|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب التفسير من مختصر مسلم (34) حادثـة الإفـك (4) اعداد: الفرقان الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا. ذكرنا في الحلقة السابقة: أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار بعض أصحابه فيما قيل في حق أم المؤمنين، ونستكمل بقية الشرح للحديث.قالت: « فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر» بعد هذه الاستشارة وبعد الشعور بشيء من الطمأنينة من كلام أهله، ومن كلام أقرب الناس إلى عائشة وهي بريرة مولاتها، قام صلى الله عليه وسلم على المنبر. قولها: « فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول « استعذر يعني قال: من يعذرني ، فطلب العذر ، قال: « يا معشر المسلمين ، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي «من يعذرني يعني: من يقوم بعذري وينصفني إن عاقبته على فعله، وأقمت عليه ما ينبغي أن يؤدب به، وقيل: معنى من يعذرني، أي من ينصرني ، والعذير هو الناصر ، لكن المعنى الأول أقوى. قوله: «فو الله ما علمتُ على أهلي إلا خيراً» وهذا هو الأصل براءة الناس وسلامتهم ، ولا يتحول عن هذا الأصل إلا بشهودٍ أو بينة أو اعتراف أو ما أشبه ذلك ، وإلا فالأصل أن الإنسان بريء حتى تثبت إدانته. قوله: «ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً» وأيضا هم اتهموا رجلا معروفا بالخير والصلاح ، ومعروفا بالعدالة ، وهو كما ذكرنا رجل من البدريين، أي ممن شهد بدرا. قوله: « وما كان يدخل على أهلي إلا معي» أي: لم يحصل له خلوة ، فلم يحصل شيء من ريبة من تصرف مريب ، ولم يشهد عليه أحدٌ بشيء، وهو رجل صالح فمن أين تأتي التهمة ؟! ومن أين يأتي الظن السيئ؛ ولذا قال الله تبارك وتعالى: {لولا إذْ سمعتموه ظنّ المؤمنُون والمؤْمنات بأنفسِهم خيراً وقالوا هذا إفكٌ مبينٌ لولا جَاؤوا عليه بأربعةِ شُهداء فإذْ لم يأتوا بالشّهداء فأؤلئك عند اللهِ هم الكاذبون}، (النور : 12-13) فأهل الإيمان والصلاح والاستقامة والعفاف يظن بهم الخير ، كما أرشد الله في الآية الكريمة. قوله: « فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله»، وهاهنا إشكالٌ في الحديث ، وهو ذكر سعد بن معاذ وهو سيد الأوس [ وأرضاه ، في هذه القصة في غزوة بني المصطلق المسماة بغزوة : المريسيع، وكانت هذه الغزوة سنة ست للهجرة ، والمعلوم من السيرة أن سعد بن معاذ رضي الله عنه مات بعد غزوة الخندق ، وقد كانت سنة أربع ، فكيف يحضر هذا المجلس وهذا الموقف فيتكلم وهو قد مات قبله؟! ولهذا قال القاضي عياض: قال بعض شيوخنا : ذكر سعد بن معاذ في هذا وهم ، والأشبه أنه غيره، فقيل: هو أسيد بن الحضير، ومنهم من قال : إنّ غزوة المريسيع كانت سنة أربع، يعني في سنة الخندق، لكن الأشهر أنها كانت بعد غزوة الخندق ، كما ذكر غير واحد أن المريسيع كانت سنة خمس أو سنة ست. قوله: «إن كان من الأوس ضربنا عنقه « يعني قال : أنا أعذرك منه يا رسول الله ، أي أنا أعطيك العذر بأن تقتله إن كان من الأوس؛ لأنه كان سيد الأوس، ويملك ذلك. قوله : « وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك»؛ لأنه ليس له ولاية على الخزرج ، إنما الولاية العامة للرسول صلى الله عليه وسلم ، فله الأمر على الجميع ، أي إن كان من الخزرج تأمرنا نحن فنفعل به ما تشاء. قالت : «فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحاً ، ولكن اجْتَهلته الحمية» وأكثر رواة مسلم رووه بهذا اللفظ : «اجتهلته» يعني استخفته الحمية وأغضبته وحملته على الجهل ، وفي رواية البخاري : «احتملته» يعني أغضبته الحمية. والحمية هي العصبية ، والعصبية - عافانا الله وإياكم - إذا طرأت على الإنسان غطت على قلبه وعقله، وصار الإنسان يتصرف دون عقل وشرع، وهذا من أعظم المخاطر والمنكرات التي حذر منها الشرع الحنيف، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « من قاتل تحت راية عُمّيّة ، يغضبُ لعَصَبة، أو يدعو إلى عَصبة ، أو يَنصر عَصبة ، فقتل، فقتلته جاهلية» رواه مسلم ( 3/1476). فالذي يدعو إلى العصبة ، أو يقاتل على العصبة - والعصبة هم أقرباء الرجل من جهة الأب - فهذا إن مات وهو كذلك فميتته جاهلية؛ لأنه يقاتل لا لنصرة الدين ، ولا لنصرة الحق، بل لأجل العصبة والعشيرة! ومحض الهوى والتعصب! كما كان أهل الجاهلية يفعلون. لكن سعد بن عبادة رجل صالح، ومن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، بل من أصحاب بيعة العقبة ، أي من السابقين إلى الإسلام من الأنصار ، لكن احتملته العصبية على الوقوع في هذا الخطأ، ] وعن الصحابة وأرضاهم أجمعين. قوله : « فقال لسعد بن معاذ : كذبتَ ، لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله» أي : إن كان من الخزرج فما لك عليه ولاية ، فلا تقتله ولا تقدر على قتله، والأوس والخزرج قبيلتان كانتا تسكنان المدينة كما هو معلوم، وبينهما عداوات قديمة كانت في الجاهلية، فتثور هذه العداوات بعض الأحيان بينهم، وفي بعض المواقف بتحريش الشيطان أو المنافقين، فيحصل بينهم ما يحصل بين البشر، لكنهم رضي الله عنهم وأرضاهم كانوا سريعا ما يعودون إلى الحقّ والصلح ، ويندمون ويتعانقون وينسون ما حصل بينهم من خلاف ، ويحمدون الله سبحانه وتعالى على نعمة الإسلام ، وأخوة الإيمان ، وائتلاف القلوب بعد التنافر الذي كانوا عليه في الجاهلية ، كما قال سبحانه وتعالى:{ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}، (آل عمران : 10). قوله: «قال أسيد بن الحضير وهو ابن عم سعد بن معاذ» أسيد بن حضير أيضا هو من أصحاب بيعة العقبة الأولى ، وممن بايع رسول الله [ فيها، فقال أسيد بن حضير وكان حاضرا، قال لسعد بن عبادة: «كذبت لعمر الله» لعمر الله: قسم بحياة الله تعالى، وهي صفة من الصفات الإلهية ، وقال : « كذبت لعمر الله لنقتلنه؛ فإنك منافق تجادل عن المنافقين « قوله : إنك منافق ، لا يريد بهذا النفاق النفاق الاعتقادي ، إنما يريد النفاق العملي، كأنه يقول له: كيف تدّعي أنك مسلم وتحبنا، ثم تعادينا هذه العداوة ، وتظهر لنا المودة والمصافاة ثم في مثل هذا الموقف تظهر لنا العداوة، كأنك منافق أو هذا أشبه بحال المنافق ، وهذا كما قلنا كان في موقف حمية وغضب وعصبية ، فحصل منهم ما حصل، ومثل هذه المواقف والأقوال لا تنقص من قدر الصحابة وفضلهم؛ لأنهم على كل حال بشر ، والبشر معرضون للخطأ، والصحابة رضي الله عنهم وإن كانت لهم مثل هذه الأخطاء ، لكنها يسيرة وقليلة ، ومغمورة في بحار حسناتهم رضي الله عنهم وأرضاهم ، التي قدموها في سبيل الله ، والأعمال التي نصروا بها الله عز وجل ودينه ورسوله [، والأموال التي أنفقوها في نصرة الإسلام، فلم تكن هذه إلا مجرد عارض يحصل للإنسان الضعيف ، الذي يعتريه ما يعتري غيره من الغضب والانفعال والتوتر والانزعاج. قولها : « فثار الحيان الأوس والخزرج » بعد هذا السجال والجدال الذي حصل بين سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأصحابهما ، ثار الحيان، أي الأوس والخزرج ، وحصل لهم نوع من الحمية، « حتى هموا أن يقتتلوا » حتى هموا أن يحصل بينهم عراك أو تشابك بالأيدي، أو بالعصي وما أشبه ذلك. قولها: « ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر فلم يزل يخفّضهم « أي يأمرهم بتخفيض الصوت، ويسكتهم، حتى سكتوا جميعا وسكت صلى الله عليه وسلم ، فقد كادت تنشب فتنة بين الصحابة وفرقة، وهذه الفتن حاكها أهل النفاق والدسائس، أرادوا بها الإيقاع بين المؤمنين ، وتهييج العداوات بين المسلمين ، وهذا لا شك أنه هدف لأعداء أمة الإسلام في كل عصر ومصر ، فهم دائما يحاولون إيجاد ما يثير العداوات بين المسلمين ، وما يردهم إلى العصبيات الجاهلية ، وإلى مبادئ أو حضارات إن تمسكوا بها فرقتهم بعد أن جمعهم الإسلام على قلب رجل واحد. قال عز وجل ممتنا أيضا على رسوله :{وألّف بين قُلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم}، (الأنفال:63) . فالله سبحانه وتعالى ألف بينهم بدينه وبالإيمان وبشرائع الإسلام وبرسوله صلى الله عليه وسلم ، ولو أنفقت ذهب الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، لكن الذي ألف بينهم هو الله سبحانه وتعالى. فأعداء الإسلام يريدون تفريق الأمة، وإذا تفرقت الأمة ضعفت وسهل التغلب عليها، مثل العصي إذا تفرقت سهل تكسرها، كما قال القائل: تأبى الرماحُ إذا اجتمعنَ تكسرا ... فإذا افترقن تكسرت آحادا فالحزمة القوية لا يمكن أن يكسرها الإنسان، لكن إذا تفرقت الأعواد كسر كل عود وحده، وهذا هو المقصود في قول أعداء الله : «فرق تَسُد» يتبع.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب التفسـير من مختصر صحيح مسلم للمنذري ( 36 ) - حديث الإفك (6) اعداد: الفرقان الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا. هذه الحلقة الأخيرة في شرح حديث الإفك الذي وقع على أشرف النساء مطلقا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها.قالت : فأنزل الله عز وجل: {ِإنَّ الَّذِينَ جَاؤوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النور : 11). قوله {إن الذين جاؤوا بالإفك} : وهذا شروع في بيان الآيات النازلة في شأن عائشة رضي الله عنها، وهي تقريبا ثماني عشرة آية، تنتهي بقول الله تعالى: {أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} (النور : 26). والإفك: هو أقبح الكذب وأفحشه، وهو مأخوذ من أفك الشيء، إذا قلبه عن وجهه، فالإفك هو الحديث المقلوب، وهو ما اتهمت به عائشة رضي الله عنها، وهو إفك وكذب عظيم ، وقد حاول بعض أهل البدع أن يزعم أن هذه الآيات ليست نازلة في عائشة؟ فيكذّب - والعياذ بالله - بالأحاديث الصحيحة الواردة في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم وفي المسند وفي السنن وغيرها؟! وهذا إفكٌ جديد يضاف إلى ما اتهمت به عائشة رضي الله عنها من الإفك والكذب العظيم، وهو أيضا مخالف لإجماع المسلمين والمحدثين، وقد ذكر غير واحد من أهل التفسير : إجماع المسلمين على أن المراد بهذه الآيات هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، وقصتها مشهورة في ذلك مستفيضة، وأن الله عز وجل برأها مما قاله فيها أهل النفاق؛ ولذا قال: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ} والعصبة: هم من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: من العشرة إلى الخمسة عشر، وقيل غير ذلك، فالعصبة المقصود بها هنا: الجماعة الذين يتعصب بعضهم لبعض {منكم} أي ناسٌ ينتسبون إليكم، فمنهم الصادق الغافل؛ لأن بعض المؤمنين كما ذكرنا اغتر بما أشاعه أهل النفاق ، فوقع فيما وقعوا فيه، ومنهم من هو منتسبٌ لكم في الظاهر، ولكنه منافق في الحقيقة ، {لا تحسبوه شراً لكم } أي : بل هو خيرٌ لكم ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولعائشة وأبي بكر وصفوان بن المعطل رضي الله عنهم وكل من تأذى بما حدث، وهو تسلية لهم، فيقول لهم الله تعالى: لا تحسبوا هذا الأمر شراً لكم ، بل هو خيرٌ لكم، وقد يقول قائل : كيف يكون خيرا لهم وهو اتهام وقذف ورمي لعائشة رضي الله عنها؟! - والجواب كما قال أهل العلم: إن الخير هو ما زاد نفعه على ضره ، والخير الذي حصل للنبي صلى الله عليه وسلم وعائشة وأبي بكر وغيرهم هو الثواب العظيم، الذي هو ثواب الصبر على هذه المصيبة، وكونه مما يتضايق منه الإنسان ويهتم له ويبكي، وهذا أيضا فيه تكفير للسيئات ، ورفع للدرجات ، ثم ما نزل من بيان براءة عائشة رضي الله عنها بنت الصديق ]، ودفاع الله عنها ، وأنها في غاية الشرف والفضل، وهذه تزكية لأم المؤمنين عائشة أولا، ثم لبقية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الله تعالى لا يختار لنبيه صلى الله عليه وسلم إلا الصالحات العفيفات الكريمات. - وقوله تعالى: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ} أي : لكل امرئ من هذه العصبة التي تكلمت بالإفك والكذب، ما اكتسب من الإثم، أي لكل واحد منهم نصيب من الإثم والذنب بسبب كلامه، {والذي تولى كبره} أي: الذي حمل معظمه وكان يشيعه ويذيعه منهم ، له عذاب عظيمٌ ، والمقصود بذلك عند عامة أهل التفسير : عبد الله بن أبي ابن سلول كبير المنافقين لعنه الله ، فهو الذي أشاع هذا الإفك وروّج له ، وخدع به بعض الناس ، ولذا فله عذابٌ عظيم في الدنيا والآخرة ، زيادة على غيره ، وقد توعد الله المنافقين بأنهم {في الدّركِ الأسفل من النار ولن تجدَ لهم نَصيرا}. - قولها «عشر آيات ، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات ببراءتي» أي : أنزل الله تعالى في شأن قصتها عشر آيات فيها ببراءتها. - قالت: «فقال أبو بكر ] - وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره- : والله لا أنفق عليه شيئا بعد الذي قال في عائشة» مسطح كما قلنا هو ابن خالة أبي بكر رضي الله عنهما، وكان ينفق عليه لقرابته وفقره، فإنه كان من فقراء المهاجرين، وبعدما أنزل الله عز وجل براءة عائشة قال أبو بكر - بعدما وقع فيها واتهمها - أنا أنفق عليه، وأحسن إليه ، وهو يقابلني بالإساءة ؟؟! والله لا انفق عليه ، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات: {وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (النور: 22) ولا يأتل : أي لا يحلف ، كما قال عز وجل :{لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ} (البقرة : 226). يُؤْلُونَ : أي يحلفون ألا يقربوا نساءهم. {أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ} يعني أبا بكر ]؛ لأنه كان تاجراً وكان عنده مال وسعة { أن يؤتوا أولي القربى} أي: لا يحلف أولو الفضل منكم والغنى ألا يعطوا ويتصدقوا على أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله تعالى. - ثم قال سبحانه: {أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} يعني بسبب صدقاتكم وعطفكم عليهم، وبصفحكم عن المسيئين منهم لكم، فإنّ الجزاء من جنس العمل ، فكما تغفر للناس إساءتهم، يغفر الله تعالى لك إساءتك، وكما تصفح عنهم يصفح الله عنك. - قال حبان بن موسى قال: قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله سبحانه وتعالى، يعني: أعظم آية يرجو بها الإنسان ثواب الله ومغفرته وفضله. - قولها : «فقال أبو بكر : والله إني لأحب أن يغفر الله لي ، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه ، وقال : لا أنزعها منه أبدا» أي : لما نزلت هذه الآية: {أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} قال أبو بكر عفا الله عنه ذلك طلبا لمغفرة الله سبحانه، ورغبة فيما عند الله عز وجل، ولا شك أن هذا أمر فيه شدةٌ على النفس، ويحتاج إلى الصبر، كما قال الله: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (فصلت : 35). وقال الله عز وجل قبلها :{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}(فصلت : 34). فإذا أساء إليك أحد فقابل الإساءة بالإحسان؛ فإن ذلك يقلب العداوة إلى صداقة ، فأنت إذا أحسنت إلى الإنسان ملكت قلبه ، وصار أخا لك ، كما قال القائل: أحسنْ إلى الناس تَستعبدْ قُلوبهم - فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ، فالله عز وجل لما قال : {أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} رجع أبو بكر عن يمينه وارجع النفقة التي كان ينفقها على مسطح، وقال : لا أنزعها منه أبدا. - قالت عائشة : «وكان النبي صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن أمري : «ما علمتِ» أو «ما رأيتِ»؟ وهذا لم يذكر فيما سبق من الحديث ، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سأل زينب بنت جحش وهي من أمهات المؤمنين سألها عن عائشة ما تقول فيها ؟ أو ماذا تعلم عن عائشة؟ هل علمت شيئا أو هل رأت شيئا؟ فقالت زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنها : «أحمي سمعي وبصري» أي: لم أسمع شيئا بأذني، ولم أر شيئا بعيني، فلذلك أصون جوارحي عنه، فلا أتكلم بشيء؛ لأن الله تعالى يقول: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا} (الإسراء : 36) أي لا تقل: رأيتُ، وأنت لم تر، وسمعتُ، وأنت لم تسمع ، وعلمتُ، وأنت لم تعلم. - ثم قالت : «والله ما علمت إلا خيرا» أي إنها على البراءة من ذلك فيما سبق. قولها: «وهي التي كانت تساميني من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم » أي أن زينب كانت تفاخرها وتضاهيها بجمالها ومكانتها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو أن غيرتها وهواها غلبا دينها وورعها، لتكلمت في عائشة؛ لأن الإنسان أحيانا إذا أبغض إنسانا ربما تكلم فيه بغير حق، كما أنه إذا أحب إنسانا مدحه بغير حق ، والواجب العدل كما قال الله عز وجل: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (الأنعام : 152). - وقال عز وجل: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة : 8). فلا يحملك البغض لجماعة أو لقوم، أو لطائفة، أو لقبيلة، على ألا تقول فيهم بالعدل، بل اعدل ولو كانوا أعداءك، فهذا دين الله سبحانه وتعالى، بل ولو كانوا كفارا فقل فيهم بما تعلم من الحق؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الحق ويحب الحق ويأمر بالحق، ويكره الباطل. - قولها: «فعصمها الله بالورع» فزينب بنت جحش ضرة عائشة، ومعلوم ما يكون بين الضرائر من الغيرة والكراهية، لكن حماها الله وعصمها بتقواها وورعها، من أن تقول بما قاله أهل الإفك من القذف. - قولها : «وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها» أي إن أخت زينب وهي حمنة بنت جحش وقعت فيما قال أهل الافك؛ لأنها غارت لأختها وأخذتها الحمية فتكلمت في عائشة تعصبا لأختها ، فهلكت فيمن هلك، وحدّها النبي صلى الله عليه وسلم حد القذف. - يقول الزهري: «هذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط» يعني إلى هنا انتهى الحديث الذي حدثه به الرهط الذين سبق ذكرهم رحمهم الله تعالى. وهذا الحديث فيه فوائد ومباحث كثيرة، ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري وذكرها الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ، وذكرنا كثيرا منها ، ولعلنا نذكر ما تيسر من كلام الإمام النووي هنا مختصرا مع التعليق عليه: إحداها: جواز رواية الحديث الواحد عن جماعة؛ لأن الزهري قد سمع حديث الجماعة ورواه عنهم قطعة واحدة. - الثانية: صحة القرعة بين النساء، يعني: عند السفر وفي العتق وتقدم الكلام عليه. - الثالثة : وجوب الاقتراع بين النساء عند إرادة السفر ببعضهن. - والرابعة: لا يجب قضاء مدة السفر للنسوة المقيمات ، أي بعد القرعة ، وهذا مجمع عليه إذا كان السفر طويلا ، وحكم القصير حكم الطويل على المذهب الصحيح ، وخالف فيه بعض الشافعية. - الخامسة: جواز سفر الرجل بزوجته سواء في الغزو أو في غيره. - السادسة: جواز غزوهن، أي غزو النساء مع الرجال. - السابعة: جواز ركوب النساء في الهوادج. - الثامنة: جواز خدمه الرجال لهن في تلك الأسفار، بأن يحمل الرجال الهودج. - التاسعة: ارتحال العسكر يتوقف على أمر الأمير، فهو الذي يأمر بالارتحال ويأمر بالنزول. - العاشرة: جواز خروج المرأة لحاجة الإنسان بغير إذن الزوج . وهذا من الأمور المستثناة ، أي المرأة إذا أرادت أن تقضي حاجتها وتذهب إلى الخلاء ، لا تحتاج أن تستأذن الزوج في هذا الأمر. - الحادية عشرة : جواز لبس النساء القلائد في السفر كالحضر. - الثانية عشرة : أن من يُركب المرأة على البعير وغيره لا يكلمها إذا لم يكن محرما ، إلا لحاجة؛ لانهم حملوا الهودج ولم يكلموا من يظنونها فيه. - الثالثة عشرة : فضيلة الاقتصاد في الأكل في النساء وغيرهن، وألا يكثر منه بحيث يهبله اللحم، أي يحمل اللحم الكثير بسبب كثرة الأكل. وهذا كان حال النساء والرجال في زمن المختار [. - الرابعة عشرة: جواز تأخر بعض الجيش ساعة، ونحوها لحاجة تعرض للجيش إذا لم يكن ضرورة في الاجتماع. - الخامسة عشرة: إعانة الملهوف ، وعون المنقطع ، وإنقاذ الضائع ، وإكرام ذوي الأقدار ، لما فعل صفوان [ في هذا كله. - السادسة عشرة: حسن الأدب مع الأجنبيات، ولا سيما في الخلوة بهن عند الضرورة في برية أو غيرها، كما فعل صفوان رضي الله عنه من إبراكه الجمل من غير كلام ولا سؤال، وأنه ينبغي أن يمشي أمامها ، لا بجنبها ولا وراءها؛ وذلك حتى لا ينظر إليها ويفتن بها. - السادسة عشرة: استحباب الإيثار للركوب ونحوه ، كما فعل صفوان. - السابعة عشرة: استحباب الاسترجاع عند المصائب - يعني قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون - سواء كانت في الدين أو الدنيا ، وسواء كانت في نفسه أم من يعز عليه. - الثامنة عشرة : تغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي ، سواء كان صالحا أو غيره ، فصفوان صحابي بدري من البدريين ، ومع ذلك عائشة غطت وجهها عنه؛ لأن المرأة فتنة ويخشى على الصالحين أيضا من فتنة النساء، فالرجل رجل يخاف عليه الفتنة ، وليس فتنة النساء قاصرة على غير الصالحين. - التاسعة عشرة جواز الحلف من غير استحلاف، أي أن يحلف حتى لو لم يستحلفه الجليس، إذا كان يريد أن يؤكد كلامه. - العشرون: يستحب أن يستر عن الإنسان ما يقال فيه، إذا لم يكن فيه فائدة ،كما كتموا عن عائشة هذا الأمر شهرا ، ولم تسمع بعد ذلك إلا بعارض عرض, وهو قول أم مسطح : تعس مسطح. فإذا سمعت ما يقال في أخيك شيئا يكرهه ، فلا تبلغه إياه ، إذا لم كان هناك فائدة ؛ لأنه يضيق الصدر ويجلب الهم والغم. - الحادية والعشرون: استحباب ملاطفة الرجل زوجته وحسن المعاشرة؛ لأن عائشة تقول: فقدت اللطف الذي كنت أجده من رسول الله صلى الله عليه وسلم . - الثانية والعشرون : أنه إذا عرض عارض يقلل من اللطف بأن سمع عنها شيئا أو نحو ذلك يقلل من اللطف ونحوه ؛ لتفطن هي أن ذلك لعارض فتسأل عن سببه فتزيله. فإذا تفطنت المرأة لضيق زوجها تسأل عن السبب الذي قلل هذا العارض، فإذا كان سببا من جهتها ، فلتبادر في إزالته. - الثالثة والعشرون: استحباب السؤال عن المريض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان دائما فيقول: «كيف تيكم؟». - الرابعة والعشرون: يستحب للمرأة إذا أرادت الخروج لحاجة، أن يكون معها رفيقة تستأنس به ، ولئلها يتعرض لها أحد. - الخامسة والعشرون : كراهة الإنسان لصاحبه أو قريبه إذا آذى أهل الفضل ، أو فعل غير ذلك من القبائح ، كما فعلت أم مسطح في دعائها عليه. أي أن أم مسطح دعت على ابنها عندما آذى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهذا من الحب في الله والبغض في الله عند الصحابة رضي الله عنهم. - السادسة والعشرون: فضيلة أهل بدر والذب عنهم، كما فعلت عائشة في ذبها عن مسطح؛ فقد دافعت عنه، فقالت : أتسبين رجلا من أهل بدر؟! - السابعة والعشرون : أن الزوجة لا تذهب إلى بيت أبويها إلا بإذن زوجها، كما قالت عائشة للرسول عليه الصلاة والسلام: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ - الثامنة والعشرون: جواز التعجب بلفظ التسبيح، أي أن يقول المسلم : سبحان الله، إذا تعجب. - التاسعة والعشرون: استحباب مشاورة الرجل بطانته وأهله وأصدقاءه فيما ينوبه من الأمور. - الثلاثون: جواز البحث والسؤال عن الأمور المسموعة عمن له به تعلق، أما غيره فمنهيٌ عنه، وهو تجسس وفضول. أي شيء يخصك أنت ، يجوز لك أن تسأل عنه وتتحرى، أما ما يخص غيرك فلا تبحث عنه؛ لأنه يدخل في التجسس، أو في الفضول، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. - الحادية والثلاثون: خطبة الإمام عند نزول أمر مهم؛ إذ إن النبي [ صعد المنبر وخطب في الناس في الحادثة. - الثانية والثلاثون: اشتكاء ولي الأمر إلى المسلمين من تعرض له بأذى في نفسه أو أهله أو غيره ، واعتذاره فيما يريد أن يؤذيه به. فولي أمر المسلمين إذا تعرض له بعض الناس بالأذى في عرضه وغيره، فله أن يقول للناس: هناك أناس يؤذونني بكذا وكذا ، فلا تلوموني إن عاقبتهم وآذيتهم. - الثالثة والثلاثون: فضائل ظاهرة لصفوان ابن المعطل رضي الله عنه بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بما شهد، وبفعله الجميل في إركاب عائشة وحسن أدبه في جملة القضية. - الرابعة والثلاثون: فضيلة لسعد بن معاذ وأسيد بن حضير رضي الله عنهما. وذلك لما أخذتهما الحمية مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وقالوا: مرنا بما تشاء إن كان منا نقتله، قالوه حبا لرسول الله [. - الخامسة والثلاثون: المبادرة لقطع الفتن والخصومات والمنازعات، وتسكين الغضب. - السادسة والثلاثون: قبول التوبة والحث عليها. فالنبي صلى الله عليه وسلم قبل توبة هؤلاء بعد الحد، وكذلك قبل أبو بكر توبة مسطح. - السابعة والثلاثون: تفويض الكلام إلى الكبار دون الصغار لأنهم أعرف.