالى: {وإذا رأوا تجارةً أو لهوا انفضوا إليها} أي: إلى التجارة؛ لأنها مطلوبهم دون اللهو (وتركوك قائما) أي : في الخطبة (قل ما عند الله) من الثواب (خير) للذين آمنوا {من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين}، يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : {قل لهم يا محمد}، الذي عند الله من الثواب، لمن جلس مستمعاً خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وموعظته يوم الجمعة، إلى أن يفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، خيرٌ له من اللهو ومن التجارة التي ينفضون إليها {والله خير الرازقين}. والله خير رازق، فإليه فارغبوا في طلب أرزاقكم، وإياه فاسألوا أن يوسع عليكم من فضله دون غيره.
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 121 ) باب: ما يقـــــرأ فـي صـــــلاة الجمعــــــــة الفرقان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 425- عن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رضي الله عنهما- قال: كان رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ في الْعِيدَيْنِ وفي الْجُمُعَةِ: بـ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، و{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}، قال: وإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ والْجُمُعَةُ في يَوْمٍ وَاحِدٍ، يَقْرَأُ بِهِما أَيضًا في الصَّلَاتَيْنِ. الشرح: قال المنذري: باب: ما يقرأ في صلاة الجمعة. والحديث أخرجه مسلم في الجمعة (2/598) وبوب عليه النووي كتبويب المنذري. وقد أخرجه الجماعة إلا البخاري والنسائي. قوله: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ {سبح اسم ربك الأعلى}، و{هل أتاك حديث الغاشية}» فيه استحباب القراءة فيهما بهما، ولفظ «كان» يفيد الاستمرار في ذلك، فهي سُنةٌ نبوية للإمام في صلاة الجمعة. وفي الحديث الآخر في الباب عند مسلم أيضا: عن ابنِ أَبي رافِعٍ قال: اسْتَخْلَفَ مروانُ أَبا هُريرةَ رضي الله عنه على المدينة، وخرج إِلَى مكَّةَ، فَصَلَّى لَنا أَبو هُريرة الْجُمُعَةَ، فَقَرأَ بعد سُورَةِ الْجُمُعَةِ، في الرَّكعةِ الْآخرةِ: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ)، قال: فأَدركتُ أَبا هريرةَ حين انْصرفَ، فقلْتُ لَه: إِنَّك قَرَأْتَ بِسُورتَيْنِ، كان عليُّ بنُ أَبي طَالِبٍ يَقْرأُ بِهِما بِالْكُوفَةِ، فقال أَبو هريرة: إِنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرأُ بِهِما يومَ الْجُمُعَةِ. وهذه سنة أخرى مأثورة صحيحة عنه صلى الله عليه وسلم . فكان النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً يقرأ في الجمعة بـ(الجمعة) و(المنافقين)، وأحياناً بـ(سبح) و (هل أتاك). قال العراقي: والأفضل من هذه الكيفيات قراءة «الجمعة» في الأولى، ثم «المنافقين» في الثانية، كما نص عليه الشافعي فيما رواه عنه الربيع انتهى. كذا قال! ولا وجه للتفضيل، بل إن الحديث الذي فيه لفظ: «كان» مشعر بأن فعل ذلك كان على سبيل المداومة، كما تقرر في الأصول، وهو حديث الباب، فهو الأفضل. وقال مالك: أدركت الناس يقرؤون في الأولى بالجمعة والثانية بسبح، ولم يثبت ذلك في الأحاديث ! وقال ابن عيينة: إنه يُكره أن يتعمد القراءة في الجمعة بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لئلا يجعل ذلك من سننها وليس منها! قال ابن العربي: وهو مذهب ابن مسعود، وقد قرأ فيها أبو بكر الصديق بالبقرة. قال كاتبه: ولعل المقصود: ترك القراءة بهما أحياناً، لئلا يُتوهم وجوبهما على الإمام في صلاة الجمعة، أما كونها سنة نبوية