تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد - الصفحة 50 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          تذكري أختاه تذكري ملك الموت (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          صفات الحجاب الشرعي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          فكّ القيود (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          مهارات التفكير (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          العلمُ والندرةُ المهيبة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          الإنفاق على الأيتام سبيل إلى مرافقة النبي في الجنة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          الأندلس المفقود (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          سيرٌ بنصف وحي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          الحب الجنوني للساحرة، كرة القدم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التسجيل التعليمـــات التقويم

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 10-05-2024, 12:11 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,545
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السابع

سُورَةُ مُحَمَّدٍ
الحلقة (494)
صــ 391 إلى صــ 400



أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير . ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون . فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون .

ثم احتج على إحياء الموتى بقوله: أولم يروا . . . إلى آخر الآية . والرؤية هاهنا بمعنى العلم .

ولم يعي أي: لم يعجز عن ذلك; يقال: عي فلان بأمره، إذا لم يهتد له ولم يقدر عليه . قال الزجاج : يقال: عييت بالأمر، إذا لم تعرف وجهه، وأعييت، إذا تعبت .

[ ص: 392 ] قوله تعالى: بقادر قال أبو عبيدة والأخفش: الباء زائدة مؤكدة . وقال الفراء: العرب تدخل الباء مع الجحد، مثل قولك: ما أظنك بقائم، وهذا قول الكسائي، والزجاج . وقرأ يعقوب: "يقدر" بياء مفتوحة مكان الباء وسكون القاف ورفع الراء من غير ألف . وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: كما صبر أولو العزم أي: ذوو الحزم والصبر; وفيهم عشرة أقوال .

أحدها: أنهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، صلى الله عليهم وسلم، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة، وعطاء الخراساني، وابن السائب .

والثاني: نوح، وهود، وإبراهيم، ومحمد، صلى الله عليهم وسلم، قاله أبو العالية الرياحي .

والثالث: أنهم الذين لم تصبهم فتنة من الأنبياء، قاله الحسن .

والرابع: أنهم العرب من الأنبياء، قاله مجاهد، والشعبي .

والخامس: أنهم إبراهيم، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمد، صلى الله عليهم وسلم، قاله السدي

والسادس: أن منهم إسماعيل، ويعقوب، وأيوب، وليس منهم آدم، ولا يونس، ولا سليمان، قاله ابن جريج .

والسابع: أنهم الذين أمروا بالجهاد والقتال، قاله ابن السائب، وحكي عن السدي .

والثامن: أنهم جميع الرسل، فإن الله لم يبعث رسولا إلا كان من أولي العزم، قاله ابن زيد، واختاره ابن الأنباري، وقال: "من" دخلت للتجنيس لا للتبعيض، كما تقول: قد رأيت الثياب من الخز والجباب من القز .

[ ص: 393 ] والتاسع: أنهم الأنبياء الثمانية عشر المذكورون في سورة [الأنعام: 83 -86]، قاله الحسين بن الفضل .

والعاشر: أنهم جميع الأنبياء إلا يونس، حكاه الثعلبي .

قوله تعالى: ولا تستعجل لهم يعني العذاب . قال بعض المفسرين: كان النبي صلى الله عليه وسلم ضجر بعض الضجر، وأحب أن ينزل العذاب بمن أبى من قومه، فأمر بالصبر .

قوله تعالى: كأنهم يوم يرون ما يوعدون أي: من العذاب لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار لأن ما مضى كأنه لم يكن وإن كان طويلا . وقيل: لأن مقدار مكثهم في الدنيا قليل في جنب مكثهم في عذاب الآخرة . وهاهنا تم الكلام . ثم قال: بلاغ أي: هذا القرآن وما فيه من البيان بلاغ عن الله إليكم .

وفي معنى وصف القرآن بالبلاغ قولان .

أحدهما: أن البلاغ بمعنى التبليغ .

والثاني: أن معناه: الكفاية، فيكون المعنى: ما أخبرناهم به لهم فيه كفاية وغنى .

وذكر ابن جرير وجها آخر، وهو أن المعنى: لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، ذلك لبث بلاغ، أي: ذلك بلاغ لهم في الدنيا إلى آجالهم، ثم حذفت "ذلك لبث" اكتفاء بدلالة ما ذكر في الكلام عليها .

[ ص: 394 ] وقرأ أبو العالية، وأبو عمران: "بلغ" بكسر اللام وتشديدها وسكون الغين من غير ألف .

قوله تعالى: فهل يهلك وقرأ أبو رزين، وأبو المتوكل، وابن محيصن: "يهلك" بفتح الياء وكسر اللام، أي: عند رؤية العذاب إلا القوم الفاسقون الخارجون عن أمر الله عز وجل؟! .

[ ص: 395 ]

سُورَةُ مُحَمَّدٍ
صلى الله عليه وسلم

وفيها قولان .

أحدهما: [أنها] مدنية، قاله الأكثرون، منهم مجاهد، ومقاتل . وحكي عن ابن عباس وقتادة أنها مدنية، إلا آية منها نزلت عليه بعد حجه حين خرج من مكة وجعل ينظر إلى البيت، وهي قوله: وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك [محمد: 13] .

والثاني: أنها مكية، قاله الضحاك، والسدي .

بسم الله الرحمن الرحيم

الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم . والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم . ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم . فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم [ ص: 396 ] فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم . ويدخلهم الجنة عرفها لهم

قوله تعالى: الذين كفروا أي: بتوحيد الله وصدوا الناس عن الإيمان به، وهم مشركو قريش، أضل أعمالهم أي: أبطلها، ولم يجعل لها ثوابا، فكأنها لم تكن; وقد كانوا يطعمون الطعام، ويصلون الأرحام، ويتصدقون، ويفعلون ما يعتقدونه قربة .

والذين آمنوا وعملوا الصالحات يعني أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وآمنوا بما نزل على محمد وقرأ ابن مسعود: "نزل" بفتح النون والزاي وتشديدها . وقرأ أبي بن كعب ، ومعاذ القارئ: "أنزل" بهمزة مضمومة مكسورة الزاي . وقرأ أبو رزين، وأبو الجوزاء، وأبو عمران: "نزل" بفتح النون والزاي وتخفيفها، كفر عنهم سيئاتهم أي: غفرها لهم وأصلح بالهم أي: حالهم، قاله قتادة ، والمبرد .

قوله تعالى: ذلك قال الزجاج : معناه: الأمر ذلك، وجائز أن يكون: ذلك الإضلال، لاتباعهم الباطل، وتلك الهداية والكفارات باتباع المؤمنين الحق، كذلك يضرب الله للناس أمثالهم أي: كذلك يبين أمثال حسنات المؤمنين وسيئات الكافرين كهذا البيان .

قوله تعالى: فضرب الرقاب إغراء; والمعنى: فاقتلوهم، لأن الأغلب في موضع القتل ضرب العنق حتى إذا أثخنتموهم أي: أكثرتم فيهم [ ص: 397 ] القتل فشدوا الوثاق يعني في الأسر; وإنما يكون الأسر بعد المبالغة في القتل . و "الوثاق" اسم من الإيثاق; تقول: أوثقته إيثاقا ووثاقا، إذا شددت أسره لئلا يفلت فإما منا بعد قال أبو عبيدة: إما أن تمنوا، وإما أن تفادوا، ومثله: سقيا، ورعيا، وإنما هو سقيت ورعيت . وقال الزجاج : إما مننتم عليهم بعد أن تأسروهم منا، وإما أطلقتموهم بفداء .

فصل

وهذه الآية محكمة عند عامة العلماء . وممن ذهب إلى أن حكم المن والفداء باق لم ينسخ: ابن عمر، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، وأحمد، والشافعي . وذهب قوم إلى نسخ المن والفداء بقوله: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ، وممن ذهب إلى هذا ابن جريج، والسدي، وأبو حنيفة . وقد أشرنا إلى القولين في [براءة: 5] .

قوله تعالى: حتى تضع الحرب أوزارها قال ابن عباس: حتى لا يبقى أحد من المشركين . وقال مجاهد: حتى لا يكون دين إلا دين الإسلام . وقال سعيد بن جبير: حتى يخرج المسيح . وقال الفراء: حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم . وفي معنى الكلام قولان .

أحدهما: حتى يضع أهل الحرب سلاحهم; قال الأعشى:


وأعددت للحرب أوزارها: رماحا طوالا وخيلا ذكورا


[ ص: 398 ] وأصل "الوزر" ما حملته، فسمي السلاح "أوزارا" لأنه يحمل، هذا قول ابن قتيبة .

والثاني: حتى تضع حربكم وقتالكم أوزار المشركين وقبائح أعمالهم بأن يسلموا ولا يعبدوا إلا الله، ذكره الواحدي .

قوله تعالى: ذلك أي: الأمر ذلك الذي ذكرنا ولو يشاء الله لانتصر منهم بإهلاكهم أوتعذيبهم بما شاء ولكن أمركم بالحرب ليبلو بعضكم ببعض فيثيب المؤمن ويكرمه بالشهادة، ويخزي الكافر بالقتل والعذاب .

قوله تعالى: والذين قتلوا قرأ أبو عمرو، وحفص عن عاصم: "قتلوا" بضم القاف وكسر التاء; والباقون: "قاتلوا" بألف .

قوله تعالى: سيهديهم فيه أربعة أقوال . أحدها: يهديهم إلى أرشد الأمور، قاله ابن عباس . والثاني: يحقق لهم الهداية، قاله الحسن . والثالث: إلى محاجة منكر ونكير . والرابع: إلى طريق الجنة، حكاهما الماوردي .

وفي قوله: عرفها لهم قولان .

أحدهما: عرفهم منازلهم فيها فلا يستدلون عليها ولا يخطئونها، هذا قول الجمهور، منهم مجاهد، وقتادة، واختاره الفراء، وأبو عبيدة .

والثاني: طيبها لهم، رواه عطاء عن ابن عباس . قال ابن قتيبة : وهو قول أصحاب اللغة، يقال: طعام معرف، أي: مطيب .

وقرأ أبو مجلز، وأبو رجاء، وابن محيصن: "عرفها لهم" بتخفيف الراء .

[ ص: 399 ] يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم . ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها . ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم . إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم . وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم . أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم .

قوله تعالى: إن تنصروا الله أي: تنصروا دينه ورسوله ينصركم على عدوكم ويثبت أقدامكم عند القتال . وروى المفضل عن عاصم: "ويثبت" بالتخفيف .

والذين كفروا فتعسا لهم قال الفراء: المعنى: فأتعسهم الله: والدعاء قد يجري مجرى الأمر والنهي . قال ابن قتيبة : هو من قولك: تعست، [ ص: 400 ] أي: عثرت وسقطت . وقال الزجاج : التعس في اللغة: الانحطاط والعثور . وما بعد هذا قد سبق بيانه [الكهف: 105، يوسف: 109] إلى قوله: دمر الله عليهم أي: أهلكهم [الله] وللكافرين أمثالها أي: أمثال تلك العاقبة .

ذلك الذي فعله بالمؤمنين من النصر، وبالكافرين من الدمار بأن الله مولى الذين آمنوا أي: وليهم .

وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: ويأكلون كما تأكل الأنعام أي: أن الأنعام تأكل وتشرب، ولا تدري ما في غد، فكذلك الكفار لا يلتفتون إلى الآخرة . و "المثوى": المنزل .

وكأين مشروح في [آل عمران: 146] . والمراد بقريته: مكة; وأضاف القوة والإخراج إليها، والمراد أهلها، ولذلك قال: أهلكناهم .

قوله تعالى: أفمن كان على بينة من ربه فيه قولان . أحدهما: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله أبو العالية . والثاني: أنه المؤمن، قاله الحسن .

وفي "البينة" قولان . أحدهما: القرآن، قاله ابن زيد . والثاني: الدين، قاله ابن السائب .

كمن زين له سوء عمله يعني عبادة الأوثان، وهو الكافر واتبعوا أهواءهم بعبادتها .






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 10-05-2024, 12:16 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,545
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السابع

سُورَةُ مُحَمَّدٍ
الحلقة (495)
صــ 401 إلى صــ 410



[ ص: 401 ] مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم .

مثل الجنة التي وعد المتقون أي: صفتها، وقد شرحناه في [الرعد: 35] . و "المتقون" عند المفسرين: الذين يتقون الشرك . و "الآسن" المتغير الريح، قاله أبو عبيدة، والزجاج . وقال ابن قتيبة : هو المتغير الريح والطعم، و "الآجن" نحوه . وقرأ ابن كثير: "غير أسن" بغير مد . وقد شرحنا قوله لذة للشاربين في [الصافات: 46] .

قوله تعالى: من عسل مصفى أي: من عسل ليس فيه عكر ولا كدر كعسل أهل الدنيا .

قوله تعالى: كمن هو خالد في النار قال الفراء: أراد: من كان في هذا النعيم، كمن هو خالد في النار؟! .

قوله تعالى: ماء حميما أي: حارا شديد الحرارة . و "الأمعاء" جميع ما في [ ص: 402 ] البطن من الحوايا .

ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم . والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم . فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم .

قوله تعالى: ومنهم من يستمع إليك يعني المنافقين . وفيما يستمعون قولان . أحدهما: أنه سماع خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة . والثاني: سماع قوله على عموم الأوقات . فأما " الذين أوتوا العلم " ، فالمراد: بهم علماء الصحابة .

قوله تعالى: ماذا قال آنفا قال الزجاج : أي: ماذا قال الساعة، وهو من قولك: استأنفت الشيء: إذا ابتدأته، وروضة أنف: لمن ترع، أي: لها أول يرعى; فالمعنى: ماذا قال في أول وقت يقرب منا . وحدثنا عن أبي عمر غلام ثعلب أنه قال: معنى "آنفا" مذ ساعة . وقرأ ابن كثير، في بعض الروايات عنه: "أنفا" بالقصر، وهذه قراءة عكرمة، وحميد، وابن محيصن . قال أبو علي: يجوز أن يكون ابن كثير توهم، مثل حاذر وحذر، وفاكه وفكه .

وفي استفهامهم قولان . أحدهما: لأنهم لم يعقلوا ما يقول، ويدل عليه باقي الآية . والثاني: أنهم قالوه استهزاء .

قوله تعالى: والذين اهتدوا فيهم قولان . أحدهما: أنهم المسلمون، [ ص: 403 ] قاله الجمهور . والثاني: قوم من أهل الكتاب كانوا على الإيمان بأنبيائهم وبمحمد صلى الله عليه وسلم، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا به، قاله عكرمة .

وفي الذي زادهم ثلاثة أقوال . أحدها: أنه الله عز وجل . والثاني: قول الرسول . والثالث: استهزاء المنافقين زاد المؤمنين هدى، ذكرهن الزجاج . وفي معنى الهدى قولان . أحدهما: أنه العلم . والثاني: البصيرة .

وفي قوله: وآتاهم تقواهم ثلاثة أقوال . أحدها: ثواب تقواهم في الآخرة، قاله السدي . والثاني: اتقاء المنسوخ والعمل بالناسخ، قاله عطية . والثالث: أعطاهم التقوى مع الهدى، فاتقوا معصيته خوفا من عقوبته، قاله أبو سليمان الدمشقي .

وينظرون بمعنى ينتظرون، أن تأتيهم وقرأ أبي بن كعب ، وأبو الأشهب، وحميد: "إن تأتهم" بكسر الهمزة من غير ياء بعد التاء . والأشراط: العلامات; قال أبو عبيدة: الأشراط: الأعلام، وإنما سمي الشرط -فيما ترى- لأنهم أعلموا أنفسهم . قال المفسرون: ظهور النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة، وانشقاق القمر والدخان وغير ذلك .

[ ص: 404 ] فأنى لهم أي: فمن أين لهم إذا جاءتهم الساعة ذكراهم ؟! قال قتادة: أنى لهم أن يذكروا ويتوبوا إذا جاءت؟!

فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم . ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم . طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم .

قوله تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله قال بعضهم: اثبت على علمك، وقال قوم: المراد بهذا الخطاب غيره; وقد شرحنا هذا في فاتحة " الأحزاب " . وقيل: إنه كان يضيق صدره بما يقولون، فقيل له: اعلم أنه لا كاشف لما بك إلا الله .

فأما قوله: واستغفر لذنبك فإنه كان يستغفر في اليوم مائة مرة، وأمر أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات إكراما لهم لأنه شفيع مجاب .

[ ص: 405 ] والله يعلم متقلبكم ومثواكم فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: متقلبكم في الدنيا ومثواكم في الآخرة، وهو معنى قول ابن عباس .

والثاني: متقلبكم في أصلاب الرجال إلى أرحام النساء، ومقامكم في القبور، قاله عكرمة .

والثالث: "متقلبكم" بالنهار و "مثواكم" أي: مأواكم بالليل، قاله مقاتل .

قوله تعالى: ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة قال المفسرون: سألوا ربهم أن ينزل سورة فيها ثواب القتال في سبيل الله، اشتياقا منهم إلى الوحي وحرصا على الجهاد، فقالوا: "لولا" أي: هلا; وكان أبو مالك الأشجعي يقول: "لا" هاهنا صلة، فالمعنى: لو أنزلت سورة، شوقا منهم إلى الزيادة في العلم، ورغبة في الثواب والأجر بالاستكثار من الفرائض .

وفي معنى "محكمة" ثلاثة أقوال . أحدها: أنها التي يذكر فيها القتال، قاله قتادة . والثاني: أنها التي يذكر فيها الحلال والحرام . والثالث: التي لا منسوخ فيها، حكاهما أبو سليمان الدمشقي .

ومعنى قوله: وذكر فيها القتال أي: فرض فيها الجهاد .

وفي المراد بالمرض قولان . أحدهما: النفاق، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والجمهور . والثاني: الشك، قاله مقاتل .

[ ص: 406 ] قوله تعالى: ينظرون إليك أي يشخصون نحوك بأبصارهم ينظرون نظرا شديدا كما ينظر الشاخص ببصره عند الموت، لأنهم يكرهون القتال، ويخافون إن قعدوا أن يتبين نفاقهم .

فأولى لهم قال الأصمعي: معنى قولهم في التهديد: "أولى لك" أي: وليك وقاربك ما تكره . وقال ابن قتيبة : هذا وعيد وتهديد، تقول للرجل -إذا أردت به سوءا، ففاتك- أولى لك، ثم ابتدأ، فقال: طاعة وقول معروف . . . وقال سيبويه والخليل: المعنى: طاعة وقول معروف أمثل . وقال الفراء: الطاعة معروفة في كلام العرب، إذا قيل لهم: افعلوا كذلك، قالوا: سمع وطاعة، فوصف [الله] قولهم قبل أن تنزل السورة أنهم يقولون: سمع وطاعة، فإذا نزل الأمر كرهوا . وأخبرني حبان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: قال الله تعالى: فأولى ، ثم قال: لهم أي: للذين آمنوا منهم طاعة ، فصارت "أولى" وعيدا لمن كرهها، واستأنف الطاعة بـ "لهم"; والأول عندنا كلام العرب، وهذا غير مردود، يعني حديث أبي صالح . وذكر بعض المفسرين أن الكلام متصل بما قبله; والمعنى: فأولى لهم أن يطيعوا وأن يقولوا معروفا بالإجابة .

قوله تعالى: فإذا عزم الأمر قال الحسن: جد الأمر . وقال غيره: جد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الجهاد، ولزم فرض القتال، وصار الأمر معروفا عليه . وجواب "إذا" محذوف، تقديره: فإذا عزم الأمر نكلوا; يدل على المحذوف فلو صدقوا الله أي: في إيمانهم وجهادهم لكان خيرا لهم من المعصية والكراهة .

[ ص: 407 ] فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم . أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها . إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم . ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم . فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم . ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم

قوله تعالى: فهل عسيتم إن توليتم في المخاطب بهذا أربعة أقوال . أحدها: المنافقون، وهو الظاهر . والثاني: منافقو اليهود، قاله مقاتل . والثالث: الخوارج، قاله بكر بن عبد الله المزني . والرابع: قريش، حكاه جماعة منهم الماوردي .

وفي قوله: توليتم قولان .

أحدهما: أنه بمعنى الإعراض . فالمعنى: إن أعرضتم عن الإسلام أن تفسدوا في الأرض بأن تعودوا إلى الجاهلية يقتل بعضكم بعضا، ويغير بعضكم على بعض، ذكره جماعة من المفسرين .

والثاني: أنه من الولاية لأمور الناس، قاله القرظي . فعلى هذا يكون معنى "أن تفسدوا في الأرض": بالجور والظلم .

وقرأ يعقوب: "وتقطعوا" بفتح التاء والطاء وتخفيفها وسكون القاف . ثم ذم من يريد ذلك بالآية التي بعد هذه .

[ ص: 408 ] وما بعد هذا قد سبق [النساء: 82] إلى قوله: أم على قلوب أقفالها "أم" بمعنى "بل"، وذكر الأقفال استعارة، والمراد أن القلب يكون كالبيت المقفل لا يصل إليه الهدى . [قال مجاهد]: الران أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشد ذلك كله، وقال خالد بن معدان: مامن آدمي إلا وله أربع أعين، عينان في رأسه لدنياه وما يصلحه من معيشته، وعينان في قلبه لدينه وما وعد الله من الغيب، فإذا أراد الله بعبد خيرا أبصرت عيناه اللتان في قلبه، وإذا أراد به غير ذلك طمس عليهما، فذلك قوله: "أم على قلوب أقفالها" .

قوله تعالى: إن الذين ارتدوا على أدبارهم أي: رجعوا كفارا; وفيهم قولان . أحدهما: أنهم المنافقون، قاله ابن عباس، والسدي، وابن زيد . والثاني: أنهم اليهود، قاله قتادة ، ومقاتل . من بعد ما تبين لهم الهدى أي: من بعد ما وضح لهم الحق . ومن قال: هم اليهود، قال: من بعد أن [ ص: 409 ] تبين لهم وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعته في كتابهم . و سول بمعنى زين . وأملى لهم قرأ أبو عمرو، وزيد عن يعقوب: "وأملي لهم" بضم الهمزة وكسر اللام وبعدها ياء مفتوحة . وقرأ يعقوب إلا زيدا، وأبان عن عاصم كذلك، إلا أنهما أسكنا الياء . وقرأ الباقون بفتح الهمزة واللام . وقد سبق معنى الإملاء [آل عمران: 178، الأعراف: 183] .

قوله تعالى: ذلك قال الزجاج : المعنى: الأمر ذلك، أي: ذلك الإضلال بقولهم للذين كرهوا ما نزل الله وفي الكارهين قولان .

أحدهما: أنهم المنافقون، فعلى هذا في معنى قوله: سنطيعكم في بعض الأمر ثلاثة أقوال . أحدها: في القعود عن نصرة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله السدي . والثاني: في الميل إليكم والمظاهرة على محمد صلى الله عليه وسلم . والثالث: في الارتداد بعد الإيمان، حكاهما الماوردي .

والثاني: أنهم اليهود، فعلى هذا في الذي أطاعوهم فيه قولان . أحدهما: في أن لا يصدقوا شيئا من مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله الضحاك . والثاني: في كتم ما علموه من نبوته، قاله ابن جريج .

والله يعلم إسرارهم قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم، والوليد عن يعقوب: بكسر الألف على أنه مصدر أسررت; وقرأ الباقون: بفتحها على أنه جمع سر، والمعنى أنه يعلم ما بين اليهود والمنافقين من السر .

[ ص: 410 ] قوله تعالى: فكيف إذا توفتهم الملائكة أي: فكيف يكون حالهم حينئذ؟ وقد بينا في [الأنفال: 50] معنى قوله: يضربون وجوههم وأدبارهم .

قوله تعالى: وكرهوا رضوانه أي: كرهوا ما فيه الرضوان، وهو الإيمان والطاعة .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 10-05-2024, 12:22 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,545
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السابع

سُورَةُ الْفَتْحِ
الحلقة (496)
صــ 411 إلى صــ 420




أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم .

قوله تعالى: أم حسب الذين في قلوبهم مرض أي: نفاق أن لن يخرج الله أضغانهم قال الفراء: أي لن يبدي الله عداوتهم وبغضهم لمحمد صلى الله عليه وسلم . وقال الزجاج : أي: لن يبدي عداوتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم ويظهره على نفاقهم .

[ ص: 411 ] ولو نشاء لأريناكهم أي: لعرفناكهم: تقول: قد أريتك هذا الأمر، أي: قد عرفتك إياه، المعنى: لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة، وهي السيماء فلعرفتهم بسيماهم أي: بتلك العلامة ولتعرفنهم في لحن القول أي: في فحوى القول، فدل بهذا على أن قول القائل وفعله يدل على نيته . وقول الناس: قد لحن فلان، تأويله: قد أخذ في ناحية عن الصواب، وعدل عن الصواب إليها، وقول الشاعر:


منطق صائب وتلحن أحيا نا، وخير الحديث ما كان لحنا


تأويله: خير الحديث من مثل هذه ما كان لا يعرفه كل أحد، إنما يعرف قولها في أنحاء قولها . قال المفسرون: ولتعرفنهم في فحوى الكلام ومعناه ومقصده، فإنهم يتعرضون بتهجين أمرك والاستهزاء بالمسلمين . قال ابن جرير: ثم عرفه الله إياهم .

قوله تعالى: ولنبلونكم أي: ولنعاملنكم معاملة المختبر بأن نأمركم بالجهاد حتى نعلم العلم الذي هو علم وجود، وبه يقع الجزاء; وقد شرحنا هذا في [العنكبوت: 3] .

قوله تعالى: ونبلو أخباركم أي: نظهرها ونكشفها بإباء من يأبى القتال ولا يصبر على الجهاد . وقرأ أبو بكر عن عاصم: "وليبلونكم" بالياء "حتى يعلم" بالياء "ويبلو" بالياء فيهن . وقرأ معاذ القارئ، [ ص: 412 ] وأيوب السختياني: "أخياركم" بالياء جمع "خير" .

قوله تعالى: إن الذين كفروا . . . [الآية] اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال .

أحدها: أنها في المطعمين يوم بدر، قاله ابن عباس .

والثاني: أنها نزلت في الحارث بن سويد، ووحوح الأنصاري، أسلما ثم ارتدا، فتاب الحارث ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى صاحبه أن يرجع حتى مات، قاله السدي .

والثالث: أنها في اليهود، قاله مقاتل .

والرابع: أنها في قريظة [والنضير]، ذكره الواحدي .

قوله تعالى: ولا تبطلوا أعمالكم اختلفوا في مبطلها على أربعة أقوال . أحدها: المعاصي والكبائر، قاله الحسن . والثاني: الشك والنفاق، قاله عطاء . والثالث، الرياء والسمعة، قاله ابن السائب . والرابع: بالمن، وذلك [ ص: 413 ] أن قوما من الأعراب قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أتيناك طائعين، فلنا عليك حق، فنزلت هذه الآية، ونزل قوله: يمنون عليك أن أسلموا [الحجرات: 17]، هذا قول مقاتل . قال القاضي أبو يعلى: وهذا يدل على أن كل من دخل في قربة لم يجز له الخروج منها قبل إتمامها، وهذا على ظاهره في الحج، فأما في الصلاة والصيام، فهو على سبيل الاستحباب .

فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم .

قوله تعالى: فلا تهنوا أي: فلا تضعفوا وتدعوا إلى السلم قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ، وابن عامر، والكسائي، وحفص عن عاصم: "إلى السلم" بفتح السين; وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم: بكسر السين، والمعنى: لا تدعوا الكفار إلى الصلح ابتداء . وفي هذا دلالة على أنه لا يجوز طلب الصلح من المشركين، ودلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل مكة صلحا، لأنه نهاه عن الصلح .

[ ص: 414 ] قوله تعالى: وأنتم الأعلون أي: أنتم أعز منهم، والحجة لكم، وآخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات والله معكم بالعون والنصرة ولن يتركم قال ابن قتيبة : أي: لن ينقصكم ولن يظلمكم، يقال: وترتني حقي، أي: بخستنيه . قال المفسرون: المعنى: لن ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا .

قوله تعالى: ولا يسألكم أموالكم أي: لن يسألكموها كلها .

قوله تعالى: فيحفكم قال الفراء: يجهدكم . وقال ابن قتيبة : يلح عليكم بما يوجبه في أموالكم تبخلوا ، [يقال: أحفاني بالمسألة وألحف: إذا ألح . وقال السدي: إن يسألكم جميع ما في أيديكم تبخلوا] .

ويخرج أضغانكم وقرأ سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن يعمر: "ويخرج" بياء مرفوعة وفتح الراء "أضغانكم" بالرفع . وقرأ أبي بن كعب ، وأبو رزين ، وعكرمة، وابن السميفع، وابن محيصن، والجحدري : "وتخرج" بتاء مفتوحة ورفع الراء "أضغانكم" بالرفع . وقرأ ابن مسعود، والوليد عن [ ص: 415 ] يعقوب: "ونخرج" بنون مرفوعة وكسر الراء "أضغانكم" بنصب النون، أي: يظهر بغضكم وعداوتكم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم; ولكنه فرض عليكم يسيرا .

وفيمن يضاف إليه هذا الإخراج وجهان .

أحدهما: إلى الله عز وجل . والثاني: البخل، حكاهما الفراء . وقد زعم قوم أن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة، وليس بصحيح، لأنا قد بينا أن معنى الآية: إن يسألكم جميع أموالكم; والزكاة لا تنافي ذلك .

قوله تعالى: ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله يعني ما فرض عليكم في أمولكم فمنكم من يبخل بما فرض عليه من الزكاة ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه أي: على نفسه بما ينفعها في الآخرة والله الغني عنكم وعن أموالكم وأنتم الفقراء إليه وإلى ما عنده من الخير والرحمة وإن تتولوا عن طاعته يستبدل قوما غيركم أطوع له منكم ثم لا يكونوا أمثالكم بل خيرا منكم . وفي هؤلاء القوم ثمانية أقوال .

أحدها: أنهم العجم، قاله الحسن . وفيه حديث يرويه أبو هريرة قال: لما نزلت "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم" كان سلمان إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الذين إذا تولينا استبدلوا بنا؟ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم [يده] على منكب سلمان، فقال: "هذا وقومه، والذي نفسي بيده، لو أن الدين معلق بالثريا لتناوله رجال من فارس" . والثاني: فارس والروم، قاله [ ص: 416 ] عكرمة . والثالث: من يشاء من جميع الناس، قاله مجاهد . والرابع: يأتي بخلق جديد غيركم، وهو معنى قول قتادة . والخامس: كندة والنخع، قاله ابن السائب . والسادس: أهل اليمن، قاله راشد بن سعد، وعبد الرحمن بن جبير، وشريح بن عبيد . والسابع: الأنصار، قاله مقاتل . والثامن: أنهم الملائكة، حكاه الزجاج وقال: فيه بعد [لأنه] لا يقال للملائكة "قوم"، إنما يقال ذلك [ ص: 417 ] للآدميين; قال: وقد قيل: إن تولى أهل مكة استبدل الله بهم أهل المدينة، وهذا [معنى] ما ذكرنا عن مقاتل .

[ ص: 418 ]
سُورَةُ الْفَتْحِ
وهي مدنية كلها بإجماعهم

بسم الله الرحمن الرحيم

إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا .

قوله تعالى: إنا فتحنا لك فتحا مبينا . . . [الآية] سبب نزولها أنه لما نزل قوله: وما أدري ما يفعل بي ولا بكم [الأحقاف: 9] قال اليهود: كيف نتبع رجلا لا يدري ما يفعل به؟! فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، رواه عطاء عن ابن عباس .

وفي المراد بالفتح أربعة أقوال .

أحدها: أنه كان يوم الحديبية، قاله الأكثرون . قال البراء بن عازب: نحن نعد الفتح بيعة الرضوان . وقال الشعبي: هو فتح الحديبية، غفر له [ ص: 419 ] ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدي محله، وظهرت الروم على فارس، ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس . قال الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير وكثر بهم سواد الإسلام . قال مجاهد: يعني بالفتح ما قضى الله له من نحر الهدي [ ص: 420 ] بالحديبية وحلق رأسه، وقال ابن قتيبة : "إنا فتحنا لك فتحا مبينا" أي: قضينا لك قضاء عظيما، ويقال للقاضي: الفتاح . قال الفراء: والفتح قد يكون صلحا، ويكون أخذ الشيء عنوة، ويكون بالقتال . وقال غيره: معنى الفتح في اللغة: فتح المنغلق، والصلح الذي جعل مع المشركين بالحديبية كان مسدودا متعذرا حتى فتحه الله تعالى .





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 10-05-2024, 12:26 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,545
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السابع

سُورَةُ الْفَتْحِ
الحلقة (497)
صــ 421 إلى صــ 430




الإشارة إلى قصة الحديبية

روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في النوم كأن قائلا يقول [له]: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين، فأصبح فحدث الناس برؤياه، وأمرهم بالخروج للعمرة; فذكر أهل العلم بالسير أنه خرج واستنفر أصحابه للعمرة، وذلك في سنة ست، ولم يخرج بسلاح إلا السيوف في القرب . وساق هو وأصحابه البدن . فصلى الظهر بـ "ذي الحليفة"، ثم دعا بالبدن فجللت، ثم أشعرها وقلدها، وفعل ذلك أصحابه، وأحرم ولبى، فبلغ المشركين خروجه، فأجمع رأيهم على صده عن المسجد الحرام، [ ص: 421 ] وخرجوا حتى عسكروا بـ "بلدح"، وقدموا مائتي فارس إلى كراع الغميم، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دنا من الحديبية; قال الزجاج : وهي بئر، فسمي المكان باسم البئر; قالوا: وبينها وبين مكة تسعة أميال، فوقفت يدا راحلته، فقال المسلمون: حل حل يزجرونها، فأبت، فقالوا: خلأت القصواء -والخلاء في الناقة مثل الحران في الفرس- فقال: "ما خلأت، ولكن حبسها حابس الفيل، أما والله لا يسألوني خطة فيها تعظيم حرمة الله إلا أعطيتهم إياها"، ثم جرها فقامت، فولى راجعا عوده على بدئه حتى نزل على ثمد من أثماد الحديبية قليل الماء، فانتزع سهما من كنانته فغرزه فيها، فجاشت لهم بالرواء، وجاءه بديل بن ورقاء في ركب فسلموا وقالوا: جئناك من [ ص: 422 ] عند قومك وقد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم، يقسمون، لا يخلون بينك وبين البيت حتى تبيد خضراءهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم نأت لقتال أحد إنما جئنا لنطوف بهذا البيت، فمن صدنا عنه قاتلناه"، فرجع [بديل] فأخبر قريشا، فبعثوا عروة بن مسعود، فكلمه بنحو ذلك، فأخبر قريشا، فقالوا: نرده من عامنا هذا، ويرجع من قابل فيدخل مكة ويطوف بالبيت، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان، قال: "اذهب إلى قريش فأخبرهم أنا لم نأت لقتال أحد، وإنما جئنا زوارا لهذا البيت، معنا الهدي ننحره وننصرف، فأتاهم فأخبرهم، فقالوا: لا كان هذا أبدا، ولا يدخلها العام، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل، فقال: "لا نبرح حتى نناجزهم"، فذاك حين دعا المسلمين إلى بيعة الرضوان، فبايعهم تحت الشجرة .