كما جاء في كلام عائشة رضي الله عنها. - الثامنة والثلاثون: جواز الاستشهاد بآيات القرآن العزيز، ولا خلاف أنه جائز ، فلا مانع من الاستشهاد بآية مشابهة لحالك ، للحاجة للاستدلال. - التاسعة والثلاثون : استحباب المبادرة بتبشير من تجددت له نعمةٌ ظاهرة ، أو اندفعت عنه بلية ظاهرة. - الأربعون : براءة عائشة من الإفك ، وهي براءة قطعية بنص القرآن العزيز ؛ فلو تشكك فيها إنسان - والعياذ بالله - صار كافرا مرتدا بإجماع المسلمين. - يقول الإمام النووي: لو تشكك فيها إنسان - والعياذ بالله - صاركافرا مرتدا بإجماع المسلمين، فأي إنسان يشكك في براءة عائشة بعد نزول آيات القرآن فهذا كافر مرتد بإجماع المسلمين؛ لأن الذي يشك في كلام الله يكون مكذبا له، ومشككا في صدق الله، والعياذ بالله، وهذا كله ردة عن الدين وكفر. - قال ابن عباس وغيره : لم تزن امرأة نبيٍ من الأنبياء عليهم السلام، وهذا إكرام من الله تعالى لهم. وقد تكون المرأة كافرة لكن الله تعالى يكرم نبيه من أن تقع امرأته في فاحشة. - الحادية والأربعون : تجديد شكر الله تعالى عند تجدد النّعم. - الثانية والأربعون : فضائل لأبي بكر الصديق بقوله تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة ... } الآية. - الثالثة والأربعون: استحباب صلة الأرحام وان كانوا مسيئين. كما فعل أبو بكر مع مسطح. - الرابعة والأربعون: العفو والصفح عن المسيء. - الخامسة والأربعون: استحباب الصدقة والإنفاق في سبيل الخيرات. - السادسة والأربعون: أنه يستحب لمن حلف على يمين ، ورأى غيرها خيرا منها ، أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه. - فإذا حلف شخص فقال: والله لا أعطيه شيئا ، ثم رأى المصلحة خلاف هذا، فإنه يكفّر عن يمينه ويفعل الذي هو خير ، ولا يحتج باليمين ولا يقول أنا حلفت ، كما قال تعالى: {وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ} (البقرة : 224). - السابعة والأربعون : فضيلة زينب أم المؤمنين رضي الله عنها، لما أمسكت لسانها وحمت سمعها وبصرها. - الثامنة والأربعون: التثبت في الشهادة. - التاسعة والأربعون: إكرام المحبوب بمراعاة أصحابه ومن خدمه وأطاعه، كما فعلت عائشة بمراعاة حسان وإكرامه ؛ إكراما للنبي [. وذلك أن حسان بن ثابت ] ذُكر في الأحاديث والسيرة أنه هو ممن تكلم ووقع فيما قاله بعض المنافقين، لكن النبي [ أكرمه ومدحه ، فكانت عائشة تكرمه وتمدحه بعد ذلك إكراما لرسول الله وكرامته. - الخمسون : أن الخطبة تبدأ بحمد الله تعالى، والثناء عليه بما هو أهله. - الحادية والخمسون : أنه يستحب للخطيب أن يقول بعد الحمد والثناء والصلاة على النبي [ والشهادتين: أما بعد، وقد كثرت فيه الأحاديث الصحيحة. - الثانية والخمسون: غضب المسلمين عند انتهاك حرمة أميرهم، واهتمامهم بدفع ذلك؛ لأنه مثل أعلى للرعية ، فإذا تجرأ الناس، وصار كل يتكلم في عرضه أو ينال منه في المجالس، فإن ذلك يضيع هيبة السلطان، ويضعف الأمر إذا صدر منه، أو يضعف الطاعة، وهذا كله خلاف ما جاء في الأحاديث النبوية. - الثالثة والخمسون: جواز سب المتعصب لمبطل ،كما سب أسيد بن حضير سعد بن عبادة لتعصبه للمنافق، وقال: إنك منافق تجادل عن المنافقين . وأراد: أنك تفعل فعل المنافقين ، ولم يرد النفاق الحقيقي. هذا آخر الفوائد الذي ذكرها الإمام النووي رحمه الله تعالى.
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب التفسير من مختصر مسلم للمنذري – 38 (سورة الفرقان ) اتساع باب التوبة اعداد: الفرقان الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا. باب في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ} (الفرقان: 68). 2156- عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، ثُمَّ أَتَوْا مُحَمَّدًا[ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو لَحَسَنٌ، وَلَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً ، فَنَزَلَ {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا}، وَنَزَلَ {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ}. الشرح: هذا الحديث في سورة الفرقان ، وهي سورة مكية، وقد أخرجه الإمام مسلم في كتاب الإيمان، وبوب عليه النووي: كون الإسلام يهدم ما قبله، وكذا الحج ، والهجرة، الإسلام يهدم ما قبله، الحج يهدم ما قبله، الهجرة تهدم ما قبلها. يقول ابن عباس رضي الله عنه: «إن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا» يعني: أسرفوا على أنفسهم في القتل، والزنا، وارتكاب الفواحش، والمحرمات والكبائر. قوله: «ثم أتوا محمداً صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: إن الذي تقول وتدعوا إليه لحسن» دعوتك والإسلام الذي تدعو إليه أمر حسن ، وأمر جميل ، ودين عظيم ، ولو تخبرنا أن لما فعلنا أو لما علمنا كفارة ، لأسلمنا وآمنا، ودخلنا في دينك، وهذا سائغ في اللغة العربية وهو أن يحذف جواب السؤال، إذا كان معلوما للسامع، كما ورد ذلك في كثير من الآيات، كما في قوله تعالى مثلا: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يرجع بعضهم إلى بعضهم القول..} (سبأ : 31} ولم يذكر تعالى الجواب؟ والجواب: لو رأيت حالهم، لرأيت أمرا عظيما وجللا. وكذا قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ}. وقوله عز وجل: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ} (الأنعام: 93}، يعني: لرأيت أمرا مهولا عظيما، فهذا وأشباهه جائز وسائغ في اللغة العربية، وهو أن يحذف الجواب إذا كان معلوما. فهؤلاء قالوا: لو تخبرنا أن لما عملنا من الآثام كفارة لأسلمنا، يعني هم كانوا يرغبون بالتوبة، وقد أحبوا الإسلام، ودين الإسلام، لكن ردهم عنه أنهم أكثروا من الكبائر، وأسرفوا على أنفسهم ، فنزلت الآية الكريمة: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ..} (الفرقان: 68)، وهذه كبائر الذنوب وعظائم الأمور ، فالشرك هو فساد الأديان، والقتل فساد الأبدان، والزنا فساد الأعراض والنسل، وكلها كبائر عظيمة تتعلق بالضروريات الخمس التي بها قوام حياة الناس، ولا تتم مصالح بني آدم إلا بها، وهي: حفظ الدّين، وحفظ النفس، وحفظ العرض، وحفظ المال، وحفظ النسل، ولهذا خصها الله سبحانه وتعالى بالذكر في الآية، فقال: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ..} (الفرقان: 68) {لا يدعون} يعني: لا يسألون ويطلبون، فالدعاء بمعنى السؤال والطلب والإلتجاء إلى غير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، فهم لا يشركون بالله عز وجل، بل يخلصون له العبادة {ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق }؛ فلا يعتدون على الأنفس المعصومة، من مسلم أو كافر معاهد {إلا بالحق} أي: بالقصاص النفس بالنفس، وقتل الزاني المحصن، والمرتد عن دينه : { وَلَا يَزْنُونَ} لا يقعون في جريمة الزنا، {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً} قال ابن عمرو: هو واد في جهنم، وقيل: يجازى جزاءً شراً لآثامه التي ارتكبها ، وهو ما ذكره بقوله: {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُيَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي: يغلّظ عليه ويكرّر {وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً} (الفرقان: 68 - 69)، يخلد في العذاب ، والخلود هو البقاء الطويل، وهو أبدي سرمدي إذا جمع هذه الثلاث، إذا جمع بين الشرك والقتل والزنا، خلد في نار جهنم، وكذا إذا اقتصر على الشرك، لكن إذا بريء من الشَّرك لا يخلد في نار جهنم، ولو زنا أو سرق، وهذا بنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية ، قال تعالى: { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} (النساء: 48 ، 116). فالخلود هو لأهل الشرك والكفر، وأما أهل الكبائر ، فإنهم لا يخلدون في النار. وقوله: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} (الفرقان: 70) أي من تاب إلى الله عز وجل توبة صادقة، تاب الله عليه، وان كان قد أشرك بالله تعالى، وإن كان قد قتل، وان كان قد سرق، أو زنا أو شرب الخمر، فمن تاب وندم وأقلع عن ذنبه ورجع إلى الله سبحانه وتعالى فان الله يتوب عليه. ونزل أيضا جواباً لهؤلاء الذين جاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: «إن الذي تدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما فعلنا كفارة» نزل قول الله تعالى في سورة الزمر: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر : 53)، وهذه الآية في الحقيقة فيها تلطفٌ عظيم بالعصاة وأصحاب الكبائر ، وأول ما يدل على اللطف فيها: أن الله عز وجل ناداهم ونسبهم إلى نفسه ، فقال (قل يا عبادي) فهذا ترفقٌ بهم منه سبحانه وتعالى، أي فأنتم عبادي وأنتم خلقي، والله سبحانه وتعالى هو خالقكم وهو الذي يناديكم سبحانه، فيقول: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ} (الزمر : 53) يعني بالغوا في ارتكاب الذنوب والمعاصي والسيئات، وأكثروا وكرروا إلى حد الإسراف في هذا الباب: {لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ} لا تيأسوا من رحمة الله، والقنوط هو اليأس {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً} لمن تاب إليه وهو حي، فمن تاب إليه وهو حي فان الله يغفر ذنبه كله، ولو كان قد أشرك بالله أو كفر، أما بعد الموت فان الله لا يغفر للمشرك أبدا، كما قال تعالى أيضا: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} (المائدة: 72). وقوله: {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، {الغفور}: كثير المغفرة وهذه صيغة مبالغة، والرحيم البالغ الرحمة، فهذا من الترهيب للذي كانوا على الكفر والشرك والكبائر وأرادوا العودة إلى الله عز وجل رغبهم بهذه الترغيبات نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا. سورة ألم تنزيل السجدة باب : في قوله تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} (السجدة : 17). 2157- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه[: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ، ذُخْرًا بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُن}. الشرح: سورة السجدة وتسمى أيضا بسورة : ألم تنزيل السجدة، تميزا لها عن بقية السور المتشابهة التي افتتحت بـ ألم وروى فيها حديثان ولذلك قال باب في قوله تعالى: {فلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} وهذا الحديث: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قد أورده الإمام مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها. قوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يقول الله عز وجل...» أي أن الحديث حديث قدسي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل. قوله: يقول الله عز وجل: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت» أي: لم تر عينٌ ما أعددت لعبادي الصالحين، ولم تسمع أذن بما أعددت لعبادي، ولا خطر على قلب بشر ما أعددت لعبادي، وهذا نفيٌ عام، فلا توجد عين رأت ما أعد الله لعباده الصالحين في جنات النعيم، وهذا العام مخصوص بما رآه النبي صلى الله عليه وسلم من رؤيا العين في ليلة المعراج، وما رآه النبي صلى الله عليه وسلم في منامه مما قصه على الصحابة في حديث الرؤيا الطويل، ورؤيا الأنبياء حق، فربنا سبحانه وتعالى قد أعد في الجنان مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. قوله: «ذخرا» أي ادخر لهم ذلك، يعني ادخره الله سبحانه وتعالى لهم في الآخرة قوله: «بله ما أطلعكم عليه» بله: يعني دع عنك ما أطلعكم عليه «فإن الذي لم يطلعكم الله عليه أعظم». وفي رواية: «بله ما أطلعتكم عليه» يعني ما أطلعكم الله عليه مما ذكره لكم في القرآن والسنة، هو شيء يسير مما ادخره الله للصالحين، والصالحون هم الذين جمعوا بين الإيمان الصحيح، والعمل الصالح المخلص، الذي يصدق فيه صاحبه، ثم قرأ قول الله تعالى: {فلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (السجدة: 17)، وفي رواية أخرى قال: مصداق ذلك في كتاب الله: {َفلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ}، وقوله تعالى: {فلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} النفس هنا جاءت أيضا منكرة، أي: فلا تعلم أي نفس من النفوس، أي نفس كانت، ما أخفاه الله لأولئك الذين تقدم لكم صفتهم، فإن الله سبحانه وتعالى قال قبل هذه الآية: { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} (السجدة: 16)، تتجافى جنوبهم يعني : تتباعد جنوبهم عن المضاجع ، يعني عن الفرش، أي أنهم يتركون لذيذ النوم على الفراش، ويقومون لصلاة الليل، لأن الصلاة عندهم ألذ ، والقراءة عندهم أشهى، وهذا الأمر في العادة لا يعلم به الناس؛ لأن التجافي عن الجنوب وترك النوم عادة يكون في البيوت . وقال بعض أهل التفسير: أنهم لا ينامون قبل صلاة العشاء، لأن من نام قبل صلاة العشاء في العادة تفوته صلاة العشاء، ولذلك هم يصبرون ولا ينامون حتى يصلون العشاء، وورد في حديث البخاري: «أن النبي[ كره النوم قبل العشاء، والسمر بعدها»، لأن النوم قبل العشاء في العادة يضيع العشاء، والسهر بعد العشاء قد يضيع صلاة الفجر، ويضيع قيام الليل، فمن سهر بعد صلاة العشاء طويلا فانه تفوته صلاة الفجر وصلاة الليل في الغالب، فالنبي صلى الله عليه وسلم كره هذا وهذا، وهذه الكراهة تصل إلى التحريم فمن علم أنه من نفسه أنه إن نام قبل صلاة العشاء ستفوته صلاة العشاء حتما، فإنه يحرم عليه النوم، وكذلك السهر، فمن علم أن هذا السهر يضيع عليه صلاة الفجر، فإنه يحرم عليه هذا السهر. {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} من الزكوات والنفقات الواجبة، والصدقات المستحبة، سرا وعلنا. وهؤلاء لما كانوا يقومون ولا يشعر بهم أحد، كان الجزاء من جنس العمل، فقال الله تعالى: {فلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ}، يعني ما تقر به الأعين من النعيم، (فلا تعلم) يعني على وجه التفصيل، أما على وجه الإجمال فنحن نعلم أن هناك جنات وأشجار وثمار، وقصور وبيوت، ولباس من الحرير والسندس، وحلي من الذهب، وأواني من الذهب والفضة، ومآكل ومشارب رفيعة وغيرها، لكن هذا كله على وجه الإجمال بالنسبة للحقيقة، فمن حيث التفصيل نحن لا نعلم ما أعد الله تعالى للمؤمنين من النعيم، أما من حيث الإجمال فنحن نعلم جزاء ما كانوا يعملون، مما ذكر الله تعالى من أعمالهم الصالحة التي تقدم ذكرها.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري(40) بيان شيء من عظمة الله عز وجل وصفاته اعداد: الفرقان الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، [ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا. سورة يسباب في قوله تعالى {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا} (يس: 38) 2160. عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} قَالَ: «مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ». الشرح: سورة «يس» أورد فيها حديث أبي ذر ]، وقد رواه الإمام مسلم في كتاب الإيمان، في باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان. وأبو ذر هو جندب بن جنادة الغفاري الصحابي المشهور، مات سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان ]. قوله: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا} قال: مستقرها تحت العرش» وهذا الحديث سبق لنا شرحه عند قوله تبارك وتعالى من سورة الأنعام: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً}(الأنعام: 158)، وتكلمنا عن مستقر الشمس الذي ذكره الله تبارك وتعالى، وأن له معنيين: الأول: أن معنى مستقرها، أي: تحت العرش، فإنها إذا غربت كل يوم استقرت تحت العرش، فهذا المستقر المكاني. الثاني: أن معنى مستقرها هو المستقر الزماني: فهي تستأذن في الخروج كل يوم، فيقال لها: اطلعي كما كنت تطلعين، فتصبح طالعة من المشرق، حتى يقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، في اليوم الذي حدّده الله سبحانه وتعالى لها، ويغلق عندها باب التوبة، فمعناه أنها تجري إلى وقت لها وأجل لا تتعداه وهذا التفسير الثاني لقوله: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا}، فالتفسير الأول يتكلم عن المستقر المكاني، أن مكان الشمس كل ليلة يكون تحت العرش، أما التفسير الثاني فهو أن المستقر هو يوم القيامة فالشمس تظل تجري كل يوم تشرق وتغرب، حتى يأتي يوم القيامة الذي هو الأجل الذي ينتهي فيه سير الشمس وذلك عند قرب انقضاء الدنيا. وأيضا فالشمس لها منازل تنتهي إلى آخرها كل عام، فالشمس لها في كل يوم منزل تطلع منه ومنزل تغرب فيه، وهي منازل متعددة خلال العام وتسمى بالبروج، وهناك اثنى عشر برجا في كل شهر تنتقل السماء إلى برج منها. سورة الزمر باب في قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} 2161. عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ إِلَى النَّبِيِّ [ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ - أَوْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ - إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَجُّبًا مِمَّا قَالَ الْحَبْرُ، تَصْدِيقًا لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}. الشرح: سورة الزمر وأورد فيها حديث ابن مسعود ] المتعلق بهذه الآية من سورة الزمر، والذي أخرجه الإمام مسلم في صفة القيامة والجنة والنار. يقول عبدالله بن مسعود: «جاء حبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم » والحبر بفتح الحاء وكسرها، والفتح أفصح، هو العالم من اليهود وغيرهم. فقال: «يا محمد، أو قال يا أبا القاسم» ولم يقل: يا نبي الله أو يا رسول الله، وهذا إما من استكبارهم عن الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم والتصديق برسالته، ومن العناد والمكابرة التي كان عليها أهل الكتاب في زمنه صلى الله عليه وسلم ، وإلا فهم يعلمون أنه رسول الله، كما قال الله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (البقرة: 146) يكتمون الحق وهو الشهادة له بالنبوة وبالرسالة، وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنه رسول الله، وأنه نبي الله المبعوث آخر الزمان، فهو لم يسم النبي صلى الله عليه وسلم باسم النبوة أو باسم الرسالة، وإنما قال: يا محمد، وهذا مما نهيت عنه الأمة المسلمة، فالله تبارك وتعالى نهى هذه الأمة عن مناداة الرسول صلى الله عليه وسلم باسمه، كما في قوله سبحانه: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضاً} (النور: 63) يعني لا تجعلوا مناداة الرسول فيما بينكم كمناداة بعضكم لبعض؛ لأن مقام النبوة مقام عظيم وشريف، فينبغي أن يحترم وأن يوقر ويكرم؛ لأن تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقيره واحترامه من شعائر الله، وهو دال على الإيمان، كما قال سبحانه: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}(الفتح: 9)، والتعزير معناه: النصرة لدينه، ولهديه ولسنته، وتوقروه والتوقير هو الاحترام والتبجيل، فهذا من واجب المؤمنين والمؤمنات تجاه نبيهم. قوله: «إن الله يمسك السموات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع» وهذا فيه أن السموات سبع، والأرضون سبع أيضا، كما قال الله تبارك وتعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ}(الطلاق: 12)، وأما كيفية هذه الأرضين السبع؟ فقال بعضهم: هي سبع طبقات للأرض، كل طبقة تحتها طبقة، وهكذا إلى سبع طبقات. وقال بعض أهل العلم: الأرضون السبع هي القارات السبع، فيكون هذا من علامات النبوة، وإلا فما الذي عرف النبي صلى الله عليه وسلم وهو من العرب أن هناك سبع قارات؟! وهذا ربما لم يعلم إلا بعد ألف سنة، وهذا من دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم . قوله: «والجبال والشجر على إصبع» أي إن الله عز وجل يحمل كل جبال الأرض وشجرها، هذه الجبال الرواسي الصم العظيمة الشامخة، مع الشجر الذي في الأرض في الغابات وغيرها كلها يحمله على إصبع. وقوله: «والماء والثرى على إصبع» الماء الذي في الأرض كله، والأرض أكثرها ماء، بل ثلاثة أرباع الأرض ماء، ويحمل الثرى الذي هو التراب، تراب الأرض كله والماء يحمله سبحانه وتعالى على إصبع من أصابعه. قوله: «وسائر الخلق على إصبع» وسائر الخلق من الناس ومن الجن والحيوان والطير وغيرها كله يحمل على إصبع، وهذا من عظمة الله سبحانه وتعالى، ومن تمام قدرته وقوته، وهو سبحانه وتعالى كما وصف نفسه، قوي عزيز، واسع عليم، كبير متعال، وغيرها من الأسماء التي تدل على السعة والعظمة والكبرياء، الذي لا يحيط به الإنسان علما. وإذا أمسك هذه الخمسة على أصابعه سبحانه وتعالى: «يهزهن فيقول: أنا الملك أنا الملك» وهذا دليل السلطان والسيادة العليا المطلقة، التي لا تساوي أي سلطة أو سيادة، فهذه المخلوقات كلها يمسكها الله عز وجل يوم القيامة، السموات السبع والأرضين السبع والجبال والشجر والماء والثرى وسائر الخلق من الإنس والجن وغيرهم من مخلوقات الله سبحانه وتعالى، يمسكها الله كلها على أصابعه، ثم يقول عز وجل: أنا الملك أنا الملك، أي: أنا الملك وبيدي الأمر كله، وإلي يرجع الأمر كله، فالتدبير لي والأمر والنهي لي، والملك والخلق والإيجاد لي، فالله سبحانه وتعالى هو الملك حقا، وكل ملك وكل مُلك فهو زائل لا محالة، أما الملك الباقي فهو ملك الله سبحانه وتعالى، وأما أملاك الناس فكلها ستزول. وهذا الحديث من أحاديث الصفات، ومذهب أهل السنة والجماعة تصديقها والإيمان بها، وعدم التعرض لها ولا ردها، وإجراؤها على ظاهرها لا يتأولون شيئا منها ولا يفسرونه بغير ظاهره، ولا يشبهون الله تعالى بشيء من مخلوقاته. قال الإمام النووي: « هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيه مذهبان: التأويل، والإمساك عنه مع الإيمان بها، مع اعتقاد أن الظاهر منها غير مراد؟! فعلى قول المتأولين يتأولون الأصابع فيها على الاقتدار؟! أي: خلقها مع عظمها بلا تعب ولا ملل، والناس يذكرون الأصابع في مثل هذا للمبالغة والاحتقار، يقول أحدهم: بإصبعي أقتل زيدا، أي: لا كلفة علي في قتله. وقيل: يحتمل أن المراد أصابع بعض مخلوقاته؟ وهذا غير ممتنع والمقصود أن يد الجارحة مستحيلة؟!». هذا كلام النووي، ولا شك أنه غلط يخالف مذهب أهل السنة والجماعة، أما مذهب التأويل فهو مذهب المتكلمين وهو مذهب مردود، لم يأذن الله سبحانه وتعالى فيه، وفيه نوع من تكذيب الكتاب والسنة الصريحة، التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وقد قال أهل العلم: إن المتأول لآيات الصفات أو أحاديث الصفات يقع في محظورين اثنين: المحظور الأول: تعطيل الصفات، فالمؤول يعطل الصفة ويقول: ليس المراد من الأصابع هو كذا، ولا شك أن هذا تعطيل للصفة. المحظور الثاني: أنه جاء بتفسير من عنده للصفة الربانية. فيكون ارتكب خطأين اثنين، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم إننا نقول: أين أقوال الصحابة في هذه التأويلات؟ هل ورد عن الصحابة أنهم قالوا: إن الأصابع هي القدرة، أو إن الأصابع هي أصابع بعض مخلوقاته؟ أو إن اليد هي القدرة؟ وإن الوجه هو الذات؟ وهكذا إلى غير ذلك من التأويلات الفاسدة التي فيها تعطيل لصفات المولى جل جلاله، وقدست أسماؤه، وليس فيها التنزيه، بل فيها التعطيل. أما تنزيه أهل السنة والجماعة فهو مبني على عدم التمثيل للصفات، فنقول: إن لله سبحانه وتعالى الصفات العلا دون تمثيل، كما قال الله تبارك وتعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} فليس كمثله شيء، نفي للمماثلة، وقوله: {وهو السميع البصير}، إثبات للصفات، أما هؤلاء الذين عطلوا صفات الله تبارك وتعالى وأخروها عن الكمال والجلال والجمال، فعطلوا ربنا عز وجل أن يوصف بصفات الجمال وصفات القوة والعظمة، وصفات الكمال، فيأتي إنسان مخلوق جاهل بربه فيعطل هذه الصفة أو تلك، فإذا عطل هذه الصفة يكون قد أخلى الله عن صفات كماله التي وصف بها نفسه في كتابه الكريم أو على لسان رسوله الأمين، وهذه جرأة عظيمة على الله تعالى! كما أن مذهب الإمساك عن إثبات الصفات أيضا مذهب باطل، فالذي يقول أنا أقرأ الحديث والآية، دون أن أتعرض لبيانها وتفسيرها وفهمها وأفوض علم معناها إلى الله! فليس هذا المذهب موافقا لمذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان؛ لأننا لو سألنا الصحابي عن معنى قول الله تعالى: {يد الله}، فإنه لا يقول: لا أدري ما اليد؟! وإذا قلنا للصحابي: ما معنى «إن الله يمسك السموات على إصبع» ما الإصبع؟ فإنه لا يقول: لا أدري؟ فالصحابي لا يمكن أن يقول هذا الكلام، بل الصحابي يعرف معنى الإصبع ويعرف معنى الوجه واليد، ويعرف معنى صفات الرحمة والسمع والبصر والكلام؛ لأن هذه كلها لها معان واضحة في لغتهم العربية التي خاطبهم الله سبحانه وتعالى بها في الكتاب والسنة. كذلك إقرار النبي صلى الله عليه وسلم للحبر كما في قول الصحابي عبدالله بن مسعود وهو الإمام الحبر من الصحابة قال: «فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا مما قال الحبر تصديقا له» فهذا يدل على الموافقة لا المخالفة؟ فلم يخالف صلى الله عليه وسلم الحبر، ولم يقل له: كلامك باطل! أو كلامك فيه تجسيم أو هذا سوء أدب مع الله، أبدا ما قال ذلك صلى الله عليه وسلم ذلك، بل النبي صلى الله عليه وسلم تعجب وضحك؛ لأن هذا يوافق القرآن الكريم، والدليل أنه عليه الصلاة والسلام قرأ تصديقا لقول الحبر قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} (الزمر: 67)، فهذه الآية توافق كلام الحبر؟ وقول الصحابي هنا: تصديقا له، لا يقال كما قال بعض المتكلمين: هو من كلام الراوي، أو من فهم الراوي، وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ضحك ردا لقوله وتعجبا من جرأته على الله؟! فهذا في الحقيقة إعراض عن الرواية وليٌّ لعنقها بغير دليل ولا برهان، فكلام الحديث واضح وكلام الصحابي واضح وفعل النبي صلى الله عليه وسلم واضح، ولا يفهم من كلام الله تعالى التجسيم، ولا يفهم من كلام رسوله صلى الله عليه وسلم التمثيل؟! بل ربنا سبحانه وتعالى منزه ومقدس عن التمثيل وعن التشبيه، ولا يجوز للإنسان أن يتأول الصفات بتأويلات بعيده ويحملها على محامل بعيدة أو يأتي باحتمالات فاسدة؛ لأن هذا كما قلنا تكذيب لله تعالى، وجحد لأسمائه وصفاته. وقول الله تبارك وتعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} خطاب للمشركين الذين لم يعظموا الله حق التعظيم، ولم يعطوه حقه من التبجيل والتقديس والتنزيه؛ إذ جعلوا معه آلهة أخرى لا تخلق ولا ترزق، ولا تقدر على الحياة ولا على الموت ولا على النشور، بل لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا. وقوله: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة} ورد في الصحيحين: في حديث أبي هريرة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ليقبض الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟!». ملوك الأرض في الدنيا نازعوا الله في ملكه، وحصل منهم تجاوز وطغيان وعدوان على خلق الله، واستكبار واستعلاء، فالله سبحانه وتعالى يخصهم بالذكر يوم القيامة ويناديهم في هذا الموقف الرهيب المهيب، فيقول: أين ملوك الأرض؟ فلا يجيبه أحد، ولا يجرؤ على الكلام بين يديه ملك منهم، فهؤلاء الذين تكبروا على عباد الله وفعلوا الأفاعيل وطغوا وبغوا، إذا ناداهم الله سبحانه وتعالى صمتوا وخرسوا، نعوذ بالله من الظلم والطغيان. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري(42) من نِعم الله على المؤمنين اعداد: الفرقان الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا. سورة الفتحباب في قوله تعالى {وهو الذي كف أيدهم عنكم} الآية 2165. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ [ مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ، يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ [ وَأَصْحَابِهِ، فَأَخَذَهُمْ سِلْمًا فَاسْتَحْيَاهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ}. الشرح: في سورة الفتح ذكر حديث عن أنس رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ} (الفتح: 24)، وقد رواه الإمام مسلم رحمه الله في التفسير. - يقول أنس رضي الله عنه : «إن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم متسلّحين» ثمانون رجلا هبطوا عليه يعني نزلوا عليه، وكانوا من جبل التنعيم، وهم متسلحون بالسلاح، جاءوه «يريدون غرته» أي: أن يأخذوه وأصحابه على حين غرة، يعني على حين غفلة، يريدون بذلك قتل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لكن الله سبحانه وتعالى كفّ أيديهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه، وامتن الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالعافية والسلامة من شرّ الكفار، فقال في الآية {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ...} أي: فلم ينالوكم بسوء، ولم يقتلوا منكم أحدا، بل لم يجرحوا ولم يصيبوا أحدا منكم بسوء، بل وجدوهم منتبهين، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه. {وأيديكم عنهم} وأيضا فإنّ الله عز وجل لم يسلط الرسول وأصحابه على المشركين، فما قتلوا منهم أحداً. وقوله «فأخذهم سلما» بفتح السين واللام، وفي وجه: سلما بإسكان اللام وفتح السين وكسرها، ومعناه أنهم أخذوهم سلما من غير قتال، وبالفتح في الوجه الأول أي: أخذوهم أسرا، أي أسروهم جميعا فلم يقتلوا منهم أحدا، والسَلَم معناه الاستسلام، والاستسلام يكون عند الأسر، كما قال الله عز وجل {وألقوا إليكم السلم} النساء: 90. أي الانقياد وأسلموا أنفسهم. والسلم يطلق على الواحد والاثنين والجماعة، فهذا يدل على أنهم أُخذوا سلما وصلحا، ولم يأخذوا قهراً ولا قتالا، وقد يكون صولحوا على ذلك، أي: قيل لهم: ألقوا السلاح ولا نمسكم بسوء، فحصلت مفاوضة بينهم وأخذهم النبي صلى الله عليه وسلم سلما. وقوله: «فاستحياهم» يعني أبقاهم أحياء، كما في قوله تعالى {ويستحيي نساءهم} فالله تعالى كفّ أيدي المشركين عن المسلمين، وأيدي المسلمين عن المشركين، لما جاؤوا يصدون رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه عام الحديبية عن البيت الحرام والعمرة، وهو المراد بقوله {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم}. {بِبَطْنِ مَكَّةَ} ببطن مكة أي بالحديبية؛ لأن الحديبية منطقة قريبة من الحرم، بل أكثرها داخل في الحرم، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا حانت الصلاة يذهب إلى الجزء الواقع في الحرم ليصلي فيه، لأن الصلاة في الحرم أكثر أجرا من الصلاة في الحل طبعا، وهذا غير الأجر الذي يكون لمن صلى بالمسجد الحرام بمسجد الكعبة، فإن الصلاة فيه بمائة ألف كما صح في الحديث، أما الصلاة بالحرم فهي أكثر أجرا، وإن كانت هي أقل من مائة ألف على الراجح. {مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} من بعد أن أقدركم عليهم وسلّطكم، وكانت الغلبة لكم. - وقيل: إن الآية في يوم فتح مكة، واستدل بها أبو حنيفة رحمه الله على أن فتح مكة كان عنوة لا صلحاً. {وكان الله بما تعملون بصيرا} فيجازي كل عامل بعمله، ويدبر أموركم أيها المؤمنون بتدبيره الحسن. من توقير النبي صلى الله عليه وسلم سورة الحجرات باب في قوله تعالى: {لا تَرفعوا أصواتَكم فوقَ صوتِ النبي} الآية. 2166. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، جَلَسَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِي بَيْتِهِ وَقَالَ: أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَاحْتَبَسَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، فَقَالَ: «يَا أَبَا عَمْرٍو، مَا شَأْنُ ثَابِتٍ، أشْتَكَى؟» قَالَ سَعْدٌ: إِنَّهُ لَجَارِي، وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى. قَالَ: فَأَتَاهُ سَعْدٌ فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ ثَابِتٌ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ! فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ». الشرح: سورة الحجرات وفيها حديث أنس أيضا رضي الله عنه في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} الآية (الحجرات: 2). وهذا الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب: صفة الإيمان، وبوب عليه النووي رحمه الله باب: مخافة المؤمن أن يحبط عمله. يقول أنس بن مالك لما نزلت هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} (الحجرات: 2) جلس ثابت بن قيس من صحابة رسول الله، وهو ابن شماس الأنصاري، وكان خطيب رسول الله من الأنصار، رفيع الصوت، وكان يتكلم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءته الوفود، فيخطب ويبين بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وبأمره، فلما نزلت هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} قال ثابت بن قيس: أنا من أهل النار! لأني كنت أرفع صوتي عنده، والله تعالى قال {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}. - أي: الذين يرفعون أصواتهم عند رسول الله تحبط أعمالهم، وهو تهديدٌ ووعيد من الله عز وجل للمؤمنين. قال الإمام النووي: كان ثابت رضي الله عنه جهير الصوت، فكان يرفع صوته، وكان خطيب الأنصار، لذلك اشتدّ حذره أكثر من غيره، لأنه كان يرفع صوته بالخطابة. لذلك قال: أنا من أهل النار، فاحتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، يعني: انقطع عن المجيء، فلا يحضر مجالسه ولا يصلي معه، من شدة خوفه من الله، وحيائه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلذلك افتقده النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عنه سعد بن معاذ وهو سيد الأوس، فقال له: «يا أبا عمرو، ما شأن ثابت أشتكى؟» يعني: انقطع عنا فلم نره، فهل هو مريض؟ أو هل به شكوى؟! فقال سعد: «إنه لجاري، وما علمت له بشكوى» أي ما علمتُ أنه مريض، فهو جار لي وقريب. قال: فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام سأل عنه وافتقده، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} (الحجرات: 2) ولقد علمتُ أني من أرفعكم صوتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية أنه قال: قد حبط عملي وأنا من أهل النار؟! فقال صلى الله عليه وسلم لسعد: «بل هو من أهل الجنة» يعني أخبره أنه من أهل الجنة وليس من أهل النار. قال النووي: وفي هذا الحديث أيضا منقبة عظيمة لثابت بن قيس ]، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره أنه من أهل الجنة، النبي صلى الله عليه وسلم بشّره أنه من أهل الجنة، وهذه فضيلة عظيمة لثابت بن قيس، وهو أحد المبشّرين بالجنة. وفي هذه الآية دلالة على أن المسلمين يجب عليهم أن يحترموا رسول الله [ ويوقروه ويعظموه، فلا يرفعوا أصواتهم في مجلس حديثه وكلامه إذ كان حياً، وهكذا بعد موته، فلا يرفعوا صوتهم عند قبره، لأن هذا من الاحترام الواجب حتى بعد موته، وقد ورد في الصحيح: أن أمير المؤمنين عمر ] سمع رجلين يرفعان أصواتهما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال للسائب بن يزيد: ائتني بهذين! فقال لهما: من أين أنتما؟ فقالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله؟! وهذا يدل على بقاء الاحترام والتوقير للنبي صلى الله عليه وسلم حتى عند قبره في مسجده وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، لأن رفع الصوت من ترك الاحترام. وأيضا قد ورد في الآية حديث آخر: وهو ما رواه الإمام البخاري في صحيحه: من حديث ابن أبي مليكة قال: كادَ الخيّران أن يهلكا - يقصد أبا بكر وعمر - وذلك لما قدم وفد بني تميم فقال أبو بكر: يا رسول الله، استعمل عليهم الأقرع بن حابس، فقال عمر: لا بل استعمل عليهم آخر، فارتفعت أصواتهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي؟! فقال عمر: والله ما أردتُ خلافك؟! فعند ذلك نزلت هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} (الحجرات: 2) فكان عمر ] بعد ذلك إذا كلّم النبي صلى الله عليه وسلم يستفهمه من خفضه لصوته، يعني كان عمر بعد ذلك يُبالغ في خفض الصوت إذا تكلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: «ماذا قلت؟». وذلك أنه تأدّب بهذا الأدب الرباني، الذي أدّب الله تعالى به المؤمنين. وهذا الأدب هو الأدب الثاني في سورة الحجرات، أما الأدب الأول فيقول الله سبحانه وتعالى فيه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(الحجرات: 1). {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} يعني: لا تقدموا رأياً ولا حكما ولا شيئا إلا بعد أن تعلموا كلام الله ورسوله، ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام إلا بعد معرفة الشرع، هذا هو الأدب الأول. - ثم ذكر الأدب الثاني: وهو خفض الصوت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا أيضا يدل على وجوب احترام المؤمنين لرسولهم ونبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا كما قلنا في الحياة وبعد الممات، وفي حضوره وغيابه، فلا يجوز لإنسان أن يعارض حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، بعلمه أو بعقله ورأيه، أو بشك أو تردد في قبوله، أو تأويل باطل أو تحريف، أو أن يرفع صوته على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . - ثم قال الله تعالى بعد ذلك: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} (الحجرات: 3). أي أن الله سبحانه وتعالى قد امتحن القلوب بأنواع الشهوات وأنواع الشبهات، فالذي يغلّب جانب الشرع وجانب الأمر لله تعالى والنهي، فهذا الذي يكون قد امتحن الله قلبه فنجح في الامتحان، وحصلت له التقوى، أما من امتُحن فغلبته شهواته وغلبه هواه، فهذا الذي يكون من الخاسرين والعياذ بالله تعالى. ولا شك أن الإنسان الذي يغالب شهوته ويجاهد نفسه حتى يلزمها الشرع، ويجعلها تلزم الصراط المستقيم، ولا تحيد عنه، هذا أفضل من الإنسان الذي لم تعرض له شهوة، ولا شبهة فلم يجاهد نفسه، فالذي يجاهد نفسه على الحق، أرفع درجة من الذي لم يجاهدها على ما يحب الله سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى, فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}(النازعات:40- 41) - وفي الحديث أيضا: أن المؤمنين ممنوعون من كثرة الكلام والقيل والقال، إذا جاءهم الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ إذ يجب عليهم السكوت والرضا والانقياد وعدم المعارضة، هذا هو الواجب، فالمؤمن ينقاد ويستسلم لأمر الله تعالى وأمر رسوله وهذا هو حقيقة الإسلام. فالمؤمن المتبع يقول: بم أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم . وأما المتشكك فيقول: لِمَ أمر الله بذلك؟! - وأيضا في هذا الحديث: سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن أصحابه، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يتفقد أصحابه ويسأل عمن غاب منهم، فلما افتقد ثابت قال: ما فعل ثابت، أين ثابت؟ هل هو يشتكي؟ هل هو مريض؟ فمن هديه صلى الله عليه وسلم تفقده لأصحابه إذا غابوا، فإن كان أحدهم مريضاً، زاره وعاده في بيته ودعا له، وإن كان حصل له شيء منعه أعانه، وهذا من تواضعه صلى الله عليه وسلم وحبه لهم. - وأيضا: في هذه الآية وجوب الخوف والحذر من خاتمة السوء، لأن الله تعالى قال {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} (الحجرات: 2). فعلى المسلم أن يخاف من الأمور التي تحبط الأعمال، كالرياء أو الشرك أو المنّ بالصدقات والأذى، ونحوها، فقد يكون له عمل صالح لكن قد يعرض له أمر من الأمور، تهلك فيه أعماله الصالحة، فالمؤمن يخاف على عمله أن يحبط، ولا يثق بنفسه، وإنما يثق بربه سبحانه وتعالى ويستعين به ويسأله الثبات، ولا يقول: أنا واثق بنفسي؟! أو أنا واثق بأعمالي؟!.. لا، بل يجب أن يثق بالله سبحانه وتعالى، فالإنسان ضعيف، كما قال عنه ربه سبحانه {وخلق الإنسان ضعيفا} هذا وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد.
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري(44) خلق الإنسان والملائكة والجان اعداد: الفرقان الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا. باب في قوله تعالى {وخَلقَ الجَان من مارجٍ من نارٍ}2169. عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ». الشرح: سورة الرحمن وأورد فيها قوله تبارك وتعالى {وخلق الجانّ من مارجٍ من نار} وهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم في الزهد والرقائق (4/2294) وبوب عليه النووي: باب في أحاديث متفرقة. فيما ترويه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «خلقت الملائكة من نور» خُلقت الملائكة من نور، أي أن المادة التي خلقت منها الملائكة هي النور، فمادة خلقها هي النور، فالملائكة أجسامٌ خلقت من النور، ولا يلزم من هذا أن تكون نوراً في نفسها على كل حال، فالإنسان خُلق من طين، أي أن أصله ومادة خلقه هي الطين، ولكن هو ليس طيناً في نفسه، وهكذا الجن خُلقوا من النار، هذا أصل المادة، ولا يلزم من ذلك أن يبقى الجان ناراً، بل أصل الخلقة كذلك. فالملائكة مادة خلقهم هي النُّور، والله تبارك وتعالى خالق هذه الأنوار كلها، منها نور الشمس، ومنها نور القمر، وغيرها من الأنوار، فهو سبحانه منوّر السموات والأرض وما بينهما، وقد ورد في القرآن والسنة أن الملائكة لهم قدرات وقوة عظيمة وهبهم الله إياها، وأن الله تبارك وتعالى استعملهم ووظّفهم في وظائف كثيرة في الكون، فهم يَسوقون السحاب والرياح بأمر الله تعالى، ويُرسلون المطر بإذن الله، وملائكة موكلون بقبض أرواح بني آدم، وملائكة موكلون بحفظ أعمال بني آدم وهم الحفظة، وهناك ملائكة موكلون بمجالس الذكر، وهم سيّاحون في الأرض، يتنادون إذا سمعوا مجلساً يُذكر فيه الله تعالى، ويقولون: هلموا إلى بُغيتكم، إلى حاجتكم، فيحفون أهل الذكر إلى السماء الدنيا، ومنهم ملائكة يتعاقبون بالليل والنهار فينا، ويجتمعون في صلاة العصر والفجر كما ورد في الأحاديث، وأعمالهم كثيرة جداً، وهم جندٌ لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم، كما قال تعالى {وما يَعلم جُنودَ ربّك إلا هو} ومنهم جندٌ يقاتلون مع المؤمنين الصادقين المخلصين في القتال والجهاد، ويعينونهم على أعدائهم، ومنهم جُندٌ يبثّون الرُّعب في قلوب المشركين، ويزلزلونهم ويخوفونهم. وقوله: {وخَلق الجان من مارج من نار} كما قال الله تبارك وتعالى في سورة الرحمن {وخَلق الجان من مَارجٍ من نار} خلق الجان يعني الجن، وأبو الجن هو إبليس على الصحيح المشهور عند أهل العلم، وهو الظاهر من القرآن، كما قال الله تبارك وتعالى {وإذْ قُلنا للملائكة اسْجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليسَ كان من الجن ففَسق عن أمر ربّه} (الكهف: 50). فقوله {كان من الجن} صريحة أن إبليس ليس من الملائكة، وهو قول أكثر السلف، وهو الصحيح، فإن جنس الجن غير جنس الملائكة، فهم خلق آخر مختلف تماما، وإنما دخل إبليس في خطاب الله تعالى للملائكة في قوله {وإذْ قلنا للملائكة اسجدوا لأدمَ فسجدوا إلا إبليسَ} (الكهف: 50). لأنه كان معهم، ودخل ضمن جماعتهم وطائفتهم يتعبد لله معهم، فلما جاء الأمر الإلهي لهم بالسجود لآدم عليه السلام، شمله الخطاب الإلهي معهم، مثل لو كان هناك مجموعة من الناس من قبيلة واحدة، وفيهم رجل ليس من هذه القبيلة، ولكنه معهم، فإذا جاء الأمر لهم: قوموا أو اجلسوا أو كلوا أو اشربوا شمله الأمر، وهكذا كان الأمر لما حصل الأمر بالسجود لآدم عليه السلام، فأبى إبليس بطبعه الخبيث إلا معصية الله والاستكبار، والاستكبار عن السجود لآدم، واحتقاره وتحقيره، ثم بعد ذلك حسده، أعاذنا الله وإياكم من شره. والمارج من النار: قال أهل التفسير: هو اللهب الصافي من النار. وقيل: الخالص من النار، وقيل المارج هو: لسان النار الذي يكون في طرفها الأعلى، أقصى ما يكون من النار إذا التهبت. فخلق الله إبليس من هذه المادة. وفي الآية الأخرى {والجانّ خلقناه من قبلُ من نارِ السَّموم} من قبل أي من قبل الإنسان، والسموم قال ابن عباس: هي التي تقتل، وروى الطيالسي: عن ابن مسعود قال: هذه السموم جزء من سبعين جزءا من السموم التي خلق منها الجان، ثم قرأ الآية {والجانّ خَلقناه من قبلُ من نار السموم}. قوله «وخلق آدم عليه الصلاة والسلام مما وُصف لكم» أي: خلق الله تبارك وتعالى آدم مما وصف لكم في كتابه الكريم، فالله تبارك وتعالى قد ذكر خلق أدم عليه السلام في مواضع كثيرة من القرآن، وفصّل لنا ذلك. هذا وقد شرّف الله تبارك وتعالى آدم عليه السلام على سائر المخلوقات بأن خلقه بيده، وهذه ميزة وخصيصة شرّف الله بها آدم عليه السلام على غيره، فكل المخلوقات خلقها الله تعالى بقوله: {كن} فكانت، إلا آدم عليه الصلاة والسلام شرفه الله بأن خلقه بيده المقدسة جل جلاله، وهذا تشريفٌ أيما تشريف، ولا يجوز تأويل ذلك بغيره، لأن الله تعالى أكّده في القرآن، فقال عز وجل {مالكَ ألا تَسجدَ لما خلقتُ بيدي} ص: 75. ولا يصح أن يقول القائل: خلقه الله تعالى بقدرته؟ لأن ذلك مخالفٌ لنص القرآن الصريح، هذا أولا. ثانيا: إذا قال القائل: بنيتُ داراً، فإنه يحتمل أن يكون بناها بيده، ويحتمل أن يكون أَمَر غيرَه ببنائها، لكن إذا قال القائل: بنيتُ الدار بيدي، فإنه لا يفهم من العربية إلا أنه باشر بنائها بيده، وكذا لو قال: ضربت فلاناً بيدي، فهذا لا مجال للتأويل فيه، وأما الذي قال به المؤولة من الجهمية وأتباعهم من الأشاعرة والماتريدية، في نفي هذه الصفة الكريمة عن أبينا آدم عليه الصلاة والسلام، فهو من التأويل الباطل الفاسد المردود؟! ثالثا: قول عز وجل {خلقتُ بيدي} لا يصح أن يقول القائل خلقه الله تعالى بقدرته، لأنه قال {بيدي} وهذه تثنيه لليد، ولا يصح لغة أن يقال: خلقتك بقدرتيَّ؟! ولا تقبله قواعد اللغة العربية. وأيضا: قد ورد في الحديث الصحيح: «حاجّ موسى عليه الصلاة والسلام آدم عليه الصلاة والسلام، فقال له: أنتَ أبونا آدم، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته...» الحديث، وهذا تأييد للآية الكريمة. وقد اختلفت عبارات القرآن في صفة خلق الإنسان، ففي آية آل عمران يقول تعالى {خَلَقه من تُرابٍ} وفي الحجر قال {من حَمأٍ مَسنون} وفي الصافات {من طينٍ لاَزب} يعني ملتصق بعضه ببعض، وفي هذه الآية قال {من صَلْصال كالفخار} وهذه العبارات - وإن كان ظاهرها الاختلاف - لكن هي في الحقيقة لا اختلاف بينها، بل معناها متفق، لأن الله تبارك وتعالى خلق آدم أولا من تراب، فصح في الحديث: «إن الله تعالى خلق آدم من قبضةٍ قَبَضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم منهم الأحمر والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن والخبيث والطيب» رواه أحمد ( 4/400، 406 ) وأبوداود ( 4693 ) والترمذي ( 5/204 ) وابن خزيمة في التوحيد ( ص 64) وغيرهم بسند صحيح. وقد بوب عليه الإمام ابن خزيمة: باب ذكر صفة آدم عليه السلام، والبيان الشافي أنه خلقه بيده، لا بنعمته على ما زعمت الجهمية المعطلة؟! إذ قالت: إن الله يقبض بنعمته! من جميع الأرض قبضة فيخلق منها بشراً!! انتهى. ثم لما صب عليها الماء فصارت طيناً لازباً، يعني: ملتصقاً، يلتصق بعضه ببعض، ثم ترك هذا الطين حتى تخمر فصار حمأ مسنوناً، والحمأ هو الطين المتغير لونه ورائحته، فالطين إذا تخمّر صار له شيء من الرائحة وتغير لونه، والمسنون قيل: هو الطين الناعم، والأملس، وقيل: المنتن. ثم بعد ذلك تُرك حتى يبس فصار صلصالاً كالفخار، فالصلصال هو الطين الذي له صلصلة وصوت إذا ضربته، كالفخار الذي يحرق بالنار، وهو ليس فخارا وإنما هو كالفخار كما قال الله، يعني كالطين المحروق بالنار الذي له صلصلة إذا ضربته. أما قول الله تبارك وتعالى {ولقد خَلقْنا الإنسانَ من سُلالةٍ من طَين ثم جَعلناه نُطفةً في قَرارٍ مَكين} فلا يعارض ما سبق، فأبونا آدم علية الصلاة والسلام هو الذي خُلق من تراب ومن طين، أما نحن فخلقنا من نطفة تسل، وتوضع في قرار مكين وهو الرحم. فبهذا نعرف أن الآيات ليس بينها اختلاف، ومن درس وفهم كتاب الله عز وجل عرف ذلك، وأن كتاب الله يؤيد بعضُه بعضاً، ويصدّق بعضه بعضا، فليس فيه تنافر، وإذا كان هناك تنافر أو تناقض فهو في أفهامنا نحن، وليس في القرآن، لأن كتاب الله يقول الله تبارك وتعالى عنه {لا يَأتيه الباطلُ من بين يديه ولا منْ خَلفه تنزيلٌ من حكيمٍ حميد} فصلت. وقال سبحانه {الله نزّلَ أحسنَ الحديثِ كتاباً مُتشابها مثاني} الزمر. فهو كتاب متشابه يعني آياته تتشابه كلها، بمعنى تتفق ولا تختلف، فليس بينها تناقض ولا تنافر، وقال عز وجل {ولو كانَ من عندِ غير اللهِ لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً} (النساء). الحذر من الغفلة باب في قوله تعالى {ألم يأن للذين آمنوا أن تخَشع قلوبهم لذكر الله} الحديد: 16. 2170. عن ابْن مَسْعُودٍ قَالَ: مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا، وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} إِلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ. الشرح: في سورة الحديد أورد المؤلف المنذري حديثا في قوله تبارك وتعالى {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} حديث ابن مسعود ]، وقد رواه مسلم في كتاب التفسير من صحيحه. يقول ابن مسعود ]: ما كان بين إسلامنا، وبين أن عاتبنا الله عز وجل بهذه الآية {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق} إلا أربع سنين. وهذا يعني أن هذه الآية آية مكية، فإن ابن مسعود ] من السابقين إلى الإسلام، فكان إسلامه قديما بمكة، وهذا الحديث يبين لنا توقيت نزول هذه الآية الكريمة، وأنها نزلت بعد البعثة بأربع سنين تقريبا. فهذه الآية نزلت في المؤمنين والمسلمين، لأن الله تعالى خاطب المؤمنين فقال: {ألم يأن للذين آمنوا} أي: أما آن للذين آمنوا، أما حان الوقت، وجاء الزمن الذي تخشع فيه قلوب المؤمنين، قال الحسن رحمه الله: يستبطئهم وهم أحبُّ خلقه إليه. أي: يستبطئ الله الصحابة وهم أحب الناس إليه، فيحثّهم على الخشوع، وعلى رقة القلوب، فإنّ رقّة القلب ولينه والخشوع، تقود إلى الذل لله والخوف منه، والخضوع والانقياد لأوامره تبارك وتعالى، يعني تقوده إلى الاستجابة للعمل بالأوامر، وترك النواهي والزواجر، والخوف من التقصير في حقه سبحانه. وقوله {لذكرِ الله وما نَزل من الحقّ} أي: ما نزل من القرآن، وما نزل من السُّنة، فإنّ جبريل عليه الصلاة والسلام كان ينزل على النبي [ بالقرآن، وينزل بالسنة النبوية، كما قال السلف، وعلى هذا دلت الأدلة الصحيحة من القرآن والسنة، كما قال الله عز وجل {وما يَنطق عن الهوى ، إنْ هو إلا وحيٌ يُوحى} (النجم: 3-4). فربنا عزّ وجل يُعاتب من حصل منهم شيءٌ من الفتور عن الطاعة، والخمول عن ذكر الله، وعن الاجتهاد في العبادة، وصدود عن الخشوع، يقول لهم: ألم يأن لكم أن تخشع قلوبكم لذكر الله، وما نزل من الحق الذي به صلاح دينكم ودنياكم، وأحوالكم كلها. وقوله {ولا يَكونوا كالذينَ أُوتوا الكتابَ من قبلُ} هو تحذير، يعني: إياهم أن يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل من اليهود والنصارى، فإنهم لما طال عليهم الأمد - وهو الوقت – تكاسلوا ولم يداوموا، وثقل عليهم العمل بالطاعات، وأداء العبادات، والقيام بالقربات، كأنهم حصل لهم شيء من الملل والسآمة، فصاروا بعد ذلك لا يبالون بالطاعات، ووقع فيهم البعد عن الخشوع، وجمود العين عن البكاء، وحزن النفس على المعصية والتقصير. قوله {فقستْ قلوبهم وكثيرٌ منهم فاسقون} أي صار عندهم شيء من القسوة في قلوبهم، نتيجة لبعدهم عن التذكر والتأمل والاتعاظ بآيات الله عز وجل، فلما ذهب الخشوع جاءت قسوة القلوب، والعياذ بالله تعالى. وهذه الآية تدل على أن الذكر - وأعظمه القرآن الكريم – وغيره من الأذكار في الليل والنهار، كما أن التفكر والتدبر في آيات الله يورث الإنسان الخشوع، ويورثه الخوف من الله، وكلاهما يورثه العمل الصالح والاستقامة، فالإنسان إذا خشع وخاف من الله استقام، وإذا ذهب الخوف وجاءت قسوة القلب جاءت المعاصي، وجاء التفريط في الواجبات، وفي الأعمال الصالحات. وقيل: معنى {فطال عليهم الأمد} يعني: طال الأمد والزمن بينهم وبين أنبيائهم، فإذا مات النبي من أنبيائهم وظلوا فترة بلا نبيٍ، ولا مذكر ولا واعظ، حصل لهم شيء من القسوة والغفلة. أما هذه الأمة فالله تبارك وتعالى أكرمها بأن جعل فيها العلماء، وهم ورثة الأنبياء، فنحن إذا جلسنا في مجالس العلماء، وفي مجالس الدعاة والوعاظ والمذكرين ذكرونا بالله تعالى، وأحيوا فينا الخوف من الله تعالى، وحصل لنا الخشوع، وحصلت لنا الرغبة فيما عند الله عز وجل، ومتى انقطع الإنسان عن ذلك، وطال الأمد بينه وبين الموعظة والتذكير حصل له القسوة. فهذه الآية: تدعونا لعدم البعد عن مجالس الذكر والعلم، وعدم البعد عمن يذكرنا بالله من الصحبة الصالحة، فالإنسان كما قال أهل العلم بدنه له زاد، وروحه لها زاد، وكثير من الناس يعطي البدن زاده، يعطي البدن طعامه وشرابه ونومه كل وقت، ويترك الروح جائعة فلا يعطيها ما تحتاجه من القوت، فقوت الأرواح هي معاني القرآن والسنة المثمرة للإيمان والعمل الصالح، كما أن قوت الأبدان الطعام والشراب. وأن المسلم يجب أن يخاف على نفسه، ويحذر من الرجوع عن التمسك بدينه. نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا بما نقرأ ونسمع ونرى من الحق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري(46) -حبُّ المصطفى صلى الله عليه وسلم للقرآن والوحي اعداد: الفرقان الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا. ( سورة القيامة )باب: في قوله تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به}. 2173. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي قَوْله {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ[ يُعَالِجُ مِنْ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، كَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فَقَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ[ يُحَرِّكُهُمَا، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَك لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}، قَالَ: جَمْعَهُ فِي صَدْرِكَ ثُمّ،َ تَقْرَؤُهُ {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}، قَالَ: فَاسْتَمِعْ وَأَنْصِتْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ ، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كَمَا أقْرَأَهُ. الشرح: سورة القيامة : باب في قوله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} أورد فيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما، الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله في الصلاة، باب الاستماع والقراءة. في قوله عز وجل: {لا تحرك به لسانك لتعجل به}، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، المعالجة: هي المشقة في تحصيل الشيء، وهذا كان يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم حين نزول الوحي، ويظهر ذلك على وجهه وأثره على بدنه، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فينفصل عنه الوحي، وإنّ جبينه ليتفصّد عَرقاً، يعني يسيل عرقا في اليوم الشديد البرد، وهذا يدل على الشدة وثقل الوحي عندما ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم ، كما قال الله تعالى: {إنا سنُلقي عليك قولاً ثقيلاً} (المزمل). وثقل الوحي من ثقل ما جاء به من القرآن العظيم والتنزيل الحكيم من عند الله الملك العظيم، وأيضا من هيبة المَلَك، فإن جبريل عليه السلام رسول بين الله تعالى وبين خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم ، فإذا جاءه من عند الله أخذته الهيبة والشدة بسبب ذلك. قوله: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحرك شفتيه عند نزول الوحي، كان النبيصلى الله عليه وسلم يحرك شفتيه ولسانه، يقرأ مع الملك، والسبب في تحريك النبي صلى الله عليه وسلم للسانه وشفتيه مع قراءة جبريل عليه السلام هو خشيته أن يذهب عليه، فينساه ولا يحفظه، فقال الله تعالى له: {لا تُحرِّكْ به لسَانكَ لتعجَلَ به إنّ علينا جمعه} أي : في صدرك وقرآنه، أي : علينا أن يقرأه جبريل كما أمرناه فإذا قرآناه، والمقصود إذا قرأه جبريل بلسانه، وهذا بإضافة إلى ما يكون بأمر الله إلى الله تعالى، فما يكون بأمر الله يصح أن يضاف إلى الله سبحانه وتعالى، فجبريل كان ينزل بأمر الله تبارك وتعالى وبكلامه ووحيه، ولذلك صحت الإضافة فإذا قَرأناه، أي: إذا قرأه جبريل فاتبّع قرآنه، يعني: استمع لقراءته وأنصت، ثم اقرأه كما قرأه متبعاً له، وقد قال أيضا جل وعلا في هذا أيضا: {ولا تَعجلْ بالقُرآن من قبلِ أن يُقضى إليك وحيه} (طه: 114)، أي: اصبر حتى يفرغ جبريل منه. والاستماع والإنصات للقراءة صار أدباً من آداب المسلمين إذا تُلي القرآن، كما قال الله تعالى: {وإذا قُرئ القُرآن فاسْتَمعوا له وأَنصتُوا لعلكم تُرحمون} (الأعراف: 204)، أي: والاستماع ليس مجرد السماع، بل هو الإنصات والإصغاء، وترك التحدث أو الاشتغال بما يصدُّ عن الاستماع، فاستمعوا بقلوبكم لكلام الله، لتحصل لكم الرحمة والخير الكثير، والبصيرة والعلم الغزير، والإيمان المتجدد، والهداية للصراط المستقيم. وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمر به الأمة، في الصلاة وخارج الصلاة، فقد قال صلى الله عليه وسلم عن الإمام في الصلاة: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا قرأ فأنصتوا..» رواه النسائي وأصله في الصحيحين. وقد قال جمعٌ من أهل العلم: إن الاستماع لقراءة القرآن في الصلاة فيما سوى أم الكتاب، أما أم الكتاب فيجب قراءتها على الإمام والمأموم، لقوله علية الصلاة والسلام: «لا صلاةَ لمن لم يَقرأ بفاتحة الكتاب» متفق عليه، وأحاديث بألفاظٍ أخرى في هذا الباب، فالإنصات والسكوت مطلوب عند قراءة القرآن. وقوله: {ثم إنَّ علينا بيانه}، أي: أن تقرأه بعد ذلك كما قرأه جبريل عليه السلام، وهذا الاستعجال كما قلنا سببه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخشى أن يتفلّت منه القرآن، فقال الله له لا تخف: {إن علينا جمعه}، أي: في صدرك فلا يذهب عنك منه شيءٌ {وقرآنه} أي: أن تقرأه كما قرأه جبريل {فإذا قرأناه}، أي إذا أتمّ جبريل قراءته {فاتبع قرآنه}، أي: استمع قراءته حتى يرسخ في ذهنك، ثم تقرأه بعد ذلك. وقوله: {ثم إنّ علينا بَيانه}، أيضا معناه: بيان وتفسير ما فيه من الحلال والحرام والأحكام، وبيان ما أجمل لك في القرآن وما أشكل عليك، أو أشكل على أصحابك بالوحي النبوي والسُّنة، فمن أخذ بالقرآن وحده وأعرض عن السنة فقد خالف القرآن؟! فالسُّنة مبينة للكتاب وشارحة له، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه تفسير الكتاب، كما قال تعالى: {وما يَنطقْ عن الهَوى، إنْ هو إلا وحيٌ يُوحى} (النجم: 3-4)، فمن زعم التمسك بالقرآن وحده، وترك الاعتصام والرجوع إلى السنة النبوية، فهو مخالف لما جاء في الكتاب لأن الكتاب يقول: {ثم إنّ علينا بيانه}، وهذا البيان تارة يكون بالقرآن، وتارة يكون بلسان الرسول صلى الله عليه وسلم ، فالذي يترك بيان النبي صلى الله عليه وسلم يكون قد ترك القرآن، كما أوضح الله سبحانه وتعالى. وأخذ أهل العلم من هذا: جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى حين الحاجة، فقد تنزل عليه الآية، ويتأخر بيانها وتفصيل العمل بها. قوله: «فقال لي ابن عباس - والقائل هو سعيد بن جبير - قال: أنا أحركهما لك كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما، فحرك شفتيه فقال سعيد: أنا أحركهما، كما كان ابن عباس يحركهما» قول سعيد: أنا أحركهما كما كان ابن عباس يحركهما، هذا يسمى عند أهل الحديث: بالحديث المُسْلَسل، وهو الذي يرويه الراوي ويذكر صفة معينة مثل أن يبتسم عند التحديث بالحديث أو أن يرفع بصره عند التحديث بالحديث ويقول هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل فهذا يسميه أهل الحديث بالحديث المسلسل، وهو من الندرة في الأحاديث وليس كثيراً. قال في البيقونية: 10- مُسَلْسَلٌ قُلْ ما عَلى وَصفٍ أتَى مثلُ: أما والله أنبَأني الفَتى 11-كـذاكَ قـدْ حدَثَنـيه قائمـاً أو بعدَ أن حدَّثَنِي تَبَسَّمَا فمن أقسام الحديث (المسلسل) وهو اسم مفعول من (سَلسله) إذا ربطه في سلسلة، هذا في اللغة. وفي الاصطلاح: هو الذي اتفق فيه الرواة، فنقلوه بصيغة معينة، أو حال معينة. يعني أن الرواة اتفقوا فيه على وصفٍ معيَّن، إما وصف الأداء، أو وصف حال الراوي أو غير ذلك . والمسلسل قد يكون في السند ، وقد يكون في المتن ، وقد يكون فيهما معاً. وفائدة معرفة المسلسل هو: التنبيه على أن الراوي قد ضبط الرواية . وأيضا مما يستفاد من هذا الحديث : حبُّ النبي صلى الله عليه وسلم للعلم، وحرصه وشوقه على تلقي الوحي من الله عز وجل. وحرصه أيضا صلى الله عليه وسلم على الزيادة منه، وأمر الله له بذلك في قوله: {وقل ربّ زدني علماً}، فإن العلم خير عظيم، والزيادة منه مطلوبة، وكذا الاجتهاد في تحصيله. وفيها: سؤال الله تعالى الازدياد منه، والاستعانة به سبحانه على تحقيق ذلك. وفيها أيضا: الأدب في تلقي العلم، وأن المتعلم ينبغي له أن يتأنى ويصبر حتى يفرغ المعلم والمملي من كلامه المتصل، فإذا فرغ سأله، ولا يقطع عليه كلامه ويبادره بالسؤال، فربما حرم من العلم باستعجاله. وكذلك يجب على مَن يُستفتى - من أهل العلم وغيرهم - عدم الاستعجال بالجواب، قبل معرفة سؤال السائل، ومقصوده. من أهوال القيامة (ويل للمطففين) باب: في قوله تعالى: {يوم يقوم الناس لرب العالمين}. 2174. عَنْ ابْنِ عُمَرَ: عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، قَالَ: «يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ». الشرح: سورة «ويل للمطففين»، أو سورة «المطففين» وهي سورة مكية، باب في قوله تعالى: {يومَ يقومُ الناس لرب العالمين}، والحديث أخرجه الإمام مسلم في: كتاب صفة القيامة وأهوالها، أعاننا الله وإياكم على أهوالها، والحديث رواه البخاري أيضا. قال ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يوم يقوم الناس لرب العالمين}، أي: سيقومون بين يدي الله تعالى فيحاسبهم على القليل والكثير، فعليهم الاستعداد لذلك. قال: «يقومُ أحدُهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» والرشح هو العرق، ويحتمل أن يكون ذلك عرق نفسه، ويحتمل أن يكون عرقه وعرق غيره، وسبب كثرة العرق يوم القيامة أمور، منها: دنو الشمس من رؤوس العباد، كما جاء في الحديث الصحيح عن المقداد رضي الله عنه مرفوعا: «إذا كان يوم القيامة، أُدنيت الشمس من العباد حتى تكون قيد ميل أو ميلين، فتصهرهم الشمس، فيكونون في العرق كقدر أعمالهم، منهم مَن يعرق إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه ، ومنهم من يأخذه إلى حقويه - يعني موضع الإزار منه - ومنهم من يلجمه إلجاما» رواه أحمد، نسال الله العافية. وأيضا: فالعرق يكون بسبب ازدحام الناس يوم القيامة، وكثرة الخلق في ساحات القيامة، باجتماع الأولين والآخرين، والإنس والجن. وأيضا: بسبب شدة الأهوال والخوف، فالإنسان في الموقف الصعب الشديد على النفس، وما يكون فيه فزع وخوف يعرق، فبسبب هول ذلك اليوم يكثر العرق . نسال الله السلامة ! وقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» يعني يظلون قائمين واقفين لرب العالمين، ويأخذ بعضهم الرشح إلى أنصاف أذنيه، وفي الرواية السابقة: أن بعضهم يلجمه العرق إلجاماً، وهذا ليس لكل الناس، بل كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بحسب العمل، لأن الأحاديث يوضّح بعضها بعضاً. وأيضا من المعاني في قوله تعالى: {يومَ يقوم الناسُ لرب العالمين}، أي: يقومون من قبورهم بأمر رب العالمين، أن يقال لهم: قوموا فإذا هم قيام ينظرون، كما قال الله تبارك وتعالى: {ثم نُفخ فيه أُخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون} (الزمر: 68). وقال أهل التفسير: المراد قيامهم من قبورهم لربهم، لفصل القضاء بينهم يوم القيامة، واقفين ليقضي الله تعالى بينهم بحكمه وبعدله. وأيضا من المعاني: قيامهم بما عليهم من حقوق العباد، بين يدي الله عز وجل، فكلٌ يؤدي الحق الذي عليه، إن أخذ من مال أحد، إن أخذ من عرضه، إن ضربه، إن سبّه بغير حق، كل هذا يؤدى ما عليه غير منقوص، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. وقد جاء في الحديث: أن ذلك اليوم يخفف على العبد المؤمن، فقد روى أبوهريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يومَ يقوم الناسُ لرب العالمين مقدارَ نصفِ يوم من خمسين ألف سنةٍ، ُيهّون ذلك على المؤمنين، كتدلّي الشمس للغروب إلى أن تغرب «. رواه ابن حبان (7333) وأبو يعلى (6025) وقال الهيثمي في المجمع (10/337): رجاله رجال الصحيح، وهو حديث صحيح. يعني: يخفف هذا اليوم الشديد بهوله العظيم وكربه، على المؤمن حتى يكون كنحو ساعة فلا يشعر بثقله. وهذه الأقوال يمكن أن تدخل كلها في تفسير قوله تعالى: {يوم يقوم الناس لرب العالمين}؛ لأنها تصلح أن تكون تفسيراً للآية، والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا الحديث لبيان ما يكون من العرق يوم القيامة في الموقف.
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري(37) رعاية الله لنبيه صلى الله عليه وسلم اعداد: الفرقان الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، [ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا. سورة الضحىباب: في قوله تعالى: {ما ودّعك ربك وما قلى} 2177. عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ يَقُولُ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ، لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَالضُّحَى, وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى, مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}. الشرح: سورة الضحى باب في قوله تعالى {ما ودّعك ربك وما قلى} وهذا الحديث، قد رواه الإمام مسلم في كتاب الجهاد (3/1134) وبوب عليه النووي: باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين. وهو من حديث أسود بن قيس التابعي يقول: سمعت جندب بن سفيان رضي الله عنه وهو جندب بن عبدالله بن سفيان البجلي، أبوعبدالله، وينسب إلى جده أحياناً. قال: «اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم » اشتكي بمعنى مرض وحصل له وعكة. قوله «فلم يقم ليلتين أو ثلاثا» أي: ما قام الليل ليلتين أو ثلاثا، وهذا فيه دليل أن قيام الليل كان قديما بمكة، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: أنه كان فريضة على المسلمين أولاً، ثم نُسخت فرضيته إلى الاستحباب، كما رواه ابن نصر المروزي في كتابه قيام الليل. وقيل: بقي واجباً على النبي صلى الله عليه وسلم ومستحباً لغيره. ويدل على أن المشركين كانوا يسمعون النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن بالليل ممن كان حول النبي صلى الله عليه وسلم من جيرانه، فكانوا إذا قام يصلي من الليل يسمعون قراءته، بل كان بعضهم يحضر للسماع قريباً من بيته، يأتي ليسمع هذا القول العجيب، وهذا القرآن الكريم الذي لم يسمع به الإنس والجن بمثله من قبل، ولا العرب ولا العجم، فكان بعض المشركين يستمعون القرآن سراً كما جاء في السيرة النبوية، دون قومهم، فلما لم يقم ليلتين أو ثلاثا، علموا بذلك. - قوله: «جاءته امرأة» قالت بعض الروايات إنها امرأة أبي لهب فقد كانت تجاور النبي [ هي وزوجها أبو لهب عم النبي [، كانوا يقيمون بقرب منزل النبي صلى الله عليه وسلم فجاءته امرأته. - وفي رواية: أبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال المشركون: قد ودع محمد صلى الله عليه وسلم ، فقالت المرأة: يا محمد، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك! لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثاً. أي أنها لم تره ولم تسمعه يصلي من الليل، فقالت له: «أرجو أن يكون الشيطان قد تركك» وهذه مكابرة منها ومعاندة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وإلا هي تعلم يقيناً وقومها يعلمون أن القرآن ليس بقول شيطان؟! ولا هو من جنس ما تقوله الشياطين أو تأمر به! فهو قول علي عظيم لا يُعلى عليه، وهو لا يشابه الشعر ولا النثر، ولا قول الإنس والجن، بل هو كلام الله سبحانه وتعالى. - وقول المشركين: «قد ُودّع محمدٌ؟!» ودّع بتشديد الدال من الوداع، الذي هو الفراق والترك، وهي القراءة التي قرأ بها السبعة، وقرئ: وَدَعك، بالتخفيف، من ودعه يدعه يعني تركه، وهي بنفس المعنى. فأنزل الله سبحانه وتعالى رداً عليهم سورة الضحى، فأقسم سبحانه بالضحى الذي هو وسط النهار، ومحل انصراف الناس لاكتساب معايشهم. {والليل إذا سجى} سجى بمعنى غطى، فالليل يغطي الكون بظلامه، ويغطي ضوء النهار، فأقسم الله تعالى بالضحى وضيائه، والليل وظلامه {ما ودعك ربك وما قلى}، ما ودع نبيه صلى الله عليه وسلم ، بل ما قالوه عن مفارقتك وتركك قولٌ باطل، فإن الله عز وجل ما ودعك ولا تركك {وما قلى} قلى من القِلى وهو البغض، فالله تبارك وتعالى لا يودع أحبابه ولا يبغضهم، بل يقربهم سبحانه وتعالى ويحسن إليهم، وتمام السورة كلها في بيان اعتناء الرب سبحانه وتعالى بنبيه صلى الله عليه وسلم ، باقي السورة كلها لبيان نعم الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم {وللآخرةُ خيرٌ لكَ من الأُولى, ولسوفَ يُعطيك ربُّك فترضى} أي: فسوف يعطيك ربك في الدنيا وفي الآخرة ما ترضى به، وتقر به عينك، ويكفي في ذلك شرف النبوة والرسالة، فإنها أعظم من كل جاه، ومن كل مالٍ ومن كل منصب، ثم قال سبحانه وتعالى {ألم يجدكَ يتيماً فآوى, ووجدكَ ضالاً فهدى, ووجدكَ عائلا فأغنى} أي: قد وجدك الله تعالى يتيماً فآواك، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم توفي أبواه وهو صغير، فكفله جده عبدالمطلب ثم كفله عمه أبوطالب، فأواه الله سبحانه وتعالى إلى صدر حنون، وقلب رحيم، وحضن دافئ، وحماه الله سبحانه وتعالى بعمه حتى بعد الرسالة {ووجدك ضالاً} أي: لم تكن على رسالة ولا نبوة، فهداك الله تعالى أعظم هداية، وجعلك على أعظم ملةٍ ودين {ووجدك عائلاً} يعني فقيراً فأغناك الله تبارك وتعالى. التنافس في الدنيا سورة التكاثر باب في قوله تعالى{ألهاكم التكاثر}2178. عَنْ عبدالله بن الشخير قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقْرَأُ {أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ} قَالَ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي! قَالَ: وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ». الشرح: سورة التكاثر وأورد فيها حديث عبدالله بن الشخير رضي الله عنه، رواه الإمام مسلم في كتاب الزهد والرقائق ( 2958 ). عبد الله بن الشخير هو ابن عوف العامري، صحابي من مسلمة الفتح. - يقول الصحابي عبدالله بن الشخير: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ {ألهاكم التكاثر، حتى زرتم المقابر} وهو يتلو هذه السورة التي يقول الله تعالى فيها للناس. {ألهاكم التكاثر} أي: شغلكم التكاثر في الأموال والأولاد، والتباهي بذلك والفخر بكثرتها، والاشتغال في تكثيرها، أي في تكثير الأموال وجمعها وكسبها حتى ألهاكم عن دينكم، وطلب أعمال آخرتكم، فالتشاغل كثيراً بالمعاش ُينسي الإنسان دينه وينسيه تحصيل الخير وأعمال الخير. - وقيل: إن الآية نزلت في حيين من قريش تكاثروا في السيادة والشرف، فكل منهم يقول نحن أكثر سيداً وأعز عزيزاً وأعظم نفراً وأكثر قائداً فكثر بنو عبدمناف بني سهم، ثم تكاثروا بالأموات فكثرتهم بهم فنزلت {ألهاكم التكاثر} فلم ترضوا {حتى زرتم المقابر} يعني افتخرتم بأهل القبور. وهذه رواية عن مقاتل والكلبي وفيها ضعف «أسباب النزول للنيسابوري». - أي: ما كفاكم التكاثر بالدنيا والأحياء، حتى انتقلتم إلى التكاثر بالأموات من الآباء والأجداد، وهذا يحصل أيضاً بين الناس، وهو التباهي والتفاخر بالآباء والأجداد ممن قد فارق الدنيا. - فقول النبي صلى الله عليه وسلم : «يقول ابن آدم مالي مالي» أي: أنه ينسب المال إلى نفسه مفتخراً ومكابراً، مع أن الذي أعطاه ووهبه وملكه هو الله سبحانه. ثم يبين النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة انتفاع العبد بالمال فيقول: «هل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت» أي ما أكلته فني وذهب ولم يبق منه شيء «أو لبست فأبليت» أي: ما اشتريت من لباس فلبسته فبلي واخلولق وفني. «أو تصدقت فأمضيت» أي: ما تصدقت من صدقة فإنها ماضية وباقية لك مذخورة، وفي رواية أيضا لمسلم: «أو أعطى فاقتنى» أي: ما أعطى فقد ادّخر ثوابه، وفي بعضها «فأقنى» أي: فأرضى. وفي رواية له: «وما سوى ذلك فهو ذاهبٌ وتاركه للناس». - أي: أن الإنسان لا يستفيد من ماله في الحقيقة، إلا ما يبقى له في الدار الآخرة، كما قال تعالى {ما عندكم يَنفدْ وما عند الله باق} (النحل: 96). أي: ما عندك من مال تأكله وتلبسه فيفنى وينفد، ولكن ما تتصدق به يبقى لك ذخراً عند الله عز وجل يوم تلقاه. - ومن معنى الآية أيضا: أن ما في الدنيا من متاعٍ يفنى ولو كثر، وما في الآخرة من متاع وزينة باقٍ لا يفنى ولا يزول، فمن آثر الفاني على الباقي فليس بعاقل، كما قال سبحانه {وما عند الله خير للأبرار} وقال {بل تؤثرون الحياة الدنيا، والآخرة خير وأبقى}. ولهذا يجب أن يحرص الإنسان على ترك التكاثر في الأموال والأولاد فيما لا ينفع ولا يبقى، والواجب التكاثر والتنافس فيما يبقى لك في الآخرة، كي ينفعك يوم لا ينفع مال ولا بنون. نعي النبي صلى الله عليه وسلم سورة الفتح باب في قوله تعالى {إذا جاء نصر الله والفتح}2179. عَنْ عُبَيْدِاللَّهِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْلَمُ - وَقَالَ هَارُونُ - تَدْرِي آخِرَ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنْ الْقُرْآنِ، نَزَلَتْ جَمِيعًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} قَالَ: صَدَقْتَ. الشرح: سورة الفتح وهي {إذا جاء نصر الله} وسماها المؤلف بسورة الفتح، والمشهور أنها: سورة النصر، وأورد فيها حديث ابن عباس، وقد رواه الإمام مسلم في كتاب التفسير أيضا. يقول عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود قال: قال لي ابن عباس رضي الله عنهما: تعلم - وفي رواية: تدري - آخر سورة نزلت من القرآن نزلت جميعاً؟ قلت: {إذا جاء نصر الله والفتح} قال: صدقت. فابن عباس رضي الله عنهما يتذاكر العلم مع عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، وهو الهذلي أبو عبدالله المدني، أحد فقهاء التابعين، ثقة ثبت، ويسأله فيقول: هل تعلم أي سورة هي آخر سورة نزلت من القرآن نزلت جميعاً؟ يعني: أنها نزلت دفعة واحدة، ولم تنزل تباعاً، كما هي العادة في السور القرآنية، ينزل منها شيء ثم يتبعه الباقي، وربما تأخذ السورة شهوراً بل سنين حتى تكتمل. فقال عبيدالله: نعم {إذا جاء نصر الله والفتح} فهذه آخر سورة من القرآن كما هو قول ابن عباس رضي الله عنهما. - وفي هذه السورة يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «نُعيت إلي نفسي» وفي لفظ «قرب إلي أجلي» يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه هذه السورة علم أن فيها نعيه، ولما نزلت عليه هذه السورة، أخذ في أشد ما كان قط اجتهاداً في أمر الآخرة والعمل لها. ولأن الله تبارك وتعالى يقول مبشراً نبيه صلى الله عليه وسلم {إذا جاء نصر الله والفتح} والمقصود بالفتح فتح مكة، الذي أيد الله فيه رسوله صلى الله عليه وسلم ونصره على أهل مكة الذين هم أهل الحرم، ولما انتصر الرسول صلى الله عليه وسلم على أهل الحرم ورأى العرب أن الرسول [ قد ظهر على قومه الذين هم أهل الحرم الذين لا يغلبهم غالب من القبائل، لأنهم يعلمون جميعا أن أهل مكة وقريشاً قد دافع الله تعالى عنهم في حادثة الفيل، وأهلك أبرهة وجيشه جميعاً بالطير الأبابيل، ولما سلّط الله عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم علموا أنه على الحق، فكان هذا سبباً في دخول العرب في دين الله أفواجاً بعد فتح مكة. فهذه نعمة عظيمة وجليلة حصلت للنبي صلى الله عليه وسلم ، والله تبارك وتعالى يقول له {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً}. فكان النبي صلى الله عليه وسلم قد عرف أن فيها نعيه، وأن وفاته صلى الله عليه وسلم قد اقتربت، فقد بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده. فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالحمد والاستغفار في هذه الحال، ويستعد للقاء ربه، ويختم أعماله بذلك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأول القرآن – أي يعمل به - وهذه الآية خصوصاً، فكان يكثر أن يقول في صلاته في ركوعه وسجوده: « سبحانك الله ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي « رواه مسلم. - هذا آخر كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم،،، نسأل الله تعالى أن ينفعنا وإياكم به. ونبدأ إن شاء الله تعالى بشرح كتاب: فضائل القرآن من هذا المختصر، لتعلقه به.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |