تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد - الصفحة 41 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5137 - عددالزوار : 2429403 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4727 - عددالزوار : 1745795 )           »          السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 104 - عددالزوار : 1790 )           »          كيف تستخدم ميزة مكتبة الصور الجديدة في ChatGPT؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          تعرف على أنظمة الذكاء الاصطناعى o3 وo4-mini من OpenAI (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          حماية خصوصيتك بضغطة واحدة.. ما هى أداة "StopNCII" لمواجهة الابتزاز الرقمى؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          ميزة جديدة من مايكروسوفت للتحكم فى الكمبيوتر بدون "ولا لمسة" (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          واتساب يضيف 12 ميزة جديدة.. "تصوير المستندات" أبرزها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          ثغرة أمنية فى واتساب على الكمبيوتر الشخصى وتحذير لتحديث التطبيق فورا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          تحذير من ثغرات خطيرة في أجهزة أبل تتطلب التحديث الفوري (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التسجيل التعليمـــات التقويم

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 30-12-2022, 11:54 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,690
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الخامس

سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ
الحلقة (404)
صــ 484 إلى صــ 494




أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون .

قوله تعالى : " أفلم يدبروا القول " يعني : القرآن ، فيعرفوا ما فيه من الدلالات والعبر على صدق رسولهم . " أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين " المعنى : أليس قد أرسل الأنبياء إلى أممهم كما أرسل محمد صلى الله عليه وسلم ؟ " أم لم يعرفوا رسولهم " هذا توبيخ لهم ; لأنهم عرفوا نسبه وصدقه وأمانته ، صغيرا وكبيرا ، ثم أعرضوا عنه . والجنة : الجنون ، " بل جاءهم بالحق " يعني : القرآن .
ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم .

قوله تعالى : " ولو اتبع الحق أهواءهم " في المراد بالحق قولان :

أحدهما : أنه الله عز وجل ، قاله مجاهد ، وابن جريج ، والسدي في آخرين .

والثاني : أنه القرآن ، ذكره الفراء والزجاج . فعلى القول الأول يكون المعنى : لو جعل الله لنفسه شريكا كما يحبون . وعلى الثاني : لو نزل القرآن بما يحبون من جعل شريك لله . لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم ; أي : بما فيه شرفهم وفخرهم ، وهو القرآن . " فهم عن ذكرهم معرضون " ; أي : قد تولوا عما جاءهم من شرف الدنيا والآخرة . وقرأ ابن مسعود ، وأبي بن كعب ، وأبو رجاء ، وأبو الجوزاء : ( بل أتيناهم بذكراهم فهم عن ذكراهم معرضون ) بألف فيهما . " أم تسألهم " عما جئتهم به ، " خرجا " [ ص: 485 ] قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وعاصم : ( خرجا ) بغير ألف ، [ ( فخراج ) بألف ] . وقرأ ابن عامر : ( خرجا فخرج ) بغير ألف في الحرفين . وقرأ حمزة والكسائي : ( خراجا ) بألف ، ( فخراج ) بألف في الحرفين . ومعنى " خرجا " : أجرا ومالا . " فخراج ربك " ; أي : فما يعطيك ربك من أجره وثوابه ، " خير وهو خير الرازقين " ; أي : أفضل من أعطى ، وهذا على سبيل التنبيه لهم أنه لم يسألهم أجرا ، لا أنه قد سألهم . والناكب : العادل ، يقال : نكب عن الطريق ; أي : عدل عنه .
وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون .

قوله تعالى : " ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر " قال ابن عباس : الضر هاهنا : الجوع الذي نزل بأهل مكة حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " اللهم أعني على قريش بسنين كسني يوسف " ، فجاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فشكا إليه الضر وأنهم قد أكلوا القد والعظام ، فنزلت هذه الآية والتي بعدها ، وهو العذاب المذكور في قوله : " ولقد أخذناهم بالعذاب " .

قوله تعالى : " حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد " فيه ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه يوم بدر ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس . [ ص: 486 ]

والثاني : أنه الجوع الذي أصابهم ، قاله مقاتل .

والثالث : باب من عذاب جهنم في الآخرة ، حكاه الماوردي .

قوله تعالى : " إذا هم فيه مبلسون " وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ، وأبو المتوكل ، وأبو نهيك ، ومعاذ القارئ : ( مبلسون ) بفتح اللام . وقد شرحنا معنى المبلس في ( الأنعام : 45 ) .
وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون بل قالوا مثل ما قال الأولون قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون .

قوله تعالى : " قليلا ما تشكرون " قال المفسرون : يريد : أنهم لا يشكرون أصلا .

قوله تعالى : " ذرأكم في الأرض " ; أي : خلقكم من الأرض .

قوله تعالى : " وله اختلاف الليل والنهار " ; أي : هو الذي جعلهما مختلفين يتعاقبان ويختلفان في السواد والبياض . " أفلا تعقلون " ما ترون من صنعه ؟ وما بعد هذا ظاهر إلى قوله : " قل لمن الأرض " ; أي : قل لأهل مكة المكذبين بالبعث : لمن الأرض ، " ومن فيها " من الخلق ، " إن كنتم تعلمون " بحالها ، " سيقولون لله " قرأ أبو عمرو : ( لله ) بغير ألف هاهنا وفي اللذين بعدها بألف . وقرأ الباقون : ( لله ) في المواضع الثلاثة . وقراءة أبي عمرو على القياس . قال الزجاج : ومن قرأ : ( سيقولون الله ) فهو جواب السؤال ، ومن قرأ : ( لله ) فجيد أيضا ; لأنك [ ص: 487 ] إذا قلت : من صاحب هذه الدار ؟ فقيل : لزيد ، جاز ; لأن معنى ( من صاحب هذه الدار ؟ ) : لمن هي . وقال أبو علي الفارسي : من قرأ : ( لله ) في الموضعين الآخرين ، فقد أجاب على المعنى دون ما يقتضيه اللفظ . وقرأ سعيد بن جبير ، وأبو المتوكل ، وأبو الجوزاء : ( سيقولون الله ) ( الله ) ( الله ) بألف فيهن كلهن . قال أبو علي الأهوازي : وهو في مصاحف أهل البصرة بألف فيهن .
قوله تعالى : " قل أفلا تذكرون " فتعلمون أن من قدر على خلق ذلك ابتداء ، أقدر على إحياء الأموات .
قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون .

قوله تعالى : " أفلا تتقون " فيه قولان :

أحدهما : تتقون عبادة غيره . والثاني : تخشون عذابه . فأما الملكوت فقد شرحناه في ( الأنعام : 75 ) .

قوله تعالى : " وهو يجير ولا يجار عليه " ; أي : يمنع [ من ] السوء من شاء ، ولا يمنع منه من أراده بسوء ، يقال : أجرت فلانا ; أي : حميته ، وأجرت عليه ; أي : حميت عنه .
قوله تعالى : " فأنى تسحرون " قال ابن قتيبة : أنى تخدعون وتصرفون عن هذا ؟
بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا [ ص: 488 ] بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون .

قوله تعالى : " بل أتيناهم بالحق " ; أي : بالتوحيد والقرآن ، " وإنهم لكاذبون " فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك ، ثم نفاهما عنه بما بعد هذا إلى قوله : " إذا لذهب كل إله بما خلق " ; أي : لانفرد بخلقه ولم يرض أن يضاف خلقه وإنعامه إلى غيره ، ولمنع الإله الآخر عن الاستيلاء على ما خلق ، " ولعلا بعضهم على بعض " ; أي : غلب بعضهم بعضا .

قوله تعالى : " عالم الغيب " قرأ ابن كثير وأبو [ عمرو ، وابن ] عامر ، وحفص عن عاصم : ( عالم ) بالخفض . وقرأ نافع ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم : ( عالم ) بالرفع . قال الأخفش : الجر أجود ; ليكون الكلام من وجه واحد ، والرفع على أن يكون خبر ابتداء محذوف ، ويقويه أن الكلام الأول قد انقطع .
قل رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون .

قوله تعالى : " إما تريني " وقرأ أبو عمران الجوني والضحاك : ( ترئني ) بالهمز بين الراء والنون من غير ياء والمعنى : إن أريتني ما يوعدون من القتل والعذاب ، فاجعلني خارجا عنهم ولا تهلكني بهلاكهم ، فأراه الله تعالى ما وعدهم ببدر وغيرها ، ونجاه ومن معه .

قوله تعالى : " ادفع بالتي هي أحسن السيئة " فيه أربعة أقوال : [ ص: 489 ]

أحدها : ادفع إساءة المسيء بالصفح ، قاله الحسن .

والثاني : ادفع الفحش بالسلام ، قاله عطاء والضحاك .

والثالث : ادفع الشرك بالتوحيد ، قاله ابن السائب .

والرابع : ادفع المنكر بالموعظة ، حكاه الماوردي . وذكر بعض المفسرين أن هذا منسوخ بآية السيف .

قوله تعالى : " نحن أعلم بما يصفون " ; أي : بما يقولون من الشرك والتكذيب ، والمعنى : إنا نجازيهم على ذلك . " وقل رب أعوذ " ; أي : ألجأ وأمتنع ، " بك من همزات الشياطين " قال ابن قتيبة : هو نخسها وطعنها ، ومنه قيل للعائب : همزة ، كأنه يطعن وينخس إذا عاب . وقال ابن فارس : الهمز كالعصر ، يقال : همزت الشيء في كفي ، ومنه الهمز في الكلام ; لأنه كأنه يضغط الحرف . وقال غيره : الهمز في اللغة : الدفع ، وهمزات الشياطين : دفعهم بالإغواء إلى المعاصي .

قوله تعالى : " أن يحضرون " ; أي : أن يشهدون ، والمعنى : أن يصيبوني بسوء ; لأن الشيطان لا يحضر ابن آدم إلا بسوء . ثم أخبر أن هؤلاء الكفار المنكرين للبعث يسألون الرجعة إلى الدنيا عند الموت بالآية التي تلي هذه ، وقيل : هذا السؤال منهم للملائكة الذين يقبضون أرواحهم .
فإن قيل : كيف قال : " ارجعون " وهو يريد : ارجعني ؟
فالجواب : أن هذا اللفظ تعرفه العرب للعظيم الشأن ، وذلك أنه يخبر عن نفسه [ فيه ] بما تخبر به الجماعة ، كقوله : إنا نحن نحيي ونميت [ ق : 43 ] ، فجاء خطابه كإخباره عن نفسه ، هذا قول الزجاج . [ ص: 490 ]
حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون .

قوله تعالى : " لعلي أعمل صالحا فيما تركت " قال ابن عباس : فيما مضى من عمري . وقال مقاتل : فيما تركت من العمل الصالح .

قوله تعالى : " كلا " ; أي : لا يرجع إلى الدنيا ، " إنها " يعني : مسألته الرجعة ، " كلمة هو قائلها " ; أي : هو كلام لا فائدة له فيه . " ومن ورائهم " ; أي : أمامهم وبين أيديهم ، " برزخ " قال ابن قتيبة : البرزخ : ما بين الدنيا والآخرة ، وكل شيء بين شيئين فهو برزخ . وقال الزجاج : البرزخ في اللغة : الحاجز ، وهو هاهنا ما بين موت الميت وبعثه .

قوله تعالى : " فإذا نفخ في الصور " في هذه النفخة قولان :

أحدهما : أنها النفخة الأولى ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس .

والثاني : أنها الثانية ، رواه عطاء عن ابن عباس .

قوله تعالى : " فلا أنساب بينهم " في الكلام محذوف ، تقديره : لا أنساب بينهم يومئذ يتفاخرون بها أو يتقاطعون بها ; لأن الأنساب لا تنقطع يومئذ ، إنما يرفع التواصل والتفاخر بها .

وفي قوله : " ولا يتساءلون " ثلاثة أقوال : [ ص: 491 ]

أحدها : لا يتساءلون بالأنساب أن يترك بعضهم لبعض حقه .

والثاني : لا يسأل بعضهم بعضا عن شأنه لاشتغال كل واحد بنفسه .

والثالث : لا يسأل بعضهم بعضا من أي قبيل أنت ، كما تفعل العرب لتعرف النسب فتعرف قدر الرجل . وما بعد هذا قد سبق تفسيره [ الأعراف : 8 ] إلى قوله : " تلفح وجوههم النار " قال الزجاج : تلفح وتنفح بمعنى واحد ، إلا أن اللفح أعظم تأثيرا . والكالح : الذي قد تشمرت شفته عن أسنانه ، نحو ما ترى [ من ] رءوس الغنم إذا برزت الأسنان وتشمرت الشفاه . وقال ابن مسعود : قد بدت أسنانهم وتقلصت شفاههم كالرأس المشيط بالنار . وروى أبو عبد الله الحاكم في " صحيحه " من حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية : " تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه ، وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته " .
ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون قال اخسئوا فيها ولا تكلمون إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا [ ص: 492 ] وارحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون .

قوله تعالى : " ألم تكن " المعنى : ويقال لهم : ألم تكن ، " آياتي تتلى عليكم " ، يعني : القرآن . " قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا " قرأ ابن كثير ، وعاصم ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر : ( شقوتنا ) بكسر الشين من غير ألف . وقرأ عمرو بن العاص ، وأبو رزين العقيلي ، وأبو رجاء العطاردي كذلك ، إلا أنه بفتح الشين . وقرأ ابن مسعود ، وابن عباس ، وأبو عبد الرحمن السلمي ، والحسن ، والأعمش ، وحمزة ، والكسائي : ( شقاوتنا ) بألف مع فتح الشين والقاف . وعن الحسن وقتادة كذلك ، إلا أن الشين مكسورة . قال المفسرون : أقر القوم بأن ما كتب عليهم من الشقاء منعهم الهدى .

قوله تعالى : " ربنا أخرجنا منها " ; أي : من النار . قال ابن عباس : طلبوا الرجوع إلى الدنيا . " فإن عدنا " ; أي : إلى الكفر والمعاصي .

قوله تعالى : " اخسئوا " قال الزجاج : تباعدوا تباعد سخط ، يقال : خسأت الكلب أخسؤه : إذا زجرته ليتباعد .

قوله تعالى : " ولا تكلمون " ; أي : في رفع العذاب عنكم . قال عبد الله بن عمرو : إن أهل جهنم يدعون مالكا أربعين عاما فلا يجيبهم ، ثم يقول : إنكم ماكثون [ الزخرف : 77 ] ، ثم ينادون ربهم " ربنا أخرجنا منها " فيدعهم مثل عمر الدنيا ، ثم يقول : " إنكم ماكثون " ، ثم ينادون ربهم " ربنا أخرجنا منها " فيدعهم مثل عمر الدنيا ، ثم يرد عليهم " اخسئوا فيها ولا تكلمون " فما ينبس القوم بعد ذلك بكلمة ، إن كان إلا الزفير والشهيق . [ ص: 493 ]

ثم بين الذي لأجله أخسأهم بقوله : " إنه " . وقرأ ابن مسعود ، وأبو عمران الجوني ، وعاصم الجحدري : ( أنه ) بفتح الهمزة . " كان فريق من عبادي " قال ابن عباس : يريد : المهاجرين .

قوله تعالى : " فاتخذتموهم " قال الزجاج : الأجود إدغام الذال في التاء لقرب المخرجين ، وإن شئت أظهرت ; لأن الذال من كلمة والتاء من كلمة ، وبين الذال والتاء في المخرج شيء من التباعد .

قوله تعالى : " سخريا " قرأ نافع ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو حاتم عن يعقوب : ( سخريا ) بضم السين هاهنا وفي ( ص : 63 ) ، تابعهم المفضل في ( ص : 32 ) . وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وعاصم ، وابن عامر بكسر السين في السورتين . ولم يختلف في ضم السين في الحرف الذي في ( الزخرف : 32 ) . واختار الفراء الضم ، والزجاج الكسر . وهل هما بمعنى ؟ فيه قولان :

أحدهما : أنهما لغتان ومعناهما واحد ، قاله الخليل وسيبويه ، ومثله قول العرب : بحر لجي ولجي ، وكوكب دري ودري .

والثاني : أن الكسر بمعنى الهمز ، والضم بمعنى السخرة والاستعباد ، قاله أبو عبيدة ، وحكاه الفراء ، وهو مروي عن الحسن وقتادة .

قال أبو علي : قراءة من كسر أرجح من قراءة من ضم ; لأنه من الهزء ، والأكثر في الهزء كسر السين . قال مقاتل : كان رءوس كفار قريش ، كأبي جهل ، وعقبة ، [ والوليد ] ، قد اتخذوا فقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كعمار ، وبلال ، وخباب ، وصهيب ، سخريا يستهزئون بهم ويضحكون منهم . [ ص: 494 ]

قوله تعالى : " حتى أنسوكم ذكري " ; أي : أنساكم الاشتغال بالاستهزاء بهم ذكري ، فنسب الفعل إلى المؤمنين وإن لم يفعلوه ; لأنهم كانوا السبب في وجوده ، كقوله : إنهن أضللن كثيرا من الناس [ إبراهيم : 36 ] .

قوله تعالى : " إني جزيتهم اليوم بما صبروا " ; أي : على أذاكم واستهزائكم . " أنهم " قرأ ابن كثير ، ونافع ، وعاصم ، وأبو عمرو ، وابن عامر : ( أنهم ) بفتح الألف . وقرأ حمزة والكسائي : ( إنهم ) بكسرها . فمن فتح ( أنهم ) فالمعنى : جزيتهم بصبرهم الفوز ، ومن كسر ( إنهم ) استأنف .
قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين .

قوله تعالى : " قال كم لبثتم " قرأ نافع ، وعاصم ، وأبو عمرو ، وابن عامر : ( قال كم لبثتم ) ، وهذا سؤال الله تعالى للكافرين . وفي وقته قولان :

أحدهما : أنه يسألهم يوم البعث .

والثاني : بعد حصولهم في النار .

وقرأ ابن كثير ، وحمزة ، والكسائي : ( قل كم لبثتم ) وفيها قولان :

أحدهما : أنه خطاب لكل واحد منهم ، والمعنى : قل يا أيها الكافر .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 30-12-2022, 11:59 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,690
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ النُّورِ
الحلقة (405)
صــ 3 إلى صــ 10




[ ص: 495 ]

والثاني : أن المعنى : قولوا ، فأخرجه مخرج الأمر للواحد ، والمراد الجماعة ; لأن المعنى مفهوم . وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي يدغمون ثاء ( لبثتم ) ، والباقون لا يدغمونها . فمن أدغم فلتقارب مخرج الثاء والتاء ، ومن لم يدغم فلتباين المخرجين .

وفي المراد بالأرض قولان : أحدهما : أنها القبور . والثاني : الدنيا . فاحتقر القوم ما لبثوا لما عاينوا من الأهوال والعذاب ، فقالوا : " لبثنا يوما أو بعض يوم " قال الفراء : والمعنى : لا ندري كم لبثنا .

وفي المراد بالعادين قولان :

أحدهما : الملائكة ، قاله مجاهد .

والثاني : الحساب ، قاله قتادة . وقرأ الحسن ، والزهري ، وأبو عمران الجوني ، وابن يعمر : ( العادين ) بتخفيف الدال .

قوله تعالى : " قال إن لبثتم " قرأ ابن كثير ، ونافع ، وعاصم ، وأبو عمرو ، وابن عامر : ( قال إن لبثتم ) . وقرأ حمزة والكسائي : ( قل إن لبثتم ) على معنى : قل أيها السائل عن لبثهم . وزعموا أن في مصحف أهل الكوفة : ( قل ) في الموضعين ، فقرأهما حمزة والكسائي على ما في مصاحفهم ; أي : ما لبثتم في الأرض ، " إلا قليلا " ; لأن مكثهم في الأرض وإن طال ، فإنه متناه ، ومكثهم في النار لا يتناهى .

وفي قوله : " لو أنكم كنتم تعلمون " قولان :

أحدهما : لو علمتم قدر لبثكم في الأرض .

والثاني : لو علمتم أنكم إلى الله ترجعون فعملتم لذلك .

قوله تعالى : " أفحسبتم " ; أي : أفظننتم . " أنما خلقناكم عبثا " ; أي : [ ص: 496 ] للعبث . والعبث في اللغة : اللعب ، وقيل : هو الفعل لا لغرض صحيح . " وأنكم إلينا لا ترجعون " قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وعاصم : ( لا ترجعون ) بضم التاء . وقرأ حمزة والكسائي بفتحها . " فتعالى الله " عما يصفه به الجاهلون من الشرك والولد . " الملك " قال الخطابي : هو التام الملك الجامع لأصناف المملوكات . وأما المالك : فهو الخالص الملك . وقد ذكرنا معنى " الحق " في ( يونس : 32 ) .

قوله تعالى : " رب العرش الكريم " والكريم في صفة الجماد بمعنى : الحسن . وقرأ ابن محيصن : ( الكريم ) برفع الميم ، يعني : الله عز وجل .

قوله تعالى : " لا برهان له به " ; أي : لا حجة له به ولا دليل . وقال بعضهم : معناه : فلا برهان له به .

قوله تعالى : " فإنما حسابه عند ربه " ; أي : جزاؤه عند ربه .

تم - بعون الله تبارك وتعالى - الجزء الخامس من كتاب

" زاد المسير في علم التفسير " ويليه الجزء السادس

وأوله تفسير " سورة النور "
[ ص: 3 ] سُورَةُ النُّورِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ

وَهِيَ مَدَنيَّةٌ كُلُّهَا بِإِجْمَاعِهِمْ

رَوَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " لَا تُنْزِلُوهُنَّ الْغُرَفَ وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ الْكِتَابَةَ، وَعَلِّمُوهُنَّ الْمِغْزَلَ وَسُورَةَ النُّورِ " يَعْنِي: النِّسَاءَ .

[ ص: 4 ] قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: سُورَةٌ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ . وَقَرَأَ أَبُو رَزِينٍ الْعُقَيْلِيُّ، وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ ، وَمَحْبُوبٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو: " سُورَةً " بِالنَّصْبِ . قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مِنْ رَفَعَ، فَعَلَى الِابْتِدَاءِ . وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هَذَا قَبِيحٌ، لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ، وَ أَنْزَلْنَاهَا صِفَةٌ لَهَا، وَإِنَّمَا الرَّفْعُ عَلَى إِضْمَارِ: هَذِهِ سُورَةٌ، وَالنَّصْبُ عَلَى وَجْهَيْنِ،أَحَدُهُمَا عَلَى مَعْنَى: أَنْزَلْنَا سُورَةً، وَعَلَى مَعْنَى: اتْلُ سُورَةً .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَفَرَضْنَاهَا قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو بِالتَّشْدِيدِ، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَعِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالزُّهْرِيُّ وَنَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَابْنُ يَعْمُرٍ، وَالْأَعْمَشُ، وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ بِالتَّخْفِيفِ . قَالَ الزَّجَّاجُ: مَنْ قَرَأَ بِالتَّشْدِيدِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا عَلَى مَعْنَى التَّكْثِيرِ، أَيْ إِنَّنَا فَرَضْنَا فِيهَا فُرُوضًا، وَالثَّانِي: عَلَى مَعْنَى: بَيِّنًا وَفَصَّلْنَا مَا فِيهَا مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ; وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّخْفِيفِ، فَمَعْنَاهُ: أَلْزَمْنَاكُمُ الْعَمَلَ [ ص: 5 ] بِمَا فَرَضَ فِيهَا . وَقَالَ غَيْرُهُ: مِنْ شَدَّدَ، أَرَادَ: فَصَّلْنَا فَرَائِضَهَا، وَمَنْ خَفَّفَ، فَمَعْنَاهُ: فَرَضْنَا مَا فِيهَا .

قَوْلُهُ تَعَالَى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ بِالرَّفْعِ . وَقَرَأَ أَبُو رَزِينٍ الْعُقَيْلِيُّ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ، وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ ، وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ: " الزَّانِيَةَ " بِالنَّصْبِ . وَاخْتَارَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ الرَّفْعَ اخْتِيَارَ الْأَكْثَرِينَ . قَالَ الزَّجَّاجُ: وَالرَّفْعُ أَقْوَى فِي الْعَرَبِيَّةِ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ مَنْ زَنَى فَاجْلِدُوهُ، فَتَأْوِيلُهُ الِابْتِدَاءُ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى مَعْنَى: اجْلِدُوا الزَّانِيَةَ . فَأَمَّا الْجَلْدُ فَهُوَ ضَرْبُ الْجِلْدِ; يُقَالُ: جَلَدَهُ: إِذَا ضَرَبَ جِلْدَهُ، كَمَا يُقَالُ: بَطَّنَهُ: إِذَا ضَرَبَ بَطْنَهُ .

قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: وَمَعْنَى الْآيَةِ: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي إِذَا كَانَا حُرَّيْنِ بَالِغَيْنِ بِكْرَيْنِ، فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ .

فَصْلٌ

قَالَ شَيْخُنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: هَذِهِ الْآيَةُ تَقْتَضِي وُجُوبَ الْجَلْدِ عَلَى الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَقِّ الْبِكْرِ زِيَادَةٌ عَلَى الْجَلْدِ بِتَغْرِيبٍ عَامٍ، وَفِي حَقِّ الثَّيِّبِ زِيَادَةٌ عَلَى الْجَلْدِ بِالرَّجْمِ بِالْحِجَارَةِ . فَرَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ " . وَمِمَّنْ قَالَ بِوُجُوبِ النَّفْيِ فِي حَقِّ الْبِكْرِ [ ص: 6 ] أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلَيٌّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَمِمَّنْ بَعْدَهُمْ عَطَاءُ، وَطَاوُوسُ، وَسُفْيَانُ، وَمَالِكُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَمِمَّنْ قَالَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ فِي حَقِّ الثَّيِّبِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، قَالَ: وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَلْدِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: الْبِكْرُ، [ ص: 7 ] فَأَمَّا الثَّيِّبُ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَلْدُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الرَّجْمُ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكُ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ مِثْلُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَأْخُذْكُمْ وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَأَبُو رَزِينٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ يُعْمُرٍ، وَالْأَعْمَشُ: " يَأْخُذْكُمْ " بِالْيَاءِ، بِهِمَا رَأْفَةٌ قَرَأَ نَافِعُ، وَأَبُو عَمْرٍو ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمُ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ: " رَأْفَةٌ " بِإِسْكَانِ الْهَمْزَةِ . وَقَرَأَ أَبُو الْمُتَوَكِّلِ، وَمُجَاهِدُ، وَأَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، وَابْنُ كَثِيرٍ: بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَقَصْرِهَا عَلَى وَزْنِ رَعْفَةٍ . وَقَرَأَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ: " رَآفَةٌ " مِثْلَ سَآمَةٍ وَكَآبَةٍ .

وَفِي مَعْنَى الْكَلَامِ قَوْلَانِ .

أَحَدُهُمَا: لَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ، فَتُخَفِّفُوا الضَّرْبَ، وَلَكِنْ أَوْجِعُوهُمَا، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ .

وَالثَّانِي: لَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فَتُعَطِّلُوا الْحُدُودَ وَلَا تُقِيمُوهَا، قَالَهُ مُجَاهِدُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ فِي آخَرِينَ .

فَصْلٌ

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي شِدَّةِ الضَّرْبِ فِي الْحُدُودِ، فَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ضَرْبُ الزِّنَا أَشَدُّ مِنَ الْقَذْفِ، وَالْقَذْفُ أَشَدُّ مِنَ الشُّرْبِ، وَيُضْرَبُ الشَّارِبُ أَشَدَّ مِنْ ضَرْبِ التَّعْزِيرِ، وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: التَّعْزِيرُ أَشَدُّ الضَّرْبِ، وَضَرْبُ الزَّانِي أَشَدُّ مِنْ ضَرْبِ الشَّارِبِ، وَضَرْبُ الشَّارِبِ أَشَدُّ مِنْ ضَرْبِ الْقَذْفِ . وَقَالَ مَالِكُ: الضَّرْبُ فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا سَوَاءً غَيْرُ مُبَرِّحٍ .

[ ص: 8 ] فَصْلٌ

فَأَمَّا مَا يُضْرَبُ مِنَ الْأَعْضَاءِ، فَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ عَنْ أَحْمَدَ فِي جَلْدِ الزَّانِي، قَالَ: يُجَرَّدُ، وَيُعْطَى كُلُّ عُضْوٍ حَقُّهُ، وَلَا يُضْرَبُ وَجْهُهُ وَلَا رَأْسُهُ . وَنَقَلَ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ: لَا يُضْرَبُ الرَّأْسُ وَلَا الْوَجْهُ وَلَا الْمَذَاكِيرُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ . وَقَالَ مَالِكُ: لَا يُضْرَبُ إِلَّا فِي الظَّهْرِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُتَّقَى الْفَرْجُ وَالْوَجْهُ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: فِي دِينِ اللَّهِ فِيهِ قَوْلَانِ .

أَحَدُهُمَا: فِي حُكْمِهِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: فِي طَاعَةِ اللَّهِ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ الزَّجَاجُ: الْقِرَاءَةُ بِإِسْكَانِ اللَّامِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا . وَالْمُرَادُ بِعَذَابِهِمَا ضَرْبُهُمَا .

وَفِي الْمُرَادِ بِالطَّائِفَةِ هَاهُنَا خَمْسَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: الرَّجُلُ فَمَا فَوْقَهُ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدُ وَقَالَ النَّخَعِيُّ: الْوَاحِدُ طَائِفَةٌ .

وَالثَّانِي: الِاثْنَانِ فَصَاعِدًا، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءُ; وَعَنْ عِكْرِمَةَ كَالْقَوْلَيْنِ . قَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ عَلَى غَيْرِ مَا عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، لِأَنَّ الطَّائِفَةَ فِي مَعْنَى جَمَاعَةٍ، وَأَقَلُّ الْجَمَاعَةِ اثْنَانِ .

وَالثَّالِثُ: ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا قَالَهُ الزُّهْرِيُّ .

وَالرَّابِعُ: أَرْبَعَةٌ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ .

وَالْخَامِسُ: عَشْرَةٌ، قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ . [ ص: 9 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: كَانَتِ امْرَأَةٌ تُسَافِحُ، وَتَشْتَرِطُ لِلَّذِي يَتَزَوَّجُهَا أَنْ تَكْفِيَهُ النَّفَقَةَ فَأَرَادَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ يَتَزَوَّجَهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي بَغَايَا، كُنَّ بِمَكَّةَ، وَمِنْهُنَّ تِسْعٌ صَوَاحِبُ رَايَاتٍ، وَكَانَتْ بُيُوتُهُنَّ تُسَمَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ: الْمَوَاخِيرُ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ إِلَّا زَانٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، أَوْ مُشْرِكٌ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ، فَأَرَادَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نِكَاحَهُنَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ .

قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: وَمَعْنَى الْآيَةِ: الزَّانِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَتَزَوَّجُ مِنْ أُولَئِكَ الْبَغَايَا إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً لِأَنَّهُنَّ كَذَلِكَ كُنَّ وَالزَّانِيَةُ مِنْهُنَّ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ، وَمَذْهَبُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ إِذَا زَنَى بِامْرَأَةٍ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِلَّا بَعْدَ التَّوْبَةِ مِنْهُمَا .

[ ص: 10 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: وَحُرِّمَ ذَلِكَ وَقَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَبُو الْمُتَوَكِّلِ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ: " وَحَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ " بِزِيَادَةِ اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَعَ فَتْحِ حُرُوفِ " حَرَّمَ " .

وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: " وَحَرُمَ ذَلِكَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ مُخَفَّفَةً . ثُمَّ فِيهِ قَوْلَانِ .

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نِكَاحُ الزَّوَانِي; قَالَهُ مُقَاتِلُ . وَالثَّانِي: الزِّنَا، قَالَهُ الْفَرَّاءُ .
والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم

قوله تعالى: والذين يرمون المحصنات شرائط الإحصان في الزنا الموجب للرجم عندنا أربعة: البلوغ، والحرية، والعقل، والوطء في نكاح صحيح . فأما الإسلام، فليس بشرط في الإحصان، خلافا لأبي حنيفة، ومالك . وأما شرائط إحصان القذف فأربع: الحرية، والإسلام، والعفة، وأن يكون المقذوف ممن يجامع مثله . ومعنى الآية: يرمون المحصنات بالزنا، فاكتفى بذكره المتقدم عن إعادته . ثم لم يأتوا على ما رموهن به بأربعة شهداء عدول يشهدون أنهم رأوهن يفعلن ذلك فاجلدوهم يعني القاذفين .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 30-12-2022, 12:02 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,690
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ النُّورِ
الحلقة (406)
صــ 11 إلى صــ 20




فصل

وقد أفادت هذه الآية أن على القاذف إذا لم يقم البينة الحد ورد الشهادة وثبوت الفسق . واختلفوا هل يحكم بفسقه ورد شهادته بنفس القذف، أم بالحد؟ فعلى قول أصحابنا: إنه يحكم بفسقه ورد شهادته إذا لم يقم البينة، وهو قول [ ص: 11 ] الشافعي . وقال أبو حنيفة، ومالك: لا يحكم بفسقه، وتقبل شهادته ما لم يقم الحد عليه .

فصل

والتعريض بالقذف- كقوله لمن يخاصمه: ما أنت بزان، ولا أمك زانية- يوجب الحد في المشهور من مذهبنا . وقال أبو حنيفة: لا يوجب الحد . وحد العبد في القذف نصف حد الحر، وهو أربعون، قاله الجماعة، إلا الأوزاعي فإنه قال: ثمانون . فأما قاذف المجنون، فقال الجماعة: لا يحد . وقال الليث: يحد .

فأما الصبي، فإن كان مثله يجامع أو كانت صبية مثلها يجامع، فعلى القاذف الحد .

وقال مالك: يحد قاذف الصبية التي يجامع مثلها، ويحد قاذف الصبي .

وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا يحد قاذفهما . فإن قذف رجل جماعة بكلمة واحدة، فعليه حد واحد، وإن أفرد كل واحد بكلمة، فعليه لكل واحد حد، وهو قول الشعبي، وابن أبي ليلى; وقال أبو حنيفة وأصحابه: عليه حد واحد، سواء قذفهم بكلمة أو بكلمات .

فصل

وحد القذف حق لآدمي، يصح أن يبرأ منه، ويعفى عنه . وقال أبو حنيفة: هو حق لله . وعندنا [أنه] لا يستوفى إلا بمطالبة المقذوف، وهو قول الأكثرين . وقال ابن أبي ليلى: يحده الإمام وإن لم يطالب المقذوف .

[ ص: 12 ] قوله تعالى: إلا الذين تابوا أي: من القذف وأصلحوا قال ابن عباس: أظهروا التوبة; وقال غيره: لم يعودوا إلى قذف المحصنات .

وفي هذا الاستثناء قولان .

أحدهما أنه نسخ حد القذف وإسقاط الشهادة معا، وهذا قول عكرمة، والشعبي، وطاووس، ومجاهد، والقاسم بن محمد، والزهري، والشافعي، وأحمد .
والثاني: أنه يعود إلى الفسق فقط، وأما الشهادة، فلا تقبل أبدا، قاله الحسن، وشريح، وإبراهيم، وقتادة . فعلى هذا القول انقطع الكلام عند قوله: " أبدا " ; وعلى القول الأول وقع الاستثناء على جميع الكلام، وهذا أصح، لأن المتكلم بالفاحشة لا يكون أعظم جرما من راكبها، فإذا قبلت شهادة المقذوف بعد ثبوته، فالرامي أيسر جرما، وليس القاذف بأشد جرما من الكافر، فإنه إذا أسلم قبلت شهادته .
والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين . [ ص: 13 ] والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم

قوله تعالى: والذين يرمون أزواجهم سبب نزولها أن هلال بن أمية وجد عند أهله رجلا، فرأى بعينه وسمع بأذنه، فلم يهجه حتى أصبح، فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله إني جئت أهلي، فوجدت عندها رجلا، فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به، واشتد عليه، فقال سعد بن عبادة: الآن يضرب رسول الله هلالا ويبطل شهادته، فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجا، فوالله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه [إذ] نزل عليه الوحي، فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس . وفي حديث آخر أن الرجل الذي قذفها به شريك بن سحماء وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهلال حين قذفها: " ائتني بأربعة شهداء، وإلا فحد في ظهرك " ، فنزلت هذه الآية، فنسخ حكم الجلد في حق الزوج القاذف .

[ ص: 14 ] فصل

في بيان حكم الآية

إذا قذف الرجل زوجته بالزنا، لزمه الحد، وله التخلص منه بإقامة البينة، أو باللعان، فإن أقام البينة لزمها الحد، وإن لاعنها، فقد حقق عليها الزنا، ولها التخلص منه باللعان; فإن نكل الزوج عن اللعان، فعليه حد القذف، وإن نكلت الزوجة، لم تحد، وحبست حتى تلاعن أو تقر بالزنا في إحدى الروايتين، وفي الأخرى: يخلى سبيلها . وقال أبو حنيفة: لا يحد واحد منهما، ويحبس حتى يلاعن . وقال مالك، والشافعي: يجب الحد على الناكل منهما .

فصل

ولا تصح الملاعنة إلا بحضرة الحاكم . فإن كانت المرأة خفرة، بعث الحاكم من يلاعن بينهما . وصفة اللعان أن يبدأ الزوج فيقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا، أربع مرات، ثم يقول في الخامسة: ولعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم تقول الزوجة أربع مرات: أشهد بالله لقد كذب فيما رماني به من الزنا، ثم تقول: وغضب الله عليها إن كان من الصادقين . والسنة أن يتلاعنا قياما، ويقال للزوج إذا بلغ اللعنة: اتق الله فإنها الموجبة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وكذلك يقال للزوجة إذا بلغت إلى الغضب . فإن كان بينهما ولد، اقتصر نفيه عن الأب إلى ذكره في اللعان، فيزيد في الشهادة: وما هذا الولد ولدي وتزيد هي: وإن هذا الولد ولده .

[ ص: 15 ] فصل

واختلف الفقهاء في الزوجين اللذين يجري بينهما اللعان، فالمشهور عن أحمد أن كل زوج صح قذفه صح لعانه، فيدخل تحت هذا المسلم والكافر والحر والعبد، وكذلك المرأة، وهذا قول مالك، والشافعي . وقال أبو حنيفة: لا يجوز اللعان بين الحر والأمة، ولا بين العبد والحرة، ولا بين الذميين، أو إذا كان أحدهما ذميا; ونقل حرب عن أحمد نحو هذا، والمذهب هو الأول . ولا تختلف الرواية عن أحمد أن فرقة اللعان لا تقع بلعان الزوج وحده . واختلف هل تقع بلعانهما من غير فرقة الحاكم على روايتين . وتحريم اللعان مؤبد، فإن أكذب الملاعن نفسه لم تحل له زوجته أيضا، وبه قال عمر، وعلي وابن مسعود; وعن أحمد روايتان، أصحهما: هذا، والثانية: يجتمعان بعد التكذيب، وهو قول أبي حنيفة .

قوله تعالى: ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم وقرأ أبو المتوكل . وابن يعمر، والنخعي: " تكن " بالتاء .

قوله تعالى: فشهادة أحدهم أربع شهادات قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: " أربع " بفتح العين . وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: برفع العين . قال الزجاج: من رفع " أربع " ، فالمعنى: فشهادة أحدهم التي تدرأ حد القذف أربع; ومن نصب فالمعنى: فعليهم أن يشهد أحدهم أربعا .

قوله تعالى: والخامسة قرأ حفص عن عاصم: " والخامسة " نصبا، حملا على نصب " أربع شهادات " .

قوله تعالى: أن لعنت الله عليه قرأ نافع، ويعقوب، والمفضل: " أن [ ص: 16 ] لعنة الله " و " أن غضب الله " بتخفيف النون فيهما وسكونهما ورفع الهاء من " لعنة " والباء من " غضب " ، إلا أن نافعا كسر الضاد من " غضب " وفتح الباء .

قوله تعالى: ويدرأ عنها أي: ويدفع عنها العذاب وفيه ثلاثة أقوال .
أحدها: [أنه] الحد . والثاني: الحبس ذكرهما ابن جرير . والثالث العار .
قوله تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته أي: ستره ونعمته . قال الزجاج: وجواب " لولا " هاهنا متروك; والمعنى: لولا ذلك لنال الكاذب منكم عذاب عظيم . وقال غيره: لولا فضل الله لبين الكاذب من الزوجين فأقيم عليه الحد، وأن الله تواب يعود على من رجع عن المعاصي بالرحمة حكيم فيما فرض من الحدود .
إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم . لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون . ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم [ ص: 17 ] ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم . ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين . ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون . ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم

قوله تعالى: إن الذين جاءوا بالإفك أجمع المفسرون; أن هذه الآية وما يتعلق بها بعدها نزلت في قصة عائشة . وفي حديث الإفك أن هذه الآية إلى عشر آيات نزلت في قصة عائشة . وقد ذكرنا حديث الإفك في كتاب " الحدائق " وفي كتاب " المغني في التفسير " فلم نطل بذكره، لأن غرضنا اختصار هذا الكتاب ليحفظ . فأما الإفك، فهو الكذب، والعصبة: الجماعة .

[ ص: 18 ] ومعنى قوله: منكم أي: من المؤمنين . وروى عروة عن عائشة أنها قالت هم أربعة: حسان بن ثابت، وعبد الله بن أبي [بن سلول]، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، وكذلك عدهم مقاتل .

قوله تعالى: لا تحسبوه شرا لكم قال المفسرون: هذا خطاب لعائشة وصفوان بن المعطل، وقيل: لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعائشة; والمعنى: إنكم تؤجرون فيه، لكل امرئ منهم يعني: من العصبة الكاذبة ما اكتسب من الإثم أي: جزاء ما اجترح من الذنب على قدر خوضه فيه، والذي تولى كبره منهم وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، وعكرمة، ومجاهد، وابن أبي عبلة ، والحسن، ومحبوب عن أبي عمرو، ويعقوب: " كبره " بضم [ ص: 19 ] الكاف . قال الكسائي: وهما لغتان . وقال ابن قتيبة : كبر الشيء: معظمه، ومنه هذه الآية . قال قيس بن الخطيم يذكر امرأة:

تنام عن كبر شأنها فإذا قامت رويدا تكاد تنعرف

وفي المتولي لذلك قولان .

أحدهما: أنه عبد الله بن أبي، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وعروة عن عائشة، وبه قال مجاهد، والسدي، ومقاتل . قال المفسرون: هو الذي أشاع الحديث، فله عذاب عظيم بالنار . وقال الضحاك هو الذي بدأ بذلك .

والثاني: أنه حسان; روى الشعبي أن عائشة قالت: ما سمعت أحسن من شعر حسان، وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة; فقيل: يا أم المؤمنين، أليس الله يقول: والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم فقالت: أليس قد ذهب بصره؟ وروى عنها مسروق أنها قالت: وأي عذاب أشد من العمى، ولعل الله أن يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره، تعني حسان بن ثابت .

[ ص: 20 ] ثم إن الله عز وجل أنكر على الخائضين في الإفك بقوله: لولا إذ سمعتموه أي: هلا إذ سمعتم أيتها العصبة الكاذبة قذف عائشة ظن المؤمنون من العصبة الكاذبة، وهم حسان ومسطح والمؤمنات وهي: حمنة بنت جحش بأنفسهم وفيها ثلاثة أقوال .

أحدها: بأمهاتهم . والثاني: بأخواتهم . والثالث: بأهل دينهم، لأن المؤمنين كنفس واحدة، وقالوا هذا إفك مبين أي: كذب بين . وجاء في التفسير أن أبا أيوب الأنصاري قالت له أمه: ألا تسمع ما يقول الناس في أمر عائشة؟! فقال: هذا إفك مبين، أكنت يا أماه فاعلته؟ قالت: معاذ الله، قال: فعائشة والله خير منك; فنزلت هذه الآية .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 30-12-2022, 12:04 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,690
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ النُّورِ
الحلقة (407)
صــ 21 إلى صــ 30




قوله تعالى: لولا جاءوا أي: هلا جاءت العصبة الكاذبة على قذفهم [عائشة] بأربعة شهداء وقرأ الضحاك، وعاصم الجحدري: " بأربعة " منونة; والمعنى: يشهدون بأنهم عاينوا ما رموها به فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله أي: في حكمه هم الكاذبون . ثم ذكر القاذفين فقال: ولولا فضل الله عليكم ورحمته أي: لولا ما من [الله] به عليكم، لمسكم أي: لأصابكم في ما أفضتم أي: أخذتم وخضتم فيه من الكذب والقذف [ ص: 21 ] عذاب عظيم في الدنيا والآخرة . ثم ذكر الوقت الذي لولا فضله لأصابهم فيه العذاب فقال: إذ تلقونه وكان الرجل منهم يلقى الرجل فيقول: بلغني كذا، فيتلقاه بعضهم من بعض . وقرأ عمر بن الخطاب: " إذ تلقونه " بتاء واحدة خفيفة مرفوعة وإسكان اللام وقاف منقوطة بنقطتين مرفوعة خفيفة; وقرأ معاوية، وابن السميفع مثله، إلا أنهما فتحا التاء والقاف . وقرأ ابن مسعود: " تتلقونه " بتاءين مفتوحتين مع نصب اللام وتشديد القاف . وقرأ أبي بن كعب، وعائشة، ومجاهد، وأبو حيوة: " تلقونه " بتاء واحدة خفيفة مفتوحة وكسر اللام ورفع القاف . وقال الزجاج: " تلقونه " : يلقيه بعضكم إلى بعض وتلقونه; ومعناه: إذ تسرعون بالكذب، يقال: ولق يلق: إذا أسرع في الكذب وغيره، قال الشاعر:


جاءت به عنس من الشام تلق


أي: تسرع . وقال ابن قتيبة: " تلقونه " أي: تقبلونه، ومن قرأ: " تلقونه " أخذه من الولق، وهو الكذب .

قوله تعالى: وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم أي: من غير أن تعلموا أنه حق وتحسبونه يعني: ذلك القذف هينا أي: سهلا لا إثم [ ص: 22 ] فيه وهو عند الله عظيم في الوزر . ثم زاد عليهم في الإنكار فقال: ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أي: ما يحل وما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا سبحانك وهو يحتمل التنزيه والتعجب . وروت عائشة أن امرأة أبي أيوب الأنصاري قالت له: ألم تسمع ما يتحدث الناس؟! فقال: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ... الآية، فنزلت الآية . وقد روينا آنفا أن أمه ذكرت له ذلك، فنزلت الآية المتقدمة . وروي عن سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ لما سمع ذلك قال: سبحانك هذا بهتان عظيم، فقيل للناس: هلا قلتم كما قال سعد؟!

قوله تعالى: يعظكم الله أي: ينهاكم الله أن تعودوا لمثله أي: إلى مثله إن كنتم مؤمنين لأن من شرط الإيمان ترك قذف المحصنة . ويبين الله لكم الآيات في الأمر والنهى .

ثم هدد القاذفين بقوله: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة أي يحبون أن يفشو القذف بالفاحشة، وهي الزنا في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا يعني: الجلد والآخرة عذاب النار . وروت عمرة عن عائشة قالت: لما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة، فضربوا حدهم . وروى أبو صالح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلد عبد الله بن أبي، ومسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، فأما الثلاثة فتابوا، وأما عبد الله فمات منافقا، وبعض العلماء ينكر صحة هذا، ويقول: لم يضرب أحدا .
[ ص: 23 ] قوله تعالى: والله يعلم شر ما خضتم فيه وما يتضمن من سخط الله وأنتم لا تعلمون ذلك، ولولا فضل الله عليكم جوابه محذوف، تقديره: لعاقبكم فيما قلتم لعائشة . قال ابن عباس: يريد: مسطحا، وحسان، وحمنة .
يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم

قوله تعالى: لا تتبعوا خطوات الشيطان أي: تزيينه لكم قذف عائشة . وقد سبق شرح " خطوات الشيطان " وبيان " الفحشاء والمنكر " [البقرة:168، 169] .

قوله تعالى: ما زكا منكم وقرأ الحسن، ومجاهد، وقتادة: " ما زكى " بتشديد الكاف .

وفيمن خوطب بهذا قولان .

أحدهما : أنه عام في الخلق . والثاني: أنه خاص للمتكلمين في الإفك .

ثم في معناه أربعة أقوال .
أحدها: ما اهتدى، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس . والثاني: ما أسلم، قاله ابن زبد . والثالث: ما صلح، قاله مقاتل . والرابع: ما طهر، قاله ابن قتيبة .
قوله تعالى: ولكن الله يزكي من يشاء أي: يطهر من يشاء من [ ص: 24 ] الإثم بالتوبة والغفران; فالمعنى: وقد شئت أن أتوب عليكم، والله سميع عليم علم ما في نفوسكم من التوبة والندامة .
ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم

قوله تعالى: ولا يأتل وقرأ الحسن، وأبو العالية، وأبو جعفر، وابن أبي عبلة : " ولا يتأل " بهمزة مفتوحة بين التاء واللام وتشديد اللام على وزن يتعل . قال المفسرون: سبب نزولها أن أبا بكر الصديق كان ينفق على مسطح لقرابته وفقره، فلما خاض في أمر عائشة قال أبو بكر: والله لا أنفق عليه [شيئا] أبدا، فنزلت هذه الآية . فأما الفضل، فقال أبو عبيدة : هو التفضل، والسعة: الجدة . قال المفسرون: والمراد به: أبو بكر .
قوله تعالى: أن يؤتوا قال ابن قتيبة: معناه: أن لا يؤتوا، فحذف " لا " . فأما قوله: أولي القربى فإنه يعني مسطحا، وكان ابن خالة أبي بكر، وكان مسكينا، وكان مهاجرا . قال المفسرون: فلما سمع أبو بكر ألا تحبون أن يغفر الله لكم قال: بلى يا رب، وأعاد نفقته على مسطح .
إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم . يوم تشهد عليهم [ ص: 25 ] ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين

قوله تعالى: إن الذين يرمون المحصنات يعني: العفائف الغافلات عن الفواحش، لعنوا في الدنيا أي: عذبوا بالجلد وفي الآخرة بالنار .

واختلف العلماء فيمن نزلت هذه الآية على أربعة أقوال .

أحدها: أنها نزلت في عائشة خاصة . قال خصيف: سألت سعيد بن جبير عن هذه الآية، فقلت: من قذف محصنة لعنه الله؟ قال: لا، إنما أنزلت هذه الآية في عائشة خاصة .

والثاني: أنها في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، قاله الضحاك .

والثالث: أنها في المهاجرات . قال أبو حمزة الثمالي: بلغنا أن المرأة كانت إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة، قذفها المشركون من أهل مكة، وقالوا إنما خرجت تفجر، فنزلت هذه الآية .

والرابع: أنها عامة في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن، وبه قال قتادة، وابن زيد .

[ ص: 26 ] فإن قيل: لم اقتصر على ذكر المحصنات دون الرجال؟

فالجواب: [أن] من رمى مؤمنة فلا بد أن يرمي معها مؤمنا، فاستغني عن ذكر المؤمنين، ومثله: سرابيل تقيكم الحر [ النحل:81] أراد: والبرد، قاله الزجاج .

قوله تعالى: يوم تشهد عليهم ألسنتهم وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: " يشهد " بالياء; وهو إقرارها بما تكلموا به من الفرية . قال أبو سليمان الدمشقي: وهؤلاء غير الذين يختم على أفواههم . وقال ابن جرير: المعنى: أن ألسنة بعضهم تشهد على بعض .
قوله تعالى: يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق أي: حسابهم العدل، وقيل: جزاءهم الواجب . وقرأ مجاهد، وأبو الجوزاء، وحميد بن قيس، والأعمش: " دينهم الحق " برفع القاف ويعلمون أن الله هو الحق المبين قال ابن عباس: وذلك أن عبد الله بن أبي كان يشك في الدين، فإذا كانت القيامة علم حيث لا ينفعه .
الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم

قوله تعالى: الخبيثات للخبيثين فيه أربعة أقوال .

أحدها: الكلمات الخبيثات لا يتكلم بها إلا الخبيث من الرجال والنساء، والكلمات الطيبات لا يتكلم . بها إلا الطيبون من الرجال والنساء .

والثاني: الكلمات الخبيثات إنما تلصق بالخبيثين من الرجال والنساء، فأما الطيبات والطيبون، فلا يصلح أن يقال في حقهم إلا الطيبات .
[ ص: 27 ] والثالث: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال .
والرابع: الخبيثات من الأعمال للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من الأعمال، وكذلك الطيبات . أولئك يعني: عائشة وصفوان مبرءون أي منزهون مما يقولون من الفرية لهم مغفرة لذنوبهم ورزق كريم في الجنة .
يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون . فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون

قوله تعالى: لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم ذكر أهل التفسير أن سبب نزولها أن امرأة من الأنصار جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد، فلا يزال يدخل علي رجل من أهلي، فنزلت هذه الآية; فقال أبو بكر بعد نزولها: يا رسول الله، أفرأيت الخانات والمساكن التي ليس فيها ساكن، فنزل قوله: ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة . . الآية . ومعنى قوله: لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم [ ص: 28 ] أي: بيوتا ليست لكم . واختلف القراء في باء البيوت، فقرأ بعضهم بضمها، وبعضهم بكسرها . وقد بينا ذلك في (البقرة: 189 .

قوله تعالى: حتى تستأنسوا قال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: حتى تسلموا وتستأنسوا . قال الزجاج: و " تستأنسوا " في اللغة، بمعنى تستأذنوا، وكذلك هو في التفسير، والاستئذان: الاستعلام، تقول: آذنته بكذا، أي: أعلمته وآنست منه كذا، أي: علمت منه، ومثله: فإن آنستم منهم رشدا [النساء: 6] أي: علمتم . فمعنى الآية: حتى تستعلموا، يريد أهلها أن تدخلوا، أم لا قال المفسرون: وصفة الاستعلام أن تقول: السلام عليكم، أأدخل؟ ولا يجوز أن تدخل بيت غيرك إلا بالاستئذان، لهذه الآية، ذلكم خير لكم من أن تدخلوا بغير إذن لعلكم تذكرون أن الاستئذان خير فتأخذون به، قال عطاء: قلت لابن عباس: أستأذن على أمي وأختي ونحن في بيت واحد؟ قال: أيسرك أن ترى منهن عورة؟ قلت: لا، قال: فاستأذن .

قوله تعالى: فإن لم تجدوا فيها أحدا أي: إن وجدتموها خالية فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا أي: إن ردوكم فلا تقفوا على أبوابهم وتلازموها، هو أزكى لكم يعني: الرجوع خير لكم وأفضل والله بما تعملون من الدخول بإذن وغير إذن عليم

[ ص: 29 ] فصل

وهل هذه الآية منسوخة، أم لا؟ فيها قولان .

أحدهما: أن حكمها عام في جميع البيوت، ثم نسخت منها البيوت التي ليس لها أهل يستأذنون بقوله تعالى: ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة ، هذا مروي عن الحسن، وعكرمة .

والثاني: أن الآيتين محكمتان، فالاستئذان شرط في الأولى إذا كان للدار أهل، والثانية وردت في بيوت لا ساكن لها، والإذن لا يتصور من غير آذن، فإذا بطل الاستئذان، لم تكن البيوت الخالية داخلة في الأولى، وهذا أصح .

قوله تعالى: أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها خمسة أقوال .

أحدها: أنها الخانات والبيوت المبينة للسابلة ليأووا إليها، ويؤووا أمتعتهم قاله قتادة .

والثاني: أنها البيوت الخربة، والمتاع: قضاء الحاجة فيها من الغائط والبول، قاله عطاء .

والثالث: أنها بيوت مكة، قاله محمد بن الحنفية .
والرابع: حوانيت التجار التي بالأسواق، قاله ابن زيد .
والخامس: أنها جميع البيوت التي لا ساكن لها، لأن الاستئذان إنما جعل لأجل الساكن، قاله ابن جريج .
فيخرج في معنى " المتاع " ثلاثة أقوال .
[ ص: 30 ] أحدهما: الأمتعة التي تباع وتشترى . والثاني: إلقاء الأذى من الغائط والبول . والثالث: الانتفاع بالبيوت لاتقاء الحر والبرد .
قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون . وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون

قوله تعالى: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم في " من " قولان .

أحدهما: أنها صلة . والثاني: أنها أصل، لأنهم لم يؤمروا بالغض مطلقا، وإنما أمروا بالغض عما لا يحل .

وفي قوله: ويحفظوا فروجهم قولان . أحدهما: عما لا يحل لهم، قاله الجمهور . والثاني: عن أن ترى فهو أمر لهم بالاستتار، قاله أبو العالية وابن زيد .

قوله تعالى: ذلك إشارة إلى الغض وحفظ الفروج أزكى لهم أي: خير وأفضل إن الله خبير بما يصنعون في الأبصار والفروج . ثم أمر النساء بما أمر به الرجال .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 30-12-2022, 12:07 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,690
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ النُّورِ
الحلقة (408)
صــ 31 إلى صــ 40






[ ص: 31 ] قوله تعالى: ولا يبدين زينتهن أي: لا يظهرنها لغير محرم . وزينتهن على ضربين، خفية كالسوارين والقرطين والدملج والقلائد ونحو ذلك، وظاهرة وهي المشار إليها بقوله: إلا ما ظهر منها وفيه سبعة أقوال .

أحدهما: أنها الثياب، رواه أبو الأحوص عن ابن مسعود; وفي لفظ آخر قال: هو الرداء . والثاني: أنها الكف والخاتم والوجه . والثالث: الكحل والخاتم، رواهما سعيد بن جبير عن ابن عباس . والرابع: القلبان، وهما السواران والخاتم والكحل، قاله المسور بن مخرمة . والخامس: الكحل والخاتم والخضاب، قاله مجاهد . والسادس: الخاتم والسوار، قاله الحسن . والسابع: الوجه والكفان، قاله الضحاك . قال القاضي أبو يعلى: والقول الأول أشبه، وقد نص عليه أحمد، فقال: الزينة الظاهرة: الثياب، وكل شئ منها عورة حتى الظفر، ويفيد هذا تحريم النظر إلى شئ من الأجنبيات لغير عذر، فإن كان [ ص: 32 ] لعذر مثل أن يريد أن يتزوجها أو يشهد عليها، فإنه ينظر في الحالين إلى وجهها خاصة فأما النظر إليها لغير عذر فلا يجوز لا لشهوة ولا لغيرها، وسواء في ذلك الوجه والكفان وغيرهما من البدن .

فإن قيل: فلم لا تبطل الصلاة بكشف وجهها؟!

فالجواب: أن في تغطيته مشقة، فعفي عنه .

قوله تعالى: وليضربن بخمرهن وهي جمع خمار ، وهو ما تغطي به المرأة رأسها، والمعنى: وليلقين مقانعهن على جيوبهن ليسترن بذلك شعورهن وقرطهن وأعناقهن . وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، وإبراهيم النخعي، والأعمش: " على جيوبهن " بكسر الجيم، ولا يبدين زينتهن يعني: الخفية، وقد سبق بيانها إلا لبعولتهن قال ابن عباس: لا يضعن الجلباب والخمار إلا لأزواجه .

قوله تعالى: أو نسائهن يعني: المسلمات . قال أحمد: لا يحل للمسلمة أن تكشف رأسها عند نساء أهل الذمة، واليهودية والنصرانية لا تقبلان المسلمة .

[ ص: 33 ] قوله تعالى: أو ما ملكت أيمانهن قال أصحابنا: المراد به: الإماء دون العبيد . وقال أصحاب الشافعي: يدخل فيه العبيد، فيجوز للمرأة عندهم أن تظهر لمملوكها ما تظهر لمحارمها، لأن مذهب الشافعي أنه محرم لها، وعندنا أنه ليس بمحرم، ولا يجوز أن ينظر إلى غير وجهها وكفيها، وقد نص أحمد على أنه يجوز أن ينظر إلى شعر مولاته، قال القاضي أبو يعلى: وإنما ذكر الإماء في الآية، لأنه قد يظن الظان أنه لا يجوز أن تبدي زينتها للإماء، لأن الذين تقدم ذكرهم أحرار، فلما ذكر الإماء زال الإشكال .

قوله تعالى: أو التابعين وهم الذين يتبعون القوم ويكونون معهم لإرفاقهم إياهم، أو لأنهم نشؤوا فيهم .

وللمفسرين في هذا التابع ستة أقوال .

أحدها: أنه الأحمق الذي لا تشتهيه المرأة ولا يغار عليه الرجل، قاله قتادة، وكذلك قال مجاهد: هو الأبله الذي يريد الطعام ولا يريد النساء . والثاني: أنه العنين، قاله عكرمة . والثالث: المخنث كان يتبع الرجل يخدمه بطعامه، ولا يستطيع غشيان النساء ولا يشتهيهن، قاله الحسن . والرابع: أنه الشيخ [ ص: 34 ] الفاني، والخامس: أنه الخادم، قالهما ابن السائب . والسادس: أنه الذي لا يكترث بالنساء، إما لكبر أو لهرم أو لصغر، ذكره ابن المنادي من أصحابنا . قال الزجاج: " غير " صفة للتابعين . وفيه دليل على أن قوله: أو ما ملكت أيمانهن معناه: غير أولي الإربة من الرجال والمعنى: ولا يبدين زينتهن لمماليكهن، ولا لتباعهن، إلا أن يكونوا غير أولي الإربة، والإربة: الحاجة، ومعناه: غير ذوي الحاجات إلى النساء .
قوله تعالى: أو الطفل قال ابن قتيبة: يريد الأطفال، بدليل قوله: لم يظهروا على عورات النساء أي: لم يعرفوها .
قوله تعالى: ولا يضربن بأرجلهن أي: بإحدى الرجلين على الأخرى ليضرب الخلخال الخلخال فيعلم أن عليها خلخالين .
[ ص: 35 ] وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين

قوله تعالى: وأنكحوا الأيامى وهم الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء، يقال: رجل أيم وامرأة أيم، ورجل أرمل وامرأة أرملة، ورجل بكر وامرأة بكر: إذا لم يتزوجا وامرأة ثيب ورجل ثيب: إذا كانا قد تزوجا، والصالحين من عبادكم أي: من عبيدكم، يقال، عبد وعباد وعبيد، كما يقال: كلب وكلاب وكليب . وقرأ الحسن، ومعاذ القارئ: " من عبيدكم " .

[ ص: 36 ] قال المفسرون والمراد بالآية الندب . ومعنى الصلاح هاهنا: الإيمان . والمراد بالعباد: المملوكون، فالمعنى: زوجوا المؤمنين من عبيدكم وولائدكم . ثم رجع إلى الأحرار فقال: إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله فأخبرهم أن النكاح سبب لنفي الفقر .

قوله تعالى: وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا أي: وليطلب العفة عن الزنا والحرام من لا يجد ما ينكح به من صداق ونفقة . وقد روى ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يا معشر الشباب عليكم بالباءة فمن لم يجد فعليه بالصيام فإنه له وجاء " .

[ ص: 37 ] قوله تعالى: والذين يبتغون الكتاب أي: يطلبون المكاتبة من العبيد والإماء على أنفسهم، فكاتبوهم فيه قولان .

أحدهما: أنه مندوب إليه، قاله الجمهور .

والثاني: أنه واجب، قاله عطاء، وعمرو بن دينار . وذكر المفسرون: أنها نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى يقال له: صبيح، سأل مولاه الكتابة فأبى عليه، فنزلت هذه الآية، فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين دينارا .

قوله تعالى: إن علمتم فيهم خيرا فيه ستة أقوال .

أحدها: إن علمتم لهم مالا، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعطاء، والضحاك . والثاني: إن علمتم لهم حيلة، يعني: الكسب، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس . والثالث: إن علمتم فيهم دينا، قاله الحسن . والرابع: إن علمتم أنهم يريدون بذلك الخير، قاله سعيد بن جبير . والخامس: إن أقاموا الصلاة، قاله عبيدة السلماني . والسادس: إن علمتم لهم صدقا ووفاء قاله إبراهيم .

قوله تعالى : وآتوهم من مال الله الذي آتاكم فيه قولان .

أحدهما : أنه خطاب للأغنياء الذين تجب عليهم الزكاة ، أمروا أن يعطوا المكاتبين من سهم الرقاب ، روى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال : هو سهم الرقاب يعطى منه المكاتبون .

والثاني : أنه خطاب للسادة ، أمروا أن يعطوا مكاتبيهم من كتابتهم شيئا .

قال أحمد والشافعي : الإيتاء واجب ، وقدره أحمد بربع مال الكتابة . وقال الشافعي : ليس بمقدر . وقال أبو حنيفة ومالك : لا يجب الإيتاء . وقد روي عن عمر بن الخطاب [ ص: 38 ] أنه كاتب غلاما له يقال له : أبو أمية فجاءه بنجمه حين حل ; فقال : اذهب يا أبا أمية فاستعن به في مكاتبتك ، قال : يا أمير المؤمنين ، لو أخرته حتى يكون في آخر النجوم ؟ فقال : يا أبا أمية ، إني أخاف أن لا أدرك ذلك ، ثم قرأ : " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " ، قال عكرمة : وكان ذلك أول نجم أدي في الإسلام .

قوله تعالى: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء روى مسلم في " صحيحه " من حديث أبي سفيان عن جابر ، قال : كان عبد الله بن أبي يقول لجارية له : اذهبي فابغينا شيئا ، فنزلت هذه الآية . قال المفسرون : وكان له جاريتان ، معاذة ومسيكة ، فكان يكرههما على الزنا ، ويأخذ منهما الضريبة ، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية ، يؤاجرون إماءهم ، فلما جاء الإسلام قالت معاذة لمسيكة : إن هذا الأمر الذي نحن فيه إن كان خيرا فقد استكثرنا منه ، وإن كان شرا فقد آن لنا أن ندعه ، فنزلت هذه الآية . وزعم مقاتل أنها نزلت في ست جوار كن لعبد الله بن أبي : معاذة ، ومسيكة ، وأميمة ، وقتيلة ، وعمرة ، وأروى . فأما الفتيات ، فهن الإماء . والبغاء : الزنا . والتحصن : التعفف .

واختلفوا في معنى إن أردن تحصنا على أربعة أقوال .

أحدها : أن الكلام ورد على سبب ، وهو الذي ذكرناه ، فخرج النهي عن صفة السبب ، وإن لم يكن شرطا فيه .

[ ص: 39 ] والثاني : أنه إنما شرط إرادة التحصن ، لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة التحصن ، فأما إذا لم ترد المرأة التحصن ، فإنها تبغي بالطبع .

والثالث : أن " إن " بمعنى " إذ " ، ومثله : وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين [البقرة:278] وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين [آل عمران:139] .

والرابع : أن في الكلام تقديما وتأخيرا ، تقديره : " وأنكحوا الأيامى " إلى قوله : وإمائكم إن أردن تحصنا ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء لتبتغوا عرض الحياة الدنيا وهو كسبهن وبيع أولادهن ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور للمكرهات رحيم وقرأ ابن عباس ، وأبو عمران الجوني ، وجعفر بن محمد : " من بعد إكراههن لهن غفور رحيم " .
قوله تعالى: آيات مبينات قرأ ابن عامر ، وأهل الكوفة غير أبي بكر ، وأبان : " مبينات " بكسر الياء في الموضعين في هذه السورة [النور : 34 ، 46] ، وآخر سورة (الطلاق : 11)
قوله تعالى : ومثلا من الذين خلوا أي : شبها من حالهم بحالكم أيها المكذبون ، وهذا تخويف لهم أن يلحقهم ما لحق المكذبين قبلهم .
الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم

قوله تعالى : الله نور السماوات والأرض فيه قولان .

أحدهما : هادي أهل السماوات والأرض ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس ، [ ص: 40 ] وبه قال أنس بن مالك ، وبيان هذا أن النور في اللغة : الضياء ، وهو الذي تصل به الأبصار إلى مبصراتها ، فورد النور مضافا إلى الله تعالى ، لأنه هو الذي يهدي المؤمنين ويبين لهم ما يهتدون به ، والخلائق بنوره يهتدون .

والثاني : مدبر السماوات والأرض ، قاله مجاهد ، والزجاج . وقرأ أبي بن كعب ، وأبو المتوكل ، وابن السميفع : " الله نور " بفتح النون والواو وتشديدها ونصب الراء " السماوات " بالخفض " والأرض " بالنصب .

قوله تعالى: مثل نوره في هاء الكناية أربعة أقوال .

أحدها : أنها ترجع إلى الله عز وجل ، قال ابن عباس : مثل هداه في قلب المؤمن .

والثاني : أنها ترجع إلى المؤمن ، فتقديره : مثل نور المؤمن ، قاله أبي بن كعب . وكان أبي وابن مسعود يقرآن : " مثل نور من آمن به "

والثالث : أنها ترجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله كعب .

والرابع : أنها ترجع إلى القرآن قاله سفيان .

فأما المشكاة ، ففيها ثلاثة أقوال .

أحدها : أنها في موضع الفتيلة من القنديل الذي هو كالأنبوب ، والمصباح : الضوء ، قاله ابن عباس .

والثاني : أنها القنديل ، والمصباح : الفتيلة ، قاله مجاهد .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 30-12-2022, 12:14 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,690
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ النُّورِ
الحلقة (409)
صــ 41 إلى صــ 50






والثالث : أنها الكوة التي لا منفذ لها ، والمصباح : السراج ، قاله كعب ، وكذلك قال الفراء : المشكاة : الكوة التي ليست بنافذة . وقال ابن قتيبة : المشكاة: [ ص: 41 ] الكوة بلسان الحبشة . وقال الزجاج : هي من كلام العرب ، والمصباح السراج .

وإنما ذكر الزجاجة ، لأن النور في الزجاج أشد ضوءا منه في غيره . وقرأ أبو رجاء العطاردي ، وابن أبي عبلة : " في زجاجة الزجاجة " بفتح الزاي فيهما وقرأ معاذ القارئ ، وعاصم الجحدري ، وابن يعمر : بكسر الزاي فيهما . قال بعض أهل المعاني : معنى الآية : كمثل مصباح في مشكاة ، فهو من المقلوب .

فأما الدري ، فقرأ أبو عمرو ، والكسائي ، وأبان عن عاصم " دريء " بكسر الدال وتخفيف الياء ممدودا مهموزا . قال ابن قتيبة : المعنى على هذا : إنه من الكواكب الدراريء ، وهي اللاتي يدرأن عليك ، أي : يطلعن . وقال الزجاج : هو مأخوذ من درأ يدرأ : إذا اندفع منقضا فتضاعف نوره ، يقال : تدارأ الرجلان : إذا تدافعا . وروى المفضل عن عاصم كسر الدال وتشديد الياء من غير همز ولا مد ، وهي قراءة عبد الله بن عمر والزهري ، وقرأ ابن كثير ، ونافع ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم : " دري " بضم الدال وكسر الراء [ ص: 42 ] وتشديد الياء من غير مد ولا همز ، وقرأ عثمان بن عفان ، وابن عباس ، وعاصم الجحدري : " دريء " بفتح الدال وكسر الراء ممدودا مهموزا . وقرأ أبي بن كعب ، وسعيد بن المسيب ، وقتادة : بفتح الدال وتشديد الراء والياء من غير مد ولا همز . وقرأ ابن مسعود وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، وقتادة ، وابن يعمر : بفتح الدال وكسر الراء مهموزا مقصورا . قال الزجاج : الدري : منسوب إلى أنه كالدر في صفائه وحسنه . وقال الكسائي : الدري : الذي يشبه الدر ، والدري : جار ، والدري : يلتمع ، وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم والوليد بن عتبة عن ابن عامر : بضم الدال وتخفيف الياء مع إثبات الهمزة والمد ، قال الزجاج : فالنحويون أجمعون لا يعرفون الوجه في هذا ; وقال الفراء : ليس هذا بجائز في العربية ، لأنه ليس في الكلام " فعيل " إلا أعجمي ، مثل مريق ، وما أشبهه . وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي : المريق : العصفر ، أعجمي معرب ، وليس في كلامهم اسم على زنة فعيل . قال أبو علي : وقد حكى سيبويه عن أبي الخطاب : كوكب دريء : من الصفات ، ومن الأسماء : المريق : العصفر .

قوله تعالى: يوقد قرأ ابن كثير . وأبو عمرو : بالتاء المفتوحة وتشديد القاف ونصب الدال ، يريدان المصباح ، لأنه هو الذي يوقد . وقرأ نافع ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم : " يوقد " بالياء مضمومة مع ضم الدال ، يريدون المصباح أيضا . وقرأ حمزة والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم : " توقد " بضم التاء والدال ، يريدون الزجاجة ، قال الزجاج : والمقصود : مصباح الزجاجة ، فحذف المضاف .

قوله تعالى: من شجرة أي : من زيت شجرة ، فحذف المضاف ، يدلك على ذلك قوله : يكاد زيتها يضيء ; والمراد بالشجرة هاهنا : شجرة الزيتون، [ ص: 43 ] وبركتها من وجوه ، فإنها تجمع الأدم والدهن والوقود ، فيوقد بحطب الزيتون ويغسل برماده الإبريسم ، ويستخرج دهنه أسهل استخراج ، ويورق غصنه من أوله إلى آخره . وإنما خصت بالذكر هاهنا دون غيرها ، لأن دهنها أصفى وأضوأ .

قوله تعالى: لا شرقية ولا غربية فيه ثلاثة أقوال .

أحدها : أنها بين الشجر ، فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس ، قاله أبي بن كعب ، ورواه سعيد بن جبير عن ابن عباس .

والثاني : أنها في الصحراء لا يظلها جبل ولا كهف ، ولا يواريها شيء ، فهو أجود لزيتها ، رواه عكرمة عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد ، والزجاج . والثالث : أنها من شجر الجنة ، لا من شجر الدنيا ، قاله الحسن .

قوله تعالى: يكاد زيتها يضيء أي : يكاد من صفائه يضيء قبل أن تصيبه النار بأن يوقد به . نور على نور قال مجاهد : النار على الزيت . وقال ابن السائب : المصباح نور ، والزجاجة نور . وقال أبو سليمان الدمشقي : نور النار ، ونور الزيت ، ونور الزجاجة ، يهدي الله لنوره فيه أربعة أقوال .

[ ص: 44 ] أحدها : لنور القرآن . والثاني : لنور الإيمان . والثالث : لنور محمد صلى الله عليه وسلم . والرابع : لدينه الإسلام .
فصل
فأما وجه هذا المثل ، ففيه ثلاثة أقوال .
أحدها : أنه شبه نور محمد صلى الله عليه وسلم بالمصباح النير ; فالمشكاة جوف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمصباح النور الذي في قلبه ، والزجاجة قلبه ، فهو من شجرة مباركة ، وهو إبراهيم عليه السلام ، سماه شجرة مباركة ، لأن أكثر الأنبياء من صلبه لا شرقية ولا غربية لا يهودي ولا نصراني ، يكاد محمد صلى الله عليه وسلم يتبين للناس أنه نبي ولو لم يتكلم . وقال القرظي : المشكاة : إبراهيم ، والزجاجة : إسماعيل ، والمصباح : محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم . وقال الضحاك : شبه عبد المطلب بالمشكاة ، وعبد الله بالزجاجة ، ومحمدا صلى الله عليه وسلم بالمصباح .

والثاني : أنه شبه نور الإيمان في قلب المؤمن بالمصباح ، فالمشكاة : قلبه ، والمصباح : نور الإيمان فيه . وقيل : المشكاة : صدره ، والمصباح : القرآن والإيمان اللذان في [ ص: 45 ] صدره ، والزجاجة : قلبه ، فكأنه مما فيه من القرآن والإيمان كوكب مضيء توقد من شجرة ، وهي الإخلاص ، فمثل الإخلاص عنده كشجرة لا تصيبها الشمس ، فكذلك هذا المؤمن قد احترس من أن تصيبه الفتن ، فإن أعطي شكر ، وإن ابتلي صبر ، وإن قال صدق ، وإن حكم عدل ، فقلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم ، فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى كما يكاد هذا الزيت يضيء قبل أن تمسه النار ، فإذا مسته اشتد نوره ، فالمؤمن كلامه نور ، وعمله نور ، ومدخله نور ، ومخرجه نور ، ومصيره إلى نور يوم القيامة .
والثالث : أنه شبه القرآن بالمصباح يستضاء به ولا ينقص ، والزجاجة : قلب المؤمن ، والمشكاة : لسانه وفمه ، والشجرة المباركة : شجرة الوحي ، تكاد حجج القرآن تتضح وإن لم نقرأ . وقيل : تكاد حجج الله تضيء لمن فكر فيها وتدبرها ولو لم ينزل القرآن ، نور على نور أي : القرآن نور من الله لخلقه مع ما قد قام لهم من الدلائل والإعلام قبل نزول القرآن .
قوله تعالى: ويضرب الله الأمثال أي : ويبين الله الأشباه للناس ؛ تقريبا إلى الأفهام ، وتسهيلا لسبل الإدراك .
في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال . رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب
قوله تعالى: في بيوت قال الزجاج : " في " من صلة قوله : " كمشكاة " ، [ ص: 46 ] فالمعنى : كمشكاة في بيوت ; ويجوز أن تكون متصلة بقوله : يسبح له فيها فتكون فيها تكريرا على التوكيد ; والمعنى : يسبح لله رجال في بيوت .
فإن قيل : المشكاة إنما تكون في بيت واحد ، فكيف قال : في بيوت ؟
فعنه جوابان . أحدهما : أنه من الخطاب المتلون الذي يفتح بالتوحيد ويختم بالجمع ، كقوله : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء [الطلاق:1] .

والثاني : أنه راجع إلى كل واحد من البيوت ، فالمعنى : في كل بيت مشكاة . وللمفسرين في المراد بالبيوت ها هنا ثلاثة أقوال .
أحدها : أنها المساجد ، قاله ابن عباس ، والجمهور . والثاني : بيوت أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاله مجاهد . والثالث : بيت المقدس ، قاله الحسن .
فأما أذن فمعناه : أمر . وفي معنى أن ترفع قولان :
أحدهما : أن تعظم ، قاله الحسن ، والضحاك .
والثاني : أن تبنى ، قاله مجاهد ، وقتادة .


[ ص: 47 ] وفي قوله : ويذكر فيها اسمه قولان .

أحدهما : توحيده ، رواه أبو صالح عن ابن عباس . والثاني : يتلى فيها كتابه ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس .

قوله تعالى: يسبح قرأ ابن كثير ، وحفص عن عاصم ، ونافع ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي : " يسبح " بكسر الباء ; وقرأ ابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم : بفتحها . وقرأ معاذ القارئ ، وأبو حيوة : " تسبح " بتاء مرفوعة وكسر الباء ورفع الحاء .

وفي قوله : يسبح له فيها قولان .

أحدهما : أنه الصلاة . ثم في صلاة الغدو قولان . أحدهما : أنها صلاة الفجر ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس . والثاني : صلاة الضحى ، روى ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال : إن صلاة الضحى لفي كتاب الله ، وما يغوص عليها إلا غواص ، ثم قرأ " يسبح له فيها بالغدو والآصال " . وفي صلاة الآصال قولان . أحدهما : أنها صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، قاله ابن السائب . والثاني : صلاة العصر ، قاله أبو سليمان الدمشقي .

والقول الثاني : أنه التسبيح المعروف ، ذكره بعض المفسرين .

قوله تعالى: رجال لا تلهيهم أي لا تشغلهم تجارة ولا بيع قال ابن السائب : التجار : الجلابون ، والباعة : المقيمون . وقال الواقدي : التجارة ها هنا بمعنى الشراء .

[ ص: 48 ] وفي المراد بذكر الله ثلاثة أقوال .

أحدها : الصلاة المكتوبة ، قاله ابن عباس ، وعطاء . وروى سالم عن ابن عمر أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة ، فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد ، فقال ابن عمر : فيهم نزلت " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله " .

والثاني : عن القيام بحق الله ، قاله قتادة .

والثالث : عن ذكر الله باللسان ، ذكره أبو سليمان الدمشقي .

قوله تعالى: وإقام الصلاة أي : أدائها لوقتها وإتمامها .

فإن قيل : إذا كان المراد بذكر الله الصلاة ، فما معنى إعادتها؟

فالجواب : أنه بين أنهم يقيمونها بأدائها في وقتها .

قوله تعالى: تتقلب فيه القلوب والأبصار في معناه ثلاثة أقوال .

أحدها : أن من كان قلبه مؤمنا بالبعث والنشور ، ازداد بصيرة برؤية ما وعد به ; ومن كان قلبه على غير ذلك ، رأى ما يوقن معه بأمر القيامة ، قاله الزجاج .

والثاني : أن القلوب تتقلب بين الطمع في النجاة والخوف من الهلاك ، والأبصار تتقلب ، تنظر من أين يؤتون كتبهم ، أمن قبل اليمين ، أم من قبل الشمال؟ وأي ناحية يؤخذ بهم ، أذات اليمين أم ذات الشمال؟ قاله ابن جرير .
والثالث : تتقلب القلوب فتبلغ إلى الحناجر ، وتتقلب الأبصار إلى الزرق بعد الكحل والعمى بعد النظر .
قوله تعالى: ليجزيهم المعنى : يسبحون الله ليجزيهم أحسن ما عملوا أي : ليجزيهم بحسناتهم . فأما مساوئهم فلا يجزيهم بها ويزيدهم من فضله [ ص: 49 ] ما لم يستحقوه بأعمالهم والله يرزق من يشاء بغير حساب قد شرحناه في (آل عمران : 27) .
والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب . أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور

ثم ضرب الله مثلا للكفار فقال : والذين كفروا أعمالهم كسراب قال ابن قتيبة : السراب : ما رأيته من الشمس كالماء نصف النهار ، والآل : ما رأيته في أول النهار وآخره ، وهو يرفع كل شيء ، والقيعة والقاع واحد . وقرأ أبي بن كعب ، وعاصم الجحدري ، وابن السميفع : " بقيعات " . وقال الزجاج : القيعة جمع قاع ، مثل جار وجيرة ، والقيعة والقاع : ما انبسط من الأرض ولم يكن فيه نبات ، فالذي يسير فيه يرى كأن فيه ماء يجري ، وذلك هو السراب ، والآل مثل السراب ، إلا أنه يرتفع وقت الضحى- كالماء- بين السماء والأرض يحسبه الظمآن- وهو الشديد العطش- ماء ، حتى إذا جاء إلى موضع السراب رأى أرضا لا ماء فيها ، فأعلم الله أن الكافر الذي يظن أن عمله قد نفعه عند الله- كظن الذي يظن السراب ماء- وعمله قد حبط .

قوله تعالى: ووجد الله عنده أي : قدم على الله فوفاه حسابه أي : جازاه بعمله ; وهذا في الظاهر خبر عن الظمآن ، والمراد به الخبر عن الكافر .

[ ص: 50 ] قوله تعالى: والله سريع الحساب مفسر في (البقرة : 202) .

قوله تعالى: أو كظلمات في هذا المثل قولان .
أحدهما : أنه لعمل الكافر ، قاله الجمهور ، واختاره الزجاج .
والثاني : أنه مثل لقلب الكافر في أنه لا يعقل ولا يبصر ، قاله الفراء . فأما اللجي ، فهو العظيم اللجة ، وهو العميق (يغشاه) أي : يعلو ذلك البحر موج من فوقه أي : من فوق الموج موج ، والمعنى : يتبع الموج موج ، حتى كان بعضه فوق بعض ، من فوقه أي : من فوق ذلك الموج سحاب .
ثم ابتدأ فقال : ظلمات يعني : ظلمة البحر ، وظلمة الموج [الأول ، وظلمة الموج] الذي فوق الموج ، وظلمة السحاب . وقرأ ابن كثير ، وابن محيصن : " سحاب ظلمات " مضافا إذا أخرج يده يعني : إذا أخرجها مخرج ، لم يكد يراها فيه قولان .
أحدهما : أنه لم يرها ، قاله الحسن ، واختاره الزجاج . قال : لأن في دون هذه الظلمات لا يرى الكف ; وكذلك قال ابن الأنباري : معناه : لم يرها البتة ، لأنه قد قام الدليل عند وصف تكاثف الظلمات على أن الرؤية معدومة ، فبان بهذا الكلام أن يكد زائدة للتوكيد ، بمنزلة ما في قوله : عما قليل ليصبحن نادمين [المؤمنون : 40] .
والثاني : أنه لم يرها إلا بعد الجهد ، قاله المبرد . قال الفراء : وهذا كما تقول : ما كدت أبلغ إليك ، وقد بلغت ، قال الفراء : وهذا وجه العربية .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 30-12-2022, 12:17 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,690
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ النُّورِ
الحلقة (410)
صــ 51 إلى صــ 60





فصل

فأما وجه المثل ، فقال المفسرون : لما ضرب الله للمؤمن مثلا بالنور، [ ص: 51 ] ضرب للكافر هذا المثل بالظلمات ; والمعنى : أن الكافر في حيرة لا يهتدي لرشد . وقيل : الظلمات : ظلمة الشرك وظلمة المعاصي . وقال بعضهم : ضرب الظلمات مثلا لعمله ، والبحر اللجي لقلبه ، والموج لما يغشى قلبه من الشرك والجهل والحيرة ، والسحاب للرين والختم على قلبه ، فكلامه ظلمة ، وعمله ظلمة ، ومدخله ظلمة ، ومخرجه ظلمة ، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة .
قوله تعالى: ومن لم يجعل الله له نورا فيه قولان .
أحدهما : دينا وإيمانا ، قاله ابن عباس ، والسدي . والثاني : هداية ، قاله الزجاج .
ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون . ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير

قوله تعالى: ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض قد تقدم تفسيره [ البقرة : 30] .

قوله تعالى: والطير أي : وتسبح له الطير صافات أي : باسطات أجنحتها في الهواء . وإنما خص الطير بالذكر ، لأنها تكون بين السماء والأرض إذا طارت ، فهي خارجة عن جملة من في السماوات والأرض .

قوله تعالى: كل أي : من الجملة التي ذكرها قد علم صلاته وتسبيحه قال المفسرون : الصلاة ، لبني آدم ، والتسبيح ، لغيرهم من الخلق .

وفي المشار إليه بقوله : قد علم قولان .

أحدهما : أنه الله تعالى ، والمعنى : قد علم الله صلاة المصلي وتسبيحه ، قاله الزجاج .
[ ص: 52 ] والثاني : أنه المصلي والمسبح . ثم فيه قولان . أحدهما : قد علم المصلي والمسبح صلاة نفسه وتسبيحه ، أي : قد عرف ما كلف من ذلك . والثاني : قد علم المصلي صلاة الله وتسبيحه ، أي : علم أن ذلك لله تعالى وحده .
وقرأ قتادة ، وعاصم الجحدري ، وابن يعمر : " كل قد علم " برفع العين وكسر اللام " صلاته وتسبيحه " بالرفع فيهما .
ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار .

قوله تعالى: ألم تر أن الله يزجي سحابا أي : يسوقه ثم يؤلف بينه أي : يضم بعضه إلى بعض ، فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة . والسحاب لفظه لفظ الواحد ، ومعناه الجمع ، فلهذا قال : يؤلف بينه ثم يجعله ركاما أي : يجعل بعض السحاب فوق بعض فترى الودق وهو المطر . قال الليث : الودق : المطر كله شديده وهينه .

قوله تعالى : من خلاله وقرأ ابن مسعود ، وابن عباس ، وأبو العالية ، ومجاهد ، والضحاك : " من خلله " ، والخلال : جمع خلل ، مثل : جبال وجبل . وينزل من السماء مفعول الإنزال محذوف ، تقديره : وينزل من السماء من جبال فيها من برد بردا ، فاستغنى عن ذكر المفعول للدلالة عليه . و " من " الأولى لابتداء الغاية ؛ لأن ابتداء الإنزال من السماء ، والثانية للتبعيض ؛ لأن الذي ينزله الله بعض تلك الجبال ، والثالثة لتبيين الجنس ، لأن جنس تلك [الجبال] [ ص: 53 ] جنس البرد ; قال المفسرون : وهي جبال في السماء مخلوقة من برد وقال الزجاج : معنى الكلام : وينزل من السماء من جبال برد فيها ، كما تقول : هذا خاتم في يدي من حديد ، المعنى : هذا خاتم حديد في يدي .
قوله تعالى : فيصيب به أي : بالبرد من يشاء فيضره في زرعه وثمره . والسنا : الضوء ، يذهب وقرأ مجاهد ، وأبو جعفر : " يذهب " بضم الياء وكسر الهاء . يقلب الله الليل والنهار أي : يأتي بهذا ، ويذهب بهذا إن في ذلك التقلب لعبرة لأولي الأبصار أي : دلالة لأهل البصائر والعقول على وحدانية الله وقدرته .
والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير

قوله تعالى : والله خلق كل دابة وقرأ حمزة ، والكسائي : " والله خالق كل دابة من ماء " وفي الماء قولان .
أحدهما : أن الماء أصل كل دابة . والثاني : أنه النطفة ، والمراد به : جميع الحيوان المشاهد في الدنيا . وإنما قال : " فمنهم " تغليبا لما يعقل . وإنما لم يذكر الذي يمشي على أكثر من أربع ؛ لأنه في رأي العين كالذي يمشي على أربع ، وقيل : لأنه يعتمد في المشي على أربع . وإنما سمى السائر على بطنه ماشيا ، لأن كل سائر ومستمر يقال له : ماش وإن لم يكن حيوانا ، حتى إنه يقال : قد مشى هذا الأمر ، هذا قول الزجاج . وقال أبو عبيدة : إنما هذا على سبيل التشبيه بالماشي ، لأن المشي لا يكون على البطن ، إنما يكون [ ص: 54 ] لمن له قوائم ، فإذا خلطوا ما له قوائم بما لا قوائم له ، جاز ذلك ، كما يقولون : أكلت خبزا ولبنا ، ولا يقال : أكلت لبنا .
لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين . وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين . أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون

قوله تعالى: ويقولون آمنا بالله قال المفسرون : نزلت في رجل من المنافقين يقال له : بشر كان بينه وبين يهودي حكومة ، فدعا اليهودي المنافق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهما ، فقال المنافق لليهودي : إن محمدا يحيف علينا ! ولكن بيني وبينك كعب بن الأشرف ، فنزلت هذه الآية .

قوله تعالى: ثم يتولى فريق منهم يعني : المنافقين من بعد ذلك أي : من بعد قولهم : آمنا وما أولئك يعني : المعرضين عن حكم الله ورسوله بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله أي : إلى كتابه ورسوله ليحكم بينهم [ ص: 55 ] الرسول إذا فريق منهم معرضون ومعنى الكلام : أنهم كانوا يعرضون عن حكم الرسول عليهم ، لعلمهم أنه يحكم بالحق ; وإن كان الحق لهم على غيرهم ، أسرعوا إلى حكمه مذعنين ، لثقتهم أنه يحكم لهم بالحق . قال الزجاج : والإذعان في اللغة : الإسراع مع الطاعة ، تقول : قد أذعن لي ، أي : قد طاوعني لما كنت ألتمسه منه .

قوله تعالى: أفي قلوبهم مرض أي : كفر أم ارتابوا أي : شكوا في القرآن؟ وهذا استفهام ذم وتوبيخ ، والمعنى : أنهم كذلك ، وإنما ذكره بلفظ الاستفهام ليكون أبلغ في ذمهم ، كما قال جرير في المدح :


ألستم خير من ركب المطايا [وأندى العالمين بطون راح]


أي : أنتم كذلك . فأما الحيف ، فهو : الميل في الحكم ; يقال : حاف في قضيته ، أي : جار ، بل أولئك هم الظالمون أي : لا يظلم الله ورسوله أحدا ، بل هم الظالمون لأنفسهم بالكفر والإعراض عن حكم الرسول .

ثم نعت المؤمنين ، فقال : إنما كان قول المؤمنين قال الفراء : ليس هذا بخبر ماض ، وإنما المعنى : إنما كان ينبغي أن يكون قول المؤمنين إذا دعوا أن يقولوا سمعنا . وقرأ الحسن ، وأبو الجوزاء : " إنما كان قول المؤمنين " بضم اللام . وقرأ أبو جعفر ، وعاصم الجحدري ، وابن أبي [ليلى] : " ليحكم بينهم " برفع الياء وفتح الكاف . وقال المفسرون : المعنى : سمعنا قول رسول الله صلى عليه وسلم وأطعنا أمره ، وإن كان ذلك فيما يكرهونه .
قوله تعالى: ويخش الله أي : فيما مضى من ذنوبه ويتقه فيما بعد أن يعصيه . وقرأ ابن كثير ، وحمزة ، والكسائي ، وورش عن نافع : " ويتقهي " [ ص: 56 ] موصولة بياء . وروى قالون عن نافع : " ويتقه فأولئك " بكسر الهاء لا يبلغ بها الياء . وقرأ أبو عمرو ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم : " ويتقه " جزما .
وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون . قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين

قوله تعالى: وأقسموا بالله قال المفسرون : لما نزل في هؤلاء المنافقين ما نزل من بيان كراهتهم لحكم الله ، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا ، فكيف لا نرضى حكمك؟! فنزلت هذه الآية .

وقد بينا معنى جهد أيمانهم [المائدة : 53] ، لئن أمرتهم ليخرجن من أموالهم وديارهم ، وقيل : ليخرجن إلى الجهاد قل لا تقسموا هذا تمام الكلام ; ثم قال : طاعة معروفة قال الزجاج : المعنى : أمثل من قسمكم الذي لا تصدقون فيه طاعة معروفة . قال ابن قتيبة : وبعض النحويين يقول : الضمير فيها : لتكن منكم طاعة معروفة ، أي : صحيحة لا نفاق فيها .
قوله تعالى: فإن تولوا هذا خطاب لهم ، والمعنى : فإن تتولوا ، فحذف إحدى التاءين ومعنى التولي : الإعراض عن طاعة الله ورسوله ،فإنما عليه يعني : الرسول ما حمل من التبليغ وعليكم ما حملتم من الطاعة ; وذر بعض المفسرين أن هذا منسوح بآية السيف ، وليس بصحيح .
[ ص: 57 ] قوله تعالى: وإن تطيعوه يعني : رسول الله صلى الله عليه وسلم تهتدوا ، وكان بعض السلف يقول : من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا ، نطق بالحكمة ، ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا ، نطق بالبدعة ، لقوله : وإن تطيعوه تهتدوا .
وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون

قوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم روى أبو عبد الله الحاكم في " صحيحه " من حديث أبي بن كعب قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة وآواهم الأنصار ، رمتهم العرب عن قوس واحدة ، كانوا لا يبيتون إلا في السلاح ، ولا يصبحون إلا في لأمتهم ، فقالوا : أترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله عز وجل؟! فنزلت هذه الآية . قال أبو العالية : لما أظهر الله عز وجل رسوله على جزيرة العرب ، وضعوا السلاح وأمنوا ، ثم قبض الله نبيه ، فكانوا آمنين كذلك في إمارة أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، حتى وقعوا فيما وقعوا فيه وكفروا بالنعمة ، فأدخل الله عز وجل عليهم الخوف ، فغيروا فغير [ ص: 58 ] الله تعالى ما بهم . وروى أبو صالح عن ابن عباس : أن هذا الوعد وعده الله أمة محمد في التوراة والإنجيل . وزعم مقاتل أن كفار مكة لما صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين عن العمرة عام الحديبية ، قال المسلمون : لو أن الله تعالى فتح علينا مكة ، فنزلت هذه الآية .

قوله تعالى: ليستخلفنهم أي : ليجعلنهم يخلفون من قبلهم ، والمعنى : ليورثنهم أرض الكفار من العرب والعجم ، فيجعلهم ملوكها وساستها وسكانها . وعلى قول مقاتل : المراد بالأرض مكة .

قوله تعالى: كما استخلف الذين من قبلهم وقرأ أبو بكر عن عاصم : " كما استخلف " بضم التاء وكسر اللام ; يعني : بني إسرائيل ، وذلك أنه لما هلكت الجبابرة بمصر ، أورثهم الله أرضهم وديارهم وأموالهم .
قوله تعالى: وليمكنن لهم دينهم وهو الإسلام ، وتمكينه : إظهاره على كل دين ، وليبدلنهم وقرأ ابن كثير ، وأبو بكر ، وأبان ، ويعقوب : " وليبدلنهم " بسكون الباء وتخفيف الدال من بعد خوفهم أمنا لأنهم كانوا مظلومين مقهورين ، يعبدونني هذا استئناف كلام في الثناء عليهم ، ومن كفر بعد ذلك بهذه النعم ، أي : جحد حقها . قال المفسرون : وأول من كفر بهذه النعم قتلة عثمان .
[ ص: 59 ] لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير
قوله تعالى: لا تحسبن الذين كفروا قرأ ابن عامر ، وحمزة عن عاصم : " لا يحسبن " بالياء وفتح السين . وقرأ الباقون : بالتاء وكسر السين .
[ ص: 60 ] يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم
قوله تعالى: ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم في سبب نزولها قولان .
أحدهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه غلاما من الأنصار يقال له : مدلج بن عمرو إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه ، فدخل فرأى عمر على حالة كره عمر رؤيته عليها ، فقال : يا رسول الله ، وددت لو أن الله أمرنا ونهانا في حال الاستئذان ، فنزلت هذه الآية ، قاله ابن عباس .
والثاني : أن أسماء بنت مرثد كان لها غلام ، فدخل عليها في وقت كرهته فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حالة نكرهها ، فنزلت هذه الآية ، قاله مقاتل .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 20-01-2023, 11:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,690
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ النُّورِ
الحلقة (411)
صــ 61 إلى صــ 70



[ ص: 61 ] ومعنى الآية : ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ; وفيهم قولان .

أحدهما : أنه أراد الذكور دون الإناث ، قاله ابن عمر .

والثاني : الذكور والإناث ، رواه أبو حصين عن أبي عبد الرحمن . ومعنى الكلام : ليستأذنكم مماليككم في الدخول عليكم . قال القاضي أبو يعلى : والأظهر أن يكون المراد : العبيد الصغار والإماء الصغار ، لأن العبد البالغ بمنزلة الحر البالغ في تحريم النظر إلى مولاته ، فكيف يضاف إلى الصبيان الذين هم غير مكلفين؟!

قوله تعالى: والذين لم يبلغوا الحلم وقرأ عبد الوارث : " الحلم " بإسكان اللام منكم أي : من أحراركم من الرجال والنساء ثلاث مرات أي : ثلاثة أوقات ; ثم بينها فقال : من قبل صلاة الفجر وذلك لأن الإنسان قد يبيت عريانا ، أو على حالة لا يحب أن يطلع عليه فيها وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة أي : القائلة ومن بعد صلاة العشاء حين يأوي الرجل إلى زوجته ، ثلاث عورات قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم : " ثلاث عورات " برفع الثاء من " ثلاث " ، والمعنى : هذه الأوقات هي ثلاث عورات ، لأن الإنسان يضع فيها ثيابه ، فربما بدت عورته . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم : " ثلاث عورات " بنصب الثاء ; قال أبو علي : وجعلوه بدلا من قوله : ثلاث مرات والأوقات ليست عورات ، ولكن المعنى : أنها أوقات ثلاث عورات ، فلما حذف المضاف أعرب [بإعراب المحذوف] . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ، وسعيد بن جبير ، والأعمش : " عورات " بفتح الواو ، ليس عليكم يعني : المؤمنين الأحرار ولا عليهم يعني : الخدم [ ص: 62 ] والغلمان جناح أي : حرج بعدهن أي : بعد مضي هذه الأوقات أن لا يستأذنوا ، فرفع الحرج عن الفريقين ، طوافون عليكم أي : هم طوافون عليكم بعضكم على بعض أي : يطوف بعضكم وهم المماليك على بعض وهم الأحرار .

فصل

وأكثر علماء المفسرين على أن هذه الآية محكمة ، وممن روي عنه ذلك ابن عباس ، والقاسم بن محمد ، وجابر بن زيد ، والشعبي . وحكي عن سعيد بن المسيب أنها منسوخة بقوله : وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا ; والأول أصح ، لأن معنى هذه الآية : وإذا بلغ الأطفال منكم ، أو من الأحرار الحلم ، فليستأذنوا ، أي : في جميع الأوقات في الدخول عليكم كما استأذن الذين من قبلهم يعني : كما استأذن الأحرار الكبار ، الذين هم قبلهم في الوجود ، وهم الذين أمروا بالاستئذان على كل حال ; فالبالغ يستأذن في كل وقت ، والطفل والمملوك يستأذنان في العورات الثلاث .

قوله تعالى: والقواعد من النساء قال ابن قتيبة : يعني : العجز ، واحدها : قاعد ، ويقال : إنما قيل لها : قاعد ، لقعودها عن الحيض والولد ، وقد تقعد عن الحيض والولد ومثلها يرجو النكاح ، ولا أراها سميت قاعدا إلا بالقعود ، لأنها إذا أسنت عجزت عن التصرف وكثرة الحركة ، وأطالت القعود ، فقيل لها : " قاعد " بلا هاء ، ليدل حذف الهاء على أنه قعود كبر ، كما قالوا : " امرأة حامل " ، ليدلوا بحذف الهاء على أنه حمل حبل ، وقالوا في غير ذلك : قاعدة في بيتها ، وحاملة على ظهرها .

قوله تعالى: أن يضعن ثيابهن أي : عند الرجال ; ويعني بالثياب: [ ص: 63 ] الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار ، هذا المراد بالثياب ، لا جميع الثياب ، غير متبرجات بزينة أي : من غير أن يردن بوضع الجلباب أن ترى زينتهن ; والتبرج : إظهار المرأة محاسنها ، وأن يستعففن فلا يضعن تلك الثياب خير لهن ، قال ابن قتيبة : والعرب تقول : امرأة واضع : إذا كبرت فوضعت الخمار ، ولا يكون هذا إلا في الهرمة . قال القاضي أبو يعلى : وفي هذه الآية دلالة على أنه يباح [للعجوز] كشف وجهها ويديها بين يدي الرجال ، وأما شعرها ، فيحرم النظر إليه كشعر الشابة .
ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون

قوله تعالى: ليس على الأعمى حرج في سبب نزولها خمسة أقوال .

أحدها : أنه لما نزل قوله تعالى: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [النساء : 29] تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمنى والعمي والعرج ، وقالوا : الطعام أفضل الأموال ، وقد نهى الله تعالى عن أكل المال بالباطل، [ ص: 64 ] والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب ، والمريض لا يستوفي الطعام ، فنزلت هذه الآية . ، قاله ابن عباس .

والثاني : أن ناسا كانوا إذا خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والأعرج والمريض وعند أقاربهم ، وكانوا يأمرونهم أن يأكلوا مما في بيوتهم إذا احتاجوا ، فكانوا يتقون أن يأكلوا منها ويقولون : نخشى أن لا تكون أنفسهم بذلك طيبة ، فنزلت هذه الآية ، قاله سعيد بن المسيب .

والثالث : أن العرجان والعميان كانوا يمتنعون عن مؤاكلة الأصحاء ، لأن الناس يتقذرونهم ، فنزلت هذه الآية ، قاله سعيد بن جبير ، والضحاك .

والرابع : أن قوما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا لم يكن عندهم ما يطعمون المريض والزمن ، ذهبوا به إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم وبعض من سمى الله عز وجل في هذه الآية ، فكان أهل الزمانة يتحرجون من أكل ذلك الطعام لأنه أطعمهم غير مالكه ، فنزلت هذه الآية ، قاله مجاهد .

والخامس : أنها نزلت في إسقاط الجهاد عن أهل الزمانة المذكورين في الآية ، قاله الحسن ، وابن يزيد .

[ ص: 65 ] فعلى القول الأول يكون معنى الآية : ليس عليكم في الأعمى حرج أن تأكلوا معه ، ولا في الأعرج وتكون " على " بمعنى " في " ، ذكره ابن جرير ، وكذلك يخرج [معنى الآية] على كل قول بما يليق به . وقد كان جماعة من المفسرين يذهبون إلى أن آخر الكلام " ولا على المريض حرج " وأن ما بعده مستأنف لا تعلق له به ، وهو يقوي قول الحسن ، وابن زيد .

قوله تعالى: أن تأكلوا من بيوتكم فيه ثلاثة أقوال .

أحدها : أنها بيوت الأولاد .

والثاني : البيوت التي يسكنونها وهم فيها عيال غيرهم ، فيكون الخطاب لأهل الرجل وولده وخادمه ومن يشتمل عليه منزله ، ونسبها إليهم لأنهم سكانها .

والثالث : أنها بيوتهم ، والمراد أكلهم من مال عيالهم وأزواجهم ، لأن بيت المرأة كبيت الرجل .

وإنما أباح الأكل من بيوت القرابات المذكورين ، لجريان العادة ببذل طعامهم لهم ; فإن كان الطعام وراء حرز ، لم يجز هتك الحرز .

قوله تعالى: أو ما ملكتم مفاتحه فيه ثلاثة أقوال .

أحدها : أنه الوكيل ، لا بأس أن يأكل اليسير ، وهو معنى قول ابن عباس . وقرأها سعيد بن جبير ، وأبو العالية : " ملكتم " بضم الميم وتشديد اللام مع كسرها على ما لم يسم فاعله ، وفسرها سعيد فقال : يعني القهرمان الذي بيده المفاتيح .

وقرأ أنس بن مالك ، وقتادة ، وابن يعمر : " مفتاحه " بكسر الميم على التوحيد .

والثاني : بيت الإنسان الذي يملكه ، وهو معنى قول قتادة .

والثالث : بيوت العبيد ، قاله الضحاك .

[ ص: 66 ] قوله تعالى:

أو صديقكم

قال ابن عباس : نزلت هذه في الحارث بن عمرو ، خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا ، وخلف مالك بن زيد على أهله ، فلما رجع وجده مجهودا ، فقال : تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك ، فنزلت هذه الآية . وكان الحسن وقتادة يريان الأكل من طعام الصديق بغير استئذان جائزا .

قوله تعالى: ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا في سبب نزول هذه [الآية] ثلاثة أقوال .

أحدها : أن حيا من بني كنانة يقال لهم : بنو ليث كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده ، فربما قعد الرجل والطعام بين يديه من الصباح إلى الرواح ، فنزلت هذه الآية ، قاله قتادة والضحاك .

والثاني : أن قوما من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم ، فنزلت هذه الآية ، ورخص لهم أن يأكلوا جميعا أو أشتاتا ، قاله عكرمة .

والثالث : أن المسلمين كانوا يتحرجون من مؤاكلة أهل الضر خوفا من أن يستأثروا عليهم ، ومن الاجتماع على الطعام ، لاختلاف الناس في مأكلهم وزيادة بعضهم على بعض ، فوسع عليهم ، وقيل : ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أي : مجتمعين أو أشتاتا أي : متفرقين ، قاله ابن قتيبة .

قوله تعالى: فإذا دخلتم بيوتا فيها ثلاثة أقوال .

[ ص: 67 ] أحدها : أنها بيوت أنفسكم ، فسلموا على أهاليكم وعيالكم ، قال جابر بن عبد الله ، وطاوس ، وقتادة .

والثاني : أنها المساجد ، فسلموا على من فيها ، قاله ابن عباس .

والثالث : بيوت الغير ; فالمعنى : إذا دخلتم بيوت غيركم فسلموا عليهم ، قاله الحسن .

قوله تعالى: تحية قال الزجاج : هي منصوبة على المصدر ، لأن قوله : فسلموا بمعنى : فحيوا وليحي بعضكم بعضا تحية ، من عند الله قال مقاتل : مباركة بالأجر ، طيبة أي : حسنة .
إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم

قوله تعالى: وإذا كانوا معه يعني : مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر جامع أي : على أمر طاعة يجتمعون عليها ، نحو الجهاد والجمعة والعيد ونحو ذلك لم يذهبوا حتى يستأذنوه قال المفسرون : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر [ ص: 68 ] يوم الجمعة ، وأراد الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو عذر ، لم يخرج حتى يقوم بحيال رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يراه ، فيعرف أنه إنما قام ليستأذن ، فيأذن لمن شاء منهم ، فالأمر إليه في ذلك . قال مجاهد : وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده .

قوله تعالى: واستغفر لهم الله أي : لخروجهم عن الجماعة إن رأيت لهم عذرا .
لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم . ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم

قوله تعالى: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا فيه ثلاثة أقوال .

أحدها : أنه نهي عن التعرض لإسخاط رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه إذا دعا على شخص فدعوته موجبة ، قاله ابن عباس .

والثاني : أنهم أمروا أن يقولوا : يا رسول الله ، ونهوا أن يقولوا : يا محمد ، قاله سعيد بن جبير ، وعلقمة ، والأسود ، وعكرمة ، ومجاهد .

والثالث : أنه نهي لهم عن الإبطاء إذا أمرهم والتأخر إذا دعاهم ، حكاه الماوردي .

وقرأ الحسن ، وأبو رجاء ، وأبو المتوكل ، ومعاذ القارئ : " دعاء الرسول نبيكم " بياء مشددة ونون قبل الباء .

قوله تعالى: قد يعلم الله الذين يتسللون التسلل : الخروج في خفية .

[ ص: 69 ] واللواذ : أن يستتر بشيء مخافة من يراه . والمراد بقوله قد يعلم التهديد بالمجازاة . قال الفراء : كان المنافقون يشهدون الجمعة فيذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعيبهم بالآيات التي أنزلت فيهم ، فإن خفي لأحدهم القيام قام ، فذلك قوله : قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا أي : يلوذ هذا بهذا ، أي : يستتر ذا بذا .

وإنما قال : لواذا لأنها مصدر " لاوذت " ، ولو كان مصدرا لـ " لذت " لقلت : لذت لياذا ، كما تقول : قمت قياما . وكذلك قال ثعلب : وقع البناء على لاوذ ملاوذة ، ولو بني على لاذ يلوذ ، لقيل : لياذا . وقيل : هذا كان في حفر الخندق ، كان المنافقون ينصرفون عن غير أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مختفين .

قوله تعالى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره في هاء الكناية قولان .

أحدهما : أنها ترجع إلى الله عز وجل ، قاله مجاهد .

والثاني : إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاله قتادة .

وفي " عن " قولان .

أحدهما : [أنها] زائدة ، قاله الأخفش . والثاني : أن معنى " يخالفون " : يعرضون عن أمره .

وفي الفتنة هاهنا ثلاثة أقوال .

أحدها : الضلالة ، قاله ابن عباس . والثاني : بلاء في الدنيا ، قاله مجاهد . والثالث : كفر ، قاله السدي ، ومقاتل .

[ ص: 70 ] قوله تعالى: أو يصيبهم عذاب أليم فيه قولان .

أحدهما : القتل في الدنيا . والثاني : عذاب جهنم في الآخرة .

قوله تعالى: قد يعلم ما أنتم عليه أي : ما في أنفسكم ، وما تنطوي عليه ضمائركم من الإيمان والنفاق ; وهذا تنبيه على الجزاء على ذلك .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 20-01-2023, 11:39 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,690
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ الْفُرْقَانِ
الحلقة (412)
صــ 71 إلى صــ 80



[ ص: 71 ] سُورَةُ الْفُرْقَانِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا . وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يَخْلُقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَقَتَادَةُ فِي آخَرِينَ : هِيَ مَكِّيَّةٌ . وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ أَنَّهُمَا قَالَا : إِلَّا ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِلَى قَوْلِهِ : غَفُورًا رَحِيمًا [الْفُرْقَانِ : 68-70] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: تَبَارَكَ قَدْ شَرَحْنَاهُ فِي (الْأَعْرَافِ : 45) وَالْفَرْقَانُ : الْقُرْآنُ ، سُمِّيَ فُرْقَانًا ، لِأَنَّهُ فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ .

وَالْمُرَادُ بِعَبْدِهِ : مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِيَكُونَ فِيهِ قَوْلَانِ .

[ ص: 72 ] أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ عَبْدِهِ ، قَالَهُ الْجُمْهُورُ . وَالثَّانِي : عَنِ الْقُرْآنِ ، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: لِلْعَالَمِينَ يَعْنِي الْجِنَّ وَالْإِنْسَ نَذِيرًا [أَيْ] : مُخَوِّفًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا : سَوَّاهُ وَهَيَّأَهُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ ، فَلَا خَلَلَ فِيهِ وَلَا تَفَاوُتَ . وَالثَّانِي : قَدَّرَ لَهُ مَا يُصْلِحُهُ وَيُقِيمُهُ . وَالثَّالِثُ : قَدَّرَ لَهُ تَقْدِيرًا مِنَ الْأَجَلِ وَالرِّزْقِ .

ثُمَّ ذَكَرَ مَا صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ ، فَقَالَ : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً يَعْنِي : الْأَصْنَامَ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يَخْلُقُونَ أَيْ : وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا أَيْ : دَفْعَ ضُرٍّ ، وَلَا جَرَّ نَفْعٍ ، لِأَنَّهَا جَمَادٌ لَا قُدْرَةَ لَهَا ، وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا أَيْ : لَا تَمْلِكُ أَنْ تُمِيتَ أَحَدًا ، وَلَا أَنْ تُحَيِيَ أَحَدًا ، وَلَا أَنْ تَبْعَثَ أَحَدًا مِنَ الْأَمْوَاتِ ; وَالْمَعْنَى : كَيْفَ يَعْبُدُونَ مَا هَذِهِ صِفَتُهُ ، وَيَتْرُكُونَ عِبَادَةَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ؟!
وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما

قوله تعالى: وقال الذين كفروا يعني : مشركي قريش ; وقال مقاتل : هو قول النضر بن الحارث من بني عبد الدار إن هذا أي : ما هذا ، يعنون القرآن إلا إفك أي : كذب افتراه أي : اختلقه من تلقاء نفسه وأعانه عليه قوم آخرون قال مجاهد : يعنون اليهود ; وقال مقاتل أشاروا إلى عداس [ ص: 73 ] مولى حويطب ، ويسار غلام عامر بن الحضرمي ، وجبر مولى لعامر أيضا ، وكان الثلاثة من أهل الكتاب .

قوله تعالى: فقد جاءوا ظلما وزورا قال الزجاج : المعنى : فقد جاءوا بظلم وزور ، فلما سقطت الباء ، أفضى الفعل فنصب ، والزور : الكذب . وقالوا أساطير الأولين المعنى : وقالوا : الذي جاء به أساطير الأولين ; وقد بينا ذلك في (الأنعام : 25) . قال المفسرون : والذي قال هذا هو النضر بن الحارث .

ومعنى اكتتبها أمر أن تكتب له . وقرأ ابن مسعود ، وإبراهيم النخعي ، وطلحة بن مصرف : " اكتتبها " برفع التاء الأولى وكسر الثانية ، والابتداء على قراءتهم برفع الهمزة ، فهي تملى عليه أي : تقرأ عليه ليحفظها لا ليكتبها ، لأنه لم يكن كاتبا ، بكرة وأصيلا أي : غدوة وعشيا . قل لهم يا محمد : أنزله يعني : القرآن الذي يعلم السر أي : لا يخفى عليه شيء في السماوات والأرض .
وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا

قوله تعالى: وقالوا يعني المشركين مال هذا الرسول يأكل الطعام أنكروا أن يكون الرسول بشرا يأكل الطعام ويمشي في الطرق كما يمشي سائر الناس يطلب المعيشة ; والمعنى : أنه ليس بملك ولا ملك ، لأن الملائكة لا تأكل ، والملوك لا تتبذل في الأسواق ، فعجبوا أن يكون مساويا للبشر لا يتميز عليهم [ ص: 74 ] بشيء ; وإنما جعله الله بشرا ليكون مجانسا للذين أرسل إليهم ، ولم يجعله ملكا يمتنع من المشي في الأسواق ، لأن ذلك من فعل الجبابرة ، ولأنه أمر بدعائهم ، فاحتاج أن يمشي بينهم .

قوله تعالى: لولا أنزل إليه ملك وذلك أنهم قالوا له : سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك ويجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا ، فذلك قوله : أو يلقى إليه كنز أي : ينزل إليه كنز من السماء أو تكون له جنة يأكل منها أي : بستان يأكل من ثماره . قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وعاصم ، وابن عامر : " يأكل منها " بالياء ، يعنون النبي صلى الله عليه وسلم . وقرأ حمزة ، والكسائي : " نأكل " بالنون ، قال أبو علي : المعنى : يكون له علينا مزية في الفضل بأكلنا من جنته . وباقي الآية مفسر في (بني إسرائيل : 47) .

قوله تعالى: انظر يا محمد كيف ضربوا لك الأمثال حين مثلوك بالمسحور ، وبالكاهن والمجنون والشاعر فضلوا بهذا عن الهدى فلا يستطيعون سبيلا فيه قولان .

أحدهما : لا يستطيعون مخرجا من الأمثال التي ضربوها ، قاله مجاهد ، والمعنى أنهم كذبوا ولم يجدوا على قولهم حجة وبرهانا . وقال الفراء : لا يستطيعون في أمرك حيلة .

والثاني : سبيلا إلى الطاعة ، قاله السدي .
تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا . بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا [ ص: 75 ] مقرنين دعوا هنالك ثبورا لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا

ثم أخبر أنه لو شاء لأعطاه خيرا مما قالوا في الدنيا ، وهو قوله : خيرا من ذلك يعني : لو شئت لأعطيتك في الدنيا خيرا مما قالوا ، لأنه قد شاء أن يعطيه ذلك في الآخرة . ويجعل لك قصورا قرأ ابن كثير ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم : " ويجعل لك قصورا " برفع اللام . وقرأ أبو عمرو ، ونافع ، وحمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم : " ويجعل " بجزم اللام . فمن قرأ بالجزم ، كان المعنى : إن يشأ يجعل لك جنات ويجعل [لك] قصورا . ومن رفع ، فعلى الاستثناء [المعنى] : ويجعل لك قصورا في الآخرة . وقد سبق معنى " أعتدنا " [النساء : 37] ومعنى " السعير " [النساء:10] .

قوله تعالى: إذا رأتهم من مكان بعيد قال السدي عن أشياخه : من مسيرة مائة عام .

فإن قيل : السعير مذكر ، فكيف قال : " إذا رأتهم " ؟

فالجواب : أنه أراد بالسعير النار .

قوله تعالى: سمعوا لها تغيظا فيه قولان .

أحدهما : غليان تغيظ ، قاله الزجاج . قال المفسرون : والمعنى أنها تتغيظ عليهم ، فيسمعون صوت تغيظها وزفيرها كالغضبان إذا غلا صدره من الغيظ .

والثاني : يسمعون فيها تغيظ المعذبين وزفيرهم ، حكاه ابن قتيبة .

قوله تعالى: وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا قال المفسرون : تضيق عليهم كما يضيق الزج على الرمح ، وهم قد قرنوا مع الشياطين ، والثبور : الهلكة . وقرأ عاصم الجحدري ، وابن السميفع : " ثبورا " بفتح الثاء .

[ ص: 76 ] قوله تعالى: وادعوا ثبورا كثيرا قال الزجاج : الثبور مصدر ، فهو للقليل والكثير على لفظ الواحد ، كما تقول ضربته ضربا كثيرا ، والمعنى : هلاكهم أكثر من أن يدعوا مرة واحدة وروى أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أول من يكسى من أهل النار يوم القيامة إبليس ، يكسى حلة من النار فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه ، وذريته خلفه وهو يقول : وا ثبوراه ، وهم ينادون : يا ثبورهم ، حتى يقفوا على النار ، فينادي : يا ثبوراه ، وينادون : يا ثبورهم ، فيقول الله عز وجل : لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا .
قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا . لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسؤولا

قوله تعالى: قل أذلك يعني : السعير خير أم جنة الخلد وهذا تنبيه على تفاوت ما بين المنزلتين ، لا على أن في السعير خيرا . وقال الزجاج : قد وقع التساوي بين الجنة والنار في أنهما منزلان ، فلذلك وقع التفضيل بينهما .

[ ص: 77 ] قوله تعالى: كانت لهم جزاء أي : ثوابا ومصيرا أي : مرجعا .

قوله تعالى: كان على ربك المشار إليه ، إما الدخول وإما الخلود وعدا وعدهم الله إياه على ألسنة الرسل .

وفي معنى مسؤولا قولان .

أحدهما : مطلوبا . وفي الطالب له قولان . أحدهما : أنهم المؤمنون ، سألوا الله في الدنيا إنجاز ما وعدهم [به] . والثاني : أن الملائكة سألته ذلك لهم ، وهو قوله : ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم [غافر:8] .

والثاني : أن معنى المسؤول : الواجب .
ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل . قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا . وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا

قوله تعالى: ويوم يحشرهم قرأ ابن كثير ، وحفص عن عاصم : " يحشرهم " " فيقول " بالياء فيهما . وقرأ نافع ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي، [ ص: 78 ] وأبو بكر عن عاصم : " نحشرهم " بالنون " فيقول " بالياء . وقرأ ابن عامر : " نحشرهم " " فنقول " بالنون فيهما جميعا ; يعني : المشركين ، وما يعبدون قال مجاهد : يعني عيسى وعزيرا والملائكة . وقال عكرمة ، والضحاك : يعني الأصنام ، فيأذن الله للأصنام في الكلام ، ويخاطبها فيقول أأنتم أضللتم عبادي أي : أمرتموهم بعبادتكم أم هم ضلوا السبيل أي : أخطأوا الطريق . قالوا يعني الأصنام سبحانك نزهوا الله تعالى أن يعبد غيره ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء نواليهم ; والمعنى : ما كان ينبغي لنا أن نعبد نحن غيرك ، فكيف ندعو إلى عبادتنا؟! فدل هذا الجواب على أنهم لم يأمروا بعبادتهم . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ، وابن جبير ، والحسن ، وقتادة ، وأبو جعفر ، وابن يعمر ، وعاصم الجحدري : " أن نتخذ " برفع النون وفتح الخاء . ثم ذكروا سبب تركهم الإيمان ، فقالوا : ولكن متعتهم أي : أطلت لهم العمر وأوسعت لهم الرزق حتى نسوا الذكر أي : تركوا الإيمان بالقرآن والاتعاظ به وكانوا قوما بورا قال ابن عباس : هلكي . وقال في رواية أخرى ، البور : [في] لغة أزد عمان : الفاسد . قال ابن قتيبة : هو من بار يبور : إذا هلك وبطل ، يقال : بار الطعام : إذا كسد ، وبارت الأيم : إذا لم يرغب فيها ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من بوار الأيم ، قال : وقال أبو عبيدة : يقال : رجل بور ، وقوم بور ، لا يجمع ولا يثنى ، واحتج بقول الشاعر :

[ ص: 79 ]
يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور


وقد سمعنا بـ " رجل بائر " ، ورأيناهم ربما جمعوا " فاعلا " على " فعل " ، نحو عائذ وعوذ ، وشارف وشرف . قال المفسرون : فيقال للكفار حينئذ فقد كذبوكم أي : فقد كذبكم المعبودون في قولكم : إنهم آلهة . وقرأ سعيد بن جبير ، ومجاهد ، ومعاذ القارئ ، وابن شنبوذ عن قنبل : " بما يقولون " بالياء ; والمعنى : كذبوكم بقولهم : سبحانك ما كان ينبغي لنا الآية ; هذا قول الأكثرين . وقال ابن زيد : الخطاب للمؤمنين ; فالمعنى : فقد كذبكم المشركون بما تقولون : إن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قوله تعالى: ( فما يستطعيون صرفا ولا نصرا ) قرأ الأكثرون بالياء . وفيه وجهان .

أحدهما : فما يستطيع المعبودون صرفا للعذاب عنكم ولا نصرا لكم .

والثاني : فما يستطيع الكفار صرفا لعذاب الله عنهم ولا نصرا لأنفسهم .

وقرأ حفص عن عاصم : " تستطيعون " بالتاء ; والخطاب للكفار . وحكى ابن قتيبة عن يونس البصري أنه قال : الصرف : الحيلة من قولهم : إنه ليتصرف .

قوله تعالى: ومن يظلم منكم أي : بالشرك نذقه في الآخرة .

وقرأ عاصم الجحدري ، والضحاك ، وأبو الجوزاء [وقتادة] : " يذقه " بالياء عذابا كبيرا أي : شديدا . وما أرسلنا قبلك من المرسلين قال الزجاج : في الآية محذوف، [ ص: 80 ] تقديره : وما أرسلنا قبلك رسلا من المرسلين ، فحذفت " رسلا " لأن قوله : من المرسلين يدل عليها .

قوله تعالى: إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق أي : إنهم كانوا على مثل حالك ، فكيف تكون بدعا منهم؟!

فإن قيل : لم كسرت " إنهم " هاهنا ، وفتحت في [ (براءة : 54) في ] قوله : أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم فقد بينا هنالك علة فتح تلك ; فأما كسر هذه ، فذكر ابن الأنباري فيه وجهين .

أحدهما : أن تكون فيها واو حال مضمرة ، فكسرت بعدها " إن " للاستئناف ، فيكون التقدير : إلا وإنهم ليأكلون الطعام ، فأضمرت الواو هاهنا كما أضمرت في قوله أو هم قائلون [الأعراف:4] ، والتأويل : أو وهم قائلون .

والثاني : أن تكون كسرت لإضمار " من " قبلها ، فيكون التقدير : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا من إنهم ليأكلون ، قال الشاعر :
فظلوا ومنهم دمعه سابق له وآخر يثني دمعة العين بالمهل


أراد : من دمعه .

قوله تعالى: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة الفتنة : الابتلاء والاختبار .

وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال .

أحدها : أنه افتتان الفقير بالغني ، يقول : لو شاء لجعلني غنيا ، والأعمى بالبصير ، والسقيم بالصحيح ، قاله الحسن .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 20-01-2023, 11:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,690
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ الْفُرْقَانِ
الحلقة (413)
صــ 81 إلى صــ 90





[ ص: 81 ] والثاني : ابتلاء الشريف بالوضيع ، والعربي بالمولى ، فإذا أراد الشريف أن يسلم فرأى الوضيع قد سبقه بالإسلام أنف فأقام على كفره ، قاله ابن السائب .

والثالث : أن المستهزئين من قريش كانوا إذا رأوا فقراء المؤمنين ، قالوا : انظروا إلى أتباع محمد من موالينا ورذالتنا ، قاله مقاتل .

فعلى الأول : يكون الخطاب بقوله : أتصبرون لأهل البلاء . وعلى الثاني : للرؤساء ، فيكون المعنى : أتصبرون على سبق الموالي والأتباع . وعلى الثالث : للفقراء ; فالمعنى : أتصبرون على أذى الكفار واستهزائهم ، والمعنى : قد علمتم ما وعد الصابرون ، وكان ربك بصيرا بمن يصبر وبمن يجزع .
وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنـزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا . وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا

قوله تعالى: وقال الذين لا يرجون لقاءنا أي : لا يخافون البعث لولا أي : هلا أنزل علينا الملائكة فكانوا رسلا إلينا وأخبرونا بصدقك، [ ص: 82 ] أو نرى ربنا فيخبرنا أنك رسوله ، لقد استكبروا في أنفسهم أي : تكبروا حين سألوا هذه الآيات وعتوا عتوا كبيرا قال الزجاج : العتو في اللغة : مجاوزة القدر في الظلم .

قوله تعالى: يوم يرون الملائكة فيه قولان .

أحدهما : عند الموت . والثاني : يوم القيامة .

قال الزجاج : وانتصب اليوم على معنى : لا بشرى للمجرمين يوم يرون الملائكة ، و يومئذ مؤكد لـ يوم يرون الملائكة ; والمعنى أنهم يمنعون البشرى في ذلك اليوم ; ويجوز أن يكون " يوم " منصوبا على معنى : اذكر يوم يرون الملائكة ، ثم أخبر فقال : لا بشرى ، والمجرمون هاهنا : الكفار .

قوله تعالى: ويقولون حجرا محجورا وقرأ قتادة ، والضحاك ، ومعاذ القارئ : " حجرا " بضم الحاء . قال الزجاج : وأصل الحجر في اللغة : ما حجرت عليه ، أي : منعت من أن يوصل إليه ، ومنه حجر القضاة على الأيتام .

وفي القائلين لهذا قولان .

أحدهما : أنهم الملائكة يقولون للكفار : حجرا محجورا ، أي : حراما محرما . وفيما حرموه عليهم قولان . أحدهما : البشرى ، فالمعنى : حرام محرم أن تكون لكم البشرى ، قاله الضحاك ، والفراء ، وابن قتيبة ، والزجاج . والثاني : أن تدخلوا الجنة ، قاله مجاهد .

والثاني : أنه قول المشركين إذا عاينوا العذاب ، ومعناه الاستعاذة من الملائكة ، روي عن مجاهد أيضا . وقال ابن فارس : كان الرجل إذا لقي من يخافه في الشهر الحرام ، قال : حجرا ، أي : حرام عليك أذاي ، فإذا رأى [ ص: 83 ] المشركون الملائكة يوم القيامة ، قالوا : حجرا محجورا ، يظنون أنه ينفعهم كما كان ينفعهم في الدنيا .

قوله تعالى: وقدمنا قال ابن قتيبة : أي : قصدنا وعمدنا ، والأصل أن من أراد القدوم إلى موضع عمد له وقصده .

قوله تعالى: إلى ما عملوا من عمل [أي] من أعمال الخير فجعلناه هباء لأن العمل لا يتقبل مع الشرك .

وفي الهباء خمسة أقوال .

أحدها : أنه ما رأيته يتطاير في الشمس التي تدخل من الكوة مثل الغبار ، قاله علي عليه السلام ، والحسن ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، واللغويون ; والمعنى أن الله أحبط أعمالهم حتى صارت بمنزلة الهباء .

والثاني : أنه الماء المهراق ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس .

والثالث : أنه ما تنسفه الرياح وتذريه من التراب وحطام الشجر ، رواه عطاء الخراساني عن ابن عباس .

والرابع : أنه الشرر الذي يطير من النار إذا أضرمت ، فإذا وقع لم يكن شيئا رواه عطية عن ابن عباس ،

والخامس : أنه ما يسطع من حوافر الدواب ، قاله مقاتل . والمنثور : المتفرق .

قوله تعالى: أصحاب الجنة يومئذ أي : يوم القيامة ، خير مستقرا [ ص: 84 ] أفضل منزلا من المشركين وأحسن مقيلا قال الزجاج : المقيل : المقام وقت القائلة ، وهو النوم نصف النهار . وقال الأزهري : القيلولة عند العرب : الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن مع ذلك نوم . وقال ابن مسعود ، وابن عباس : لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار .
ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا . ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا . لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا

قوله تعالى: ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا هذا معطوف على قوله : يوم يرون الملائكة ، وقرأ ابن كثير ، ونافع ، وابن عامر : " تشقق " بالتشديد ، فأدغموا التاء في الشين ، لأن الأصل : تتشقق . قال الفراء : المعنى : تتشقق السماء عن الغمام ، وتنزل فيه الملائكة ، و " على " و " عن " و " الباء " في هذا الموضع بمعنى واحد ، لأن العرب تقول : رميت عن القوس ، وبالقوس ، وعلى القوس ; والمعنى واحد . وقال أبو علي الفارسي : المعنى : تتشقق السماء وعليها غمام ، كما تقول : ركب الأمير بسلاحه ، وخرج بثيابه ، وإنما تتشقق السماء لنزول الملائكة . قال ابن عباس : تتشقق السماء عن الغمام ، وهو الغيم الأبيض ، وتنزل الملائكة في الغمام . وقال مقاتل : المراد بالسماء : السماوات ، تتشقق عن الغمام ، وهو غمام أبيض كهيئة الضباب ، فتنزل الملائكة عند انشقاقها .

وقرأ ابن كثير : " وننزل " بنونين : الأولى مضمومة ، والثانية ساكنة، [ ص: 85 ] واللام مضمومة ، و " الملائكة " نصبا . وقرأ عاصم الجحدري ، وأبو عمران الجوني : " ونزل " بنون واحدة مفتوحة ونصب الزاي وتشديدها وفتح اللام ونصب " الملائكة " . وقرأ ابن يعمر : " ونزل " بفتح النون واللام والزاي والتخفيف " الملائكة " بالرفع .

قوله تعالى: الملك يومئذ الحق للرحمن قال الزجاج : المعنى : الملك الذي هو الملك حقا للرحمن . فأما العسير ، فهو العصب الشديد يشتد على الكفار ، ويهون على المؤمنين فيكون كمقدار صلاة مكتوبة .

قوله تعالى: ويوم يعض الظالم على يديه في سبب نزولها ثلاثة أقوال .

أحدها : أن أبي بن خلف كان يحضر [عند] رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجالسه من غير أن يؤمن به ، فزجره عقبة بن أبي معيط عن ذلك ، فنزلت هذه الآية ، رواه عطاء الخراساني عن ابن عباس .

والثاني : أن عقبة دعا قوما فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام فأكلوا ، وأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكل ، وقال : " لا آكل حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله " ، فشهد بذلك عقبة ، فبلغ ذلك أبي بن خلف ، وكان خليلا له ، فقال : صبوت يا عقبة؟! فقال : لا والله ، ولكنه أبى أن يأكل حتى قلت ذلك ، وليس من نفسي ، فنزلت هذه الآية ، قاله مجاهد .

[ ص: 86 ] والثالث : أن عقبة كان خليلا لأمية بن خلف ، فأسلم عقبة ، فقال أمية : وجهي من وجهك حرام إن تابعت محمدا ، فكفر وارتد لرضا أمية ، فنزلت هذه الآية ، قاله الشعبي .

فأما الظالم [المذكور] هاهنا ، فهو الكافر ، وفيه قولان .

أحدهما : أنه أبي بن خلف ، رواه العوفي عن ابن عباس .

والثاني : عقبة بن أبي معيط ، قاله مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وقتادة .

قال عطاء : يأكل يديه حتى تذهبا إلى المرفقين ، ثم تنبتان ، فلا يزال هكذا كلما نبتت يده أكلها ندامة على ما فعل .

قوله تعالى: يا ليتني اتخذت الأكثرون يسكنون " يا ليتني " وأبو عمرو يحركها ; قال أبو علي : والأصل التحريك ، لأنها بإزاء الكاف التي للخطاب ، إلا أن حرف اللين تكره فيه الحركة ، ولذلك أسكن من أسكن ; والمعنى : ليتني اتبعته فاتخذت معه طريقا إلى الهدى .

قوله تعالى: ليتني لم أتخذ فلانا في المشار إليه أربعة أقوال .

أحدها : أنه عنى أبي بن خلف ، قاله ابن عباس . والثاني : عقبة بن أبي معيط ، قاله أبو مالك . والثالث : الشيطان ، قاله مجاهد . والرابع : أمية بن خلف ، قاله السدي .

فإن قيل : إنما يكنى من يخاف المبادأة أو يحتاج إلى المداجاة ، فما وجه الكناية؟

فالجواب : أنه أراد بالظالم : كل ظالم ، وأراد بفلان : كل من أطيع في معصية وأرضي بسخط الله ، وإن كانت الآية نزلت في شخص ، قاله ابن قتيبة .

[ ص: 87 ] قوله تعالى: لقد أضلني عن الذكر أي : صرفني عن القرآن والإيمان به بعد إذ جاءني مع الرسول ، وهاهنا تم الكلام . ثم قال الله تعالى : وكان الشيطان للإنسان يعني : الكافر خذولا يتبرأ [منه] في الآخرة .
وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا

قوله تعالى: وقال الرسول يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ، وهذا عند كثير من العلماء أنه يقوله يوم القيامة ; فالمعنى : ويقول الرسول يومئذ . وذهب آخرون ، منهم مقاتل ، إلى أن الرسول قال ذلك شاكيا من قومه إلى الله تعالى حين كذبوه . وقرأ ابن كثير ، ونافع ، [وأبو عمرو] : " إن قومي اتخذوا " بتحريك الياء ; وأسكنها عاصم ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي .

وفي المراد بقوله : مهجورا قولان .

أحدهما : متروكا لا يلتفتون إليه ولا يؤمنون به ، وهذا معنى قول ابن عباس ، ومقاتل .

[ ص: 88 ] والثاني : هجروا فيه ، أي : جعلوه كالهذيان ، ومنه يقال : فلان يهجر في منامه ، أي : يهذي ، قاله ابن قتيبة . وقال الزجاج : الهجر : ما لا ينتفع به من القول . قال المفسرون : فعزاه الله عز وجل ، فقال : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا أي : كما جعلنا لك أعداء من مشركي قومك ، جعلنا لكل نبي عدوا من كفار قومه ; والمعنى : لا يكبرن هذا عليك ، فلك بالأنبياء أسوة ، وكفى بربك هاديا ونصيرا يمنعك من عدوك . قال الزجاج : والباء في قوله : بربك زائدة ; فالمعنى : كفى ربك هاديا ونصيرا .
وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا . ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا

قوله تعالى: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة أي : كما أنزلت التوراة والإنجيل والزبور ، فقال الله عز وجل : كذلك أي : أنزلناه كذلك متفرقا ، لأن معنى ما قالوا : لم نزل عليه متفرقا؟ فقيل : إنما أنزلناه كذلك لنثبت به فؤادك أي : لنقوي به قلبك فتزداد بصيرة ، وذلك أنه كان يأتيه الوحي في كل أمر وحادثة ، فكان أقوى لقلبه وأنور لبصيرته وأبعد لاستيحاشه ، ورتلناه ترتيلا أي : أنزلناه على الترتيل ، وهو التمكث الذي يضاد العجلة .

قوله تعالى: ولا يأتونك يعني المشركين بمثل يضربونه لك في مخاصمتك وإبطال أمرك إلا جئناك بالحق أي : بالذي هو الحق لترد به كيدهم وأحسن تفسيرا من مثلهم ; والتفسير : البيان والكشف .

قال مقاتل : ثم أخبر بمستقرهم في الآخرة ، فقال : الذين يحشرون على [ ص: 89 ] وجوههم وذلك أن كفار مكة قالوا : إن محمدا وأصحابه شر خلق الله ، فنزلت هذه الآية .

قوله تعالى: أولئك شر مكانا أي : منزلا ومصيرا وأضل سبيلا دينا وطريقا من المؤمنين .
ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا . فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما . وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا

قوله تعالى: اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا .

إن قيل : إنما عاينوا الآيات بعد [وجود] الرسالة ، فكيف يقع التكذيب منهم قبل وجود الآيات؟

فالجواب : أنهم كانوا مكذبين أنبياء الله وكتبه المتقدمة ، ومن كذب نبيا فقد كذب سائر الأنبياء ولهذا قال : وقوم نوح لما كذبوا الرسل ، وقال الزجاج : يجوز أن يكون المراد به نوح وحده ، وقد ذكر بلفظ الجنس ، كما يقال : فلان يركب الدواب ، وإن لم يركب إلا دابة واحدة ; وقد شرحنا هذا في (هود : 59) عند قوله : وعصوا رسله . وقد سبق معنى التدمير [الأعراف : 137] .

قوله تعالى: وأصحاب الرس في الرس ثلاثة أقوال .

أحدها : أنها بئر كانت تسمى الرس ، قاله ابن عباس في رواية العوفي .

[ ص: 90 ] وقال في رواية عكرمة : هي بئر بأذربيجان . وزعم ابن السائب أنها بئر دون اليمامة . وقال السدي : بئر بأنطاكية .

والثاني : أن الرس قرية من قرى اليمامة ، قاله قتادة .

والثالث : أنها المعدن ، قاله أبو عبيدة ، وابن قتيبة .

وفي تسميتها بالرس قولان .

أحدهما : أنهم رسوا نبيهم في البئر ، قاله عكرمة . قال الزجاج : رسوه ، أي : دسوه فيها .

والثاني : أن كل ركية لم تطو فهي رس ، قاله ابن قتيبة .

واختلفوا في أصحاب الرس على خمسة أقوال .

أحدها : أنهم قوم كانوا يعبدون شجرة ، فبعث الله تعالى إليهم نبيا من ولد يهوذا بن يعقوب ، فحفروا له بئرا وألقوه فيها ، فهلكوا ، قاله علي عليه السلام .

والثاني : أنهم قوم كان لهم نبي يقال له : حنظلة بن صفوان ، فقتلوا نبيهم فأهلكهم الله ، قاله سعيد بن جبير .

والثالث : أنهم كانوا أهل بئر ينزلون عليها ، وكانت لهم مواش ، وكانوا يعبدون الأصنام ، فبعث الله إليهم شعيبا ، فتمادوا في طغيانهم ، فانهارت البئر ، فخسف بهم وبمنازلهم ، قاله وهب بن منبه .

والرابع : أنهم الذين قتلوا حبيبا النجار ، قتلوه في بئر لهم ، وهو الذي قال : يا قوم اتبعوا المرسلين [يس:20] ، قاله السدي .

والخامس : أنهم قوم قتلوا نبيهم وأكلوه وأول من عمل السحر نساؤهم ، قاله ابن السائب .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 478.63 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 472.74 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (1.23%)]