ثابتة، فلا شك في ذلك. وقال الشوكاني: وحكى ابن عبد البر في الاستذكار عن أبي إسحق المروزي مثل قول ابن عيينة، وحكي عن ابن أبي هريرة مثله، وخالفهم جمهور العلماء، وممن خالفهم من الصحابة: علي وأبوهريرة. قال العراقي: وهو قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي ثور. قوله: «وربما اجتمعا»، أي: العيد والجمعة «فيقرأ بهما» أي بـ ( سبح اسم ربك ) و ( هل أتاك). وهذا يدل على استحباب القراءة في العيدين أيضا بـ (سبح اسم ربك الأعلى) و(الغاشية)، وإلى ذلك ذهب أحمد بن حنبل، وذهب الشافعي إلى استحباب القراءة فيهما بـ (ق ) و (اقتربت ) لحديث أبي واقد الليثي. واستحب ابن مسعود القراءة فيهما بأوساط المفصل من غير تقييد بسورتين معينتين. وقال أبو حنيفة: ليس فيه شيء مؤقت! وحديث أبي واقد الليثي في صحيح مسلم: أَنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ سَأَل أَبا واقِدٍ اللَّيْثيَّ ما كان يَقْرأُ بِهِ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم في الأَضْحَى والْفِطْرِ؟ فقَال: كان يَقْرَأُ فِيهِمَا بِـ (ق والْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ) و(اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)». وقد جمع النووي بين الأحاديث فقال: كان في وقتٍ يقرأ في العيدين بـ (ق) و(اقتربت)، وفي وقت: بـ (سبح) و(هل أتاك ). ووجه الحكمة في القراءة في العيدين بهذه السور: أن في سورة (سبح) الحث على الصلاة، وزكاة الفطر، على ما قال سعيد بن المسيب في تفسير قوله تعالى: (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى)، فاختصت الفضيلة بها كاختصاص الجمعة بسورتها. وأما (الغاشية) فللموالاة بين (سبح) وبينها، كما بين (الجمعة) و(المنافقين). وأما سورتا (ق ) و ( اقتربت) فنقل النووي في (شرح مسلم) عن العلماء أن ذلك: لما اشتملتا عليه من الإخبار بالبعث، والإخبار عن القرون الماضية، وإهلاك المكذبين، وتَشبيه بروز الناس في العيد، ببروزهم في البعث، وخروجهم من الأجداث كأنهم جَرادٌ منتشر. وقد ورد في الحكمة من القراءة في الجمعة بسورة (الجمعة والمنافقين) ما أخرجه الطبراني في الأوسط: عن أبي هريرة قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يقرأ في صلاة الجمعة بالجمعة، فيحرض به المؤمنين، وفي الثانية بسورة المنافقين، فيفزع المنافقين»، قال العراقي: وفي إسناده من يحتاج إلى الكشف عنه. أما القراءة في فجر الجمعة، فقد جاء عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كان يَقْرأُ في صلَاةِ الْفجرِ، يومَ الْجُمُعَةِ: (الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ )، و(َهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ)، وأَنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يَقرأُ في صلَاةِ الْجُمعَةِ سُورةَ الجُمعة، والْمُنَافقين. مسألة: وفي قوله: «وإِذا اجْتَمَعَ العِيدُ والْجُمُعَةُ في يومٍ واحِدٍ، يَقْرَأُ بِهِما أَيضًا في الصَّلَاتَيْنِ»، ما إذا اجتمع يوم العيد ويوم الجمعة، كعيد الفطر أو الأضحى مع الجمعة التي هي عيد الأسبوع، هل تجب صلاة الجمعة على من حضر صلاة العيد؟ أم يجتزئ بصلاة العيد ويصلى بدل الجمعة ظهرا ً؟ وهل يُؤَذّن لصلاة الظهر في المساجد أم لا ؟ والجواب: قد وردت أحاديث وآثار في هذه المسألة، فمنها: 1- حديث زيد بن أرقم -رضي الله عنه-: أن معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- سأله -: هل شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيدين اجتمعا في يوم واحد؟ قال: نعم، قال: كيف صنع ؟ قال: صلى العيد ثم رخّص في الجمعة، فقال: «مَنْ شاء أنْ يُصلي فليصل». رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والدارمي والحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وله شاهد على شرط مسلم. ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. 2- حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قدْ اجتمعَ في يومكم هذا عِيدان، فمن شاءَ أجْزأه من الجُمعة، وإنّا مُجمّعون». رواه أبو داود وابن ماجة وغيرهما. 3- حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتمعَ عيدان في يومكم هذا، فمنْ شاءَ أجزأه من الجمعة، وإنا مُجمعون إن شاء الله». رواه ابن ماجة، وقال البوصيري: إسناده صحيح ورجاله ثقات. 4- وعن عطاء بن أبي رباح قال: صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار، ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا، فصلينا وحداناً، وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدمنا ذكرنا ذلك له، فقال: «أصاب السنة». رواه أبو داود. 5- وعن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال أبو عبيد: شهدت العيدين مع عثمان بن عفان، وكان ذلك يوم الجمعة، فصلى قبل الخطبة ثم خطب، فقال: يا أيها الناس، إنّ هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحبَّ أن ينتظر الجمعة منْ أهل العوالي فلينتظر، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له. رواه البخاري ومالك في الموطأ. أما مذاهب العلماء في ذلك، فمذهب الحنفية والمالكية أنه إذا اجتمع يوم العيد ويوم الجمعة، فإن إحدى الصلاتين لا تجزئ عن الأخرى! وهذا هو مذهب الشافعي، غير أنه يرخص لأهل القرى الذين بلغهم النداء وشهدوا صلاة العيد، ألا يشهدوا صلاة الجمعة. وجاء في المغني لابن قدامه: « مذهب الإمام أحمد: أن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة، إلا الإمام لا تسقط عنه، إلا ألا يجتمع معه من يصلي به الجمعة، وقيل في وجوبها على الإمام روايتان، وروي عنه أيضاً: أنه إذا صليت الجمعة في وقت العيد، أجزأت صلاة الجمعة عن صلاة العيد، وذلك مبني على رأيه في جواز تقديم الجمعة قبل الزوال. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى: عن ذلك فأجاب: « الحمد لله، إذا اجتمع الجمعة والعيد في يوم واحد، فللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: - أحدها: أنه تجب الجمعة على من شهد العيد، كما تجب سائر الجمع للعمومات الدالة على وجوب الجمعة. - الثاني: تسقط عن أهل البر، مثل أهل العوالي والشواذ؛ لأن عثمان بن عفان أرخص لهم في ترك الجمعة، لما صلى بهم العيد. - والقول الثالث: وهو الصحيح: أنّ من شهد العيد سقطت عنه الجمعة، لكن على الإمام أنّ يقيم الجمعة ليشهدها منْ شاء شهودها، ومنْ لم يشهد العيد، وهذا هو المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: كعمر، وعثمان، و ابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير وغيرهم. ولا يعرف عن الصحابة في ذلك خلاف، وأصحاب القولين المتقدمين لم يبلغهم ما في ذلك من السُنة عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لما اجتمع في يومه عيدان صلى العيد ثم رخص في الجمعة، وفي لفظ أنه قال: «أيها الناس إنكم قد أصبتم خيرا، فمن شاء أنْ يشهد الجمعة فليشهد، فإنا مجمعون». وأيضاً: فإنه إذا شهد العيد حصل مقصود الاجتماع، ثم إنه يصلي الظهر إذا لم يشهد الجمعة، فتكون الظهر في وقتها، والعيد يحصل مقصود الجمعة. وفي إيجابها على الناس تضييق عليهم، وتكدير لمقصود عيدهم، وما سن لهم من السرور فيه، والانبساط، فإذا حبسوا عن ذلك عاد العيد على مقصوده بالإبطال؛ ولأن يوم الجمعة عيد، ويوم الفطر والنحر عيد، ومن شأن الشارع إذا اجتمع عبادتان من جنس واحد أدخل إحداهما في الأخرى، كما يدخل الوضوء في الغسل، وأحد الغسلين في الآخر. والله أعلم». وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة، بعد ذكر الأحاديث الواردة ما يلي: - وبناء على هذه الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذه الآثار الموقوفة عن عدد من الصحابة -رضي الله عنهم-، وعلى ما قرره جمهور أهل العلم في فقهها، فإن اللجنة تبين الأحكام الآتية: 1- منْ حضر صلاة العيد فيرخص له في عدم حضور صلاة الجمعة، ويصليها ظهراً في وقت الظهر، وإنْ أخذ بالعزيمة فصلى مع الناس الجمعة فهو أفضل. 2- من لم يحضر صلاة العيد فلا تشمله الرخصة؛ ولذا فلا يسقط عنه وجوب الجمعة، فيجب عليه السعي إلى المسجد لصلاة الجمعة، فإنْ لم يوجد عدد تنعقد به صلاة الجمعة، صلاها ظهراً. 3- يجب على إمام مسجد الجمعة إقامة صلاة الجمعة ذلك اليوم، ليشهدها من شاء شهودها، ومن لم يشهد العيد، إنْ حضر العدد التي تنعقد به صلاة الجمعة، وإلا فتصلى ظهرا. 4- من حضر صلاة العيد وترخص بعدم حضور الجمعة، فإنه يصليها ظهراً بعد دخول وقت الظهر. 5- لا يشرع في هذا الوقت الأذان إلا في المساجد التي تقام فيها صلاة الجمعة، فلا يشرع الأذان لصلاة الظهر ذلك اليوم. 6- القول بأن من حضر صلاة العيد تسقط عنه صلاة الجمعة وصلاة الظهر ذلك اليوم، قول غير صحيح؛ ولذا هجره العلماء وحكموا بخطئه وغرابته، لمخالفته السُنة، وإسقاطه فريضةً من فرائض الله بلا دليل، ولعل قائله لم يبلغه ما في المسألة من السنن والآثار، التي رخصت لمن حضر صلاة العيد بعدم حضور صلاة الجمعة، وأنه يجب عليه صلاتها ظهراً. والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ. . الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الغديان. . الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد. . الشيخ صالح بن فوزان الفوزان.
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 122 ) باب: الصــــلاة بعـــد الجُــمــعــــــة فـــي المســجـــد الفرقان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 426.عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا صَلَّيْتُمْ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، فَصَلُّوا أَرْبَعًا».زاد عمرٌو فِي روايَتِه قال ابنُ إِدْرِيسَ قال سُهَيْلٌ: فَإِنْ عَجِلَ بِكَ شيءٌ، فصَلِّ ركعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ، وركْعَتَيْنِ إِذا رَجَعْتَ. الشرح: قال المنذري: باب: الصلاة بعد الجمعة في المسجد . والحديث أخرجه مسلم في الجمعة ( 2/600) وبوب عليه النووي كتبويب المنذري . قوله: « إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعا» وفي رواية: «إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعا» وفي رواية «منْ كان منكم مصلياً بعد الجمعة، فليصل أربعا». وفي رواية «أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعدها ركعتين». في هذه الأحاديث - وكلها في مسلم - استحباب سُنة الجمعة بعدها، والحث عليها، وأنَّ أقلها ركعتان، وأكملها أربع، فنبه صلى الله عليه وسلم بقوله: « إذا صلى أحدكم بعد الجمعة، فليصل بعدها أربعا» على الحث عليها فأتى بصيغة الأمر . قال النووي: نبّه بقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كان منكم مصلياً» على أنها سُنةٌ ليست واجبة، وذكر الأربع لفضيلتها، وفعله صلى الله عليه وسلم الركعتين في أوقات، بياناً لأنّ أقلها ركعتان، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان يُصلي في أكثر