|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري (32) حادثة الإفــك( 1 ) اعداد: الفرقان الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، [ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا. باب في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ} (النور: 11).2153. عَنْ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ [ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِمَّا قَالُوا: وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ وَأَثْبَتَ اقْتِصَاصًا، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا، ذَكَرُوا: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ [ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ [ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ [ مَعَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ [ وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وَأُنْزَلُ فِيهِ مَسِيرَنَا، حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ [ مِنْ غَزْوِهِ وَقَفَلَ، وَدَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ مِنْ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ قَدْ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي فَحَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِيَ الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ، وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ. قَالَتْ: وَكَانَتْ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يُهَبَّلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنْ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرْ الْقَوْمُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَحَلُوهُ وَرَفَعُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّ الْقَوْمَ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ قَدْ عَرَّسَ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَادَّلَجَ فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي....». الشرح: هذا الحديث هو في تفسير « سورة النور» وقد أورد فيها حديث الإفك المشهور، وهو تفسير لقوله تبارك وتعالى فيها: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النور: 11) إلى تمام عشر آيات من سورة النور، والتي أنزل الله سبحانه وتعالى فيها براءة عائشة الصديقة أم المؤمنين، زوج النبي [ في آيات تتلى إلى يوم القيامة. وقد روى هذا الحديث عن الزهري وهو محمد بن شهاب ابن مسلم الزهري المدني رحمه الله، من أفاضل التابعين، ومن أوائل من دوّن حديث النبي [، وجمعه بأمر من أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد. قال: «أخبرنا سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة ابن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عائشة رضي الله عنها»، فهؤلاء كلهم سمع من الزهري حديث عائشة رضي الله عنها، ويقول: كلهم حدثني طائفة من حديثها، وكان بعضهم أوعى لحديثها من بعض، وأثبت اقتصاصا « يعني هؤلاء الرواة بعضهم أوعى وأثبت وأحسن إيراداً وسردا للحديث من بعضهم، وقد وعيتُ حديث كل واحد منهم الذي حدثني، وبعض حديثهم يصدّق بعضه. وهذا الذي فعله الزهري من جمعه الحديث عنهم وسياقه سياقا واحداً جائزٌ لا شيء فيه؛ لأن الحديث يبيّن بعضُه بعضا، وهؤلاء الأربعة الذين ذكرهم الزهري كلهم أئمة وحفاظ وثقات، ومن أجل التابعين منزلة، فجمع حديثهم وحدث به، وسرده مسرداً واحدا. قالوا: « ذكروا أن عائشة زوج النبي [ قالت: كان رسول الله [ إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين نسائه، فأيّتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله [ معه « وهذا دليلٌ لمشروعية العمل بالقرعة بين الزوجات، إذا أراد الزوج السفر بواحدة منهن لمصلحته هو، فيقرع بينهن إذا كان لا يستطيع أن يأخذهن جميعا، والعمل بالقرعة جائز شرعا، في القسم بين الزوجات وفي العتق والوصايا والقسمة، وقد جاءت فيه أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما، كحديث الرجل الذي مات وله ستة أعبد - أي ستة عبيد - فأعتقهم عند موته، فأقرع بينهم النبي [ فأعتق اثنين وأرق أربعا. وقد أعتق اثنين وأرقّ الباقي؛ لأن الميت له الثلث فقط بعد موته، وهذا داخل في الوصية وداخل في العتق. وهو قول الأئمة الثلاثة والجمهور من أهل العلم. قال ابن المنذر: استعمالها كالإجماع، ولا معنى لقول من ردها. وكان أبو حنيفة لا يرى القرعة من الأمر المشروع أو العمل الشرعي، وينقل عنه إجازته القرعة. وقال أبو عبيدة: عمل بها - يعني بالقرعة - ثلاثة من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: يونس وزكريا ومحمد صلى الله عليه وسلم ، يونس عليه السلام كما جاء في كتاب الله تعالى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ} (الصافات: 141)، فاقترع أهل السفينة لما هاج البحر أن يلقوا رجلا من أهل السفينة، فوقعت القرعة على يونس عليه الصلاة والسلام، فأعادوا القرعة فوقعت على يونس ثلاثا، فعند ذلك ألقى بنفسه في البحر. وأما زكريا عليه السلام فلما تنازع بنو إسرائيل أيهم يكفل مريم عليها السلام، اقترعوا كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} (آل عمران: 44)، فألقى بنو إسرائيل أقلامهم في الماء،وكان كلٌ قد كتب اسمه على القلم الذي كان يكتب به التوراة، فألقوها في الماء، وقالوا: الذي يقف قلمه ولا يجري مع الماء هو الذي يكفل مريم، فيأخذها في كفالته ويربيها في حجره، فوقف قلم زكريا عليه الصلاة والسلام، فعند ذلك كفلها، كما قال عز وجل: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} (آل عمران: 37) الآية . وأما محمد [ فالأحاديث عنه كما سبق في العمل بالقرعة كثيرة، ومنها هذا الحديث: أنه [ كان إذا أراد السفر أقرع بين نسائه. وعن مالك في رواية عنه: أن له أن يسافر بمن شاء منهن بلا قرعة، إذا كانت أنفع له في طريقه والأخرى أنفع له في بيته وماله. والصحيح أن العمل بالقرعة هو الوارد في السنة، إلا أن يكون هناك ضرورة بحيث أنه يقدّم ويؤخر للضرورة ، ورجحان العمل بالقرعة هو لورود السنة الصحيحة بها، ومتى صحّت السنة النبوية، فلا حاجة بنا إلى القياس ولا إلى الاجتهاد كما هو معلوم. قالت عائشة: « فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله [، وذلك بعدما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي « تقول عائشة: إن النبي [ غزا غزوة وأقرع بين نسائه فخرج سهمها، أي خرج اسمها، فخرجت مع الرسول [ وسافرت معه، وكان ذلك بعدما أُنزل الحجاب، أي: بعد نزول فريضة الحجاب على النساء، أي بعد نزول آية الأمر بالحجاب، وهي قول الله سبحانه وتعالى {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} (الأحزاب: 59). قولها: « فأنا أحمل في هودجي» والهودج هو ما يوضع على البعير لتركب فيه المرأة، له أعواد ويغطى بالقماش، وتجلس المرأة فيه، ليكون أستر لها عن نظر الرجال. قولها: «وأنزل فيه مسيرنا» أي إذا نزلوا في أثناء الطريق، كانت عائشة رضي الله عنها وأرضاها تبقى فيه ولا تخرج. قولها: «حتى إذا فرغ رسول الله [ من غزوه وقفل « قفل أي رجع» ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل « آذن ويصح أن يقال: أذن، هو الإعلان، والأذان هو الإعلان، أي: إن النبي [ لما نزل هذا المنزل في أثناء الطريق، أبلغ الصحابة أنه سيرحل، وذلك ليستعد الناس للرحيل والرجوع. والجيش كما تعلمون عدد كثير، فإذا نزلوا بمحل ونام الناس فيه أو أكلوا، أو استراحوا وقضوا حاجاتهم، أو صلوا، فيحتاجون بعد ذلك أن يؤذن فيهم مؤذن، يعلمهم أنهم سيرحلون بعد قليل. قولها: « فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت من شأني أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع» تقول: لما آذنوا بالرحيل، وعلم الناس أنهم سيرحلون قريبا، جاوزت الجيش قليلا، أي تنحيت عنهم حتى قضيت حاجتي، ولما رجعت إلى الهودج – أي إلى الرحل- لمست صدري وإذا العقد، يعني القلادة التي كانت تلبسها، وهي من جزع ظفار، والجزع بفتح الجيم، هو عقد من الخرز، وظفار بلد معروف بين اليمن وعُمان، تجلب منه قلائد تلبسها النساء، قيل: هو سواد وبياض، أي هذا الخرز سواد وبياض تلبسه النساء. فهي رضي الله عنها لما وصلت إلى الرحل، افتقدت العقد الذي كانت تلبسه، فرجعت تلتمس العقد أو القلادة، رجعت إلى المكان الذي قضت فيه حاجتها لتبحث عنه. قولها: « فحبسني ابتغاؤه» أي: مكثت أبحث عنه، وهذا أخذ مني وقتا. قولها: «وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي، فحملوا هودجي فرحّلوه على بعيري» فهي لما كانت تبحث عن العقد جاء الرهط أثناء ذلك - والرهط هم الجماعة دون العشرة - جاءوا إلى الهودج وحملوه من الأرض ووضعوه على البعير الذي كانت تركبه، وهم لا يشعرون أنه خال، تقول: وهم يحسبون أني فيه، أي هم يظنون أني في الهودج. قالت: « وكانت النساء إذ ذاك خفاف لم يهبلن « يُهَبلن فيها أكثر من ثلاث لغات، يقال: يُهَبلن أو يَهبَلن بفتح الياء أو ضمها، يعني لم يثقلن باللحم والشحم، والمقصود أن النساء إذ ذاك خفاف؛ لقلة الزاد والحاجة، فيصيبهن الجوع كثيرا، كما جاء في الصحيح: أن النبي [ كان يمر عليه الشهر والشهران، ولا يوقد في بيته نارٌ [. وكانوا يعيشون على التمر والماء، فهذه عامة عيشتهم، وصبروا على هذا العيش الغليظ الشديد، وكانوا يرددون: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة. وفي رواية البخاري: «لم يثقلن» وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن. قولها: «ولم يغشهن اللحم إنما يأكلن العلقة» أي الشيء القليل أو البلغة، أي كانت المرأة تأكل الشيء القليل من الطعام؛ ولذا لم يستنكر القوم خفة الهودج حين رحلوه ورفعوه. قولها: «وكنت جارية حديثة السن» وأيضا هي كانت صغيره السن، والجارية هي البنت الصغيرة، ولا يتطرق إليها ثقل البدن لأنها كانت حديثة السن. قولها: «فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيممت منزلي» أي: لما رحلوا البعير وبعثوه، أي قام، والبعث هو القيام، وساروا بجملها، كانت قد وجدت عقدها بعدما استمر الجيش، أي بعدما مشى الجيش وفارق المكان الذي كانت فيه، فلما جاءت عائشة رضي الله عنها إلى مكان الجيش ومنازلهم، وإذا هي ليس بها داع ولا مجيب، الداعي: هو المنادي، أي ليس بها مَن ينادي، وليس بها من يجيب فيقول: نعم، أي ليس فيها من يقول: يا فلان، فيقول له المجيب: لبيك يا فلان، فلا داعي ولا مجيب. قالت: «فتيممت منزلي» تعني قصدته، أي رجعت إلى المكان الذي كنت أجلس فيه. «وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إلي» ظنت أن القوم في أثناء الطريق سيفقدونني وسيشعرون أن الهودج خال ليس فيه أحد، فيرجعون إلي ويبحثون عني. قولها: «فبينا أنا جالسة في منزلي فغلبتني عيني فنمت» أي بينما هي جالسة تنتظر أن يرجع إليها الجيش نامت رضي الله عنها. قولها: «وكان صفوان بن المعطل السلمي» صفوان بن المعطل: بفتح الطاء بلا خلاف، كذا ضبطه أبو هلال العسكري. والذكواني منسوب إلى ذكوان بن ثعلبة، وهو صحابي فاضل، شهد الخندق والمشاهد . قولها: « قد عرّس من وراء الجيش، فادلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان» أي إن صفوان بن المعطل كان ممن وضعه النبي [ بمؤخرة الجيش، فيأتي آخر الجيش ليتفقد منازلهم، لعله يجد سلاحاً قد وقع من بعضهم، أو يجد متاعا لهم سقط من أحدهم، وأدلج بمعنى سار آخر الليل، فأصبح عند منزلي، أي لما جاء الصباح فإذا هو عندي. « فرأى سواد إنسان « أي رأى شخصا نائما «فعرفني حين رآني وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب» أي قبل نزول فرض الحجاب عليهن . وللحديث بقية.
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 04-12-2024 الساعة 09:47 AM. |
|
#2
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري(32) حادثة الإفك (2) اعداد: الفرقان الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله،صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا. تكلمنا في الحلقة الماضية عن حادثة الإفك وهي في قوله تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ} (النور: 11) وأن هذه الآية وما بعدها من الآيات نزلت في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال فيها أهل الإفك والنفاق ما قالوا، فبرأها الله سبحانه وتعالى مما قالوا.وذكرنا أنها كانت قد خرجت مع النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة المريسيع وأنها في رجوعهم للمدينة خرجت لتقضي حاجتها، ثم انقطع عقد لها فرجعت إلى البحث عنه، فجاء من وكل بهودجها فحملوه وهم يظنون أنها فيه، فلما جاءت لم تجد أحدا فبقيت تنتظر في مكانها، حتى جاءها الصحابي صفوان بن معطل السلمي. ونواصل إن شاء الله تعالى الكلام على شرح الحديث: قولها: «وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ قَدْ عَرَّسَ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَادَّلَجَ فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ عَلَيَّ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَوَاللَّهِ مَا يُكَلِّمُنِي كَلِمَةً، وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِيَ الرَّاحِلَةَ، حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فِي شَأْنِي، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ، وَلَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ [ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي، إِنَّمَا يَدْخُلُ رَسُولُ اللَّهِ [ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ فَذَاكَ يَرِيبُنِي وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَ مَا نَقَهْتُ وَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ، وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا وَلَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي التَّنَزُّهِ وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ وَهِيَ بِنْتُ أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَأُمُّهَا ابْنَةُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَبِنْتُ أَبِي رُهْمٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ؟! أَتَسُبِّينَ رَجُلًا قَدْ شَهِدَ بَدْرًا؟ قَالَتْ: أَيْ هَنّتَاهْ، أَوْ لَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قُلْتُ: وَمَاذَا قَالَ؟ قَالَتْ: فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ؛ فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِي. - الشرح: قولها « فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان» أي: رأى شخص إنسان نائم. «فأتاني فعرفني حين رأني وكان يراني قبل أن يُضرب الحجاب علي، فاستيقظت باسترجاعه» تقول: إن صفوان بن المعطل لما جاء رأى سواد إنسان نائم، فلما اقترب رآني فعرفني، وكان يراني قبل أن يفرض الحجاب. وفي هذا دليل على أن الحجاب كان أولا أن تغطي المرأة جميع بدنها إلا وجهها، ثم بعد ذلك نزل الحجاب الذي فيه الأمر بتغطية الوجه، وهذا في قوله تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} (الأحزاب: 59). فالله سبحانه وتعالى أمر نبيه أن يأمر أزواجه وبناته بالحجاب، ثم بعد ذلك يأمر نساء المؤمنين به، وهذا فيه تنبيهٌ على أن الإنسان إذا أراد أن يأمر بمعروف بدأ بنفسه أولا ثم بأهل بيته، فيصلح من شأنه أولا، ثم من شأن أهل بيته، قبل أن يدعو البعيد، وقبل أن يدعو بقية الناس. فهذا من أولويات الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف وفي النهي عن المنكر، وأخذ العلماء من هذا أيضا: البدء بالأهداف القريبة قبل الأهداف البعيدة، والبدء بالشيء اليسير قبل الشيء العسير، فهذا الفقه في الدعوة تقرره هذه الآية الكريمة. والأمر الثاني: أنك لو بدأت بالبعيد والأجنبي عنك، وتركت أهل بيتك، لقال الناس: مُر أهلك أولاً قبل أن تأمرنا! وانظر إلى ابنك فلان وإلى زوجتك فلانة وإلى كذا... وهم بعيدون عما تقول! فهذا مما يعاب به الداعية والخطيب، وفيه صد عن سبيل الله؛ ولذا قال شعيب عليه السلام: {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله } فلا بد أن يبدأ الإنسان بنفسه أولا فينهاها عن الشر، ثم ينهى أهل بيته، ويأمرهم بالمعروف، ثم يتوجه للخلق بالنصح. والحديث يدل أيضا: على أن الحجاب فرض على جميع نساء الأمة، على أمهات المؤمنين وعلى من دونهن من نساء المؤمنين، فليس هو خاصا بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، لأن هناك من قال بخصوصية الحجاب! وأن هذه الآية خاصة بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا الآية التي يقول الله عز وجل فيها: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ} (الأحزاب: 53). فهذه الآية وإن كانت تتحدث عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، لكن قد قال الله عز وجل في التعليل فيها: {ذلكم أطهرُ لقلوبكم وقلوبهن} أي: لقلوب أمهات المؤمنين وقلوب الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ونحن أحوج إلى الطهر والبعد عن الفتنة بالنساء، ومعلوم أن وجه المرأة هو مجمع الفتنة، وهو أصل الحسن والجمال، وبه تغنى الشعراء، والإنسان إذا أراد أن يخطب امرأة نظر إلى وجهها أولا، فمن الحكمة العظيمة التي جاء بها الشرع أن تحتجب المرأة عن الرجال الأجانب، وتستر وجهها، فهذا الحديث دليل على وجوب تغطية المرأة البالغة لوجهها؛ لأنها قالت «وكان يراني قبل أن يضرب الحجاب». وكذا قولها: « فخمرت وجهي» أي: غطيته، وهو دليل واضح أيضا على أن المرأة تغطي وجهها، كما قال الله عز وجل: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، فالخمار غطاء يخمّر به الرأس، يضرب من الرأس على الوجه، ويغطى به الجيب الذي هو فتحة الثوب التي يدخل منها الرأس، هذا هو الخمار الشرعي. قولها: «فاستيقظت باسترجاعه» تعني: انتبهت من نومي لما قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. «ووالله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه» تقول عائشة: والله ما كلمني كلمة واحدة، وهذا من حيائه وتوقيره واحترامه لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قولها: « حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فركبتها» أناخ بعيره أي جعله يجلس كي تستطيع أن تركب عليه. قالت: «فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش، بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة» أي: بعد أن ركبت الراحلة، انطلق يقودها بزمامها حتى أتينا الجيش، تعني حتى لحقوا بالجيش الذي كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، موغرين: أي في وقت الوغرة وهي شدة الحر، وفي نحر الظهيرة أي حين بلغت الشمس غايتها من الارتفاع، حتى كأنها وصلت إلى النحر الذي هو أعلى الصدر، وهذا وقت القائلة التي هي وقت شدة الحر. قولها: « فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد الله ابن أبي ابن سلول» أي لما جئت إلى الجيش وصفوان بن المعطل هو الذي يقود الراحلة، انتهز من كان في قلبه مرض الفرصة، وهم الحاقدون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الإسلام والمسلمين، انتهزوا الفرصة للطعن في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهلك من هلك في شأني، أي افترى علي فهلك من كذب علي من المنافقين، وكان الذي تولى كبره، أي كان الذي يتولى بشاعة هذا الأمر وتعظيمه وبثّه في كل مجلس وناد وفي كل مكان، عبد الله بن أبي ابن سلول، وأبي اسم أبيه، أما سلول فهو اسم أمه، وكان يعرف بها، وعبد الله بن أبي إنما كان سبب نفاقه حب الدنيا، وحب الرياسة والمنصب؛ إذ لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان عبد الله بن أبي يوشك أن يكون ملكا على المدينة أو أميرا عليها، وقال من قال: كان أهل المدينة ينظمون له الخرز في التاج الذين يريدون أن يتوجوه به، فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام بطلت عنه تلك الرياسة، وانفض عنه ذلك الملك الذي كان يحلم به، وصارت الأمور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الواجب عليه أن يسلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأن منصب النبوة والرسالة والوحي لا يعدله شيء من ملك الدنيا كلها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقارن بغيره من الناس، فلا يقارن بالملوك ولا بالرؤساء ولا بالأمراء؛ لأنه مرسل من عند الله، وقال سبحانه: {ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول}، وقال عز وجل: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله}، وهو يوحى إليه بالأوامر والنواهي والتشريعات في سائر شؤون الناس، مأمور بأمر الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم}، فكان الواجب عليه التسليم، ولكنه كما قيل: شرق بذلك! وأضمر حقدا وحسدا عظيما؛ ولهذا كان يحوك الدسائس، ويقود المؤامرات ضد النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه سراً وفي الظلام، وتارة جهرا وعلانية، لا يستحيي من ذلك ولا يخاف الله رب العالمين! حتى هلك وهو على ذلك، ونزل فيه ما نزل من الآيات، وهو قوله جل في علاه: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ} (التوبة: 84)، ولما أراد النبي [ أن يصلي عليه نهاه عمر، وقال له: أتصلي عليه يا رسول الله وهو القائل يوم كذا،كذا وكذا؟! فنزل بعد ذلك القرآن موافقاً لعمر ]. وهذه الآية فيها تصريح بنفاقه وبكفره - والعياذ بالله تعالى - ونهت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عليه وعلى أمثاله. تقول عائشة: « فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمنا المدينة شهراً » أي: لما رجعوا للمدينة اشتكت عائشة أي مرضت وظلت في مرضها شهراً، والناس يفيضون في قول أهل الإفك، ويخوضون في عرضها ويتكلمون، والإفك أي الكذب الذي افتراه أهل النفاق وأهل الحقد والشقاق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجه. تقول: « وما أشعر بشيء من ذلك» والسبب أنها كانت في بيتها مريضة لا تخرج ولا تخالط الناس، وربما أيضا حاول أهلها أن يخفوا ذلك عنها لمرضها ، كما سيأتي، وفي حال لا يسمح لها بسماع مثل هذا الخبر السيئ. فتقول: لكن شعرت بشيء، وهذا الشيء خفي يلمح، وذلك أن الزوجة تعرف زوجها بحكم العلاقة الوطيدة بينها وبين زوجها، والمحبة العظيمة التي بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إنه سئل من أحب الناس إليك؟ فقال: عائشة. هذه منزلة عائشة أم المومنين رضي الله عنها عند النبي صلى الله عليه وسلم، وما ذاك إلا لطيبها وفضلها وإيمانها ودينها، وحبها لعلم الكتاب والسنة؛ ولذلك أحبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عليه الصلاة والسلام لا يحب عبثا ولا مجرد هوى وشهوة، ولا يصرف الحب لغير أهله، بل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يضع الشيء في موضعه بأمر الله سبحانه. تقول: « وهو يريبني» بفتح الياء أو يريبني بالضم، يجوز الوجهان، تقول: لكن الذي أرابني، أي جعلها مرتابة وفي شيء من الحيرة والشك « في وجعي» أي في مرضي « أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أعرف منه حين أشتكي» أي كانت إذا مرضت، تشعر بلطف رسول الله صلى الله عليه وسلم وعطفه وحنانه، أما ما رأته في تلك الحال فهو بخلاف ذلك، إذ كان يتكلم معها قليلا، ولا يظهر منه من العطف ولا الحنان الذي كانت تشعر به سابقا، قالت: « إنما يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ » أي: كيف حالكم، وتيكم هي إشارة إلى المؤنث. قولها: « فذاك يريبني ولا أشعر بالشر « الشر الذي كان يشيعه أهل الإفك» حتى خرجت بعدما نقهت « بفتح القاف وكسرها لغتان، والفتح أشهر، والناقه هو الذي خرج من المرض وبرأ منه قريبا، ولم يسترد كمال صحته. قولها: « وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا « وهي مواضع خارج المدينة كانوا يتبرزون فيها « ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل « وهذا من حبهم للتستر « وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا « الكنف جمع كنيف وهو موضع قضاء الحاجة في البيت، تقول: « وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا « أي من أجل الرائحة. قولها: «فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ وَهِيَ بِنْتُ أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَأُمُّهَا ابْنَةُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ» فهم قرابة لأبي بكر الصديق رضي الله عنهم. قولها: «فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَبِنْتُ أَبِي رُهْمٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا» المرط كساء من صوف» فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ» بفتح العين وكسرها، ومعناها: عثر، أو هلك، وقيل: لزمه الشر، وغيره. ومسطح هو ابن أثاثة «فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ؟! أَتَسُبِّينَ رَجُلًا قَدْ شَهِدَ بَدْرًا؟» قَالَتْ: أَيْ هَنَتَاهْ، أَوْ لَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟» هنتاه أي: يا هذه، « قُلْتُ: وَمَاذَا قَالَ؟ قَالَتْ: فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ؛ فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِي» وذلك لهول الخبر عليها وشدته عليها رضي الله عنها. يتبع
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 15-12-2024 الساعة 05:28 AM. |
|
#3
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري(35) – حادثة الإفك (5) اعداد: الفرقان الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا. نستكمل شرح حديث حادثة الإفك:قَالَتْ : «وَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ بَكَيْتُ لَيْلَتِي الْمُقْبِلَةَ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، وَأَبَوَايَ يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي ، فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي، اسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا فَجَلَسَتْ تَبْكِي قَالَتْ : فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ، دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ [ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ ، قَالَتْ : وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي بِشَيْءٍ، قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ [ حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبٍ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ، عَلَيْهِ قَالَت:ْ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ [ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً فَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ [ فِيمَا قَالَ فَقَال:َ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ [، فَقُلْتُ لِأُمِّي : أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ [، فَقَالَتْ : وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ [، فَقُلْتُ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنْ الْقُرْآنِ : إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِهَذَا حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي نُفُوسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ ، فَإِنْ قُلْتُ لَكُمْ : إِنِّي بَرِيئَةٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ ، وَلَئِنْ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُونَنِي ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}. - قَالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، قَالَتْ: وَأَنَا وَاللَّهِ حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يُنْزَلَ فِي شَأْنِي وَحْيٌ يُتْلَى وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا، قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَجْلِسَهُ وَلَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَحَدٌ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْ الْبُرَحَاءِ عِنْدَ الْوَحْيِ حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنْ الْعَرَقِ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِي مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّه ِصلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَضْحَكُ فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: «أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ»، فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَيْه،ِ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي، قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} عَشْرَ آيَاتٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ بَرَاءَتِي». الشرح : تقول عائشة: «وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم « لا يرقأ أي لا ينضب ولا يقف دمعي، ولا تنام عينها، «ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم « أي: تواصل عليها الهم والغم والبكاء والسهر»، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي» أي: ما يفلق الكبد ويقطعه، أو يحصل لها مرض عضال في الكبد؛ لأن الكبد يتأثر بمثل هذا الهم الشديد والغم، كما هو معلوم. - قولها: « فبينما هم جالسان عندي وأنا أبكي، استاذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي» أي مواساة لها وتسلية، فالإنسان إذا كان في همٍ وغم ومصيبة، وجاء من يجلس عنده ويسليه، خفّف عنه شيئا من المصاب. - قَالَتْ : « فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ، دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، قَالَتْ : وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ ، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي بِشَيْءٍ « أي مرّ شهر عليها وما جلس عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لعظم هذه الفرية والإشاعة الخبيثة المنفرة، وتأخر نزول الوحي في هذه الحادثة شهراً، وهو من الابتلاء العظيم لرسول اللهصلى الله عليه وسلم ولأهل بيته. قَالَتْ: «فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ» قالت: بعد أن جلس تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تشهد أي: قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد عبده ورسوله، وهي عادته صلى الله عليه وسلم ، كان إذا أراد أن يتكلم ، تشهد وحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله. ثم قال: «أما بعد» وهي كلمة تقال لأجل الانتقال من موضوع إلى آخر، واختلف فيمن قالها أولاً ؟ فمنهم من قال: أول من قالها من العرب: قس بن ساعدة، خطيب العرب، وقيل غيره. - قولها: « قال : يا عائشة ، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا» وهذه أول مرة يكلمها النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر منذ حصل ما حصل، وإنما كان يدخل عليها كما مر معنا ويقول لها: كيف تيكم؟ أي كيف حالكم، فقط، وما كان يزيد على ذلك، لكن قال لها في هذا اليوم: « إنه قد بلغني عنك كذا وكذا» يعني كناية عما رُميت به من الإفك والبهتان». فإن كنت بريئة فسيبرئك الله» أي: بالوحي ينزله الله عز وجل يعلن فيه براءتك. ثم قال: «وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله « ألممت من الإلمام، كما في قول الله سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ } (النجم : 32). فاللمم كما يقول أهل العلم: هو الذّنب الذي يقع دون قصد، وهذا حال أهل الإيمان وأهل الاستقامة والصلاح، فالذنب منهم يقع بغفلةٍ دون قصد ولا عمد، وبعدم إصرار ، فقال لها: إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله، يعني إن فعلت ذنبا فاستغفري الله وتوبي إليه، فإنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب ، تاب الله عليه، وهذه بشارة عظيمة للمذنبين، كما جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى في قوله: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر : 53). وفي قوله سبحانه وتعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى } (طه: 82). فالنبي صلى الله عليه وسلم هاهنا يبشر ويصرح بقبول توبة الله للمذنب، إن هو تاب واعترف بذنبه، وندم على فعله ، فان الندم والتوبة كفيلان بمغفرة الذنوب من الرحمن الرحيم سبحانه وتعالى. - قالت: « لما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، قَلَص دمعي وجفّ ، حتى ما أحس منه قطرة» قلص أي ارتفع ، وذلك لأنها سمعت كلاما مؤثرا عظيما ، وتحفزت للرد والدفاع عن نفسها، والإنسان إذا تحفز للدفاع عن نفسه يحصل له شيء من القوة. - قولها: « فقلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال» أي : قالت لأبيها أبي بكر ]: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا من أدبها رضي الله عنها، أنها فوّضت الكلام لأبيها، وتفويض الكلام للكبير في المجلس أدبٌ إسلامي كريم، فلا يبدأ الصغير بالكلام قبل الكبير، وهذا الأدب الرفيع ينبغي أن يؤدب عليه الأبناء والبنات، وخصوصاً إذا حضروا في الأمر الخطير أو العظيم؛ لأن الكبير أعرف وأعلم بالقول، وكيف يرد الرد اللائق. فقال أبو بكر ]: « والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟» أي: ليس عندي شيء أقوله» قالت: «فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم » يعني أن أبا بكر وأم عائشة رضي الله عنهم ليس عندهما شيء زائد على ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يزال الأمر فيه غموض، فليس هناك ما يحسمه ويبرئ ساحة عائشة رضي الله عنها، أو يقوي كلامها وموقفها، فالوحي لم ينزل بعد، لكن حسن الظن لا يزال موجوداً بابنته رضي الله عنها. - قالت: « فقلت: وأنا جارية حديثة السن» فعائشة رضي الله عنها في هذا الموقف كانت في سن الثانية عشرة أو الثالثة عشرة ، فهي لا تزال بنتا صغيرة، لا تكاد تستطيع إتقان الكلام، وتجميع القول. قالت : « لا أقرأ كثيرا من القرآن» بمعنى: لا أحفظ كثيرا من القرآن وآياته. - قالت : « إني والله لقد عرفتُ أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقرّ في أنفسكم، وصدقتم به» هذا قولها وهي جارية حديثة السن، وهو يدل على رجاحة عقلها، ولا سيما أنها من بيت علم وفهم وأدب، فهذا الخطاب الذي دافعت به عن نفسها، ليس بالقول السهل فقد جاء في كلامها: فإن قلت لكم إني بريئة - والله يعلم أني بريئة - لا تصدقوني بذلك، لماذا؟ لأن الأمر قد شاع وانتشر حتى صدقه البعض، قالت: ولئن اعترفت لكم بأمر - والله يعلم أني بريئة – لتصدقونني، أي لقبلتم ذلك، وكان هذا أقرب عندكم، مع بعده عن الحقيقة؟! - قولها: «وإني والله ما أجدُ لي ولكم مَثَلا إلا كما قال أبو يوسف» وفي بعض الروايات أرادت أن تقول: يعقوب عليه السلام، فغاب عن بالها اسم يعقوب، فقالت: أبو يوسف، وذلك أن الإنسان في حال الحزن الشديد أو الهم والكرب ، أو الغضب، ينسى بعض الكلام وبعض الحجج، فهي أرادت أن تقول يعقوب فما تذكرت اسمه، فقالت: أبو يوسف. - قولها: « كما قال أبو يوسف {َفصَبْرٌ جَمِيلٌ} (يوسف : 18)، والصبر الجميل كما قال أهل العلم: هو الصبر الذي لا جَزع فيه، ولا شكوى معه ، فلا يشكو معه الإنسان إلى الخَلق، بل يشكو حاله إلى الله، والشكوى إلى الله لا تنافي الصبر الجميل، كما قال تعالى عن يعقوب عليه الصلاة والسلام أنه قال: {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ } (يوسف : 86)، إنما الشكوى للخلق هي التي تنافي الصبر الجميل، {وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} أي استعين الله على ما تذكرون وتصفون عني، وهو عز وجل يعلم براءتي، وهو نعم المعين على ذلك. - قَالَتْ: «ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، قَالَتْ: وَأَنَا وَاللَّهِ حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يُنْزَلَ فِي شَأْنِي وَحْيٌ يُتْلَى، وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا» أي: ما كانت تظن أن ينزل فيها قرآنٌ كريم يقرؤه المؤمنون، ويتلى في الصلوات، وفي المساجد إلى يوم القيامة ، يذكر الله تعالى فيه براءتها ، ويرد على الكاذبين عليها من المنافقين وغيرهم؛ لأنها كانت ترى أنها ليست بذاك الأمر المهم، وهذا من تواضعها رضي الله عنها وهضمها لنفسها مع أنها زوجة أفضل رسل الله على الإطلاق ، وسيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، لكن كانت ترجو أن يبرئها الله برؤيا يراها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في منامه، ورؤيا الأنبياء حقٌ ووحي من الله سبحانه ، كما هو معلوم ، فيعرف الناس أنها بريئة. - قَالَتْ: « فَوَاللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَجْلِسَهُ» رام أي: ما فارق مجلسه « وَلَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَحَدٌ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم » أي : أنزل عليه جبريل عليه السلام بالقرآن. - قالت: « فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْ الْبُرَحَاءِ عِنْدَ الْوَحْيِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنْ الْعَرَقِ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِيِ، مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْه» البرحاء بضم الباء هي الشدة والكرب، ليتحدّر أي: ليتصبّب، والجمان هو الدُر واللؤلؤ، شبهت قطرات عرقه صلى الله عليه وسلم بحبات اللؤلؤ في الصفاء والحسن. - قَالَتْ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم « أي : كُشِف عنه « وَهُوَ يَضْحَكُ فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ : « أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ ، أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ» « أي ضحك صلى الله عليه وسلم فرحا بما أنزل الله تعالى عليه من الآيات في براءتها، وأعلن ذلك فوراً لأهل المجلس، وخاطب به عائشة رضي الله عنها قائلا: أبشري يا عائشة، أي أبشري بالفرج والبراءة وزوال المحنة. - فَقَالَتْ لِي أُمِّي : قُومِي إِلَيْهِ» أي : قومي إليه واشكريه، وقَبِّلي رأسه. - فَقُلْتُ: « وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي» وهذا كما قال أهل العلم: من إدلالها على زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها تعلم حبه لها ، ومن عتبها عليه وعلى أهلها لكونهم شكّوا فيها وارتابوا، مع علمهم بجميل أخلاقها، وارتفاعها عن هذا المنكر والباطل الذي اتهمت به ظلماً. - قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلّ:َ {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تحَسبوه شراً لكم بل هو خيرٌ لكم... } عَشْرَ آيَاتٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ بَرَاءَتِي . (يتبع).
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري(37) باب في سورة النور اعداد: الفرقان الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، [ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا. 2154. عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ وَلَدِ رَسُولِ اللَّهِ [، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ [ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ : «اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ» فَأَتَاهُ عَلِيٌّ فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيٍّ يَتَبَرَّدُ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : اخْرُجْ، فَنَاوَلَهُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ، فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ، فَكَفَّ عَلِيٌّ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ [ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ [ إِنَّهُ لَمَجْبُوبٌ مَا لَهُ ذَكَرٌ.الشرح : هذا باب من سورة النور أيضا، وأورد فيه حديثاً عن أنس ]، وقد أخرجه الإمام مسلم في آخر كتاب التوبة، وبوب عليه النووي باب : براءة حرم النبي [ من الرّيبة. - قال عن أنس ]: « أن رجلا كان يُتهم بأم ولد رسول الله [» يعني كان يتهم بالدخول على أم ولد النبي [، أي شوهد أنه يدخل عليها في بيتها، وأم الولد هي الجارية المملوكة إذا ولدت لسيدها، وهذه الجارية هي «مارية » التي أهداها المقوقس صاحب الإسكندرية في مصر في زمنه مع أختها سيرين، وذلك سنة سبع من الهجرة للنبي [، فكان يطؤها بملك اليمين، فولدت له ابنه إبراهيم عليه السلام، فصارت أم ولده ( انظر الإصابة لابن حجر 4/185 ). - فقال رسولُ اللَه [ لِعليٍّ : «اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ» وهذا يدل على أن من حصل منه إيذاء للنبي [ بأي صورة من الصور، سواء كان لعرضه [ أم لأهله فإنه مستحقٌ للقتل؛ ولذلك قال أهل العلم : من قذف نبياً من الأنبياء فانه يكفر؛ لأن هذا فيه مهانة وغضاضة على النبي من أنبياء الله، وكذلك من اتهم نبياً في عرضه، أي في زوجة من زوجاته، اتهمها بالفاحشة فإنه يُقتل؛ لأن هذا في غضاضة أيضا لمقام النبوة، وقد قال الله سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً} (الأحزاب : 53). - أي : ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله [ بأي نوع من أنواع الإيذاء، ومنها أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا، أي تتزوجوا بهن، فإذا كان نكاح زوجات النبي [ بعد موته محرما - وهذا من باب حماية فراش الرسول [ والبعد عن تدنيسه - فكيف إذا تعرض شخصٌ لعرض النبي [ أو اتهمه بفاحشة أو بشيء ؟! إلا من اتهم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فإنه يكفر بالاتفاق؛ لأن من اتهم عائشة رضي الله عنها بشيء بعد نزول براءتها فهو مكذّب لله، والمكذب لله كافر مرتد بلا شك. وكذلك من اتهم غيرها من زوجات النبي [، فإنه يكفر. وهكذا من اتهم أم نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإنه يكفر، كما فعلت اليهود، وذلك أنهم اتهموا مريم عليها السلام بالفاحشة، فكفّرهم الله عز وجل، فقال فيهم: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} (النساء : 156)، فحكم عليهم بالكفر وقول البهتان العظيم، والله سبحانه وتعالى يقول عنها مدحا: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا } (الأنبياء : 91)، فالله سبحانه وتعالى قد برّأ مريم عليها السلام من كل سوء ومن كل فاحشة، فمن ادعى عليها القبائح بعد ذلك، فإنه كافرٌ مرتد يضرب عنقه. وقد قال رجل من النصارى للإمام الأوزاعي : إن زوجة نبيكم قد اتهمت بالزنى؟! - فقال له : هما امرأتان اتهمتا، فدافع الله عنهما في كتابه، أولهما مريم أم عيسى عليهما السلام، وثانيهما : عائشة رضي الله عنها زوج النبي [، فبهت النصراني؟! فلما شوهد هذا الرجل يدخل على مارية أم ولد النبي [، اتهم بها، فقال النبي [ لعلي : «اذهب فاضرب عنقه» أي اذهب فاقتله. - قوله: «فجاءه علي فإذا هو في ركي يتبرّد فيها» والرّكي هي البئر التي بُنيت، فالبئر إذا بنيت بالحجارة فإنها تسمى ركيا، وجمعها: ركايا. - وقوله: «يتبرد فيها» يعني أنه كان ينزل فيها ويجلس في الماء يتبرد به؛ لأن الجو حار؛ قوله: «فقال له علي: اخرج، فناوله يده فأخرجه فإذا هو مجبوبٌ ليس له ذكر» أي جاءه علي ] وهو جالس في البئر، فأمره بالخروج منها، فلما خرج وكان عارياً ليس عليه ثياب. - قوله: «فإذا هو مجبوبٌ ليس له ذكر» والمجبوب هو مقطوع الذكر، وهو كما تعلمون لا يمكنه أن يجامع، وهذا يدل على أنه بريء من الزنى، وأنه لا يحصل منه جماع النساء ولا الزنى؛ ولهذا لا يستحق القتل. ولهذا لما رآه علي كذلك، عرف أنه لا يستحق القتل، حتى ولو دخل على زوج النبي [، أو دخل على غيرها من بيوت النبي [، فإنه كالمخنّث الذي لا رغبة له في النساء، ولا يمكنه أن يفعل شيئا لأن ذكره لا يقوم خِلقةً، وهؤلاء يجوز دخولهم على النساء شرعا، كما قال الله تبارك وتعالى في بيان من يحل للمؤمنة أن تكشف زينتها أمامهم: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن} إلى قوله: {أوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ } (النور : 31)، يعني الذين لا أَرب لهم في النساء، أي ليس لهم رغبة في النساء، وهذا رجل مجبوبٌ ليس له ذكر أصلا، وهو من باب أولى أنه يجوز دخوله عليهن، وهذا يدل على علم علي ] بأحكام الشرع وعقله وفقهه؛ ولذا كفّ عن قتله بهذه البينة الواضحة. - ثم أتي النبي [ فقال : «يا رسول الله، إنه لمجبوب ما له ذكر» أي هذا يدل على انتفاء الزنى عنه، وهذه بينه واضحة في نفيه عنه. وهكذا لو اتهم الإنسان بفاحشة الزنى، ثم قامت البينة الواضحة على براءته، لا يستحق الحد الذي وجب عليه؛ لأن هذا مما يدفع عنه حد الزنى، والتعرض لعرض النبي [، فلا يستحق القتل لا ردّة ولا حدّاً، والله أعلم. باب في قول تعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ}. 2155. عَنْ جَابِرٍ : أَنَّ جَارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ يُقَالُ لَهَا : مُسَيْكَةُ، وَأُخْرَى يُقَالُ لَهَا : أُمَيْمَةُ، فَكَانَ يُكْرِهُهُمَا عَلَى الزِّنَى، فَشَكَتَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ [، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} إِلَى قَوْلِهِ:{غَفُورٌ رَحِيمٌ}. الشرح: باب في قول تعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} وأورد فيه حديث جابر [. وهذا الحديث هو في آخر كتاب التفسير من صحيح مسلم. وجابر [ هو جابر بن عبدالله بن حرام الأنصاري، صحابي جليل ابن صحابي، وهو ممن أكثر الرواية عن النبي [، فروى عنه أكثر من ألف حديث. - قوله : «إن جارية لعبدالله بن أبي ابن سلول» وهو كبير المنافقين في المدينة، وقائل الأقوال الكفرية الخبيثة التي حكاها عنه القرآن، كقوله: {لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا} (المنافقون : 7)، وقوله: {لئنْ رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذل } (المنافقون : 8) وغيرها من الأقوال المروية عنه، التي تدل على نفاقه العقدي القلبي - والعياذ بالله تعالى - وهذا الرجل له أيضا أفعال وأخلاق سيئة وقبيحة، حتى بعد مجيء الإسلام للمدينة، فقد كان يعمل بأعمال الجاهلية؛ إذ كان له جوارِ أي إماء مملوكات له، ومنهن جاريتان يقال لإحداهما: مسيكة والأخرى أميمة، وكان يكرههما على الزنى بالأجرة ؟ كعادة أهل الجاهلية، وأهل الجاهلية لا خُلق ولا دين يمنعهم من ارتكاب الفواحش، فكان الرجل منهم يقول لجاريته : اذهبي وابتغي لنا، أي يرسلها لتزني بالأجرة لتأتيه بالمال، أو يضرب عليها ضريبة بأن تخرج له كل يوم كذا من المال، من أي سبيل تكسبه، هذا كان حال أهل الجاهلية كما قلنا، وقد قال النبي [: «ثمنُ الكلب خبيثٌ، ومهر البغي خبيث، وكسبُ الحجّام خبيث» رواه مسلم في المساقاة ( 3/1199). وقال [: «شر الكسب مهر البغي...». - وأيضا ورد في الحديث عن أبي مسعود الأنصاري : «أنه نهى [ عن ثمنِ الكلب، ومهرِ البغي، وحُلوان الكاهن » رواهما مسلم. فمهر البغي هو ما تأخذه الزانية على الزنى، وسماه مهراً لكونه على صورته. وحلوان الكاهن هو ما يدفع للكاهن مقابل الكهانة أو التكهن والرجم بالغيب، كأن يقول له : أنت ستسافر أو ستتزوج وسيحصل لك كذا وكذا، ويتكهّن له، فيعطيه مالاً مقابل هذه الكهانة، ومثله أصحاب الأبراج وتحليل الشخصية بالخط. فمهر البغي هو الذي ورد ذكر منعه وتحريمه في هذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً } (النور : 33)، فالبغاء هو الزنى يقال : بغت المرأة تبغي بغاء، إذا زنت وفجرت، وهذا مختص بالنساء، فلا يقال للرجل إذا زنى : بغى، والجمع: بغايا، فنهى الله عز وجل عنه وقال: {ولا تُكرهوا فتياتكم على البغاء } الإكراه هو الإجبار، أي لا تجبروهن على الزنs لأنه مما حرم الله ونهى عنه: {إنْ أردن تحصنا} أي : إذا أرادت إحداهن التحصن والعفة عنه، وهذا ليس فيه استثناء ولا قيد، وإنما خرج مخرج الغالب، وإلا فإنه لا يجوز دفعهن إلى الزنى بالأجرة ولو رضين بذلك، فليس معنى قوله تعالى: { إن أردن تحصنا} أنهن إذا لم يردن تحصنا يجوز هذا العمل، وهذا يسمى عند أهل الأصول وأهل اللغة : بالقيد الكاشف، يعني الذي يكشف المعنى ويوضحه. وهذا له أمثال في القرآن كقول الله سبحانه وتعالى: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} بغير حق، يعني أنه لا يمكن أن يقتل النبي بحق، لكن لأنّ كل من قتل نبياً فقد قتله بغير حق، ذكّر السامع بذلك، فهذا مما يكشف المعنى، وكذا قول الله تعالى: {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ } (المؤمنون : 117)، ومعلوم أن كل من يدعو ويعبد مع الله إلها آخر، فليس له برهان ولا دليل، لكن هذا من باب البيان أن من دعا مع الله عز وجل إلها آخر أنه دعاه بغير علم ولا برهان. ولا شك أن المرأة إذا أرادت التحصن وأجبرها سيدها على البغاء، يكون الأمر أقبح مما لو كانت المرأة راضيةً به، لكن لو أنها رضيت فهو مما لا يجوز أيضا. - وقوله تعالى: {لتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (النور : 33)، أي الدافع لكم على هذا العمل القبيح الرغبة في المال، والرغبة في الدنيا، وهكذا اليوم نجد أن هذه التجارة الخبيثة الخسيسة القبيحة رائجة، ويسمونها : تجارة الرقيق الأبيض؟! وهي المتاجرة بالنساء وأجسادهن وصورهن العارية؟ وهي تجارة رائجة في العالم للأسف الشديد؟؟! في الصحف والمجلات الساقطة، وفي الفضائيات الماجنة الخبيثة التي همّها وقصدها جذبُ أكبر عددٍ من المشاهدين، والاستفادة من أموال الاتصالات والرسائل النصية منهم ؟! وغير ذلك مما يجنونه من المال السحت، والكسب الحرام عن هذا الطريق الخبيث القبيح، وكل ذلك من أجل المال والدنيا الفانية، ويغرون الناس بارتكاب الفاحشة والخيانة، والعلاقات الآثمة، ويقولون بعد ذلك : العالم المتحضر ؟؟! وهو في الحقيقة واقع فيما هو أقبح وأوسع مما كان عليه أهل الجاهلية السابقون من الإثم والفساد ؟! فتجارة الرقيق اليوم أخبث مما كان عليه الناس في الجاهلية وأوسع انتشارا. - وقوله: {وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي : لو أكرهت المرأة على ذلك فلا إثم عليها، والإكراه يكون بالضرب الشديد، أو يكون بالأذى الشديد الذي لا تطيقه المرأة، أو التهديد بالقتل ونحوه، فلو أكرهت على هذا الطريق بذلك، فهي معذورة عند الله، وهذا جار على قاعدة المكره والمجبر فإنه لا إثم عليه كما هو معلوم. وقيل: المعنى : من فعل ذلك منكم وأكرههن على الزنى، فليتب إلى الله تعالى، وليقلع عما صدر منه مما يغضب الله. وإن فعلته وهي مختارة، ثم تابت وندمت وعملت صالحاً، تاب الله سبحانه وتعالى عليها. - وقوله سبحانه: {فتياتكم} الفتيات هنا هن: الإماء، تسمى الأَمة المملوكة: فتاة، ويسمى العبد: فتى، وهذا من أسماء العبيد والإماء. والله تعالى أعلم.
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري(39) العـذاب الأدنـى اعداد: الفرقان الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا. باب في قوله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ}.2158- عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَ: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ}، قَالَ: مَصَائِبُ الدُّنْيَا، وَالرُّومُ وَالْبَطْشَةُ أَوْ الدُّخَانُ - شُعْبَةُ الشَّاكُّ: فِي الْبَطْشَةِ أَوْ الدُّخَانِ. الشرح: - الحديث الثاني في سورة السجدة في قوله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لعلهم يرجعون}، هذا الحديث حديث أبي بن كعب رضي الله عنه رواه الإمام مسلم في كتاب: صفة القيامة والجنة والنار، وأورده الإمام المنذري هاهنا في كتاب التفسير. - يقول أُبَي بن كعب في قوله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ} (السجدة: 21)، قال: مصائب الدنيا، يعني: ما يعذبهم به في الدنيا من المصائب قبل الآخرة: {لعلهم يرجعون} إلى الله، أي لعلهم يتوبون، ولعلهم يتعظون ويتذكرون، وهذه الآية شبيهة بقوله تبارك وتعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (الروم: 41)، ظهر الفساد، يعني: بان النقص في الخيرات في البر والبحر، هذا معنى الفساد ها هنا، يعني نقص الخيرات والقحط والآفات التي تصيب الزروع والثمار في البر، أو الآفات التي تصيب البحار فتنقص خيرات البحر من الأسماك والحيوانات، هذا النقص سببه ما كسبت أيدي الناس من المعاصي والآثام: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، أي: إلى الله تعالى، فالإنسان إذا أخذ بالفقر ونقص الأموال، أو بالأمراض أو بالشدائد؛ فإنه يرجع إلى الله سبحانه وتعالى ويتوب من معاصيه. - وقال أبو العالية: من عصى الله فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة. - ولهذا ثبت في الصحيحين: «أن العبدَ الفاجر إذا مات، يَستريح منه العبادُ والبلاد والشجر والدواب». - والله تبارك وتعالى قال هاهنا: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى}، العذاب الأدنى يعني الأقرب وهو ما قبل الموت، فالعذاب الذي يعذبون به قبل الموت دون العذاب الأكبر، فهو عذاب الدنيا . وقيل: {العذاب الأدنى} إقامة الحدود؛ فالإنسان إذا أتى كبيرة من الكبائر كالسرقة أو شرب الخمر أو الزنى وأقيم عليه الحد؛ فهذا نوعٌ من العذاب المعجّل له. وأيضا: أنواع ما يبتلى به الإنسان من الهموم والغموم والأحزان ، هذا كله من العذاب الذي يعجله الله تعالى للناس، حتى يتذكروا قبل الممات، ولا يصيبهم العذاب الأكبر الذي يكون يوم القيامة، فما يصيب الناس في دنياهم هو من الرحمة الربانية، فالله تعالى لو ترك العاصي يفعل ما يشاء ولم يعذبه بشيء، ولم يرده عنه، ولم يسلط عليه أي شي، كان هذا شر له ليس بخير، فإن الشر للإنسان أن يترك يفعل ما يشاء حتى يأتيه الموت ثم يجازي بكل أعماله، فهذا شر له وليس بخير. - ولذلك لما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : إن فلانا لا يصيبه صداع ولا تصيبه حمى، قالصلى الله عليه وسلم : «أف، هذا من أهل النار» رواه أحمد. فالذي لا يصيبه شيء، هذا يدل -والعياذ بالله– على أن الله تعالى ما أراد به خيراً، فالعذاب الأدنى إذن يشمل كل مصائب الدنيا. - وقوله: «الروم والبطشة»، يعني أن هذا أيضا داخل في عذاب الله الأدنى، والبطشة: هي ما حصل من القتل والجراح للمشركين يوم بدر، وقيل: البطشة ما أصاب أهل مكة من السنين التي هي سنو الجوع والجدب والقحط، حتى أكلوا الجيف والعظام من شدة الحاجة، فأذاقهم الله تعالى هذا العذاب المؤجل. - وقوله: «شك شعبة هل هو الروم أو الدخان» يعني هل ما جاء في أول سورة الروم، أو ما جاء في الدخان الذي ذكره ربنا عز وجل بقوله: {يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} (الدخان: 11)، لكن الأول هو الأقوى. وقيل: العذاب الأدنى هو عذاب القبر؛ لأن عذاب القبر دون العذاب الأكبر الذي يكون يوم القيامة، لكن هذا التفسير غير صحيح بدليل أن الله سبحانه وتعالى قال: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، والذي يعذب في قبره ليس له فرصة في أن يرجع عن عمله السيئ، إذاً لا يصلح أن تفسر الآية بعذاب القبر والله تعالى أعلم. - وفي عذاب القبر آيات أخر كقوله سبحانه وتعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} (غافر: 46). - وفي قوله سبحانه عن قوم نوح: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَاراً} (نوح: 25) هذه الآية تدل أيضا على عذاب القبر، فبعد الغرق جاءهم الحرق في النار في قبورهم، والعياذ بالله تعالى. غزوة الأحزاب باب في قوله تعالى: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ}. 2159- عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ}، قَالَتْ: كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ. الشرح: هذا الحديث في سورة الأحزاب، وقد رواه الإمام مسلم في كتاب التفسير أيضا، وهو في تفسير قوله تعالى من سورة الأحزاب الآية العاشرة، قال سبحانه: {إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} (الأحزاب: 10)، وهذا إخبار من الله تعالى عما حصل لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وتذكير لهم بالنعمة، كما قالت عائشة رضي الله عنها: «كان ذلك يوم الخندق»؛ لأن هذه الآية {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} كان أن جاءت جنود يوم الخندق {مِنْ فَوْقِكُمْ} قالوا: أي من أعلى الوادي، وهم غطفان وسيدهم عيينة بن حصن، وهوازن وسيدهم عوف بن مالك، وأهل نجد وسيدهم طليحة بن خويلد الأسدي، وانضم إليهم من اليهود بنو النضير من المدينة، فهؤلاء كلهم جاءوا: {من فوقكم} يعني من جهة المشرق. - {ومن أسفل منكم} أي: من جهة الغرب من ناحية مكة، وهم قريش ومن معهم من الأحابيش وهي القبائل المجتمعة، وسيدهم أبو سفيان بن حرب، وجاء معهم الأعور السلمي ومعه حيي بن أخطب اليهودي في يهود بني قريظة من وجه الخندق ومعهم عامر بن الطفيل، ومعنى الأحزاب: أي الذين تحزبوا لحرب النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه واجتمعوا عليهم من أهل نجد والحجاز. - وقوله: {وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا}، زاغت الأبصار، يعني: مالت وعدلت عن كل شيء، فلم تنظر إلا إلى عدوها. - وقيل: {زَاغَتْ} أي شخصت بسبب الدهشة والهول والحيرة، فالإنسان إذا أصابه الفزع فإن عينه لا تكاد تطرف؛ بل ينظر ويحدق بالهول الذي أمامه من شدته، وهذا بسبب تعاون الأعداء على النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه . {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ} الحناجر جمع حنجرة، ومعروف أنها تكون في الحلقوم، وهي التي يتكلم بها الإنسان، فالوصف القرآني يقول: إن القلوب بلغت الحناجر يعني أن القلوب وصلت إلى الحلقوم من شدة الخوف والفزع، وهذا تصوير لما حصل لبعض الناس الذين كانوا في المدينة، وليس لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الكبار الذين يعرفون بالشجاعة والبسالة والرأي والإقدام رضي الله عنهم وأرضاهم، بل هو إخبار لما حصل لبعض الناس الذين كانوا في المدينة من ضعاف الإيمان، ولاسيما أهل النفاق الذين وصفهم الله عز وجل بأنهم {يحسبون كل صيحة عليهم} المنافقون. وقال عز وجل عنهم: {فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} (الأحزاب: 19)، وهذا من شدة الخوف، فالمعنى: أن القلوب كأنها ارتفعت من مكانها ووصلت إلى الحلقوم وإلى الحناجر، ولولا أن الحنجرة وقفت في طريقها لخرجت القلوب، لكن ضيقت الحناجر على القلوب، وإلا لكانت انخلعت الأفئدة وخرجت من أماكنها! هذا من شدة الفزع عافانا الله جميعا منه. - وقوله: {وتظنون بالله الظنونا}، أي: الظنون بالله تعالى مختلفة، فأما أهل الإيمان فقالوا كما أخبر الله: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيما} (الأحزاب: 22)، فهذا حال أهل الإيمان والصلاح من الصحابة رضي الله عنهم، وأما أهل النفاق فجزعوا وخافوا وذهب صبرهم، فقالوا: {يا أهل يثربَ} نادوهم باسم الوطن!! إشارة إلى أنهم لا يبالون بأخوة الدين، ولا يقدرون الإيمان قدره. - وقوله: {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} بهذه الفتنة الشديدة، كان الاختبار بها عظيما، لكن ظهر إيمانهم ويقينهم بالله بما فاقوا به الأولين والآخرين، فرضي الله عنهم جميعا. - وقوله: {لا مُقام لكم فارجعوا} أي: ما بقي أحد في موضعكم الذي خرجتم إليه، وهؤلاء الأعداء سيستأصلون كل الناس فلا يبقى منهم أحد، فارجعوا إلى المدينة! فهذا ظنهم السيئ بالله تبارك وتعالى؛ لنفاقهم ولعدم يقينهم، إلا أن الله سبحانه وتعالى ناصر عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم أولاً وآخرا.
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري(41) من الظن السيئ بالله تعالى اعداد: الفرقان الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا. سورة (حم السجدة)باب في قوله تعالى: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ} 2162. عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ أَوْ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتُرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ وَقَالَ الْآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا! وَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَهُوَ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ}. الشرح: الحديث في سورة حم السجدة، وميز أهل التفسير هذه السورة بقولهم {حم} حتى لا تلتبس بسورة السجدة التي تبدأ بـ «ألم» فقيل: حم السجدة، ليبين أن المقصود هو سورة فصلت، وهذا الحديث في قول الله تبارك وتعالى من هذه السورة: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ...} الآية (فصلت: 22). وقد أخرجه الإمام مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم. - يقول ابن مسعود ]: «اجتمع عند البيت ثلاثة نفر» ويظهر أن هذا كان في الجاهلية، ويمكن أن يكون في أوائل البعثة. - قوله: «قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي» أي: الشك منه، فهو لا يذكر هذا تماما، فهم ثلاثة: إما أن يكونا قرشيين - من قريش - والآخر ثقفي، أي من قبيلة ثقيف التي كانت تسكن الطائف، أو ثقفيين وقرشيا. - قوله: «قليلٌ فقه قلوبهم، كثيرٌ شحم بطونهم» أي: ليس لهم عقول راجحة، ولا فقه ولا فهم، ولا توحيد ولا إيمان؛ لأنهم من المترفين، ومن الذين اتبعوا الشهوات، بدليل كثرة شحوم بطونهم، وقد قيل: البطنة تذهب بالفطنة. - قوله: «فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟!» وهذا سؤالٌ يدل؛ على الجهل البالغ بالله تعالى، والغباء التام، إذ كيف يكون الإله العظيم، الذي يدير الأمر كله، لا يسمع كلام الناس؟! ولا يعلم بأحوالهم، ولا يدري ما يقولون أو ما يفعلون؟! تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. - قوله: «وقال الآخر: يسمع إنْ جهرنا، ولا يسمع إن أخفينا!» وهذا أضل وأغبى من الأول! إذ كيف يسمع الجهر ولا يسمع الخفاء؟! وهذا الاعتقاد كان موجوداً عند بعض المشركين، فيقولون: إن أردتم أن تتكلموا بما لا يرضى الرب فتهامسوا! حتى لا يسمعكم الله أو يسمعكم الرب؟! - قوله: «وقال الآخر: إنْ كان يَسمع إذا جهرنا، فهو يسمع إذا أخفينا» وهذا كلام عاقل، فإن كان الله سبحانه وتعالى يسمع الجهر فهو يسمع السر؛ لأن الله تبارك وتعالى إله العالمين، العظيم في صفاته، وليس كغيره من البشر الذين يسمعون القريب ولا يسمعون البعيد، ويسمعون الجهر ولا يسمعون السر؛ ولذلك قال: إذا كان يسمع ما يجهر به فهو يسمع ما نسرّ به. - فأنزل الله عز وجل: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ} (فصلت: 22)، أي: ما كنتم تستترون أن يشهد عليكم السمع والبصر، بمعنى لو لم يشهد عليكم السمع والبصر، أكان في ذلك استتار عن الله سبحانه وتعالى وسمعه وبصره؛ لأن الله تبارك وتعالى يسمع ويرى كل خلقه، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وسمعه تام كامل ليس فيه نقص، وبصره كذلك تام لا نقص فيه ولا عيب. - وأيضا من معنى الآية: لو أن الإنسان لا يفعل الأشياء المحرمة أمام الناس، لكان أول الشاهدين عليه جوارحه، فأنت إذا أسررت بالمعصية ولم يكن عليك شهود، فأين السمع وأين البصر وأين الجلود والجوارح والأعضاء؟! وهؤلاء شهود معك أينما كنت، وكلها مما تشهد على العبد أيضا يوم القيامة، وهذا فيه سبب نزول هذه الآية: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ}(فصلت: 22). - وقوله تعالى:{وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ} (فصلت: 22)، هذا ظن المشركين الباطل بالله تعالى وصفاته، وهو من الظن السيئ بالله، وبما لا يليق بأسمائه وصفاته العلا {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ}(فصلت: 23)، أي بسبب هذا الظن الباطل بالله سبحانه وتعالى، واعتقاد ما لا يليق بالله من الأسماء والصفات، بل المستقر في عقول الناس كلهم، على اختلاف مللهم ونحلهم، خصوصا من له بقية إيمان منهم مأثور عن المرسلين، أن الله عز وجل له صفات الكمال والجلال والجمال، وأن له من كل صفةٍ أتمها وأكملها وأجملها، فهو سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلا، وعندما تقول: يسمع إن أخفينا ولا يسمع إن أعلنا، فهذا وصف يتنزه الله عنه، وهو ظن بالله سيئ، ولذلك قال عنه: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} أَرْدَاكُمْ، أي: أهلككم، إذْ جرأكم على المعاصي والفواحش. - وقوله: {فأصبحتم من الخاسرين} لأنكم خسرتم أنفسكم، وخسرتم أعماركم، وخسرتم أعمالكم، وخسرتم أهليكم يوم القيامة لأنكم دخلتم النار، ودخول النار هو الخسارة الكبرى التي لا تعدلها أي خسارة. - ثم قال سبحانه وتعالى: {فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ} (فصلت: 24)، إن يصبروا على النار وأنى لهم أن يصبروا عليها، فمن هذا الذي له قدرةٌ وطاقة على أن يصبر على حرّ النار، ولهيبها وأغلالها ومقامعها؟! وكيف إذا كانت هذه النار أشد من نار الدنيا بتسعةٍ وتسعين مرة، من الذي له طاقة على أن يصبر على هذه النار؟! عافانا الله وإياكم. - {وَإِن يَسْتَعْتِبُوا} يعني: وإن يطلبوا رفع العتب والمؤاخذة، ولو قالوا: يا ربنا ائذن لنا أن نتوب، وأن نعتذر وأن نرجع ونرفع عنا الغضب، وأن نرفع عن أنفسنا المؤاخذة والذنب {فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ} ليس لهم مرد إلى الدنيا وليس لهم مرجع آخر يرجعون فيه فيعملون صالحا، هذا لا يعطاه أبدا أهل النار. - وجاء في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي وغيرهما حديث متعلق بهذه الآية: من حديث معاوية بن أبي حيدة ] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تحشرون هاهنا - وأومأ بيده إلى الشام - مشاة وركباناً وعلى وجوهكم، وتعرضون على الله وعلى أفواهكم الفدام وأول ما يعرف عن أحدكم فخذه وكفه وتلا رسول الله [ قوله تعالى: {وما كنتم تستترون....} « الآية. ففي الحديث أن الشام أرض المحشر والمنشر، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفرج عن أهلها ويكبت عدوها، وفيها من الفضائل الواردة في السنة شيءٌ كثير، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « طوبى للشام؛ لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها» رواه أحمد والترمذي، وقال أيضا صلى الله عليه وسلم : « الشام أرض المحشر والمنشر « رواه أحمد وابن ماجة. وقال الله سبحانه وتعالى {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 71)، وهي أرض الشام باتفاق أهل التفسير، وما يحصل اليوم في أرض الشام لعله إرهاصات بعودة الإسلام وحكمه إليها، وتربية ربانية لأهلها، يهيئ فيها الناس إلى أمر يريده الله سبحانه وتعالى منهم، وأن يتربوا على شيء يخالف ما كانوا عليه سابقا، فنسأل الله عز وجل أن يأجرهم وأن يرفع البلاء عنهم وأن يحقن دماءهم.- ثم قال: «تحشرون إلى الشام مشاة وركبانا وعلى وجوهكم» فالناس يوم القيامة يحشرون ثلاثة أصناف: صنفٌ مشاة يمشون على الأرض، وصنف ركبان يركب الواحد على البعير، والاثنان على البعير، والثلاثة على البعير، والعشرة على البعير، بحسب درجة الإنسان، فإذا كان الإنسان من أهل الصلاح والإيمان فله مركوب خاص به، وهذا من تكريم الله عز وجل له. والثالث من الناس - والعياذ بالله - من يحشر على وجهه، كما ذكر ربنا عز وجل في كتابه. - وقوله: «وتعرضون على الله، وعلى أفواهكم الفدام» الفدام هو الخيط الذي يربط به فم القربة، أي إنسان فمه مربوط. - وقوله «وأول ما يعرف عن أحدكم فخذه وكفه» أي: فينطق أعضاؤه، ويشهد عليه فخذه بما اكتسب في الدنيا، وكفه كذلك، قال: وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {وما كنتم تستترون....مما تعملون}.وهذا حديث أيضا في تفسير هذه الآية. سورة الدخان باب في قوله تعالى: {فارتقبْ يومَ تأتي السّماء بدخانٍ مبين} 2163. عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ جُلُوسًا وَهُوَ مُضْطَجِعٌ بَيْنَنَا، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّ قَاصًّا عِنْدَ أَبْوَابِ كِنْدَةَ يَقُصُّ، وَيَزْعُمُ أَنَّ آيَةَ الدُّخَانِ تَجِيءُ فَتَأْخُذُ بِأَنْفَاسِ الْكُفَّارِ، وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَجَلَسَ وَهُوَ غَضْبَانُ: يَأَيَّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ، مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِمَا يَعْلَمُ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: اللَّهُ أَعْلَمُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ [ {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ} إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ [ لَمَّا رَأَى مِنْ النَّاسِ إِدْبَارًا، فَقَالَ: « اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ» قَالَ: فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ مِنْ الْجُوعِ، وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ أَحَدُهُمْ فَيَرَى كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ، فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ جِئْتَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} إِلَى قَوْلِهِ: {إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} قَالَ: أَفَيُكْشَفُ عَذَابُ الْآخِرَةِ {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} فَالْبَطْشَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدْ مَضَتْ آيَةُ الدُّخَانِ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَآيَةُ الرُّومِ. 2164. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ الدُّخَانُ وَاللِّزَامُ وَالرُّومُ وَالْبَطْشَةُ وَالْقَمَرُ». الشرح: سورة الدخان فيها حديث واحد في قوله تعالى: {فارتقبْ يومَ تأتي السماءُ بدخان مبين} (الدخان:10). وقد رواه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب صفة القيامة والجنة والنار. عن مسروق وهو ابن الأجدع الهمداني، أبو عائشة، ثقة فقيه عابد مخضرم، أحد أصحاب ابن مسعود. - قال: « كنا عند عبدالله جلوس وهو مضطجع بيننا فأتاه رجل فقال يا أبا عبد الرحمن «وهي كنية عبدالله بن مسعود» إن قاصا عند أبواب كندة» وأبواب كندة من أبواب الكوفة «يقص ويزعم» لم يذكر اسم هذا القاص، والقصاص جماعةٌ من الوعاظ يستميلون العوام إليهم بالأحاديث المنكرة، بل لأكاذيب والأعاجيب من القصص، ولشيخ الإسلام ابن تيمية رسالة في ذلك باسم: أحاديث القصاص، ولابن الجوزي كتاب باسم: القصاص والمذكرين، وللسيوطي رسالة أيضا باسم: تحذير الخواص وغيرهم. - قوله: «يزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام، فقام أبو عبدالله وجلس وهو غضبان» أي إن عبدالله بن مسعود لما سمع هذا القول وغضب منه، جلس فقال: يأيها الناس اتقوا الله، من علم منكم شيء فليقل بما يعلم ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم» وهذه موعظة من عبدالله بن مسعود ] لجلسائه ألا يتكلم الإنسان بشيء إلا في حدود ما يعلم؛ فإن القول على الله تعالى بغير علم من كبائر الذنوب ومن المحرمات العظيمة، وهي سبب لوقوع الشرك في الأرض، والشرك في الأرض إنما وقع بسبب القول على الله بغير علم، والواجب على الإنسان أن يقول فيما يعلم من كتاب أو سنة أو أقوال أهل العلم، أما إذا سئل عن شيء لا يعلمه، فالأدب الذي أدب الله به المؤمنين أن يقول: الله أعلم. - قال: فإن الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : {قُل لا أسألكم عليه من أجرٍ وما أنا من المتكلفين} ما أسألكم عليه من أجر يعني لا أسألكم على البلاغ أجرا، فلا أسألكم على بلاغ الدين أجرا والرسالة، ولا على التعليم ولا على الإرشاد والنصح، لا أسألكم عليه مالا ولا أجرة {وما أنا من المتكلفين} فمن قال على الله بغير علم فهو متكلف، ومن تكلم فيما لا يعلم فهو متكلف، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن من المتكلفين، وإنما كان عليه الصلاة والسلام إذا سُئل عن شيء لا يعلمه سكت وانتظر الوحي حتى ينزل، فلا تتقدم بكلام إلا بعلم، وهذا من باب أولى أن يكون متوجها لعلماء الأمة والدعاة والوعاظ والمعلمين والمرشدين ألا يقولوا شيئا إلا بعلم.- ثم قال عبدالله بن مسعود: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى من الناس إدبارا، فقال: اللهم سبع كسبع يوسف» أي إن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى إعراض المشركين في مكة عنه، لما أعرضوا عن دعوته وعن رسالته، وكفروا بما جاء به؛ لأن الإعراض نوع من أنواع الكفر، وهو أن يعرض الإنسان عن الدين بالكلية، لا يتعلمه ولا يعمل به ولا يتبعه، فهذا كفر إعراض، يقول الله عز وجل: {والذين كفرُوا عمّا أُنذروا مُعرضون} يعني أنهم كانوا يولون الأوامر الإلهية دبرهم، أي ظهورهم.فلما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم منهم إعراضا وإدبارا، قال: «اللهم أعني عليهم» - وفي هذه الرواية - «اللهم سبع كسبع يوسف»، وفي رواية أخرى: «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف»، المقصود بسبع يوسف عليه الصلاة والسلام هي التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة يوسف، أنهم جاءتهم سبع سنين مجدبة، قحط وشح في الأمطار وحاجة، بحيث إن هذه السبع أكلت ما عند الناس من مؤونة مدخرة، فكل ما كانوا يدخرونه من حبوب وطعام فني ولم يبق منه شيءٌ بسبب قلة الأمطار، وذهاب الخيرات.قوله: «أصابتهم َسنةٌ» والسَّنة هي الجدب والقحط، «حصّت كل شيء» يعني لم تبق عندهم حبوباً ولا طعاما يأكلونه. - قوله: «حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع» حتى صار أحدهم يأكل جلد الشاة الذي يجلس عليه، يأخذه ويأكله، وأكلوا الميتة أيضا من شدة الجوع؛ لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم عليهم واستجابة الله له، وهذا كما قال الله تبارك وتعالى عن قوم فرعون: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} (الأعراف: 130)، بالسنين يعني بالقحط الشديد، ونقص الثمرات عندهم، لما كذبوا موسى عليه السلام عقوبة لهم من الله، وهذا يبين لنا أن ما يحدث على الأرض له علاقة بذنوب بني آدم وطاعاتهم، خلافاً لما يقوله الملاحدة واللادينيون الذين يزعمون: أنه لا علاقة بما يحدث على الأرض بمعاصي الإنسان؟! فإذا قال لهم أهل الدين والعلم: احذروا غضب الله وانتقامه، احذروا الزلازل، احذروا الأعاصير والفيضانات، احذروا الأوبئة والأمراض؛ لأن الله عز وجل يعاقب خلقه بما يشاء، قالوا لهم: هذه أمور طبيعية تحدث للمؤمنين والكفار وكما تحدث في ديار المسلمين تحدث في ديار الكفار لا فرق؟؟! وهذا من الجهل البالغ بالله تعالى وسننه الكونية التي قررها الله في كتابه، وهذه الأمور لو حصلت في بلاد المسلمين فهي ابتلاء وتكفير للسيئات، أما إذا حدثت في بلاد الكفار فهي عقوبة ونكال، وهناك فرق بين العقوبة والابتلاء، العقوبة عذاب، أما الابتلاء ففيه الرحمة والمغفرة ورفعة الدرجات، والتنبيه للرجوع لله والتوبة، وما أشبه ذلك من الفوائد التي تحصل للمؤمنين بالابتلاءات.- قوله: «وينظر أحدهم إلى السماء فيرى كهيئة الدخان» يعني من شدة الجوع والجهد، صار الناس إذا رفعوا أبصارهم إلى السماء، رأوا كهيئة الدخان مما بينهم وبين السماء، وذلك أن الإنسان بسبب شدة الجوع يضعف النظر عنده، حتى إنه يكون على عينيه غشاوة كالدخان، هذا تفسير ابن مسعود، وأن الآيات التي من سورة الدخان {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ}(الدخان: 10 - 11) فيقول: إن الدخان الذي ذكره الله عز وجل في هذه السورة، هو الذي حصل لقريش لما أعرضوا عن الإسلام، صار أحدهم إذا رفع بصره إلى السماء يرى كأن هناك دخانا بينه وبين السماء، بسبب الجهد والجوع. - قوله: «فأتاه أبو سفيان فقال: يا محمد، إنك جئت تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم يذكره، يقول أنت جئت بطاعة الله وجئت بصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا بسبب دعائك، فادعوا الله لهم» يذكره بما كان يدعو إليه من صلة الأرحام، والتراحم بين الخلق، أن يخفف عنهم بدعائه، وأن يصرف عنهم الجوع والجهد فالنبي عليه الصلاة والسلام دعا لهم بأن يرفع الله تعالى عنهم البلاء؛ أملا في إيمانهم وإسلامهم وتوبتهم، ولكن أصروا على كفرهم إلا القليل منهم؛ لهذا قال الله عز وجل: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ}(الدخان: 15)، أي سنكشف عنكم هذا الجوع وهذا العذاب به، فسمى الجوع الشديد عذابا، فالجوع الشديد عذاب، والناس اليوم إذا ذكرتهم بنعمة الطعام ونعمة الأمن، يسخرون من هذه النعم الجليلة، ويقولون: نعم نأكل ونشرب حتى الدواب تأكل وتشرب؟! هكذا يقولون، مع أن الله سبحانه وتعالى امتن على عبادة بالطعام والشراب في كتابه فقال: {فليعبُدوا ربَّ هذا البيتِ الذي أَطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوف} وربما استهزأ بعضهم بالطعام القليل، أو بالطعام الذي لا يعجبه والنبي صلى الله عليه وسلم ما عاب طعاماً قط، إنْ اشتهاه أكله، وإنْ كرهه تركه.فعندما دعا الرسول عليه الصلاة والسلام رفع الله عنهم، وقال الله: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} قال ابن مسعود: أفيكشف عذاب الآخرة؟! هذا الاستفهام من ابن مسعود يدل على أن ابن مسعود كان يفسر الآية {يومَ تأتي السماءُ بدخانٍ مبين} بأن هذا الدخان هو ما حصل لقريش بدليل أن الله عز وجل قال{إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً} فعذاب الآخرة لا يكشف؛ فاستدل بهذا على أن الدخان المقصود هو ما حصل لقريش من رؤية كهيئة الدخان بسبب الجوع بينهم وبين السماء. لكن يشكل على هذا الفهم الذي فهمه ابن مسعود أمور: - أولا: وجود أحاديث صحيحة تصرح بأن الدخان من علامات الساعة، فقد وردت أحاديث صحيحة من حديث حذيفة بن أسيد قال: طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر، قال: « ما تذكرون؟ « قالوا نذكر الساعة، قال: « إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات، فذكر الدخان والدجال والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم، رواه الإمام مسلم.- وأيضا: ورد في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم أيضا قال النبي صلى الله عليه وسلم : « بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها والدخان ودابة الأرض والدجال، وخُويصة أحدكم وأمر العامة». خويصة أحدكم يعني الموت، وأمر العامة هو القيامة، وبادروا يعني: استعجلوا بالأعمال قبل نزول هذه الآيات الكبرى، فذكر منها طلوع الشمس من مغربها؛ لأن الشمس إذا طلعت من مغربها أغلق باب التوبة، والدخان فجعل الدخان من علامات الساعة الكبرى.وأيضا فان الآية صريحة في أن الدخان يأتي من السماء {فارتقبْ يوم تأتي السماء بدخانٍ مبين} فليس هو ما يراه الناس كهيئة الدخان، كما قال ابن مسعود، فلا يصح أن يحمل الدخان الذي بالآية الكريمة على أنه مجرد تهيؤ وتخيل، فلا يؤول إلا بقرينة واضحة، ولا توجد هاهنا قرينة. - وأيضا: آية الدخان فيها خطاب عام للجميع, والأرجح - والله تعالى أعلم- أن الدخان يكون قبل قيام الساعة، وأنه من علامات الساعة، ولا مانع أن يكون أيضا أن أهل مكة رأوا ما يشبه الدخان بسبب الجوع الشديد الذي حصل لهم. - وقوله: {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ}(الدخان: 16) فالبطشة يوم بدر، وقد مضت آية الدخان والبطشة واللزام وآية الروم»، قال: البطشة كانت يوم بدر؛ لأن الله سبحانه وتعالى بطش بالمشركين في يوم بدر فقتل منهم سبعين، وأسر سبعين. واللزام في قوله سبحانه وتعالى: {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} (الفرقان: 77) يعني سوف يكون عذابهم لزاما، وهو ما جرى لهم في يوم بدر أيضا من القتل، وهي البطشة الكبرى أيضا. وأيضا الآية فيها عموم، فكل من كذب بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فعذابه لازم، أي واقع لا محالة، أو ملازم له لا يفارقه وهو مستمر له ما لم يسلم، فإذا كان موحداًَ فإن عذابه لا يلازمه، يعني لا يدوم، أما المشرك فعذابه لازم مستمر لا ينقطع. قوله « وآية الروم» أي: التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في أول سورة الروم، وأنها من أشراط الساعة، وهكذا الحديث الذي بعده وهو في الباب نفسه.قال عن عبدالله بن مسعود ] قال: «خمسٌ قد مضين: الدخان، واللزام، والروم، والبطشة، والقمر». وهذا كما قلنا يدل على أن ابن مسعود ] كان يرى هذه خمسة آيات مضت، يعني: حصلت وانتهت، فالدخان حصل، واللزام الذي هو العذاب الذي لزمهم حصل لهم في غزوة بدر، وكذلك البطشة وآية الروم، والقمر يعني انشقاق القمر الذي حصل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فانشق القمر فرقتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اشهدوا» أي على انشقاق القمر، الذي ذكره ربنا سبحانه وتعالى في سورة باسمه {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} (القمر 1- 2) وقولهم: هذا سحر، هو قول المشركين عند رؤيتهم انشقاق القمر، وهو من استكبارهم، وانشقاق القمر من علامات الساعة التي مضت.
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري(43) من صفات الله تعالى في (سورة ق) اعداد: الفرقان الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا. باب: في قوله تعالى: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ}2167. عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} فَأَخْبَرَنَا عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا، وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلَا يَزَالُ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ، حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا، فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ».الشرح: في سورة (ق) أورد حديث أنس رضي الله عنه في قوله تعالى: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} (ق: 30). والحديث رواه الإمام مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (4/2186-2188)، نسأل الله من فضله وكرمه. قال عبدالوهاب بن عطاء، وهو الخفّاف أبونصر العجلي مولاهم، البصري نزيل بغداد، صدوق ربما أخطأ. قال: أخبرنا عن سعيد وهو ابن أبي عَروبة، اليشكري مولاهم، أبو النضر البصري، ثقة حافظ له تصانيف، وعنده تدليس، لكنه أثبت الناس في قتادة. وقتادة وهو ابن دعامة السدوسي، التابعي الجليل المشهور بالتفسير، وأحد المكثرين من الرواية عن أنس. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « لا تزال جهنم يلقى فيها» «وهذا في الآخرة، يعني يلقى فيها من أهلها - والعياذ بالله - من أهل النار، كما قال سبحانه وتعالى: {كلما أُلقي فيها فوجٌ سَألهم خَزَنتها ألم يأتكم نذير} (الملك: 8).وقال تعالى {كلما دخلت أمةٌ لعنتْ أختها} (الأعراف: 38). فأهل النار يُلقون فيها أفواجاً أفواجاً، وجماعات بعد جماعات. ولا تزال جهنم ُيلقى فيها من الناس وهي تقول: «هل من مزيد» والله سبحانه وتعالى قد وعد النار أن يملأها، كما جاء في الحديث: «ولكل منكما ملؤها» فالله تعالى وعد الجنة أن يملأها، ووعد النار أن يملأها، فالنار كلما ألقي فيها أناس، قالت: هل من مزيد؟ يعني أن فيها قدرة على التهام المزيد من الناس والبشر. قوله: «حتى يضع رب العزة فيها قدمه» يعني: حتى يضع الله سبحانه وتعالى قدمه المنزهة عن المشابهة للمخلوقين فيها، ففي هذا الحديث الشريف: إثبات صفة القدم لربنا تبارك وتعالى، وإثبات هذه الصفة جارٍ على مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات كلها، من غير تعرضٍ لها أو لبعضها بتأويل أو تعطيل، ولا تحريف أو تمثيل، بل نثبت إثباتاً خالياً من التمثيل، وننزه تنزيها خالياً من التعطيل والتأويل، لأن الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وقولنا في الصفات كقولنا في الذات، فكما أن الذات لا يُشبهها شيءٌ، فكذلك الصفات لا يشبهها شيء، وأما مجرد الاشتراك في الاسم فهذا لا يعني التطابق في الصفات، فالإنسان يُسمى ببعض الأسماء التي يسمى بها الخالق، كالحي والعليم والحكيم والسميع والبصير والملك، وهذه كلها من أسماء الله تعالى، لكن يجوز أن تطلق على المخلوق، وهذا لا يعني التساوي في الصفات، فأين سمع المخلوق من سمع الخالق سبحانه وتعالى؟ وأين علم المخلوق من علم الخالق؟ وأين غنى المخلوق من غنى الخالق؟ وأين ملك المخلوق من ملك الخالق وملكوته؟! وهكذا. فمجرد الاشتراك في الأسماء لا يعني التناسب أو التساوي في الصفات أبداً، بل إن المخلوقين بينهم تفاوت عظيم في الصفات وإن اشتركوا في الاسم، فأنت تقول رأس النملة، وتقول رأس البعير، ورأس الأسد، ورأس الجبل، فهل بينها تناسب؟ لا يوجد تناسب بينها؟! مع أن هذه كلها مخلوقات، فالله سبحانه تبارك وتعالى أولى ألا يشابه المخلوق في صفاته، لأنه الخالق وكل ما سواه مخلوق. ومثالاً على ذلك: ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء – وفي رواية: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات - لقد جاءت المجادلة إلى رسول الله [ تكلمه، وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله تبارك وتعالى - من فوق سبع سموات - {قد سمعَ اللهُ قولَ التي تُجادلك في زوجها وتَشتكي إلى الله والله يسمعُ تحاوركما إن الله سميعٌ بصير} (المجادلة: 1). رواه أحمد (6/46) والبخاري تعليقا والنسائي وابن ماجة. فمجرد الاشتراك في الأسماء لا يعني التساوي في الصفات، وهذه المسألة لم يفهمها أهل البدع من الجهمية والمعطلة والمعتزلة وأشباههم، فهم ظنوا أن الاشتراك في الأسماء يعني التشابه والتشاكل في الصفات؟! فلما تقول سمع الله وبصره، يقول: لا، ليس لله سمع وبصر، لماذا؟ لأنه يتوهم أن الخالق مثل المخلوق في السمع والبصر؟! فيقع في التمثيل أولاً، فيفر من التمثيل إلى التعطيل؟! أما أهل السنة فيقولون: ربنا سبحانه وتعالى سميعٌ بصير حي عليم حكيم غني قدير، وهو سبحانه كما وصف نفسه في كتابه العزيز، وكما وصفه رسوله صلى الله عليه وسلم ، وله وجهٌ يليق بكماله، وله يدٌ تليق بجلاله، وجاء في هذا الحديث: أن له قدماً، وهكذا بقية الصفات نحن نثبتها لله عز وجل إثباتا من غير تمثيل، وكذا بلا تأويل ولا تعطيل، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول هاهنا: «إنّ جهنم لا تزال تقول: هل من مزيد؟ هل من مزيد؟ حتى يضع ربُّ العزة فيها قدمه».أما أهل التأويل فقالوا: ليست هي صفة لله؟! بل قالوا: حتى يقدّم فيها من قدّمه من خلقه؟! وقال آخرون: قدمه عائدة على قدم بعض خلقه؟! وهذا كله تأويل لهذه الصفة؟! وتلاعبٌ بالنصوص وتحريف لها؟! فالسلف رحمهم الله ينزهون الله تعالى، ويقدّسون النصوص من الكتاب والسنة، ولا يتعرضون لها بتحريف ولا تعطيل، فمذهبهم الإيمان بآيات وأحاديث الصفات من غير تأويل ولا تعطيل، ولا تحريف ولا تكيف، والتمثيل: أن تقول هي مثل كذلك، والتكييف: أن تقول هي على كيفية كذا، بل يمرونها على ظاهرها، ولا يتعرضون لها بشيء من التعطيل أو التأويل. قوله: «فينزوي بعضها إلى بعض» أي: إذا وَضع فيها ربُّ العزة قَدَمه، انزوى بعض جهنم إلى بعض، وانزوى بمعنى انضم، أي حصل لها انضمام وانكماش، فتجتمع على من فيها، نسأل الله السلامة. وتقول: « قطْ قطْ « بسكون الطاء، وفي رواية «قطِ قطِ» بالكسر، وفي رواية «قطني قطني» بالياء، وكلها بمعنى: كفاني كفاني، أو حسبي حسبي، يعني: حسبي قد امتلأت. وفي رواية: «فهنالك تَمتلئ، ويُزْوى بعضها إلى بعض». وتقول: «بعزتك وكرمك» يعني تقسم مؤكدة لقولها، بعزة الله، وكرم الله، وهي من صفات الله التي يجوز الإقسام بها. قوله «ولا يزال في الجنة فَضْلٌ حتى يُنْشئ الله لها خَلقاً» وفي رواية له: «يَبقى من الجنة ما شاء الله أن يبقى، ثم يُنشئ الله تعالى لها خَلقاً مما يشاء» أي: أما الجنة فبعد أن يدخلها أهلها، من النبيين والمؤمنين والصالحين والشهداء من الأولين والآخرين، ومن جميع الأمم، يبقى فيها فضل، على كثرتهم، يبقى فيها فسحة أو مساحات خالية ليس فيها أحد، وهذا يدل على سعة الجنة، وعظم خلقها، كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَسارعوا إلى مغفرةٍ من ربكم وجنةٍ عَرضها السموات والأرض}. لو قلت: ما عرض السماء الدنيا؟ قلنا: شيءٌ لا يطيقه الخيال، فأهل الفلك يقولون: في السماء مئة وعشرون مليار مجرة، والمجرة الواحدة منها فيها ملايين الملايين من النجوم والكواكب، تخيل هذا!! وهذا كله في السماء الدنيا فقط، وفوقها ست سموات، كل واحدة منها محيطة بما قبلها؟ فأي اتساع هذا؟ وأي خلق عظيم هذا؟! وقد ثبت في الحديث الصحيح: «أن آخر من يدخل الجنة، رجلٌ يُعطى مثل مُلك مَلك من ملوك الدنيا، وعشرة أمثاله» فسبحان الله! ومع ذلك يبقى فضل في الجنة، وذلك أن الجنة عظيمة السعة، وملك الواحد من أهل الجنة في الجنة عظيم جدا، فإذا كان أقل أهل الجنة درجة، وآخر الناس دخولا الجنة رجل يدخل ويعطى مثل مُلك ملك من ملوك الدنيا وعشرة أمثاله، فكيف بالذين يدخلون الفردوس الأعلى، وكيف إذا كان من أصحاب الدرجات العلى، سبحان الله العظيم! فعند ذلك: «ينشئ الله لها خلقاً» أي: يخلق الله تعالى لها خلقاً يدخلهم إياها، ويسكنهم فضل الجنة، يسكنهم ما بقي من الجنة من فراغ؟! أما النار، فلا يخلق الله تعالى لها خلقاً فيدخلهم في فراغ النار؟! لأن الله سبحانه وتعالى لا يظلم الناس شيئا، فلا يخلق خلقاً ليعذبهم بغير جرم ولا ذنب ارتكبوه، لكن هل يمكن أن يدخل الجنة أحدٌ بغير عمل؟ نعم، لأن الله سبحانه وتعالى رحمته سبقت غضبه، وفضله أوسع من عقوبته، ولذلك يخلق خلقاً ويدخلهم الجنة بغير عمل ولا حساب. قال أهل العلم: ومثلهم الأطفال الذين لم يعملوا خيراً، ومع ذلك يدخلهم الله عز وجل الجنة تبعاً لآبائهم المؤمنين، كما قال تعالى: {والذين آمنوا واتّبعتهم ذريتُهم بإيمانٍ ألحقنا بهم ذريتهم} وهذا من فضل الله تعالى ورحمته. قال الزمخشري المعتزلي في قول ربنا سبحانه وتعالى: {يوم نقولُ لجهنم هل امتلأتِ وتقول هل من مزيد}: هذا الكلام على طريقة التمثيل والتخيل؟! ولا سؤال ولا جواب؟!! هكذا يقول؟! أي: ليس هناك سؤالٌ يقع ولا جواب؟! فلا يقال للنار هل امتلأت! ولا تقول هي: هل من مزيد! إنما هذا على جهة التخيل والتمثيل؟! وهذا لا شك أنه جار على مذهبه الاعتزالي، وهو جحد حقائق ومعاني الأسماء الحسنى والصفات العلا، ولذا جعل هذا من باب المجاز، وهو القول الذي لا حقيقة له؟ وهذا ليس بمستغرب عليه؛ لأنه يحمل كثيرا من الصفات الإلهية على المجاز؟ وعلى عدم الحقيقة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولذلك يحذر العلماء من دراسة تفسيره للمبتدئين، وهو وإن كان قوياً في باب البيان والبديع، وبيان حسن ألفاظ القرآن والبلاغة، لكنه في العقيدة ليس جيداً أبداً. وما أنكره هنا، ليس بمستنكر ولا غريب في القرآن، فإن الله سبحانه وتعالى كما جاء بنص القرآن ينطق الجمادات إذا شاء، كما في قوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخانٌ فقال لها وللأرض أئتيا طوعاً أو كرها قالتا أتينا طائعين} (فصلت: 11). أليس هذا كلام السماء وكلام الأرض، وهما من الجمادات. وأيضا ورد في الأحاديث: قوله عليه الصلاة والسلام: «تحاجت النار والجنة، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فمالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم – أو وغرتهم، أي أهل الحاجة والجوع -..» الحديث رواه مسلم (4/2186-2189)، ففيه حصول كلام من الجنة وكلام من النار. وأيضا في الحديث: «اشتكت النار إلى ربها، قالت: يا رب، أَكَل بعضي بعضا، فجعل الله لها نَفَسا في الشتاء ونفسا في الصيف....» الحديث. وكذا إنطاقه الجوارح، كما مرّ معنا عند قوله سبحانه وتعالى:{وقالوا لجلودِهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطقَ كل شيءٍ وهو خلقكم أولَ مرة} (فصلت: 21). إذن هذا ليس بغريب على قدرة الله سبحانه وتعالى، وقد أنطق الله سبحانه وتعالى الحجر لنبينا [ فكان يسلم عليه بمكة، وحنّ جذع النخلة للذكر على عهد النبي [، وكان الصحابة يسمعون تسبيح الطعام وهو يؤكل على عهد النبي [، وغيره كثير، ولا وجه للاعتراض أو التأويل والتعطيل لمثل هذه الصفات. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا على الحق، والحمد لله رب العالمين. من القراءات: سورة اقتربت الساعة باب في قوله تعالى {هل من مدكر} 2168. عن أَبي إِسْحَق قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا سَأَلَ الْأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ وَهُوَ يُعَلِّمُ الْقُرْآنَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ:كَيْفَ تَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) أَدَالا أَمْ ذَالًا؟ قَالَ: بَلْ دَالًا، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ (مُدَّكِرٍ) دَالًا. الشرح: سورة: «اقتربت الساعة» وذكر فيها أثر عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: {فهل من مدكر}، وقد رواه مسلم في صلاة المسافرين (1/565) وبوب عليه النووي: باب ما يتعلق بالقراءات. قال عن أبي إسحق السبيعي، وهو عمرو بن عبدالله الهمداني، الثقة المكثر العابد. قال: «رأيت رجلا سأل الأسود بن يزيد» وهو ابن قيس النخعي، مخضرم ثقة فقيه مكثر، من أصحاب عبدالله بن مسعود رضي الله عنه والآخذين عنه. قوله: «وهو يعلم القرآن في المسجد» يعني كان يعلم ويحفظ الناس كتاب الله، ويلقنهم آياته، وكيف يقرؤونها. قوله: «فقال له رجل: كيف تقرأ هذه الآية: {فهل من مدكر} أدالا أم ذالا» بالذال المعجمة يعني المنقطة، أم بالدال المهملة التي دون نقطة؟ فقال الأسود: بل دالا: {فهل من مدكر}، ثم قال: سمعت عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (مدكر) دالا.ومدكر أصلها متكر فكتبت التاء دالا، ثم أدغمت في الذال المعجمه فصار النطق بها دالا مهملة، والمعنى: هل من متذكرٍ، هل من معتبر وهل من متعظ، وهذه الآية تكررت في سورة القمر بعد أن يذكر الله سبحانه وتعالى إهلاكه لقوم نوح قال: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر}، فهل من متعظ، لما حصل لهم. وبعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى إهلاكه لعاد قال: {فهل من مدكر}، ولما ذكر إهلاكه لثمود قال: {فهل من مدكر}، وهكذا لما ذكر إهلاكه لقوم لوط وقوم فرعون، ذكر ونبّه إلى الاتعاظ بما حصل لهم، وما يحصل للظالمين في كل زمان ومكان، والجاحدين الكافرين، والمتجاوزين لحدود الله تبارك وتعالى من العقوبات. أي: أن الله عز وجل يسّر كتابه وسهّله، للحفظ والتلاوة، والتدبر والفهم، وكذا هو ميسر للعمل، ومن تيسير كتابه سبحانه وتعالى: أن الصبيان يحفظونه، وأن الناس يستطيعون قراءته بسهولة، مع أنه كلام ملك الملوك جل جلاله وتقدست أسماؤه، الذي لو أنزل كلامه على الجبال لصدعها، ولو قطعت به الأرض لقطعها، كما قال تبارك وتعالى {لو أَنزلنا هذا القرآن على جبلٍ لرأيته خاشعاً مُتصدّعاً من خشية الله} (الحشر). وفيه: دليل على أن الصحابة رضي الله عنهم سمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم نقلوه لمن بعدهم من التابعين، ونقله التابعون لمن بعدهم من أتباع التابعين، وهكذا حتى وصل إلينا كتاب الله تبارك وتعالى تاما محفوظا بحفظ الله عز وجل. والصحابة رضي الله عنهم كما هم نقلة القرآن، فهم أيضا نقلة السنة النبوية، فعن طريقهم رضي الله عنهم وأرضاهم وصل إلينا كتاب الله تبارك وتعالى، ووصلت إلينا سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن أراد أن يطعن في الصحابة أراد أن يهدم الإسلام، لأنهم شهودنا، وإذا أردت أن تسقط شهادة الشهود فاجرحهم، بأن تقع في أعراضهم وتطعن في عدالتهم، فإذا سقطت شهادتهم سقط ما يشهدون به، وهكذا لما طعن الزنادقة في الصحابة، فقالوا عنهم ما قالوا، من الاتهام بالكفر والزندقة والكذب والخداع؟! وأنهم طلاب دنيا وما أشبه ذلك، أرادوا بذلك إسقاط نصوص الكتاب العزيز والأحاديث الشريفة، وهدم الإسلام من أساسه، عاملهم الله بما يستحقون.هذا وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم .
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري(45) دُعاء المؤمنين للصحابة اعداد: الفرقان الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، [ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا. باب في قوله تعالى {والذينَ جَاؤوا منْ بعدهم يقولونَ ربَّنا اغفرْ لَنا ولإخْواننا الذينَ سَبقونا بالإيمانِ} (الحشر:10).2171. عنِ عُرْوَةَ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: «يَا ابْنَ أُخْتِي، أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَسَبُّوهُمْ». الشرح: سورة الحشر باب في قوله تعالى {والذينَ جَاؤوا منْ بعدهم يَقولون ربّنا اغفرْ لنا ولإخوانِنا الذينَ سَبَقونا بالإيمانِ ولا تجَعلْ في قُلوبنا غلاً للذين آمنوا ربّنا إنّك رؤوفٌ رحيمٌ} (الحشر:10)، أورد فيه أثر عائشة رضي الله عنها، وهو في كتاب التفسير من صحيح الإمام مسلم أيضا. قال: عن عروة وهو ابن الزبير بن العوام رضي الله عنه ، أمه أسماء بنت أبي بكر وعائشة رضي الله عنها خالته ويروى عنه كثيراً عن خالته. - قال: قالت لي عائشة رضي الله عنها: «يا ابن أختي، أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبّوهم». قال القاضي عياض رحمه الله: الظاهر أنها قالت هذا عندما سمعت أهل مصر يقولون في عثمان ما قالوا، وأهل الشام في عليّ ما قالوا، والحرورية في الجميع ما قالوا». فعائشة رضي الله عنها قالت هذا الكلام لما سمعت أهل مصر، وهم الثوار الذين خرجوا على عثمان رضي الله عنه ، واجتمعوا من مصر وغيرها وجاؤوا إلى المدينة، وحاصروا بيت عثمان رضي الله عنه مدة، حتى اقتحموا عليه بيته وقتلوه شهيداً رضي الله عنه وأرضاه، وكانوا قبل ذلك يتكلمون فيه بما هو بريء منه، وأهل الشام أيضا قالوا في علي رضي الله عنه ما قالوا، وكان قد حصل بين علي رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه من القتال، فحملتهم العصبية على الكلام في علي رضي الله عنه وأرضاه، والحرورية - وهم الخوارج - تكلموا في عثمان وفي علي رضي الله عنهما، وفي غيرهما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنهم كفّروا الجميع، كفروا عثمان وكفروا علياً وكفروا معاوية، وكل من رضي بالتحكيم من الفريقين، ومرقوا من الدِّين كما يمرق السهم من الرمية، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنهم، وهذا لقلة فهمهم وفقههم، فإنهم يقرؤون القرآن ولا يجاوز تراقيهم، لقلة فهمهم، وبعدهم عن أهل العلم ومجالسهم ودروسهم. وقول عائشة رضي الله عنها: «أُمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي [» فيه فوائد: - أولاً: أن اللهُ عز وجل هو الذي أَمر بالاستغفار والدعاء لهم، في قوله تعالى: {والذينَ جَاؤوا منْ بعدهم يقولون ربّنا اغفرْ لنا ولإخواننا} (الحشر:10)، فالذين جاؤوا من بعدهم هم: التابعون، وهم القرن الذين جاؤوا بعد الصحابة رضي الله عنهم، من صفاتهم أنهم يدعون الله سبحانه ويسألون، ويقولون: {ربنا اغفرْ لنا ولإخواننا} وهذا يدل على محبتهم للصحابة رضي الله عنهم، ودعائهم لمن سبقهم إلى الإيمان، لعقد الإخوة بينهم، وعقد الإيمان الذي عقده الله تبارك وتعالى بينهم، في قوله سبحانه {إنما المؤمنونَ إخوةٌ}، فالتابعون بإحسان للصحابة يحبونهم، ويدعون لهم بالخير، وهم قد سبقوهم إلى الدخول في الإيمان بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم والجهاد معه، والإنفاق في سبيله. - ثانيا: من فضل الإسلام والإيمان: أن المسلمين يدعو بعضهم لبعض، ويحب له الخير، وهذا من محبتهم لبعضهم البعض، فيدعون لبعضهم بالمغفرة وبالرحمة، فيقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا. - ثالثا: قوله تعالى: {ولإخْوانِنا الذين سَبقونا بالإيمان} يدل على أن التابعين للصحابة بإحسان يسيرون خلفهم، وعلى منهاجهم، ويأتمون بهم، ويقتدون بهم في عقائد الإيمان وأصول الدين، وفي فروعه أيضا، وهذا أصلٌ من أصول أهل السنة والجماعة، وهو متابعة الصحابة رضوان الله عليهم في عقائدهم وعباداتهم وسلوكهم وأخلاقهم. - رابعا: شهد التابعون للصحابة بأنهم سبقوهم إلى الإيمان، وهذه أيضا شهادة القرآن للصحابة بالإيمان، حيث أقرها الله تعالى وحكاها عنهم، فقال {اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان}، فهذه شهادة القرآن لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان كما قلنا، والله سبحانه وتعالى إذا شهد لهم بالإيمان، فيجب تصديق ذلك، وعدم الشك أو التردد فيه، فمن أصدق من الله تعالى قيلاً، ومن أصدق من الله حديثاً؟! - ويمكن أن يقال: المقصود بالذين: {جاؤوا من بعدهم} من هاجر من الصحابة بعد ما قوي الإسلام وظهر، لأن الآية يمكن أن تشمل من تأخّر إسلامه، وتبع الصحابة بعد فشوا الإسلام وظهوره، كما تشمل كل من يدخل في الإسلام من التابعين الذين جاؤوا بعد عصر النبوة، إلى قيام الساعة، لأنه يصدق على الكل أنهم جاؤوا بعد المهاجرين الأولين والأنصار. - قال سعد بن أبي وقاص: الناس على ثلاث منازل، قد مضت منزلتان وبقت منزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه، أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت، ثم قرأ {والذين جَاؤوا منْ بعدهم يقولونَ ربنا اغفرْ لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان}. - قال العلامة صديق حسن خان في فتح البيان: «فمن لم يستغفر للصحابة، ويطلب رضوان الله لهم، فقد خالف ما أمره الله به في هذه الآية، وهذا الداء العضال إنما يصاب به من ابتُلي بمعلمٍ أو أمير أو والٍ من الرافضة، أو صاحب من أعداء خير الأمة من أهل الشرك والتقليد». قيل لابن المسيب: «ما تقول في عثمان وطلحة والزبير؟ قال: أقول ما قوّلنيه الله تعالى، وتلا هذه الآية: {والذين جَاؤوا منْ بعدهم يقولونَ ربنا اغفرْ لنا..}. فالناس إذاً ثلاث منازل: المنزلة الأولى: -المهاجرون الأولون الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانا، وينصرون الله ورسوله، هذه هي المنزلة الأولى. - المنزلة الثانية: وهم الأنصار، الذين ذكرهم الله بقوله {والذين تبَوؤُوا الدارَ والإيمان منْ قبلهم يُحبُون من هَاجر إليهم ولا يَجدون في صُدورهم حاجةً مما أُوتُوا ويُؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصةٌ ومنْ يُوقَ شحَّ نفسهِ فأولئك هم المفلحون} (الحشر: 9). - المنزلة الثالثة: هم التابعون لهم بإحسان، وصفتهم أنهم يقولون: {ربّنا اغفرْ لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان}. - وقد احتج الإمام مالك رحمه الله بهذه الآية: أنه لا حقّ في الفيء لمن سبّ الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، لأن الله تعالى قال عن الفيء: {للفقراء المهاجرين..} وما بعدها، فجعله للمهاجرين والأنصار، ثم لمن جاء بعدهم ممن يستغفر لهم، فالفيء إما للمهاجرين وإما للأنصار، وإما لمن جاء بعدهم ممن يستغفر لهم. - فمن سبّ الصحابة أو كفّرهم - والعياذ بالله - فلا حظَّ له ولا نصيب في الفيء، لأنه خارج عن الطوائف الثلاث المذكورة في الآيات. بالإضافة إلى أن الطاعن على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مكذبٌ لكتاب الله، ومخالف لما أمر الله تبارك وتعالى كما سبق، لأن الله تبارك وتعالى شهد للصحابة بالإيمان، وشهد لهم بالرضوان، وشهد لهم بالجنان، في آيات كثيرة، وأرشد هاهنا إلى الاستغفار لهم. - سادسا: قولهم: {اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} إقرار منهم بالذنوب، ورجوع إلى الله تعالى، فطلب المغفرة يدل على التقصير والوقوع في الخطأ. وقوله سبحانه وتعالى: {ربنا ولا تجعلْ في قلوبنا غلاً للذين آمنوا} غلا يعني: حقداً، فسألوا الله عز وجل أن يطهّر قلوبهم، من الغلّ والحقد والحسد على من سبقهم بالإيمان والإسلام. {ربنا إنك رءوفٌ رحيم} ختم الآية باسمين دالين على كمال رحمته ورأفته، وإحسانه إلى خلقه سبحانه وتعالى. دعوة الجن باب: في قوله تعالى: {قُلْ أُوحيَ إليَّ أنه استمَع نَفرٌ من الجن}. 2172. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ [ عَلَى الْجِنِّ وَمَا رَآهُمْ، انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ [ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتْ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا ذَاكَ إِلَّا مِنْ شَيْءٍ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَانْطَلَقُوا يَضْرِبُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَمَرَّ النَّفَرُ الَّذِينَ أَخَذُوا نَحْوَ تِهَامَةَ، وَهُوَ بِنَخْلٍ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ وَقَالُوا: هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: {يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ}. الشرح: سورة الجن باب: في قوله تعالى: {قلْ أُوحي إليَّ أنه استمع نفرٌ من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجبا} (الجن: 1). وأورد فيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما والمخرج في صحيح مسلم، في كتاب الصلاة في باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن. قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن وما رآهم» هكذا نفى أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خرج للقراءة على الجن أو دعوتهم، مع أنه ورد في حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني داعي الجن فذهبت معهم، فقرأت عليهم القرآن..» الحديث، وقد قال أهل العلم: هما حادثتان، فقول ابن عباس الذي ذكره كان في أول ظهور الإسلام، وهي قوله هنا: «ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن وما رأهم» هذا كان في أول الإسلام، وأما حادثة ابن مسعود فقد كانت بعد انتشار الإسلام بمدة، بل حصلت بالمدينة بعد اشتهار الإسلام، جاءه داعي الجن، وسألوه أسئلة، كما ورد في الحديث عند الإمام مسلم وغيره. - قوله: «انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ» أي خرجوا قاصدين سوق عكاظ، وهي سوق من أسواق الجاهلية المشهورة، مثل ذي المجاز ومجنة، فهي ثلاث أسواق مشهورة عند العرب في الجاهلية بالطائف، فالنبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى سوقهم مع جماعة من أصحابه. - قوله: «وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب» وهذا بعد نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وبعد نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم ، حالت الملائكة والشهب بين الشياطين وبين استراق السمع، واستراق السمع كان قبل ذلك موجوداً بكثرة، فلما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم شدّدت حراسة السماء، كما ذكر الله عز وجل عنهم قولهم: {وأنّا لمَسنا السّماءَ فوجدناها مُلئتْ حَرساً شديداً وشُهُبا, وأنا كنا نقعدُ منها مَقاعدَ للسّمع فمن يَستمعْ الآن يجدْ له شِهاباً رَصَداً} (الجن: 8-9). فالحرس من الملائكة. فاستراق السمع كان عند الشياطين شيئاً معهوداً في الجاهلية، وإن كانت هناك شهب، لكن بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم زادت الشهب، وحُرست السماء حراسة شديدة، وغلّظ أمرها، وكانت الشهب تزداد عند حدوث أمرٍ عظيم من عذاب ينزل بأهل الأرض، أو إرسال رسول أو غيره، فقالت الشياطين لما رأت تغير السماء قالوا: {وإنّا لا نَدري أشرٌ أُريدَ بمن في الأرضِ أم أرادَ بهم ربهم رَشَدا} (الجن: 10). أي: سيحصل شيء عظيم لأهل الأرض من عذاب أو نكال، أو أن الله سبحانه وتعالى سيرسل رسولاً، بهذه الإشارات التي تدل على ذلك، فقالت الجن ذلك بالمشاهدة والفطرة، وإن كانت الشهب موجودة، وإحراق الشياطين بالشهب والرجوم كان موجوداً، لكن بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم زادت الشهب وزادت الرجوم. - قوله: «فرجعت الشياطين إلى قومهم» أي: ولم تأت بشيء من الأخبار، ولم تسترق شيئاً من السماء. فقال لهم قومهم: «مالكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما ذاك إلا لشيءٍ حدث؟» أي: لا بد أن هناك شيئاً عظيماً حدث في الأرض، كما سبق ذكره. قوله «فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها» أي للبحث عن السبب لذلك، ومعلوم أن الجن لهم قدرة على الطيران والانتقال بسرعة من مكان إلى مكان، كما في قصة سليمان عليه السلام: {قال عَفريتٌ من الجنّ أنا آتيكَ به قبل أنْ تقومَ من مقامك وإني عليه لقويٌ أمين} (النمل: 39). أي: عرش بلقيس. وقد ورد في ذلك حديث أبي ثعلبة الخشني مرفوعاً: «الجن ثلاثة أصناف: فصنفٌ لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، وصنف حياتٌ وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون» رواه الطبراني والحاكم والبيهقي في الأسماء وصححه الألباني. ومعنى «يحلون ويظعنون» يعني يسكنون البوادي والصحاري والقفار، يقيمون تارة ويرتحلون أخرى، وهؤلاء ضربوا مشارق الأرض ومغاربها يبحثون عما حال بينهم وبين خبر السماء. قوله «فمرّ النفرُ الذين أخذوا نحو تهامة وهو بنخل» هكذا جاء في هذه الرواية، والصواب: وهو بنخلة، وهو موضع معروف هناك قريب من الطائف، كما جاء في صحيح البخاري. ويحتمل أنه يقال فيه: نخل أو نخلة، وأما تهامة: بكسر التاء فهو اسم لكل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز، ومكة من تهامة. - قوله: «عامدين إلى سوق عكاظ» فالنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم كانوا قاصدين سوق عكاظ للدعوة لدين الله، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبحث عن مجامع الناس الكبيرة ويقصدها بالدعوة، وتبليغ رسالة الإسلام، ومحاولة إيجاد أرض وقوم يقبلونه [، بعد أن كذّبه قومه، وحاربوه وآذوه وآذوا أصحابه، وأرادوا إخراجه من بلده. - قوله: «وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء» أي: جاءت الشياطين إلى هذا الموضع ورسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر يصلي بأصحابه، فلما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن، وقفوا واستمعوا وأنصتوا مهتمين متعجبين. وهذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بصلاة الفجر حتى في زمن مكة. وفيه أيضا: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بأصحابه صلاة الجماعة أحياناً، إذا وجد مكاناً يأمن فيه. - قوله: «فرجعوا إلى قومهم وقالوا: {يا قَومنا إنّا سَمعنا قرآناً عَجباً، يَهدي إلى الرُّشد فآمنا به ولن نُشركَ بربّنا أحداً} (الجن: 1-2). فالجن لما سمعوا القرآن تعجبوا من نظمه، ومن سياقه ومن بلاغته ومن إعجازه وعظمته، واستمعوا له وأنصتوا، ثم رجعوا إلى قومهم مبلغين وداعين إلى الله تبارك وتعالى، وهذا ظاهره أنهم أسلموا وآمنوا لما سمعوا القرآن، ودخلوا في التوحيد والإسلام، ولذلك قالوا كما ذكر الله: {يَهدي إلى الرُّشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً}. وهذا يدل على أن الجن مكلفون، وأن الله سبحانه وتعالى أرسل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الجن والإنس، كما أرسل موسى عليه السلام من قبل إلى الجن والإنس، كما في قوله تعالى: {وإذْ صَرفنا إليك نفراً من الجنّ يستمعونَ القرآن فلما حَضروه قالوا أَنصتوا فلما قُضي ولّوا إلى قومهم منذرين، قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أُنزل من بعد موسى مُصدّقاً لما بين يديه يَهدي إلى الحقّ وإلى صراطٍ مستقيم} (الأحقاف: 29-30). فهذا دليل على أن موسى عليه الصلاة والسلام رسالته أيضا تلزم الجن كما تلزم الإنس، وهكذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أيضا هو رسول الله ونبي الثقلين. وإذا كان الجن مكلفين بالإيمان فهذا يدل على أنهم يجازون بالجنان إن هم أطاعوا الرحمن، ويدخلون الجنة كما يدخلها مؤمنو الإنس، قال النووي: «واتفق العلماء على أن الجن يعذبون في الآخرة على المعاصي، قال الله تعالى {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}» انتهى. وهناك خلافٌ غير معتبر في هذه المسألة: هل يدخل مؤمن الجن ومطيعهم إلى الجنة وينعم فيها ثواباً ومجازاة لهم على طاعته أم أنه لا يدخل الجنة؟ فالصحيح: أنهم يدخلون الجنة كبقية المؤمنين، وينعمون فيها بالأكل والشرب وغيرها، وهذا قول الأكثر من أهل العلم خاصة أهل السنة والجماعة. - وهذه السورة تدل أيضا: على وجود الجن وخلقهم، فمن أنكر خلقهم ووجودهم من الفلاسفة أو غير ذلك، فقوله مردودٌ عليه، وإنكارهم تكذيبٌ للقرآن، ولا ينكر وجودهم إلا الملاحدة والدهرية، الذين ينكرون وجود كل شيء غير محسوس كالملائكة وعذاب القبر وغيره، وهم في هذا الباب كالأنعام بل هم أضل سبيلاً، فالذي لا يؤمن إلا بالمحسوس الذي يراه بعينه، أو يمسه بيده، أو يجد رائحته، أو يتذوقه بلسانه، من أضل الناس؟! فهناك أشياء كثيرة لا نراها ولا نسمعها، ولكننا نؤمن بها، ونتيقن وجودها.
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم للمنذري(47) من نوقش العمل ُعذّب اعداد: الفرقان الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا. باب: في قوله تعالى {فسوف يحاسب حساباً يسيراً} 2175. عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حُوسِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ « فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} فَقَالَ: «لَيْسَ ذَاكِ الْحِسَابُ، إِنَّمَا ذَاكِ الْعَرْضُ، مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ». الشرح: سورة الانشقاق باب في قوله تعالى {فسوف يحاسب حساباً يسيراً} وأورد فيه المنذري حديث عائشة وهو عند الإمام مسلم في كتاب صفة يوم القيامة باب إثبات الحساب. وأخرجه البخاري في العلم (103). تقول عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من ُحوسب يوم القيامة عذّب» وفي الرواية الأخرى: «من نوقش الحساب» من المناقشة وأصلها الاستخراج، ومنه نقش الشوكة إذا استخرجها. وقوله «عذب» قال القاضي عياض: «عذب» له معنيان: عذب بنفس المناقشة وعرض الذنوب وطول التوقيف عليها هو التعذيب لما فيه من التوبيخ. والثاني: أنه مفض إلى العذاب بالنار، انتهى. فالقول الأول يعني أن هذا التوبيخ والتوقيف نفسه هو عذاب له بين يدي الله تعالى، لشدته على النفس وصعوبته، والمعنى الثاني: أن من حصلت معه المناقشة، فهذا دليل على هلاكه وعذابه، كما في الرواية الأخرى: «من نوقش الحساب يوم القيامة هلك». والإمام النووي رحمه الله اختار المعنى الثاني، وهو أن من علامات هلاك العبد يوم القيامة أن يناقش بأعماله، لم فعلت كذا؟ فيرد ويدافع عن نفسه، ثم يقال له: ألم تفعل كذا؟ فيرد، فإذا حصلت هذه المناقشة مع العبد، فهذا دليل عذابه، فمن استقصى الله تعالى عليه أعماله وذكرها له، ولم يسامحه ويعفو عنه، فقد هلك ودخل النار، أما من عرضت عليه بعض ذنوبه، ولم يتكلم ويجادل وإنما هو مستحي من ربه سبحانه وتعالى، فهذا الذي يعفو الله تبارك وتعالى عنه ويغفر له، لأنه سكت واستحى من ربه ولم ينكر شيئاً مما عرض عليه. وجاء في الحديث: «أن الله سبحانه وتعالى يعرض على عبده يوم القيامة صغار ذنوبه، ويؤخر عنه كبارها، فيقال له: فعلت كذا يوم كذا وكذا، وهو يقول: أي رب، ثم يقول الله تعالى: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فعند ذلك يقول العبد: إن لي ذنوباً لا أراها هاهنا» رواه مسلم. لأن ذنوبه وسيئاته التي ذكرت له بدّلت إلى حسنات، فيطمع لو أن كل ذنوبه يراها لتتحول إلى الحسنات ويجازى بها. فهذا هو الحساب اليسير الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ، أي: السهل اللين والذي لا مناقشة فيه، ولا خصام مع الرب سبحانه وتعالى، لأن من نوقش الحساب عذب، أما هذا الذي لا يناقش تعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها الله له. قالت عائشة رضي الله عنها: أليس الله تعالى قد قال: {فسوفَ يُحاسبُ حساباً يسيراً} دليل على أن الصحابة - ومنهم أمهات المؤمنين - كانوا يراجعون النبي صلى الله عليه وسلم ، ويستفسرون منه في الأمور التي تُشكل عليهم، وأنه ما كان يتضجر منه عليه الصلاة والسلام، وأن هذا لا ينافي كمال الأدب معه صلى الله عليه وسلم . وقد وقع مثل ذلك لحفصة رضي الله عنها، فقد ورد في الحديث: أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَدخلُ النارَ أحدٌ ممن شَهِد بدراً» قالت: أليس الله يقول {وإنْ منكم إلا وَاردها} قال: « ثم قال {ثم نُنجي الذين اتقوا} الحديث. وإذا كان هذا لا ينافي الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، فمن باب أولى أنه لا يمنع مراجعة العالم والشيخ في شيء مما قاله، فإذا قال شيئا وأشكل على السامع والطالب، فانه ليس عيباً أن يستفسر منه، إذا تعارض مع شيء من الأدلة في ذهنه، ويكون ذلك بأدب وتوقير واحترام، وعدم رفع للصوت، ونحوه مما ذكره أهل العلم في آداب العالم والمتعلم، كما في كتاب السمعاني «أدب الإملاء والاستملاء» وكتاب «تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم» لابن جماعة وغيرهما. أما من سأل تعنتاً أو عناداً أو تشكيكاً، فإنه يجوز الإعراض عن سؤاله، وترك جوابه، كما قال تعالى {وأما الذينَ في قُلُوبهم زيغٌ فيتبعونَ ما تشابه منه ابتغاءَ الفتنة وابتغاءَ تأْويله} قال صلى الله عليه وسلم : «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تَشابه منه، فأولئك الذين سمّى الله فاحذروهم». وكما في قصة صبيغ مع عمر رضي الله عنه. قوله «إنما ذلك العرض» أي: عرض الأعمال على الميزان أو على الله تعالى. وورد عند الإمام أحمد وعبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه: قالت عائشة رضي الله عنها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته: «اللهم حاسبني حساباً يسيرا» فقلت: يا رسول الله، ما الحساب اليسير؟ فقال: «أن ينظرَ في كتابه فيتجاوز له عنه، إنّه مَن نُوقش الحسابَ هَلَك». بقي أن نقول: إن هذا الحديث مما استدركه الإمام الدارقطني على الإمام البخاري ومسلم، يعني أن في إسناده نظرا! لأن الحديث من رواية عبد الله بن أبي مليكة التابعي الجليل عن عائشة رضي الله عنها، وقال: إن رواية عبد الله ابن أبي مليكة عن عائشة فيها انقطاع، وذلك لأن عبد الله بن أبي مليكة روى هذا الحديث عن القاسم بن عبد الرحمن عنها، لكن قال أهل العلم: استدراك ضعيف ! لأنه محمول على أن ابن أبي مليكة سمعه من القاسم بن عبدالرحمن بن أبي بكر، يعني من ابن أخيها عنها، ثم سمعه منها فرواه بالوجهين مرة من هذا الطريق، ومرة من ذاك الطريق، وهذا له نظائر كثيرة في الأحاديث، فالحديث إذن ثابت الإسناد وصحيح، وكفاك بإخراج البخاري ومسلم له. وفي الحديث: جواز المناظرة في العلم لمعرفة الحق والصواب. وفيه: فضل عائشة رضي الله عنها وما كان عندها من الفهم لكتاب الله، والعلم به. سعي الناس مختلف سورة {والليل}باب في قوله تعالى {والذكر والأنثى} 2176. عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَدِمْنَا الشَّامَ فَأَتَانَا أَبُو الدَّرْدَاءِ فَقَالَ: أَفِيكُمْ أَحَدٌ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ أَنَا، قَالَ: فَكَيْفَ سَمِعْتَ عَبْدَ اللَّهِ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى , وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى} قَالَ: وَأَنَا وَاللَّهِ هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَؤُهَا، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ أَنْ أَقْرَأَ {وَمَا خَلَقَ} فَلَا أُتَابِعُهُمْ. الشرح: سورة الليل باب في قوله تعالى {والذَّكر والأنثى} وروى فيه حديث أبي الدرداء الذي رواه الإمام مسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب القراءات. يقول علقمة وهو ابن قيس النخعي ثقة ثبت فقيه، قال: قدمنا الشام فأتانا أبو الدرداء رضي الله عنه فقال: أفيكم أحد يقرأ على قراءة عبدالله؟ فقلت: نعم أنا «وفي رواية: قال أبو الدرداء: هل فيكم أحد من أهل العراق؟ قال علقمة: نعم أنا، قال: من أيهم؟ قال: من أهل الكوفة، قال: فكيف سمعت عبدالله يقرأ هذه الآية {والليل إذا يغشى} قال: سمعته يقرأ {والليلِ إذا يغشى, والنهارِ إذا تجلى, والذكر والأنثى} فقال أبو الدرداء: وأنا هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها، ولكن هؤلاء يريدون أن اقرأ {وما خَلقَ الذّكر والأُنثى} فلا أتابعهم. هذا الأثر عن أبي الدرداء فيه بيان لقراءة من القراءات في قوله تبارك وتعالى من سورة الليل {وما خلقَ الذكر والأنثى} فكان عبدالله بن مسعود وأبوالدرداء كما في الحديث يقرءان هذه الآية {والذكر والأنثى} دون (وما خلق) واختلف العلماء في توجيه هذه الرواية فقال المازري: يجب أن يعتقد في هذا الخبر وما في معناه أن ذلك كان قرآنا ثم نسخ ولم يعلم من خالف بالنسخ، فبقي على المنسوخ. ومعنى قوله: أن هذا كان قرآنا ثم نسخ، وهذه القراءة لم يعلم بالناسخ، فبقي على قراءته القديمة، ولا شك أن العلماء ذكروا شروطاً لقبول القراءات وهي: أولا: أن تكون متواترة، فلا تقبل رواية الآحاد من الصحابة أو غيرهم. ثانيا: يجب أن توافق مصحف عثمان الذي جمع عليه الصحابة وهو ما يسمى بالرسم العثماني. ثالثا: ألا تخالف الرسم العثماني المكتوب في المصاحف. وما كان بخلاف ذلك فهو من الشاذ من القراءات، فلا يقرأ به في الصلوات. وقال بعض أهل العلم: إن المنقول عن ابن مسعود روايات فيها مخالفة لبعض آيات المصحف، فقال بعضهم: إن ابن مسعود كان يكتب أحيانا بعض التفسير من الآيات ويراه من يقرأه فيظنه قرآنا ولهذا كان رأي عثمان رضي الله عنه وجماعة الصحابة المنع من كتابة شيء في المصحف لئلا يتطاول الزمان ويظن بعض الناس أنه قرآن، لكن الآن لما كتبت المصاحف وشاعت وذاعت وأصبح الرسم محفوظا، فانه يجوز للإنسان أن يكتب على مصحفه الخاص ما يشاء من التفسير أو البيان. وأيضا جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه. وقيل: إنه اعتقد أول الأمر أنهما نزلتا للتعويذ وليستا من القرآن، ثم بعد ذلك عاد إلى الجماعة، وأثبت المعوذتين في مصحفه، وعلى كل حال فهذا رأي لابن مسعود خالف فيه الجماعة من الصحابة، وخالف فيه ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولذا لا يؤخذ بقوله. أما قول الله تبارك وتعالى {والليلِ إذا يَغشى} فهو قسمٌ بالليل إذا غشى الوجود، وغطى الأرض بظلامه ما كان مضيئاً من ضوء النهار {والنّهار إذا تجلى} يعني: إذا ظهر النهار وانكشف وأضاء الأرض {وما خلق الذكر والأنثى} أي إن الله سبحانه وتعالى هو خالق الذكر والأنثى، وهما ضدان مختلفان، وهكذا خلق الله تعالى الليل وضده هو النهار، فالله سبحانه يمتدح بخلقه للأضداد. وقال أهل العلم: لم يذكر الله سبحانه وتعالى الخنثى المشكل، وهو الذي لا يعلم هل هو ذكر أو أنثى؟! والجواب: إن الخنثى وإن أشكل أمره عندنا، فإنه عند الله عز وجل غير مشكل، بل هو معلوم بالذكورة أو الأنوثة. ومن المسائل في ذلك: أن من حلف على ألا يكلم ذكرا أو أنثى، فإذا كلم خنثي هل يحنث أم لا؟ قالوا: يحنث لأنه إما أن يكون ذكرا أو أن يكون أنثى، فلا يوجد جنس ثالث كما يقولون اليوم؟! إنما هناك تشبه من الرجال بالنساء، ومن فعل ذلك فهو ملعون مطرود من رحمة الله سبحانه وتعالى، فمن تعمد التشبه في بالنساء بالحركات أو الأقوال أو المشية، فهذا والعياذ بالله ملعون على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك المرأة إذا تشبهت بالرجال، أو ما يسمى: بالرجلة من النساء! فهي أيضاً ملعونة مطرودة من رحمة الله عز وجل، كما جاء في الأحاديث، إلا من تاب وآمن واستقام، لأن الله سبحانه وتعالى لم يخلق من ذوي الأرواح إلا من هو ذكرٌ أو أنثى، ولا يوجد شيء ثالث، ومن فعل فهو تغيير لخلق الله، وطاعة للشيطان القائل {ولآمرنّهم فليُغيرن خلق الله} (النساء). وأيضا قال الله تبارك وتعالى {يَهبُ لمن يَشاء إناثاً ويهب لمن يشاءُ الذكور, أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً} ولم يذكر نوعاً ثالثاً. وهذا القسم وهو {والليل إذا يغشى, والنهار إذا تجلى , وما خلق الذكر والأنثى} وهذا كله قسم من عند الله عز وجل بهذه الأمور، ثم جواب القسم قول الله تبارك وتعالى {إنّ سعيكم لَشَتى} هذا هو المقسم عليه، والسعي هو الكسب والعمل، أي: إن سعيكم أيها المكلفون لمتفاوت تفاوتاً عظيماً، فمن الناس من يكون عمله موصلاً له إلى الجنة، بالإخلاص والمتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام، والهمة العالية والنشاط، ومنهم من يكون عمله إلى النار، بالشرك والرياء، والبدع والمنكرات والآثام، فسعي الناس شتى يعني متنوع ومختلف، وقد فسره الله تعالى بعد ذلك وفصّله بقوله {فأما مَن أَعطى واتقى, وصَدّق بالحسنى, فسنُيسره للحسنى, وأما من بخل واستغنى, وكذّب بالحسنى, فسنيسره للعُسرى} وهو كله وصف لأعمال العاملين وسعيهم. وفقنا الله جميعا للعلم النافع، والعمل الصالح، إنه سميع مجيب.
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم – (33) حادثة الإفــك ( 3 ) اعداد: الفرقان الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. والحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة ونورا للمؤمنين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا. مع الحلقة الثالثة في شرح « حديث الإفك» وما جرى لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن أبيها فيها.قولها : « فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها « المرط : هو الثوب الطويل أو الدرع الذي تلبسه المرأة، وعادة يكون من الصوف، وقد يكون من غيره، فلما عثرت قالت : تعس مسطح، وتعس دعاءٌ عليه بالتعاسة، والتعاسة هي الشر، وقيل : الهلاك، وقيل : سقط على وجهه، فلما سمعت عائشة رضي الله عنها هذا القول، قالت لها : « بئس ما قلت؟! أتسبين رجلا قد شهد بدرا ؟!». وهذا من حسن أدبها، وأمرها بالمعروف، ونهيها عن المنكر رضي الله عنها وأرضاها، أي: كيف تقولين تعس مسطح وتسبينه؟! وهو دعاء عليه من أمه إذ تدعو عليه بالتعاسة وعدم التوفيق، والأمر الآخر : أنه رجل قد شهد بدرا، ومن شهد بدرا من الصحابة له منزلة خاصة عندهم، كما جاء في الحديث الصحيح : أن جبريل عليه الصلاة والسلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم : «ما تعدون من شهد بدرا منكم؟» قال : « ذلك من أفاضل أصحابنا» فقال: «كذلك من شهد بدرا من الملائكة»، وهذا يدل على عظم الحسنة لمن شهد بدرا، فمن شهد بدرا فقد أتى حسنة عظيمة. وكذا ورد في حديث حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه لما أفشى شيئا من سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له عمر : يا رسول الله، دعني أضرب عنقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « إنه قد شهد بدرا؟ وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» فدمعت عينا عمر رضي الله عنه. أي : من كان شهد بدراً، فإنه مهما عمل من سيئات بعدها، لم تضره، سبحان الله! فمثله كمثل من كان عنده ملايين الأموال، وخسر ألفا أو ألفين أو ثلاثة أيضره ذلك؟! لا يضره. أما نحن فالذنوب اليسيرة تؤثر فينا؛ لأن الحسنات عندنا قليلة، كمثل الإنسان الذي يعيش على راتبه القليل، فلو حصل له أي أزمة مالية لتأثر. قولها: « فقالت أي هنتاه» هذه كلمة تقال للأنثى، ومعناها : يا هذه أو يا امرأة، وكأنها تقول لها : أنت لا تدرين عن شيء، لا تدرين عن مكائد الناس وشرورهم، أو تقول لعائشة: أما بلغك ما حصل؟ قولها: « قلت : وماذا قال؟» لأنها لم تكن تدري ما أشاعه المنافقون عنها وروجوا له، حتى راج على بعض المؤمنين الغافلين؛ لأن مسطحا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وممن شهد بدرا، فليس هو من المنافقين، ولكن كما قلنا وقع ذلك عن غفلة وسهو منه. وهذا فيه تنبيهٌ على أن أهل الشر قد ينصبون حبالهم فيقع فيها بعض المؤمنين، لا عن عمد، ولا كراهية لله ورسوله، ولا رغبة في المعصية، وإنما بغفلة، وهذا ما حصل في هذه الحادثة، فأهل النفاق كانوا يروجون لهذا الإفك والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أهل بيته، فوقع فيه بعض المؤمنين مثل مسطح بن أثاثه ابن خالة أبي بكر، ووقع في ذلك أيضا -كما قال أهل التفسير وأهل السير - : حسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش وجماعة من المؤمنين الذين جلدهم النبي صلى الله عليه وسلم حدّ القذف، بعد أن نزلت براءة عائشة رضي الله عنها من السماء، وقد تابوا إلى الله سبحانه وتعالى بعد ذلك وحسنت توبتهم، ومن أعظمهم توبة حسان بن ثابت ]، الذي كان بعدها ينافح عن رسول الله [، ويدافع عنه وعن عرضه وعن أهل بيته، بل عن دينه وعن كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم ينصب له منبراً في مسجده الشريف، فينشد فيه الأشعار التي فيها الدفاع عن الإسلام، وعن رسول الإسلام وعن الدين والإيمان، والشعر كما تعلمون سلاح عظيم في ذلك الزمن، وهكذا الكلمة التي تبنى على العلم والحكمة والمعرفة، لها أثر عظيم في الناس اليوم، وهي أشد من أثر السلاح والسهام، كما قال صلى الله عليه وسلم لحسان : « هَاجِهم ورُوحُ القُدُس معك، فَوالذي نفسي بيده لكأنما ما تَرميهم به رَشَق النَّبل» متفق عليه. يعني: كانت قصائد حسان أشد على المشركين من رشق النبل، أي رشق السهام، وهذا تعظيم لدور الإعلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فالشعر كان كوكالة الأنباء أو الصحيفة التي تنشر فيها الأخبار في الجزيرة العربية، والشاعر بقصيدة منه يستطيع أن يرفع قومه إلى السماء، ويمكن أن يهجو قوماً فيلحقهم بأراذل الخلق. وهكذا سلاح الإعلام في هذا العصر سلاح خطير؛ ولذلك أعداء الله اليهود انتبهوا إلى ذلك، فامتلكوا وسائل الإعلام تقريبا في العالم كله، وتدخلوا حتى في الإعلام العربي والإسلامي إلا القليل منه، وهكذا أشباههم من أعداء الأمة، والمفسدون في الأرض. قولها: « أخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي» لأنها لا تزال ناقهة، خرجت للتو من المرض، تقول: « فلما رجعت إلى بيتي فدخل علي رسول صلى الله عليه وسلم فسلم ثم قال: كيف تيكم؟ « قلت : أتأذن لي أن آتي أبويّ» أي: تأذن لي أن أزور أبوي وأذهب إليهما. قالت : «وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما» أي أنا أريد بهذه الزيارة أن أستوثق وأتيقن من الخبر الذي سمعته من أم مسطح، بشان الإفك والكذب الذي أشاعه عني المنافقون، قالت : فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه، ما يتحدث الناس؟ قالت: يا بنيه هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأةٌ قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها» «وضيئة» على وزن «عظيمة»، أي جميلة، من الوضاءة، والوضاءة: الحسن والجمال، وهكذا كانت عائشة رضي الله عنها، ووقع في رواية: « لقلما كانت امرأة حظية» من الحظ وهو الوجاهة وارتفاع المنزلة، وضرائر جمع ضرّة وهي زوجة الرجل الأخرى، فزوجات الرجل ضرائر؛ لأن كل واحدة تتضرر بالأخرى، بالغيرة وبالقسم في البيات وما أشبه ذلك، ومعنى أكثرن أي أكثرن من القول في عيبها وتنقصها. قالت: «قلت: سبحان الله»؟! وقد تحدث الناس بهذا؟» أي كانت صدمة عظيمة لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، ما كانت تتصور أن الناس يمكن أن يقولوا في عرضها ما قالوا، وأن يتجرأوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته هذه الجرأة العظيمة. تقول: «فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم» لا يرقأ أي: لا ينقطع دمعها، تقول جرح لا يرقأ، أي ينزف ولا يقف دمه، ولا أكتحل بنوم أي بسبب شدة الكرب والهم والغم طار النوم عنها، وأوجب لها السهر والبكاء . قولها : « ثم أصبحت أبكي، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله» أي إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أبطأ عليه الوحي، ولم ينزل عليه فيها شيء، دعا بعض خاصته ومن هو قريب منه، فدعا علياً رضي الله عنه وهو صهره وابن عمه، وأسامة بن زيد رضي الله عنهما وهو حِبه، أي من أحب الناس إليه، هو وأبوه رضي الله عنهما، يستشيرهما في فراق أهله، أي : أيفارق عائشة رضي الله عنها أم لا ؟ بسبب الكلام الحاصل بين الناس فيها وما يشيعه عنها أهل النفاق بما هي بريئة منه، كما برأها الله عز وجل. قالت : «فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يعلم من براءة أهله» هو لا يعلم عنهم إلا كل خير، فيعلم أنهم برآء مما قيل فيهم، والأصل أن الإنسان بريء، وأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، أي حتى تقوم الأدلة على أنه مدان، وأنه فعل الجريمة، وإلا فالأصل البراءة. قولها: « فأخبر أسامة بما يعلم من براءة عائشة رضي الله عنها، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود والمحبة» أي إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكن لعائشة من الودّ والمحبة ما الله به عليم، وكان الصحابة يعرفون ذلك، حتى إنه عليه الصلاة والسلام لما سُئل : من أحب الناس إليك؟ قال : «عائشة» رواه البخاري؛ أو إن المقصود بقوله «بالذي يعلم في نفسه لهم من الود « هو أسامة، فأسامة كان يجل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ويعرف لها فضلها ومنزلته؛ لذلك قال: « يا رسول الله هم أهلك» أي مجرد أن تضاف عائشة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا يكفي في عفتها؛ ولذلك قال: هم أهلك، أي إذا كانت تضاف إلى بيت النبوة، وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم زوجة وحليلة، فما هو الظن اللائق بها رضي الله عنها وأرضاها إلا العفة والطهر والنقاء، والبعد عن مثل هذه القاذورات؟! « ولا نعلم إلا خيراً» أي: ونحن لا نعلم عنها رضي الله عنها إلا كل خير. وأما علي ] فقال: «لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير» علي ] لما رأى شدة كرب النبي صلى الله عليه وسلم بسبب هذا الأمر وتكدر خاطره منه، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما ضيق الله عليك في النساء، إن أحببت أن تفارقها فالنساء غيرها كثير، أراد بذلك أن يفرج عن النبي صلى الله عليه وسلم ويخفف عنه، وأن الأمر ليس بمستغلق، بل لك أن تفارقها وأن تتزوج غيرها، ولم يقصد بذلك سوءا، ولم يكن يضمر شيئا لعائشة رضي الله عنها، لكن عليا ] أراد أن يشير على النبي صلى الله عليه وسلم بشيء فيه تخفيف وتفريج لكربته. قوله: « وإن تسأل الجارية تصدقك» أي إذا سألت الجارية التي تخدم عائشة وتلازمها صباح مساء تصدقك القول؛ لأنها قريبة منها بحكم المخالطة اليومية للخدمة، والإنسان يستطيع أن يتعرف عليك وعلى محاسنك وعيوبك وطبائعهم، ويعرف مدخلك ومخرجك من خلال ذلك. ومن البلاء المستطير اليوم وجود بعض الخدم بيننا الذين لا يتقون الله تعالى، فيعرفون أسرار البيوت التي يعملون بها، وإذا ما التقوا فيما بينهم تناقلوا أسرار البيوت، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ لأن هؤلاء لا يعرفون الآداب الشرعية، ولا يراعون حرمات البيوت فينقلون الأسرار العائلية حتى تصل إلى آخر الحي! وربما كان الخادم سببا لوصول الشر إلى أهل البيت، فيسهل مثلا للسراق واللصوص، أو يسهل لأهل الفاحشة، بحكم معرفته لأهل البيت وأسرارهم، فإنه يطلع على ما لا يطلع عليه غيره؛ ولهذا قال علي ]: وإن تسأل الجارية تصدقك، أي لأنها تعرف عنها ما لا نعرفه نحن. قالت: «فدعا رسول الله [ بريرة» وبريرة جارية أعتقتها عائشة رضي الله عنها وصار لها الولاء عليها، أي أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بكلام علي ] وإشارته فدعاها، فقال: «أي بريرة، هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟» يَريبك ويُريبك بضم الياء وفتحها كلاهما جائز، أي: هل رأيت من شيء فيه ريبة أو شك؟ قالت بريرة: «والذي بعثك بالحق، إن رأيت عليها أمرا قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله» تقول بريرة: أقسم بالله الذي بعث رسول الله [ بالحق، إن رأيت، أي ما عليها أمرا قط، أما الأمر الذي أغمصه عليها، أي أراه نقصا في حقها، أو أراه خطأ يحصل منها، أنها هي جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها، أي تعجن العجين ثم يغلبها النوم فتأتي الداجن فتأكله، والداجن: هي الشاة التي يربيها الناس في البيوت لأجل الدر والحليب، ولا تخرج للمرعى فتكون من دواجن البيت. فالعيب الذي كانت تراه على عائشة هو هذا، أن عائشة قد تغفل أو تنام عن بعض تدبير أمور البيت من الطبخ والعجن وما أشبه ذلك بسبب صغر سنها. يتبع
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 19-12-2024 الساعة 05:50 AM. |
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |