تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد - الصفحة 9 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الموسوعة التاريخية ___ متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 459 - عددالزوار : 66575 )           »          المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 306 - عددالزوار : 1948 )           »          وكونوا عباد الله إخوان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          العمل الصالح تجرد وتضحية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 40 )           »          قلبٌ وقلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 81 - عددالزوار : 27991 )           »          حدث في الخامس عشر من ذي القعدة سنة 5 هـ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 27 )           »          خواطرفي سبيل الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 76 - عددالزوار : 29370 )           »          وكذلك جعلناكم أمةٌ وسطا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          دروس من واقع دولة المدينة ( دراسة في الإجراءات والتطبيقات ) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          الاستشراف النبوي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التسجيل التعليمـــات التقويم

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 18-02-2022, 12:22 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,416
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ آَلِ عِمْرَانَ
الحلقة (84)
صــ441 إلى صــ 445

لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون .

قوله تعالى: (لن يضروكم إلا أذى) قال مقاتل: سبب نزولها أن رؤساء اليهود عمدوا إلى عبد الله بن سلام وأصحابه فآذوهم لإسلامهم ، فنزلت هذه الآية . قال ابن عباس: والأذى قولهم: عزير ابن الله [ التوبة: 30 ] و المسيح ابن الله التوبة: 30 و ثالث ثلاثة [ المائدة: 73 ] . وقال الحسن: [ ص: 441 ] هو الكذب على الله ، ودعاؤهم المسلمين إلى الضلالة . وقال الزجاج: هو البهت والتحريف . ومقصود الآية: إعلام المسلمين بأنه لن ينالهم منهم إلا الأذى باللسان من دعائهم إياهم إلى الضلال ، وإسماعهم الكفر ، ثم وعدهم النصر عليهم في قوله: (وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار) .
ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون .

قوله تعالى: (أين ما ثقفوا) معناه: أدركوا ووجدوا ، وذلك أنهم أين نزلوا احتاجوا إلى عهد من أهل المكان ، وأداء جزية . قال الحسن: أدركتهم هذه الأمة ، وإن المجوس لتجبيهم الجزية . وأما الحبل ، فقال ابن عباس ، وعطاء ، والضحاك ، وقتادة ، والسدي ، وابن زيد: الحبل: العهد ، قال بعضهم: ومعنى الكلام: إلا بعهد يأخذونه من المؤمنين بإذن الله . قال الزجاج: وما بعد الاستثناء في قوله تعالى: (إلا بحبل من الله) ليس من الأول ، وإنما المعنى: أنهم أذلاء ، إلا أنهم يعتصمون بالعهد إذا أعطوه . وقد سبق في "البقرة" تفسير باقي الآية .
ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون .

قوله تعالى: (ليسوا سواء) ، في سبب نزولها قولان .

أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم ، احتبس عن صلاة العشاء ليلة حتى ذهب ثلث الليل ، [ ص: 442 ] ثم جاء فبشرهم ، فقال: "إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب" فنزلت هذه الآية ، قاله ابن مسعود .

والثاني: أنه لما أسلم ابن سلام في جماعة من اليهود ، قال أحبارهم: ما آمن بمحمد إلا أشرارنا ، فنزلت هذه الآية ، قاله ابن عباس ، ومقاتل . وفي معنى الآية قولان .

أحدهما: ليس أمة محمد واليهود سواء ، هذا قول ابن مسعود ، والسدي .

والثاني: ليس اليهود كلهم سواء ، بل فيهم من هو قائم بأمر الله ، هذا قول ابن عباس ، وقتادة . وقال الزجاج: الوقف التام (ليسوا سواء) أي: ليس أهل الكتاب متساوين . وفي معنى "قائمة" ثلاثة أقوال .

أحدها: أنها الثابتة على أمر الله ، قاله ابن عباس ، وقتادة .

والثاني: أنها العادلة ، قاله الحسن ، ومجاهد ، وابن جريج .

والثالث: أنها المستقيمة ، قاله أبو عبيد ، والزجاج . قال الفراء: ذكر أمة واحدة ولم يذكر بعدها أخرى ، والكلام مبني على أخرى ، لأن "سواء" لا بد لها من اثنين ، وقد تستجيز العرب إضمار أحد الشيئين إذا كان في الكلام دليل عليه . قال أبو ذؤيب:


عصيت إليها القلب إني لأمره سميع فما أدري أرشد طلابها؟!
[ ص: 443 ] ولم يقل: أم لا ، ولا أم غي ، لأن الكلام معروف المعنى .

وقال آخر:


وما أدري إذا يممت أرضا أريد الخير أيهما يليني


أألخير الذي أنا أبتغيه أم الشر الذي هو يبتغيني


ومثله قوله تعالى: أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما [ الزمر: 9 ] ولم يذكر ضده ، لأن في قوله: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون [ الزمر: 9 ] . دليلا على ما أضمر من ذلك ، وقد رد هذا القول الزجاج ، فقال: قد جرى ذكر أهل الكتاب في قوله تعالى: كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق فأعلم الله أن منهم أمة قائمة . فما الحاجة إلى أن يقال: وأمة غير قائمة؟ وإنما بدأ بذكر فعل الأكثر منهم ، وهو الكفر والمشاقة فذكر من كان منهم مباينا لهؤلاء . قال: و"آناء الليل" ساعاته ، وواحد الآناء: إني . قال ابن فارس: يقال: مضى من الليل إني ، وإنيان ، والجمع: الآناء . واختلف المفسرون . هل هذه الآناء معينة من الليل أم لا؟ على قولين .

أحدهما: أنها معينة ، ثم فيها ثلاثة أقوال .

أحدها: أنها صلاة العشاء ، قاله ابن مسعود ، ومجاهد .

والثاني: أنها ما بين المغرب والعشاء ، رواه سفيان عن منصور .

والثالث: جوف الليل ، قاله السدي .

[ ص: 444 ] . والثاني: أنها ساعات الليل من غير تعيين ، قاله قتادة في آخرين .

وفي قوله تعالى: (وهم يسجدون) ، قولان .

أحدهما: أنه كناية عن الصلاة ، قاله مقاتل ، والفراء ، والزجاج .

والثاني: أنه السجود المعروف ، وليس المراد أنهم يتلون في حال السجود ، ولكنهم جمعوا الأمرين ، التلاوة والسجود .
يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين .

قوله تعالى: (وما يفعلوا من خير فلن يكفروه) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم: تفعلوا ، وتكفروه ، بالتاء في الموضعين على الخطاب ، لقوله تعالى: (كنتم خير أمة) . قال قتادة: فلن تكفروه: لن يضل عنكم . وقرأ قوم ، منهم حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، وعبد الوارث عن أبي عمرو: يفعلوا ، ويكفروا ، بالياء فيهما ، إخبارا عن الأمة القائمة . وبقية أصحاب أبي عمرو يخيرون بين الياء والتاء .
إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون .

قوله تعالى: (مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا) اختلفوا فيمن أنزلت على أربعة أقوال .

[ ص: 445 ] أحدها: أنها في نفقات الكفار ، وصدقاتهم ، قاله مجاهد .

والثاني: في نفقة سفلة اليهود على علمائهم ، قاله مقاتل .

والثالث: في نفقة المشركين يوم بدر .

والرابع: في نفقة المنافقين إذا خرجوا مع المسلمين لحرب المشركين ، ذكر هذين القولين أبو الحسن الماوردي . وقال السدي: إنما ضرب الإنفاق مثلا لأعمالهم في شركهم . وفي الصر ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه البرد ، قاله الأكثرون .

والثاني: أنه النار ، قاله ابن عباس ، وقال ابن الأنباري: وإنما وصفت النار بأنها صر لتصويتها عند الالتهاب .

والثالث: أن الصر: التصويت ، والحركة من الحصى والحجارة ، ومنه: صرير النعل ، ذكره ابن الأنباري . والحرث: الزرع . وفي معنى "ظلموا أنفسهم" قولان .

أحدهما: ظلموها بالكفر ، والمعاصي ، ومنع حق الله تعالى .

والثاني: بأن زرعوا في غير وقت الزرع .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 18-02-2022, 12:23 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,416
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ آَلِ عِمْرَانَ
الحلقة (85)
صــ446 إلى صــ 450

قوله تعالى: (وما ظلمهم الله) قال ابن عباس: أي: ما نقصهم ذلك بغير جرم أصابوه ، وإنما أنزل بهم ذلك لظلمهم أنفسهم بمنع حق الله منه ، وهذا مثل ضربه الله لإبطال أعمالهم في الآخرة وحدثنا عن ثعلب ، قال: بدأ الله تعالى هذه الآية بالريح ، والمعنى: على الحرث ، كقوله تعالى: كمثل الذي ينعق بما لا يسمع وإنما المعنى على المنعوق به . وقريب منه قوله تعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن فخبر عن "الأزواج" وترك "الذين" كأنه قال: أزواج الذين يتوفون منكم يتربصن ، فبدأ بالذين ، ومراده: بعد الأزواج . وأنشد:

[ ص: 446 ]
لعلي إن مالت بي الريح ميلة على ابن أبي ديان أن يتندما


فخبر عن ابن أبي ديان ، وترك نفسه ، وإنما أراد: لعل ابن أبي ديان أن يتندما إن مالت بي الريح ميلة . وقد يبدأ بالشيء ، والمراد التأخير ، كقوله تعالى: ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة [ الزمر:60 ] والمعنى: ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة يوم القيامة .
يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون .

قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم) قال ابن عباس ، ومجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين ، ويواصلون رجالا من اليهود لما كان بينهم من القرابة ، والصداقة ، والجوار ، والرضاع ، والحلف ، فنهوا عن مباطنتهم . قال الزجاج: البطانة: الدخلاء الذين يستبطنون [أمره ] وينبسط إليهم ، يقال: فلان بطانة لفلان ، أي: مداخل له ، مؤانس . ومعنى لا يألونكم: لا يتقون غاية في إلقائكم فيما يضركم .

قوله تعالى: (ودوا ما عنتم) أي: ودوا عنتكم ، وهو ما نزل بكم من مكروه وضر ، يقال: فلان يعنت فلانا ، أي: يقصد إدخال المشقة والأذى عليه ، وأصل هذا من قولهم: أكمة عنوت ، إذا كانت طويلة ، شاقة المسلك . قال ابن قتيبة: ومعنى (من دونكم) أي: من غير المسلمين . والخبال: الشر .

قوله تعالى: (قد بدت البغضاء من أفواههم) قال ابن عباس: أي: قد ظهر لكم منهم [ ص: 447 ] الكذب ، والشتم ، ومخالفة دينكم . قال القاضي أبو يعلى: وفي هذه الآية دلالة على أنه لا يجوز الاستعانة بأهل الذمة في أمور المسلمين من العمالات والكتبة ، ولهذا قال أحمد: لا يستعين الإمام بأهل الذمة على قتال أهل الحرب . وروي عن عمر أنه بلغه أن أبا موسى استكتب رجلا من أهل الذمة ، فكتب إليه يعنفه ، وقال: لا تردوهم إلى العز بعد إذ أذلهم الله .
ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور .

قوله تعالى: (ها أنتم أولاء تحبونهم) قال ابن عباس: كان عامة الأنصار يواصلون اليهود ويواصلونهم: فلما أسلم الأنصار بغضهم اليهود ، فنزلت هذه الآية . والخطاب بهذه الآية للمؤمنين . قال ابن قتيبة: ومعنى الكلام: ها أنتم يا هؤلاء . فأما "تحبونهم" فالهاء والميم عائدة إلى الذين نهوا عن مصافاتهم . وفي معنى محبة المؤمنين لهم أربعة أقوال .

أحدها: أنها الميل إليهم بالطباع ، لموضع القرابة ، والرضاع ، والحلف ، وهذا المعنى منقول عن ابن عباس .

والثاني: أنها بمعنى الرحمة لهم ، لما يفعلون من المعاصي التي يقابلها العذاب الشديد ، وهذا المعنى منقول عن قتادة .

والثالث: أنها لموضع إظهار المنافقين الإيمان ، روي عن أبي العالية .

والرابع: أنها بمعنى إرادة الإسلام لهم ، وهم يريدون المسلمين على الكفر ، وهذا قول المفضل ، والزجاج . والكتاب: بمعنى الكتب ، قاله الزجاج .

[ ص: 448 ] قوله تعالى: (وإذا لقوكم قالوا آمنا) هذه حالة المنافقين ، وقال مقاتل: هم اليهود . والأنامل: أطراف الأصابع . قال ابن عباس: والغيظ: الحنق عليكم ، وقيل: هذا من مجاز الكلام ، ضرب مثلا لما حل بهم ، وإن لم يكن هناك عض على أنملة ، ومعنى "موتوا بغيظكم": ابقوا به حتى تموتوا ، وإنما كان غيظهم من رؤية شمل المسلمين ملتئما . قال ابن جرير: هذا أمر من الله تعالى لنبيه أن يدعو عليهم بأن يهلكهم الله كمدا من الغيظ .
إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط .

قوله تعالى: (إن تمسسكم حسنة) قال قتادة: وهي الألفة والجماعة . والسيئة: الفرقة والاختلاف ، وإصابة طرف من المسلمين . وقال ابن قتيبة: الحسنة: النعمة . والسيئة: المصيبة .

قوله تعالى: (وإن تصبروا) فيه قولان . أحدهما: على أذاهم ، قاله ابن عباس .

والثاني: على أمر الله ، قاله مقاتل .

وفي قوله تعالى: (وتتقوا) قولان .

أحدهما: الشرك ، قاله ابن عباس . والثاني: المعاصي ، قاله مقاتل .

قوله تعالى: (لا يضركم) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، " يضركم " بكسر الضاد ، وتخفيف الراء . وقرأ عاصم ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي: " لا يضركم " بضم الضاد وتشديد الراء . قال الزجاج: الضر والضير بمعنى واحد . فأما الكيد فقال ابن قتيبة: هو المكر . قال أبو سليمان الخطابي: والمحيط: الذي أحاطت قدرته بجميع خلقه ، وأحاط علمه بالأشياء كلها .
وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم
[ ص: 449 ] قوله تعالى: (وإذ غدوت من أهلك) قال المفسرون: في هذا الكلام تقديم وتأخير ، تقديره: ولقد نصركم الله ببدر ، وإذ غدوت من أهلك . وقال ابن قتيبة: تبوئ ، من قولك: بوأتك منزلا: إذا أفدتك إياه ، أو أسكنتكه . ومعنى مقاعد للقتال: المعسكر والمصاف . واختلفوا في أي يوم كان ذلك ، على ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه يوم أحد ، قاله عبد الرحمن بن عوف ، وابن مسعود ، وابن عباس ، والزهري ، وقتادة ، والسدي ، والربيع ، وابن إسحاق ، وذلك أنه خرج يوم أحد من بيت عائشة إلى أحد ، فجعل يصف أصحابه للقتال . والثاني: أنه يوم الأحزاب ، قاله الحسن ، ومجاهد ، ومقاتل .

والثالث: يوم بدر ، نقل عن الحسن أيضا . قال ابن جرير: والأول أصح ، لقوله تعالى: إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا وقد اتفق العلماء أن ذلك كان يوم أحد .

قوله تعالى: (والله سميع عليم) قال أبو سليمان الدمشقي: سميع لمشاورتك إياهم في الخروج ، ومرادهم للخروج ، عليم بما يخفون من حب الشهادة .
إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون .

قوله تعالى: (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا) قال الزجاج: كانت التبوئة في ذلك الوقت . وتفشلا: تجبنا ، وتخورا . (والله وليهما) ، أي: ناصرهما . قال جابر بن عبد الله: نحن هم بنو سلمة ، وبنو حارثة ، وما نحب أن لو لم يكن ذلك لقول الله: (والله وليهما) . وقال الحسن هما طائفتان من الأنصار همتا بذلك ، فعصمهما الله . وقيل: لما رجع عبد الله بن أبي في أصحابه يوم أحد ، همت الطائفتان باتباعه ، فعصمهما الله .

[ ص: 450 ] فصل

فأما التوكل فقال ابن عباس: هو الثقة بالله . وقال ابن فارس: هو إظهار العجز [في الأمر ] ، والاعتماد على غيرك ، ويقال: فلان وكلة تكلة ، أي: عاجز ، يكل أمره إلى غيره . وقال غيره: هو "تفعل" من الوكالة ، يقال: وكلت أمري إلى فلان فتوكل به ، أي: ضمنه ، وقام به ، وأنا متوكل عليه . وقال بعضهم: هو تفويض الأمر إلى الله ثقة بحسن تدبيره .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 18-02-2022, 12:23 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,416
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ آَلِ عِمْرَانَ
الحلقة (86)
صــ451 إلى صــ 455

ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون .

قوله تعالى: ولقد نصركم الله ببدر في تسمية بدر قولان .

أحدهما: أنها بئر لرجل اسمه بدر ، قاله الشعبي .

والثاني: أنه اسم للمكان الذي التقوا عليه ، ذكره الواقدي عن أشياخه .

قوله تعالى: (وأنتم أذلة) أي: لقلة العدد والعدد . (لعلكم تشكرون) ، أي: لتكونوا من الشاكرين .
إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين .

قوله تعالى: (إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم) قال الشعبي: قال كرز بن جابر لمشركي مكة: إني أمدكم بقومي ، فاشتد ذلك على المسلمين ، فنزلت هذه الآية . وفي أي يوم كان ذلك؟ فيه قولان .

أحدهما: يوم بدر ، قاله ابن عباس ، وعكرمة ، ومجاهد ، وقتادة ، [ ص: 451 ] . والثاني: يوم أحد ، وعدهم فيه بالمدد إن صبروا ، فلما لم يصبروا ، لم يمدوا ، روي عن عكرمة ، والضحاك ، ومقاتل ، والأول أصح . والكافية: مقدار سد الخلة . والاكتفاء: الاقتصار على ذلك . والإمداد: إعطاء الشيء بعد الشيء .

قوله تعالى: (منزلين) قرأ الأكثرون بتخفيف الزاي ، وشددها ابن عامر .
بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين .

قوله تعالى: (ويأتوكم من فورهم) هذا فيه قولان .

أحدهما: أن معناه: من وجههم وسفرهم هذا ، قاله ابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، ومقاتل ، والزجاج .

والثاني: من غضبهم هذا ، قاله عكرمة ، ومجاهد ، والضحاك في آخرين . قال ابن جرير: من قال: من وجههم ، أراد ابتداء مخرجهم يوم بدر ، ومن قال: من غضبهم ، أراد ابتداء غضبهم لقتلاهم يوم بدر . وأصل الفور: ابتداء الأمر يؤخذ فيه ، يقال: فارت القدر: إذا ابتدأ ما فيها بالغليان ، ثم اتصل . وقال ابن فارس: الفور: الغليان ، يقال: فارت القدر تفور ، وفار غضبه: إذا جاش ، ويقولون: فعله من فوره ، أي: قبل أن يسكن .

[ ص: 452 ] وفي يوم فورهم قولان .

أحدهما: أنه يوم بدر ، قاله قتادة .

والثاني: يوم أحد ، قال مجاهد ، والضحاك ، كانوا غضبوا يوم أحد ليوم بدر مما لقوا .

قوله تعالى: (مسومين) قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وعاصم بكسر الواو ، والباقون بفتحها ، فمن فتح الواو ، أراد أن الله سومها ، ومن كسرها ، أراد أن الملائكة سومت أنفسها . وقال الأخفش: سومت خيلها ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم بدر: "سوموا فإن الملائكة قد سومت" ونسب الفعل إليها ، فهذا دليل الكسر . قال ابن قتيبة: ومعنى مسومين: معلمين بعلامة الحرب ، وهو من السيماء [مأخوذ ] ، والسومة: العلامة التي يعلم بها الفارس نفسه . قال علي رضي الله عنه: وكان سيماء خيل الملائكة يوم بدر ، الصوف الأبيض في أذنابها ونواصيها . وقال أبو هريرة: العهن الأحمر . وقال مجاهد: كانت أذناب خيولهم مجزوزة ، وفيها العهن . وقال هشام بن عروة: كانت الملائكة على خيل بلق ، وعليهم عمائم صفر . وروى ابن عباس عن رجل من بني غفار قال: حضرت أنا وابن عم لي بدرا ، ونحن على شركنا ، فأقبلت سحابة ، فلما دنت من الخيل سمعنا فيها حمحمة الخيل ، وسمعنا فارسا يقول: اقدم حيزوم ، فأما صاحبي فمات مكانه ، وأما أنا فكدت أهلك ، ثم انتعشت . وقال أبو داود المازني: إني لأتبع يوم بدر رجلا من المشركين لأضربه ، [ ص: 453 ] فوقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي ، فعرفت أن غيري قد قتله .

وفي عدد الملائكة يوم بدر خمسة أقوال .

أحدها: خمسة آلاف ، قاله الحسن . وروى جبير بن مطعم عن علي رضي الله عنه ، قال: بينا أنا أمتح من قليب بدر ، جاءت ريح شديدة لم أر أشد منها ، ثم جاءت ريح شديدة لم أر أشد منها إلا التي كانت قبلها ، ثم جاءت ريح شديدة لم أر أشد منها ، فكانت الريح الأولى جبريل نزل في ألفين من الملائكة ، وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت الريح الثانية ميكائيل نزل في ألفين من الملائكة عن يمين رسول الله ، وكانت الريح الثالثة إسرافيل نزل في ألف من الملائكة عن يسار رسول الله ، وكنت عن يساره ، وهزم الله أعداءه .

والثاني: أربعة آلاف ، قاله الشعبي . والثالث: ألف ، قاله مجاهد .

والرابع: تسعة آلاف ، ذكره الزجاج .

[ ص: 454 ] . والخامس: ثمانية آلاف ، ذكره بعض المفسرين .
وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم .

قوله تعالى: (وما جعله الله) يعني المدد (إلا بشرى) ، أي: إلا بشارة تطيب أنفسكم ، (ولتطمئن قلوبكم به) ، فتسكن في الحرب ، ولا تجزع ، والأكثرون على أن هذا المدد يوم بدر . وقال مجاهد: يوم أحد ، وروي عنه ما يدل على أن الله أمدهم في اليومين بالملائكة جميعا ، غير أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر .

قوله تعالى: (وما النصر إلا من عند الله) أي: ليس بكثرة العدد والعدد .
ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين .

قوله تعالى: (ليقطع طرفا) معناه: نصركم ببدر ليقطع طرفا . قال الزجاج: أي: ليقتل قطعة منهم . وفي أي يوم كان ذلك فيه قولان .

أحدهما: في يوم بدر ، قاله الحسن ، وقتادة ، والجمهور .

والثاني: يوم أحد ، قتل منهم ثمانية وعشرون ، قاله السدي .

قوله تعالى: (أو يكبتهم) فيه سبعة أقوال .

أحدها: أن معناه: يهزمهم ، قاله ابن عباس ، والزجاج .

والثاني: يخزيهم ، قاله قتادة ، ومقاتل .

والثالث: يصرعهم ، قاله أبو عبيد ، واليزيدي . وقال الخليل: هو الصرع على الوجه .

والرابع: يهلكهم ، قاله أبو عبيدة . والخامس: يلعنهم ، قاله السدي .

والسادس: يظفر عليهم ، قاله المبرد . [ ص: 455 ] والسابع: يغيظهم ، قاله النضر بن شميل ، واختاره ابن قتيبة . وقال ابن قتيبة: أهل النظر يرون أن التاء فيه منقلبة عن دال ، كأن الأصل فيه: يكبدهم ، أي: يصيبهم في أكبادهم بالحزن والغيظ ، وشدة العداوة ، ومنه يقال: فلان قد أحرق الحزن كبده ، وأحرقت العداوة كبده ، والعرب تقول: العدو: أسود الكبد . قال الأعشى:


فما أجشمت من إتيان قوم هم الأعداء والأكباد سود


كأن الأكباد لما احترقت بشدة العداوة ، اسودت ، ومنه يقال للعدو: كاشح ، لأنه يخبئ يخبأ العداوة في كشحه . والكشح: الخاصرة ، وإنما يريدون الكبد ، لأن الكبد هناك . قال الشاعر:


وأضمر أضغانا على كشوحها


والتاء والدال متقاربتا المخرج ، والعرب تدغم إحداهما في الأخرى ، وتبدل إحداهما من الأخرى ، كقولهم: هرت الثوب وهرده: إذا خرقه ، وكذلك: كبت العدو ، وكبده ، ومثله كثير .

قوله تعالى: (فينقلبوا خائبين) قال الزجاج: الخائب: الذي لم ينل ما أمل . وقال غيره: الفرق بين الخيبة واليأس ، أن الخيبة لا تكون إلا بعد الأمل ، واليأس قد يكون من غير أمل .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 18-02-2022, 12:24 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,416
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ آَلِ عِمْرَانَ
الحلقة (87)
صــ456 إلى صــ 460

ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون .

قوله تعالى: (ليس لك من الأمر شيء) في سبب نزولها خمسة أقوال .

أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد ، وشج في جبهته حتى سال الدم على وجهه ، فقال: "كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم ، وهو يدعوهم إلى ربهم ، عز وجل؟!" فنزلت هذه الآية . أخرجه مسلم في "أفراده" من حديث أنس . وهو قول ابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، والربيع .

والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم ، لعن قوما من المنافقين ، فنزلت هذه الآية ، قاله ابن عمر .

والثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم هم بسب الذين انهزموا يوم أحد ، فنزلت هذه الآية ، فكف عن ذلك ، نقل عن ابن مسعود ، وابن عباس .

والرابع: أن سبعين من أهل الصفة ، خرجوا إلى قبيلتين من بني سليم ، عصية وذكوان ، فقتلوا جميعا ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليهم أربعين يوما ، فنزلت هذه الآية ، قاله مقاتل بن سليمان .

[ ص: 457 ] . والخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى حمزة ممثلا به ، قال: "لأمثلن بكذا وكذا منهم" فنزلت هذه الآية ، قاله الواقدي . وفي معنى الآية قولان .

أحدهما: ليس لك من استصلاحهم أو عذابهم شيء .

والثاني: ليس لك من النصر والهزيمة شيء . وقيل: إن "لك" بمعنى "إليك" .

قوله تعالى: (أو يتوب عليهم) قال الفراء: في نصبه وجهان ، إن شئت جعلته معطوفا على قوله تعالى: (ليقطع طرفا) وإن شئت جعلت نصبه على مذهب "حتى" كما تقول: لا أزال معك حتى تعطيني ، ولما نفى الأمر عن نبيه ، أثبت أن جميع الأمور إليه بقوله تعالى: (ولله ما في السماوات وما في الأرض) .
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا) قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: هَذِهِ الْآَيَةُ نَزَلَتْ [ ص: 458 ] فِي رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ . قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : كَانَ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ الْمَالُ ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ ، فَيَقُولُ: أَخِّرْ عَنِّي ، وَأَزِيدُكَ عَلَى مَالِكَ ، فَتِلْكَ الْأَضْعَافُ الْمُضَاعَفَةُ .
[ ص: 459 ] وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا تَهْدِيدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ، لِئَلَّا يَسْتَحِلُّوا الرِّبَا . قَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْمَعْنَى: اتَّقُوا أَنْ تَحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتَكْفُرُوا .
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) كُلُّهُمْ أَثْبَتَ الْوَاوَ فِي "وَسَارِعُوا" إِلَّا نَافِعًا ، وَابْنَ عَامِرٍ ، فَإِنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَاهَا . وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَكَذَلِكَ هِيَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ ، فَمَنْ قَرَأَ بِالْوَاوِ ، عَطَفَ "وَسَارِعُوا" عَلَى "وَأَطِيعُوا" وَمَنْ حَذَفَهَا ، فَلِأَنَّ الْجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ مُلْتَبِسَةٌ بِالْأُولَى ، فَاسْتَغْنَتْ عَنِ الْعَطْفِ . وَمَعْنَى الْآَيَةِ: بَادِرُوا إِلَى مَا يُوجِبُ الْمَغْفِرَةَ . وَفِي الْمُرَادِ بِمُوجِبِ الْمَغْفِرَةِ هَاهُنَا عَشْرَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: أَنَّهُ الْإِخْلَاصُ ، قَالَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .

وَالثَّانِي: أَدَاءُ الْفَرَائِضِ ، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .

وَالثَّالِثُ: الْإِسْلَامُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .

[ ص: 460 ] . وَالرَّابِعُ: التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى مِنَ الصَّلَاةِ ، قَالَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ .

وَالْخَامِسُ: الطَّاعَةُ ، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ . وَالسَّادِسُ: التَّوْبَةُ ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ .

وَالسَّابِعُ: الْهِجْرَةُ ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ . وَالثَّامِنُ: الْجِهَادُ ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ .

وَالتَّاسِعُ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ ، قَالَهُ يَمَانُ . وَالْعَاشِرُ: الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ) قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أَرَادَ بِالْعَرْضِ السِّعَةَ ، وَلَمْ يُرِدِ الْعَرْضَ الَّذِي يُخَالِفُ الطُّولَ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: بِلَادٌ عَرِيضَةٌ ، أَيْ: وَاسِعَةٌ . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُنْهَزِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ: "لَقَدْ ذَهَبْتُمْ فِيهَا عَرِيضَةً" .

قَالَ الشَّاعِرُ:


كَأَنَّ بِلَادَ اللَّهِ وَهْيَ عَرِيضَةٌ عَلَى الْخَائِفِ الْمَطْلُوبِ كِفَّةُ حَابِلٍ


قَالَ وَأَصْلُ هَذَا مِنَ الْعَرْضِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الطُّولِ ، وَإِذَا عَرُضَ الشَّيْءُ اتَّسَعَ ، وَإِذَا لَمْ يَعْرُضْ ضَاقَ وَدَقَّ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : لَوْ أَلْصَقَ بَعْضِهِنَّ إِلَى بَعْضٍ كَانَتِ الْجَنَّةُ فِي عَرْضِهِنَّ .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 18-02-2022, 12:25 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,416
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ آَلِ عِمْرَانَ
الحلقة (88)
صــ461 إلى صــ 465

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ . وَمَعْنَى الْآَيَةِ: أَنَّهُمْ رَغِبُوا فِي مُعَامَلَةِ اللَّهِ ، فَلَمْ يَبْطُرُهُمُ الرَّخَاءُ فَيُنْسِيهِمْ ، وَلَمْ تَمْنَعْهُمُ الضَّرَّاءُ فَيَبْخَلُوا .

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) قَالَ الزَّجَّاجُ: يُقَالُ: كَظَمْتُ الْغَيْظَ: إِذَا [ ص: 461 ] أَمْسَكْتَ عَلَى مَا فِي نَفْسِكَ مِنْهُ ، وَكَظَمَ الْبَعِيرُ عَلَى جَرَّتِهِ: إِذَا رَدَّدَهَا فِي حَلْقِهِ . وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الْأَصْلُ فِي الْكَظْمِ: الْإِمْسَاكُ عَلَى غَيْظٍ وَغَمٍّ . وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَا تَجَرَّعَ عَبْدٌ جُرْعَةً أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى" .

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) فِيهِ قَوْلَانِ

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْعَفْوُ عَنِ الْمَمَالِيكِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالرَّبِيعُ .

وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى إِطْلَاقِهِ ، فَهُمْ يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ ، قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَمُقَاتِلٌ .
وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهَ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) فِي سَبَبِ نُزُولِهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ إِلَى نَبْهَانَ التَّمَّارِ تَشْتَرِي مِنْهُ تَمَرًا فَضَمَّهَا ، وَقَبَّلَهَا ، ثُمَّ نَدِمَ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، رَوَاهُ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

[ ص: 462 ] . وَالثَّانِي: أَنَّ أَنْصَارِيًّا وَثَقَفِيًّا آَخَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهَا ، فَخَرَجَ الثَّقَفِيُّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ ، فَكَانَ الْأَنْصَارِيُّ يَتَعَهَّدُ أَهْلَ الثَّقَفِيِّ ، فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَبْصَرَ الْمَرْأَةَ قَدِ اغْتَسَلَتْ وَهِيَ نَاشِرَةٌ شَعْرَهَا ، فَدَخَلَ وَلَمْ يَسْتَأْذِنْ; فَذَهَبَ لِيَلْثِمَهَا فَوَضَعَتْ كَفَّهَا عَلَى وَجْهِهَا فَقَبَّلَهُ ثُمَّ نَدِمَ ، فَأَدْبَرَ رَاجِعًا ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ خُنْتَ أَمَانَتَكَ ، وَعَصَيْتَ رَبَّكَ ، وَلَمْ تُصِبْ حَاجَتَكَ: قَالَ: فَخَرَجَ يَسِيحُ فِي الْجِبَالِ ، وَيَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ ذَنْبِهِ . فَلَمَّا قَدِمَ الثَّقَفِيُّ أَخْبَرَتْهُ الْمَرْأَةُ بِفِعْلِهِ ، فَخَرَجَ يَطْلُبُهُ حَتَّى دُلَّ عَلَيْهِ ، فَنَدِمَ عَلَى صَنِيعِهِ فَوَافَقَهُ سَاجِدًا يَقُولُ: ذَنْبِي ذَنْبِي ، قَدْ خُنْتُ أَخِي فَقَالَ لَهُ: يَا فُلَانٌ انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْأَلْهُ عَنْ ذَنْبِكَ ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لَكَ مَخْرَجًا ، فَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ بِتَوْبَتِهِ ، رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَذَكَرَهُ مُقَاتِلٌ .

وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَنُو إِسْرَائِيلَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنَّا! كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا أَذْنَبَ ، أَصْبَحَتْ كَفَّارَةُ ذُنُوبِهِ مَكْتُوبَةً فِي عَتَبَةِ بَابِهِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ" فَقَرَأَ هَذِهِ الْآَيَةَ ، وَالَّتِي قَبْلَهَا ، هَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ . وَاخْتَلَفُوا هَلْ هَذِهِ الْآَيَةُ نَعْتٌ لِلْمُنْفِقِينَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ؟ أَمْ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ .

أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا نَعْتٌ لَهُمْ قَالَهُ الْحَسَنُ .

وَالثَّانِي: أَنَّهَا لِصِنْفٍ آَخَرَ ، قَالَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ .

وَالْفَاحِشَةُ الْقَبِيحَةُ وَكُلُّ شَيْءٍ جَاوَزَ قَدْرَهُ ، فَهُوَ فَاحِشٌ . وَفِي الْمُرَادِ بِهَا هَاهُنَا قَوْلَانِ .

أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا الزِّنَى . قَالَهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَمُقَاتِلٌ .

وَالثَّانِي: أَنَّهَا كُلُّ كَبِيرَةٍ ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ .

[ ص: 463 ] وَاخْتَلَفُوا فِي "الظُّلْمِ" الْمَذْكُورِ بَعْدَهَا ، فَلَمْ يُفَرِّقْ قَوْمٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَاحِشَةِ ، وَقَالُوا: الظُّلْمُ لِلنَّفْسِ فَاحِشَةٌ أَيْضًا ، وَفَرَّقَ آَخَرُونَ ، فَقَالُوا: هُوَ الصَّغَائِرُ . وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (ذَكَرُوا اللَّهَ) قَوْلَانِ .

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ذِكْرُ اللِّسَانِ ، وَهُوَ الِاسْتِغْفَارُ ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَعَطَاءٌ فِي آَخَرِينَ .

وَالثَّانِي: أَنَّهُ ذِكْرُ الْقَلْبِ ، ثُمَّ فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: أَنَّهُ ذِكْرُ الْعَرْضِ عَلَى اللَّهِ ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ .

وَالثَّانِي: أَنَّهُ ذِكْرُ السُّؤَالِ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ .

وَالثَّالِثُ: ذِكْرُ وَعِيدِ اللَّهِ لَهُمْ عَلَى مَا أُتُوا ، قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .

وَالرَّابِعُ: ذِكْرُ نَهْيِ اللَّهِ لَهُمْ عَنْهُ .

وَالْخَامِسُ: ذِكْرُ غُفْرَانِ اللَّهِ: ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ .

فَأَمَّا الْإِصْرَارُ ، فَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ الْإِقَامَةُ عَلَى الشَّيْءِ . وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الشَّيْءِ وَالثَّبَاتُ عَلَيْهِ . وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِي الْمُرَادِ بِالْإِصْرَارِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُوَاقَعَةُ الذَّنْبِ عِنْدَ الِاهْتِمَامِ بِهِ . وَهَذَا مَذْهَبُ مُجَاهِدٍ .

وَالثَّانِي: أَنَّهُ الثُّبُوتُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِغْفَارٍ ، وَهَذَا مَذْهَبُ قَتَادَةَ ، وَابْنِ إِسْحَاقَ .

[ ص: 464 ] . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ تَرْكُ الِاسْتِغْفَارِ مِنْهُ ، وَهَذَا مَذْهَبُ السُّدِّيِّ . وَفِي مَعْنَى (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْإِصْرَارَ يَضُرُّ ، وَأَنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى مِنَ التَّمَادِي ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ .

وَالثَّانِي: يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَى مَنْ تَابَ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَأَبُو عِمَارَةَ .

وَالثَّالِثُ: يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ قَدْ أَذْنَبُوا ، قَالَهُ السُّدِّيُّ ، وَمُقَاتِلٌ .
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [ ص: 465 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ) السُّنَنُ: جَمْعُ سُنَّةٍ ، وَهِيَ الطَّرِيقَةُ . وَفِي مَعْنَى الْكَلَامِ قَوْلَانِ .

أَحَدُهُمَا: قَدْ مَضَى قَبْلَكُمْ أَهْلُ سُنَنٍ وَشَرَائِعَ ، فَانْظُرُوا مَاذَا صَنَعْنَا بِالْمُكَذِّبِينَ مِنْهُمْ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ .

وَالثَّانِي: قَدْ مَضَتْ قَبْلَكُمْ سُنَنُ اللَّهِ فِي إِهْلَاكِ مَنْ كَذَّبَ مِنَ الْأُمَمِ ، فَاعْتَبِرُوا بِهِمْ ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٌ . وَفِي مَعْنَى (فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ) قَوْلَانِ .

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ: إِذَا سِرْتُمْ فِي أَسْفَارِكُمْ ، عَرَفْتُمْ أَخْبَارَ الْهَالِكِينَ بِتَكْذِيبِهِمْ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ التَّفَكُّرُ . وَمَعْنَى: فَانْظُرُوا: اعْتَبِرُوا ، وَالْعَاقِبَةُ: آَخِرُ الْأَمْرِ .
هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ) قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : هَذِهِ الْآَيَةُ أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنْ "آَلِ عِمْرَانَ" وَفِي الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِـ"هَذَا" قَوْلَانِ .

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْقُرْآَنُ ، قَالَهُ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَمُقَاتِلٌ .

وَالثَّانِي: أَنَّهُ شَرَحَ أَخْبَارَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ ، قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ . وَالْبَيَانُ: الْكَشْفُ عَنِ الشَّيْءِ ، وَبَانَ الشَّيْءُ: اتَّضَحَ ، وَفُلَانٌ أَبْيَنُ مِنْ فُلَانٍ ، أَيْ: أَفْصَحُ . قَالَ الشَّعْبِيُّ: هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ مِنَ الْعَمَى ، وَهُدًى مِنَ الضَّلَالَةِ ، وَمَوْعِظَةٌ مِنَ الْجَهْلِ .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 18-02-2022, 12:25 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,416
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ آَلِ عِمْرَانَ
الحلقة (89)
صــ466 إلى صــ 470

ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين .

قوله تعالى: (ولا تهنوا ولا تحزنوا) سبب نزولها أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انهزموا يوم أحد ، أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل ، فقال [ ص: 466 ] النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا يعلون علينا اللهم لا قوة لنا إلا بك" فنزلت هذه الآيات ، قاله ابن عباس . قال ابن عباس ، ومجاهد: (ولا تهنوا) أي: ولا تضعفوا . وفيما نهوا عن الحزن عليه أربعة أقوال .

أحدها: أنه قتل إخوانهم من المسلمين ، قاله ابن عباس .

والثاني: أنه هزيمتهم يوم أحد ، وقتلهم ، قاله مقاتل .

والثالث: أنه ما أصاب النبي صلى الله عليه وسلم من شجه ، وكسر رباعيته ، ذكره الماوردي .

والرابع: أنه ما فات من الغنيمة ، ذكره علي بن أحمد النيسابوري .

قوله تعالى: (وأنتم الأعلون) قال ابن عباس: يقول: أنتم الغالبون وآخر الأمر لكم .
إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين .

قوله تعالى: (إن يمسسكم قرح) قال ابن عباس: أصابهم يوم أحد قرح ، فشكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لقوا ، فنزلت هذه الآية . فأما المس ، فهو الإصابة ، وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، ونافع "قرح" بفتح القاف . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر ، عن عاصم "قرح" بضم القاف . واختلفوا هل معنى القرآءتين واحد أم لا؟ فقال أبو عبيد: القرح بالفتح: الجراح ، والقتل . والقرح بالضم: ألم الجراح . وقال الزجاج: هما في اللغة بمعنى واحد ، ومعناه الجراح وألمها ، قال: ومعنى نداولها ، أي: نجعل الدولة في وقت للكفار على المؤمنين ، إذا عصى المؤمنون ، فأما إذا أطاعوا ، فهم منصورون ، قال [ ص: 467 ] ومعنى (ليعلم الله) أي: ليعلم واقعا منهم ، لأنه عالم قبل ذلك ، وإنما يجازي على ما وقع . وقال ابن عباس: معنى العلم هاهنا: الرؤية .

قوله تعالى: (ويتخذ منكم شهداء) قال أبو الضحى: نزلت في قتلى أحد ، قال ابن جريج: كان المسلمون يقولون: ربنا أرنا يوما كيوم بدر ، نلتمس فيه الشهادة ، فاتخذ منهم شهداء يوم أحد . قال ابن عباس: والظالمون هاهنا: المنافقون: وقال غيره: هم الذين انصرفوا يوم أحد مع ابن أبي المنافق .
وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين .

قوله تعالى: (وليمحص الله الذين آمنوا) قال الزجاج: معنى الكلام: جعل الله الأيام مداولة بين الناس ، ليمحص المؤمنين ، ويمحق الكافرين . وفي التمحيص قولان .

أحدهما: أنه الابتلاء والاختبار ، وأنشدوا:


رأيت فضيلا كان شيئا ملففا فكشفه التمحيص حتى بدا ليا


وهو قول الحسن ، ومجاهد ، والسدي ، ومقاتل ، وابن قتيبة في آخرين .

والثاني: أنه التنقية ، والتخليص ، وهو قول الزجاج . وحكي عن المبرد ، قال: يقال: محص الحبل محصا: إذا ذهب منه الوبر حتى يتخلص ، ومعنى قولهم: [اللهم ] محص عنا ذنوبنا: أذهبها عنا . وذكر الزجاج عن الخليل أن التمحيص: التخليص ، يقال: محصت الشيء أمحصه محصا: إذا أخلصته فعلى القول الأول التمحيص: ابتلاء المؤمنين بما يجري عليهم ، وعلى الثاني: هو تنقيتهم من الذنوب بذلك . قال الفراء: معنى الآية: وليمحص الله بالذنوب عن الذين آمنوا . [ ص: 468 ] قوله تعالى: (ويمحق الكافرين) فيه أربعة أقوال .

أحدها: يهلكهم قاله ابن عباس . والثاني: يذهب دعوتهم ، قاله مقاتل .

والثالث: ينقصهم ويقللهم ، قاله الفراء .

والرابع: يحبط أعمالهم ، ذكره الزجاج .
أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون .

قوله تعالى: (ولقد كنتم تمنون الموت) قال ابن عباس: لما أخبرهم الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، بما فعل بشهداء يوم بدر من الكرامة ، رغبوا في ذلك ، فتمنوا قتالا يستشهدون فيه ، فيلحقون بإخوانهم ، فأراهم الله يوم أحد ، فلم يلبثوا أن انهزموا إلا من شاء الله منهم ، فنزل فيهم (ولقد كنتم تمنون الموت) يعني القتال (من قبل أن تلقوه) أي: من قبل أن تنظروا إليه يوم أحد (فقد رأيتموه) يومئذ ، قال الفراء ، وابن قتيبة: أي: رأيتم أسبابه ، وهي السيف ونحوه من السلاح . وفي معنى (وأنتم تنظرون) ثلاثة أقوال .

أحدها: تنظرون إلى السيوف ، قاله ابن عباس .

والثاني: أنه ذكر للتوكيد ، قاله الأخفش . وقال الزجاج: معناه: فقد رأيتموه ، وأنتم بصراء ، كما تقول: رأيت كذا وكذا ، وليس في عينك علة ، أي: رأيته رؤية حقيقة .

[ ص: 469 ] . والثالث: أن معناه وأنتم تنظرون ما تمنيتم . وفي الآية إضمار [أي: فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ] فلم انهزمتم؟!
وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين .

قوله تعالى: (وما محمد إلا رسول) قال ابن عباس: صاح الشيطان يوم أحد: قتل محمد . فقال قوم لئن كان قتل لنعطينهم بأيدينا إنهم لعشائرنا وإخواننا ، ولو كان محمد حيا لم نهزم ، فترخصوا في الفرار فنزلت هذه الآية . وقال الضحاك: قال قوم من المنافقين: قتل محمد ، فالحقوا بدينكم الأول ، فنزلت هذه الآية . وقال قتادة: قال أناس: لو كان نبيا ما قتل ، وقال ناس من عليه أصحاب رسول الله: قاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم حتى تلحقوا به ، فنزلت هذه الآية . ومعنى الآية: أنه يموت كما ماتت قبله الرسل ، أفإن مات على فراشه ، أو قتل كمن قتل قبله من الأنبياء ، أتنقلبون على أعقابكم؟! أي: ترجعون إلى ما كنتم عليه من الكفر؟! وهذا على سبيل المثل ، يقال: لكل من رجع عما كان عليه: قد انقلب على عقبيه ، وأصله: رجعة القهقرى ، والعقب: مؤخر القدم .

قوله تعالى: (فلن يضر الله شيئا) أي: لن ينقص الله شيئا برجوعه ، وإنما يضر نفسه . (وسيجزي) أي: يثيب الشاكرين ، وفيهم ثلاثة أقوال .

أحدها: أنهم الثابتون على دينهم ، قاله علي رضي الله عنه ، وقال: كان أبو بكر أمير الشاكرين .

والثاني: أنهم الشاكرون على التوفيق والهداية . والثالث: على الدين .
[ ص: 470 ] وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين .

قوله تعالى: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله) في الإذن قولان .

أحدهما: أنه الأمر ، قاله ابن عباس . والثاني: الإذن نفسه ، قاله مقاتل .

قال الزجاج: ومعنى الآية: وما كانت نفس لتموت إلا بإذن الله .

قوله تعالى: (كتابا مؤجلا) توكيد ، والمعنى: كتب الله ذلك كتابا مؤجلا ، أي: كتابا ذا أجل . والأجل: الوقت المعلوم ، ومثله في التوكيد كتاب الله عليكم [ النساء: 24 ] لأنه لما قال: حرمت عليكم أمهاتكم [ النساء: 22 ] دل على أنه مفروض ، فأكد بقوله: كتاب الله عليكم [ النساء: 24 ] وكذلك قوله تعالى: صنع الله [ النمل: 88 ] لأنه لما قال: وترى الجبال تحسبها جامدة [ النمل: 88 ] دل على أنه خلق الله فأكد بقوله: صنع الله .

قوله تعالى: ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها أي: من قصد بعمله الدنيا ، أعطي منها قليلا كان أو كثيرا ، ومن قصد الآخرة بعمله ، أعطي منها . وقال مقاتل: عنى بالآية من ثبت يوم أحد ، ومن طلب الغنيمة .

فصل

وأكثر العلماء على أن هذا الكلام محكم ، وذهبت طائفة إلى نسخه بقوله تعالى: عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد [ الإسراء: 18 ] والصحيح أنه محكم ، لأنه لا يؤتى أحد شيئا إلا بقدرة الله ومشيئته .

ومعنى قوله تعالى: (نؤته منها) أي: ما نشاء ، وما قدرنا له ، ولم يقل: ما يشاء هو .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 18-02-2022, 12:26 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,416
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ آَلِ عِمْرَانَ
الحلقة (90)
صــ471 إلى صــ 475

وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين .

قوله تعالى: (وكأين من نبي) قرأ الجمهور "وكأين" في وزن "كعين" . وقرأ ابن كثير "وكائن" في وزن "كاعن" قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: "كأين" مثل: "كعين" ينصبون الهمزة ، ويشددون الياء . وتميم يقولون: "وكائن" كأنها فاعل من "كئت" . وأنشدني الكسائي:


وكائن ترى يسعى من الناس جاهدا على ابن غدا منه شجاع وعقرب


وقال آخر:


وكائن أصابت مؤمنا من مصيبة على الله عقباها ومنه ثوابها


، وقال ابن قتيبة: كائن بمعنى "كم" مثل قوله: وكأين من قرية عتت عن أمر ربها [ الطلاق: 8 ] وفيها لغتان: "كأين" بالهمزة وتشديد الياء ، و"كائن" على وزن "قائل" [وبائع ] وقد قرئ بهما [جميعا في القرآن ] والأكثر والأفصح تخفيفها . قال الشاعر:


وكائن أرينا الموت من ذي تحية إذا ما ازدرانا أو أصر لمأثم .


وقال الآخر:


وكائن ترى من صامت لك معجب زيادته أو نقصه في التكلم


قوله تعالى: (قاتل معه ربيون) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وأبان ، والمفضل [ ص: 472 ] كلاهما عن عاصم: "قتل" بضم القاف ، وكسر التاء ، من غير ألف ، وقرأ الباقون: "قاتل" بألف ، وقرأ ابن مسعود ، وأبو رزين ، وأبو رجاء ، والحسن ، وابن يعمر ، وابن جبير ، وقتادة ، وعكرمة ، وأيوب: "ربيون" بضم الراء . وقرأ ابن عباس ، وأنس وأبو مجلز ، وأبو العالية ، والجحدري ، بفتحها . فعلى حذف الألف يحتمل وجهين .

أحدهما: أن يكون قتل للنبي وحده ، ويكون المعنى: وكأين من نبي قتل ، ومعه ربيون ، فما وهنوا بعد قتله .

والثاني: أن يكون قتل للربيين ، ويكون: "فما وهنوا" لمن بقي منهم . وعلى إثبات الألف يكون المعنى: أن القوم قاتلوا ، فما وهنوا . وفي معنى الربيين خمسة أقوال .

أحدها: أنهم الألوف ، قاله ابن مسعود ، وابن عباس في رواية ، واختاره الفراء .

والثاني الجماعات الكثيرة ، رواه العوفي عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد ، وعكرمة ، والضحاك ، وقتادة ، والسدي ، والربيع ، واختاره ابن قتيبة .

والثالث: أنهم الفقهاء والعلماء ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وبه قال الحسن ، واختاره اليزيدي ، والزجاج . والرابع: أنهم الأتباع ، قاله ابن زيد .

والخامس: أنهم المتألهون العارفون بالله تعالى ، قاله ابن فارس .

قوله تعالى: (فما وهنوا) فيه قولان .

أحدهما: أنه الضعف ، قاله ابن عباس ، وابن قتيبة . والثاني: أنه العجز ، قاله قتادة .

قال ابن قتيبة: والاستكانة: الخشوع ، والذل ، ومنه أخذ المسكين . وفي معنى الكلام قولان .

أحدهما: فما وهنوا بالخوف ، وما ضعفوا بنقصان القوة ، ولا استكانوا بالخضوع .

[ ص: 473 ] . والثاني: فما وهنوا لقتل نبيهم ، ولا ضعفوا عن عدوهم ، ولا استكانوا لما أصابهم .
وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين .

قوله تعالى: (وما كان قولهم) يعني الربيين . (إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا) أي: لم يكن قولهم غير الاستغفار . والإسراف: مجاوزة الحد ، وقيل: أريد بالذنوب الصغائر ، وبالإسراف الكبائر .

قوله تعالى: (وثبت أقدامنا) قال ابن عباس: على القتال . وقال الزجاج: معناه: ثبتنا على دينك ، فإن الثابت على دينه ثابت في حربه .
فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين .

قوله تعالى: (فآتاهم الله ثواب الدنيا) فيه قولان .

أحدهما: أنه النصر ، قاله قتادة . والثاني: الغنيمة ، قاله ابن جريج . وروي عن ابن عباس ، أنه قال: النصر والغنيمة .

وفي حسن ثواب الآخرة قولان . أحدهما أنه الجنة .

والثاني: الأجر والمغفرة ، وهذا تعليم من الله تعالى للمؤمنين ما يفعلون ويقولون عند لقاء العدو .
يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين [ ص: 474 ] قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا) قال ابن عباس: نزلت في قول ابن أبي للمسلمين لما رجعوا من أحد: لو كان نبيا ما أصابه الذي أصابه . وفي الذين كفروا هاهنا ثلاثة أقوال .

أحدها: أنهم المنافقون على قول ابن عباس ، ومقاتل .

والثاني: أنهم اليهود والنصارى ، قاله ابن جريج .

والثالث: أنهم عبدة الأوثان ، قاله السدي . قالوا وكانوا قد أمروا المسلمين بالرجوع عن دينهم . ومعنى (يردوكم على أعقابكم): يصرفوكم إلى الشرك ، (فتنقلبوا خاسرين) بالعقوبة .
بل الله مولاكم وهو خير الناصرين قوله تعالى: (بل الله مولاكم) أي: وليكم ينصركم عليهم ، فاستغنوا عن موالاة الكفار .
سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين .

قوله تعالى: (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب) قال السدي: لما ارتحل المشركون يوم أحد نحو مكة ندموا في بعض الطريق ، وقالوا: قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشرذمة ، تركتموهم؟! ارجعوا فاستأصلوهم ، فقذف الله في قلوبهم الرعب ، ونزلت هذه الآية . والإلقاء: القذف . والرعب: الخوف . قرأ ابن كثير ، ونافع ، وعاصم ، وأبو عمرو ، [ ص: 475 ] وحمزة "الرعب" ساكنة العين ، خفيفة وقرأ ابن عامر ، والكسائي ، ويعقوب ، وأبو جعفر ، مضمومة العين ، مثقلة ، أين وقعت . والسلطان هاهنا: الحجة في قول الجماعة . والمأوى: المكان الذي يؤوى إليه . والمثوى: المقام ، والثوى: الإقامة . قال ابن عباس: والظالمون هاهنا: الكافرون .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 26-02-2022, 05:38 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,416
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ آَلِ عِمْرَانَ
الحلقة (91)
صــ476 إلى صــ 480

ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين .

قوله تعالى: (ولقد صدقكم الله وعده) قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أحد ، قال قوم منهم: من أين أصابنا هذا ، وقد وعدنا الله النصر؟ فنزلت هذه الآية . وقال المفسرون: وعد الله تعالى المؤمنين النصر بأحد ، فنصرهم ، فلما خالفوا ، وطلبوا الغنيمة ، هزموا . وقال ابن عباس: ما نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في موطن ما نصر في أحد ، فأنكر ذلك عليه ، فقال: بيني وبينكم كتاب الله ، إن الله يقول: (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه) فأما الحس ، فهو القتل ، قاله ابن عباس ، والحسن ومجاهد ، والسدي ، والجماعة . وقال ابن قتيبة: تحسونهم ، أي: تستأصلونهم بالقتل ، يقال: سنة حسوس: إذا أتت على كل شيء ، وجراد محسوس: إذا قتله البرد .

وفي قوله تعالى: (بإذنه) ثلاثة أقوال [ ص: 476 ] أحدها: بأمره ، قاله ابن عباس . والثاني: بعلمه ، قاله الزجاج .

والثالث: بقضائه ، قاله أبو سليمان الدمشقي .

قوله تعالى: حتى إذا فشلتم قال الزجاج: أي: جبنتم . (وتنازعتم) أي: اختلفتم من بعد ما أراكم ما تحبون يعني: النصرة . وقال الفراء: فيه تقديم وتأخير ، معناه: حتى إذا تنازعتم في الأمر ، فشلتم وعصيتم ، وهذه الواو زائدة ، كقوله تعالى: فلما أسلما وتله للجبين وناديناه [ الصافات: 103 ] معناه: ناديناه . فأما تنازعهم ، فإن بعض الرماة قال: قد انهزم المشركون ، فما يمنعنا من الغنيمة؟ وقال بعضهم: بل نثبت مكاننا كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فترك المركز بعضهم ، وطلب الغنيمة ، وتركوا مكانهم ، فذلك عصيانهم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أوصاهم: "لو رأيتم الطير تخطفنا فلا تبرحوا من مكانكم" .

قوله تعالى: (منكم من يريد الدنيا) قال المفسرون: هم الذين طلبوا الغنيمة ، وتركوا مكانهم . (ومنكم من يريد الآخرة) وهم الذين ثبتوا . وقال ابن مسعود: ما كنت أظن أحدا من أصحاب محمد يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية .

قوله تعالى: (صرفكم عنهم) أي: ردكم عن المشركين بقتلكم وهزيمتكم . (ليبتليكم) أي: ليختبركم ، فيبين الصابر من الجازع .

قوله تعالى: (ولقد عفا عنكم) فيه قولان .

أحدهما: عفا عن عقوبتكم ، قاله ابن عباس .

والثاني: عفا عن استئصالكم ، قاله الحسن . وكان يقول: هؤلاء مع رسول الله في سبيل الله غضاب لله ، يقاتلون في سبيل الله ، نهوا عن شيء فضيعوه ، فما تركوا حتى غموا بهذا الغم ، والفاسق اليوم يتجرم كل كبيرة ، ويركب كل داهية ، ويزعم أن لا بأس عليه ، فسوف يعلم .

[ ص: 477 ] قوله تعالى: (والله ذو فضل على المؤمنين) فيه قولان .

أحدهما: إذ عفا عنهم ، قاله ابن عباس . والثاني: إذ لم يقتلوا جميعا ، قاله مقاتل .
إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون .

قوله تعالى: (إذ تصعدون ولا تلوون) قال المفسرون: "إذ" متعلقة بقوله تعالى: (ولقد عفا عنكم) وأكثر القراء على ضم التاء ، وكسر العين ، من قوله: "تصعدون" وهو من الإصعاد . وروى أبان عن ثعلب ، عن عاصم فتحها ، وهي قراءة الحسن ، ومجاهد ، وهو من الصعود . قال الفراء: الإصعاد في ابتداء الأسفار ، والمخارج ، تقول: أصعدنا من بغداد إلى خراسان ، فإذا صعدت على سلم أو درجة ، قلت: صعدت ، ولا تقول: أصعدت . وقال الزجاج: كل من ابتدأ مسيرا من مكان ، فقد أصعد ، فأما الصعود ، فهو من أسفل إلى فوق . ومن فتح التاء والعين ، أراد الصعود في الجبل . وللمفسرين في معنى الآية قولان .

أحدهما: أنه صعودهم في الجبل ، قاله ابن عباس ومجاهد .

والثاني: أنه الإبعاد في الهزيمة ، قاله قتادة ، وابن قتيبة ، و"تلوون" بمعنى "تعرجون" .

وقوله تعالى: (على أحد) عام ، وقد روي عن ابن عباس أنه أريد به النبي صلى الله عليه وسلم قال: والنبي صلى الله عليه وسلم يناديهم من خلفهم: "إلى عباد الله ، أنا رسول الله" وقرأت عائشة ، وأبو مجلز ، وأبو الجوزاء ، وحميد ، على أحد" بضم الألف والحاء ، يعنون الجبل .

قوله تعالى: (فأثابكم) أي: جازاكم . قال الفراء الإثابة هاهنا بمعنى عقاب ، ولكنه كما قال الشاعر:

[ ص: 478 ]
أخاف زيادا أن يكون عطاؤه أداهم سودا أو محدرجة سمرا


المحدرجة: السياط . والسود فيما يقال: القيود .

قوله تعالى: (غما بغم) في هذه الباء أربعة أقوال .

أحدها: أنها بمعنى "مع" . والثاني: بمعنى "بعد" .

والثالث: بمعنى "على" ، فعلى هذه الثلاثة الأقوال يتعلق الغمان بالصحابة . وللمفسرين في المراد بهذين الغمين خمسة أقوال .

أحدها: أن الغم الأول ما أصابهم من الهزيمة والقتل . والثاني: إشراف خالد بن الوليد بخيل المشركين عليهم ، قاله ابن عباس ، ومقاتل .

والثاني: أن الأول فرارهم الأول ، والثاني: فرارهم حين سمعوا أن محمدا قد قتل ، قاله مجاهد .

والثالث: أن الأول ما فاتهم من الغنيمة وأصابهم من القتل والجراح ، والثاني: حين سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل ، قاله قتادة .

والرابع: أن الأول ما فاتهم من الغنيمة ، والفتح ، والثاني: إشراف أبي سفيان عليهم ، قاله السدي .

والخامس: أن الأول إشراف خالد بن الوليد عليهم ، والثاني: إشراف أبي سفيان عليهم ، ذكره الثعلبي .

[ ص: 479 ] والقول الرابع: أن الباء بمعنى الجزاء ، فتقديره: غمكم كما غممتم غيركم ، فيكون أحد الغمين للصحابة ، وهو أحد غمومهم التي ذكرناها عن المفسرين ، ويكون الغم الذي جوزوا لأجله لغيرهم . وفي المراد بغيرهم قولان .

أحدهما: أنهم المشركون غموهم يوم بدر ، قاله الحسن .

والثاني: أنه النبي صلى الله عليه وسلم غموه حيث خالفوه ، فجوزوا على ذلك ، بأن غمو بما أصابهم ، قاله الزجاج .

قوله تعالى: (لكيلا تحزنوا) في "لا" قولان .

أحدهما: أنها باقية على أصلها ، ومعناها النفي ، فعلى هذا في معنى الكلام قولان .

أحدهما: فأثابكم غما أنساكم الحزن على ما فاتكم وما أصابكم ، وقد روي أنهم لما سمعوا أن النبي قد قتل ، نسوا ما أصابهم وما فاتهم .

والثاني: أنه متصل بقوله: (ولقد عفا عنكم) فمعنى الكلام: عفا عنكم ، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم وأصابكم ، لأن عفوه يذهب كل غم .

والقول الثاني: أنها صلة ، ومعنى الكلام: لكي تحزنوا على ما فاتكم وأصابكم عقوبة لكم في خلافكم . ومنها قوله تعالى: لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله [ الحديد: 29 ] أي: ليعلم . هذا قول المفضل . قال ابن عباس: والذي فاتهم: الغنيمة ، والذي أصابهم: القتل والهزيمة .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 09-03-2022, 10:46 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,416
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ آَلِ عِمْرَانَ
الحلقة (101)
صــ526 إلى صــ 530


إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب .

قوله تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض) في سبب نزولها ثلاثة أقوال .

أحدها: أن قريشا قالوا لليهود: ما الذي جاءكم به موسى ؟ قالوا: عصاه ويده البيضاء . وقالوا للنصارى: ما الذي جاءكم به عيسى؟ قالوا كان يبرئ الأكمه والأبرص ، ويحيي الموتى . فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم ، وقالوا: ادع ربك يجعل لنا الصفا ذهبا ، فنزلت هذه الآية ، رواه ابن جبير عن ابن عباس .

والثاني: أن أهل مكة سألوه أن يأتيهم بآية ، فنزلت هذه الآية ، رواه أبو صالح عن ابن عباس .

والثالث: أنه لما نزل قوله تعالى: وإلهكم إله واحد [ البقرة: 163 ] . قالت قريش: قد سوى بين آلهتنا ، ائتنا بآية ، فنزلت هذه الآية ، قاله أبو الضحى ، واسمه: مسلم بن صبيح ، فأما تفسير الآية فقد سبق .
[ ص: 527 ] الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار .

قوله تعالى: الذين يذكرون الله قياما وقعودا في هذا الذكر ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه الذكر في الصلاة ، يصلي قائما ، فإن لم يستطع ، فقاعدا ، فإن لم يستطع ، فعلى جنب ، هذا قول علي ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وقتادة .

والثاني: أنه الذكر في الصلاة وغيرها ، وهو قول طائفة من المفسرين .

والثالث: أنه الخوف ، فالمعنى: يخافون الله قياما في تصرفهم ، وقعودا في دعتهم ، وعلى جنوبهم في منامهم .

قوله تعالى: (ويتفكرون في خلق السماوات والأرض) قال ابن فارس: التفكر: تردد القلب في الشيء . قال ابن عباس: ركعتان مقتصدتان في تفكر ، خير من قيام ليلة ، والقلب ساه .

قوله تعالى: (ربنا) قال الزجاج: معناه: يقولون: (ربنا ما خلقت هذا باطلا) ، أي: خلقته دليلا عليك ، وعلى صدق ما أتت به أنبياؤك . ومعنى (سبحانك): براءة لك من السوء ، وتنزيها لك أن تكون خلقتهما باطلا ، (فقنا عذاب النار) ، فقد صدقنا أن لك جنة ونارا .
ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار

[ ص: 528 ] قوله تعالى: (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته) قال الزجاج: المخزى في اللغة: المذل المحقور بأمر قد لزمه وبحجة . يقال: أخزيته: أي: ألزمته حجة أذللته معها . وفيمن يتعلق به هذا الخزي قولان .

أحدهما: أنه يتعلق بمن يدخلها مخلدا ، قاله أنس بن مالك ، وسعيد بن المسيب ، وابن جبير ، وقتادة ، وابن جريج ، ومقاتل .

والثاني: أنه يتعلق بكل داخل إليها ، وهذا المعنى مروي عن جابر بن عبد الله ، واختاره ابن جرير الطبري ، وأبو سليمان الدمشقي .

قوله تعالى: (وما للظالمين من أنصار) قال ابن عباس: وما للمشركين من مانع يمنعهم عذاب الله تعالى .
ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار .

قوله تعالى: (ربنا إننا سمعنا مناديا) في المنادي قولان .

أحدهما: أنه النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن عباس ، وابن جريج ، وابن زيد ، ومقاتل .

والثاني: أنه القرآن ، قاله محمد بن كعب القرظي ، واختاره ابن جرير الطبري .

قوله تعالى: (ينادي للإيمان) فيه قولان .

أحدها: أن معناه ينادي إلى الإيمان ، ومثله: الذي هدانا لهذا [ الأعراف: 43 ] ، بأن ربك أوحى لها [ الزلزلة: 5 ] ، [يريد: هدانا إلى هذا ، وأوحى إليها ] قاله الفراء .

والثاني: بأنه مقدم ومؤخر: والمعنى: سمعنا مناديا للإيمان ينادي: قاله أبو عبيدة .

[ ص: 529 ] قوله تعالى: (وكفر عنا سيئاتنا) قال مقاتل: امح عنا خطايانا . وقال غيره: غطها عنا ، وقيل: إنما جمع بين غفران الذنوب ، وتكفير السيئات ، لأن الغفران بمجرد الفضل ، والتكفير بفعل الخير (وتوفنا مع الأبرار) قرأ نافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي "الأبرار" و"الأشرار" و"ذات قرار" وما كان مثله بين الفتح والكسر ، وقرأ ابن كثير ، وعاصم ، بالفتح ، ومعنى: "مع الأبرار" فيهم ، قال ابن عباس: وهم الأنبياء والصالحون .
ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد .

قوله تعالى: (ربنا وآتنا ما وعدتنا) قال ابن عباس: يعنون: الجنة (على رسلك) أي: على ألسنتهم . فإن قيل: ما وجه هذه المسألة والله لا يخلف الميعاد؟ فعنه ثلاثة أجوبة .

أحدها: أنه خرج مخرج المسألة ، ومعناه: الخبر ، تقديره: فآمنا ، فاغفر لنا لتؤتينا ما وعدتنا .

والثاني: أنه سؤال له ، أن يجعلهم ممن آتاه ما وعده ، لا أنهم استحقوا ذلك ، إذ لو كانوا قد قطعوا أنهم من الأبرار ، لكانت تزكية لأنفسهم .

والثالث: أنه سؤال لتعجيل ما وعدهم من النصر على الأعداء ، لأنه وعدهم نصرا غير مؤقت ، فرغبوا في تعجيله ، ذكر هذه الأجوبة ابن جرير ، وقال: أولى الأقوال بالصواب ، أن هذه صفة المهاجرين ، رغبوا في تعجيل النصر على أعدائهم . فكأنهم قالوا: لا صبر لنا على حلمك عن الأعداء ، فعجل خزيهم ، وظفرنا بهم .
فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم [ ص: 530 ] وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب .

قوله تعالى: (فاستجاب لهم ربهم) روي عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله ، لا أسمع ذكر النساء في الهجرة بشيء؟ فنزلت هذه الآية . واستجاب: بمعنى أجاب . والمعنى: أجابهم بأن قال لهم: إني لا أضيع عمل عامل منكم ، ذكرا كان أم أنثى .

وفي معنى قوله تعالى: (بعضكم من بعض) ثلاثة أقوال .

أحدها: بعضكم من بعض في الدين ، والنصرة والموالاة .

والثاني: حكم جميعكم في الثواب واحد ، لأن الذكور من الإناث ، والإناث من الذكور . والثالث: كلكم من آدم وحواء .

قوله تعالى: (فالذين هاجروا) أي: تركوا الأوطان والأهل والعشائر (وأخرجوا من ديارهم) يعني: المؤمنين الذين أخرجوا من مكة بأذى المشركين ، فهاجروا ، (وقاتلوا المشركين وقتلوا) . قرأ ابن كثير ، وابن عامر: "وقاتلوا وقتلوا" مشددة التاء . وقرأ نافع ، وأبو عمرو ، وعاصم : "وقاتلوا وقتلوا" خفيفة . وقرأ حمزة ، والكسائي: "وقتلوا وقاتلوا" . قال أبو علي: تقديم "قتلوا" جائز ، لأن المعطوف بالواو يجوز أن يكون أولا في المعنى ، مؤخرا في اللفظ .

قوله تعالى: (ثوابا من عند الله) قال الزجاج: هو مصدر مؤكد لما قبله ، لأن معنى: [ ص: 531 ] (لأدخلنهم جنات): لأثيبنهم .









__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 26-02-2022, 05:39 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,416
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ آَلِ عِمْرَانَ
الحلقة (92)
صــ481 إلى صــ 485

ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله [ ص: 480 ] لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور
.

قوله تعالى: (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة) قال ابن قتيبة: الأمنة: الأمن . يقال: وقعت الأمنة في الأرض . وقال الزجاج: معنى الآية: أعقبكم بما نالكم من الرعب أن أمنكم أمنا تنامون معه ، لأن الشديد الخوف لا يكاد ينام . و"نعاسا" منصوب على البدل من "أمنة" يقال: نعس الرجل ينعس نعاسا ، فهو ناعس . وبعضهم يقول: نعسان . قال الفراء: قد سمعتها ، ولكني لا أشتهيها . قال العلماء: النعاس: أخف النوم . وفي وجه الامتنان عليهم بالنعاس قولان .

أحدهما: أنه أمنهم بعد خوفهم حتى ناموا ، فالمنة بزوال الخوف ، لأن الخائف لا ينام . والثاني: قواهم بالاستراحة على القتال .

قوله تعالى: (يغشى طائفة منكم) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وعاصم ، وابن عامر: "يغشى" بالياء مع التفخيم ، وهو يعود إلى النعاس . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف: "تغشى" بالتاء مع الإمالة ، وهو يرجع إلى الأمنة . فأما الطائفة التي غشيها النوم ، فهم المؤمنون ، والطائفة الذين أهمتهم أنفسهم: المنافقون ، أهمهم خلاص أنفسهم ، فذهب النوم عنهم . قال أبو طلحة: كان السيف يسقط من يدي ، ثم أخذه ، ثم يسقط ، وأخذه من النعاس . وجعلت أنظر ، وما منهم أحد يومئذ إلا يميد تحت حجفته [ ص: 481 ] من النعاس . وقال الزبير: أرسل الله علينا النوم ، فما منا رجل إلا ذقنه في صدره ، فوالله إني لأسمع كالحلم قول معتب بن قشير: (لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا) فحفظتها منه .

قوله تعالى: (يظنون بالله غير الحق) فيه أربعة أقوال .

أحدها: أنهم ظنوا أن الله لا ينصر محمدا وأصحابه ، رواه أبو صالح عن ابن عباس .

والثاني: أنهم كذبوا بالقدر ، رواه الضحاك ، عن ابن عباس .

والثالث: أنهم ظنوا أن محمدا قد قتل ، قاله مقاتل .

والرابع: ظنوا أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم مضمحل ، قاله الزجاج .

قوله تعالى: (ظن الجاهلية) قال ابن عباس: أي: كظن الجاهلية .

قوله تعالى: (يقولون هل لنا من الأمر من شيء) لفظه لفظ الاستفهام ، ومعناه: الجحد ، تقديره ما لنا من الأمر من شيء . قال الحسن قالوا لو كان الأمر إلينا ما خرجنا ، وإنما أخرجنا كرها . وقال غيره: المراد بالأمر: النصر والظفر ، قالوا: إنما النصر للمشركين (قل إن الأمر كله) ، أي: النصر ، والظفر ، والقضاء والقدر (لله) والأكثرون قرؤوا (إن الأمر كله لله) بنصب اللام ، وقرأ أبو عمرو برفعها ، قال أبو علي: حجة من نصب ، أن "كله" بمنزلة "أجمعين" في الإحاطة والعموم ، فلو قال: إن الأمر [ ص: 482 ] أجمع لم يكن إلا النصب ، و"كله" بمنزلة "أجمعين" ومن رفع ، فلأنه قد ابتدأ به ، كما ابتدأ بقوله تعالى: (كلهم آتيه) .

قوله تعالى: (يخفون في أنفسهم) في الذي أخفوه ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه قولهم: (لو كنا في بيوتنا ما قتلنا هاهنا) .

والثاني: أنه إسرارهم الكفر ، والشك في أمر الله .

والثالث: الندم على حضورهم مع المسلمين بأحد .

قال أبو سليمان الدمشقي: والذي قال: (هل لنا من الأمر من شيء) عبد الله بن أبي . والذي قال: (لو كان لنا من الأمر من شيء) معتب بن قشير .

قوله تعالى: (قل لو كنتم في بيوتكم) أي: لو تخلفتم ، لخرج منكم من كتب عليه القتل ، ولم ينجه القعود . والمضاجع: المصارع بالقتل . قال الزجاج: ومعنى (برزوا): صاروا إلى براز ، وهو المكان المنكشف . ومعنى (وليبتلي الله ما في صدوركم) أي: ليختبره بأعمالكم ، لأنه قد علمه غيبا ، فيعلمه شهادة .

قوله تعالى: (وليمحص ما في قلوبكم) قال قتادة: أراد ليظهرها من الشك والارتياب بما يريكم من عجائب صنعه من الأمنة ، وإظهار سرائر المنافقين . وهذا التمحيص خاص للمؤمنين . وقال غيره أراد بالتمحيص . إبانة ما في القلوب من الاعتقاد لله ، ولرسوله ، وللمؤمنين ، فهو خطاب للمنافقين .

قوله تعالى: (والله عليم بذات الصدور) أي: بما فيها . وقال ابن الأنباري: معناه عليم بحقيقة ما في الصدور من المضمرات ، فتأنيث ذات بمعنى الحقيقة ، كما تقول العرب: لقيته ذات يوم . فيؤنثون لأن مقصدهم: لقيته مرة في يوم .
[ ص: 483 ] إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم .

قوله تعالى: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان) الخطاب للمؤمنين ، وتوليهم: فرارهم من العدو . والجمعان: جمع المؤمنين ، وجمع المشركين ، وذلك يوم أحد . واستزلهم: طلب زللهم ، قال ابن قتيبة: هو كما تقول: استعجلت فلانا ، أي: طلبت عجلته ، واستعملته: طلبت عمله . والذي كسبوا يريد به الذنوب . وفي سبب فرارهم يومئذ قولان .

أحدها: أنهم سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل ، فترخصوا في الفرار ، قاله ابن عباس في آخرين .

والثاني: أن الشيطان أذكرهم خطاياهم ، فكرهوا لقاء الله إلا على حال يرضونها ، قاله الزجاج .
يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير

[ ص: 484 ] قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا) أي: كالمنافقين الذين قالوا لإخوانهم في النفاق ، وقيل: إخوانهم في النسب . قال الزجاج: وإنما قال: "إذا ضربوا" ولم يقل: إذ ضربوا ، لأنه يريد: شأنهم هذا أبدا ، تقول: فلان إذا حدث صدق ، وإذا ضرب صبر . و"إذا" لما يستقبل ، إلا أنه لم يحكم له بهذا المستقبل إلا لما قد خبر منه فيما مضى . قال المفسرون: ومعنى (ضربوا في الأرض): ساروا وسافروا . و"غزى" جمع غازي . وفي الكلام محذوف تقديره: إذا ضربوا في الأرض ، فماتوا ، أو غزوا ، فقتلوا .

قوله تعالى: (ليجعل الله ذلك) قال ابن عباس: ليجعل الله ما ظنوا من أنهم لو كانوا عندهم ، سلموا ، (حسرة في قلوبهم) أي: حزنا . قال ابن فارس: الحسرة: التلهف على الشيء الفائت .

قوله تعالى: (والله يحيي ويميت) أي: ليس تحرز الإنسان يمنعه من أجله .

قوله تعالى: (والله بما تعملون بصير) قرأ ابن كثير ، وحمزة ، والكسائي: يعملون بالياء ، وقرأ الباقون بالتاء . قال أبو علي: حجة من قرأ بالياء أن قبلها غيبة ، وهو قوله تعالى: (وقالوا لإخوانهم) ومن قرأ بالتاء ، فحجته (لا تكونوا كالذين كفروا) .
ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون .

قوله تعالى: (ولئن قتلتم) اللام في "لئن" لام القسم ، تقديره: والله لئن قتلتم في الجهاد (أو متم) في إقامتكم . قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم: "مت" و"متم" و"متنا" برفع الميم في جميع القرآن . وروى حفص عن عاصم: (أو متم) (ولئن متم) برفع الميم في هذين دون باقي القرآن . وقرأ نافع ، وحمزة ، والكسائي كل ما في القرآن بالكسر .

[ ص: 485 ] قوله تعالى: (لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون) أي: من أعراض الدنيا التي تتركون الجهاد لجمعها . وقرأ حفص عن عاصم: يجمعون بالياء ، ومعناه: خير مما يجمع غيركم مما تركوا الجهاد لجمعه . قال ابن عباس خير: مما يجمع المنافقون في الدنيا .
ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون .

قوله تعالى: (ولئن متم) أي: في إقامتكم . (أو قتلتم) في جهادكم . (لإلى الله تحشرون) وهذا تخويف من القيامة . والحشر: الجمع مع سوق .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 370.55 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 364.66 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (1.59%)]