وفي عددهم يومئذ أربعة أقوال .

أحدها: ألف وأربعمائة، قاله البراء، وسلمة بن الأكوع، وجابر، ومعقل بن يسار .

والثاني: ألف وخمسمائة، روي عن جابر أيضا، وبه قال قتادة .

والثالث: ألف وخمسمائة وخمس وعشرون، رواه العوفي عن ابن عباس .

والرابع: ألف وثلاثمائة، قاله عبد الله بن أبي أوفى، قال: وضرب يومئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله على يمينه لعثمان، وقال: إنه ذهب في حاجة الله ورسوله، [ ص: 423 ] وجعلت الرسل تختلف بينهم، فأجمعوا على الصلح، فبعثوا سهيل بن عمرو في عدة رجال، فصالحه كما ذكرنا في [براءة: 7]، فأقام بالحديبية بضعة عشر يوما، ويقال: عشرين ليلة، ثم انصرف، فلما كان بـ "ضجنان" نزل عليه: "إنا فتحنا لك فتحا مبينا"، فقال جبريل: يهنيك يا رسول الله، وهنأه المسلمون .

والقول الثاني: أن هذا الفتح فتح مكة، رواه مسروق عن عائشة، وبه قال السدي . وقال بعض من ذهب إلى هذا: إنما وعد بفتح مكة بهذه الآية .

والثالث: أنه فتح خيبر، قاله مجاهد، والعوفي وعن أنس بن مالك كالقولين .

والرابع: أنه القضاء له بالإسلام، قاله مقاتل . وقال غيره: حكمنا لك بإظهار دينك والنصرة على عدوك .

قوله تعالى: ليغفر لك الله قال ثعلب: اللام لام "كي"، والمعنى: لكي يجتمع لك [مع] المغفرة تمام النعمة في الفتح، فلما انضم إلى المغفرة شيء حادث، حسن معنى "كي"، وغلط من قال: ليس الفتح سبب المغفرة .

قوله تعالى: ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال ابن عباس: والمعنى: "ما تقدم" في الجاهلية، و "ما تأخر" ما لم تعلمه، وهذا على سبيل التأكيد، كما تقول: فلان يضرب من يلقاه ومن لا يلقاه .

قوله تعالى: ويتم نعمته عليك فيه أربعة أقوال .

أحدها: أن ذلك في الجنة . والثاني: أنه بالنبوة والمغفرة، رويا عن ابن عباس . والثالث: بفتح مكة والطائف وخيبر، حكاه الماوردي . والرابع: بإظهار دينك على سائر الأديان، قاله أبو سليمان الدمشقي .

قوله تعالى: ويهديك صراطا مستقيما أي: ويثبتك عليه; وقيل: [ ص: 424 ] ويهدي بك، وينصرك الله على عدوك نصرا عزيزا قال الزجاج : أي: نصرا ذا عز لا يقع معه ذل .

هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما إنا أرسلناك [ ص: 425 ] شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما .

قوله تعالى: هو الذي أنزل السكينة أي: السكون والطمأنينة في قلوب المؤمنين لئلا تنزعج قلوبهم لما يرد عليهم، فسلموا لقضاء الله، وكانوا قد اشتد عليهم صد المشركين لهم عن البيت، حتى قال عمر: علام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني"، ثم أوقع الله الرضى بما جرى في قلوب المسلمين، فسلموا وأطاعوا .

ليزدادوا إيمانا وذلك أنه كلما نزلت فريضة زاد إيمانهم .

ولله جنود السماوات والأرض يريد أن جميع أهل السموات والأرض ملك له، لو أراد نصرة نبيه بغيركم لفعل، ولكنه اختاركم لذلك، فاشكروه .

قوله تعالى: ليدخل المؤمنين . . . [الآية] سبب نزولها أنه لما نزل قوله: "إنا فتحنا لك" قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: هنيئا لك يا رسول الله بما أعطاك الله، فما لنا؟ فنزلت هذه الآية، قاله أنس بن مالك . قال مقاتل: [ ص: 426 ] فلما سمع عبد الله بن أبي بذلك، انطلق في نفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما لنا عند الله؟ فنزلت: ويعذب المنافقين . . . الآية .

قال ابن جرير: كررت اللام في "ليدخل" على اللام في "ليغفر"، فالمعنى: إنا فتحنا لك ليغفر لك الله ليدخل المؤمنين، ولذلك لم يدخل بينهما واو العطف، والمعنى: ليدخل وليعذب .

قوله تعالى: عليهم دائرة السوء قرأ ابن كثير، وأبو عمرو : بضم السين; والباقون: بفتحها .

قوله تعالى: وكان ذلك أي: ذلك الوعد بإدخالهم الجنة وتكفير سيئاتهم عند الله أي: في حكمه فوزا عظيما لهم; والمعنى: أنه حكم لهم بالفوز، فلذلك وعدهم إدخال الجنة .

قوله تعالى: الظانين بالله ظن السوء فيه خمسة أقوال .

أحدها: أنهم ظنوا أن لله شريكا . والثاني: أن الله لا ينصر محمدا وأصحابه . والثالث: أنهم ظنوا به حين خرج إلى الحديبية أنه سيقتل أويهزم ولا يعود ظافرا . والرابع: أنهم ظنوا أنهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمنزلة واحدة عند الله . والخامس: ظنوا أن الله لا يبعث الموتى . وقد بينا معنى "دائرة السوء" في [براءة: 98] .

وما بعد هذا قد سبق بيانه [الفتح: 4، الأحزاب: 45] إلى قوله: ( ليؤمنوا [ ص: 427 ] بالله ورسوله ) قرأ ابن كثير" وأبو عمرو : "ليؤمنوا" بالياء "ويعزروه ويوقروه ويسبحوه" كلهن بالياء; والباقون: بالتاء; على معنى: قل لهم: إنا أرسلناك، لتؤمنوا وقرأ علي بن أبي طالب، وابن السميفع: "ويعززوه" بزاءين . وقد ذكرنا في [الأعراف: 157] معنى "ويعزروه" عند قوله: وعزروه ونصروه .

قوله تعالى: ( ويوقروه ) أي: يعظموه ويبجلوه . واختار كثير من القراء الوقف هاهنا، لاختلاف الكناية فيه وفيما بعده .

قوله تعالى: ( ويسبحوه ) هذه الهاء ترجع إلى الله عز وجل . والمراد بتسبيحه هاهنا: الصلاة له . قال المفسرون: والمراد بصلاة البكرة: الفجر، وبصلاة الأصيل: باقي الصلوات الخمس .

قوله تعالى: إن الذين يبايعونك يعني بيعة الرضوان بالحديبية . وعلى ماذا بايعوه؟ فيه قولان .

أحدهما: أنهم بايعوه على الموت، قاله عبادة بن الصامت .

والثاني: على أن لا يفروا، قاله جابر بن عبد الله . ومعناهما متقارب، لأنه أراد: على أن لا تفروا ولو متم . وسميت بيعة، لأنهم باعوا أنفسهم من الله بالجنة، وكان العقد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأنهم بايعوا الله عز وجل، لأنه ضمن لهم الجنة بوفائهم .

يد الله فوق أيديهم فيه أربعة أقوال .

أحدها: يد الله في الوفاء فوق أيديهم . والثاني: يد الله في الثواب فوق أيديهم . والثالث: يد الله عليهم في المنة بالهداية فوق أيديهم بالطاعة، ذكر هذه [ ص: 428 ] الأقوال الزجاج . والرابع: قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم، ذكره ابن جرير، وابن كيسان .

قوله تعالى: فمن نكث أي: نقض ما عقده من هذه البيعة فإنما ينكث على نفسه أي: يرجع ذلك النقض عليه ومن أوفى بما عاهد عليه الله من البيعة ( فسنؤتيه ) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وأبان عن عاصم: "فسنؤتيه" بالنون . وقرأ عاصم، وأبو عمرو ، وحمزة، والكسائي: بالياء أجرا عظيما وهو الجنة . قال ابن السائب: فلم ينكث العهد منهم غير رجل واحد يقال له: الجد بن قيس، وكان منافقا .

سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا ولله ملك السماوات [ ص: 429 ] والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما .

قوله تعالى: سيقول لك المخلفون من الأعراب قال ابن إسحاق: لما أراد العمرة استنفر من حول المدينة من أهل البوادي والأعراب ليخرجوا معه، خوفا من قومه أن يعرضوا له بحرب أو بصد، فتثاقل عنه كثير منهم، فهم الذين عنى الله بقوله: "سيقول لك المخلفون من الأعراب"، قال أبو صالح عن [ابن عباس]: وهم غفار ومزينة وجهينة وأشجع والديل وأسلم . قال يونس النحوي: الديل في عبد القيس ساكن الياء . والدول من حنيفة ساكن الواو، والدئل في كنانة رهط أبي الأسود الدؤلي . فأما المخلفون، فإنهم تخلفوا مخافة القتل . شغلتنا أموالنا وأهلونا أي: خفنا عليهم الضيعة فاستغفر لنا أي: ادع [الله] أن يغفر لنا تخلفنا عنك يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم أي: ما يبالون استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم .

قوله تعالى: فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: "ضرا" بضم الضاد; والباقون: بالفتح . قال أبو علي: "الضر" بالفتح: خلاف النفع، وبالضم: سوء الحال، ويجوز أن يكونا لغتين كالفقر والفقر، وذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم يدفع عنهم الضر، ويعجل لهم النفع بسلامة أنفسهم وأموالهم، فأخبرهم الله تعالى أنه إن أراد بهم شيئا، لم يقدر أحد على دفعه [عنهم]، بل كان الله بما تعملون خبيرا من تخلفهم وقولهم عن المسلمين أنهم سيهلكون، وذلك قوله: بل ظننتم أي: توهمتم أن [ ص: 430 ] لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أي: لا يرجعون إلى المدينة، لاستئصال العدو إياهم، وزين ذلك في قلوبكم وذلك من تزيين الشيطان .

قوله تعالى: وكنتم قوما بورا قد ذكرناه في [الفرقان: 18] .





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 10-05-2024, 12:30 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,545
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السابع

سُورَةُ الْفَتْحِ
الحلقة (498)
صــ 431 إلى صــ 440





سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا .

وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: سيقول المخلفون الذين تخلفوا عن الحديبية إذا انطلقتم إلى مغانم ذلك أنهم لما انصرفوا عن الحديبية بالصلح وعدهم الله فتح خيبر، وخص بها من شهد الحديبية فانطلقوا إليها، فقال هؤلاء المخلفون: ذرونا نتبعكم ، قال الله تعالى: يريدون أن يبدلوا كلام الله وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: "أن يبدلوا كلم الله" بكسر اللام .

وفي المعنى قولان .

أحدهما: أنه مواعيد الله بغنيمة خيبر لأهل الحديبية خاصة، قاله ابن عباس .

والثاني: أمر الله نبيه أن لا يسير معه منهم أحد، وذلك أن الله وعده وهو بالحديبية أن يفتح عليه خيبر، ونهاه أن يسير معه أحد من المتخلفين، قاله مقاتل .

وعلى القولين: قصدوا أن يجيز لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يخالف أمر الله، فيكون تبديلا لأمره .

قوله تعالى: كذلكم قال الله من قبل فيه قولان .

[ ص: 431 ] أحدهما: قال: إن غنائم خيبر لمن شهد الحديبية، وهذا على القول الأول .

والثاني: قال: لن تتبعونا، وهذا قول مقاتل .

فسيقولون بل تحسدوننا أي: يمنعكم الحسد من أن نصيب معكم الغنائم .

قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما .

قوله تعالى: ستدعون إلى قوم المعنى: إن كنتم تريدون الغزو والغنيمة فستدعون إلى جهاد قوم أولي بأس شديد .

وفي هؤلاء القوم ستة أقوال .

أحدها: أنهم فارس، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال عطاء بن أبي رباح، وعطاء الخراساني، وابن أبي ليلى، وابن جريج في آخرين . والثاني: فارس والروم، قاله الحسن، ورواه ابن أبي نجيح عن مجاهد . والثالث: أنهم أهل الأوثان، رواه ليث عن مجاهد . والرابع: أنهم الروم، قاله كعب . والخامس: أنهم هوازن وغطفان، وذلك يوم حنين، قاله سعيد بن جبير، وقتادة . والسادس: بنو حنيفة يوم اليمامة، وهم أصحاب مسيلمة الكذاب، قاله الزهري، وابن السائب، ومقاتل . قال مقاتل: خلافة أبي بكر في هذه بينة مؤكدة . [ ص: 432 ] وقال رافع بن خديج: كنا نقرأ هذه الآية ولا نعلم من هم حتى دعي أبو بكر إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أنهم هم . وقال بعض أهل العلم: لا يجوز أن تكون هذه الآية إلا في العرب، لقوله: تقاتلونهم أو يسلمون ، وفارس والروم إنما يقاتلون حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية . وقد استدل جماعة من العلماء على صحة إمامة أبي بكر وعمر بهذه الآية، لأنه إن أريد بها بنو حنيفة، فأبو بكر دعا إلى قتالهم، وإن أريد بها فارس والروم، فعمر دعا إلى قتالهم، والآية تلزمهم اتباع طاعة من يدعوهم، وتتوعدهم على التخلف بالعقاب . قال القاضي أبو يعلى: وهذا يدل على صحة إمامتهما إذا كان المتولي عن طاعتهما مستحقا للعقاب .

قوله تعالى: فإن تطيعوا قال ابن جريج: فإن تطيعوا أبا بكر وعمر، وإن تتولوا عن طاعتهما كما توليتم عن طاعة محمد صلى الله عليه وسلم في المسير إلى الحديبية . وقال الزجاج : المعنى: إن تبتم وتركتم نفاقكم وجاهدتم، يؤتكم الله أجرا حسنا، وإن توليتم فأقمتم على نفاقكم، وأعرضتم عن الإيمان والجهاد كما توليتم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعذبكم عذابا أليما .

[ ص: 433 ] قوله تعالى: ليس على الأعمى حرج قال المفسرون: عذر الله أهل الزمانة الذين تخلفوا عن المسير إلى الحديبية بهذه الآية .

قوله تعالى: يدخله جنات قرأ نافع، وابن عامر: "ندخله" و "نعذبه" بالنون فيهما; والباقون: بالياء .

لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا .

[ ص: 434 ] ثم ذكر الذين أخلصوا نيتهم وشهدوا بيعة الرضوان بقوله: لقد رضي الله عن المؤمنين وقد ذكرنا سبب هذه البيعة آنفا . وإنما سميت بيعة الرضوان، لقوله: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة روى إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه، قال: بينما نحن قائلون زمن الحديبية، نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس، البيعة، البيعة، نزل روح القدس، قال: فثرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت شجرة سمرة، فبايعناه . وقال عبد الله بن مغفل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة يبايع الناس، وإني لأرفع أغصانها عن رأسه . وقال بكير بن الأشج: كانت الشجرة بفج نحو مكة . قال نافع: كان الناس يأتون تلك الشجرة فيصلون عندها، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فأوعدهم فيها، وأمر بها فقطعت .

قوله تعالى: فعلم ما في قلوبهم أي: من الصدق والوفاء، والمعنى: علم أنهم مخلصون فأنزل السكينة عليهم يعني الطمأنينة والرضى حتى [ ص: 435 ] بايعوا على أن يقاتلوا ولا يفروا وأثابهم أي: عوضهم على الرضى بقضائه والصبر على أمره فتحا قريبا وهو خيبر، ومغانم كثيرة يأخذونها أي: من خيبر، لأنها كانت ذات عقار وأموال . فأما قوله بعد هذا: وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فقال المفسرون: هي الفتوح التي تفتح على المسلمين إلى يوم القيامة .

فعجل لكم هذه فيها قولان . أحدهما: أنها غنيمة خيبر، قاله مجاهد، وقتادة، والجمهور . والثاني: أنه الصلح الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، رواه العوفي عن ابن عباس .

قوله تعالى: وكف أيدي الناس عنكم فيهم ثلاثة أقوال .

أحدها: أنهم اليهود هموا أن يغتالوا عيال المسلمين الذين خلفوهم في المدينة، فكفهم الله عن ذلك، قاله قتادة .

والثاني: أنهم أسد وغطفان جاؤوا لينصروا أهل خيبر، فقذف الله في قلوبهم الرعب، فانصرفوا عنهم، قاله مقاتل . وقال الفراء: كانت أسد وغطفان [مع أهل خيبر، فقصدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصالحوه وخلوا بينه وبين خيبر . وقال غيرهما: بل همت أسد وغطفان] باغتيال [أهل] المدينة، فكفهم الله عن ذلك .

والثالث: أنهم أهل مكة كفهم الله بالصلح، حكاهما الثعلبي وغيره .

[ ص: 436 ] ففي قوله: "عنكم" قولان . أحدهما: أنه على أصله، قاله الأكثرون . والثاني: عن عيالكم، قاله ابن قتيبة ، وهو مقتضى قول قتادة .

ولتكون آية للمؤمنين في المشار إليها قولان .

أحدهما: أنها الفعلة التي فعلها بكم من كف أيديهم عنكم كانت آية للمؤمنين، فعلموا أن الله تعالى متولي حراستهم في مشهدهم ومغيبهم .

والثاني: أنها خيبر كان فتحها علامة للمؤمنين في تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما وعدهم به .

قوله تعالى: ويهديكم صراطا مستقيما فيه قولان .

أحدهما: طريق التوكل عليه والتفويض إليه، وهذا على القول الأول .

والثاني: يزيدكم هدى بالتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من وعد الله تعالى بالفتح والغنيمة .

قوله تعالى: وأخرى المعنى: وعدكم الله مغانم أخرى; وفيها أربعة أقوال .

أحدها: أنها ما فتح للمسلمين بعد ذلك . روى سماك الحنفي عن ابن عباس "وأخرى لم تقدروا عليها" قال: ما فتح لكم من هذه الفتوح، وبه قال مجاهد .

والثاني: أنها خيبر، رواه عطية، والضحاك عن ابن عباس، وبه قال ابن زيد .

والثالث: فارس والروم، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال الحسن، وعبد الرحمن بن أبي ليلى .

والرابع: مكة، ذكره قتادة، وابن قتيبة .

قوله تعالى: قد أحاط الله بها فيه قولان . أحدهما: أحاط بها علما [ ص: 437 ] أنها ستكون من فتوحكم . والثاني: حفظها لكم ومنعها من غيركم حتى فتحتموها .

قوله تعالى: ولو قاتلكم الذين كفروا هذا خطاب لأهل الحديبية، قاله قتادة ; والذين كفروا مشركو قريش . فعلى هذا يكون المعنى: لو قاتلوكم يوم الحديبية لولوا الأدبار لما في قلوبهم من الرعب ثم لا يجدون وليا لأن الله قد خذلهم . قال الزجاج : المعنى: لو قاتلك من لم يقاتلك لنصرت عليه، لأن سنة الله النصرة لأوليائه . و "سنة الله" منصوبة على المصدر، لأن قوله: لولوا الأدبار معناه: سن الله عز وجل خذلانهم سنة . وقد مر مثل هذا في قوله: كتاب الله عليكم [النساء: 24]، وقوله: صنع الله [النمل: 88] .

قوله تعالى: وهو الذي كف أيديهم عنكم روى أنس بن مالك أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأخذهم سلما، فاستحياهم، وأنزل الله [ ص: 438 ] هذه الآية . وروى عبد الله بن مغفل قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة، فبينما نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله بأبصارهم، فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل جئتم في عهد؟" أو "هل جعل لكم أحد أمانا؟" قالوا: اللهم لا، فخلى سبيلهم، ونزلت هذه الآية . وذكر قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خيلا، فأتوه باثني عشر فارسا من الكفار، فأرسلهم، وقال مقاتل: خرجوا يقاتلون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهزمهم النبي صلى الله عليه وسلم بالطعن والنبل حتى أدخلهم بيوت مكة . قال المفسرون: ومعنى الآية: أن الله تعالى ذكر منته إذ حجز بين الفريقين فلم يقتتلا حتى تم الصلح بينهم .

وفي بطن مكة ثلاثة أقوال . أحدها: أنه الحديبية، قاله أنس . والثاني: وادي مكة، قاله السدي . والثالث: التنعيم، حكاه أبو سليمان الدمشقي .

فأما "مكة" فقال الزجاج : "مكة" لا تنصرف لأنها مؤنثة، وهي معرفة، ويصلح أن يكون اشتقاقها كاشتقاق "بكة"، والميم تبدل من الباء، يقال: ضربة لازم، ولازب، ويصلح أن يكون اشتقاقها من قولهم: امتك الفصيل ما في ضرع الناقة: إذا مص مصا شديدا حتى لا يبقي فيه شيئا، فيكون سميت [ ص: 439 ] بذلك لشدة الازدحام فيها; قال: والقول الأول أحسن . وقال قطرب: مكة من تمككت المخ: إذا أكلته . وقال ابن فارس: تمككت العظم: إذا أخرجت مخه; والتمكك: الاستقصاء; وفي الحديث:"لا تمككوا على غرمائكم" .

وفي تسمية "مكة" أربعة أقوال .

أحدها: لأنها مثابة يؤمها الخلق من كل فج، وكأنها هي التي تجذبهم إليها، وذلك من قول العرب: امتك الفصيل ما في ضرع الناقة .

والثاني: أنها سميت "مكة" من قولك: بككت الرجل: إذا وضعت منه ورددت نخوته، فكأنها تمك من ظلم فيها، أي: تهلكه وتنقصه، وأنشدوا:


يا مكة، الفاجر مكي مكا ولا تمكي مذحجا وعكا


والثالث:[ أنها] سميت بذلك لجهد أهلها .

والرابع: لقلة الماء بها .

وهل مكة وبكة واحد؟ قد ذكرناه في [آل عمران: 96] .

قوله تعالى: من بعد أن أظفركم عليهم أي: بهم; يقال: ظفرت بفلان، وظفرت عليه .

قوله تعالى: وكان الله بما تعملون بصيرا قرأ أبو عمرو: ["يعملون"] بالياء; والباقون: بالتاء .

[ ص: 440 ] هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما .

قوله تعالى: هم الذين كفروا يعني أهل مكة وصدوكم عن المسجد الحرام أن تطوفوا به وتحلوا من عمرتكم والهدي قال الزجاج : أي: وصدوا الهدي معكوفا أي: محبوسا أن يبلغ أي: عن أن يبلغ محله قال المفسرون: "محله" منحره، وهو حيث يحل نحره ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات وهم المستضعفون بمكة لم تعلموهم أي: لم تعرفوهم أن تطئوهم بالقتل . ومعنى الآية: لولا أن تطؤوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات بالقتل، وتوقعوا بهم ولا تعرفونهم، فتصيبكم منهم معرة وفيها أربعة أقوال .





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 10-05-2024, 12:35 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,545
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السابع

سُورَةُ الْفَتْحِ
الحلقة (499)
صــ 441 إلى صــ 450





أحدهما: إثم، قاله ابن زيد . والثاني: غرم الدية، قاله ابن إسحاق . والثالث: كفارة قتل الخطإ، قاله ابن السائب . والرابع: عيب بقتل من هو على دينكم، حكاه جماعة من المفسرين . وفي الآية محذوف، تقديره: لأدخلتكم من عامكم هذا; وإنما حلت بينكم وبينهم ليدخل الله في رحمته أي: في دينه من يشاء من أهل مكة، وهم الذين أسلموا بعد الصلح لو تزيلوا قال ابن عباس: لو تفرقوا . وقال ابن قتيبة ، والزجاج: لو تميزوا . [ ص: 441 ] قال المفسرون: لو انماز المؤمنون من المشركين لعذبنا الذين كفروا بالقتل والسبي بأيديكم . وقال قوم: لو تزيل المؤمنون من أصلاب الكفار لعذبنا الكفار . وقال بعضهم: قوله: "لعذبنا" جواب لكلامين، أحدهما: "لولا رجال"، والثاني: "لو تزيلوا" وقوله: إذ جعل من صلة قوله: لعذبنا . والحمية: الأنفة والجبرية . قال المفسرون: وإنما أخذتهم الحمية حين أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم دخول مكة، فقالوا: يدخلون علينا [وقد قتلوا] أبناءنا وإخواننا فتتحدث العرب بذلك! والله لا يكون ذلك، فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين فلم يدخلهم ما دخل أولئك فيخالفوا الله في قتالهم . وقيل: الحمية ما تداخل سهيل بن عمرو من الأنفة أن يكتب في كتاب الصلح ذكر "الرحمن الرحيم" وذكر "رسول الله" صلى الله عليه وسلم .

قوله تعالى: وألزمهم كلمة التقوى فيه خمسة أقوال .

أحدهما: "لا إله إلا الله"، قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، والضحاك ، والسدي، وابن زيد في آخرين، وقد روي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم; فعلى هذا يكون معنى: "ألزمهم": حكم لهم بها، وهي التي تنفي الشرك .

[ ص: 442 ] والثاني: "لا إله إلا الله والله أكبر"، قاله ابن عمر . وعن علي بن أبي طالب كالقولين .

والثالث: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير"، قاله عطاء بن أبي رباح .

والرابع: "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، قاله عطاء الخرساني .

والخامس: "بسم الله الرحمن الرحيم"، قاله الزهري .

فعلى هذا يكون المعنى أنه لما أبى المشركون أن يكتبوا هذا في كتاب الصلح، ألزمه الله المؤمنين وكانوا أحق بها من المشركين "و" كانوا أهلها في علم الله تعالى .

لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا .

قوله تعالى: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق قال المفسرون: سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أري في المنام قبل خروجه إلى الحديبية قائلا يقول له: لتدخلن المسجد الحرام إلى قوله: لا تخافون ورأى كأنه هو وأصحابه يدخلون مكة وقد حلقوا وقصروا، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا، فلما خرجوا إلى الحديبية حسبوا أنهم يدخلون مكة في عامهم ذلك، فلما رجعوا [ ص: 443 ] ولم يدخلوا قال المنافقون: أين رؤياه التي رأى؟! فنزلت هذه الآية، فدخلوا في العام المقبل .

وفي قوله: إن شاء الله ستة أقوال .

أحدها: أن "إن" بمعنى "إذ" قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة .

والثاني: أنه استثناء من الله، وقد علمه، والخلق يستثنون فيما لا يعلمون، قاله ثعلب; فعلى هذا يكون المعنى أنه علم أنهم سيدخلونه، ولكن استثنى على ما أمر الخلق به من الاستثناء .

والثالث: أن المعنى: لتدخلن المسجد الحرام إن أمركم الله به، قاله الزجاج .

والرابع: أن الاستثناء يعود إلى دخول بعضهم أو جميعهم، لأنه علم أن بعضهم يموت، حكاه الماوردي .

والخامس: أنه على وجه الحكاية لما رآه النبي صلى الله عليه وسلم في المنام أن قائلا يقول: "لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين"، حكاه القاضي أبو يعلى .

[ ص: 444 ] والسادس: أنه يعود إلى الأمن والخوف، فأما الدخول، فلا شك فيه، حكاه الثعلبي .

قوله تعالى: آمنين من العدو محلقين رءوسكم ومقصرين من الشعر لا تخافون عدوا .

فعلم ما لم تعلموا فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: علم أن الصلاح في الصلح . والثاني: أن في تأخير الدخول صلاحا . والثالث: فعلم أن يفتح عليكم خيبر قبل ذلك .

قوله تعالى: فجعل من دون ذلك فتحا قريبا فيه قولان .

أحدهما: فتح خيبر، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال عطاء، وابن زيد، ومقاتل .

والثاني: صلح الحديبية، قاله مجاهد، والزهري، وابن إسحاق . وقد بينا كيف كان فتحا في أول السورة .

وما بعد هذا مفسر في [براءة: 33] إلى قوله: وكفى بالله شهيدا وفيه قولان .

[ ص: 445 ] أحدهما: أنه شهد له على نفسه أنه يظهره على الدين كله، قاله الحسن .

والثاني: كفى به شهيدا أن محمدا رسوله، قاله مقاتل .

محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما .

قوله تعالى: محمد رسول الله وقرأ الشعبي، وأبو رجاء، وأبو المتوكل، والجحدري : "محمدا رسول الله" بالنصب فيهما . قال ابن عباس : شهد له بالرسالة .

قوله تعالى: والذين معه يعني أصحابه . والأشداء: جمع شديد . قال الزجاج : والأصل: أشدداء، نحو نصيب وأنصباء، ولكن الدالين تحركتا، فأدغمت الأولى في الثانية، [ومثله] من يرتد منكم [المائدة: 54] .

قوله تعالى: رحماء بينهم الرحماء جمع رحيم، والمعنى أنهم يغلظون على الكفار، ويتوادون بينهم تراهم ركعا سجدا يصف كثرة [ ص: 446 ] صلاتهم يبتغون فضلا من الله وهو الجنة ورضوانا وهو رضى الله عنهم . وهذا الوصف لجميع الصحابة عند الجمهور وروى مبارك بن فضالة عن الحسن البصري أنه قال: "والذين معه" أبو بكر "أشداء على الكفار" عمر "رحماء بينهم" عثمان "تراهم ركعا سجدا" علي بن أبي طالب "يبتغون فضلا من الله ورضوانا" طلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد وسعيد وأبو عبيدة .

قوله تعالى: سيماهم أي: علامتهم في وجوههم ، وهل هذه العلامة في الدنيا، أم في الآخرة؟ فيه قولان .

أحدهما: في الدنيا . ثم فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: أنها السمت الحسن، قاله ابن عباس في رواية ابن أبي طلحة; وقال في رواية مجاهد: أما إنه ليس بالذي ترون، ولكنه سيما الإسلام وسمته وخشوعه، وكذلك قال مجاهد: ليس بندب التراب في الوجه، ولكنه الخشوع والوقار والتواضع .

والثاني: أنه ندى الطهور وثرى الأرض، قاله سعيد بن جبير . وقال أبو العالية: لأنهم يسجدون على التراب لا على الأثواب . وقال الأوزاعي: بلغني أنه ما حملت جباههم من الأرض .

[ ص: 447 ] والثالث: أنه السهوم، فإذا سهم وجه الرجل من الليل أصبح مصفارا . قال الحسن البصري: "سيماهم في وجوههم": الصفرة; وقال سعيد بن جبير: أثر السهر; وقال شمر بن عطية: هو تهيج في الوجه من سهر الليل .

والقول الثاني: أنها في الآخرة . ثم فيه قولان .

أحدهما: أن مواضع السجود من وجوههم يكون أشد وجوههم بياضا يوم القيامة، قاله عطية العوفي، وإلى نحو هذا ذهب الحسن، والزهري . وروى العوفي عن ابن عباس قال: صلاتهم تبدو في وجوههم يوم القيامة .

والثاني: أنهم يبعثون غرا محجلين من أثر الطهور، ذكره الزجاج .

قوله تعالى: ذلك مثلهم أي: صفتهم; والمعنى أن صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه في التوراة هذا .

فأما قوله: ومثلهم في الإنجيل ففيه ثلاثة أقوال .

[ ص: 448 ] أحدها: أن هذا المثل المذكور أنه في التوراة هو مثلهم في الإنجيل . قال مجاهد: مثلهم في التوراة والإنجيل واحد .

والثاني: أن المتقدم مثلهم في التوراة . فأما مثلهم في الإنجيل فهو قوله: كزرع ، وهذا قول الضحاك، وابن زيد .

والثالث: أن مثلهم في التوراة والإنجيل كزرع، ذكر هذه الأقوال أبو سليمان الدمشقي .

قوله تعالى: أخرج شطأه وقرأ ابن كثير، وابن عامر: ["شطأه" بفتح الطاء والهمزة . وقرأ نافع، وعاصم، وأبو عمرو ، وحمزة، والكسائي: "شطأه" بسكون الطاء . وكلهم يقرأ بهمزة مفتوحة . وقرأ أبي بن كعب ، وأبو العالية، وابن أبي عبلة]: "شطاءه" بفتح الطاء [وبالمد] والهمزة وبألف . قال أبو عبيدة: أي: فراخه يقال: أشطأ الزرع فهو مشطئ: إذا أفرخ فآزره أي: ساواه، وصار مثل الأم . وقرأ ابن عامر: "فأزره" مقصورة الهمزة مثل فعله . وقال ابن قتيبة : آزره: أعانه وقواه فاستغلظ أي: غلظ فاستوى على سوقه وهي جمع "ساق"، وهذا مثل ضربه الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم إذ خرج وحده، فأيده بأصحابه، كما قوى الطاقة من الزرع بما نبت منها حتى كبرت وغلظت واستحكمت . وقرأ ابن كثير: "على سؤقه" مهموزة; والباقون: بلا همزة . وقال قتادة: في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع .

[ ص: 449 ] وفيمن أريد بهذا المثل قولان .

أحدهما: أن أصل الزرع: عبد المطلب "أخرج شطأه": أخرج محمدا صلى الله عليه وسلم فآزره : بأبي بكر، فاستغلظ : بعمر، فاستوى : بعثمان، على سوقه : علي بن أبي طالب، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس .

والثاني: أن المراد بالزرع: محمد صلى الله عليه وسلم "أخرج شطأه" أبو بكر "فآزره": بعمر "فاستغلظ": بعثمان "فاستوى على سوقه": بعلي . يعجب الزراع : يعني المؤمنين "ليغيظ بهم الكفار" وهو قول عمر لأهل مكة: لا يعبد الله سرا بعد اليوم، رواه الضحاك عن ابن عباس، ومبارك عن الحسن .

قوله تعالى: ليغيظ بهم الكفار أي: إنما كثرهم وقواهم ليغيظ بهم الكفار . وقال مالك بن أنس: من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية . وقال ابن إدريس: لا آمن أن يكونوا قد ضارعوا الكفار، يعني الرافضة، لأن الله تعالى يقول: "ليغيظ بهم الكفار" .

[ ص: 450 ] قوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما قال الزجاج : في "من" قولان .

أحدهما: أن يكون تخليصا للجنس من غيره، كقوله: فاجتنبوا الرجس من الأوثان [الحج: 30]، ومثله أن تقول: أنفق من الدراهم، أي: اجعل نفقتك من هذا الجنس . قال ابن الأنباري: معنى الآية: وعد الله الذين آمنوا من هذا الجنس، أي: من جنس الصحابة .

والثاني: أن يكون [هذا] الوعد لمن أقام منهم على الإيمان والعمل الصالح .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 10-05-2024, 12:40 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,545
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السابع

سُورَةُ الْحُجُرَاتِ
الحلقة (500)
صــ 451 إلى صــ 460




[ ص: 451 ]
سُورَةُ الْحُجُرَاتِ

وهي مدنية بإجماعهم

روى ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله أعطاني السبع الطول مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني مكان الزبور المثاني، وفضلني ربي بالمفصل . أما السبع الطول فقد ذكرناها ["عند قوله"]: [ ص: 452 ] ولقد آتيناك سبعا من المثاني [الحجر: 87] . وأما المئون، فقال ابن قتيبة : هي ما ولي الطول، وإنما سميت بالمئين; لأن كل سورة تزيد على مائة آية أو تقاربها، والمثاني: ما ولي المئين من السور التي دون المائة، كأن المئين مباد، وهذه مثان، وأما المفصل: فهو ما يلي المثاني من قصار السور، وإنما سميت مفصلا لقصرها وكثرة الفصول فيها بسطر: بسم الله الرحمن الرحيم .

وقد ذكر الماوردي في أول تفسيره في المفصل ثلاثة أقوال . أحدها: أنه من أول سورة " محمد " إلى آخر القرآن . قاله الأكثرون . والثاني: من سورة [قاف] إلى آخره، حكاه عيسى بن عمر عن كثير من الصحابة . والثالث: من [الضحى] إلى آخره، قاله ابن عباس .

[ ص: 453 ] بسم الله الرحمن الرحيم

يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر [ ص: 454 ] بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم .

قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله في سبب نزولها أربعة أقوال .

أحدها: أن ركبا من بني تميم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر: أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل قوله: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله إلى قوله: ولو أنهم صبروا ، فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم [بعد هذه الآية] حتى يستفهمه، رواه عبد الله بن الزبير .

والثاني: أن قوما ذبحوا قبل أن يصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا الذبح، فنزلت الآية، قاله الحسن .

[ ص: 455 ] والثالث: أنها نزلت في قوم كانوا يقولون: لو أنزل الله في كذا وكذا! فكره الله ذلك، وقدم فيه، قاله قتادة .

والرابع: [أنها] نزلت في عمرو بن أمية الضمري، وكان قد قتل رجلين من بني سليم قبل أن يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن السائب . وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة . وروى العوفي عنه قال: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه . وروي عن عائشة رضي الله عنها في هذه الآية قالت: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم . ومعنى الآية على جميع الأقوال . لا تعجلوا بقول أو فعل قبل أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يفعل . قال ابن قتيبة : يقال فلان يقدم بين يدي الإمام وبين يدي أبيه، أي: يعجل بالأمر والنهي دونه .

فأما "تقدموا" فقرأ ابن مسعود، وأبو هريرة، وأبو رزين ، وعائشة، وأبو عبد الرحمن السلمي، وعكرمة، والضحاك ، وابن سيرين، وقتادة، وابن يعمر، ويعقوب: بفتح التاء والدال . وقرأ الباقون: بضم التاء وكسر الدال . قال الفراء: [ ص: 456 ] كلاهما صواب، يقال: قدمت، وتقدمت; وقال الزجاج : كلاهما واحد; فأما "بين يدي الله ورسوله" فهو عبارة عن الأمام، لأن ما بين يدي الإنسان أمامه; فالمعنى: لا تقدموا قدام الأمير .

قوله تعالى: لا ترفعوا أصواتكم في سبب نزولها قولان .

أحدهما: أن أبا بكر وعمر رفعا أصواتهما فيما ذكرناه آنفا في حديث ابن الزبير، وهذا قول ابن أبي مليكة .

والثاني: [أنها] نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وكان جهوري الصوت، فربما كان إذا تكلم تأذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوته، قاله مقاتل .

[ ص: 457 ] قوله تعالى: ولا تجهروا له بالقول فيه قولان .

أحدهما: أنه الجهر بالصوت في المخاطبة، قاله الأكثرون .

والثاني: لا تدعوه باسمه: يا محمد، كما يدعو بعضكم بعضا، ولكن قولوا: يا رسول الله، ويا نبي الله، وهو معنى قول سعيد بن جبير، والضحاك، ومقاتل .

قوله تعالى: أن تحبط قال ابن قتيبة : لئلا تحبط . وقال الأخفش: مخافة أن تحبط . قال أبو سليمان الدمشقي: وقد قيل معنى الإحباط هاهنا: نقص المنزلة، لا إسقاط العمل من أصله كما يسقط بالكفر .

قوله تعالى: إن الذين يغضون أصواتهم قال ابن عباس: لما نزل قوله: "لا ترفعوا أصواتكم" تألى أبو بكر أن لا يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السرار، فأنزل الله في أبي بكر: "إن الذين يغضون أصواتهم"، والغض: النقص كما بينا عند قوله: قل للمؤمنين يغضوا [النور: 30] .

[ ص: 458 ] أولئك الذين امتحن الله قلوبهم قال ابن عباس: أخلصها للتقوى من المعصية . وقال الزجاج : اختبر قلوبهم فوجدهم مخلصين، كما تقول: قد امتحنت هذا الذهب والفضة، أي: اختبرتهما بأن أذبتهما حتى خلصا، فعلمت حقيقة كل واحد منهما . وقال ابن جرير: اختبرها بامتحانه إياها، فاصطفاها وأخلصها للتقوى .

إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم .

قوله تعالى: إن الذين ينادونك من وراء الحجرات في سبب نزولها ثلاثة أقوال .

أحدها: أن بني تميم جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادوا على الباب: يا محمد اخرج إلينا، فإن مدحنا زين وإن ذمنا شين، فخرج وهو يقول: "إنما ذلكم الله"، فقالوا: نحن ناس من بني تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك، فقال: "ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت، ولكن هاتوا"، فقال الزبرقان بن بدر لشاب منهم: قم فاذكر فضلك وفضل قومك، فقام فذكر ذلك، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس، فأجابه، وقام شاعرهم، فأجابه حسان، فقال الأقرع بن حابس: والله ما أدري ما هذا الأمر؟! تكلم خطيبنا فكان خطيبهم أحسن قولا، وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر، ثم دنا فأسلم، فأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساهم، وارتفعت الأصوات وكثر اللغط عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، هذا قول جابر بن عبد الله في آخرين . وقال ابن إسحاق: نزلت في جفاة بني تميم، وكان فيهم الأقرع [ ص: 459 ] بن حابس، وعيينة بن حصن، والزبرقان بن بدر، [وقيس بن عاصم المنقري]، وخالد بن مالك، وسويد بن هشام، وهما نهشليان، والقعقاع بن معبد، وعطاء بن حابس، ووكيع بن وكيع .

والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى بني العنبر، وأمر عليهم عيينة بن حصن الفزاري، فلما علموا بذلك هربوا وتركوا عيالهم، فسباهم عيينة، فجاء رجالهم يفدون الذراري، فقدموا وقت الظهيرة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائل، فجعلوا ينادون يا محمد اخرج إلينا، حتى أيقظوه، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس .

والثالث: أن ناسا من العرب قال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يكن نبيا نكن أسعد الناس به، وإن يكن ملكا نعش في جناحه، فجاؤوا، فجعلوا ينادون يا محمد، يا محمد، فنزلت هذه الآية، [قاله زيد بن أرقم] .

فأما "الحجرات" فقرأ أبي بن كعب ، وعائشة، وأبو عبد الرحمن السلمي، ومجاهد، وأبو العالية، وابن يعمر، [وأبو جعفر، وشيبة]: بفتح الجيم; وأسكنها أبو رزين، وسعيد بن المسيب، وابن أبي عبلة; وضمها الباقون . قال الفراء: وجه [ ص: 460 ] الكلام أن تضم الحاء والجيم، وبعض العرب يقول: الحجرات والركبات، وربما خففوا فقالوا: "الحجرات"، والتخفيف في تميم، والتثقيل في أهل الحجاز . وقال ابن قتيبة : واحد الحجرات حجرة، مثل ظلمة وظلمات . قال المفسرون: وإنما نادوا من وراء الحجرات، لأنهم لم يعلموا في أي الحجر رسول الله .

قوله تعالى: ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم قال الزجاج : أي: لكان الصبر خيرا لهم . وفي وجه كونه خيرا لهم قولان .

أحدهما: لكان خيرا لهم فيما قدموا له من فداء ذراريهم، فلو صبروا خلى سبيلهم بغير فداء، قاله مقاتل .

والثاني: لكان أحسن لآدابهم في طاعة الله ورسوله، ذكره الماوردي .

قوله تعالى: والله غفور رحيم أي: لمن تاب منهم .





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 23-06-2024, 02:09 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,545
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السابع

سُورَةُ الْحُجُرَاتِ
الحلقة (501)
صــ 461 إلى صــ 470



يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم .

قوله تعالى: إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا نزلت في الوليد بن عقبة، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق ليقبض صدقاتهم، وقد كانت بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فسار بعض الطريق، ثم خاف فرجع فقال: إنهم قد منعوا [ ص: 461 ] الصدقة وأرادوا قتلي، فصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم البعث إليهم، فنزلت هذه الآية . وقد ذكرت القصة في كتاب "المغني" وفي "الحدائق" مستوفاة، وذكرت معنى "فتبينوا" في سورة [النساء: 94]، والنبأ: الخبر، و "أن" بمعنى "لئلا"، والجهالة هاهنا: أن يجهل حال القوم، فتصبحوا على ما فعلتم من إصابتهم بالخطإ نادمين .

ثم خوفهم فقال: واعلموا أن فيكم رسول الله أي: إن كذبتموه أخبره الله فافتضحتم، ثم قال: لو يطيعكم في كثير من الأمر أي: مما تخبرونه فيه بالباطل لعنتم أي: لوقعتم في عنت . قال ابن قتيبة : وهو الضرر والفساد . وقال غيره: هو الإثم والهلاك . وذلك أن المسلمين لما سمعوا أن أولئك القوم قد كفروا قالوا: ابعث إليهم يا رسول الله واغزهم واقتلهم; ثم خاطب المؤمنين فقال: ولكن الله حبب إليكم الإيمان إلى قوله: والعصيان ، ثم عاد إلى الخبر عنهم فقال: أولئك هم الراشدون [ ص: 462 ] أي: المهتدون إلى محاسن الأمور، فضلا من الله قال الزجاج : المعنى: ففعل بكم ذلك فضلا، أي: للفضل والنعمة .

وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون .

قوله تعالى: وإن طائفتان . . . الآية، في سبب نزولها قولان .

أحدهما: ما روى البخاري ومسلم في "الصحيحين" من حديث أنس بن مالك قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله بن أبي: فركب حمارا وانطلق معه المسلمون يمشون، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إليك عني، فوالله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه أنزلت فيهم "وإن طائفتان . . . " الآية . وقد أخرجا جميعا من حديث أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يعود سعد بن عبادة، فمر بمجلس فيهم عبد الله بن أبي، وعبد الله بن رواحة، فخمر ابن أبي وجهه بردائه، وقال: لا تغبروا علينا، فذكر الحديث، وأن [ ص: 463 ] المسلمين والمشركين واليهود استبوا . وقد ذكرت الحديث بطوله في "المغني" و "الحدائق" . وقال مقاتل: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأنصار وهو على حمار له، فبال الحمار، فقال عبد الله بن أبي: أف، وأمسك على أنفه، فقال عبد الله بن رواحة: والله لهو أطيب ريحا منك، فكان بين قوم ابن أبي وابن رواحة ضرب بالنعال والأيدي والسعف، ونزلت هذه الآية .

والقول الثاني: أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مماراة في حق بينهما، فقال أحدهما: لآخذن حقي عنوة، وذلك لكثرة عشيرته، ودعاه الآخر ليحاكمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل الأمر بينهما حتى تناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال، قاله قتادة . وقال مجاهد: المراد بالطائفتين: الأوس والخزرج; اقتتلوا بالعصي بينهم . وقرأ أبي بن كعب ، وابن مسعود، وأبو عمران الجوني: "اقتتلا" على فعل اثنين مذكرين . وقرأ أبو المتوكل الناجي، وأبو الجون، وابن أبي عبلة: "اقتتلتا" بتاء وألف بعد اللام على فعل اثنين مؤنثتين . وقال الحسن وقتادة والسدي فأصلحوا بينهما بالدعاء إلى حكم كتاب الله عز وجل والرضى بما فيه لهما وعليها فإن بغت إحداهما طلبت ما ليس لها، ولم ترجع إلى الصلح، فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء أي: ترجع إلى أمر الله أي: إلى طاعته في الصلح الذي أمر به .

[ ص: 464 ] قوله تعالى: وأقسطوا أي: اعدلوا في الإصلاح بينهما .

قوله تعالى: إنما المؤمنون إخوة قال الزجاج : إذا كانوا متفقين في دينهم رجعوا باتفاقهم إلى أصل النسب، لأنهم لآدم وحواء، فإذا اختلفت أديانهم افترقوا في النسب .

قوله تعالى: فأصلحوا بين أخويكم قرأ الأكثرون: ["بين أخويكم"] بياء على التثنية . وقرأ أبي بن كعب ، ومعاوية، وسعيد بن المسيب، وابن جبير، [وقتادة]، وأبو العالية، وابن يعمر، وابن أبي عبلة، ويعقوب: "بين إخوتكم" بتاء مع كسر الهمزة على الجمع . وقرأ علي بن أبي طالب، وأبو رزين ، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، والشعبي، وابن سيرين: "بين إخوانكم" بالنون وألف قبلها . قال قتادة: ويعني بذلك الأوس والخزرج .

[ ص: 465 ] يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون .

قوله تعالى: لا يسخر قوم من قوم هذه الآية نزلت على ثلاثة أسباب; فأما أولها إلى قوله تعالى: خيرا منهم فنزلت على سبب، وفيه قولان .

أحدهما: أن ثابت بن قيس بن شماس جاء يوما يريد الدنو من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان به صمم، فقال لرجل بين يديه: افسح، فقال له الرجل: قد أصبت مجلسا، فجلس مغضبا، ثم قال الرجل: من أنت؟ قال: أنا فلان . فقال ثابت: أنت ابن فلانة؟! فذكر أما له كان يعير بها في الجاهلية، فأغضى الرجل ونكس رأسه، ونزل قوله تعالى: لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ، قاله أبو صالح عن ابن عباس .

والثاني: أن وفد تميم استهزؤوا بفقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأوا من رثاثة حالهم، فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك ومقاتل .

وأما قوله تعالى: ولا نساء من نساء فنزلت على سبب، وفيه ثلاثة أقوال .

[ ص: 466 ] أحدها: أن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم عيرن أم سلمة بالقصر، فنزلت هذه [الآية]، قاله أنس بن مالك . وزعم مقاتل أن عائشة استهزأت من قصر أم سلمة .

والثاني: أن امرأتين من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم سخرتا من أم سلمة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت أم سلمة قد خرجت ذات يوم وقد ربطت أحد طرفي جلبابها على حقوها، وأرخت الطرف الآخر خلفها، ولا تعلم، فقالت إحداهما للأخرى: انظري ما خلف أم سلمة كأنه لسان كلب، قاله أبو صالح عن ابن عباس .

والثالث: أن صفية بنت حيي بن أخطب أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن النساء يعيرنني ويقلن: يا يهودية بنت يهوديين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هلا قلت: إن أبي هارون، وإن عمي موسى، وإن زوجي محمد، فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس .

وأما قوله تعالى: ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب فنزلت على سبب، وفيه ثلاثة أقوال .

أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ولهم ألقاب يدعون بها، فجعل الرجل يدعو الرجل بلقبه، فقيل له: يا رسول الله: إنهم يكرهون هذا، فنزل [ ص: 467 ] قوله تعالى: "ولا تنابزوا بالألقاب"، قاله أبو جبيرة بن الضحاك .

والثاني: أن أبا ذر كان بينه وبين رجل منازعة، فقال له الرجل: يا ابن اليهودية، فنزلت: "ولا تنابزوا بالألقاب"، قاله الحسن .

والثالث: أن كعب بن مالك الأنصاري كان بينه وبين عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي كلام، فقال له: يا أعرابي، فقال له عبد الله: يا يهودي، فنزلت فيهما "ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب" قاله مقاتل .

وأما التفسير، فقوله تعالى: لا يسخر قوم من قوم أي: لا يستهزئ غني بفقير، ولا مستور عليه ذنبه بمن لم يستر عليه، ولا ذو حسب بلئيم الحسب، وأشباه ذلك مما يتنقصه به، عسى أن يكون عند الله خيرا [منه] . وقد بينا في [البقرة: 54] أن القوم اسم الرجال دون النساء، ولذلك قال: "ولا نساء من نساء" و "تلمزوا" بمعنى تعيبوا، وقد سبق بيانه [التوبة: 58] . والمراد بالأنفس هاهنا: الإخوان . والمعنى: لا تعيبوا إخوانكم من المسلمين لأنهم كأنفسكم . والتنابز: التفاعل من النبز، وهو مصدر، والنبز الاسم . والألقاب جمع لقب، وهو اسم يدعى به الإنسان سوى الاسم الذي سمي به . قال ابن قتيبة : "ولا تنابزوا بالألقاب" أي: لا تتداعوا بها . و "الألقاب" و "الأنباز" واحد، ومنه [ ص: 468 ] الحديث: "نبزهم الرافضة" أي: لقبهم . وللمفسرين في المراد بهذه الألقاب أربعة أقوال .

أحدها: تعيير التائب بسيئات قد كان عملها، رواه عطية العوفي عن ابن عباس .

والثاني: أنه تسميته بعد إسلامه بدينه قبل الإسلام، كقوله لليهودي إذا أسلم: يا يهودي، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا، وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير، وعطاء الخراساني، والقرظي .

والثالث: أنه قول الرجل للرجل: يا كافر، يا منافق، قاله عكرمة .

والرابع: أنه تسميته بالأعمال السيئة، كقوله: يا زاني; يا سارق، يا فاسق، قاله ابن زيد . قال أهل العلم: والمراد بهذه الألقاب: ما يكرهه المنادى به، أو يعد ذما له . فأما الألقاب التي تكسب حمدا وتكون صدقا، فلا تكره، كما قيل لأبي بكر: عتيق، ولعمر: فاروق، ولعثمان: ذو النورين، ولعلي: أبو تراب، [ ص: 469 ] ولخالد: سيف الله، ونحو ذلك . وقوله: بئس الاسم الفسوق أي: تسميته فاسقا أو كافرا وقد آمن، ومن لم يتب من التنابز فأولئك هم الظالمون وفيه قولان .

أحدهما: الضارون لأنفسهم بمعصيتهم، قاله ابن عباس . والثاني: هم أظلم من الذين قالوا لهم ذلك، قاله ابن زيد .

يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم .

قوله تعالى: اجتنبوا كثيرا من الظن قال ابن عباس: نهى الله تعالى المؤمن أن يظن بالمؤمن شرا . وقال سعيد بن جبير: هو الرجل يسمع من أخيه كلاما لا يريد به سوءا أو يدخل مدخلا لا يريد به [سوءا]، فيراه أخوه المسلم فيظن به سوءا . وقال الزجاج : هو أن يظن بأهل الخير سوءا . فأما أهل السوء والفسق، فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر منهم . قال القاضي أبو يعلى: هذه الآية تدل على أنه لم ينه عن جميع الظن; والظن على أربعة أضرب . محظور، ومأمور به، ومباح، ومندوب إليه، فأما المحظور، فهو سوء الظن بالله تعالى، والواجب: حسن الظن بالله، وكذلك سوء الظن بالمسلمين الذين ظاهرهم العدالة محظور، وأما الظن المأمور به، فهو ما لم ينصب عليه [ ص: 470 ] دليل يوصل إلى العلم به، وقد تعبدنا بتنفيذ الحكم فيه، والاقتصار على غالب الظن، وإجراء الحكم عليه واجب، وذلك نحو ما تعبدنا به من قبول شهادة العدول، وتحري القبلة، وتقويم المستهلكات، وأروش الجنايات التي لم يرد بمقاديرها توقيف، فهذا وما كان من نظائره قد تعبدنا فيه بأحكام غالب الظنون . فأما الظن المباح، فكالشاك في الصلاة إذا كان إماما، أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتحري والعمل على ما يغلب في ظنه، وإن فعله كان مباحا، وإن عدل عنه إلى البناء على اليقين كان جائزا وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ظننتم فلا تحققوا"، وهذا من الظن الذي يعرض في قلب الإنسان في أخيه فيما يوجب الريبة، فلا ينبغي له أن يحققه . وأما الظن المندوب إليه، فهو إحسان الظن بالأخ المسلم يندب إليه ويثاب عليه . فأما ما روي في الحديث: "احترسوا من الناس بسوء الظن"، فالمراد: الاحتراس بحفظ المال، مثل أن يقول: إن تركت بابي مفتوحا خشيت السراق .



[ ص: 471 ] قوله تعالى: إن بعض الظن إثم قال المفسرون: هو ما تكلم به مما ظنه من السوء بأخيه المسلم، فإن لم يتكلم به فلا بأس، وذهب بعضهم إلى أنه يأثم بنفس ذلك الظن وإن لم ينطق به .

قوله تعالى: ولا تجسسوا وقرأ أبو رزين، والحسن، والضحاك ، وابن سيرين، وأبو رجاء، وابن يعمر: بالحاء . قال أبو عبيدة: التجسس والتحسس واحد، وهو التبحث، ومنه الجاسوس . وروي عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: التجسس، بالجيم: البحث عن عورات الناس، وبالحاء: الاستماع لحديث القوم . قال المفسرون: التجسس: البحث عن عيب المسلمين وعوراتهم; فالمعنى: لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه ليطلع عليه إذ ستره الله . وقيل لابن مسعود: هذا الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا، فقال: إنا نهينا عن التجسس، فإن يظهر لنا شيء نأخذه به .

قوله تعالى: ولا يغتب بعضكم بعضا أي: لا يتناول بعضكم بعضا بظهر الغيب بما يسوؤه . وقد روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ما الغيبة؟ قال: "ذكرك أخاك بما يكره" . قال: أرأيت إن كان في أخي ما أقول . قال: "إن كان في أخيك ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته" .

[ ص: 472 ] ثم ضرب الله للغيبة مثلا، فقال: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا وقرأ نافع "ميتا" بالتشديد . قال الزجاج : وبيانه أن ذكرك بسوء من لم يحضر، بمنزلة أكل لحمه وهو ميت لا يحس بذلك . قال القاضي أبو يعلى: وهذا تأكيد لتحريم الغيبة، لأن أكل لحم المسلم محظور، ولأن النفوس تعافه من طريق الطبع، فينبغي أن تكون الغيبة بمنزلته في الكراهة .

قوله تعالى: فكرهتموه وقرأ الضحاك، وعاصم الجحدري: "فكرهتموه" برفع الكاف وتشديد الراء . قال الفراء: أي: وقد كرهتموه فلا تفعلوه، ومن قرأ "فكرهتموه" أي: فقد بغض إليكم، والمعنى واحد . قال الزجاج : والمعنى: كما تكرهون أكل لحمه ميتا، فكذلك تجنبوا ذكره بالسوء غائبا .

قوله تعالى: واتقوا الله أي: في الغيبة إن الله تواب على من تاب رحيم به .

يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير .

[ ص: 473 ] قوله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى في سبب نزولها ثلاثة أقوال .

أحدها: نزلت في ثابت بن قيس وقوله في الرجل الذي لم يفسح له: أنت ابن فلانة، وقد ذكرناه عن ابن عباس في قوله: لا يسخر قوم من قوم [الحجرات: 11] .

والثاني: أنه لما كان يوم الفتح أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فصعد على ظهر الكعبة فأذن، وأراد أن يذل المشركين بذلك، فلما أذن، قال عتاب بن أسيد: الحمد لله الذي قبض أسيدا قبل اليوم، وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمدا غير هذا الغراب الأسود مؤذنا؟! وقال سهيل بن عمرو: إن يكره الله شيئا يغيره، وقال أبو سفيان: أما أنا فلا أقول شيئا، فإني إن قلت شيئا لتشهدن علي السماء، ولتخبرن عني الأرض، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل .

والثالث: أن عبدا أسود مرض فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قبض فتولى غسله وتكفينه ودفنه، فأثر ذلك عند الصحابة، فنزلت هذه الآية، قاله يزيد بن شجرة . فأما المراد بالذكر والأنثى، فآدم وحواء . والمعنى: إنكم تتساوون في النسب; وهذا زجر عن التفاخر بالأنساب . فأما الشعوب، فهي جمع شعب . وهو الحي العظيم، مثل مضر وربيعة، والقبائل دونها، كبكر من ربيعة، وتميم من [ ص: 474 ] مضر، هذا قول الجمهور من المفسرين وأهل اللغة . وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد بالشعوب: الموالي، وبالقبائل: العرب . وقال أبو رزين: الشعوب: أهل الجبال الذين لا يعتزون لأحد، والقبائل: قبائل العرب . وقال أبو سليمان الدمشقي: وقد قيل: إن القبائل هي الأصول، والشعوب هي البطون التي تتشعب منها، وهذا ضد القول الأول .

قوله تعالى: لتعارفوا أي: ليعرف بعضكم بعضا في قرب النسب وبعده . قال الزجاج : المعنى: جعلناكم كذلك لتعارفوا، لا لتفاخروا . ثم أعلمهم أن أرفعهم عنده منزلة أتقاهم . وقرأ أبي بن كعب ، وابن عباس، والضحاك ، وابن يعمر، وأبان عن عاصم: "لتعرفوا" بإسكان العين وكسر الراء من غير ألف . وقرأ مجاهد، وأبو المتوكل، وابن محيصن: "لتعارفوا" بتاء واحدة مشددة وبألف مفتوحة الراء مخففة . وقرأ أبو نهيك، والأعمش: "لتتعرفوا" بتاءين مفتوحة الراء وبتشديدها من غير ألف .

قوله تعالى: إن أكرمكم وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، ومجاهد، وأبو الجوزاء: "أن" بفتح الهمزة . قال الفراء: من فتح "أن" فكأنه قال: لتعارفوا أن الكريم التقي، ولو كان كذلك لكانت "لتعرفوا"، غير أنه يجوز "لتعارفوا" على معنى: ليعرف بعضكم بعضا أن أكرمكم عند الله أتقاكم .

[ ص: 475 ] قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون .

قوله تعالى: قالت الأعراب آمنا قال مجاهد: نزلت في أعراب بني أسد بن خزيمة . ووصف غيره حالهم، فقال: قدموا المدينة في سنة مجدبة، فأظهروا [ ص: 476 ] الإسلام ولم يكونوا مؤمنين، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات، وأغلوا أسعارهم، وكانوا يمنون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك، فنزلت فيهم هذه الآية . وقال السدي: نزلت في أعراب مزينة وجهينة وأسلم وأشجع وغفار [وهم الذين ذكرهم الله تعالى في سورة [الفتح] وكانوا يقولون: آمنا بالله، ليأمنوا على أنفسهم]، فلما استنفروا إلى الحديبية تخلفوا، فنزلت فيهم هذه الآية . وقال مقاتل: كانت منازلهم بين مكة والمدينة، فكانوا إذا مرت بهم سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: آمنا، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية استنفرهم فلم ينفروا معه .

قوله تعالى: قل لم تؤمنوا أي: لم تصدقوا ولكن قولوا أسلمنا قال ابن قتيبة : أي: استسلمنا من خوف السيف، وانقدنا . قال الزجاج : الإسلام: إظهار الخضوع والقبول لما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلك يحقن الدم، فإن كان معه اعتقاد وتصديق بالقلب، فذلك الإيمان، فأخرج الله هؤلاء من الإيمان بقوله: ولما يدخل الإيمان في قلوبكم أي: لم تصدقوا، إنما أسلمتم تعوذا من القتل . وقال مقاتل: "ولما" بمعنى "ولم" يدخل التصديق في قلوبكم .

[ ص: 477 ] قوله تعالى: وإن تطيعوا الله ورسوله قال ابن عباس: إن تخلصوا الإيمان لا يلتكم قرأ أبو عمرو: "يألتكم" بألف وهمز; وروي عنه بألف ساكنة مع ترك الهمزة: وقرأ الباقون: "يلتكم" بغير ألف ولا همز . فقراءة أبي عمرو من ألت يألت، وقراءة الباقين من لات يليت، قال الفراء: وهما لغتان، قال الزجاج : معناهما واحد . والمعنى: لا ينقصكم . وقال أبو عبيدة: فيها ثلاث لغات: ألت يألت، تقديرها: أفك يأفك، وألات يليت، تقديرها: أقال يقيل، ولات يليت، قال رؤبة:


وليلة ذات ندى سريت ولم يلتني عن سراها ليت


قوله تعالى: من أعمالكم أي: من ثوابها . ثم نعت الصادقين في إيمانهم بالآية التي تلي هذه . ومعنى: يرتابوا يشكوا . وإنما ذكر الجهاد، لأن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فرضا في ذلك الوقت، أولئك هم الصادقون [في إيمانهم فلما نزلت هاتان الآيتان أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلفون أنهم مؤمنون صادقون] فنزلت [هذه الآية] .

قوله تعالى: قل أتعلمون الله بدينكم و "علم" بمعنى "أعلم"، ولذلك دخلت الباء في قوله: "بدينكم" والمعنى: أتخبرون [الله] بالدين الذي أنتم عليه؟!، [ ص: 478 ] أي: هو عالم بذلك لا يحتاج إلى إخباركم; وفيهم نزل قوله تعالى: يمنون عليك أن أسلموا قالوا: أسلمنا ولم نقاتلك [والله أعلم] .






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 24-06-2024 الساعة 12:13 AM.
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 23-06-2024, 02:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,545
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد


تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثامن

سُورَةُ ق
الحلقة (502)
صــ 1 إلى صــ 15




سُورَةُ ق

وَيُقَالُ لَهَا: سُورَةُ الْبَاسِقَاتِ

رَوَى الْعَوْفِيُّ [وَغَيْرُهُ] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرَمَةُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْجُمْهُورُ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ أَنَّ فِيهَا آيَةً مَدَنِيَّةً، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ الْآيَةُ [ق: 38] .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج

قوله تعالى: "ق" قرأ الجمهور بإسكان الفاء . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، [ ص: 4 ] وأبو المتوكل ، وأبو رجاء ، وأبو الجوزاء: "قاف" بنصب الفاء وقرأ أبو رزين ، وقتادة: "قاف" برفع الفاء . وقرأ الحسن، وأبو عمران: "قاف" بكسر الفاء . وفي "ق" خمسة أقوال .

أحدها: أنه قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس .

والثاني: أنه جبل من زبرجدة خضراء، قاله أبو صالح عن ابن عباس . وروى عكرمة عن ابن عباس قال: خلق الله جبلا يقال له: "ق" محيط بالعالم، وعروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض، فإذا أراد الله عز وجل أن يزلزل قرية، أمر ذلك الجبل فحرك العرق الذي يلي تلك القرية . وقال مجاهد . هو جبل محيط بالأرض . وروي عن الضحاك أنه من زمردة خضراء، وعليه كنفا السماء، وخضرة السماء منه .

والثالث: أنه جبل من نار، في النار، قاله الضحاك في رواية عنه عن ابن عباس .

والرابع: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة .

والخامس: أنه حرف من كلمة . ثم فيه خمسة أقوال . أحدها: أنه افتتاح اسمه "قدير" قاله أبو العالية . والثاني: أنه افتتاح أسمائه: القدير والقاهر والقريب ونحو ذلك، قاله القرظي . والثالث: أنه افتتاح "قضي الأمر"، وأنشدوا:



قلنا لها قفي فقالت قاف


معناه: أقف، فاكتفت بالقاف من "أقف" حكاه جماعة منهم الزجاج .

والرابع: [ ص: 5 ] قف عند أمرنا ونهينا، ولا تعدهما، قاله أبو بكر الوراق . والخامس: قل يا محمد، حكاه الثعلبي .

قوله تعالى: والقرآن المجيد قال ابن عباس، وابن جبير: المجيد: الكريم . وفي جواب هذا القسم أربعة أقوال .

أحدها: أنه مضمر، تقديره: ليبعثن بعد الموت . قاله الفراء، وابن قتيبة، ويدل عليه قول الكفار: هذا شيء عجيب .

والثاني: أنه قوله: قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ، فيكون المعنى: [قاف] والقرآن المجيد لقد علمنا، فحذفت اللام لأن ما قبلها عوض منها، كقوله: والشمس وضحاها . . . . قد أفلح [الشمس: 1-9] أي: لقد أفلح، أجاز هذا القول الزجاج . [ ص: 6 ] والثالث: أنه قوله: ما يلفظ من قول حكي عن الأخفش .

والرابع: أنه في سورة أخرى، حكاه أبو سليمان الدمشقي، ولم يبين في أي سورة .

قوله تعالى: بل عجبوا مفسر في [ص: 4] إلى قوله: شيء عجيب أي: معجب .

أإذا متنا قال الأخفش: هذا الكلام على جواب، كأنه قيل لهم: إنكم ترجعون، فقالوا: أئذا متنا وكنا ترابا؟ وقال غيره: تقدير الكلام: ق والقرآن ليبعثن، فقال: أئذا متنا وكنا ترابا; والمعنى: أنبعث إذا كنا كذلك؟! وقال ابن جرير: لما تعجبوا من وعيد الله على تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذا شيء عجيب، كان كأنه قال لهم: ستعلمون إذا بعثتم ما يكون حالكم في تكذيبكم محمدا، فقالوا أئذا متنا وكنا ترابا؟!

قوله تعالى: ذلك رجع أي: رد إلى الحياة "بعيد" قال ابن قتيبة: أي: لا يكون .

"قد علمنا ما تنقص الأرض منهم" أي: ما تأكل من لحومهم ودمائهم وأشعارهم إذا ماتوا، يعني أن ذلك لا يعزب عن علمه "وعندنا" مع علمنا بذلك "كتاب حفيظ" أي: حافظ لعددهم وأسمائهم ولما تنقص الأرض منهم، وهو اللوح المحفوظ قد أثبت فيه ما يكون .

بل كذبوا بالحق وهو القرآن . والمريج: المختلط، قال ابن قتيبة: يقال: مرج [أمر] الناس، ومرج الدين، وأصل هذا أن يقلق الشيء، ولا يستقر، يقال: مرج الخاتم في يدي: إذا قلق، للهزال . قال المفسرون: ومعنى اختلاط أمرهم: أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم مرة: ساحر، ومرة: شاعر، [ ص: 7 ] ومرة: معلم، ويقولون للقرآن مرة: سحر ،ومرة: مفترى، ومرة: رجز، فكان أمرهم ملتبسا مختلطا عليهم .

أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد .

ثم دلهم على قدرته على البعث بقوله: أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها بغير عمد "وزيناها" بالكواكب وما لها من فروج أي: من صدوع وشقوق . والزوج: الجنس . والبهيج: الحسن، قاله أبو عبيدة . وقال ابن قتيبة: البهيج: الذي يبتهج به .

قوله تعالى: تبصرة وذكرى لكل عبد منيب قال الزجاج: أي: فعلنا ذلك لنبصر وندل على القدرة . والمنيب: الذي يرجع إلى الله ويفكر في قدرته .

قوله تعالى: ونزلنا من السماء ماء وهو المطر "مباركا" أي: كثير [ ص: 8 ] الخير، فيه حياة كل شيء "فأنبتنا به جنات وهي البساتين "وحب الحصيد" أراد: الحب الحصيد، فأضافه إلى نفسه، كقوله: لهو حق اليقين [الواقعة: 95] وقوله: من حبل الوريد [ق: 16] فالحبل هو الوريد، وكما يقال: صلاة الأولى، يراد الصلاة الأولى، ويقال: مسجد الجامع، يراد: المسجد الجامع، وإنما تضاف هذه الأشياء إلى أنفسها لاختلاف لفظ اسمها، وهذا قول الفراء، وابن قتيبة . وقال غيرهما: أراد حب النبت الحصيد . "والنخل" أي: وأنبتنا النخل "باسقات" و"بسوقها": طولها . قال ابن قتيبة: يقال: بسق الشيء يبسق بسوقا: إذا طال، والنضيد: المنضود بعضه فوق بعض، وذلك قبل أن يتفتح، فإذا انشق جف طلعه وتفرق فليس بنضيد .

قوله تعالى: رزقا للعباد أي: أنبتنا هذه الأشياء للرزق "وأحيينا به" أي: بالمطر "بلدة ميتا كذلك الخروج" من القبور .

ثم ذكر الأمم المكذبة بما بعد هذا، وقد سبق بيانه إلى قوله: فحق وعيد أي: وجب عليهم عذابي .

أفعيينا بالخلق الأول هذا جواب لقولهم: ذلك رجع بعيد . والمعنى: أعجزنا عن ابتداء الخلق، وهو الخلق الأول، فنعيا بالبعث وهو الخلق الثاني؟! وهذا تقرير لهم، لأنهم اعترفوا أنه الخالق، وأنكروا البعث بل هم في لبس أي: في شك من خلق جديد وهو البعث .

ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ونفخ [ ص: 9 ] في الصور ذلك يوم الوعيد وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد

ولقد خلقنا الإنسان يعني ابن آدم ، ونعلم ما توسوس به نفسه أي: ما تحدثه به نفسه . وقال الزجاج: نعلم ما يكنه في نفسه .

قوله تعالى: ونحن أقرب إليه أي: بالعلم "من حبل الوريد" الحبل هو الوريد، وإنما أضافه إلى نفسه لما شرحناه آنفا في قوله: وحب الحصيد [ق: 9] قال الفراء: والوريد: عرق بين الحلقوم والعلباوين . وعنه أيضا قال: عرق بين اللبة والعلباوين . وقال الزجاج: الوريد: عرق في باطن العنق، [وهما وريدان]، والعلباوان: العصبتان الصفراوان في متن العنق، واللبتان: مجرى القرط في العنق . وقال ابن الأنباري: اللبة حيث يتذبذب القرط مما يقرب من شحمة الأذن . وحكى بعض العلماء أن الوريد: عرق متفرق في البدن مخالط لجميع الأعضاء، فلما كانت أبعاض الإنسان يحجب بعضها بعضا، أعلم أن علمه لا يحجبه شيء . والمعنى: ونحن أقرب إليه حين يتلقى المتلقيان، وهما الملكان الموكلان بابن آدم يتلقيان عمله .

وقوله: إذ يتلقى المتلقيان [ ص: 10 ] أي: يأخذان ذلك ويثبتانه "عن اليمين" كاتب الحسنات "وعن الشمال" كاتب السيئات . قال الزجاج: والمعنى: عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، فدل أحدهما على الآخر، فحذف المدلول عليه، قال الشاعر:


نحن بما عندنا وأنت بما عن دك راض والرأي مختلف


وقال آخر:


رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئا ومن أجل الطوي رماني


المعنى: كنت منه بريئا . وقال ابن قتيبة: القعيد بمعنى قاعد، كما يقال: "قدير" بمعنى "قادر"، ويكون القعيد بمعنى مقاعد كالأكيل والشريب بمنزلة: المؤاكل والمشارب .

قوله تعالى: ما يلفظ يعني الإنسان، أي: ما يتكلم من كلام فيلفظه، أي: يرميه من فمه، "إلا لديه رقيب" أي: حافظ، وهو الملك الموكل به، إما صاحب اليمين، وإما صاحب الشمال "عتيد" قال الزجاج: العتيد: [ ص: 11 ] الثابت اللازم . وقال غيره: العتيد: الحاضر معه أينما كان . وروى أبو أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيئات على يساره، فكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها له صاحب اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة، وأراد صاحب الشمال أن يكتبها، قال صاحب اليمين: أمسك، فيمسك عنه سبع ساعات، فإن استغفر منها لم يكتب عليه شيء، وإن لم يستغفر كتب عليه سيئة واحدة " . وقال ابن عباس: جعل الله على ابن آدم حافظين في الليل، وحافظين في النهار . واختلفوا هل يكتبان جميع أفعاله وأقواله على قولين .

أحدهما: أنهما يكتبان عليه كل شيء حتى أنينه في مرضه، قاله مجاهد .

والثاني: أنهما لا يكتبان إلا ما يؤجر [عليه]، أو يؤزر، قاله عكرمة . فأما مجلسهما، فقد نطق القرآن بأنهما عن اليمين وعن الشمال، وكذلك ذكرنا في حديث أبي أمامة . وقد روى علي كرم الله وجهه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن مقعد ملكيك على ثنيتيك ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت تجري فيما [ ص: 12 ] لا يعنيك" وروي عن الحسن والضحاك قالا: مجلسهما تحت الشعر على الحنك .

قوله تعالى: وجاءت سكرة الموت وهي غمرته وشدته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله وتدله على أنه ميت "بالحق" وفيه وجهان .

أحدهما: أن معناه: جاءت بحقيقة الموت .

والثاني: بالحق من أمر الآخرة، فأبانت للإنسان ما لم يكن بينا له من أمر الآخرة . ذكر الوجهين الفراء، وابن جرير .

وقرأ أبو بكر الصديق رضي الله عنه: (وجاءت سكرة الحق بالموت)، قال ابن جرير : ولهذه القراءة وجهان .

أحدهما: أن يكون الحق هو الله تعالى، فيكون المعنى: وجاءت سكرة الله بالموت .

والثاني: أن تكون السكرة هي الموت، أضيفت إلى نفسها، كقوله: إن هذا لهو حق اليقين [الواقعة: 95]، فيكون المعنى: وجاءت السكرة الحق بالموت، بتقديم "الحق" . وقرأ ابن مسعود، وأبو عمران: "وجاءت سكرات" على الجمع "الحق بالموت" بتقديم "الحق" . وقرأ أبي ابن كعب ، وسعيد بن جبير: "وجاءت سكرات الموت" على الجمع "بالحق" بتأخير "الحق" . [ ص: 13 ]

قوله تعالى: ذلك أي: فيقال للإنسان حينئذ: "ذلك" أي: ذلك الموت "ما كنت منه تحيد" أي: تهرب وتفر . وقال ابن عباس: تكره .

قوله تعالى: ونفخ في الصور يعني نفخة البعث "ذلك" اليوم يوم الوعيد أي: يوم وقوع الوعيد .

قوله تعالى: معها سائق فيه قولان .

أحدهما: أن السائق: ملك يسوقها إلى محشرها، قاله أبو هريرة .

والثاني: أنه قرينها من الشياطين، سمي سائقا، لأنه يتبعها وإن لم يحثها .

وفي الشهيد ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه ملك يشهد عليها بعملها، قاله عثمان بن عفان، والحسن . وقال مجاهد: الملكان: سائق . وشهيد . وقال ابن السائب: السائق الذي كان يكتب عليه السيئات، والشهيد: الذي كان يكتب الحسنات .

والثاني: أنه العمل يشهد على الإنسان، قاله أبو هريرة .

والثالث: الأيدي والأرجل تشهد عليه بعمله، قاله الضحاك .

وهل هذه الآيات عامة، أم خاصة؟ فيها قولان . أحدهما: أنها عامة، قاله الجمهور . الثاني: خاصة في الكافر، قاله الضحاك، ومقاتل .

قوله تعالى: لقد كنت أي: ويقال له: "لقد كنت في غفلة من هذا" اليوم وفي المخاطب بهذه الآيات ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه الكافر، قاله ابن عباس، وصالح بن كيسان في آخرين .

[ ص: 14 ] والثاني: أنه عام في البر والفاجر، قاله حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، واختاره ابن جرير .

والثالث: أنه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا قول ابن زيد . فعلى القول الأول يكون المعنى: لقد كنت في غفلة من هذا اليوم في الدنيا بكفرك به; وعلى الثاني: كنت غافلا عن أهوال القيامة . فكشفنا عنك غطاءك الذي كان في الدنيا يغشى قلبك وسمعك وبصرك . وقيل معناه: أريناك ما كان مستورا عنك; وعلى الثالث: لقد كنت قبل الوحي في غفلة عما أوحي إليك، فكشفنا عنك غطاءك بالوحي "فبصرك اليوم حديد" وفي المراد بالبصر قولان .

أحدهما: البصر المعروف، قاله الضحاك . والثاني: العلم، قاله الزجاج .

وفي قوله: "اليوم" قولان .

أحدهما: أنه يوم القيامة، قاله الأكثرون . والثاني: أنه في الدنيا، وهذا على قول ابن زيد . فأما قوله: "حديد" فقال ابن قتيبة: الحديد بمعنى الحاد . أي: فأنت ثاقب البصر . ثم فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: فبصرك حديد إلى لسان الميزان حين توزن حسناتك وسيئاتك، قاله مجاهد . والثاني: أنه شاخص لا يطرف لمعاينة الآخرة، قاله مقاتل . والثالث: أنه العلم النافذ، قاله الزجاج .

[ ص: 15 ] وقال قرينه هذا ما لدي عتيد ألقيا في جهنم كل كفار عنيد مناع للخير معتد مريب الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد

قوله تعالى: وقال قرينه قال مقاتل: هو ملكه الذي كان يكتب عمله السيئ في دار الدنيا، يقول لربه: قد كتبت ما وكلتني به، فهذا عندي معد حاضر من عمله الخبيث، فقد أتيتك به وبعمله . وفي "ما" قولان . أحدهما: أنها بمعنى "من" قاله مجاهد .

والثاني: أنها بمعنى الشيء، فتقديره: هذا شيء لدي عتيد، قاله الزجاج، وقد ذكرنا معنى العتيد في هذه السورة [ق: 18]، فيقول الله تعالى: ألقيا في جهنم وفي معنى هذا الخطاب ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه مخاطبة للواحد بلفظ الخطاب للاثنين، قال الفراء: والعرب تأمر الواحد والقوم بأمر الاثنين، فيقولون للرجل ويلك ارحلاها وازجراها، سمعتها من العرب، وأنشدني بعضهم:


فقلت لصاحبي لا تحبسانا بنزع أصوله واجتز شيحا






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 24-06-2024 الساعة 12:15 AM.
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 23-06-2024, 02:29 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,545
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثامن

سُورَةُ ق
الحلقة (503)
صــ 16 إلى صــ 30





وأنشدني أبو ثروان:

[ ص: 16 ]
فإن تزجراني يابن عفان أنزجر وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا


ونرى أن ذلك منهم، لأن أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه اثنان، وكذلك الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة، فجرى الكلام على صاحبيه، ألا ترى الشعر أكثر شيء قيلا: يا صاحبي ويا خليلي . قال امرؤ القيس:


خليلي مرا بي على أم جندب نقضي لبانات الفؤاد المعذب


ثم قال:


ألم تر أني كلما جئت طارقا وجدت بها طيبا وإن لم تطيب


فرجع إلى الواحد، وأول كلامه اثنان، وإلى هذا المعنى ذهب مقاتل، وقال: "ألقيا" خطاب للخازن، يعني خازن النار .

والثاني: أنه فعل ثني توكيدا، كأنه لما قال: "ألقيا" ، ناب عن ألق ألق، وكذلك، قفا نبك، معناه: قف قف، فلما ناب عن فعلين، ثني، قاله المبرد .

والثالث: أنه أمر للملكين، يعني السائق والشهيد، وهذا اختيار الزجاج .

[ ص: 17 ] فأما "الكفار" فهو أشد مبالغة من الكافر . و"العنيد" قد فسرناه في [هود: 59]

قوله تعالى: مناع للخير في المراد بالخير ها هنا ثلاثة أقوال .

أحدها: الزكاة المفروضة، قاله قتادة .

والثاني: أنه الإسلام، يمنع الناس من الدخول فيه، قاله الضحاك، ومقاتل، وذكر أنها نزلت في الوليد بن المغيرة، منع بني أخيه عن الإسلام .

والثالث: أنه عام في كل خير من قول أو فعل، حكاه الماوردي .

قوله تعالى: معتد أي: ظالم لا يقر بالتوحيد مريب أي: شاك في الحق، من قولهم: أراب الرجل: إذا صار ذا ريب .

قوله تعالى: قال قرينه فيه قولان .

أحدهما: شيطانه، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والجمهور . وفي الكلام اختصار تقديره: إن الإنسان ادعى على قرينه من الشياطين أنه أضله [ ص: 18 ] فقال: ربنا ما أطغيته أي: لم يكن لي قوة على إضلاله بالإكراه، وإنما طغى هو بضلاله .

والثاني: أنه الملك الذي كان يكتب السيئات .

ثم فيما يدعيه الكافر على الملك قولان .

أحدهما: [أنه] يقول: زاد علي فيما كتب، فيقول الملك: ما أطغيته، أي: ما زدت عليه، قاله سعيد بن جبير .

والثاني: أنه يقول: كان يعجلني عن التوبة، فيقول: ربنا ما أطغيته، هذا قول الفراء .

قوله تعالى: ولكن كان في ضلال بعيد أي: بعيد من الهدى، فيقول الله تعالى: لا تختصموا لدي في هذا الخصام قولان . أحدهما: أنه اعتذارهم بغير عذر، قاله ابن عباس .

والثاني: أنه خصامهم مع قرنائهم الذين أغووهم، قاله أبو العالية . فأما اختصامهم فيما كان بينهم من المظالم في الدنيا، فلا يجوز أن يهمل، لأنه يوم التناصف .

قوله تعالى: وقد قدمت إليكم بالوعيد أي: قد أخبرتكم على ألسن الرسل بعذابي في الآخرة لمن كفر .

ما يبدل القول لدي فيه قولان .

أحدهما: ما يبدل القول فيما وعدته من ثواب وعقاب، قاله الأكثرون .

والثاني: ما يكذب عندي ولا يغير القول عن جهته، لأني أعلم الغيب وأعلم كيف ضلوا وكيف أضللتموهم، هذا قول ابن السائب واختيار الفراء وابن قتيبة، ويدل عليه أنه قال تعالى: ما يبدل القول لدي ولم يقل: [ ص: 19 ] ما يبدل قولي وما أنا بظلام للعبيد فأزيد على إساءة المسيء، أو أنقص من إحسان المحسن .

يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وأدبار السجود

"يوم نقول لجهنم" قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر; وحمزة، والكسائي: "يوم نقول" بالنون المفتوحة وضم القاف . [وقرأ نافع، وأبو بكر، والمفضل عن عاصم: "يوم يقول" بالياء المفتوحة وضم القاف] . وقرأ أبي بن كعب ، والحسن ، وعبد الوارث عن أبي عمرو: "يوم يقال" بياء مضمومة وفتح القاف وإثبات ألف . قال الزجاج: وانتصاب "يوم" على وجهين، أحدهما: على معنى: ما يبدل القول لدي في ذلك اليوم . والثاني: على معنى: وأنذرهم يوم نقول لجهنم .

فأما فائدة سؤاله إياها، وقد علم هل امتلأت أم لا، فإنه توبيخ لمن أدخلها، وزيادة في مكروهه، ودليل على تصديق قوله: لأملأن جهنم

[الأعراف: 18] وفي قولها: هل من مزيد قولان عند أهل اللغة .

[ ص: 20 ] أحدهما: أنها تقول ذلك بعد امتلائها، فالمعنى: هل بقي في موضع لم يمتلئ؟ أي: قد امتلأت .

والثاني: أنها تقول تغيظا على من عصى الله تعالى، وجعل الله فيها أن تميز وتخاطب، كما جعل في النملة أن قالت: ادخلوا مساكنكم [النمل: 18] وفي المخلوقات أن تسبح بحمده .

قوله تعالى: وأزلفت الجنة للمتقين أي: قربت للمتقين [الشرك] (غير بعيد) أي: جعلت عن يمين العرش حيث يراها أهل الموقف، ويقال لهم: "هذا" الذي ترونه ما توعدون وقرأ عثمان بن عفان، وابن عمر، ومجاهد، وعكرمة، وابن محيصن: "يوعدون" بالياء لكل أواب وفيه أقوال قد ذكرناها في [بني إسرائيل: 25] . وفي حفيظ قولان .

أحدهما: الحافظ لذنوبه حتى يرجع عنها، قاله ابن عباس .

والثاني: الحافظ لأمر الله تعالى، قاله مقاتل .

قوله تعالى: من خشي الرحمن بالغيب قد بيناه في [الأنبياء: 49] وجاء بقلب منيب أي: راجع إلى طاعة الله عن معصيته .

(ادخلوها) أي: يقال لهم: ادخلوا الجنة بسلام وذلك أنهم سلموا من عذاب الله، وسلموا فيها من الغموم والتغير والزوال، وسلم الله وملائكته عليهم ذلك يوم الخلود في الجنة، لأنه لا موت فيها ولا زوال .

لهم ما يشاءون فيها وذلك أنهم يسألون الله حتى تنتهي مسائلهم، [ ص: 21 ] فيعطون ما شاؤوا، ثم يزيدهم ما لم يسألوا، فذلك قوله: ولدينا مزيد . وللمفسرين في المراد بهذا المزيد ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه النظر إلى الله عز وجل; روى علي رضي الله عنه عن النبي عليه السلام في قوله: "ولدينا مزيد" قال: يتجلى لهم . وقال أنس بن مالك في قوله: "ولدينا مزيد": يتجلى لهم الرب تعالى في كل جمعة .

والثاني: أن السحاب يمر بأهل الجنة، فيمطرهم الحور، فتقول الحور: نحن اللواتي قال الله عز وجل: "ولدينا مزيد" حكاه الزجاج . والثالث: أن الزيادة على ما تمنوه وسألوا مما لم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر ذكره أبو سليمان الدمشقي .

ثم خوف كفار مكة بما بعد هذا إلى قوله: "فنقبوا في البلاد" قرأ الجمهور " فنقبوا " بفتح النون والقاف مع تشديدها . وقرأ أبي بن كعب ، وابن عباس، والحسن، وابن السميفع، ويحيى بن يعمر . كذلك، إلا أنهم كسروا القاف على جهة الأمر تهددا . وقرأ عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، وابن أبي عبلة، وعبيد عن أبي عمرو: "فنقبوا" بفتح القاف وتخفيفها . قال الفراء: ومعنى "فنقبوا" ساروا في البلاد، فهل كان لهم من الموت "من محيص" فأضمرت "كان" ها هنا، كقوله: أهلكناهم فلا ناصر لهم [محمد: 13] أي: فلم يكن لهم ناصر . ومن قرأ "فنقبوا" بكسر القاف، فإنه [ ص: 22 ] كالوعيد; والمعنى: اذهبوا في البلاد وجيئوا فهل من الموت من محيص؟! وقال الزجاج: "نقبوا": طوقوا وفتشوا، فلم تروا محيصا من الموت قال امرؤ القيس:


لقد نقبت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب


فأما المحيص: فهو المعدل; وقد استوفينا شرحه في سورة [ النساء: 121 ] .

قوله تعالى: إن في ذلك يعني الذي ذكره من إهلاك القرى لذكرى أي: تذكرة وعظة لمن كان له قلب قال ابن عباس: أي: عقل . قال الفراء: وهذا جائز في اللغة أن تقول: ما لك قلب، وما معك قلبك، تريد العقل . وقال ابن قتيبة: لما كان القلب موضعا للعقل كنى به [عنه] . وقال الزجاج: المعنى: لمن صرف قلبه إلى التفهم أو ألقى السمع أي: استمع مني (وهو شهيد) أي: وقلبه فيما يسمع . وقال الفراء: "وهو شهيد" أي: شاهد ليس بغائب .

قوله تعالى: ولقد خلقنا السماوات والأرض ذكر المفسرون أن اليهود قالت: خلق الله السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، آخرها يوم الجمعة، واستراح يوم السبت، فلذلك لا نعمل فيه شيئا، فنزلت هذه الآيات، فأكذبهم الله عز وجل بقوله: وما مسنا من لغوب قال الزجاج: واللغوب: التعب والإعياء . [ ص: 23 ] قوله تعالى: فاصبر على ما يقولون أي: من بهتهم وكذبهم . قال المفسرون: ونسخ معنى قوله: "فاصبر" بآية السيف وسبح بحمد ربك أي: صل بالثناء على ربك والتنزيه [له] مما يقول المبطلون قبل طلوع الشمس وهي صلاة الفجر وقبل الغروب فيها قولان .

أحدهما: صلاة الظهر والعصر، قاله ابن عباس .

والثاني: صلاة العصر، قاله قتادة . وروى البخاري ومسلم في "الصحيحين" من حديث جرير بن عبد الله، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة البدر، فقال: إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل الغروب فافعلوا . وقرأ: "فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب" .

قوله تعالى: ومن الليل فسبحه فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: أنها صلاة الليل كله، أي وقت صلى منه، قاله مجاهد .

والثاني: صلاة العشاء، قاله ابن زيد .

والثالث: صلاة المغرب والعشاء، قاله مقاتل .

قوله تعالى: وأدبار السجود قرأ ابن كثير، ونافع، وحمزة، وخلف: [ ص: 24 ] بكسر الهمزة; وقرأ الباقون بفتحها . قال الزجاج: من فتح ألف "أدبار" فهو جمع دبر، ومن كسرها فهو مصدر: أدبر يدبر إدبارا .

وللمفسرين في هذا التسبيح ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه الركعتان بعد صلاة المغرب، روي عن عمر، وعلي، والحسن بن علي، رضي الله عنهم، وأبي هريرة، والحسن، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، وقتادة في آخرين، وهو رواية العوفي عن ابن عباس .

والثاني أنه النوافل بعد المفروضات ،قاله ابن زيد .

والثالث: أنه التسبيح باللسان في أدبار الصلوات المكتوبات، رواه مجاهد عن ابن عباس . وروي عن أبي الأحوص أنه قال في جميع التسبيح المذكور في هاتين الآيتين كذلك .

واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد

قوله تعالى: واستمع يوم يناد المناد قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر "ينادي المنادي" بياء في الوصل . ووقف ابن كثير بياء، ووقف نافع وأبو عمرو بغير ياء . ووقف الباقون ووصلوا بياء . قال أبو سليمان الدمشقي: المعنى: واستمع حديث يوم ينادي المنادي . قال المفسرون: والمنادي: إسرافيل، يقف على صخرة بيت المقدس فينادي: يا أيها الناس هلموا إلى الحساب، إن الله يأمركم أن تجتمعوا لفصل القضاء; وهذه هي النفخة [ ص: 25 ] الأخيرة . والمكان القريب: صخرة بيت المقدس . قال كعب ومقاتل: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا . وقال ابن السائب باثني عشر ميلا . قال الزجاج: ويقال: إن تلك الصخرة في وسط الأرض .

قوله تعالى: يوم يسمعون الصيحة وهي [هذه] النفخة الثانية بالحق أي: بالبعث الذي لا شك فيه ذلك يوم الخروج من القبور .

إنا نحن نحيي ونميت أي: نميت في الدنيا ونحيي للبعث وإلينا المصير بعد البعث، وهو قوله: يوم تشقق الأرض عنهم قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: "تشقق" بتشديد الشين; وقرأ الباقون بتخفيفها سراعا أي: فيخرجون منها سراعا ذلك حشر علينا يسير أي: هين .

ثم عزى نبيه فقال: "نحن أعلم بما يقولون" في تكذيبك، يعني كفار مكة "وما أنت عليهم بجبار" قال ابن عباس: لم تبعث لتجبرهم على الإسلام إنما بعثت مذكرا، وذلك قبل أن يؤمر بقتالهم، وأنكر الفراء هذا القول فقال: العرب لا تقول: "فعال من أفعلت" لا يقولون: "خراج" يريدون "مخرج" ولا "دخال" يريدون "مدخل" إنما يقولون: "فعال" من "فعلت"، وإنما الجبار هنا في موضع السلطان من الجبرية، وقد قالت العرب في حرف واحد: "دراك" من "أدركت" وهو شاذ، فإن جعل هذا على هذه الكلمة فهو وجه . وقال ابن قتيبة: "بجبار" أي: بمسلط، والجبار: الملك، سمي بذلك لتجبره، يقول: لست عليهم بملك مسلط .

[ ص: 26 ] قال اليزيدي: لست بمسلط فتقهرهم على الإسلام . وقال مقاتل: لتقتلهم . وذكر المفسرون أن قوله: "وما أنت عليهم بجبار" منسوخ بآية السيف .

قوله تعالى: فذكر بالقرآن أي: فعظ به "من يخاف وعيد" وقرأ يعقوب: "وعيدي" بياء في الحالين]، أي: ما أوعدت من عصاني من العذاب .

سُورَةُ الذَّارِيَاتِ

مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا بِإِجْمَاعِهِمْ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
والذاريات ذروا . فالحاملات وقرا . فالجاريات يسرا . فالمقسمات أمرا . إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع والسماء ذات الحبك إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون يسألون أيان يوم الدين يوم هم على النار يفتنون ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون وفي السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون

قوله تعالى: والذاريات ذروا يعني الرياح، يقال: ذرت الريح التراب تذروه ذروا: إذا فرقته . قال الزجاج: يقال: ذرت فهي ذارية، وأذرت فهي مذرية بمعنى واحد .

"والذاريات"، مجرورة على القسم، المعنى: أحلف بالذاريات وهذه الأشياء، والجواب "إنما توعدون لصادق" قال قوم: المعنى: ورب الذاريات، ورب الجاريات .

[ ص: 28 ] قوله تعالى: فالحاملات وقرا يعني السحاب التي تحمل وقرها من الماء .

"فالجاريات يسرا" يعني السفن تجري ميسرة في [الماء] جريا سهلا .

"فالمقسمات أمرا" يعني الملائكة تقسم الأمور على ما أمر الله به . قال ابن السائب: والمقسمات أربعة، جبريل، وهو صاحب الوحي والغلظة، وميكائيل، وهو صاحب الرزق والرحمة، وإسرافيل، وهو صاحب الصور واللوح، وعزرائيل، وهو قابض الأرواح . وإنما أقسم بهذه الأشياء لما فيها من الدلالة على صنعه وقدرته .

ثم ذكر المقسم عليه فقال: "إنما توعدون" أي: من الثواب والعقاب يوم القيامة "لصادق" أي: لحق .

"وإن الدين" فيه قولان .

أحدهما: الحساب . والثاني: الجزاء "لواقع" أي: لكائن .

ثم ذكر قسما آخر فقال: "والسماء ذات الحبك" وقرأ عمر بن الخطاب، وأبو رزين: "الحبك" بكسر الحاء والباء جميعا . وقرأ عثمان بن عفان، والشعبي، وأبو العالية، وأبو حيوة: "الحبك" بكسر الحاء وإسكان الباء . وقرأ أبي ابن كعب ، وابن عباس، وأبو رجاء ، وابن أبي عبلة: "الحبك" برفع الحاء وإسكان الباء . وقرأ ابن مسعود، وعكرمة: "الحبك" بفتح الحاء و الباء جميعا .

[ ص: 29 ] وقرأ أبو الدرداء، وأبو الجوزاء، وأبو المتوكل ، وأبو عمران الجوني، وعاصم الجحدري: [ "الحبك"] بفتح الحاء وكسر الباء .

ثم في معنى "الحبك" أربعة أقوال . أحدها: ذات الخلق الحسن، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال قتادة . والثاني: البنيان المتقن، قاله مجاهد . والثالث: ذات الزينة، قاله سعيد بن جبير . وقال الحسن: حبكها: نجومها . والرابع: ذات الطرائق، قاله الضحاك واللغويون . وقال الفراء: الحبك: تكسر كل شيء كالرمل إذا مرت به الريح الساكنة، والماء القائم إذا مرت به الريح ، والشعرة الجعدة تكسرها حبك، وواحد الحبك: حباك وحبيكة وقال الزجاج: أهل اللغة يقولون: الحبك: الطرائق الحسنة، والمحبوك في اللغة: ما أجيد عمله، وكل ما تراه من الطرائق في الماء وفي الرمل إذا أصابته الريح فهو حبك . وروي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: هذه هي السماء السابعة .

ثم ذكر جواب القسم الثاني، قال: "إنكم" يعني أهل مكة لفي قول مختلف في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، بعضكم يقول: شاعر، وبعضكم يقول: مجنون . وفي القرآن [بعضكم] يقول: سحر، وبعضكم يقول: كهانة ورجز، إلى غير ذلك .

يؤفك عنه من أفك أي: يصرف عن الإيمان [به] من صرف [فحرمه] . [والهاء في "عنه" عائدة إلى القرآن . وقيل: يصرف عن هذا [ ص: 30 ] القول، أي: من أجله وسببه عن الإيمان من صرف] . وقرأ قتادة: "من أفك" بفتح الألف والفاء . وقرأ عمرو بن دينار: "من أفك" بفتح الألف وكسر الفاء .

قتل الخراصون قال الفراء: يعني [لعن] الكذابون الذين قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم ساحر وكذاب وشاعر، خرصوا ما لا علم لهم به . وفي رواية العوفي عن ابن عباس: أنهم الكهنة . وقال ابن الأنباري: والقتل إذ أخبر عن الله به فهو بمعنى اللعنة، لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك .

قوله تعالى: الذين هم في غمرة أي: في عمى وجهالة بأمر الآخرة ساهون أي: غافلون . والسهو: الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنه .

يسألون أيان يوم الدين أي: يقولون: يا محمد متى يوم الجزاء؟! تكذيبا منهم واستهزاء .

ثم أخبر عن ذلك اليوم، فقال: يوم هم على النار قال الزجاج: "اليوم" منصوب على معنى: يقع الجزاء يوم هم على النار يفتنون أي: يحرقون ويعذبون، ومن ذلك يقال للحجارة السود التي كأنها قد أحرقت بالنار: الفتين .

قوله تعالى: ذوقوا المعنى: يقال لهم: ذوقوا فتنتكم وفيها قولان .

أحدهما: تكذيبكم، قاله ابن عباس . والثاني: حريقكم، قاله مجاهد . قال أبو عبيدة: ها هنا تم الكلام، ثم ائتنف، فقال: هذا الذي كنتم به تستعجلون قال المفسرون: يعني الذي كنتم تستعجلونه في الدنيا استهزاء . ثم ذكر ما وعد الله لأهل الجنة فقال: إن المتقين في جنات وعيون وقد سبق شرح هذا [البقرة: 25، الحجر 45] .






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 24-06-2024 الساعة 12:17 AM.
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 463.05 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 457.07 كيلو بايت... تم توفير 5.98 كيلو بايت...بمعدل (1.29%)]