تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد - الصفحة 44 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         صراعٌ دائم وتحرّكات غائبة عن المشهد! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          مراحل فرض الصيام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          كيف تعرف حالك مع الله تعالى؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          سعادة العارفين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          الإعداد للنهاية باليقين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          غرور المتعبدين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          هل أتاك نبأ هذه الجوهرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          رمضانُ رِزق! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          بعض آثار الاستهلاك الرأسمالي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          رحمةٌ تُدرك قبل أن تُطلب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التسجيل التعليمـــات التقويم

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 06-02-2023, 11:41 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,592
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ الرُّومِ
الحلقة (434)
صــ 291 إلى صــ 300





أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون . ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون

قوله تعالى: أولم يسيروا في الأرض أي: أولم يسافروا فينظروا مصارع الأمم قبلهم كيف أهلكوا بتكذيبهم فيعتبروا .

قوله تعالى: وأثاروا الأرض أي: قلبوها للزراعة، ومنه قيل للبقرة: مثيرة . وقرأ أبي بن كعب ، ومعاذ القارئ، وأبو حيوة: " وآثروا الأرض " بمد الهمزة وفتح الثاء مرفوعة الراء، وعمروها أكثر مما عمروها أي: أكثر من عمارة أهل مكة، لطول أعمار أولئك وشدة قوتهم وجاءتهم رسلهم بالبينات أي: بالدلالات فما كان الله ليظلمهم بتعذيبهم على غير ذنب [ ص: 291 ] ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بالكفر والتكذيب; ودل هذا على أنهم لم يؤمنوا فأهلكوا .

ثم أخبر عن عاقبتهم فقال: ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى يعني الخلة السيئة; وفيها قولان . أحدهما: أنها العذاب، قاله الحسن . والثاني: جهنم، قاله السدي .

قوله تعالى: أن كذبوا قال الفراء: معناه: لأن كذبوا، فلما ألقيت اللام كان نصبا . وقال الزجاج: لتكذيبهم بآيات الله واستهزائهم . وقيل: السوأى مصدر بمنزلة الإساءة; فالمعنى: ثم كان التكذيب آخر أمرهم، أي: ماتوا على ذلك، كأن الله تعالى جازاهم على إساءتهم أن طبع على قلوبهم حتى ماتوا على التكذيب عقوبة لهم . وقال مكي بن أبي طالب النحوي: " عاقبة " اسم كان، و " السوأى " خبرها، و " أن كذبوا " مفعول من أجله; ويجوز أن يكون " السوأى " مفعولة بـ " أساؤوا " ، و " أن كذبوا " خبر كان; ومن نصب " عاقبة " جعلها خبر " كان " و " السوأى " اسمها، ويجوز أن يكون " أن كذبوا " اسمها . وقرأ الأعمش: " أساؤوا السوء " برفع " السوء " .

قوله تعالى: الله يبدأ الخلق ثم يعيده أي: يخلقهم أولا، ثم يعيدهم بعد الموت أحياء كما كانوا، ثم إليه ترجعون قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: " ترجعون " بالتاء; فعلى هذا يكون الكلام عائدا من الخبر إلى الخطاب وقرأ أبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم: بالياء، لأن المتقدم ذكره غيبة، والمراد بذكر الرجوع: الجزاء على الأعمال، والخلق بمعنى المخلوقين، وإنما قال: يعيده على لفظ الخلق .
[ ص: 292 ] ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون . ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون . فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون

قوله تعالى: يبلس المجرمون قد شرحنا الإبلاس في (الأنعام: 44) .

قوله تعالى: ولم يكن لهم من شركائهم أي: [من] أوثانهم التي عبدوها شفعاء في القيامة وكانوا بشركائهم كافرين يتبرؤون منها وتتبرأ منهم .

قوله تعالى: يومئذ يتفرقون وذلك بعد الحساب ينصرف قوم إلى الجنة، وقوم إلى النار .

قوله تعالى: فهم في روضة الروضة: المكان المخضر من الأرض; وإنما خص الروضة، لأنها كانت أعجب الأشياء إلى العرب; قال أبو عبيدة: ليس شيء عند العرب أحسن من الرياض المعشبة ولا أطيب ريحا، قال الأعشى:


ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليها مسبل هطل يوما بأطيب منها نشر رائحة
ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل


قال المفسرون: والمراد بالروضة: رياض الجنة .

وفي معنى " يحبرون " أربعة أقوال .

[ ص: 293 ] أحدها: يكرمون، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس .

والثاني: ينعمون، قاله مجاهد ، وقتادة . قال الزجاج: والحبرة في اللغة: كل نغمة حسنة .

والثالث : يفرحون، قاله السدي . وقال ابن قتيبة : " يحبرون " : يسرون، والحبرة: السرور .

والرابع : أن الحبر: السماع في الجنة، فإذا أهل الجنة في السماع، لم تبق شجرة إلا وردت، قاله يحيى بن أبي كثير . وسئل يحيى بن معاذ: أي الأصوات أحسن؟ فقال: مزامير أنس، في مقاصير قدس، بألحان تحميد، في رياض تمجيد في مقعد صدق عند مليك مقتدر [القمر: 55] .

قوله تعالى: فأولئك في العذاب محضرون أي: هم حاضرون العذاب أبدا لا يخفف عنهم .
فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون . وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون

ثم ذكر ما تدرك به الجنة ويتباعد به من النار فقال: فسبحان الله حين تمسون قال المفسرون: المعنى: فصلوا لله حين تمسون، أي: حين تدخلون في المساء وحين تصبحون أي: تدخلون في الصباح، و تظهرون تدخلون في الظهيرة، وهي وقت الزوال، وعشيا أي: وسبحوه عشيا . وهذه الآية قد جمعت الصلوات، فقوله: حين تمسون يعني [به] [ ص: 294 ] صلاة المغرب والعشاء، وحين تصبحون يعني به صلاة الفجر، وعشيا العصر، وحين تظهرون الظهر .

قوله تعالى: وله الحمد في السماوات والأرض قال ابن عباس: يحمده أهل السموات وأهل الأرض ويصلون له .

قوله تعالى: يخرج الحي من الميت فيه أقوال قد ذكرناها في (آل عمران: 27)

قوله تعالى: ويحيي الأرض بعد موتها أي: يجعلها منبتة بعد أن كانت لا تنبت، وتلك حياتها وكذلك تخرجون قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو ، وابن عامر: " تخرجون " بضم التاء، وفتحها حمزة والكسائي; والمراد: تخرجون يوم القيامة من الأرض، أي: كما أحيا الأرض بالنبات يحييكم بالبعث .
ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون . ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين . ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون . ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون [ ص: 295 ] وله من في السماوات والأرض كل له قانتون وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم . ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين

قوله تعالى: ومن آياته أي: من دلائل قدرته أن خلقكم من تراب يعني آدم، لأنه أصل البشر ثم إذا أنتم بشر من لحم ودم، يعني ذريته تنتشرون أي: تنبسطون في الأرض .

قوله تعالى: أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا فيه قولان .

أحدهما: أنه يعني بذلك آدم، خلق حواء من ضلعه، وهو معنى قول قتادة .

والثاني: أن المعنى: جعل لكم آدميات مثلكم، ولم يجعلهن من غير جنسكم، قاله الكلبي .

قوله تعالى: لتسكنوا إليها أي: لتأووا إلى الأزواج وجعل بينكم مودة ورحمة وذلك أن الزوجين يتوادان ويتراحمان من غير رحم بينهما إن في ذلك الذي ذكره من صنعه لآيات لقوم يتفكرون في قدرة الله وعظمته .

قوله تعالى: واختلاف ألسنتكم يعني اللغات من العربية والعجمية وغير ذلك وألوانكم لأن الخلق بين أسود وأبيض وأحمر، وهم ولد رجل واحد وامرأة واحدة . وقيل: المراد باختلاف الألسنة: اختلاف النغمات والأصوات، حتى إنه لا يشتبه صوت أخوين من أب وأم والمراد باختلاف الألوان: اختلاف [ ص: 296 ] الصور، فلا تشتبه صورتان مع التشاكل إن في ذلك لآيات للعالمين قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ، وابن عامر، وحمزة، [والكسائي]، وأبو بكر عن عاصم: " للعالمين " بفتح اللام . وقرأ حفص عن عاصم: " للعالمين " بكسر اللام .

قوله تعالى: ومن آياته منامكم بالليل والنهار أي: نومكم . قال أبو عبيدة: المنام من مصادر النوم، بمنزلة قام يقوم قياما ومقاما، وقال يقول مقالا . قال المفسرون: وتقدير الآية: منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله وهو طلب الرزق بالنهار إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون سماع اعتبار [وتذكر] وتدبر . ومن آياته يريكم البرق قال اللغويون: إنما حذف " أن " لدلالة الكلام عليه، وأنشدوا:


[وما الدهر إلا تارتان فتارة أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح


ومعناه: فتارة أموت فيها]، وقال طرفة:


ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى [وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي]


أراد: أن أحضر . وقد شرحنا معنى الخوف والطمع في رؤية البرق في سورة (الرعد: 12) .

قوله تعالى: أن تقوم السماء والأرض أي: تدوما قائمتين بأمره ثم إذا دعاكم دعوة وهي نفخة إسرافيل الأخيرة في الصور بأمر الله عز وجل [ ص: 297 ] من الأرض أي: من قبوركم إذا أنتم تخرجون منها . وما بعد هذا قد سبق بيانه [البقرة: 116، العنكبوت: 19] إلى قوله: وهو أهون عليه وفيه أربعة أقوال .

أحدها: أن الإعادة أهون عليه من البداية، وكل هين عليه، قاله مجاهد ، وأبو العالية .

والثاني: أن أهون بمعنى " هين " ، فالمعنى: وهو هين عليه، وقد يوضع " أفعل " في موضع " فاعل " ، ومثله قولهم في الأذان الله أكبر، أي: الله كبير قال الفرزدق:


إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول


وقال معن بن أوس المزني:


لعمرك ما أدري وإني لأوجل على أينا تغدو المنية أول


أي: وإني لوجل، وقال غيره:


أصبحت أمنحك الصدود وإنني قسما إليك مع الصدود لأميل


وأنشدوا أيضا:

[ ص: 298 ]
تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد


أي: بواحد، هذا قول أبي عبيدة، وهو مروي عن الحسن، وقتادة . و[قد] قرأ أبي بن كعب، وأبو عمران الجوني، وجعفر بن محمد: " وهو هين عليه " .

والثالث : أنه خاطب العباد بما يعقلون، فأعلمهم أنه يجب أن يكون عندهم البعث أسهل من الابتداء في تقديرهم وحكمهم، فمن قدر على الإنشاء كان البعث أهون عليه، هذا اختيار الفراء، والمبرد، والزجاج، وهو قول مقاتل . وعلى هذه الأقوال الثلاثة تكون الهاء في " عليه " عائدة إلى الله تعالى .

والرابع أن الهاء تعود على المخلوق، لأنه خلقه نطفة ثم علقة ثم مضغة، ويوم القيامة يقول له كن فيكون، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وهو اختيار قطرب .

قوله تعالى: وله المثل الأعلى قال المفسرون: أي: له الصفة العليا في السماوات والأرض وهي أنه لا إله غيره .

قوله تعالى: ضرب لكم مثلا سبب نزولها أن أهل الجاهلية كانوا يلبون فيقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن جبير، ومقاتل . ومعنى الآية: بين لكم أيها المشركون شبها، وذلك الشبه من أنفسكم ، ثم بينه فقال: هل لكم من ما ملكت أيمانكم أي: من عبيدكم من شركاء في ما رزقناكم من المال والأهل والعبيد، أي: هل يشارككم عبيدكم في أموالكم فأنتم فيه سواء أي: أنتم [ ص: 299 ] وشركاؤكم من عبيدكم سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم أي: كما تخافون أمثالكم من الأحرار، وأقرباءكم كالآباء والأبناء؟ قال ابن عباس: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا؟ وقال غيره: تخافونهم أن يقاسموكم أموالكم كما يفعل الشركاء؟ والمعنى: هل يرضى أحدكم أن يكون عبده شريكه في ماله وأهله حتى يساويه في التصرف في ذلك، فهو يخاف أن ينفرد في ماله بأمر يتصرف فيه كما يخاف غيره من الشركاء الأحرار؟! فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم، فلم عدلتم بي من خلقي من هو مملوك لي؟! كذلك أي: كما بينا هذا المثل نفصل الآيات لقوم يعقلون عن الله . ثم بين أنهم إنما اتبعوا الهوى في إشراكهم، فقال: بل اتبع الذين ظلموا أي: أشركوا بالله أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وهذا يدل على أنهم إنما أشركوا بإضلال الله إياهم وما لهم من ناصرين أي: مانعين من عذاب الله .
فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون . منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون . وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون . أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت [ ص: 300 ] أيديهم إذا هم يقنطون . أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون

قوله تعالى: فأقم وجهك قال مقاتل: أخلص دينك الإسلام للدين أي: للتوحيد . وقال أبو سليمان الدمشقي: استقم بدينك نحو الجهة التي وجهك الله إليها . وقال غيره: سدد عملك . والوجه: ما يتوجه إليه، وعمل الإنسان ودينه: ما يتوجه إليه لتسديده وإقامته .

قوله تعالى: حنيفا قال الزجاج: الحنيف: الذي يميل إلى الشيء ولا يرجع عنه، كالحنف في الرجل، وهو ميلها إلى خارجها خلقة، لا يقدر الأحنف أن يرد حنفه . وقوله: فطرت الله منصوب، بمعنى: اتبع فطرة الله، لأن معنى فأقم وجهك : اتبع الدين القيم، واتبع فطرة الله، أي: دين الله . والفطرة: الخلقة التي خلق الله عليها البشر . وكذلك قوله عليه السلام: " كل مولود يولد على الفطرة " ، أي: على الإيمان بالله . وقال مجاهد في قوله: فطرت الله التي فطر الناس عليها قال: الإسلام، وكذلك قال قتادة .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 06-02-2023, 11:45 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,592
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ الرُّومِ
الحلقة (435)
صــ 301 إلى صــ 310




والذي [ ص: 301 ] أشار إليه الزجاج أصح، وإليه ذهب ابن قتيبة ، فقال: فرق ما بيننا وبين أهل القدر في هذا الحديث، أن الفطرة عندهم: الإسلام، والفطرة عندنا: الإقرار بالله والمعرفة به، لا الإسلام، ومعنى الفطرة: ابتداء الخلقة، والكل أقروا حين قوله: ألست بربكم؟ قالوا بلى [الأعراف: 172] ولست واجدا أحدا إلا وهو مقر بأن له صانعا ومدبرا وإن عبد شيئا دونه وسماه بغير اسمه; فمعنى الحديث: إن كل مولود في العالم على ذلك العهد وذلك الإقرار الأول، وهو للفطرة، ثم يهود اليهود أبناءهم، أي: يعلمونهم ذلك، وليس الإقرار الأول مما يقع به حكم ولا ثواب; وقد ذكر نحو هذا أبو بكر الأثرم، واستدل عليه بأن الناس أجمعوا على أنه لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، ثم أجمعوا على أن اليهودي إذا مات له ولد صغير ورثه، وكذلك النصراني والمجوسي، ولو كان معنى الفطرة الإسلام، ما ورثه إلا المسلمون، ولا دفن إلا معهم; وإنما أراد بقوله عليه السلام: " كل مولود يولد على الفطرة " أي: على تلك البداية التي أقروا له فيها بالوحدانية حين أخذهم من صلب آدم، فمنهم من جحد ذلك بعد إقراره . ومثل هذا الحديث [ ص: 302 ] حديث عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قال الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء " ، وذلك أنه لم يدعهم يوم الميثاق إلا إلى حرف واحد، فأجابوه .

قوله تعالى: لا تبديل لخلق الله لفظه لفظ النفي ، ومعناه النهي; والتقدير: لا تبدلوا خلق الله . وفيه قولان . أحدهما: أنه خصاء البهائم، قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه . والثاني: دين الله، قاله مجاهد ، وسعيد بن جبير، وقتادة، والنخعي في آخرين . وعن ابن عباس وعكرمة كالقولين .

قوله تعالى: ذلك الدين القيم يعني التوحيد المستقيم ولكن أكثر الناس يعني كفار مكة لا يعلمون توحيد الله .

[ ص: 303 ] قوله تعالى: منيبين إليه قال الزجاج: زعم جميع النحويين أن معنى هذا: فأقيموا وجوهكم منيبين، لأن مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم تدخل معه فيها الأمة ومعنى " منيبين " : راجعين إليه في كل ما أمر، فلا يخرجون عن شيء من أمره . وما بعد هذا قد سبق تفسيره [البقرة: 3، الأنعام: 159] إلى قوله: وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة وفيه قولان . أحدهما: أنه القحط، والرحمة: المطر . والثاني: أنه البلاء، والرحمة: العافية، إذا فريق منهم وهم المشركون . والمعنى: أن الكل يلتجؤون إليه في شدائدهم، ولا يلتفت المشركون حينئذ إلى أوثانهم .

قوله تعالى: ليكفروا بما آتيناهم قد شرحناه في آخر (العنكبوت: 67)، وقوله: فتمتعوا خطاب لهم بعد الإخبار عنهم .

قوله تعالى: أم أنزلنا عليهم أي: على هؤلاء المشركين سلطانا أي: حجة وكتابا من السماء فهو يتكلم بما كانوا به يشركون أي: يأمرهم بالشرك؟! وهذا استفهام إنكار، معناه: ليس الأمر كذلك .

قوله تعالى: وإذا أذقنا الناس قال مقاتل: يعني كفار مكة رحمة وهي المطر . والسيئة: الجوع والقحط . وقال ابن قتيبة : الرحمة: النعمة، والسيئة: المصيبة . قال المفسرون: وهذا الفرح المذكور هاهنا، هو فرح البطر الذي لا شكر فيه، والقنوط: اليأس من فضل الله، وهو خلاف وصف المؤمن، فإنه يشكر عند النعمة، ويرجو عند الشدة; وقد شرحناه في (بني إسرائيل: 26) إلى قوله: ذلك يعني إعطاء الحق خير أي: أفضل من الإمساك للذين يريدون وجه الله أي: يطلبون بأعمالهم ثواب الله .
[ ص: 304 ] وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون . الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون

قوله تعالى: وما آتيتم من ربا في هذه الآية أربعة أقوال .

أحدها: أن الربا هاهنا: أن يهدي الرجل للرجل الشيء يقصد أن يثيبه عليه أكثر من ذلك، هذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وطاووس، [والضحاك]، وقتادة، والقرظي . قال الضحاك: فهذا ليس فيه أجر ولا وزر . وقال قتادة: ذلك الذي لا يقبله الله ولا يجزي به . وليس فيه وزر .

والثاني: أنه الربا المحرم، قاله الحسن البصري .

والثالث : أن الرجل يعطي قرابته المال ليصير به غنيا، لا يقصد بذلك ثواب الله تعالى، قاله إبراهيم النخعي .

والرابع : أنه الرجل يعطي من يخدمه لأجل خدمته، لا لأجل الله تعالى، قاله الشعبي .

قوله تعالى: ليربو في أموال الناس وقرأ نافع، ويعقوب: [ " لتربو " ] بالتاء وسكون الواو، أي: [في] اجتلاب أموال الناس، واجتذابها فلا يربو عند الله أي: لا يزكو ولا يضاعف، لأنكم قصدتم زيادة العوض، ولم تقصدوا القربة .

وما آتيتم من زكاة أي: ما أعطيتم من صدقة لا تطلبون بها المكافأة، [ ص: 305 ] إنما تريدون بها ما عند الله، فأولئك هم المضعفون قال ابن قتيبة : الذين يجدون التضعيف والزيادة . وقال الزجاج: أي: ذوو الأضعاف من الحسنات، كما يقال: رجل مقو، أي: صاحب قوة، وموسر: صاحب يسار .
ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون . قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون

قوله تعالى:

ظهر الفساد في البر والبحر في هذا الفساد أربعة أقوال . أحدها: نقصان البركة، قاله ابن عباس . والثاني: ارتكاب المعاصي، قاله أبو العالية . والثالث: الشرك، قاله قتادة، والسدي . والرابع: قحط المطر، قاله عطية .

فأما البر . فقال ابن عباس: البر: البرية التي ليس عندها نهر .

وفي البحر قولان .

أحدهما: أنه ما كان من المدائن والقرى على شط نهر، قاله ابن عباس . وقال عكرمة: لا أقول: بحركم هذا، ولكن كل قرية عامرة . وقال قتادة: المراد بالبر: أهل البوادي، وبالبحر: أهل القرى . وقال الزجاج: المراد بالبحر: مدن البحر على الأنهار، وكل ذي ماء فهو بحر .

والثاني: أن البحر: الماء المعروف . قال مجاهد: ظهور الفساد في البر: قتل [ ص: 306 ] ابن آدم أخاه، وفي البحر: ملك جائر يأخذ كل سفينة غصبا . وقيل لعطية: أي فساد في البحر؟ فقال: إذا قل المطر قل الغوص .

قوله تعالى: بما كسبت أيدي الناس أي: بما عملوا من المعاصي ليذيقهم وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وعكرمة، وقتادة، وابن محيصن، وروح [عن يعقوب]، وقنبل عن ابن كثير: " لنذيقهم " بالنون بعض الذي عملوا أي: جزاء بعض أعمالهم; فالقحط جزاء، ونقصان البركة جزاء، ووقوع المعصية منهم جزاء معجل لمعاصيهم أيضا .

قوله تعالى: لعلهم يرجعون في المشار إليهم قولان .

أحدهما: أنهم الذين أذيقوا الجزاء . ثم في معنى رجوعهم قولان . أحدهما: يرجعون عن المعاصي، قاله أبو العالية . والثاني: يرجعون إلى الحق، قاله إبراهيم .

والثاني: أنهم الذين يأتون بعدهم; فالمعنى: لعله يرجع من بعدهم، قاله الحسن .

قوله تعالى: قل سيروا في الأرض أي: سافروا فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل أي: الذين كانوا قبلكم; والمعنى: انظروا إلى مساكنهم وآثارهم كان أكثرهم مشركين المعنى: فأهلكوا بشركهم .

[ ص: 307 ] فأقم وجهك للدين أي: أقم قصدك لاتباع الدين القيم وهو الإسلام المستقيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يعني [يوم] القيامة لا يقدر أحد على رد ذلك اليوم، لأن الله تعالى قد قضى كونه يومئذ يصدعون أي: يتفرقون إلى الجنة والنار .
من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون . ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين .

من كفر فعليه كفره أي: جزاء كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون أي: يوطئون . وقال مجاهد: يسوون المضاجع في القبور، قال أبو عبيدة: " من " يقع على الواحد والاثنين والجمع من المذكر والمؤنث، ومجازها هاهنا مجاز الجميع، و " يمهد " بمعنى يكتسب ويعمل ويستعد .
ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين .

قوله تعالى: ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات تبشر بالمطر [ ص: 308 ] وليذيقكم من رحمته وهو الغيث والخصب ولتجري الفلك في البحر بتلك الرياح بأمره ولتبتغوا بالتجارة في البحر من فضله وهو الرزق; وكل هذا بالرياح .

قوله تعالى: فجاءوهم بالبينات أي: بالدلالات على صدقهم فانتقمنا من الذين أجرموا أي: عذبنا الذين كذبوهم وكان حقا علينا أي: واجبا هو أوجبه على نفسه نصر المؤمنين إنجاؤهم مع الرسل من عذاب المكذبين .
الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون . وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير . ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين . وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير . ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث [ ص: 309 ] فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون . فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون

قوله تعالى: يرسل الرياح وقرأ ابن مسعود ، وأبو رجاء ، والنخعي، وطلحة بن مصرف، والأعمش: " يرسل الريح " بغير ألف .

قوله تعالى: فتثير سحابا أي: تزعجه فيبسطه الله في السماء كيف يشاء إن شاء بسطه مسيرة يوم أو يومين أو أقل أو أكثر ويجعله كسفا أي: قطعا متفرقة . والأكثرون فتحوا سين " كسفا " ; وقرأ أبو رزين، وقتادة، وابن عامر، وأبو جعفر، وابن أبي عبلة : بتسكينها; قال أبو علي: يمكن أن يكون مثل سدرة وسدر، فيكون معنى القراءتين واحدا فترى الودق يخرج من خلاله وقرأ ابن مسعود ، وابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية: " من خلله " ; وقد شرحناه في (النور: 43) فإذا أصاب به أي: بالودق; ومعنى يستبشرون يفرحون بالمطر، وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم المطر من قبله وفي هذا التكرير ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه للتأكيد، كقوله: فسجد الملائكة كلهم أجمعون [الحجر: 30]، قاله الأخفش في آخرين .

والثاني: أن " قبل " الأولى للتنزيل، والثانية للمطر، قاله قطرب . قال ابن الأنباري: والمعنى: من قبل نزول المطر، من قبل المطر، وهذا مثلما يقول القائل: آتيك من قبل أن تتكلم، من قبل أن تطمئن في مجلسك، فلا تنكر الإعادة، لاختلاف الشيئين .

والثالث : أن الهاء في قوله: من قبله ترجع إلى الهدى وإن لم يتقدم له ذكر، فيكون المعنى: كانوا يقنطون من قبل نزول المطر، من قبل الهدى، [ ص: 310 ] فلما جاء الهدى والإسلام زال القنوط، ذكره ابن الأنباري عن أبي عمر الدوري وأبي جعفر بن قادم . والمبلسون: الآيسون وقد سبق الكلام في هذا [الأنعام: 44] .

فانظر إلى آثار رحمت الله قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ، وأبو بكر عن عاصم: " إلى أثر " . وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: " إلى آثار " على الجمع والمراد بالرحمة هاهنا: المطر، وأثرها: النبت; والمعنى: انظر إلى حسن تأثيره في الأرض كيف يحيي الأرض أي: كيف يجعلها تنبت بعد أن لم يكن فيها نبت . وقرأ عثمان بن عفان، وأبو رجاء ، وأبو عمران الجوني، وسليمان التيمي . " كيف تحيي " بتاء مرفوعة مكسورة الياء " الأرض " بفتح الضاد .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 06-02-2023, 11:48 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,592
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ لُقْمَانَ
الحلقة (436)
صــ 311 إلى صــ 320




قوله تعالى: ولئن أرسلنا ريحا [أي: ريحا] باردة مضرة، والريح إذا أتت على لفظ الواحد أريد بها العذاب، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند هبوب الريح: " اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا " فرأوه مصفرا [ ص: 311 ] يعني النبت، والهاء عائدة إلى الأثر . قال الزجاج: المعنى: فرأوا النبت قد اصفر وجف لظلوا من بعده يكفرون ومعناه: ليظلن، لأن معنى الكلام الشرط والجزاء، فهم يستبشرون بالغيث، ويكفرون إذا انقطع عنهم الغيث وجف النبت . وقال غيره: المراد برحمة الله: المطر . و " ظلوا " بمعنى صاروا " من بعده " أي: من بعد اصفرار النبت يجحدون ما سلف من النعمة . وما بعد هذا مفسر في سورة (النمل: 80، 81) إلى قوله: الله الذي خلقكم من ضعف وقد ذكرنا الكلام فيه في (الأنفال: 66) قال المفسرون: المعنى: خلقكم من ماء ذي ضعف، وهو المني ثم جعل من بعد ضعف يعني ضعف الطفولة قوة الشباب، ثم جعل من بعد قوة الشباب ضعف الكبر، وشيبة، يخلق ما يشاء أي: من ضعف وقوة وشباب وشيبة وهو العليم بتدبير خلقه القدير على ما يشاء .

ويوم تقوم الساعة قال الزجاج: الساعة في القرآن على معنى الساعة التي تقوم فيها القيامة، فلذلك لم تعرف أي ساعة هي .

قوله تعالى: يقسم المجرمون أي: يحلف المشركون ما لبثوا في القبور غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون قال ابن قتيبة : يقال: أفك الرجل: إذا عدل به عن الصدق، فالمعنى أنهم قد كذبوا في هذا الوقت كما كذبوا في الدنيا . وقال غيره: أراد الله تعالى أن يفضحهم يوم القيامة بين المؤمنين، فحلفوا على شيء يبين للمؤمنين كذبهم فيه، ويستدلون على كذبهم في الدنيا .

[ ص: 312 ] ثم ذكر إنكار المؤمنين عليهم بقوله: وقال الذين أوتوا العلم والإيمان وفيهم قولان . أحدهما: أنهم الملائكة . والثاني: المؤمنون .

قوله تعالى: لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فيه قولان .

أحدهما: أن فيه تقديما وتأخيرا، تقديره: وقال الذين أوتوا العلم بكتاب الله والإيمان بالله، قاله ابن جريج في جماعة من المفسرين .

والثاني: أنه على نظمه . ثم في معناه قولان . أحدهما: لقد لبثتم في علم الله، قاله الفراء . والثاني: لقد لبثتم في خبر الكتاب، قاله ابن قتيبة .

قوله تعالى: فهذا يوم البعث أي: اليوم الذي كنتم تنكرونه ولكنكم كنتم لا تعلمون في الدنيا أنه يكون . فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ، وابن عامر: " لا تنفع " بالتاء . وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: بالياء، لأن التأنيث غير حقيقي .

قال ابن عباس: لا يقبل من الذين أشركوا عذر ولا توبة .

قوله تعالى: ولا هم يستعتبون أي: لا يطلب منهم العتبى والرجوع في الآخرة .
ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون . كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون

قوله تعالى: ولئن جئتهم بآية أي: كعصا موسى ويده ليقولن الذين كفروا إن أنتم أي: ما أنتم يا محمد وأصحابك إلا مبطلون أي: أصحاب أباطيل، وهذا بيان لعنادهم . كذلك أي: كما طبع على قلوبهم حتى [ ص: 313 ] لا يصدقون الآيات يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون توحيد الله; فالسبب في امتناع الكفار من التوحيد، الطبع على قلوبهم .

قوله تعالى: فاصبر إن وعد الله بنصرك وإظهارك على عدوك حق . ولا يستخفنك وقرأ يعقوب إلا روحا وزيدا: " يستخفنك " بسكون النون . قال الزجاج: لا يستفزنك عن دينك الذين لا يوقنون أي: هم ضلال شاكون . وقال غيره: لا يوقنون بالبعث والجزاء . وزعم بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة .
[ ص: 314 ] سُورَةُ لُقْمَانَ

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ . وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ مَكِّيَّةٌ سِوَى آيَتَيْنِ مِنْهَا نَزَلَتَا بِالْمَدِينَةِ، وَهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالَّتِي بَعْدَهَا [لُقْمَانَ: 27، 28]; وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: إِلَّا آيَةً نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [لُقْمَانَ: 4]، لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ مَدَنِيَّتَانِ .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

1 الم . تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ . الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [ ص: 315 ] وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنْ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ . خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ . هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلْقُ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرْ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ . وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: هُدًى وَرَحْمَةً وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ: " وَرَحْمَةٌ " بِالرَّفْعِ . قَالَ الزَّجَّاجُ: الْقِرَاءَةُ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ; وَالْمَعْنَى: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ فِي حَال الْهِدَايَةِ وَالرَّحْمَةِ; وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى إِضْمَارِ " هُوَ هُدًى وَرَحْمَةٌ " وَعَلَى مَعْنَى: " تِلْكَ هُدًى وَرَحْمَةٌ " . وَقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ مُفْتَتَحِ هَذِهِ السُّورَةِ [الْبَقَرَةِ: 1-5] إِلَى قَوْلِهِ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى جَارِيَةً مُغَنِّيَةٍ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي شِرَاءِ الْقِيَانِ وَالْمُغَنِّيَاتِ . وَقَالَ ابْنُ السَّائِبِ وَمُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ [ ص: 316 ] تَاجِرًا إِلَى فَارِسَ، فَكَانَ يَشْتَرِي أَخْبَارَ الْأَعَاجِمِ فَيُحَدِّثُ بِهَا قُرَيْشًا وَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ مُحَمَّدًا يُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيثِ عَادٍ وَثَمُودَ، وَأَنَا أُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيثِ رُسْتُمَ وَإِسْفِنْدِيارَ وَأَخْبَارِ الْأَكَاسِرَةِ، فَيَسْتَمْلِحُونَ حَدِيثَهُ وَيَتْرُكُونَ اسْتِمَاعَ الْقُرْآنِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ .

وَفِي الْمُرَادِ بِلَهْوِ الْحَدِيثِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: [أَنَّهُ] الْغِنَاءُ . كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: هُوَ الْغِنَاءُ وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، يُرَدِّدُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ; وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: اللَّهْوُ: الطَّبْلُ .

وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَا أَلْهَى عَنِ اللَّهِ، قَالَهُ الْحَسَنُ، وَعَنْهُ مِثْلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ .

وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ الشِّرْكُ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ .

وَالرَّابِعُ : الْبَاطِلُ، قَالَهُ عَطَاءٌ .

وَفِي مَعْنَى يَشْتَرِي قَوْلَانِ .

أَحَدُهُمَا: يَشْتَرِي بِمَالِهِ; وَحَدِيثُ النَّضْرِ يُعَضِّدُهُ . وَالثَّانِي: يَخْتَارُ وَيَسْتَحِبُّ، قَالَهُ قَتَادَةُ، وَمَطَرٌ .

[ ص: 317 ] وَإِنَّمَا قِيلَ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ: لَهْوُ الْحَدِيثِ، لِأَنَّهَا تُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: لِيُضِلَّ الْمَعْنَى: لِيَصِيرَ أَمْرُهُ إِلَى الضَّلَالِ . وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْحَرْفَ فِي (الْحَجِّ: 9) .

وَقَرَأَ أَبُو رَزِينٍ، وَالْحَسَنُ، وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وَالْأَعْمَشُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ: " لِيُضِلَّ " بِضَمِّ الْيَاءِ، وَالْمَعْنَى: لِيُضِلَّ غَيْرَهُ، وَإِذَا أَضَلَّ غَيْرَهُ فَقَدْ ضَلَّ هُوَ أَيْضًا .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَتَّخِذَهَا قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَنَافِعٌ، وَأَبُو عَمْرٍو ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ: " وَيَتَّخِذُهَا " بِرَفْعِ الذَّالِ . وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ: بِنَصْبِ الذَّالِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: مَنْ نَصَبَ عَطَفَ عَلَى " لِيُضِلَّ " " وَيَتَّخِذَ " وَمَنْ رَفَعَ عَطَفَهُ عَلَى " مَنْ يَشْتَرِي " " وَيَتَّخِذُ " .

وَفِي الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَيَتَّخِذَهَا قَوْلَانِ .

أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا الْآيَاتُ، وَالثَّانِي: السَّبِيلُ .

وَمَا بَعْدَ هَذَا مُفَسَّرٌ فِي مَوَاضِعَ قَدْ تَقَدَّمَتْ [الْإِسْرَاءِ: 46، الْأَنْعَامِ: 25، الْبَقَرَةِ: 25، الرَّعْدِ: 2، النَّحْلِ: 15، الشُّعَرَاءِ: 7]، إِلَى قَوْلِهِ: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ وَفِيهَا قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: الْفَهْمُ وَالْعَقْلُ، قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ . وَالثَّانِي: النُّبُوَّةُ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي نُبُوَّتِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ .

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ حَكِيمًا وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ

وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا، قَالَهُ الشَّعْبِيُّ، وَعِكْرِمَةُ، وَالسُّدِّيُّ . هَكَذَا حَكَاهُ [ ص: 318 ] عَنْهُمُ الْوَاحِدِيُّ، وَلَا يُعْرَفُ، إِلَّا أَنَّ هَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ عِكْرِمَةُ; وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ .

وَفِي صِنَاعَتِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: أَنَّهُ كَانَ خَيَّاطًا، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ . وَالثَّانِي: رَاعِيًا، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ . وَالثَّالِثُ: نَجَّارًا، قَالَهُ خَالِدٌ الرَّبْعِيُّ .

فَأَمَّا صِفَتُهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: كَانَ لُقْمَانُ أَسْوَدَ مَنْ سُودَانِ مِصْرَ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ غَلِيظَ الشَّفَتَيْنِ مُشَقَّقَ الْقَدَمَيْنِ، وَكَانَ قَاضِيًا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ الْمَعْنَى: وَقُلْنَا لَهُ: أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ [عَلَى] مَا أَعْطَاكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرْ لِنَفْسِهِ أَيْ: إِنَّمَا يَفْعَلُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ النِّعْمَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ عِبَادَةِ خَلْقِهِ .
[ ص: 319 ] ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير . وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير . يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور

قوله تعالى: ووصينا الإنسان بوالديه قال مقاتل: نزلت في سعد بن أبي وقاص، وقد شرحنا ذلك في (العنكبوت: 8)

قوله تعالى: حملته أمه وهنا على وهن وقرأ الضحاك، وعاصم الجحدري: " وهنا على وهن " بفتح الهاء فيهما . قال الزجاج: أي: ضعفا على ضعف . والمعنى: لزمها بحملها إياه أن تضعف مرة بعد مرة . وموضع " أن " نصب بـ " وصينا " ; المعنى: ووصينا الإنسان أن اشكر لي ولوالديك، أي: وصيناه بشكرنا وشكر والديه .

قوله تعالى: وفصاله في عامين أي: فطامه يقع في انقضاء عامين . وقرأ إبراهيم النخعي، وأبو عمران، والأعمش: " وفصاله " بفتح الفاء . وقرأ أبي بن كعب، والحسن، وأبو رجاء ، وطلحة بن مصرف، وعاصم الجحدري، وقتادة; " وفصله " بفتح الفاء وسكون الصاد من غير ألف . والمراد: التنبيه على مشقة الوالدة بالرضاع بعد الحمل .

[ ص: 320 ] قوله تعالى: وإن جاهداك قد فسرنا ذلك في سورة (العنكبوت: 8) إلى قوله: وصاحبهما في الدنيا معروفا قال الزجاج: أي: مصاحبا معروفا، تقول صاحبه مصاحبا ومصاحبة; والمعروف: ما يستحسن من الأفعال .

قوله تعالى: واتبع سبيل من أناب إلي أي: من رجع إلي; وأهل التفسير يقولون: هذه الآية نزلت في سعد، وهو المخاطب بها .

وفي المراد بمن أناب ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه أبو بكر الصديق، قيل لسعد: اتبع سبيله في الإيمان، هذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء . وقال ابن إسحاق: أسلم على يدي أبي بكر [الصديق]: عثمان بن عفان، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف .

والثاني: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن السائب .

والثالث : من سلك طريق محمد وأصحابه، ذكره الثعلبي .

ثم رجع إلى الخبر عن لقمان فقال: يا بني . وقال ابن جرير: وجه اعتراض هذه الآيات بين الخبرين عن وصية لقمان أن هذا مما أوصى به لقمان ابنه .

قوله تعالى: إنها إن تك مثقال حبة وقرأ نافع وحده: " مثقال حبة " برفع اللام .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 06-02-2023, 11:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,592
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ لُقْمَانَ
الحلقة (437)
صــ 321 إلى صــ 330







[ ص: 321 ] وفي سبب قول لقمان لابنه هذا قولان .

أحدهما: أن ابن لقمان قال لأبيه: أرأيت لو كانت حبة في قعر البحر أكان الله يعلمها؟ فأجابه بهذه الآية، قاله السدي .

والثاني: أنه قال: يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد، كيف يعلمها الله؟ فأجابه بهذا، قاله مقاتل .

قال الزجاج: من قرأ برفع المثقال مع تأنيث " تك " فلأن " مثقال حبة من خردل " راجع إلى معنى: خردلة، فهي بمنزلة: إن تك حبة من خردل; ومن قرأ: " مثقال حبة " فعلى معنى: إن التي سألتني عنها إن تك مثقال حبة، وعلى معنى: إن فعلة الإنسان وإن صغرت يأت بها الله . وقد بينا معنى مثقال حبة من خردل في (الأنبياء: 47) .

قوله تعالى: فتكن في صخرة قال قتادة: في جبل . وقال السدي: هي الصخرة التي تحت الأرض السابعة، ليست في السموات ولا في الأرض .

وفي قوله: يأت بها الله ثلاثة أقوال .

أحدها: يعلمها الله، قاله أبو مالك . والثاني: يظهرها، قاله ابن قتيبة . والثالث: يأت بها الله في الآخرة للجزاء عليها .

[ ص: 322 ] إن الله لطيف قال الزجاج: لطيف باستخراجها خبير بمكانها . وهذا مثل لأعمال العباد، والمراد أن الله تعالى يأتي بأعمالهم يوم القيامة، من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره .

قوله تعالى: واصبر على ما أصابك أي: في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأذى . وباقي الآية مفسر في (آل عمران: 186) .
ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور . واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير

قوله تعالى: ولا تصعر خدك للناس قرأ ابن كثير، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب: " تصعر " بتشديد العين من غير ألف . وقرأ نافع، [وأبو عمرو]، وحمزة، والكسائي: بألف من غير تشديد . قال الفراء: هما لغتان، ومعناهما: الإعراض من الكبر . وقرأ أبي بن كعب، وأبو رجاء ، وابن السميفع، وعاصم الجحدري: " ولا تصعر " بإسكان الصاد وتخفيف العين من غير ألف . وقال الزجاج: معناه: لا تعرض عن الناس تكبرا; يقال: أصاب البعير صعر: إذا أصابه داء يلوي منه عنقه . وقال ابن عباس: هو الذي إذا سلم عليه لوى عنقه كالمستكبر . وقال أبو العالية: ليكن الغني والفقير عندك في العلم سواء . وقال مجاهد: هو الرجل يكون بينه وبين أخيه الحنة، فيراه فيعرض عنه . وباقي الآية بعضه مفسر في (بني إسرائيل: 37 ) وبعضه في سورة (النساء: 36) .

[ ص: 323 ] قوله تعالى: واقصد في مشيك أي: ليكن مشيك قصدا، لا تخيلا ولا إسراعا . قال عطاء: امش بالوقار والسكينة .

قوله تعالى: واغضض من صوتك أي: انقص منه . قال الزجاج: ومنه قولهم غضضت بصري، وفلان يغض من فلان، أي: يقصر به .

إن أنكر الأصوات وقرأ أبو المتوكل، وابن أبي عبلة : " أن أنكر الأصوات " بفتح الهمزة . ومعنى " أنكر " : أقبح; تقول: أتانا فلان بوجه منكر، أي: قبيح . وقال المبرد: تأويله: أن الجهر بالصوت ليس بمحمود، وأنه داخل في باب الصوت المنكر . وقال ابن قتيبة : عرفه قبح رفع الأصوات في المخاطبة والملاحاة بقبح أصوات الحمير، لأنها عالية . قال ابن زيد: لو كان رفع الصوت خيرا، ما جعله الله للحمير . وقال سفيان الثوري: صياح كل شيء تسبيح لله عز وجل، إلا الحمار، فإنه ينهق بلا فائدة .

فإن قيل: كيف قال: لصوت ولم يقل: " لأصوات الحمير " ؟

فالجواب: أن لكل جنس صوتا، فكأنه قال: إن أنكر أصوات الأجناس صوت هذا الجنس .
ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنـزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير

قوله تعالى: وأسبغ عليكم أي: أوسع وأكمل نعمه قرأ نافع، [ ص: 324 ] وأبو عمرو ، وحفص عن عاصم: " نعمه " ، أرادوا جميع ما أنعم به . وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: " نعمة " على التوحيد . قال الزجاج: هو ما أعطاهم من توحيده . وروى الضحاك عن ابن عباس، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! ما هذه النعمة الظاهرة والباطنة؟ فقال: " أما ما ظهر: فالإسلام، وما سوى الله من خلقك، وما أفضل عليك من الرزق . وأما ما بطن: فستر مساوئ عملك، ولم يفضحك " . وقال الضحاك: الباطنة المعرفة، والظاهرة: حسن الصورة، وامتداد القامة، وتسوية الأعضاء .
ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور . ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ . ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد . ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر [ ص: 325 ] يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم

قوله تعالى: ومن يسلم وجهه وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو العالية، وقتادة: " ومن يسلم " بفتح السين وتشديد اللام . وذكر المفسرون أن قوله: ومن كفر فلا يحزنك كفره منسوخ بآية السيف، ولا يصح، لأنه تسلية عن الحزن، وذلك لا ينافي الأمر بالقتال . وما بعد هذا قد تقدم تفسير ألفاظه في مواضع [هود: 48، العنكبوت:61، البقرة:267] إلى قوله: ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام وفي سبب نزولها قولان .

أحدهما: أن أحبار اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت قول الله عز وجل: وما أوتيتم من العلم إلا قليلا [الإسراء: 85]، إيانا يريد، أم قومك؟ فقال: " كلا " فقالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان كل شيء؟ فقال: " إنها في علم الله قليل " ، فنزلت هذه الآية، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس .

والثاني: أن المشركين قالوا في القرآن: إنما هو كلام [يوشك أن] ينفد وينقطع، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة .

[ ص: 326 ] ومعنى الآية: لو كانت شجر الأرض أقلاما، وكان البحر ومعه سبعة أبحر مدادا- وفي الكلام محذوف تقديره: فكتب بهذه الأقلام وهذه البحور كلمات الله- لتكسرت الأقلام ونفذت البحور، ولم تنفذ كلمات الله، أي: لم تنقطع .

فأما قوله: والبحر فقرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: " والبحر " بالرفع، ونصبه أبو عمرو . وقال الزجاج: من قرأ: " والبحر " بالنصب، فهو عطف على " ما " ; المعنى: ولو أن ما في الأرض، ولو أن البحر; والرفع حسن على معنى: والبحر هذه حاله . قال اليزيدي: ومعنى يمده من بعده : يزيد فيه; يقال: مد قدرك، أي: زد في مائها، وكذلك قال ابن قتيبة : " يمده " من المداد، لا من الإمداد، يقال: مددت دواتي بالمداد، وأمددته بالمال والرجال .
ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير . ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في [ ص: 327 ] الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير . ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور .

قوله تعالى: ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة سبب نزولها أن أبي بن خلف في آخرين من قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله خلقنا أطوارا: نطفة، علقة، مضغة، عظاما، لحما، ثم تزعم أنا نبعث خلقا جديدا جميعا في ساعة واحدة؟! فنزلت هذه الآية ومعناها: ما خلقكم أيها الناس جميعا في القدرة إلا كخلق نفس واحدة، ولا بعثكم جميعا في القدرة إلا كبعث نفس واحدة قاله مقاتل .

وما بعد هذا قد تقدم تفسيره [آل عمران: 27، الرعد: 2، الحج: 62] إلى قوله: ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله قال ابن عباس: من نعمه جريان الفلك ليريكم من آياته أي: ليريكم من صنعته عجائبه في [ ص: 328 ] البحر، وابتغاء الرزق إن في ذلك لآيات لكل صبار قال مقاتل: أي: لكل صبور على أمر الله شكور في نعمه .

قوله تعالى: وإذا غشيهم يعني الكفار; وقال بعضهم: هو عام في الكفار والمسلمين موج كالظلل قال ابن قتيبة : وهي جمع ظلة، يراد أن بعضه فوق بعض، فله سواد من كثرته .

قوله تعالى: دعوا الله مخلصين له الدين وقد سبق شرح هذا [يونس: 22]; والمعنى أنهم لا يذكرون أصنامهم في شدائدهم إنما يذكرون الله وحده . وجاء في الحديث أن عكرمة بن أبي جهل لما هرب يوم الفتح من رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب البحر فأصابتهم ريح عاصف، فقال أهل السفينة: أخلصوا، فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا هاهنا، فقال عكرمة: ما هذا الذي تقولون؟ فقالوا: هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله، فقال: هذا إله محمد الذي كان يدعونا إليه، لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص ما ينجيني في البر غيره، ارجعوا بنا، فرجع فأسلم .

قوله تعالى: فمنهم مقتصد فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: مؤمن، قاله الحسن .

والثاني: مقتصد في قوله، وهو كافر، قاله مجاهد . يعني أنه يعترف بأن الله وحده القادر على إنجائه وإن كان مضمرا للشرك .

والثالث : أنه العادل في الوفاء بما عاهد الله عليه في البحر من التوحيد، قاله مقاتل .

فأما " الختار " فقال الحسن: هو الغدار . قال ابن قتيبة : الختر: أقبح الغدر وأشده .
[ ص: 329 ] يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور . إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير

قوله تعالى: يا أيها الناس اتقوا ربكم قال المفسرون: هذا خطاب لكفار مكة . وقوله: لا يجزي والد عن ولده أي: لا يقضي عنه شيئا من جنايته ومظالمه . قال مقاتل: وهذا يعني به الكفار . وقد شرحنا هذا في (البقرة: 48) . قال الزجاج: وقوله: هو جاز جاءت في المصاحف بغير ياء، والأصل " جازي " بضمة وتنوين . وذكر سيبويه والخليل أن الاختيار في الوقف هو " جاز " بغير ياء، هكذا وقف الفصحاء من العرب ليعلموا أن هذه الياء تسقط في الوصل . وزعم يونس أن بعض العرب الموثوق بهم يقف بياء، ولكن الاختيار اتباع المصحف .

قوله تعالى: إن وعد الله حق أي: بالبعث والجزاء فلا تغرنكم الحياة الدنيا بزينتها عن الإسلام والتزود للآخرة ولا يغرنكم بالله أي: بحلمه وإمهاله الغرور يعني: الشيطان، وهو الذي من شأنه أن يغر . قال الزجاج: " الغرور " على وزن الفعول، وفعول من أسماء المبالغة، يقال: فلان أكول: إذا كان كثير الأكل، وضروب: إذا كان كثير الضرب، فقيل للشيطان: غرور، لأنه يغر كثيرا . وقال ابن قتيبة : الغرور بفتح الغين: الشيطان، وبضمها: الباطل .

قوله تعالى: إن الله عنده علم الساعة سبب نزولها أن رجلا من [ ص: 330 ] أهل البادية جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي حبلى، فأخبرني ماذا تلد؟ وبلدنا مجدب، فأخبرني متى ينزل الغيث؟ وقد علمت متى ولدت، فأخبرني متى أموت؟ فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد

ومعنى الآية: إن الله عز وجل عنده علم الساعة متى تقوم، لا يعلم سواه ذلك وينزل الغيث وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر: " وينزل " بالتشديد، فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث، أليلا أم نهارا ويعلم ما في الأرحام لا يعلم سواه ما فيها، أذكرا أم أنثى، أبيض أو أسود وما تدري نفس ماذا تكسب غدا أخيرا أم شرا وما تدري نفس بأي أرض تموت أي: بأي مكان .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 06-02-2023, 11:55 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,592
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ لُقْمَانَ
الحلقة (438)
صــ 331 إلى صــ 340





وقرأ ابن مسعود ، وأبي بن كعب ، [ ص: 331 ] وابن أبي عبلة : " بأية أرض " بتاء مكسورة . والمعنى: ليس أحد يعلم [أين] مضجعه من الأرض حتى يموت، أفي بر أو بحر أو سهل أو جبل . وقال أبو عبيدة: [يقال]: بأي أرض كنت، وبأية أرض كنت، لغتان . وقال الفراء: من قال: بأي أرض، اجتزأ بتأنيث الأرض من أن يظهر في " أي " تأنيثا آخر . قال ابن عباس: هذه الخمس لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي [مرسل] مصطفى . قال الزجاج: فمن ادعى أنه يعلم شيئا من هذه كفر بالقرآن لأنه خالفه .
[ ص: 332 ] سُورَةُ السَّجْدَةِ

وَتُسَمَّى سُورَةَ الْمَضَاجِعِ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإِجْمَاعِهِمْ

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: فِيهَا مِنَ الْمَدَنِيِّ ثَلَاثُ آيَاتٍ، أَوَّلُهَا قَوْلُهُ: أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا [السَّجْدَةِ: 18] وَقَالَ مُقَاتِلٌ: فِيهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ، وَهِيَ قَوْلُهُ: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ الْآيَةُ [السَّجْدَةِ: 16] . وَقَالَ غَيْرُهُمَا: فِيهَا خَمْسُ آيَاتٍ مَدَنِيَّاتٍ، أَوَّلُهَا تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ [السَّجْدَةِ: 16] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الم . تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ . اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ [ ص: 333 ] وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ

قَوْلُهُ تَعَالَى: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ قَالَ مُقَاتِلٌ: الْمَعْنَى: لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ

أَمْ يَقُولُونَ بَلْ يَقُولُونَ، يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ افْتَرَاهُ مُحَمَّدٌ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ يَعْنِي الْعَرَبَ الَّذِينَ أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مِنْ قَبْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَمَا بَعْدَهُ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [الْأَعْرَافِ: 54] إِلَى قَوْلِهِ: مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ يَعْنِي الْكُفَّارَ; يَقُولُ: لَيْسَ لَكُمْ مَنْ دُونِ عَذَابِهِ مِنْ وَلِيٍّ، أَيْ: قَرِيبٌ يَمْنَعُكُمْ فَيَرُدُّ عَذَابَهُ عَنْكُمْ وَلا شَفِيعٍ يَشْفَعُ لَكُمْ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ فَتُؤْمِنُوا .
يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون . ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون

قوله تعالى: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض في معنى الآية قولان . أحدهما: يقضي القضاء من السماء فينزله مع الملائكة إلى الأرض ثم يعرج الملك إليه في يوم من أيام الدنيا، فيكون الملك قد قطع في يوم واحد من أيام الدنيا في نزوله وصعوده مسافة ألف سنة من مسيرة الآدمي .

والثاني: يدبر أمر الدنيا، مدة أيام الدنيا فينزل القضاء والقدر من [ ص: 334 ] السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه أي: يعود إليه الأمر والتدبير حين ينقطع أمر الأمراء وأحكام الحكام وينفرد الله تعالى بالأمر في يوم كان مقداره ألف سنة وذلك في [يوم] القيامة، لأن كل يوم من أيام الآخرة كألف سنة .

وقال مجاهد: يقضي أمر ألف سنة في يوم واحد، ثم يلقيه إلى الملائكة، فإذا مضت قضى لألف سنة أخرى، ثم كذلك أبدا .

وللمفسرين في المراد بالأمر ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه الوحي، قاله السدي . والثاني: القضاء، قاله مقاتل . والثالث: أمر الدنيا .

و يعرج بمعنى يصعد . قال الزجاج: يقال: عرجت في السلم أعرج، وعرج الرجل يعرج: إذا صار أعرج .

وقرأ معاذ القارئ، وابن السميفع، وابن أبي عبلة : " ثم يعرج إليه " بياء مرفوعة وفتح الراء . وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء: " يعرج " بياء مفتوحة وكسر الراء . وقرأ أبو عمران الجوني، وعاصم الجحدري: " ثم تعرج " بتاء مفتوحة ورفع الراء .

قوله تعالى: الذي أحسن كل شيء خلقه فيه خمسة أقوال .

أحدها: جعله حسنا . والثاني: أحكم كل شيء، رويا عن ابن عباس، وبالأول قال قتادة، وبالثاني قال مجاهد . والثالث: أحسنه، لم يتعلمه من أحد، كما يقال: فلان يحسن كذا: إذا علمه، قاله السدي، ومقاتل . والرابع: [ ص: 335 ] أن المعنى: ألهم خلقه كل ما يحتاجون إليه، كأنه أعلمهم كل ذلك وأحسنهم، قاله الفراء . والخامس: أحسن إلى كل شيء خلقه، حكاه الماوردي .

وفي قوله: خلقه قراءتان . قرأ ابن كثير، وأبو عمرو ، وابن عامر: " خلقه " ساكنة اللام . وقرأ الباقون بتحريك اللام . وقال الزجاج: فتحها على الفعل الماضي، وتسكينها على البدل، فيكون المعنى: أحسن خلق كل شيء خلقه . وقال أبو عبيدة: المعنى: أحسن خلق كل شيء، والعرب تفعل مثل هذا، يقدمون ويؤخرون .

قوله تعالى: وبدأ خلق الإنسان يعني آدم، ثم جعل نسله أي: ذريته وولده; وقد سبق شرح الآية [المؤمنون: 12] .

ثم رجع إلى آدم فقال: ثم سواه ونفخ فيه من روحه وقد سبق بيان ذلك [الحجر: 29] . ثم عاد إلى ذريته فقال: وجعل لكم السمع والأبصار أي: بعد كونكم نطفا .
وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون . قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون

قوله تعالى: وقالوا يعني منكري البعث أإذا ضللنا في الأرض وقرأ علي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين، وجعفر بن محمد، وأبو رجاء ، وأبو مجلز ، وحميد، وطلحة: " ضللنا " بضاد معجمة مفتوحة وكسر اللام الأولى . قال الفراء: ضللنا وضللنا لغتان، والمعنى: إذا صارت عظامنا ولحومنا ترابا [ ص: 336 ] كالأرض; تقول: ضل الماء في اللبن، وضل الشيء في الشيء: إذا أخفاه وغلب عليه، وقرأ أبو نهيك، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة : " ضللنا " [بضم] الضاد المعجمة وتشديد اللام الأولى وكسرها . وقرأ الحسن، وقتادة، ومعاذ القارئ: " صللنا " بصاد غير معجمة مفتوحة، وذكر لها الزجاج معنيين . أحدهما: أنتنا وتغيرنا وتغيرت صورنا; يقال: صل اللحم وأصل: إذا أنتن وتغير . والثاني: صرنا من جنس الصلة، وهي الأرض اليابسة .

قوله تعالى: أإنا لفي خلق جديد ؟! هذا استفهام إنكار .

قوله تعالى: الذي وكل بكم أي: بقبض أرواحكم ثم إلى ربكم ترجعون يوم الجزاء .

ثم أخبر عن حالهم في القيامة فقال: ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم أي: مطأطئوها حياء وندما، ربنا فيه إضمار : يقولون ربنا أبصرنا وسمعنا أي: علمنا صحة ما كنا به مكذبين فارجعنا إلى الدنيا; وجواب " لو " متروك، تقديره: لو رأيت حالهم لرأيت ما يعتبر به، ولشاهدت العجب .
ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين . فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون . تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم [ ص: 337 ] ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون

قوله تعالى: ولكن حق القول مني أي: وجب وسبق; والقول هو قوله لإبليس لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين [ص: 85] .

قوله تعالى: لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين أي: من كفار الفريقين . فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا قال مقاتل: إذا دخلوا النار قالت لهم الخزنة: فذوقوا العذاب . وقال غيره: إذا اصطرخوا فيها قيل لهم: ذوقوا بما نسيتم، أي: بما تركتم العمل للقاء يومكم هذا، إنا نسيناكم أي: تركناكم من الرحمة .

قوله تعالى: إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها أي: وعظوا بها خروا سجدا أي: سقطوا على وجوههم ساجدين . وقيل: المعنى: إنما يؤمن بفرائضنا من الصلوات الخمس الذين إذا ذكروا بها بالأذان والإقامة خروا سجدا .

قوله تعالى: تتجافى جنوبهم اختلفوا فيمن نزلت وفي الصلاة التي تتجافى لها جنوبهم على أربعة أقوال .

أحدها: أنها نزلت في المتهجدين بالليل; روى معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: تتجافى جنوبهم قال: قيام العبد من الليل وفي [ ص: 338 ] لفظ آخر أنه قال لمعاذ: " إن شئت أنبأتك بأبواب الخير " قال: قلت أجل يا رسول الله، قال: " الصوم جنة، والصدقة تكفر الخطيئة، وقيام الرجل في جوف الليل يبتغي وجه الله " ، ثم قرأ: " تتجافى جنوبهم عن المضاجع " .

وكذلك قال الحسن، ومجاهد، وعطاء، وأبو العالية، وقتادة، وابن زيد أنها في [ ص: 339 ] قيام الليل . وقد روى العوفي عن ابن عباس قال: تتجافى جنوبهم لذكر الله، كلما استيقظوا ذكروا الله، إما في الصلاة، وإما في قيام، أو في قعود، أو على جنوبهم، فهم لا يزالون يذكرون الله عز وجل .

والثاني: أنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء، قاله أنس بن مالك .

والثالث : أنها نزلت في صلاة العشاء [كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينامون حتى يصلوها، قاله ابن عباس .

والرابع : أنها صلاة العشاء] والصبح في جماعة، قاله أبو الدرداء، والضحاك .

ومعنى تتجافى : ترتفع . والمضاجع جمع مضجع، وهو الموضع الذي يضطجع عليه .

يدعون ربهم خوفا من عذابه وطمعا في رحمته [وثوابه] ومما رزقناهم ينفقون في الواجب والتطوع .

فلا تعلم نفس ما أخفي لهم وأسكن ياء " أخفي " حمزة، ويعقوب . قال الزجاج: في هذا دليل على أن المراد بالآية التي قبلها: الصلاة في جوف الليل، لأنه عمل يستسر الإنسان به، فجعل لفظ ما يجازى به " أخفي لهم " ، فإذا فتحت ياء " أخفي " ، فعلى تأويل الفعل الماضي، وإذا أسكنتها، فالمعنى: ما أخفي أنا لهم، إخبار عن الله تعالى; وكذلك قال الحسن البصري: أخفي لهم، بالخفية خفية، وبالعلانية علانية . وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يقول الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، اقرؤوا إن شئتم: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم

[ ص: 340 ] قوله تعالى: من قرة أعين وقرأ أبو الدرداء، وأبو هريرة، وأبو عبد الرحمن السلمي، والشعبي، وقتادة: " من قرات أعين " [بألف] على الجمع .
أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون . وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون . ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون

قوله تعالى: أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا في سبب نزولها قولان .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 06-02-2023, 11:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,592
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ الْأَحْزَابِ
الحلقة (439)
صــ 341 إلى صــ 350







أحدهما: أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط قال لعلي بن أبي طالب: أنا أحد منك سنانا، وأبسط منك لسانا، وأملأ للكتيبة منك، فقال له علي: اسكت فإنما أنت فاسق، فنزلت هذه الآية، فعنى بالمؤمن عليا، وبالفاسق الوليد، [ ص: 341 ] رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال عطاء بن يسار، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ومقاتل .

والثاني: أنها نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل، قاله شريك .

قوله تعالى: لا يستوون قال الزجاج: المعنى: لا يستوي المؤمنون والكافرون; ويجوز أن يكون لاثنين، لأن معنى الاثنين جماعة; وقد شهد الله بهذا الكلام لعلي عليه السلام بالإيمان وأنه في الجنة، لقوله: أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى . وقرأ ابن مسعود ، وطلحة بن مصرف: " جنة المأوى " على التوحيد .

قوله تعالى: نزلا وقرأ الحسن، والنخعي، والأعمش، وابن أبي عبلة : " نزلا " بتسكين الزاي . وما بعد هذا قد سبق بيانه [الحج: 22] إلى قوله: ولنذيقنهم من العذاب الأدنى وفيه ستة أقوال .

أحدها: أنه ما أصابهم يوم بدر، رواه مسروق عن ابن مسعود، وبه قال قتادة، والسدي .

والثاني: سنون أخذوا بها، رواه أبو عبيدة عن ابن مسعود، وبه قال النخعي . وقال مقاتل: أخذوا بالجوع سبع سنين .

والثالث : مصائب الدنيا، قاله أبي بن كعب ، وابن عباس في رواية ابن أبي طلحة، وأبو العالية، والحسن، وقتادة، والضحاك .

والرابع : الحدود، رواه عكرمة عن ابن عباس .

والخامس: عذاب القبر، قاله البراء .

والسادس: القتل والجوع، قاله مجاهد .

[ ص: 342 ] قوله تعالى: دون العذاب الأكبر أي: قبل العذاب الأكبر; وفيه قولان . أحدهما: أنه عذاب يوم القيامة، قاله ابن مسعود . والثاني: أنه القتل ببدر، قاله مقاتل .

قوله تعالى: لعلهم يرجعون قال أبو العالية: لعلهم يتوبون . وقال ابن مسعود : لعل من بقي منهم يتوب . وقال مقاتل: لكي يرجعوا عن الكفر إلى الإيمان .

قوله تعالى: ومن أظلم قد فسرناه في (الكهف: 57) .

قوله تعالى: إنا من المجرمين منتقمون قال زيد بن رفيع: هم أصحاب القدر . وقال مقاتل: هم كفار مكة انتقم الله منهم بالقتل ببدر، وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، وعجل أرواحهم إلى النار .
ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني إسرائيل . وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون . أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات [ ص: 343 ] أفلا يسمعون أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون . ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون . فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون

قوله تعالى: ولقد آتينا موسى الكتاب يعني التوراة فلا تكن في مرية من لقائه فيه أربعة أقوال .

أحدها: فلا تكن في مرية من لقاء موسى ربه، رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والثاني: من لقاء موسى ليلة الإسراء، قاله أبو العالية، ومجاهد، وقتادة، وابن السائب .

والثالث : فلا تكن في شك من لقاء الأذى كما لقي موسى، قاله الحسن .

والرابع : لا تكن في مرية من تلقي موسى كتاب الله بالرضى والقبول، قاله السدي . قال الزجاج: وقد قيل: فلا تكن في شك من لقاء موسى الكتاب، فتكون الهاء للكتاب . وقال أبو علي الفارسي: المعنى: من لقاء موسى الكتاب، فأضيف المصدر إلى ضمير الكتاب، وفي ذلك مدح له على امتثاله ما أمر به، وتنبيه على الأخذ بمثل هذا الفعل .

[ ص: 344 ] وفي قوله: وجعلناه هدى قولان . أحدهما: الكتاب، قاله الحسن . والثاني: موسى، قاله قتادة .

وجعلنا منهم أي: من بني إسرائيل أئمة أي: قادة في الخير يهدون بأمرنا أي: يدعون الناس إلى طاعة الله لما صبروا [قرأ ابن كثير، وعاصم، ونافع، وأبو عمرو ، وابن عامر: " لما صبروا " بفتح اللام وتشديد الميم . وقرأ حمزة، والكسائي: " لما " بكسر اللام خفيفة . وقرأ ابن مسعود : " بما " بباء مكان اللام; والمراد: صبرهم] على دينهم وأذى عدوهم وكانوا بآياتنا يوقنون أنها من الله عز وجل; وفيهم قولان . أحدهما: أنهم الأنبياء . والثاني: أنهم قوم صالحون سوى الأنبياء . وفي هذا تنبيه لقريش أنكم إن أطعتم جعلت منكم أئمة .

قوله تعالى: إن ربك هو يفصل بينهم أي: يقضي ويحكم; وفي المشار إليهم قولان . أحدهما: أنهم الأنبياء وأممهم . والثاني: المؤمنون والمشركون .

ثم خوف كفار مكة بقوله: أولم يهد لهم وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: " نهد " بالنون . وقد سبق تفسيره في (طه: 128) .

أولم يروا أنا نسوق الماء يعني المطر والسيل إلى الأرض الجرز وهي التي لا تنبت- وقد ذكرناها في أول (الكهف: 8) - فإذا جاء الماء أنبت فيها ما يأكل الناس والأنعام .

ويقولون يعني كفار مكة متى هذا الفتح وفيه أربعة أقوال .

أحدها: أنه ما فتح يوم بدر; روى عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال: يوم بدر فتح للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم ينفع الذين كفروا إيمانهم بعد الموت .

والثاني: أنه يوم القيامة، وهو يوم الحكم بالثواب والعقاب، قاله مجاهد .

[ ص: 345 ] والثالث : أنه اليوم الذي يأتيهم فيه العذاب في الدنيا; قاله السدي .

والرابع : فتح مكة، قاله ابن السائب، والفراء، وابن قتيبة ; وقد اعترض على هذا القول، فقيل: كيف لا ينفع الكفار إيمانهم يوم الفتح، وقد أسلم جماعة وقبل إسلامهم يومئذ؟! فعنه جوابان .

أحدهما: لا ينفع من قتل من الكفار يومئذ إيمانهم بعد الموت; وقد ذكرناه عن ابن عباس . وقد ذكر أهل السير أن خالدا دخل يوم الفتح من غير الطريق التي دخل منها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيه صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو في آخرين فقاتلوه، فصاح خالد في أصحابه وقاتلهم، فقتل أربعة وعشرين من قريش، وأربعة من هذيل، وانهزموا، فلما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألم أنه عن القتال " ؟ فقيل: إن خالدا قوتل فقاتل .

والثاني: لا ينفع الكفار ما أعطوا من الأمان، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ ص: 346 ] " من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن " . قال الزجاج: يقال: آمنت فلانا إيمانا، فعلى هذا يكون المعنى: لا يدفع هذا الأمان عنهم عذاب الله . وهذا القول الذي قد دافعنا عنه ليس بالمختار، وإنما بينا وجهه لأنه قد قيل .

وقد خرج بما ذكرنا في الفتح قولان . أحدهما: أنه الحكم والقضاء، وهو الذي نختاره . والثاني: فتح البلد .

قوله تعالى: فأعرض عنهم وانتظر أي: انتظر عذابهم إنهم منتظرون بك حوادث الدهر . قال المفسرون: وهذه الآية منسوخة بآية السيف .
[ ص: 347 ] سُورَةُ الْأَحْزَابِ

وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإِجْمَاعِهِمْ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا . وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا . مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَعِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ، وَأَبَا الْأَعْوَرِ السِّلْمِيَّ، قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُوَادَعَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ، فَنَزَلُوا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَمَعْتِبِ بْنِ قُشَيْرٍ، وَالْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ; فَتَكَلَّمُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعُوهُ إِلَى أَمْرِهِمْ [ ص: 348 ] وَعَرَضُوا عَلَيْهِ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ مُقَاتِلٌ: سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْفُضَ ذِكْرَ اللَّاتِ وَالْعُزَّى وَيَقُولَ: إِنَّ لَهَا شَفَاعَةً، فَكَرِهَ ذَلِكَ، وَنَزَلَتْ [هَذِهِ] الْآيَةُ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: اطْرُدْ عَنَّا أَتْبَاعَكَ مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُنَافِقِينَ فَلَا تَقْبَلْ مِنْهُمْ رَأْيًا .

فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَائِدَةُ فِي أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى رَسُولَهُ بِالتَّقْوَى، وَهُوَ سَيِّدُ الْمُتَّقِينَ؟! فَعَنْهُ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ .

أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ اسْتِدَامَةُ مَا هُوَ عَلَيْهِ . وَالثَّانِي: الْإِكْثَارُ مِمَّا هُوَ فِيهِ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ خِطَابٌ وُوجِهَ بِهِ، وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ .

قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: وَأَرَادَ بِالْكَافِرِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَبَا سُفْيَانَ، وَعِكْرِمَةَ، وَأَبَا الْأَعْوَرِ، وَبِالْمُنَافِقِينَ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، وَطُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ . وَمَا بَعْدَ هَذَا قَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ [النِّسَاءِ: 81] إِلَى قَوْلِهِ: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَفِي سَبَبِ نُزُولِهَا قَوْلَانِ .

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَقُولُونَ: لِمُحَمَّدٍ قَلْبَانِ، قَلْبٌ مَعَنَا، وَقَلْبٌ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَأَكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .

[ ص: 349 ] وَالثَّانِي: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي جَمِيلِ بْنِ مَعْمَرٍ الْفِهْرِيِّ- كَذَا نَسَبَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ: جَمِيلُ بْنُ أَسَدٍ، وَيُكَنَّى: أَبَا مَعْمَرٍ . وَقَالَ مُقَاتِلٌ: أَبُو مَعْمَرِ بْنُ أَنَسٍ الْفِهْرِيُّ وَكَانَ لَبِيبًا حَافِظًا لِمَا سَمِعَ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: مَا حَفِظَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ إِلَّا وَلَهُ قَلْبَانِ فِي جَوْفِهِ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ لِي قَلْبَيْنِ أَعْقِلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَفْضَلَ مِنْ عَقْلِ مُحَمَّدٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَهُزِمَ الْمُشْرِكُونَ وَفِيهِمْ يَوْمَئِذٍ جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ، تَلَقَّاهُ أَبُو سُفْيَانَ وَهُوَ مُعَلِّقٌ إِحْدَى نَعْلَيْهِ بِيَدِهِ، وَالْأُخْرَى فِي رِجْلِهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا حَالُ النَّاسِ؟ فَقَالَ: انْهَزَمُوا، قَالَ: فَمَا بَالُكَ إِحْدَى نَعْلَيْكَ فِي يَدِكَ وَالْأُخْرَى فِي رِجْلِكَ؟ قَالَ: مَا شَعَرْتُ إِلَّا أَنَّهُمَا فِي رِجْلَيَّ، فَعَرَفُوا [يَوْمَئِذٍ] أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ قَلْبَانِ لَمَا نَسِيَ نَعْلَهُ فِي يَدِهِ; وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ . وَقَدْ قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي هَذَا قَوْلًا عَجِيبًا، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ ذَلِكَ فِي زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ضُرِبَ لَهُ مَثَلٌ يَقُولُ: لَيْسَ ابْنُ رَجُلٍ آخَرَ ابْنَكَ . قَالَ الْأَخْفَشُ: " مِنْ " زَائِدَةٌ فِي قَوْلِهِ: " مِنْ قَلْبَيْنِ " .

[ ص: 350 ] قَالَ الزَّجَّاجُ: أَكْذَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي قَالَ: لِي قَلْبَانِ، ثُمَّ قَرَّرَ بِهَذَا الْكَلَامِ مَا يَقُولُهُ الْمُشْرِكُونَ وَغَيْرُهُمْ مِمَّا لَا حَقِيقَةَ لَهُ، فَقَالَ: وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ فَأَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الزَّوْجَةَ لَا تَكُونُ أُمًّا، وَكَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تُطَلِّقُ بِهَذَا الْكَلَامِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ أَيْ: مَا جَعَلَ مَنْ تَدْعُونَهُ ابْنًا- وَلَيْسَ بِوَلَدٍ فِي الْحَقِيقَةِ- ابْنًا ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ أَيْ: نَسَبُ مَنْ لَا حَقِيقَةَ لِنَسَبِهِ قَوْلٌ بِالْفَمِ لَا حَقِيقَةَ تَحْتَهُ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ أَيْ: لَا يَجْعَلُ غَيْرَ الِابْنِ ابْنًا وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ أَيْ: لِلسَّبِيلِ الْمُسْتَقِيمِ .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 07-02-2023, 12:06 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,592
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ الْأَحْزَابِ
الحلقة (440)
صــ 351 إلى صــ 360






[ ص: 351 ] وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ نَزَلَتْ فِي أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ وَامْرَأَتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ .

وَمَعْنَى الْكَلَامِ: مَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ كَأُمَّهَاتِكُمْ فِي التَّحْرِيمِ، إِنَّمَا قَوْلُكُمْ مَعْصِيَةٌ، وَفِيهِ كَفَّارَةٌ، وَأَزْوَاجُكُمْ لَكُمْ حَلَالٌ; وَسَنَشْرَحُ هَذَا فِي سُورَةِ (الْمُجَادَلَةِ) إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَذَكَرُوا أَنَّ قَوْلَهُ: وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ نَزَلَ فِي زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، أَعْتَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَبَنَّاهُ قَبْلَ الْوَحْيِ ،فَلَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ قَالَ الْيَهُودُ وَالْمُنَافِقُونَ: تَزَوَّجَ مُحَمَّدٌ امْرَأَةَ ابْنِهِ وَهُوَ يَنْهَى النَّاسَ عَنْهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ .


ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما . النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا

قوله تعالى: ادعوهم لآبائهم قال ابن عمر: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد، حتى نزلت ادعوهم لآبائهم .

[ ص: 352 ] قوله تعالى: هو أقسط أي: أعدل، فإن لم تعلموا آباءهم أي: إن لم تعرفوا آباءهم فإخوانكم أي: فهم إخوانكم، فليقل أحدكم: يا أخي، ومواليكم قال الزجاج: أي: بنو عمكم ويجوز أن يكون ( مواليكم ) أولياءكم في الدين .

وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: فيما أخطأتم به قبل النهي، قاله مجاهد .

والثاني: في دعائكم من تدعونه إلى غير أبيه وأنتم ترونه كذلك، قاله قتادة .

والثالث : فيما سهوتم فيه، قاله حبيب بن أبي ثابت .

فعلى الأول يكون معنى قوله: ولكن ما تعمدت قلوبكم أي: بعد النهي . وعلى الثاني والثالث : ما تعمدت في دعاء الرجل إلى غير أبيه .

قوله تعالى: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم أي: أحق، فله أن يحكم فيهم بما يشاء، قال ابن عباس: إذا دعاهم إلى شيء، ودعتهم أنفسهم إلى شيء، كانت طاعته أولى من طاعة أنفسهم; وهذا صحيح، فإن أنفسهم تدعوهم إلى ما فيه هلاكهم، والرسول يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم .

[ ص: 353 ] قوله تعالى: وأزواجه أمهاتهم أي: في تحريم نكاحهن على التأبيد، ووجوب إجلالهن وتعظيمهن; ولا تجري عليهن أحكام الأمهات في كل شيء، إذ لو كان كذلك لما جاز لأحد أن يتزوج بناتهن، ولورثن المسلمين، ولجازت الخلوة بهن . وقد روى مسروق عن عائشة أن امرأة قالت: يا أماه، فقالت: لست لك بأم; إنما أنا أم رجالكم; فبان بهذا الحديث أن معنى الأمومة تحريم نكاحهن فقط . وقال مجاهد " وأزواجه أمهاتهم " وهو أب لهم . وما بعد هذا مفسر [ ص: 354 ] في آخر (الأنفال) إلى قوله تعالى: من المؤمنين والمهاجرين والمعنى أن ذوي القرابات بعضهم أولى بميراث بعض من أن يرثوا بالإيمان والهجرة كما كانوا يفعلون قبل النسخ إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا [وهذا استثناء ليس من الأول، والمعنى: لكن فعلكم إلى أوليائكم معروفا] جائز، وذلك أن الله تعالى لما نسخ التوارث بالحلف والهجرة، أباح الوصية للمعاقدين، فللإنسان أن يوصي لمن يتولاه بما أحب من ثلثه . فالمعروف ها هنا: الوصية .

قوله تعالى: كان ذلك يعني نسخ الميراث بالهجرة ورده إلى ذوي الأرحام في الكتاب يعني اللوح المحفوظ مسطورا أي: مكتوبا .
وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا . ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا

قوله تعالى: وإذ أخذنا المعنى: واذكر إذ أخذنا من النبيين ميثاقهم أي: عهدهم; وفيه قولان .

أحدهما: أخذ ميثاق النبيين: أن يصدق بعضهم بعضا، قاله قتادة .

والثاني: أن يعبدوا الله ويدعوا إلى عبادته، ويصدق بعضهم بعضا، وأن ينصحوا لقومهم، قاله مقاتل .

[ ص: 355 ] وهذا الميثاق أخذ منهم حين أخرجوا من ظهر آدم كالذر . قال أبي بن كعب : لما أخذ ميثاق الخلق خص النبيين بميثاق آخر .

فإن قيل: لم خص الأنبياء الخمسة بالذكر دون غيرهم من الأنبياء؟

فالجواب: أنه نبه بذلك على فضلهم، لأنهم أصحاب الكتب والشرائع; وقدم نبينا صلى الله عليه وسلم بيانا لفضله عليهم . قال قتادة: كان نبينا أول النبيين في الخلق .

وقوله: ميثاقا غليظا أي: شديدا على الوفاء بما حملوا . وذكر المفسرون أن ذلك العهد الشديد: اليمين بالله عز وجل .

[ ص: 356 ]

ليسأل الصادقين

يقول: أخذنا ميثاقهم لكي نسأل الصادقين، وهم الأنبياء عن صدقهم في تبليغهم . ومعنى سؤال الأنبياء- وهو يعلم صدقهم- تبكيت مكذبيهم . وها هنا تم الكلام . ثم أخبر بعد ذلك عما أعد للكافرين بالرسل .

قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود وهم الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الخندق .

الإشارة إلى القصة

ذكر أهل العلم بالسيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أجلى بني النضير، ساروا إلى خيبر، فخرج نفر من أشرافهم إلى مكة فألبوا قريشا ودعوهم إلى الخروج لقتاله، ثم خرجوا من عندهم فأتوا غطفان وسليم، ففارقوهم على مثل ذلك . وتجهزت قريش ومن تبعهم من العرب، فكانوا أربعة آلاف، وخرجوا يقودهم أبو سفيان، ووافتهم بنو سليم بـ " مر الظهران " ، وخرجت بنو أسد، وفزارة، وأشجع، وبنو مرة، فكان جميع من وافى الخندق من القبائل عشرة آلاف، وهم الأحزاب; فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خروجهم من مكة، أخبر الناس خبرهم، وشاورهم، فأشار سلمان بالخندق، فأعجب ذلك المسلمين، وعسكر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سفح " سلع " ، وجعل سلعا خلف ظهره; ودس أبو سفيان بن حرب حيي بن أخطب إلى بني قريظة يسألهم أن ينقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكونوا معهم عليه، فأجابوا، واشتد الخوف، وعظم البلاء، ثم جرت بينهم مناوشة وقتال، وحصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بضع عشرة ليلة حتى خلص [ ص: 357 ] إليهم الكرب، وكان نعيم بن مسعود الأشجعي قد أسلم، فمشى بين قريش وقريظة وغطفان فخذل بينهم، فاستوحش كل منهم من صاحبه، واعتلت قريظة بالسبت فقالوا: لا نقاتل فيه، وهبت ليلة السبت ريح شديدة، فقال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله لستم بدار مقام، لقد هلك الخف والحافر، وأجدب الجناب، وأخلفتنا قريظة، ولقينا من الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل; فأصبحت العساكر قد أقشعت كلها . قال مجاهد: والريح التي أرسلت عليهم هي الصبا، حتى أكفأت قدورهم، ونزعت فساطيطهم . والجنود: الملائكة، ولم تقاتل يومئذ . وقيل: إن الملائكة جعلت تقلع أوتادهم وتطفئ نيرانهم وتكبر في جوانب عسكرهم، فاشتدت عليهم، فانهزموا من غير قتال .

قوله تعالى: لم تروها وقرأ النخعي، والجحدري، والجوني، وابن السميفع: " لم يروها " بالياء وكان الله بما تعملون بصيرا وقرأ أبو عمرو: [ " يعملون " ] بالياء .
إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا . هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا

[ ص: 358 ] قوله تعالى: إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم أي: من فوق الوادي ومن أسفله وإذ زاغت الأبصار أي: مالت وعدلت، فلم تنظر إلى شيء إلا إلى عدوها مقبلا من كل جانب وبلغت القلوب الحناجر وهي جمع حنجرة . والحنجرة: جوف الحلقوم . قال قتادة: شخصت عن مكانها، فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت . وقال غيره: المعنى أنهم جبنوا وجزع أكثرهم; وسبيل الجبان إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته فيرتفع حينئذ القلب إلى الحنجرة، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس والفراء . وذهب ابن قتيبة إلى أن المعنى: كادت القلوب تبلغ الحلوق من الخوف وقال ابن الأنباري: " كاد " لا يضمر ولا يعرف معناه إذا لم ينطق به .

قوله تعالى: وتظنون بالله الظنونا قال الحسن: اختلفت ظنونهم، فظن المنافقون أن محمدا وأصحابه يستأصلون، وظن المؤمنون أنه ينصر .

قرأ ابن كثير، والكسائي، وحفص عن عاصم: " الظنونا " و " الرسولا " [الأحزاب: 66] و " السبيلا " [الأحزاب: 67] بألف إذا وقفوا عليهن، وبطرحها في الوصل . وقال هبيرة عن حفص عن عاصم: وصل أو وقف بألف . وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: بالألف فيهن وصلا ووقفا . وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: بغير ألف في وصل ولا وقف . قال الزجاج: والذي عليه حذاق النحويين والمتبعون السنة من قرائهم أن يقرؤوا: " الظنونا " ويقفون على الألف ولا يصلون; وإنما فعلوا ذلك، لأن أواخر الآيات عندهم فواصل يثبتون في آخرها الألف في الوقف .

قوله تعالى: هنالك أي: عند ذلك ابتلي المؤمنون أي: اختبروا بالقتال والحصر ليتبين المخلص من المنافق وزلزلوا أي: أزعجوا وحركوا [ ص: 359 ] بالخوف، فلم يوجدوا إلا صابرين . وقال الفراء: حركوا إلى الفتنة تحريكا، فعصموا .

قوله تعالى: وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض فيه قولان .

أحدهما: أنه الشرك، قاله الحسن . والثاني: النفاق، قاله قتادة، ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا قال المفسرون: قالوا يومئذ: إن محمدا يعدنا أن نفتح مدائن كسرى وقيصر وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله! هذا والله الغرور . وزعم ابن السائب أن قائل هذا معتب بن قشير .
وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا . ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤولا . قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا

قوله تعالى: وإذ قالت طائفة منهم يعني من المنافقين . وفي القائلين لهذا منهم قولان . أحدهما: عبد الله بن أبي وأصحابه، قاله السدي . والثاني: بنو سالم من المنافقين، قاله مقاتل .

قوله تعالى: يا أهل يثرب قال أبو عبيدة: يثرب: اسم أرض، ومدينة النبي صلى الله عليه وسلم في ناحية منها .

[ ص: 360 ] قوله تعالى: لا مقام لكم وقرأ حفص عن عاصم: " لا مقام " بضم الميم . قال الزجاج: من ضم الميم، فالمعنى: لا إقامة لكم; ومن فتحها، فالمعنى: لا مكان لكم تقيمون فيه . وهؤلاء كانوا يثبطون المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم .

قوله تعالى: فارجعوا أي: إلى المدينة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بالمسلمين حتى عسكروا بـ " سلع " ، وجعلوا الخندق بينهم وبين القوم، فقال المنافقون للناس: ليس لكم هاهنا مقام، لكثرة العدو، وهذا قول الجمهور . وحكى الماوردي قولين [آخرين]

أحدهما: لا مقام لكم على دين محمد فارجعوا إلى دين مشركي العرب، قاله الحسن .

والثاني: لا مقام لكم على القتال، فارجعوا إلى طلب الأمان، قاله الكلبي .

قوله تعالى: ويستأذن فريق منهم النبي فيه قولان .

أحدهما: أنهم بنو حارثة، قاله ابن عباس . وقال مجاهد: بنو حارثة بن الحارث بن الخزرج . وقال السدي: إنما استأذنه رجلان من بني حارثة .

والثاني: بنو حارثة، وبنو سلمة بن جشم، قاله مقاتل .





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 27-02-2023, 10:46 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,592
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ الْأَحْزَابِ
الحلقة (441)
صــ 361 إلى صــ 370






قوله تعالى: إن بيوتنا عورة قال ابن قتيبة : أي: خالية، فقد [ ص: 361 ] أمكن من أراد دخولها، وأصل العورة: ما ذهب عنه الستر والحفظ، فكأن الرجال ستر وحفظ للبيوت، فإذا ذهبوا أعورت البيوت، تقول العرب: أعور منزلي: إذا ذهب ستره، أو سقط جداره، وأعور الفارس: إذا بان منه موضع خلل للضرب والطعن، يقول الله: وما هي بعورة لأن الله يحفظها، ولكن يريدون الفرار . وقال الحسن، ومجاهد: قالوا: بيوتنا ضائعة نخشى عليها السراق . وقال قتادة: قالوا بيوتنا مما يلي العدو، ولا نأمن على أهلنا، فكذبهم الله وأعلم أن قصدهم الفرار .

قوله تعالى: ولو دخلت عليهم من أقطارها يعني المدينة; والأقطار: النواحي والجوانب، واحدها: قطر، ثم سئلوا الفتنة وقرأ علي بن أبي طالب عليه السلام، والضحاك، والزهري، وأبو عمران، وأبو جعفر، وشيبة: " ثم سيلوا " برفع السين وكسر الياء من غير همز . وقرأ أبي بن كعب، ومجاهد، وأبو الجوزاء: " ثم سوءلوا " برفع السين ومد الواو بهمزة مكسورة بعدها . وقرأ الحسن، وأبو الأشهب: " ثم سولوا " برفع السين وسكون الواو من غير مد ولا همز . وقرأ الأعمش، وعاصم الجحدري: " ثم سيلوا " بكسر السين ساكنة الياء من غير همز ولا واو . ومعنى: سئلوا الفتنة ، أي: سئلوا فعلها; [والفتنة: الشرك، (لآتوها) ] قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: " لأتوها " بالقصر، أي: لقصدوها، ولفعلوها . وقرأ عاصم، وأبو عمرو ، وحمزة، والكسائي: " لآتوها " بالمد، أي: لأعطوها . قال ابن عباس في معنى الآية: لو أن الأحزاب دخلوا المدينة ثم أمروهم بالشرك لأشركوا .

قوله تعالى: وما تلبثوا بها إلا يسيرا فيه قولان .

أحدهما: وما احتبسوا عن الإجابة إلى الكفر إلا قليلا، قاله قتادة .

[ ص: 362 ] والثاني: وما تلبثوا بالمدينة بعد الإجابة إلا يسيرا حتى يعذبوا، قاله السدي، وحكى أبو سليمان الدمشقي في الآية قولا عجيبا، وهو أن الفتنة هاهنا: الحرب، والمعنى: ولو دخلت المدينة على أهلها من أقطارها، ثم سئل هؤلاء المنافقون الحرب لأتوها مبادرين، وما تلبثوا- يعني الجيوش الداخلة عليهم بها- إلا قليلا حتى يخرجوهم منها; وإنما منعهم من القتال معك ما قد تداخلهم من الشك في دينك; قال: وهذا المعنى حفظته من كتاب الواقدي .

قوله تعالى: ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل في وقت معاهدتهم ثلاثة أقوال .

أحدها: أنهم ناس غابوا عن وقعة بدر، فلما علموا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة قالوا: لئن شهدنا قتالا لنقاتلن، قاله قتادة .

[ ص: 363 ] والثاني: أنهم أهل العقبة، وهم سبعون رجلا بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على طاعة الله ونصرة رسوله، قاله مقاتل .

والثالث : أنه لما نزل بالمسلمين يوم أحد ما نزل، عاهد الله معتب بن قشير وثعلبة بن حاطب: لا نولي دبرا قط، فلما كان يوم الأحزاب نافقا، قاله الواقدي، واختاره أبو سليمان الدمشقي، وهو أليق مما قبله . وإذا كان الكلام في حق المنافقين، فكيف يطلق القول على أهل العقبة كلهم!

قوله تعالى: وكان عهد الله مسؤولا أي: يسألون عنه في الآخرة .

ثم أخبر أن الفرار لا يزيد في آجالهم، فقال: قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون بعد الفرار في الدنيا إلا قليلا وهو باقي آجالكم .

ثم أخبر أن ما قدره عليهم لا يدفع، بقوله: من ذا الذي يعصمكم من الله أي: يجيركم ويمنعكم منه إن أراد بكم سوءا وهو الإهلاك والهزيمة والبلاء أو أراد بكم رحمة وهي النصر والعافية والسلامة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا أي: لا يجدون مواليا ولا ناصرا يمنعهم من مراد الله فيهم .
قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا . أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب [ ص: 364 ] يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا . لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما

قوله تعالى: قد يعلم الله المعوقين منكم في سبب نزولها قولان .

أحدهما: أن رجلا انصرف من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب، فوجد أخاه لأمه وأبيه وعنده شواء ونبيذ، فقال له: أنت هاهنا ورسول الله بين الرماح والسيوف؟! فقال: هلم إلي، لقد أحيط بك وبصاحبك; والذي يحلف به لا يستقبلها محمد أبدا; فقال له: كذبت، والذي يحلف به، أما والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمرك، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره، فوجده قد نزل جبريل بهذه الآية إلى قوله: يسيرا ، هذا قول ابن زيد .

والثاني: أن عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير والمنافقين الذين رجعوا من الخندق إلى المدينة، كانوا إذا جاءهم منافق قالوا له: ويحك اجلس فلا تخرج، ويكتبون بذلك إلى إخوانهم الذين في العسكر أن ائتونا بالمدينة فإنا ننتظركم- يثبطونهم عن القتال- وكانوا لا يأتون العسكر إلا أن لا يجدوا بدا، فيأتون العسكر ليرى الناس وجوههم، فإذا غفل عنهم عادوا إلى المدينة، فنزلت هذه الآية، قاله ابن السائب .

والمعوق: المثبط; تقول: عاقني فلان، واعتاقني، وعوقني: إذا [ ص: 365 ] منعك عن الوجه الذي تريده . وكان المنافقون يعوقون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصاره .

قوله تعالى: والقائلين لإخوانهم هلم إلينا فيهم ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه المنافق الذي قال لأخيه ما ذكرناه في قول ابن زيد .

والثاني: أنهم اليهود دعوا إخوانهم من المنافقين إلى ترك القتال، قاله مقاتل .

والثالث : أنهم المنافقون دعوا المسلمين إليهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حكاه الماوردي .

قوله تعالى: ولا يأتون البأس أي: لا يحضرون القتال في سبيل الله إلا قليلا للرياء والسمعة من غير احتساب، ولو كان ذلك [القليل] لله لكان كثيرا .

قوله تعالى: أشحة عليكم قال الزجاج: هو منصوب على الحال . المعنى: لا يأتون الحرب إلا تعذيرا، بخلاء عليكم .

وللمفسرين فيما شحوا به أربعة أقوال . أحدها: أشحة بالخير، قاله مجاهد .

[ ص: 366 ] والثاني: بالنفقة في سبيل الله . والثالث: بالغنيمة، رويا عن قتادة . وقال الزجاج: بالظفر والغنيمة . والرابع: بالقتال معكم، حكاه الماوردي .

ثم أخبر عن جبنهم فقال: فإذا جاء الخوف أي: إذا حضر القتال رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت أي: كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت، وهو الذي دنا موته وغشيته أسبابه، فإنه يخاف ويذهل عقله ويشخص بصره فلا يطرف، فكذلك هؤلاء، لأنهم يخافون القتل .

فإذا ذهب الخوف سلقوكم قال الفراء: آذوكم بالكلام في الأمن بألسنة حداد سليطة ذربة، والعرب تقول: صلقوكم، بالصاد، ولا يجوز في القراءة; وهذا قول الفراء . وقد قرأ بالصاد أبي بن كعب، وأبو الجوزاء، وأبو عمران الجوني، وابن أبي عبلة في آخرين وقال الزجاج: معنى " سلقوكم " : خاطبوكم أشد مخاطبة وأبلغها في الغنيمة، يقال: خطيب مسلاق: إذا كان بليغا في خطبته أشحة على الخير أي: خاطبوكم وهم أشحة على المال والغنيمة قال قتادة: إذا كان وقت قسمة الغنيمة، بسطوا ألسنتهم فيكم، يقولون: أعطونا فلستم أحق بها منا; فـأما عند البأس، فأجبن قوم وأخذله للحق، وأما عند الغنيمة، فأشح قوم .

وفي المراد بالخير ها هنا ثلاثة أقوال . أحدها: أنه الغنيمة . والثاني: على المال أن ينفقوه في سبيل الله تعالى . والثالث: على رسول الله صلى الله عليه وسلم بظفره .

[ ص: 367 ] قوله تعالى: أولئك لم يؤمنوا أي: هم وإن أظهروا الإيمان فليسوا بمؤمنين، لنفاقهم فأحبط الله أعمالهم قال مقاتل: أبطل جهادهم، لأنه لم يكن في إيمان وكان ذلك الإحباط على الله يسيرا .

ثم أخبر عنهم بما يدل على جبنهم، فقال: يحسبون الأحزاب لم يذهبوا أي: يحسب المنافقون من شدة خوفهم وجبنهم أن الأحزاب بعد انهزامهم وذهابهم لم يذهبوا، وإن يأت الأحزاب [أي]: يرجعوا إليهم كرة ثانية للقتال يودوا لو أنهم بادون في الأعراب أي: يتمنوا لو كانوا في بادية الأعراب من خوفهم، يسألون عن أنبائكم أي: ودوا لو أنهم بالبعد منكم يسألون عن أخباركم، فيقولون: ما فعل محمد وأصحابه، ليعرفوا حالكم بالاستخبار لا بالمشاهدة، فرقا وجبنا; وقيل: بل يسألون شماتة بالمسلمين وفرحا بنكباتهم ولو كانوا فيكم أي: لو كانوا يشهدون القتال معكم ما قاتلوا إلا قليلا فيه قولان .

أحدهما: إلا رميا بالحجارة، قاله ابن السائب .

والثاني: إلا رياء من غير احتساب، قاله مقاتل .

ثم عاب من تخلف بالمدينة بقوله: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة أي: قدوة صالحة . والمعنى: لقد كان لكم به اقتداء لو اقتديتم به في الصبر [معه] كما صبر يوم أحد حتى كسرت رباعيته وشج جبينه وقتل عمه، وآساكم مع ذلك بنفسه .

وقرأ عاصم: " أسوة " بضم الألف; والباقون بكسر الألف; وهما لغتان . قال الفراء: أهل الحجاز وأسد يقولون: " إسوة " بالكسر، وتميم وبعض قيس يقولون: " أسوة " بالضم . وخص الله تعالى بهذه الأسوة المؤمنين، فقال: لمن كان يرجو الله واليوم الآخر والمعنى أن الأسوة برسول الله إنما كانت لمن كان يرجو الله [واليوم الآخر]; وفيه قولان .

[ ص: 368 ] أحدهما: يرجو ما عنده من الثواب والنعيم، قاله ابن عباس . والثاني: يخشى الله ويخشى البعث، قاله مقاتل .

قوله تعالى: وذكر الله كثيرا أي: ذكرا كثيرا، لأن ذاكر الله متبع لأوامره، بخلاف الغافل عنه .

ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب، فقال: ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وفي ذلك الوعد قولان .

أحدهما: أنه قوله: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم الآية: [البقرة:214] فلما عاينوا البلاء يومئذ قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله، قاله ابن عباس، وقتادة في آخرين .

والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدهم النصر والظهور على مدائن كسرى وقصور الحيرة ذكره الماوردي وغيره .

قوله تعالى: وما زادهم يعني ما رأوه إلا إيمانا بوعد الله وتسليما لأمره .
من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا . ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم [ ص: 369 ] إن الله كان غفورا رحيما ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا . وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شيء قديرا

قوله تعالى: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه اختلفوا فيمن نزلت على قولين .

أحدهما: أنها نزلت في أنس بن النضر، قاله أنس بن مالك . وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فلما قدم قال: غبت عن أول قتال قاتله رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين، لئن أشهدني الله عز وجل قتالا ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد انكشف الناس، فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، يعني المشركين، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني المسلمين; ثم [ ص: 370 ] مشى بسيفه، فلقيه سعد بن معاذ، فقال: أي سعد، والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون أحد، واها لريح الجنة . قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع; قال أنس: فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون جراحة، من ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، قد مثلوا به; قال: فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه; قال أنس: فكنا نقول: أنزلت هذه الآية من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فيه وفي أصحابه .

والثاني: أنها نزلت في طلحة بن عبيد الله . روى النزال بن سبرة عن علي عليه السلام أنهم قالوا له: حدثنا عن طلحة، قال: ذاك امرؤ نزلت فيه آية من كتاب الله تعالى: فمنهم من قضى نحبه لا حساب عليه فيما يستقبل .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 27-02-2023, 10:49 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,592
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ الْأَحْزَابِ
الحلقة (442)
صــ 371 إلى صــ 380





[ ص: 371 ] وقد جعل بعض المفسرين هذا القدر من الآية في طلحة، وأولها في أنس . قال ابن جرير: ومعنى الآية: وفوا لله بما عاهدوه عليه . وفي ذلك أربعة أقوال .

أحدها: أنهم عاهدوا ليلة العقبة على الإسلام والنصرة .

والثاني: أنهم قوم لم يشهدوا بدرا، فعاهدوا الله أن لا يتأخروا بعدها .

والثالث : أنهم عاهدوا أن لا يفروا إذا لاقوا، فصدقوا .

والرابع : أنهم عاهدوا على البأساء والضراء وحين البأس .

قوله تعالى: فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: فمنهم من مات، ومنهم من ينتظر الموت، قاله ابن عباس .

والثاني: فمنهم من قضى عهده قتل أو عاش . ومنهم من ينتظر أن يقضيه بقتال أو صدق لقاء، قاله مجاهد .

والثالث : فمنهم من قضى نذره الذي كان نذر، قاله أبو عبيدة . فيكون النحب على القول الأول: الأجل; وعلى الثاني: العهد; وعلى الثالث: النذر . وقال ابن قتيبة : " قضى نحبه " أي: قتل، وأصل النحب: النذر، كأن قوما نذروا أنهم إن لقوا العدو قاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح الله عليهم، فقتلوا، فقيل: فلان قضى نحبه، أي: قتل، فاستعير النحب مكان الأجل، لأن الأجل وقع بالنحب، وكان النحب سببا له، ومنه قيل: للعطية: " من " ، لأن من أعطى فقد من . قال ابن عباس: ممن قضى [ ص: 372 ] نحبه: حمزة بن عبد المطلب، وأنس بن النضر وأصحابه . وقال ابن إسحاق: " فمنهم من قضى نحبه " من استشهد يوم بدر وأحد، " ومنهم من ينتظر " ما وعد الله من نصره، أو الشهادة على ما مضى عليه أصحابه وما بدلوا أي: ما غيروا العهد الذي عاهدوا ربهم عليه كما غير المنافقون .

قوله تعالى: ليجزي الله الصادقين بصدقهم وهم المؤمنون الذين صدقوا فيما عاهدوا [الله] عليه ويعذب المنافقين بنقض العهد إن شاء وهو أن يميتهم على نفاقهم أو يتوب عليهم في الدنيا، فيخرجهم من النفاق إلى الإيمان، فيغفر لهم .

ورد الله الذين كفروا يعني الأحزاب، صدهم ومنعهم عن الظفر بالمسلمين بغيظهم أي: لم يشف صدورهم بنيل ما أرادوا لم ينالوا خيرا أي: لم يظفروا بالمسلمين، وكان ذلك عندهم، خيرا فخوطبوا على استعمالهم وكفى الله المؤمنين القتال بالريح والملائكة، وأنزل الذين ظاهروهم [ ص: 373 ] أي: عاونوا الأحزاب، وهم بنو قريظة، وذلك أنهم نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد، وصاروا مع المشركين يدا واحدة .

وهذه الإشارة إلى قصتهم

ذكر أهل العلم بالسيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف من الخندق وضع عنه اللأمة واغتسل، فتبدى له جبريل، فقال: ألا أراك وضعت اللأمة، وما وضعت الملائكة سلاحها منذ أربعين ليلة؟! إن الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة فإني عامد إليهم فمزلزل بهم حصونهم; فدعا عليا فدفع لواءه إليه، وبعث بلالا فنادى في الناس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن لا تصلوا العصر إلا ببني قريظة، ثم سار إليهم فحاصرهم خمسة عشر يوما أشد الحصار، وقيل: عشرين ليلة، فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأرسله إليهم، فشاوروه في أمرهم، فأشار إليهم بيده: إنه الذبح، ثم ندم فقال: خنت الله ورسوله، فانصرف فارتبط في المسجد حتى أنزل الله [ ص: 374 ] توبته، ثم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بهم رسول الله محمد بن مسلمة، وكتفوا، ونحوا ناحية، وجعل النساء والذرية ناحية . وكلمت الأوس رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهبهم لهم، وكانوا حلفاءهم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ; هكذا ذكر محمد بن سعد . وحكى غيره: أنهم نزلوا أولا على حكم سعد بن معاذ، وكان بينهم وبين قومه حلف فرجوا أن تأخذه فيهم هوادة، فحكم فيهم أن يقتل كل من جرت عليه المواسي، وتسبى النساء والذراري، وتقسم الأموال . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة " ; وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بهم فأدخلوا المدينة، وحفر لهم أخدود في السوق، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه، وأخرجوا إليه فضربت أعناقهم، وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة .

قوله تعالى: من صياصيهم قال ابن عباس وقتادة: من حصونهم; قال ابن قتيبة : وأصل الصياصي: قرون البقر، لأنها تمتنع بها، وتدفع عن أنفسها، [ ص: 375 ] فقيل للحصون: الصياصي، لأنها تمنع، وقال الزجاج: كل قرن صيصية، وصيصية الديك: شوكة يتحصن بها .

قوله تعالى: وقذف في قلوبهم الرعب أي: ألقى فيها الخوف فريقا تقتلون وهم المقاتلة وتأسرون وقرأ ابن يعمر، وابن أبي عبلة : " وتأسرون " برفع السين فريقا وهم النساء والذراري، وأورثكم أرضهم وديارهم يعني عقارهم ونخيلهم ومنازلهم وأموالهم من الذهب والفضة والحلي والعبيد والإماء وأرضا لم تطئوها أي: لم تطؤوها بأقدامكم بعد، وهي مما سنفتحها عليكم; وفيها أربعة أقوال .

أحدها: أنها فارس والروم، قاله الحسن . والثاني: ما ظهر عليه المسلمون إلى يوم القيامة، قاله عكرمة . والثالث: مكة، قاله قتادة . والرابع: خيبر، قاله ابن زيد، وابن السائب، وابن إسحاق، ومقاتل
يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا . وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا . ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها [ ص: 376 ] مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا . وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا

قوله تعالى: يا أيها النبي قل لأزواجك الآية، ذكر أهل التفسير أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم سألنه شيئا من عرض الدنيا، وطلبن منه زيادة النفقة، وآذينه بغيرة بعضهن على بعض، فآلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهن شهرا، وصعد إلى غرفة له فمكث فيها، فنزلت هذه الآية، وكن أزواجه يومئذ تسعا: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة، وصفية الخيبرية، وميمونة الهلالية، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض الآية عليهن، فبدأ بعائشة، فاختارت الله ورسوله، ثم قالت: يا رسول الله لا تخبر أزواجك أني اخترتك; فقال: " إن الله بعثني مبلغا ولم يبعثني متعنتا " . وقد ذكرت حديث التخيير في كتاب " الحدائق " وفي " المغني " بطوله .

[ ص: 377 ] وفي ما خيرهن فيه قولان .

أحدهما: أنه خيرهن بين الطلاق والمقام معه، هذا قول عائشة عليها السلام .

والثاني: أنه خيرهن بين اختيار الدنيا فيفارقهن، أو اختيار الآخرة فيمسكهن، ولم يخيرهن في الطلاق، قاله الحسن، وقتادة .

وفي سبب تخييره إياهن ثلاثة أقوال .

أحدها: أنهن سألنه زيادة النفقة . والثاني: أنهن آذينه بالغيرة . والقولان مشهوران في التفسير .

والثالث : أنه لما خير بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة، فاختار الآخرة أمر بتخيير نسائه ليكن على مثل حاله، حكاه أبو القاسم الصيمري .

والمراد بقوله: أمتعكن : متعة الطلاق . والمراد بالسراح: الطلاق، [ ص: 378 ] وقد ذكرنا ذلك في (البقرة: 231) . والمراد بالدار الآخرة . الجنة . والمحسنات: المؤثرات للآخرة .

قال المفسرون: فلما اخترنه أثابهن الله عز وجل ثلاثة أشياء . أحدها: التفضيل على سائر النساء بقوله: لستن كأحد من النساء ، والثاني: أن جعلهن أمهات المؤمنين، والثالث : أن حظر عليه طلاقهن والاستبدال بهن بقوله: لا يحل لك النساء من بعد [الأحزاب: 52] . وهل أبيح له بعد ذلك التزويج عليهن ؟ فيه قولان سيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى .

قوله تعالى: من يأت منكن بفاحشة مبينة أي: بمعصية ظاهرة . قال ابن عباس: يعني النشوز وسوء الخلق يضاعف لها العذاب ضعفين أي: يجعل عذاب جرمها في الآخرة كعذاب جرمين، كما أنها تؤتى أجرها على الطاعة مرتين . وإنما ضوعف عقابهن، لأنهن يشاهدن من الزواجر الرادعة ما لا يشاهد غيرهن، فإذا لم يمتنعن استحققن تضعيف العذاب، ولأن في معصيتهن أذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم; وجرم من آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر من جرم غيره .

قوله تعالى: وكان ذلك على الله يسيرا أي: وكان عذابها على الله هينا . ومن يقنت أي: تطع، و " أعتدنا " قد سبق بيانه [النساء: 37]، والرزق الكريم: الحسن، وهو الجنة .

ثم أظهر فضيلتهن على النساء بقوله: لستن كأحد من النساء قال الزجاج: لم يقل: كواحدة من النساء، لأن " أحدا " نفي عام للمذكر والمؤنث والواحد والجماعة . قال ابن عباس: يريد: ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، أنتن أكرم علي، وثوابكن أعظم إن اتقيتن ، فشرط عليهن التقوى بيانا أن فضيلتهن إنما تكون بالتقوى، لا بنفس اتصالهن برسول الله صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 379 ] قوله تعالى: فلا تخضعن بالقول أي لا تلن بالكلام فيطمع الذي في قلبه مرض أي: فجور; والمعنى: لا تقلن قولا يجد به منافق أو فاجر سبيلا إلى موافقتكن له; والمرأة مندوبة إذا خاطبت الأجانب إلى الغلظة في المقالة، لأن ذلك أبعد من الطمع في الريبة .

وقلن قولا معروفا أي: صحيحا عفيفا لا يطمع فاجرا .

وقرن في بيوتكن قرأ نافع، وعاصم إلا أبان، وهبيرة، والوليد بن مسلم عن ابن عامر: " وقرن " بفتح القاف; وقرأ الباقون بكسرها . قال الفراء: من قرأ بالفتح، فهو من قررت في المكان، فخففت، كما قال: ظلت عليه عاكفا [طه: 97]، ومن قرأ بالكسر، فمن الوقار، يقال: قر في منزلك . وقال ابن قتيبة : من قرأ بالكسر، فهو من الوقار، يقال: وقر في منزله يقر وقورا . ومن قرأ بنصب القاف جعله من القرار . وقرأ أبي بن كعب، وأبو المتوكل: " واقررن " بإسكان القاف وبراءين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة . وقرأ ابن مسعود ، وابن أبي عبلة مثله، إلا أنهما كسرا الراء الأولى .

قال المفسرون: ومعنى الآية: الأمر لهن بالتوقر والسكون في بيوتهن وأن لا يخرجن .

قوله تعالى: ولا تبرجن قال أبو عبيدة: التبرج: أن يبرزن [ ص: 380 ] محاسنهن . وقال الزجاج: التبرج: إظهار الزينة وما يستدعى به شهوة الرجل .

وفي الجاهلية الأولى أربعة أقوال .

أحدها: أنها كانت بين إدريس ونوح، وكانت ألف سنة، رواه عكرمة عن ابن عباس .

والثاني: أنها كانت على عهد إبراهيم عليه السلام، وهو قول عائشة رضي الله عنها .

والثالث : بين نوح وآدم، قاله الحكم .

والرابع : ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام، قاله الشعبي . قال الزجاج: وإنما قيل: " الأولى " ، لأن كل متقدم أول، وكل متقدمة أولى، فتأويله: أنهم تقدموا أمة محمد صلى الله عليه وسلم .

وفي صفة تبرج الجاهلية الأولى ستة أقوال .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 27-02-2023, 10:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,592
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ الْأَحْزَابِ
الحلقة (443)
صــ 381 إلى صــ 390






أحدها: أن المرأة كانت تخرج فتمشي بين الرجال، فهو التبرج، قاله مجاهد . والثاني: أنها مشية فيها تكسر وتغنج، قاله قتادة . والثالث: أنه التبختر، قاله ابن أبي نجيح . والرابع: أن المرأة منهن كانت تتخذ الدرع من اللؤلؤ فتلبسه ثم تمشي وسط الطريق ليس عليها غيره، وذلك في زمن إبراهيم عليه السلام، [ ص: 381 ] قاله الكلبي . والخامس: أنها كانت تلقي الخمار عن رأسها ولا تشده، فيرى قرطها وقلائدها، قاله مقاتل . السادس: أنها كانت تلبس الثياب تبلغ المال، لا تواري جسدها، حكاه الفراء .

قوله تعالى: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس وفيه للمفسرين خمسة أقوال .

أحدها: الشرك، قاله الحسن . والثاني: الإثم، قاله السدي . والثالث: الشيطان، قاله ابن زيد . والرابع: الشك . والخامس: المعاصي، حكاهما الماوردي . قال الزجاج: الرجس: كل مستقذر من مأكول أو عمل أو فاحشة .

ونصب " أهل البيت " على وجهين، أحدهما: على معنى: أعني أهل البيت، والثاني: على النداء، فالمعنى: يا أهل البيت .

وفي المراد بأهل البيت ها هنا ثلاثة أقوال .

أحدها: أنهم نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهن في بيته، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، وابن السائب، ومقاتل . ويؤكد هذا القول أن ما قبله وبعده متعلق بأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعلى أرباب هذا القول اعتراض، وهو أن جمع المؤنث بالنون، فكيف قيل: " عنكم " " ويطهركم " ؟ فالجواب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهن، فغلب المذكر .

والثاني: أنه خاص في رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين، قاله أبو سعيد الخدري . وروي عن أنس وعائشة وأم سلمة نحو ذلك .

والثالث : أنهم أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه، قاله الضحاك .

[ ص: 382 ] وحكى الزجاج أنهم نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم والرجال الذين هم آله; قال: واللغة تدل على أنها للنساء والرجال جميعا، لقوله: عنكم بالميم، ولو كانت للنساء، لم يجز إلا " عنكن " " ويطهركن " .

قوله تعالى: ويطهركم تطهيرا فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: من الشرك، قاله مجاهد . والثاني: من السوء، قاله قتادة . والثالث: من الإثم، قاله السدي، ومقاتل .

قوله تعالى: واذكرن فيه قولان .

أحدهما: أنه تذكير لهن بالنعم .

والثاني: أنه أمر لهن بحفظ ذلك . فمعنى واذكرن : واحفظن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله يعني القرآن .

[ ص: 383 ] وفي الحكمة قولان . أحدهما: أنها السنة، قاله قتادة . والثاني: الأمر والنهي، قاله مقاتل .

قوله تعالى: إن الله كان لطيفا أي: ذا لطف بكن إذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آياته خبيرا بكن إذ اختاركن لرسوله .
إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما

قوله تعالى: إن المسلمين والمسلمات في سبب نزولها خمسة أقوال .

أحدها: أن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم قلن: ما له ليس يذكر إلا المؤمنون، ولا تذكر المؤمنات بشيء؟! فنزلت هذه الآية، رواه أبو ظبيان عن ابن عباس .

والثاني: أن أم سلمة قالت: يا رسول الله يذكر الرجال ولا نذكر! فنزلت هذه الآية، ونزل قوله: لا أضيع عمل عامل منكم [آل عمران: 195]، قاله مجاهد . [ ص: 384 ] والثالث : أن أم عمارة الأنصارية قالت: قلت: يا رسول الله بأبي وأمي ما بال الرجال يذكرون، ولا تذكر النساء؟! فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة . وذكر مقاتل بن سليمان أن أم سلمة وأم عمارة قالتا ذلك، فنزلت [هذه] الآية في قولهما .

والرابع : أن الله تعالى لما ذكر أزواج رسوله دخل النساء المسلمات عليهن فقلن: ذكرتن ولم نذكر، ولو كان فينا خير ذكرنا، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة .

والخامس: أن أسماء بنت عميس لما رجعت من الحبشة دخلت على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن؟ قلن: لا، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إن النساء لفي خيبة وخسار، قال: " ومم ذاك " ؟ قالت: لأنهن لا يذكرن بخير كما يذكر الرجال، فنزلت هذه الآية، ذكره مقاتل بن حيان .

وقد سبق تفسير ألفاظ الآية في مواضع [البقرة: 129، 109، الأحزاب: 31، آل عمران: 17، البقرة: 45، يوسف: 88، البقرة: 184، الأنبياء: 91، آل عمران: 191] .
وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا . وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه [ ص: 385 ] أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا

قوله تعالى: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة الآية، في سبب نزولها قولان .

أحدهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق يخطب زينب بنت جحش لزيد بن حارثة، فقالت: لا أرضاه، ولست بناكحته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بلى فانكحيه، فإني قد رضيته لك " فأبت، فنزلت هذه الآية . وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والجمهور . وذكر بعض المفسرين أن عبد الله بن جحش أخا زينب كره ذلك كما كرهته زينب، فلما نزلت الآية رضيا وسلما . قال مقاتل: والمراد بالمؤمن: عبد الله بن جحش، والمؤمنة: زينب بنت جحش .

والثاني: أنها نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت أول امرأة هاجرت، فوهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " قد قبلتك " ، وزوجها زيد بن حارثة، فسخطت هي وأخوها، وقالا: إنما أردنا رسول الله، فزوجها عبده؟! فنزلت هذه الآية، قاله ابن زيد . والأول عند المفسرين أصح .

[ ص: 386 ] قوله تعالى: إذا قضى الله ورسوله أمرا أي: حكما بذلك " أن تكون " وقرأ أهل الكوفة: " أن يكون " بالياء لهم الخيرة وقرأ أبو مجلز ، وأبو رجاء : " الخيرة " بإسكان الياء; فجمع في الكناية في قوله: " لهم " ، لأن المراد جميع المؤمنين والمؤمنات، والخيرة: الاختيار، فأعلم الله عز وجل أنه لا اختيار على ما قضاه الله ورسوله . فلما زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا مكثت عنده حينا، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منزل زيد فنظر إليها وكانت بيضاء جميلة من أتم نساء قريش، فوقعت في قلبه، فقال: " سبحان مقلب القلوب " ، وفطن زيد، فقال: يا رسول الله ائذن لي في طلاقها . وقال بعضهم: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم منزل زيد، فرأى زينب، فقال: " سبحان مقلب القلوب " ، فسمعت ذلك زينب، فلما جاء زيد ذكرت له ذلك، فعلم أنها قد وقعت في نفسه، فأتاه فقال: يا رسول الله ائذن لي في طلاقها . وقال ابن زيد: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى باب زيد- وعلى الباب ستر من شعر- فرفعت الريح الستر، فرأى زينب، فلما وقعت في قلبه كرهت إلى الآخر، فجاء فقال: يا رسول الله أريد فراقها، فقال له: " اتق الله " . وقال مقاتل: لما فطن زيد لتسبيح رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله ائذن لي في طلاقها، فإن فيها كبرا، فهي تعظم علي وتؤذيني بلسانها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أمسك عليك زوجك واتق الله " . ثم إن زيدا طلقها [ ص: 387 ] بعد ذلك، فأنزل الله تعالى: وإذ تقول للذي أنعم الله عليه بالإسلام وأنعمت عليه بالعتق .

قوله تعالى: واتق الله أي: في أمرها فلا تطلقها وتخفي في نفسك أي: تسر وتضمر في قلبك ما الله مبديه أي: مظهره; وفيه أربعة أقوال .

أحدها: حبها، قاله ابن عباس .

والثاني: عهد عهده الله إليه أن زينب ستكون له زوجة، فلما أتى زيد يشكوها، قال له " أمسك عليك زوجك واتق الله " ، وأخفى في نفسه ما الله مبديه، قاله علي بن الحسين .

والثالث : إيثاره لطلاقها، قاله قتادة، وابن جريج، ومقاتل .

والرابع : أن الذي أخفاه: إن طلقها زيد تزوجتها، قاله ابن زيد .

قوله تعالى: وتخشى الناس فيه قولان .

أحدهما: أنه خشي اليهود أن يقولوا: تزوج محمد امرأة ابنه، رواه عطاء عن ابن عباس .

[ ص: 388 ] والثاني: أنه خشي لوم الناس أن يقولوا: أمر رجلا بطلاق امرأته ثم نكحها .

قوله تعالى: والله أحق أن تخشاه أي: أولى أن تخشى في كل الأحوال . وليس المراد أنه لم يخش الله في هذه الحال، ولكن لما كان لخشيته بالخلق نوع تعلق قيل له: الله أحق أن تخشى منهم . قالت عائشة: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد عليه من هذه الآية، ولو كتم شيئا من الوحي لكتمها .

فصل

وقد ذهب بعض العلماء إلى تنزيه رسول الله من حبها وإيثاره طلاقها . وإن كان ذلك شائعا في التفسير . قالوا: وإنما عوتب في هذه القصة على شيئين، [ ص: 389 ] [ ص: 390 ] أحدهما: أنه أخبر بأنها ستكون زوجة له، فقال لزيد: " أمسك عليك زوجك " فكتم ما أخبره الله به من أمرها حياء من زيد أن يقول له: إن زوجتك ستكون امرأتي; وهذا يخرج على ما ذكرنا عن علي بن الحسين، وقد نصره الثعلبي، والواحدي .

والثاني: أنه لما رأى اتصال الخصومة بين زيد وزينب، ظن أنهما لا يتفقان وأنه سيفارقها، وأضمر أنه إن طلقها تزوجتها صلة لرحمها، وإشفاقا عليها، لأنها كانت بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب، فعاتبه الله على إضمار ذلك وإخفائه حين قال لزيد: " أمسك عليك زوجك " ، وأراد منه أن يكون ظاهره وباطنه عند الناس سواء كما قيل له في قصة رجل أراد قتله: هلا أومأت إلينا بقتله؟ فقال: " ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين " ، ذكر هذا القول القاضي أبو يعلى رحمة الله عليه .

قوله تعالى: فلما قضى زيد منها وطرا قال الزجاج: الوطر: كل حاجة لك فيها همة، فإذا بلغها البالغ قيل: قد قضى وطره . وقال غيره: قضاء الوطر في اللغة: بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء، ثم صار عبارة عن الطلاق، لأن الرجل إنما يطلق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة . والمعنى: لما قضى زيد حاجته من نكاحها زوجناكها ، وإنما ذكر قضاء الوطر هاهنا ليبين أن امرأة المتبنى تحل وإن وطئها، وهو قوله: لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا ; والمعنى: زوجناك زينب- وهي امرأة زيد الذي تبنيته- لكيلا يظن أن امرأة المتبنى لا يحل نكاحها .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 463.24 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 457.35 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (1.27%)]