الأوقات أربعا؛ لأنّه أمرنا بهن، وحثّنا عليهن، وهو أرغبُ في الخير، وأحرص عليه، وأولى به . انتهى وجاء عن عبد الله بن عمر: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي ركعتين» رواه البخاري (937 ) . وقد اختلف الفقهاء في التطوع بعد الجمعة. فقال مالك: ينبغي للإمام إذا سلّم من الجمعة، أنْ يدخل منزله فيركع الركعتين في بيته، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ومن خلف الإمام أيضا، إذا سلّموا، فأحبّ إلي أنْ ينصرفوا ولا يركعوا في المسجد، فإنْ ركعوا فإنّ ذلك واسع. وقال الشافعي: ما أكثر المصلي من التطوع بعد الجمعة، فهو أحبُ إلي . وقال أبو حنيفة: يصلي بعد الجمعة أربعا، وقال في موضع آخر: ستا، وقال الثوري: إنْ صليتَ أربعاً أو ستا فحسن . وقال أحمد بن حنبل: يصلي ستا بعد الجمعة أحبُ إلي، وإنْ شاء أربعا، وكان ابن عمر يصلي بعدها ركعتين في بيته، ويقول: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحجة من قال: يصلي بعد الجمعة أربعا: الراوية السابقة لمسلم: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كان منكم مُصلياً بعد الجُمعة، فليصلّ أربعاً». وفي رواية قال: «إذا صَليتم الجُمعة، فَصلُوا بعدَها أربعاً». وروي أن ابن مسعود كان يُصلي بعدها أربعا، وإليه ذهب إسحق، وأصحاب الرأي ; وجاء عن النخعي أنه قال: إنْ شئت ركعتين، وإنْ شئت أربعا. وقد روي عن جماعة من السلف: أنهم كانوا يصلون بعد الجمعة ركعتين، ثم أربعا، وممن روى ذلك عنه: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وأبو موسى، ومجاهد، وعطاء . قال أبو عمر ابن عبد البر: الاختلاف عن السلف في هذا الباب، اختلافُ إباحة واستحسان، لا اختلاف منع وحظر، وكل ذلك حسنٌ إنْ شاء الله. ثم روي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قدم علينا عبد الله فكان يصلي بعد الجمعة أربعا، وقدم بعده عليٌ فكان يصلي بعد الجمعة ركعتين وأربعا. قال: وكذلك مَنْ لم ير الركعتين بعد المغرب في المسجد، ورآهما في البيت، إنما هو على الاختيار، لا على أن ذلك لا يجوز، والله أعلم . انتهى . وصلاة الجمعة ليس لها سُنةٌ راتبة قبلية, لكن يُصلي ما ييسر الله له بعدها، ثنتين أو أربع أو أكثر من ذلك ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « مَنْ اغتسلَ يوم الجمعة، ثم أتى المسجد فصلى ما قُدّر له، ثم أنصتَ إذا خرج الإمام ..» فقوله: « صلى ما قدر له» يدل على أنه يصلي ما كتب الله له , حتى يخرج الإمام , فإذا خرج الإمام ترك الصلاة، وقعد ينصت للخطبة قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أما النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يكن يصلي قبل الجمعة بعد الأذان شيئاً، ولا نقل هذا عنه أحد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يؤذن على عهده، إلا إذا قعد على المِنبر، ويؤذن بلال، ثم يخطب النبي صلى الله عليه وسلم الخطبتين، ثم يقيم بلال، فيصلي بالناس، فما كان يمكن أنْ يُصلي بعد الأذان، لا هو، ولا أحد من المسلمين الذين يصلون معه صلى الله عليه وسلم، ولا نقل عنه أحدٌ، أنه صلى في بيته قبل الخروج يوم الجمعة، ولا وقّت بقوله صلاةً مقدرة قبل الجمعة، بل ألفاظه صلى الله عليه وسلم فيها الترغيب في الصلاة، إذا قدم الرجل المسجد يوم الجمعة، من غير توقيت، كقوله: «من بكّر، وابتكر، ومشى، ولم يركب، وصلى ما كتب له». وهذا هو المأثور عن الصحابة، كانوا إذا أتوا المسجد يوم الجمعة، يصلون من حين يدخلون ما تيسر؛ فمنهم من يصلي عشر ركعات، ومنهم من يصلي اثنتي عشرة ركعة، ومنهم من يصلي ثماني ركعات، ومنهم من يصلي أقل من ذلك، ولهذا كان جماهير الأئمة متفقين على، أنه ليس قبل الجمعة سنة مؤقتة بوقت، مُقَدّرَة بعدد، لأن ذلك إنما يثبت بقول النبي صلى الله عليه وسلم أو فعله، وهو لم يَسن في ذلك شيئاً، لا بقوله، ولا فعله .انتهى كلامه رحمه الله. تنبيه: أخرج الترمذي: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعاً، وبعدها أربعاً . والحديث رواه الترمذي معلقاً بصيغة التمريض، وموقوفاً على ابن مسعود، ونقل في التحفة عن الحافظ: أن عبد الرزاق والطبراني أخرجاه مرفوعاً، وفي سنده ضعف وانقطاع . ومثل هذا لا يحتج به. واحتج بعضهم للسنة القبلية: بحديث سليك الغطفاني الماضي ؟! والحديث صحيح، لكنه في تحية المسجد، لا في السنة القبلية للجمعة. باب: الصَّلاة بعدَ الجُمعة في البَيت 427.عن عبد اللَّهِ: أَنَّه كان إِذا صلَّى الْجُمُعَةَ، انْصرفَ فسجَدَ سجدَتَيْنِ في بيتِهِ، ثُمَّ قال: كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ ذلك . الشرح: قال المنذري: باب: الصلاة بعد الجمعة في البيت . والحديث أخرجه مسلم في الجمعة (2/600) في الباب السابق نفسه . ورواه البخاري في الجمعة ( 2/425 ) باب: الصلاة بعد الجمعة وقبلها بلفظ « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي ركعتين». وأما صلاة أربع ركعات بعد صلاة الجمعة، فهي سنة مستحبة وليست بفرض، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: في هذه الأحاديث استحباب سنة الجمعة بعدها والحث عليها، وأن أقلها ركعتان وأكملها أربع . قال الإمام ابن القيم: وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى الجمعة، دخل منزله، فصلى ركعتين، وأمر من صلاها أن يصلي بعدها أربعاً . قال شيخنا ابن تيمية: إن صلى في المسجد، صلى أربعاً، وإن صلى في بيته، صلى ركعتين . قلت: وعلى هذا تدل الأحاديث .
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 123 ) باب: لا يصلي بعد الجمعة حتى يتكلم أو يخرج الفرقان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 428.عن عمرَ بنِ عطاءِ بنِ أَبي الْخُوَارِ: أَنَّ نافعَ بنَ جُبَيْرٍ أَرسلَهُ إِلَى السَّائبِ ابنِ أُختِ نَمِرٍ، يسأَلُه عن شيءٍ رآه منه معاويةُ في الصَّلَاةِ، فقال: نعم، صلَّيْتُ معه الْجُمُعَةَ في الْمَقْصُورةِ، فلَمَّا سَلَّمَ الْإِمامُ، قُمْتُ في مقَامِي فَصَلَّيْتُ، فَلَمَّا دخل أَرْسلَ إِلَيَّ فقال: لا تَعُدْ لِمَا فعلْتَ، إِذا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ، فلا تَصِلْهَا بصلاةٍ، حتَّى تَكَلَّمَ أَو تَخْرُجَ، فإِنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم أَمَرَنَا بذلك: أَنْ لَا تُوصَلَ صَلَاةٌ بِصَلَاةٍ، حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ.الشرح: قال المنذري: باب: لا يصلي بعد الجمعة حتى يتكلم أو يخرج. والحديث أخرجه مسلم في الجمعة (2/601) في الباب السابق نفسه. والحديث رواه عبد الرزاق وأبو داود. قوله: «وعن عمرو بن عطاء قال: إن نافع بن جبير أرسله»، أي: عمرا «إلى السائب» -رضي الله عنه - «يسأله»، أي: يسأل عمرو السائب «عن شيء رآه منه معاوية» أي: رأى ذلك الشيء منه معاوية في الصلاة، أي: من السائب. قوله: «قال: رأيت ابن عمر صلى بعد الجمعة ركعتين، ثم صلى بعد ذلك أربعا». قال الطيبي: «نعم» حرف إيجاب وتقرير لما سأله نافع من قوله: هل رأى منك معاوية شيئا في الصلاة فأنكر عليك؟ والمذكور معناه: «صليت معه» أي: مع معاوية. قوله: «الجمعة في المقصورة» موضع معين في الجامع مقصور للسلاطين قوله: «فلما سلم الإمام قمت في مقامي» أي: الذي صليت فيه الجمعة. قوله: «فصليت» أي: سُنة الجمعة من غير أن أفصل بينهما بشيء. قوله: «فلما دخل» أي: معاوية بيته « أرسلَ إلي» لئلا تكون النصيحة على وجه الفضيحة «فقال: لا تعد لما فعلت»: من العود، أي: صلاة السنة في مكان فعل الجمعة بلا فصل. قوله: «إذا صليت الجمعة»، وهي مثال؛ إذ غيرها كذلك كما مر، ويؤيده ما يأتي من حكمة ذلك، كذا ذكره ابن حجر، ويحتمل أن ذكر الجمعة بعد خصوص الواقعة للتأكيد الزائد في حقها، لاسيما ويوهم أنه يصلي أربعا، وأنه الظهر، وهذا في مجتمع العام سبب للإيهام. قوله: «فلا تصلها» من الوصل، أي: لا توصلها «بصلاة» أي: نافلة أو قضاء «حتى تكلم» بحذف إحدى التاءين، من التكليم، أي: أحدا من الناس، فإن به يحصل الفصل لا بالتكلم بذكر الله. «أو تخرج» أي: حقيقة أو حكما، بأن تتأخر عن ذلك المكان. قوله: «فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك» أي: بما تقدم وهو «أن لا نوصل» أي: الجمعة أو صلاة، أي: صلاة من المكتوبات. وقوله: «بصلاة حتى نتكلم أو نخرج»، والمقصود بهما الفصل بين الصلاتين لئلا يوهم الوصل؛ فالأمر للاستحباب والنهي للتنزيه. قال النووي رحمه الله في شرحه: «فيه دليل لما قاله أصحابنا - يعني فقهاء الشافعية - أن النافلة الراتبة وغيرها، يستحب أن يتحوّل لها عن موضع الفريضة إلى موضع آخر، وأفضله التحول إلى البيت، وإلا فموضع آخر من المسجد أو غيره، ليكثر مواضع سجوده، ولتنفصل صورة النافلة عن صورة الفريضة. وقوله: «حتى نتكلم» دليل على أن الفصل بينهما يحصل بالكلام أيضا، ولكن بالانتقال أفضل لما ذكرناه. والله أعلم» انتهى. وقد روى أبو داود (854) وابن ماجه (1417) واللفظ له عن أبي هريرة رضي الله عنه : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ إِذا صَلَّى، أَنْ يَتَقَدَّمَ أَو يَتَأَخَّرَ، أَو عن يَمِينِهِ أَوْ عن شمالِهِ، يعني: السُّبْحَةَ». وصححه الألباني. والسُّبْحَةَ هي: صلاة النافلة بعد الفريضة أو السُنة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في «الفتاوى الكبرى» (2/359): «والسُنة أنْ يفصل بين الفرض والنفل في الجمعة وغيرها، كما ثبت عنه في الصحيح: «أنه صلى الله عليه وسلم نهى أنْ تُوصل صلاةٌ بصلاة، حتى يفصل بينهما بقيامٍ أو كلام». قال: فلا يفعل ما يفعله كثير من الناس، يصل السلام بركعتي السنة، فإنّ هذا ركوبٌ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي هذا من الحكمة التمييز بين الفرض وغير الفرض، كما يميز بين العبادة وغير العبادة، ولهذا استُحب تعجيل الفطور، وتأخير السحور، والأكل يوم الفطر قبل الصلاة، ونهي عن استقبال رمضان بيوم أو يومين، فهذا كله للفصل بين المأمور به من الصيام، وغير المأمور به، والفصل بين العبادة وغيرها، وهكذا تتميّيز الجمعة التي أوجبها الله من غيرها» انتهى. وعلة الفصل بين الفريضة والنافلة إذاً: تمييز إحداهما عن الأخرى، وذكر بعض العلماء علة أخرى لذلك، وهي: تكثير مواضع السجود، لأجل أن تشهد له يوم القيامة، كما سبق في كلام النووي رحمه الله. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (7/429): «ففي هذا إرشاد إلى طريق الأمن من الالتباس، وعليه تحمل الأحاديث المذكورة، ويؤخذ من مجموع الأدلة أن للإِمام أحوالاً؛ لأن الصلاة إما أن تكون مما يتطوع بعدها أو لا يتطوع، الأول اختلف فيه: هل يتشاغل قبل التطوع بالذكر المأثور ثم يتطوع؟ وهذا الذي عليه عمل الأكثر، وعند الحنفية يبدأ بالتطوع، وحجة الجمهور حديث معاوية. ويمكن أن يقال: لا يتعين الفصل بين الفريضة والنافلة بالذكر، بل إذا تنحى من مكانه كفى. فإن قيل: لم يثبت الحديث في التنحي، قلنا: قد ثبت في حديث معاوية: «أو تخرج» ويترجح تقديم الذكر المأثور بتقييده في الأخبار الصحيحة بدبر الصلاة. وزعم بعض الحنابلة أن المراد بدبر الصلاة: ما قبل السلام، وتعقب بحديث «ذهب أهل الدثور» فإنّ فيه: « تسبحون دبر كل صلاة» وهو بعد السلام جزماً، فكذلك ما شابهه، وأما الصلاة التي لا يتطوع بعدها، فيتشاغل الإِمام ومن معه بالذكر المأثور، ولا يتعين له مكان، بل إنْ شاؤوا انصرفوا وذكروا، وإن شاؤوا مكثوا وذكروا». اهـ وقال الرملي في «نهاية المحتاج» (1/552): «ويُسن أن ينتقل للنفل أو الفرض من موضع فرضه أو نفله إلى غيره تكثيراً لمواضع السجود؛ فإنها تشهد له، ولما فيه من إحياء البقاع بالعبادة، فإن لم ينتقل إلى موضع آخر فصل بكلام إنسان» انتهى. وقال المجد بن تيمية في كتابه المشهور «منتقى الأخبار»: باب استحباب التطوع في غير موضع المكتوبة: عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يُصلي الإمامُ في مقامه الذي صلّى فيه المكتوبة، حتى يتنحى عنه « رواه أبو داود وابن ماجة (وصححه الألباني). وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيَعجزُ أحدُكم إذا صلى أنْ يتقدم، أو يتأخر، أو عن يمينه، أو عن شماله»، وقال: يعني السُّبْحة. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة (وصححه الألباني). قال الشارح: والحديثان يدلان على مشروعية انتقال المصلي عن مصلاه الذي يصلي فيه، لكل صلاةٍ يفتتحها من أفراد النوافل. أما الإمام، فبنص الحديث الأول، وبعموم الثاني. وأما المؤتم والمنفرد، فبعموم الحديث الثاني، وبالقياس على الإمام. والعلة في ذلك: تكثير مواضع العبادة، كما قال البخاري والبغوي؛ لأن مواضع السجود تشهد له، كما في قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} (الزلزلة: 4). أي: تخبر بما عُمِل عليها. وورد في تفسير قوله تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْاَرْضُ} أن المؤمن إذا مات، بكى عليه مصلاه من الأرض، ومصعد عمله من السماء. وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في «تهذيب سنن أبي داود» (7/429): «قالوا: فمقصود عمر، أن اتصال الفرض بالنفل، إذا حصل معه التمادي وطال الزمن، ظن الجُهال أن ذلك من الفرض، كما قد شاع عند كثيرٍ من العامة: أنّ صُبح يوم الجمعة خمس سجدات ولا بد، فإذا تركوا قراءة (الم تنزيل) قرؤوا غيرها من سور السجدات!». وفي وصل النافلة بالفريضة دون فصل، تفويتٌ لسُنة أخرى: وهي الأذكار التي تُقال دُبُر الصلوات المكتوبة. ومنها: حديث أهل الدُّثور، عن أبي هريرة رضي الله عنه : وفيه: «تسبحون، وتحمدون، وتكبرون، خلف كل صلاة ثلاثاً وثلاثين..» أخرجه البخاري (843) في الأذان، وفي (6329) في الدعوات، ومسلم (595). وحديث كعب بن عجرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مُعقباتٌ لا يخيب قائِلُهن -أو فاعلهن- دُبر كل صلاة مكتوبة: ثلاثاً وثلاثين تسبيحةً، وثلاثاً وثلاثين تحميدةً، وأربعاً وثلاثين تكبيرة» رواه مسلم (596). وما جاء عن بعض الصحابة أنهم عملوا بخلاف الحديث، محمولٌ على عدم العلم به. قال الإمام البخاري رحمه الله (848): باب: مكث الإمام في مصلاه بعد السلام: ثم روى عن نافع قال: كان ابن عمر يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة. وفعله القاسم، ويذكر عن أبي هريرة رفعه: «لا يتطوع الإمام في مكانه»، ولم يصح.اهـ. قال الحافظ في (الفتح 2/335): لضعف إسناده، واضطرابه. قال كاتبه: كذا قال! وقد سبق أن الحديث ورد من طرق، يثبت بها. وحكى ابن قدامة في (المغني) عن أحمد: أنه كره ذلك، وقال: لا أعرفه عن غير علي! فكأنه لم يثبت عنده حديث أبي هريرة، ولا حديث المغيرة. والله أعلم
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |