تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد - الصفحة 30 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 202 - عددالزوار : 4647 )           »          4 خطوات تحمى شفايفك من الجفاف فى الشتاء.. التقشير مهم زى الترطيب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          وصفات طبيعية لترطيب اليدين فى الشتاء.. خليها روتين ثابت فى يومك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          طريقة عمل الشوربة بالجبنة والمشروم بتريكات الشيفات المحترفين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          5 حيل ديكور تخلى حمامك منتجع صحى منزلى.. من الألوان لرأس الدش (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          ألوان شتوية تمنح منزلك إحساس الدفء دون تغيير الأثاث (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          طريقة عمل شوربة البصل والجزر بالكريمة.. طبق شهى ودافئ للشتاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          دليلك للعناية بفروة الرأس والتخلص من الدهون والقشرة بمكونات طبيعية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          6 أفكار تصنع فرقًا كبيرًا فى تدفئة وتجديد غرفة النوم فى الشتاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          4 وصفات طبيعية تعزز نمو الشعر أثناء النوم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التسجيل التعليمـــات التقويم

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 14-08-2022, 11:56 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,175
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الرابع

سُورَةُ هُودٍ
الحلقة (294)
صــ 136 إلى صــ 142



[ ص: 136 ] قوله تعالى : " وضاق بهم ذرعا " قال ابن عباس : ضاق ذرعا بأضيافه . قال الفراء : الأصل فيه : وضاق ذرعه بهم ، فنقل الفعل عن الذرع إلى ضمير لوط ، ونصب الذرع بتحول الفعل عنه ، كما قال : واشتعل الرأس شيبا [مريم :4] ومعناه : اشتعل شيب الرأس .

قال الزجاج : يقال : ضاق فلان بأمره ذرعا : إذا لم يجد من المكروه في ذلك الأمر مخلصا . وذكر ابن الأنباري فيه ثلاثة أقوال :

أحدها : أن معناه : وقع به مكروه عظيم يصل إلى دفعه عن نفسه ; فالذرع كناية عن هذا المعنى .

والثاني : أن معناه : ضاق صبره وعظم المكروه عليه ; وأصله من ذرع فلانا القيء : إذا غلبه وسبقه .

والثالث : أن المعنى : ضاق بهم وسعه ، فناب الذرع والذراع عن الوسع ، لأن الذراع من اليد ، والعرب تقول : ليس هذا في يدي ، يعنون : ليس هذا في وسعي ; ويدل على صحة هذا أنهم يجعلون الذراع في موضع الذرع ، فيقولون : ضقت بهذا الأمر ذراعا ، قال الشاعر :


إليك إليك ضاق بهم ذراعا


فأما العصيب ، فقال أبو عبيدة : العصيب : الشديد الذي يعصب الناس بالشر ، وأنشد :


يوم عصيب يعصب الأبطالا عصب القوي السلم الطوالا


وقال أبو عبيد : يقال يوم عصيب ، ويوم عصبصب : إذا كان شديدا .

[ ص: 137 ] قوله تعالى : " يهرعون إليه " قال ابن عباس ، ومجاهد : " يهرعون " يسرعون . وقال الفراء ، والكسائي : لا يكون الإهراع إلا إسراعا مع رعدة . قال ابن قتيبة : الإهراع شبيه بالرعدة ، يقال : أهرع الرجل : إذا أسرع ، على لفظ ما لم يسم فاعله ، كما يقال : أرعد . قال ابن الأنباري الإهراع فعل واقع بالقوم وهو لهم في المعنى ، كما قالت العرب : قد أولع الرجل بالأمر ، فجعلوه مفعولا ، وهو صاحب الفعل ، ومثله أرعد زيد ، وسهي عمرو من السهو ، كل واحد من هذه الأفاعيل خرج الاسم معه مقدرا تقدير المفعول ، وهو صاحب الفعل لا يعرف له فاعل غيره . قال : وقال بعض النحويين : لا يجوز للفعل أن يجعل فاعله مفعولا ، وهذه الأفعال المذكورة فاعلوها محذوفون ، وتأويل " أولع زيد " : أولعه طبعه وجبلته ، و " أرعد الرجل " : أرعده غضبه ، و " سهي عمرو " جعله ساهيا ماله أو جهله ، و " أهرع " معناه : أهرعه خوفه ورعبه ، فلهذه العلة خرج هؤلاء الأسماء مخرج المفعول به . قال : وقال بعض اللغويين : لا يكون الإهراع إلا إسراع المذعور الخائف ; لا يقال لكل مسرع : مهرع حتى ينضم إلى إسراعه جزع وذعر . قال المفسرون : سبب إهراعهم ، أن امرأة لوط أخبرتهم بالأضياف .

" ومن قبل " أي : ومن قبل مجيئهم إلى لوط " كانوا يعملون السيئات " يعني فعلهم المنكر .

وفي قوله : " هؤلاء بناتي " قولان :

أحدهما : أنهن بناته لصلبه ، قاله ابن عباس .

فإن قيل : كيف جمع ، وقد كن اثنتين ؟

فالجواب أنه قد يقع الجمع على اثنين ، كقوله : وكنا لحكمهم شاهدين [الأنبياء :78] .

[ ص: 138 ] والثاني : أنه عنى نساء أمته ، لأن كل نبي أبو أمته ، والمعنى : أنه عرض عليهم التزويج ، أو أمرهم أن يكتفوا بنسائهم ، وهذا مذهب مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، وابن جريج .

فإن قيل : كيف عرض تزويج المؤمنات على الكافرين ؟ فعنه جوابان :

أحدهما : أنه قد كان يجوز ذلك في شريعته ، وكان جائزا في صدر الإسلام حتى نسخ ، قاله الحسن .

والثاني : أنه عرض ذلك عليهم بشرط إسلامهم ، قاله الزجاج ، ويؤكده أن عرضهن عليهم موقوف على عقد النكاح ، فجاز أن يقف على شرط آخر .

قوله تعالى : " هن أطهر لكم " قال مقاتل : هن أحل من إتيان الرجال .

قوله تعالى : " فاتقوا الله " فيه قولان :

أحدهما : اتقوا عقوبته . والثاني : اتقوا معصيته .

قوله تعالى : " ولا تخزون في ضيفي " حرك ياء " ضيفي " أبو عمرو ، ونافع . وفي معنى هذا الخزي ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه الفضيحة ، قاله ابن عباس . والثاني : الاستحياء ، والمعنى : لا تفعلوا بأضيافي فعلا يلزمني الاستحياء منه ، لأن المضيف يلزمه الاستحياء من كل فعل يصل إلى ضيفه . والعرب تقول : قد خزي الرجل يخزى خزاية : إذا استحيى ، قال الشاعر :


من البيض لا تخزى إذا الريح ألصقت بها مرطها أو زايل الحلي جيدها


والثالث : أنه بمعنى الهلاك ، لأن المعرة التي تقع بالمضيف في هذه الحال تلزمه هلكة ، ذكرهما ابن الأنباري .

[ ص: 139 ] قال ابن قتيبة : والضيف هاهنا : بمعنى الأضياف ، والواحد يدل على الجميع ، كما تقول : هؤلاء رسولي ووكيلي .

قوله تعالى : " أليس منكم رجل رشيد " في المراد بالرشيد قولان :

أحدهما : المؤمن . والثاني : الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر . رويا عن ابن عباس .

قال ابن الأنباري : يجوز أن يكون الرشيد بمعنى المرشد ، فيكون المعنى : أليس منكم مرشد يعظكم ويعرفكم قبيح ماتأتون ؟ فيكون الرشيد من صفة الفاعل ، كالعليم ، والشهيد . ويجوز أن يكون الرشيد بمعنى المرشد ، فيكون المعنى : أليس منكم رجل قد أسعده الله بما منحه من الرشاد يصرفكم عن إتيان هذه المعرة ؟ فيجري رشيد مجرى مفعول ، كالكتاب الحكيم بمعنى المحكم .

قوله تعالى : " ما لنا في بناتك من حق " فيه قولان :

أحدهما : مالنا فيهن حاجة ، قاله أبو صالح عن ابن عباس .

والثاني : لسن لنا بأزواج فنستحقهن ، قاله ابن إسحاق ، وابن قتيبة .

قوله تعالى : " وإنك لتعلم ما نريد " قال عطاء : وإنك لتعلم أنا نريد الرجال لا النساء .

قوله تعالى : " لو أن لي بكم قوة " أي : جماعة أقوى بهم عليكم ، وقيل : أراد بالقوة البطش . " أو آوي إلى ركن شديد " أي : أنضم إلى عشيرة وشيعة تمنعني . وجواب " لو " محذوف على تقدير : لحلت بينكم وبين المعصية . قال أبو عبيدة : قوله : " آوي " من قولهم : أويت إليك ، فأنا آوي أويا ، [ ص: 140 ] والمعنى : صرت إليك وانضممت . ومجاز الركن هاهنا : العشيرة العزيزة الكثيرة المنيعة ، وأنشد :


يأوي إلى ركن من الأركان في عدد طيس ومجد باني


والطيس : الكثير يقال أتانا لبن طيس وشراب طيس أي : كثير .

واختلفوا أي وقت قال هذا لوط ; فروي عن ابن عباس أن لوطا كان قد أغلق بابه والملائكة معه في الدار ، وهو يناظرهم ويناشدهم وراء الباب ، وهم يعالجون الباب ويرومون تسور الجدار ; فلما رأت الملائكة ما يلقى من الكرب ، قالوا : يا لوط إنا رسل ربك فافتح الباب ودعنا وإياهم ; ففتح الباب فدخلوا ، واستأذن جبريل ربه في عقوبتهم ، فأذن له ، فضرب بجناحه وجوههم فأعماهم ، فانصرفوا يقولون : النجاء النجاء ، فإن في بيت لوط أسحر قوم في الأرض ; وجعلوا يقولون : يا لوط ، كما أنت حتى تصبح ، يوعدونه ; فقال لهم لوط : متى موعد هلاكهم ؟ قالوا : الصبح ، قال : لو أهلكتموهم الآن ، فقالوا : أليس الصبح بقريب ؟ وقال أبو صالح عن ابن عباس : إنهم لما تواعدوه ، قال في نفسه : ينطلق هؤلاء القوم غدا من عندي ، وأبقى مع هؤلاء فيهلكوني ، فقال : لو أن لي بكم قوة .

قلت : وإنما يتوجه هذا إذا قلنا : إنه كان قبل علمه أنهم ملائكة . وقال قوم : إنه إنما قال هذا لما كسروا بابه وهجموا عليه . وقال آخرون : لما نهاهم عن أضيافه فأبوا قال هذا .

وفي الجملة ، ما أراد بالركن نصر الله وعونه ، لأنه لم يخل من ذلك ، وإنما ذهب إلى العشيرة والأسرة .

وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " رحم الله لوطا ، لقد [ ص: 141 ] كان يأوي إلى ركن شديد ، وما بعث الله نبيا بعده إلا في ثروة من قومه "

قوله تعالى : " لن يصلوا إليك " قال مقاتل : فيه إضمار ، تقديره لن يصلوا إليك بسوء ، وذلك أنهم قالوا للوط : إنا نرى معك رجالا سحروا أبصارنا ، فستعلم غدا ما تلقى أنت وأهلك ; فقال له جبريل : " إنا رسل ربك لن يصلوا إليك " .

قوله تعالى : " فأسر بأهلك " قرأ عاصم ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي " فأسر " بإثبات الهمز في اللفظ من أسريت . وقرأ ابن كثير ، ونافع " فاسر بأهلك " بغير همز من سريت ، وهما لغتان . قال الزجاج : يقال : سريت ، وأسريت إذا سرت ليلا ، قال الشاعر :


سريت بهم حتى تكل مطيهم وحتى الجياد ما يقدن بأرسان


وقال النابغة :


أسرت عليه من الجوزاء سارية تزجي الشمال عليه جامد البرد


وقد رووه : سرت . فأما أهله ، فقال مقاتل : هم امرأته وابنتاه ، واسم ابنتيه : ربثا وزعرثا . وقال السدي : اسم الكبرى : رية ، واسم الصغرى : عروبة ، [ ص: 142 ] والمراد بأهله : ابنتاه . فأما القطع ، فهو بمعنى القطعة ; يقال : مضى قطع من الليل ، أي : قطعة . قال ابن عباس : يريد به : آخر الليل . وقال ابن قتيبة : " بقطع " أي : ببقية تبقى من آخره . وقال ابن الأنباري : ذكر القطع بمعنى القطعة مختص بالليل ، ولا يقال : عندي قطع من الثوب ، بمعنى : عندي قطعة .

قوله تعالى : " ولا يلتفت منكم أحد " فيه قولان :

أحدهما : أنه بمعنى : لا يتخلف منكم أحد ، قاله أبو صالح عن ابن عباس .

والثاني : أنه الالتفات المعروف ، قاله مجاهد ، ومقاتل .

قوله تعالى : " إلا امرأتك " قرأ نافع ، وعاصم ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي بنصب التاء . وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن جماز عن أبي جعفر برفع التاء . قال الزجاج : من قرأ بالنصب ، فالمعنى : فأسر بأهلك إلا امرأتك . ومن قرأ بالرفع حمله ، على " ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك " . وإنما أمروا بترك الالتفات لئلا يروا عظيم ما ينزل بهم من العذاب . قاله ابن الأنباري : وعلى قراءة الرفع ، يكون الاستثناء منقطعا ، معناه : لكن امرأتك ، فإنها تلتفت فيصيبها ما أصابهم ; فإذا كان استثناء منقطعا ، كان التفاتها معصية لربها ، لأنه ندب إلى ترك الالتفات . قال قتادة : ذكر لنا أنها كانت مع لوط حين خرج من القرية ، فلما سمعت هدة العذاب ، التفتت فقالت : واقوماه ، فأصابها حجر فأهلكها ، وهو قوله : " إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم " للعذاب " الصبح " .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 14-08-2022, 11:57 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,175
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد





تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الرابع

سُورَةُ هُودٍ
الحلقة (295)
صــ 143 إلى صــ 149




قوله تعالى : " أليس الصبح بقريب " قال المفسرون : قالت الملائكة : " إن موعدهم الصبح " فقال : أريد أعجل من ذلك ، فقالوا له : " أليس الصبح بقريب " ؟
[ ص: 143 ] فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد

قوله تعالى : " فلما جاء أمرنا " فيه ثلاثة أقوال :

أحدها : أمر الله الملائكة بعذابهم . والثاني : أن الأمر بمعنى العذاب . والثالث : أنه بمعنى القضاء بعذابهم .

قوله تعالى : " جعلنا عاليها سافلها " الكناية تعود إلى المؤتفكات ، وهي قرى قوم لوط ، وقد ذكرناها في (براءة :70) ، ونحن نشير إلى قصة هلاكهم هاهنا . قال ابن عباس : أمر جبريل لوطا بالخروج ، وقال : اخرج وأخرج غنمك وبقرك ، فقال : كيف لي بذلك وقد أغلقت أبواب المدينة ، فبسط جناحه ، وحمله وبنتيه ومالهم شيء ، فأخرجهم من المدينة ، وسأل جبريل ربه : فقال : يا رب ولني هلاك هؤلاء القوم ، فأوحى الله إليه أن تول هلاكهم ; فلما أن بدا الصبح ، غدا عليهم جبريل فاحتملها على جناحه ، ثم صعد بها حتى خرج الطير في الهواء لا يدري أين يذهب ، ثم كفأها عليهم ، وسمعوا وجبة شديدة ، فالتفتت امرأة لوط ، فرماها جبريل بحجر فقتلها ، ثم صعد حتى أشرف على الأرض ، فجعل يتبعهم مسافرهم ورعاتهم ومن تحول عن القرية ، فرماهم بالحجارة حتى قتلهم . وقال السدي : اقتلع جبريل الأرض من سبع أرضين ، فاحتملها حتى بلغ بها إلى أهل السماء الدنيا ، حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ، ثم قلبها . وقال غيره : كانت خمس قرى ، أعظمها سدوم ، وكان القوم أربعة آلاف ألف . وقيل : كان في كل قرية مائة ألف مقاتل ، فلما رفعها إلى السماء ، لم ينكسر لهم إناء ولم [ ص: 144 ] يسقط حتى قلبها عليهم . وقيل : نجا من الخمس واحدة لم تكن تعمل مثل عملهم . وانفرد سعيد بن جبير ، فقال : إن جبريل وميكائيل توليا قلبها .

قوله تعالى : " وأمطرنا عليها " في هاء الكناية قولان :

أحدهما : أنها ترجع إلى القرى . والثاني إلى الأمة .

وفي السجل سبعة أقوال :

أحدها : أنها بالفارسية سنك وكل ، السنك : الحجر ، والكل : الطين ، هذا قول ابن عباس ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير . وقال مجاهد : أولها حجر ، وآخرها طين . وقال الضحاك : يعني الآجر . قال ابن قتيبة : من ذهب إلى هذا القول ، اعتبره بقوله : حجارة من طين [الذاريات :33] يعني الآجر . وحكى الفراء أنه طين قد طبخ حتى صار بمنزلة الأرحاء .

والثاني : أنه بحر معلق في الهواء بين السماء والأرض ، ومنه نزلت الحجارة ، قاله عكرمة .

والثالث : أن السجيل : اسم السماء الدنيا ، فالمعنى : حجارة من السماء الدنيا ، قاله ابن زيد .

والرابع : أنه الشديد من الحجارة الصلب ، قاله أبو عبيدة ، وأنشد لابن مقبل :


[ورجلة يضربون البيض عن عرض] ضربا تواصت به الأبطال سجينا


[ ص: 145 ] ورد هذا القول ابن قتيبة ، فقال : هذا بالنون ، وذاك باللام ، وإنما هو في هذا البيت فعيل من سجنت ، أي : حبست ، كأنه يثبت صاحبه .

والخامس : أن قوله : " من سجيل " كقولك : من سجل ، أي : مما كتب لهم أن يعذبوا به ، وهذا اختيار الزجاج .

والسادس : أنه من أسجلته ، أي : أرسلته ، فكأنها مرسلة عليهم .

والسابع : أنه من أسجلت : إذا أعطيت ، حكى القولين الزجاج .

وفي قوله : " منضود " ثلاثة أقوال :

أحدها : يتبع بعضه بعضا ، قاله ابن عباس . والثاني : مصفوف ، قاله عكرمة ، وقتادة . والثالث : نضد بعضه على بعض ، لأنه طين جمع فجعل حجارة ، قاله الربيع بن أنس .

قوله تعالى : " مسومة " قال الزجاج : أي :معلمة ، أخذ من السومة ، وهي العلامة .

وفي علامتها ستة أقوال :

أحدها : بياض في حمرة ، رواه الضحاك عن ابن عباس ، وبه قال الحسن .

والثاني : أنها كانت مختومة ، فالحجر أبيض وفيه نقطة سوداء ، أو أسود وفيه نقطة بيضاء ، رواه العوفي عن ابن عباس .

والثالث : أنها المخططة بالسواد والحمرة ، رواه أبو صالح عن ابن عباس .

والرابع : عليها نضح من حمرة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع ، قاله عكرمة ، وقتادة . [ ص: 146 ] والخامس : أنها كانت معلمة بعلامة يعرف بها أنها ليست من حجارة الدنيا ، قاله ابن جريج .

والسادس : أنه كان على كل حجر منها اسم صاحبه ، قاله الربيع . وحكي عن بعض من رأى تلك الحجارة أنه قال : كانت مثل رأس الإبل ، ومثل مبارك الإبل ، ومثل قبضة الرجل .

وفي قوله تعالى : " عند ربك " أربعة أقوال :

أحدها : أن المعنى : جاءت من عند ربك ، قاله ابن عباس ، ومقاتل .

والثاني : عند ربك معدة ، قاله أبو بكر الهزلي .

والثالث : أن المعنى : هذا التسويم لزم هذه الحجارة عند الله إيذانا بنفاذ قدرته وشدة عذابه ، قاله ابن الأنباري .

والرابع : أن معنى قوله : " عند ربك " : في خزائنه التي لا يتصرف في شيء منها إلا بإذنه .

قوله تعالى : " وما هي من الظالمين ببعيد " في المراد بالظالمين هاهنا ثلاثة أقوال :

أحدها : أن المراد بالظالمين هاهنا : كفار قريش ، خوفهم الله بها ، قاله الأكثرون .

والثاني : أنه عام في كل ظالم ; قال قتادة : والله ما أجار الله منها ظالما بعد قوم لوط ، فاتقوا الله وكونوا منه على حذر .

والثالث : أنهم قوم لوط ، فالمعنى : وما هي من الظالمين ، أي : من قوم لوط ببعيد ، والمعنى : لم تكن لتخطئهم ، قاله الفراء .
[ ص: 147 ] وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين

قوله تعالى : " وإلى مدين " قد ذكرناه في (الأعراف :85) .

قوله تعالى : " ولا تنقصوا المكيال والميزان " أي : تطففوا ; وكانوا يطففون مع كفرهم .

قوله تعالى : " إني أراكم بخير " فيه قولان :

أحدهما : أنه رخص الأسعار ، قاله ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد .

والثاني : سعة المال ، وهو مروي عن ابن عباس أيضا ، وبه قال قتادة ، وابن زيد . وقال الفراء : أموالكم كثيرة ، وأسعاركم رخيصة ، فأي حاجة بكم إلى سوء الوزن والكيل ؟

قوله تعالى : " وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط " فيه ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه غلاء السعر ، قاله ابن عباس . وقال مجاهد : القحط والجدب والغلاء .

والثاني : العذاب في الدنيا ، وهوالذي أصابهم ، قاله مقاتل .

والثالث : عذاب النار في الآخرة ، ذكره الماوردي .

قوله تعالى : " أوفوا المكيال والميزان بالقسط " أي : أتموا ذلك بالعدل . والإيفاء : الإتمام . " ولا تعثوا في الأرض مفسدين " بنقص المكيال والميزان .
[ ص: 148 ] بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود

قوله تعالى : " بقيت الله خير لكم " فيه ثمانية أقوال :

أحدها : ما أبقى الله لكم من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن ، خير من البخس ، قاله ابن عباس .

[ ص: 149 ] والثاني : رزق الله خير لكم ، روي عن ابن عباس أيضا ، وبه قال سفيان .

والثالث : طاعة الله خير لكم ، قاله مجاهد ، والزجاج .

والرابع : حظكم من الله خير لكم ، قاله قتادة .

والخامس : رحمة الله خير لكم ، قاله ابن زيد .

والسادس : وصية الله خير لكم ، قاله الربيع .

والسابع : ثواب الله في الآخرة خير لكم ، قاله مقاتل .

والثامن : مراقبة الله خير لكم ، ذكره الفراء .

وقرأ الحسن البصري : " تقية الله خير لكم " بالتاء .

قوله تعالى : " إن كنتم مؤمنين " شرط الإيمان في كونه خيرا لهم ، لأنهم إن كانوا مؤمنين بالله عز وجل ، عرفوا صحة ما يقول .

وفي قوله : " وما أنا عليكم بحفيظ " ثلاثة أقوال :

أحدها : ما أمرت بقتالكم وإكراهكم على الإيمان .

والثاني : ما أمرت بمراقبتكم عند كيلكم لئلا تبخسوا .

والثالث : ما أحفظكم من عذاب الله إن نالكم .

قوله تعالى : " أصلواتك تأمرك " وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف ، وحفص : " أصلاتك " على التوحيد .

وفي المراد بصلواته ثلاثة أقوال : أحدها : دينه ، قاله عطاء . والثاني : قراءته ، قاله الأعمش . والثالث : أنها الصلوات المعروفة . وكان شعيب كثير الصلاة .

قوله تعالى : " أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء " قال الفراء : معنى الآية : أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا ، أو أن نترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء ؟

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 14-08-2022, 11:58 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,175
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الرابع

سُورَةُ هُودٍ
الحلقة (296)
صــ 150 إلى صــ 156





[ ص: 150 ] وفي معنى الكلام على قراءة من قرأ بالنون قولان :

أحدهما : أن فعلهم في أموالهم هو البخس والتطفيف ، قاله ابن عباس ; فالمعنى : قد تراضينا فيما بيننا بذلك .

والثاني : أنهم كانوا يقطعون الدراهم والدنانير ، فنهاهم عن ذلك ، قاله ابن زيد . وقال القرظي : عذبوا في قطعهم الدراهم . قال ابن الأنباري : وقرأ الضحاك بن قيس الفهري " ما تشاء " بالتاء ، ونسق " أن تفعل " على " أن تترك " ، واستغنى عن الإضمار . قال سفيان الثوري : في معنى هذه القراءة أنه أمرهم بالزكاة فامتنعوا . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ، والضحاك ، وابن أبي عبلة : " أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء " بالتاء فيهما ; ومعنى هذه القراءة كمعنى قراءة الفهري .

وفي قوله : " إنك لأنت الحليم الرشيد " أربعة أقوال :

أحدها : أنهم قالوه استهزاء به ، رواه أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال قتادة ، والفراء .

والثاني : أنهم قالوا له : إنك لأنت السفيه الجاهل ، فكنى بهذا عن ذلك ، ذكره الزجاج .

والثالث : أنهم سبوه بأنه ليس بحليم ولا رشيد ، فأثنى الله عز وجل عليه فقال : بل إنك لأنت الحليم الرشيد ، لا كما قال لك الكافرون ، حكاه أبو سليمان الدمشقي عن أبي الحسن المصيصي .

والرابع : أنهم اعترفوا له بالحلم والرشد حقيقة ، وقالوا : أنت حليم رشيد ، فلم تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء ؟ حكاه الماوردي ، وذهب إلى نحوه ابن كيسان .

قوله تعالى : " إن كنت على بينة من ربي " قد تقدم تفسيره [هود :28 و63] .

[ ص: 151 ] وفي قوله : " ورزقني منه رزقا حسنا " ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه الحلال ; قال ابن عباس : وكان شعيب كثير المال .

والثاني : النبوة . والثالث : العلم والمعرفة .

قال الزجاج : وجواب الشرط هاهنا متروك ، والمعنى : إن كنت على بينة من ربي ، أتبع الضلال ؟ فترك الجواب ، لعلم المخاطبين بالمعنى ، وقد مر مثل هذا .

قوله تعالى : " وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه " قال قتادة : لم أكن لأنهاكم عن أمر ثم أرتكبه . وقال الزجاج : ما أقصد بخلافكم القصد إلى ارتكابه .

قوله تعالى : " إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت " أي : ما أريد بما آمركم به إلا إصلاح أموركم بقدر طاقتي . وقدر طاقتي : إبلاغكم لا إجباركم .

قوله تعالى : " وما توفيقي إلا بالله " فتح تاء " توفيقي " أهل المدينة ، وابن عامر . ومعنى الكلام : ما إصابتي الحق في محاولة صلاحكم إلا بالله . " عليه توكلت " أي : فوضت أمري ، وذلك أنهم تواعدوه بقولهم : لنخرجنك يا شعيب [الأعراف :88] . " وإليه أنيب " : أي : أرجع .

قوله تعالى : " لا يجرمنكم شقاقي " حرك هذه الياء ابن كثير ، وأبو عمرو ، ونافع . قال الزجاج : لا تكسبنكم عداوتكم إياي أن تعذبوا .

قوله تعالى : " وما قوم لوط منكم ببعيد " فيه قولان :

أحدهما : أنهم كانوا قريبا من مساكنهم .

والثاني : أنهم كانوا حديثي عهد بعذاب قوم لوط . قال الزجاج : كان إهلاك قوم لوط أقرب الإهلاكات التي عرفوها . قال ابن الأنباري : إنما وحد بعيدا ، لأنه أزاله عن صفة القوم ، وجعله نعتا لمكان محذوف ، تقديره : وما قوم لوط منكم بمكان بعيد .

[ ص: 152 ] قوله تعالى : " إن ربي رحيم ودود " قد سبق معنى الرحيم .

فأما الودود : فقال ابن الأنباري : معناه : المحب لعباده ، من قولهم : وددت الرجل أوده ودا وودا وودا ، ويقال : وددت الرجل ودادا و ودادة و ودادة . وقال الخطابي : هو اسم مأخوذ من الود ; وفيه وجهان :

أحدهما : أن يكون فعولا في محل مفعول ، كما قيل : رجل هيوب ، بمعنى مهيب ، وفرس ركوب ، بمعنى مركوب ، فالله سبحانه مودود في قلوب أوليائه لما يتعرفونه من إحسانه إليهم .

والوجه الآخر : أن يكون بمعنى الواد ، أي : أنه يود عباده الصالحين ، بمعنى أنه يرضى عنهم بتقبل أعمالهم ; ويكون معناه : أن يوددهم إلى خلقه ، كقوله : سيجعل لهم الرحمن ودا [مريم :96] .

قوله تعالى : " ما نفقه كثيرا مما تقول " قال ابن الأنباري : معناه : ما نفقه صحة كثير مما تقول ، لأنهم كانوا يتدينون بغيره ، ويجوز أن يكونوا لاستثقالهم ذلك كأنهم لا يفقهونه .

قوله تعالى : " وإنا لنراك فينا ضعيفا " وفيه أربعة أقوال :

أحدها : ضريرا ; قال ابن عباس ، وابن جبير ، وقتادة : كان أعمى . قال الزجاج : ويقال إن حمير تسمي المكفوف : ضعيفا .

والثاني : ذليلا ، قاله الحسن ، وأبو روق ، ومقاتل .

وزعم أبو روق أن الله لم يبعث نبيا أعمى ، ولا نبيا به زمانة .

والثالث : ضعيف البصر ، قاله سفيان .

والرابع : عاجزا عن التصرف في المكاسب ، ذكره ابن الأنباري .

[ ص: 153 ] قوله تعالى : " ولولا رهطك لرجمناك " قال الزجاج : لولا عشيرتك لقتلناك بالرجم ، والرجم من سيئ القتلات ، وكان رهطه من أهل ملتهم ، فلذلك أظهروا الميل إليهم والإكرام لهم . وذكر بعضهم أن الرجم هاهنا بمعنى الشتم والأذى .

قوله تعالى : " وما أنت علينا بعزيز " فيه قولان :

أحدهما : بكريم ، والثاني : بممتنع أن نقتلك .

قوله تعالى : " أرهطي أعز عليكم من الله " وأسكن ياء " رهطي " أهل الكوفة ، ويعقوب ، والمعنى : أتراعون رهطي في ، ولا تراعون الله في ؟

قوله تعالى : " واتخذتموه وراءكم " في هاء الكناية قولان :

أحدهما : أنها ترجع إلى الله تعالى ، قاله الجمهور . قال الفراء : المعنى : رميتم بأمر الله وراء ظهوركم . قال الزجاج : والعرب تقول لكل من لا يعبأ بأمر : قد جعل فلان هذا الأمر بظهر ، قال الشاعر :


تميم بن قيس لا تكونن حاجتي بظهر فلا يعيا علي جوابها


والثاني: أنها كناية عما جاء به شعيب ، قاله مجاهد .

قوله تعالى : " إن ربي بما تعملون محيط " أي : عالم بأعمالكم ، فهو يجازيكم بها . وما بعد هذا قد سبق تفسيره إلى قوله : " سوف تعلمون " [الأنعام :135] .

فإن قال قائل : كيف قال هاهنا " سوف " وفي سورة أخرى " فسوف " ؟ [الأنعام :135]

فالجواب : أن كلا الأمرين حسن عند العرب ، إن أدخلوا الفاء ، دلوا على اتصال ما بعد الكلام بما قبله ، وإن أسقطوها ، بنوا الكلام الأول على أنه قد تم ، [ ص: 154 ] وما بعده مستأنف ، كقوله : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا [البقرة :67] ، والمعنى : فقالوا : أتتخذنا ، بالفاء ، فحذفت الفاء لتمام ما قبلها . قال امرؤ القيس :


فقالت يمين الله مالك حيلة وما إن أرى عنك الغواية تنجلي


خرجت بها أمشي تجر وراءنا على إثرنا أذيال مرط مرحل


قال ابن الأنباري : أراد : فخرجت ، فأسقط الفاء لتمام ما قبلها . ويروى : فقمت بها أمشي .

قوله تعالى : " وارتقبوا إني معكم رقيب " قال ابن عباس : ارتقبوا العذاب ، فإني أرتقب الثواب .

قوله تعالى : " وأخذت الذين ظلموا الصيحة " قال المفسرون : صاح بهم جبريل فماتوا في أمكنتهم . قال محمد بن كعب : عذب أهل مدين بثلاثة أصناف من العذاب ، أخذتهم رجفة في ديارهم ، حتى خافوا أن تسقط عليهم ، فخرجوا منها فأصابهم حر شديد ، فبعث الله الظلة ، فتنادوا : هلم إلى الظل ; فدخلوا جميعا في الظلة ، فصيح بهم صيحة واحدة فماتوا كلهم . قال ابن عباس : لم تعذب أمتان قط بعذاب واحد ، إلا قوم شعيب وصالح ، فأما قوم صالح ، فأخذتهم الصيحة من تحتهم ، وأما قوم شعيب فأخذتهم من فوقهم ، نشأت لهم سحابة كهيئة الظلة فيها ريح بعد أن امتنعت الريح عنهم ، فأتوها يستظلون تحتها فأحرقتهم .

قوله تعالى : " كما بعدت ثمود " أي : كما هلكت ثمود .

[ ص: 155 ] قال ابن قتيبة : يقال : بعد يبعد : إذا كان بعده هلكة ; وبعد يبعد : إذا نأى .
ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد

قوله تعالى : " ولقد أرسلنا موسى بآياتنا " قال الزجاج : بعلاماتنا التي تدل على صحة نبوته . " وسلطان مبين " أي : حجة بينة .

قوله تعالى : " فاتبعوا أمر فرعون " وهو ما أمرهم به من عبادته واتخاذه إلها . " وما أمر فرعون برشيد " أي : مرشد إلى خير .
يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود

قوله تعالى : " يقدم قومه يوم القيامة " قال الزجاج : يقال : قدمت القوم أقدمهم ، قدما وقدوما : إذا تقدمتهم ; والمعنى : يقدمهم إلى النار ; ويدل عليه قوله : " فأوردهم النار " قال ابن عباس : أوردهم بمعنى أدخلهم . وقال قتادة : يمضي بين أيديهم حتى يهجم بهم على النار .

قوله تعالى : " وبئس الورد المورود " قال المفسرون : الورد : الموضع الذي ترده . وقال ابن الأنباري : الورد : مصدر معناه : الورود ، تجعله العرب بمعنى الموضع المورود ; فتلخيص الحرف : وبئس المدخل المدخول النار .
وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود

قوله تعالى : " وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة " .

في هذه اللعنة قولان :

[ ص: 156 ] أحدهما : أنها في الدنيا الغرق . وفي الآخرة عذاب النار ، هذا قول الكلبي ، ومقاتل .

والثاني : أنها اللعنة في الدنيا من المؤمنين ، وفي الآخرة من الملائكة ، ذكره الماوردي .

قوله تعالى : " بئس الرفد المرفود " قال ابن قتيبة : الرفد : العطية ; يقول : اللعنة بئس العطية ; يقال : رفدته أرفده : إذا أعطيته وأعنته . والمرفود : المعطى .

ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد

قوله تعالى : " ذلك من أنباء القرى " يعني ما تقدم من الخبر عن القرى المهلكة . " نقصه عليك " أي : نخبرك به . " منها قائم وحصيد " قال قتادة : القائم : ما يرى مكانه ، والحصيد : لا يرى أثره . وقال ابن قتيبة : القائم : الظاهر العين ، والحصيد : الذي قد أبيد وحصد . وقال الزجاج : القائم : ما بقيت حيطانه ، والحصيد : الذي خسف به وما قد انمحى أثره .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 14-08-2022, 11:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,175
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الرابع

سُورَةُ هُودٍ
الحلقة (297)
صــ 157 إلى صــ 163





وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب

قوله تعالى : " وما ظلمناهم " أي : بالعذاب والإهلاك . " ولكن ظلموا أنفسهم " بالكفر والمعاصي . " فما أغنت عنهم آلهتهم " أي : فما نفعتهم ولا دفعت عنهم شيئا " لما جاء أمر ربك " بالهلاك . " وما زادوهم " يعني الآلهة " غير تتبيب " وفيه ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه التخسير ، رواه أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد ، [ ص: 157 ] وقتادة ، واختاره ابن قتيبة ، والزجاج . والثاني : أنه الشر ، قاله ابن زيد . والثالث : التدمير والإهلاك ، قاله أبو عبيدة .

فإن قيل : الآلهة جماد ، فكيف قال : " زادوهم " فعنه جوابان :

أحدهما : وما زادتهم عبادتها .

والثاني : أنها في القيامة تكون عونا عليهم فتزيدهم شرا .
وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد

قوله تعالى : " وكذلك أخذ ربك " أي : وكما ذكر من إهلاك الأمم وأخذهم بالعذاب أخذ ربك . " إذا أخذ القرى وهي ظالمة " وصف القرى بالظلم ، والمراد أهلها . وقال ابن عباس : الظلم هاهنا : بمعنى الكفر .
إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود وما نؤخره إلا لأجل معدود

قوله تعالى : " إن في ذلك لآية " يعني ما ذكر من عذاب الأمم وأخذهم . والآية : العبرة والعظة . " ذلك يوم مجموع له الناس " لأن الخلق يحشرون فيه ، ويشهده البر والفاجر ، وأهل السماء والأرض . . " وما نؤخره " وروى زيد عن يعقوب ، وأبو زيد عن المفضل " وما يؤخره " بـالياء والمعنى : وما نؤخر ذلك اليوم إلا لوقت معلوم لا يعلمه إلا الله .
يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق [ ص: 158 ] خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ

قوله تعالى : " يوم يأت " قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، والكسائي : " يوم يأتي " بياء في الوصل ، وحذفوها في الوقف ; غير أن ابن كثير كان يقف بالياء ، ويصل بالياء . وقرأ عاصم ، وابن عامر ، وحمزة بغير ياء في الوصل والوقف . قال الزجاج : الذي يختاره النحويون " يوم يأتي " بإثبات الياء ، والذي في المصحف وعليه أكثر القراءات بكسر التاء ، وهذيل تستعمل حذف هذه الياءات كثيرا . وقد حكى الخليل ، وسيبويه ، أن العرب تقول : لا أدر ، فتحذف الياء ، وتجتزئ بالكسرة ويزعمون أن ذلك لكثرة الاستعمال . وقال الفراء : كل ياء ساكنة وما قبلها مكسور ، أو واو ساكنة وما قبلها مضموم ، فإن العرب تحذفها وتجتزئ بالكسرة من الياء ، وبالضمة من الواو ، وأنشدني بعضهم :


كفاك كف ما تليق درهما جودا وأخرى تعط بالسيف الدما


قال المفسرون : وقوله : " يوم يأتي " يعني : يأتي ذلك اليوم ، لا تكلم نفس إلا بإذن الله ، فكل الخلائق ساكتون ، إلا من أذن الله له في الكلام . وقيل : المراد بهذا الكلام الشفاعة .

قوله تعالى : " فمنهم شقي " قال ابن عباس : منهم من كتبت عليه الشقاوة ، ومنهم من كتبت له السعادة .

قوله تعالى : " لهم فيها زفير وشهيق " فيه ثلاثة أقوال :

أحدها : أن الزفير كزفير الحمار في الصدر ، وهو أول ما ينهق ، والشهيق كشهيق الحمار في الحلق ، وهو آخر ما يفرغ من نهيقه ، رواه أبو صالح عن ابن [ ص: 159 ] عباس ، وبه قال الضحاك ، ومقاتل ، والفراء . وقال الزجاج : الزفير : شديد الأنين وقبيحه ، والشهيق : الأنين الشديد المرتفع جدا ، وهما من أصوات المكروبين . وزعم أهل اللغة من الكوفيين والبصريين أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار في النهيق ، والشهيق بمنزلة آخر صوته في النهيق .

والثاني : أن الزفير في الحلق ، والشهيق في الصدور ، رواه الضحاك عن ابن عباس ، وبه قال أبو العالية ، والربيع بن أنس . وفي رواية أخرى عن ابن عباس : الزفير : الصوت الشديد ، والشهيق : الصوت الضعيف . وقال ابن فارس : الشهيق ضد الزفير ، لأن الشهيق رد النفس ، والزفير إخراج النفس . وقال غيره : الزفير : الشديد ، مأخوذ من الزفر ، وهو الحمل على الظهر لشدته ; والشهيق : النفس الطويل الممتد ، مأخوذ من قولهم : جبل شاهق ، أي : طويل .

والثالث : أن الزفير زفير الحمار ، والشهيق شهيق البغال ، قاله ابن السائب .

قوله تعالى : " خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض " المعروف فيه قولان :

أحدهما : أنها السموات المعروفة عندنا ، والأرض المعروفة ; قال ابن قتيبة ، وابن الأنباري : للعرب في معنى الأبد ألفاظ ; تقول : لا أفعل ذلك ما اختلف الليل والنهار ، وما دامت السموات والأرض ، وما اختلفت الجرة والدرة ، وما أطت الإبل ، في أشباه لهذا كثيرة ، ظنا منهم أن هذه الأشياء لا تتغير ، فخاطبهم الله بما يستعملون في كلامهم .

[ ص: 160 ] والثاني : أنها سماوات الجنة والنار وأرضهما .

قوله تعالى : " إلا ما شاء ربك " في الاستثناء المذكور في حق أهل النار سبعة أقوال :

أحدها : أن الاستثناء في حق الموحدين الذين يخرجون بالشفاعة ، قاله ابن عباس ، والضحاك .

والثاني : أنه استثناء لا يفعله ، تقول : والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك ، وعزيمتك على ضربه ، ذكره الفراء ، وهو معنى قول أبي صالح عن ابن عباس : " إلا ما شاء ربك " قال : فقد شاء أن يخلدوا فيها . قال الزجاج : وفائدة هذا ، أنه لو شاء أن يرحمهم لرحمهم ، ولكنه أعلمنا أنهم خالدون أبدا .

والثالث : أن المعنى : خالدين فيها أبدا ، غير أن الله تعالى يأمر النار فتأكلهم وتفنيهم ، ثم يجدد خلقهم ، فيرجع الاستثناء إلى تلك الحال ، قاله ابن مسعود .

والرابع : أن " إلا " بمعنى " سوى " تقول : لو كان معنا رجل إلا زيد أي : سوى زيد ; فالمعنى : خالدين فيها مقدار دوام السموات والأرض سوى ما شاء ربك من الخلود والزيادة ، وهذا اختيار الفراء . قال ابن قتيبة : ومثله في الكلام أن تقول : لأسكننك في هذه الدار حولا إلا ما شئت ; تريد : سوى ما شئت أن أزيدك .

والخامس : أنهم إذا حشروا وبعثوا ، فهم في شروط القيامة ; فالاستثناء واقع في الخلود بمقدار موقفهم في الحساب ، فالمعنى : خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا مقدار موقفهم للمحاسبة ، ذكره الزجاج . وقال ابن كيسان : الاستثناء يعود إلى مكثهم في الدنيا والبرزخ والوقوف للحساب ; قال ابن قتيبة : فالمعنى : خالدين في النار وخالدين في الجنة دوام السماء والأرض إلا ما شاء ربك [ ص: 161 ] من تعميرهم في الدنيا قبل ذلك ، فكأنه جعل دوام السماء والأرض بمعنى الأبد على ما كانت العرب تستعمل ، وإن كانتا قد تتغيران . واستثنى المشيئة من دوامهما ، لأن أهل الجنة والنار قد كانوا في وقت من أوقات دوام السماء والأرض في الدنيا ، لا في الجنة ، ولا في النار .

والسادس : أن الاستثناء وقع على أن لهم فيها زفيرا وشهيقا ، إلا ما شاء ربك من أنواع العذاب التي لم تذكر ; وكذلك لأهل الجنة نعيم مما ذكر ، ولهم مما لم يذكر ما شاء ربك ، ذكره الزجاج أيضا .

والسابع : أن " إلا " بمعنى " كما " ومنه قوله : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف [النساء :22] ، ذكره الثعلبي .

فأما الاستثناء في حق أهل الجنة ، ففيه ستة أقوال :

أحدها : أنه استثناء لا يفعله . والثاني : أن " إلا " بمعنى " سوى " . والثالث: أنه يرجع إلى وقوفهم للحساب ولبثهم في القبور . والرابع : أنه بمعنى : إلا ما شاء أن يزيدهم من النعيم الذي لم يذكر . والخامس : أن " إلا " بمعنى " كما " ، وهذه الأقوال قد سبق شرحها . والسادس : أن الاستثناء يرجع إلى لبث من لبث في النار من الموحدين ، ثم أدخل الجنة ، قاله ابن عباس ، والضحاك ، ومقاتل . قال ابن قتيبة : فيكون الاستثناء من الخلود مكث أهل الذنوب من المسلمين في النار ، فكأنه قال : إلا ما شاء ربك من إخراج المذنبين إلى الجنة ، وخالدين في الجنة إلا ما شاء ربك من إدخال المذنبين النار مدة .

واختلف القراء في " سعدوا " فقرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن [ ص: 162 ] عامر ، وأبو بكر عن عاصم : " سعدوا " بفتح السين . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم : بضمها ، وهما لغتان .

قوله تعالى : " عطاء غير مجذوذ " نصب عطاء بما دل عليه الكلام ، كأنه قال : أعطاهم النعيم عطاء . والمجذوذ : المقطوع ; قال ابن قتيبة : يقال جذذت ، وجددت ، وجذفت ، وجدفت : إذا قطعت .
فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص

قوله تعالى : " فلا تك في مرية " أي : فلا تك يا محمد في شك " مما يعبد هؤلاء " المشركون من الأصنام ، أنه باطل وضلال ، إنما يقلدون آباءهم ، " وإنا لموفوهم نصيبهم " وفيه ثلاثة أقوال :

أحدها : ما قدر لهم من خير وشر ، قاله ابن عباس . والثاني : نصيبهم من الرزق ، قاله أبو العالية . والثالث : نصيبهم من العذاب ، قاله ابن زيد . وقال بعضهم : لا ينقصهم من عذاب آبائهم .
ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب

قوله تعالى : " ولقد آتينا موسى الكتاب " يعني التوراة " فاختلف فيه " فمن مصدق به ومكذب كما فعل قومك بالقرآن . قال المفسرون : وهذه تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم .

قوله تعالى : " ولولا كلمة سبقت من ربك " قال ابن عباس : يريد : إني أخرت أمتك إلى يوم القيامة ، ولولا ذلك لعجلت عقاب من كذبك . وقال ابن قتيبة : لولا نظرة لهم إلى يوم الدين لقضي بينهم في الدنيا . وقال ابن جرير : [ ص: 163 ] سبقت من ربك أنه لا يعجل على خلقه بالعذاب ، لقضي بين المصدق منهم والمكذب بإهلاك المكذب وإنجاء المصدق .

قوله تعالى : " وإنهم لفي شك منه " أي : من القرآن " مريب " أي : موقع للريب .
وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير

قوله تعالى : " وإن كلا " يشير إلى جميع من قص قصته في هذه السورة . وقال مقاتل : يعني به كفار هذه الأمة . وقيل : المعنى : وإن كلا لخلق أو بشر " ليوفينهم " . قرأ أبو عمرو ، والكسائي " وإن " مشددة النون ، " لما " خفيفة . واللام في " لما " لام التوكيد ، دخلت على " ما " وهي خبر " إن " . واللام في " ليوفينهم " اللام التي يتلقى بها القسم ، والتقدير : والله ليوفينهم ، ودخلت " ما " للفصل بين اللامين . قال مكي بن أبي طالب : وقيل: إن " ما " زائدة ، لكن دخلت لتفصل بين اللامين اللذين يتلقيان القسم ، وكلاهما مفتوح ، ففصل بـ " ما " بينهما ، وقرأ ابن كثير " وإن " بالتخفيف ، وكذلك " لما " . قال سيبويه : حدثنا من نثق به أنه سمع من العرب من يقول : إن عمرا لمنطلق ، فيخففون " إن " ويعملونها وأنشد :


ووجه حسن النحر كأن ثدييه حقان

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 14-08-2022, 11:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,175
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الرابع

سُورَةُ هُودٍ
الحلقة (298)
صــ 164 إلى صــ 170





[ ص: 164 ] وقرأ نافع ، وأبو بكر عن عاصم : " وإن " خفيفة ، " لما " مشددة ، والمعنى : وما كلا إلا ; وهذا كما تقول : سألتك لما فعلت ، وإلا فعلت ، ومثله قوله : إن كل نفس لما عليها حافظ [الطارق :4] . وقرأ حمزة ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم : " وإن " بالتشديد ، " لما " بالتشديد أيضا . قال أبو علي : هذه قراءة مشكلة ، لأنه كما لا يحسن : إن زيدا إلا منطلق ، كذلك لا يحسن تثقيل " إن " وتثقيل " لما " . وحكى عن الكسائي أنه قال : لا أعرف وجه التثقيل في " لما " ، ولم يبعد فيما قال . وقال مكي بن أبي طالب : الأصل فيها " لمن ما " ثم أدغمت النون في الميم ، فاجتمعت ثلاث ميمات في اللفظ ، فحذفت الميم المكسورة ; والتقدير : وإن كلا لمن خلق ليوفينهم . قال : وقيل : التقدير : " لمن ما " بفتح الميم في " من " فتكون " ما " زائدة ، وتحذف إحدى الميمات لتكرير الميم في اللفظ ; والتقدير : لخلق ليوفينهم ، ومعنى الكلام : ليوفينهم جزاء أعمالهم .
فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير

قوله تعالى : " فاستقم كما أمرت " قال ابن عيينة : استقم على القرآن . وقال ابن قتيبة : امض على ما أمرت به .

قوله تعالى : " ومن تاب معك " قال ابن عباس : من تاب معك من الشرك .

قوله تعالى : " ولا تطغوا " فيه ثلاثة أقوال :

أحدها : لا تطغوا في القرآن ، فتحلوا وتحرموا ما لم آمركم به ، قاله ابن عباس .

والثاني : لا تعصوا ربكم ولا تخالفوه ، قاله ابن زيد .

والثالث : لا تخلطوا التوحيد بشك ، قاله مقاتل .
[ ص: 165 ] ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون

قوله تعالى : " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا " روى عبد الوارث عن أبي عمرو : " تركنوا " بفتح التاء وضم الكاف ، وهي قراءة قتادة . وروى هارون عن أبي عمرو " تركنوا " بفتح التاء وكسر الكاف . وروى محبوب عن أبي عمرو : " تركنوا " بكسر التاء وفتح الكاف . وقرأ ابن أبي عبلة " تركنوا " بضم التاء وفتح الكاف على ما لم يسم فاعله . وفي المراد بهذا الركون أربعة أقوال .

أحدها : لا تميلوا إلى المشركين ، قاله ابن عباس . والثاني : لا ترضوا أعمالهم ، قاله أبو العالية . والثالث : لا تلحقوا بالمشركين ، قاله قتادة . والرابع : لا تداهنوا الظلمة ، قاله السدي ، وابن زيد .

وفي قوله : " فتمسكم النار " وجهان : أحدهما : فتصيبكم النار ، قاله ابن عباس . والثاني : فيتعدى إليكم ظلمهم كما تتعدى النار إلى إحراق ما جاورها ، ذكره الماوردي .

قوله تعالى : " وما لكم من دون الله من أولياء " أي : ليس لكم أعوان يمنعونكم من العذاب .
وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين

قوله تعالى : " وأقم الصلاة طرفي النهار " أما سبب نزولها ، فروى علقمة والأسود عن ابن مسعود أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إني أخذت امرأة في البستان فقبلتها ، وضممتها ، إلي وباشرتها ، وفعلت بها كل شيء ، غير أني لم أجامعها ; [ ص: 166 ] فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى " وأقم الصلاة طرفي النهار . . . " الآية ، فدعا الرجل فقرأها عليه ، فقال عمر : أهي له خاصة ، أم للناس كافة ؟ قال : " لا ، بل للناس كافة " . وفي رواية أخرى عن ابن مسعود : أن رجلا أصاب من امرأة قبلة ، فأتى رسول الله ، فذكر ذلك له ، فنزلت هذه الآية ، فقال الرجل : ألي هذه الآية ؟ فقال : " لمن عمل بها من أمتي " . وقال معاذ بن جبل : كنت قاعدا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء رجل ، فقال : يا رسول الله ، ما تقول في رجل أصاب من امرأة مالا يحل له ، فلم يدع شيئا يصيبه الرجل من امرأته إلا أصابه منها ، غير أنه لم يجامعها ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " توضأ وضوءا حسنا ، ثم قم فصل " فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فقال معاذ : أهي له خاصة ، أم للمسلمين عامة ؟ فقال : " بل هي للمسلمين عامة " . واختلفوا في اسم هذا الرجل ، فقال أبو صالح عن ابن عباس : هو عمرو بن غزية الأنصاري ، وفيه نزلت هذه الآية ، كان يبيع التمر ، فأتته امرأة تبتاع منه تمرا ، فأعجبته ، فقال : إن في البيت تمرا أجود من هذا ، فانطلقي معي حتى أعطيك منه ; فذكر نحو [ ص: 167 ] حديث معاذ . وقال مقاتل : هو أبو مقبل عامر بن قيس الأنصاري . وذكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب الحافظ أنه أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري . وذكر في الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم ، أله خاصة ؟ ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه أبو اليسر صاحب القصة . والثاني : معاذ بن جبل . والثالث : عمر بن الخطاب .

فأما التفسير ، فقوله : " وأقم الصلاة " أي : أتم ركوعها وسجودها .

فأما طرفا النهار ، ففي الطرف الأول قولان :

أحدهما : أنه صلاة الفجر ، قاله الجمهور . والثاني : أنه الظهر ، حكاه ابن جرير .

وفي الطرف الثاني ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه صلاة المغرب ، قاله ابن عباس ، وابن زيد . الثاني : العصر ، قاله قتادة . وعن الحسن كالقولين . والثالث : الظهر ، والعصر ، قاله مجاهد ، والقرظي . وعن الضحاك كالأقوال الثلاثة .

قوله تعالى : " وزلفا من الليل " وقرأ أبو جعفر ، وشيبة " وزلفا " بضم اللام . قال أبو عبيدة : الزلف : الساعات ، واحدها : زلفة ، أي : ساعة ومنزلة وقربة ; ومنه سميت المزدلفة ، قال العجاج :

[ ص: 168 ]
ناج طواه الأين مما أوجفا طي الليالي زلفا فزلفا


سماوة الهلال حتى احقوقفا

قال ابن قتيبة : ومنه يقال : أزلفني كذا عندك ، أي : أدناني ; والمزالف : المنازل والدرج ، وكذلك الزلف :

وفيها للمفسرين قولان :

أحدهما : أنها صلاة العتمة ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس ، وعوف عن الحسن ، وابن أبي نجيح عن مجاهد ، وبه قال ابن زيد .

والثاني : أنها صلاة المغرب والعشاء ، روي عن ابن عباس أيضا ، ورواه يونس عن الحسن ، ومنصور عن مجاهد ، وبه قال قتادة ، ومقاتل ، والزجاج .

قوله تعالى : " إن الحسنات يذهبن السيئات " في المراد بالحسنات قولان :

أحدهما : أنها الصلوات الخمس ، قاله ابن مسعود ، وابن عباس ، وابن المسيب ، ومسروق ، ومجاهد ، والقرظي ، والضحاك ، والمقاتلان : ابن سليمان ، وابن حيان .

والثاني : أنها سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، رواه منصور عن مجاهد . والأول أصح ، لأن الجمهور عليه ، وفيه حديث مسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رواه عثمان بن عفان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه توضأ ، وقال : من توضأ وضوئي هذا ، ثم صلى الظهر ، غفر له ما كان بينها وبين صلاة الصبح ، [ ص: 169 ] ومن صلى العصر ، غفر له ما بينها وبين صلاة الظهر ، ومن صلى المغرب ، غفر له ما بينها وبين صلاة العصر ، ثم صلى العشاء ، غفر له ما بينها وبين صلاة المغرب ، ثم لعله أن يبيت ليلته يتمرغ ، ثم إن قام فتوضأ وصلى الصبح ، غفر له ما بينه وبين صلاة العشاء ، وهن الحسنات يذهبن السيئات " .

فأما السيئات المذكورة هاهنا ، فقال المفسرون : هي الصغائر من الذنوب . وقد روى معاذ بن جبل ، قال : قلت : يا رسول الله ، أوصني ; قال : " اتق الله حيثما كنت " ، قال : قلت : زدني ; قال : " أتبع السيئة الحسنة تمحها " ، قلت : زدني ; قال : " خالق الناس بخلق حسن " .

قوله تعالى : " ذلك ذكرى للذاكرين " في المشار إليه بـ " ذلك " ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه القرآن . والثاني : إقام الصلاة . والثالث : جميع ما تقدم من الوصية بالاستقامة ، والنهي عن الطغيان ، وترك الميل إلى الظالمين ، والقيام بالصلاة .

[ ص: 170 ] وفي المراد بالذكرى قولان :

أحدهما : أنه بمعنى التوبة . والثاني : بمعنى العظة .
واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين

قوله تعالى : " واصبر " فيما أمر بالصبر عليه قولان :

أحدهما : لما يلقاه من أذى قومه . والثاني : الصلاة .

وفي المراد بالمحسنين ثلاثة أقوال :

أحدها : المصلون ، قاله ابن عباس . والثاني : المخلصون ، قاله مقاتل . والثالث : أنهم المحسنون في أعمالهم ، قاله أبو سليمان .
فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين

قوله تعالى : " فلولا كان من القرون " قال ابن عباس ، والفراء : المعنى : فلم يكن . وقال ابن قتيبة : المعنى : فهلا كان من القرون من قبلكم أولو بقية . وروى ابن جماز عن أبي جعفر " أولو بقية " بكسر الباء وسكون القاف وتخفيف الياء .

وفي معنى " أولو بقية " ثلاثة أقوال :

أحدها : أولو دين ، قاله ابن عباس . قال ابن قتيبة : يقال : قوم لهم بقية ، وفيهم بقية : إذا كانت بهم مسكة وفيهم خير . والثاني : أولو تمييز . والثالث : أولو طاعة ، ذكرهما الزجاج ، وقال : إذا قلت : فلان فيه بقية ، فمعناه : فيه فضل .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 15-08-2022, 12:00 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,175
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الرابع

سُورَةُ هُودٍ
الحلقة (299)
صــ 171 إلى صــ 177



قوله تعالى : " إلا قليلا " استثناء منقطع ، أي : لكن قليلا ممن أنجينا منهم [ ص: 171 ] ممن نهى عن الفساد . قال مقاتل : لم يكن من القرون من ينهى عن المعاصي والشرك إلا قليلا ممن أنجينا من العذاب مع الرسل .

قوله تعالى : " واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه " أي : اتبعوا مع ظلمهم ما أترفوا فيه مع استدامة نعيمهم ، فلم يقبلوا ما ينقص من ترفهم . قال الفراء : آثروا اللذات على أمر الآخرة . قال : ويقال : اتبعوا ذنوبهم السيئة إلى النار .
وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون

قوله تعالى : " وما كان ربك ليهلك القرى بظلم " فيه قولان :

أحدهما : بغير جرم ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . والثاني : بشرك ، ذكره ابن جرير ، وأبو سليمان . وفي قوله : " وأهلها مصلحون " ثلاثة أقوال :

أحدها : ينتصف بعضهم من بعض ، رواه قيس بن أبي حازم عن جرير . قال أبو جعفر الطبري : فيكون المعنى : لا يهلكهم إذا تناصفوا وإن كانوا مشركين ، وإنما يهلكهم إذا تظالموا .

والثاني : مصلحون لأعمالهم ، متمسكون بالطاعة ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . والثالث : مؤمنون ، قاله مقاتل .
ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين

قوله تعالى : " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة " قال ابن عباس : لو شاء أن يجعلهم كلهم مسلمين لفعل .

قوله تعالى : " ولا يزالون مختلفين " في المشار إليهم قولان :

[ ص: 172 ] أحدهما : أنهم أهل الحق وأهل الباطل ، رواه الضحاك عن ابن عباس ; فيكون المعنى : إن هؤلاء يخالفون هؤلاء .

والثاني : أنهم أهل الأهواء لا يزالون مختلفين ، رواه عكرمة عن ابن عباس .

قوله تعالى : " إلا من رحم ربك " قال ابن عباس : هم أهل الحق . وقال الحسن : أهل رحمة الله لا يختلفون .

قوله تعالى : " ولذلك خلقهم " في المشار إليه بذلك أربعة أقوال :

أحدها : أنه يرجع إلى ما هم عليه . قال ابن عباس : خلقهم فريقين ، فريقا يرحم فلا يختلف ، وفريقا لا يرحم يختلف .

والثاني : أنه يرجع إلى الشقاء والسعادة ، قاله ابن عباس أيضا ، واختاره الزجاج ، قال : لأن اختلافهم مؤديهم إلى سعادة وشقاوة . قال ابن جرير : واللام في قوله : " ولذلك " بمعنى " على " .

والثالث : أنه يرجع إلى الاختلاف ، رواه مبارك عن الحسن .

والرابع : أنه يرجع إلى الرحمة ، رواه عكرمة عن ابن عباس ، وبه قال عكرمة ، ومجاهد ، والضحاك ، وقتادة ; فعلى هذا يكون المعنى : ولرحمته خلق الذين لا يختلفون في دينهم .

قوله تعالى : " وتمت كلمة ربك " قال ابن عباس : وجب قول ربك : " لأملأن جهنم " من كفار الجنة ، وكفار الناس .
وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين

قوله تعالى : " وكلا نقص " قال الزجاج : " كلا " منصوب بـ " نقص " ، [ ص: 173 ] المعنى : كل الذي تحتاج إليه من أنباء الرسل نقص عليك ، و " ما " منصوبة بدلا من كل ، المعنى : نقص عليك ما نثبت به فؤادك ; ومعنى تثبيت الفؤاد تسكين القلب هاهنا ، ليس للشك ، ولكن كلما كان البرهان والدلالة أكثر ، كان القلب أثبت .

قوله تعالى : " وجاءك في هذه الحق " في المشار إليه بـ " هذه " أربعة أقوال :

أحدها : أنها السورة ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأبو العالية ، ورواه شيبان عن قتادة .

والثاني : أنها الدنيا ، فالمعنى : وجاءك في هذه الدنيا ، رواه سعيد عن قتادة ; وعن الحسن كالقولين .

والثالث : أنها الأقاصيص المذكورة .

والرابع : أنها هذه الآية بعينها ، ذكر القولين ابن الأنباري .

وفي المراد بالحق هاهنا ثلاثة أقوال :

أحدها : أنها البيان . والثاني : صدق القصص والأنباء . والثالث : النبوة .

فإن قيل : أليس قد جاءه الحق في كل القرآن ، فلم خص هذه السورة ؟

فالجواب : أنا إن قلنا : إن الحق النبوة ، فالإشارة بـ " هذه " إلى الدنيا ، فيكون المعنى : وجاءك في هذه الدنيا النبوة ، فيرتفع الإشكال . وإن قلنا : إنها السورة ، فعنه أربعة أجوبة :

أحدها : أن المراد بالحق البيان ، وهذه السورة جمعت من تبيين إهلاك الأمم ، وشرح مآلهم ، ما لم يجمع غيرها ، فبان أثر التخصيص ، وهذا مذهب بعض المفسرين .

والثاني : أن بعض الحق أوكد من بعض في ظهوره عندنا وخفائه علينا ، [ ص: 174 ] ولهذا يقول الناس : فلان في الحق : إذا كان في الموت ، وإن لم يكن قبله في باطل ، ولكن لتعظيم ما هو فيه ، فكأن الحق المبين في هذه السورة أجلى من غيره ، وهذا مذهب الزجاج .

والثالث : أنه خص هذه السورة بذلك لبيان فضلها ، وإن كان في غيرها حق أيضا ، فهو كقوله : والصلاة الوسطى [البقرة :238] ، وقوله : وجبريل وميكال [البقرة :98] ، وهذا مذهب ابن الأنباري .

والرابع : أن المعنى : وجاءك في هذه السورة الحق مع ما جاءك من سائر السور ، قاله ابن جرير الطبري .

قوله تعالى : " وموعظة وذكرى للمؤمنين " أي : يتعظون إذا سمعوا هذه السورة وما نزل بالأمم فتلين قلوبهم .
وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون

قوله تعالى : وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم هذا تهديد ووعيد ، والمعنى : اعملوا ما أنتم عاملون ، فستعلمون عاقبة أمركم ، " وانتظروا " ما يعدكم الشيطان " إنا منتظرون " ما يعدنا ربنا .

فصل

قال المفسرون : وهذه الآية اقتضت تركهم على أعمالهم ، والاقتناع بإنذارهم ، وهي منسوخة بآية السيف .

واعلم أنه إذا قلنا : إن المراد بالآية التهديد ، لم يتوجه نسخ .
[ ص: 175 ] ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون .

قوله تعالى : " ولله غيب السماوات والأرض " أي : علم ما غاب عن العباد فيهما . " وإليه يرجع الأمر كله " قرأ نافع ، وحفص عن عاصم ، " يرجع الأمر كله " بضم الياء . وقرأ الباقون ، وأبو بكر عن عاصم " يرجع " بفتح الياء ، والمعنى : إن كل الأمور ترجع إليه في المعاد . " فاعبده " أي : وحده . " وتوكل عليه " أي : ثق به . " وما ربك بغافل عما يعملون " قرأ نافع ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم " تعملون " بالتاء . وقرأ الباقون بالياء . قال أبو علي : فمن قرأ بالياء ، فالمعنى : قل لهم : وما ربك بغافل عما يعملون . ومن قرأ بالتاء ، فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم ، فهو أعم من الياء ، وهذا وعيد ، والمعنى : إنه يجزي المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته . قال كعب : خاتمة التوراة خاتمة " هود " .

سُورَةُ يُوسُفَ

[عَلَيْهِ السَّلَامُ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ

فَصْلٌ فِي نُزُولِهَا

هِيَ مَكِّيَّةٌ بِالْإِجْمَاعِ . وَفِي سَبَبِ نُزُولِهَا قَوْلَانِ : أَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ ، فَرُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَلَاهُ ، عَلَيْهِمْ زَمَانًا ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ قَصَصْتَ عَلَيْنَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : " الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ " إِلَى قَوْلِهِ : " نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ " ، فَتَلَاهُ عَلَيْهِمْ زَمَانًا ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ حَدَّثْتَنَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ [الزُّمَرِ :23] كُلُّ ذَلِكَ يُؤْمَرُونَ بِالْقُرْآنِ . وَقَالَ [ ص: 177 ] عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : مَلَّ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَلَّةً ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ [الزُّمَرِ :23] ، ثُمَّ إِنَّهُمْ مَلُّوا مَلَّةً أُخْرَى ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَوْقَ الْحَدِيثِ ، وَدُونَ الْقُرْآنِ ، يَعْنُونَ الْقَصَصَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ " نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ " فَأَرَادُوا الْحَدِيثَ ، فَدَلَّهُمْ عَلَى أَحْسَنِ الْحَدِيثِ ، وَأَرَادُوا الْقَصَصَ ، فَدَلَّهُمْ عَلَى أَحْسَنِ الْقَصَصِ . وَالثَّانِي : رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : سَأَلَتِ الْيَهُودُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالُوا : حَدِّثْنَا عَنْ أَمْرِ يَعْقُوبَ وَوَلَدِهِ وَشَأْنِ يُوسُفَ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ " الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا " وَذَلِكَ أَنَّ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِي َّةِ ، وَالْإِنْجِيلَ بِالسُّرْيَانِي َّةِ ، وَأَنْتُمْ قَوْمٌ عَرَبٌ ، وَلَوْ أَنْزَلْتُهُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مَا فَهِمْتُمُوهُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا تَفْسِيرَ أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي أَوَّلِ (يُونُسَ) إِلَّا أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ زِيَادَةَ وَجْهٍ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ، فَقَالَ : لَمَّا لَحِقَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَلَلٌ وَسَآمَةٌ ، فَقَالُوا لَهُ : حَدِّثْنَا بِمَا يُزِيلُ عَنَّا هَذَا الْمَلَلَ ، فَقَالَ : " تِلْكَ الْأَحَادِيثُ الَّتِي تَقْدِرُونَ الِانْتِفَاعَ بِهَا وَانْصِرَافَ الْمَلَلِ ، هِيَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ "

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 15-08-2022, 12:00 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,175
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد





تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الرابع

سُورَةُ يُوسُفَ
الحلقة (300)
صــ 178 إلى صــ 184



وَفِي مَعْنَى " الْمُبِينِ " خَمْسَةُ أَقْوَالٍ :

أَحَدُهَا : الْبَيِّنُ حَلَالُهُ وَحَرَامُهُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ . وَالثَّانِي : الْمُبَيِّنُ لِلْحُرُوفِ الَّتِي تَسْقُطُ عَنْ أَلْسُنِ الْأَعَاجِمِ ، رَوَاهُ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ . وَالثَّالِثُ : الْبَيِّنُ هُدَاهُ وَرُشْدُهُ ، قَالَهُ قَتَادَةُ . وَالرَّابِعُ : الْمُبَيِّنُ لِلْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ . وَالْخَامِسُ : الْبَيِّنُ إِعْجَازُهُ فَلَا يُعَارَضُ ، ذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ .
[ ص: 178 ] إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون

قوله تعالى : " إنا أنزلناه " في هاء الكناية قولان :

أحدهما : أنها ترجع إلى الكتاب ، قاله الجمهور . والثاني : إلى خبر يوسف ، ذكره الزجاج ، وابن القاسم .

قوله تعالى : " قرآنا عربيا " قد ذكرنا معنى القرآن واشتقاقه في سورة (النساء :82) . وقد اختلف الناس ، هل في القرآن شيء بغير العربية ، أم لا ، فمذهب أصحابنا أنه ليس فيه شيء بغير العربية . وقال أبو عبيدة : من زعم أن في القرآن لسانا سوى العربية فقد أعظم على الله القول ، واحتج بقوله : إنا جعلناه قرآنا عربيا [الزخرف :3] وروي عن ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة أن فيه من غير لسان العرب ، مثل " سجيل " و " المشكاة " و " اليم " و " الطور " و " أباريق " و " إستبرق " وغير ذلك . وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال : قال أبو عبيد : وهؤلاء أعلم من أبي عبيدة ، ولكنهم ذهبوا إلى مذهب ، وذهب هو إلى غيره ، وكلاهما مصيب إن شاء الله ، وذلك أن هذه الحروف بغير لسان العرب في الأصل ، فقال : أولئك على الأصل ، ثم لفظت به العرب بألسنتها فعربته فصار عربيا بتعريبها إياه ، فهي عربية في هذه الحالة ، أعجمية الأصل ، فهذا القول يصدق الفريقين جميعا .

قوله تعالى : " لعلكم تعقلون " قال ابن عباس : لكي تفهموا .
نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين

قوله تعالى : " نحن نقص عليك أحسن القصص " قد ذكرنا سبب نزولها في [ ص: 179 ] أول الكلام . وقد خصت بسبب آخر ، فروي عن سعيد بن جبير قال : اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إلى سلمان ، فقالوا : حدثنا عن التوراة فإنها حسن ما فيها ، فأنزل الله تعالى " نحن نقص عليك أحسن القصص " يعني : قصص القرآن أحسن مما في التوراة . قال الزجاج : والمعنى : نحن نبين لك أحسن البيان ، والقاص : الذي يأتي بالقصة على حقيقتها . قال : وقوله : " بما أوحينا إليك " أي : بوحينا إليك هذا القرآن .

قال العلماء : وإنما سميت قصة يوسف أحسن القصص ، لأنها جمعت ذكر الأنبياء ، والصالحين ، والملائكة ، والشياطين ، والأنعام ، وسير الملوك ، والمماليك ، والتجار ، والعلماء ، والرجال ، والنساء ، وحيلهن ، وذكر التوحيد ، والفقه ، والسر ، وتعبير الرؤيا ، والسياسة ، والمعاشرة ، وتدبير المعاش ، والصبر على الأذى ، والحلم ; والعز ، والحكم ، إلى غير ذلك من العجائب .

قوله تعالى : " وإن كنت " في " إن " قولان :

أحدهما : أنها بمعنى " قد " . والثاني بمعنى " ما " .

قوله تعالى : " من قبله " قال ابن عباس : من قبل نزول القرآن . " لمن الغافلين " عن علم خبر يوسف وما صنع به إخوته .
إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين

قوله تعالى : " إذ قال يوسف لأبيه " في " إذ " قولان :

أحدهما : أنها صلة للفعل المتقدم ، والمعنى : نحن نقص عليك إذ قال يوسف .

[ ص: 180 ] والثاني : أنها صلة لفعل مضمر ، تقديره : اذكر إذ قال يوسف ، ذكرهما الزجاج ، وابن الأنباري .

قوله تعالى : " يا أبت " قرأ أبو جعفر ، وابن عامر ، بفتح التاء ، ووقفا بالهاء ، وافقهما ابن كثير في الوقف بالهاء ، وقرأ الباقون بكسر التاء . فمن فتح التاء ، أراد : يا أبتا فحذف الألف كما تحذف الياء ، فبقيت الفتحة دالة على الألف ، كما أن الكسرة تبقى دالة على الياء . ومن وقف على الهاء ، فلأن تاء التأنيث تبدل منها الهاء في الوقف . وقرأ أبو جعفر أحد عشر ، وتسعة عشر ، بسكون العين فيهما .

وفي ما رآه يوسف قولان :

أحدهما : أنه رأى الشمس والقمر والكواكب ، وهو قول الأكثرين . قال الفراء : وإنما قال : " رأيتهم " على جمع ما يعقل ، لأن السجود فعل ما يعقل ، كقوله : يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم [النمل :18] . قال المفسرون : كانت الكواكب في التأويل إخوته ، والشمس أمه ، والقمر أباه ، فلما قصها على يعقوب أشفق من حسد إخوته . وقال السدي : الشمس أبوه ، والقمر خالته ، لأن أمه كانت قد ماتت .

والثاني : أنه رأى : أبويه وإخوته ساجدين له ، فكنى عن ذكرهم ، وهذا مروي عن ابن عباس ، وقتادة . فأما تكرار قوله : " رأيتهم " فقال الزجاج : إنما كرره لما طال الكلام توكيدا .

وفي سن يوسف لما رأى هذا المنام ثلاثة أقوال :

أحدها : سبع سنين . والثاني : اثنتا عشرة سنة . والثالث : سبع عشرة سنة .

قال المفسرون : علم يعقوب أن إخوة يوسف يعلمون تأويل رؤياه ، فقال : " لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا " ، قال ابن قتيبة : يحتالوا لك [ ص: 181 ] حيلة ويغتالوك . وقال غيره : اللام صلة ، والمعنى : فيكيدوك . والعدو المبين : الظاهر العداوة .
وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم

قوله تعالى : " وكذلك يجتبيك ربك " قال الزجاج ، وابن الأنباري : ومثل ما رأيت من الرفعة والحال الجليلة ، يختارك ربك ويصطفيك من بين إخوتك . وقد شرحنا في (الأنعام :87) معنى الاجتباء . وقال ابن عباس : يصطفيك بالنبوة .

قوله تعالى : " ويعلمك من تأويل الأحاديث " فيه ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه تعبير الرؤيا ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، فعلى هذا سمي تأويلا لأنه بيان ما يؤول أمر المنام إليه .

والثاني : أنه العلم والحكمة ، قاله ابن زيد .

والثالث : تأويل أحاديث الأنبياء والأمم والكتب ، ذكره الزجاج . قال مقاتل : و " من " هاهنا صلة .

قوله تعالى : " ويتم نعمته عليك " فيه ثلاثة أقوال :

أحدها : بالنبوة ، قاله ابن عباس .

والثاني : بإعلاء الكلمة .

والثالث : بأن أحوج إخوته إليه حتى أنعم عليهم ، ذكرهما الماوردي .

وفي " آل يعقوب " ثلاثة أقوال :

أحدها : أنهم ولده ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . والثاني : يعقوب وامرأته وأولاده الأحد عشر ، أتم عليهم نعمته بالسجود ليوسف ، قاله مقاتل . [ ص: 182 ] والثالث : أهله ، قاله أبو عبيدة ، واحتج بأنك إذا صغرت الآل ، قلت : أهيل .

قوله تعالى : " كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق " قال عكرمة : فنعمته على إبراهيم أن نجاه من النار ، ونعمته على إسحاق أن نجاه من الذبح ،

قوله تعالى : " إن ربك عليم " أي : عليم حيث يضع النبوة " حكيم " في تدبير خلقه .
لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين

قوله تعالى : " لقد كان في يوسف وإخوته " أي : في خبر يوسف وقصة إخوته " آيات " أي : عبر لمن سأل عنهم ، فكل حال من أحواله آية . وقرأ ابن كثير " آية " قال المفسرون : وكان اليهود قد سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف ، فأخبرهم بها كما في التوراة ، فعجبوا من ذلك .

وفي وجه هذه الآيات خمسة أقوال :

أحدها : الدلالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم حين أخبر أخبار قوم لم يشاهدهم ، ولا نظر في الكتب . والثاني ما أظهر الله في قصة يوسف من عواقب البغي عليه . والثالث : صدق رؤياه وصحة تأويله . والرابع : ضبط نفسه وقهر شهوته حتى قام بحق الأمانة . والخامس : حدوث السرور بعد اليأس .

فإن قيل : لم خص السائلين ، ولغيرهم فيها آيات أيضا ؟ فعنه جوابان :

أحدهما : أن المعنى : للسائلين وغيرهم ، فاكتفى بذكر السائلين من غيرهم ، كما اكتفى بذكر الحر من البرد في قوله : تقيكم الحر [النحل :81] .

والثاني : أنه إذا كان للسائلين عن خبر يوسف آية ، كان لغيرهم آية أيضا ; وإنما خص السائلين ، لأن سؤالهم نتج الأعجوبة وكشف الخبر .
[ ص: 183 ] إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين

قوله تعالى : " إذ قالوا " يعني إخوة يوسف . " ليوسف وأخوه " يعنون ابن يامين . وإنما قيل له : ابن يامين لأن أمه ماتت نفساء . ويامين بمعنى الوجع ، وكان أخاه لأمه وأبيه . والباقون إخوته لأبيه دون أمه .

فأما العصبة ، فقال الزجاج : هي في اللغة الجماعة الذين أمرهم واحد يتابع بعضهم بعضا في الفعل ، ويتعصب بعضهم لبعض .

وللمفسرين في العصبة ستة أقوال :

أحدها : أنها ما كان أكثر من عشرة ، رواه الضحاك عن ابن عباس . والثاني : أنها ما بين العشرة إلى الأربعين ، روي عن ابن عباس أيضا ، وبه قال قتادة . والثالث : أنها ستة أو سبعة ، قاله سعيد بن جبير . والرابع : أنها من عشرة إلى خمسة عشر ، قاله مجاهد . والخامس : الجماعة ، قاله ابن زيد ، وابن قتيبة ، والزجاج . والسادس : عشرة ، قاله مقاتل . وقال الفراء : العصبة عشرة فما زاد .

قوله تعالى : " إن أبانا لفي ضلال مبين " فيه ثلاثة أقوال :

أحدها : لفي خطإ من رأيه ، قاله ابن زيد . والثاني : في شقاء ، قاله مقاتل ; والمراد به عناء الدنيا . والثالث : لفي ضلال عن طريق الصواب الذي يقتضي تعديل المحبة بيننا ، لأن نفعنا له أعم . قال الزجاج : ولو نسبوه إلى الضلال في الدين كانوا كفارا ، إنما أرادوا : إنه قدم ابنين صغيرين علينا في المحبة ونحن جماعة نفعنا أكثر .
اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين

[ ص: 184 ] قوله تعالى : " اقتلوا يوسف " قال أبو علي : قرأ ابن كثير ، ونافع ، والكسائي : " مبين اقتلوا " بضم التنوين ، لأن تحريكه يلزم لالتقاء الساكنين ، فحركوه بالضم ليتبعوا الضمة الضمة ، كما قالوا : " مد " " وظلمات " . وقرأ أبو عمرو ، وعاصم ، وابن عامر ، وحمزة ، بكسر التنوين ، فلم يتبعوا الضمة كما قالوا : " مد " " ظلمات " . قال المفسرون : وهذا قولهم بينهم " أو اطرحوه أرضا " قال الزجاج : نصب " أرضا " على إسقاط " في " ، وأفضى الفعل إليها ; والمعنى : أو اطرحوه أرضا يبعد بها عن أبيه . وقال غيره : أرضا تأكله فيها السباع .

قوله تعالى : " يخل لكم وجه أبيكم " أي : يفرغ لكم من الشغل بيوسف . " وتكونوا من بعده " أي : من بعد يوسف . " قوما صالحين " فيه قولان :

أحدهما : صالحين بالتوبة من بعد قتله ، قاله ابن عباس .

والثاني : يصلح حالكم عند أبيكم ، قاله مقاتل . وفي قصتهم نكتة عجيبة ، وهو أنهم عزموا على التوبة قبل الذنب ، وكذلك المؤمن لا ينسى التوبة وإن كان مرتكبا للخطايا
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 15-08-2022, 12:52 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,175
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد





تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الرابع

سُورَةُ يُوسُفَ
الحلقة (301)
صــ 185 إلى صــ 191



قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين
قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون

قوله تعالى : " قال قائل منهم " فيه ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه يهوذا ، قاله أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال وهب بن منبه ، [ ص: 185 ] والسدي ، ومقاتل . والثاني : أنه شمعون ، قاله مجاهد . والثالث : روبيل ، قاله قتادة ، وابن إسحاق . فأما غيابة الجب ، فقال أبو عبيدة : كل شيء غيب عنك شيئا فهو غيابة ، والجب : الركية التي لم تطو . وقال الزجاج : الغيابة : كل ما غاب عنك ، أو غيب شيئا عنك ، قال المنخل :


فإن أنا يوما غيبتني غيابتي فسيروا بسيري في العشيرة والأهل


والجب : البئر التي لم تطو ; سميت جبا من أجل أنها قطعت قطعا ، ولم يحدث فيها غير القطع من طي وما أشبهه . وقال ابن عباس : " في غيابة الجب " أي : في ظلماته . وقال الحسن : في قعره . وقرأ نافع : " غيابات الجب " فجعل كل منه غيابة . وروى خارجة عن نافع : " غيابات " بتشديد الياء . وقرأ الحسن ، وقتادة ، ومجاهد : " غيبة الجب " بغير ألف مع إسكان الياء . وأين كان هذا الجب ، فيه قولان :

أحدهما : بأرض الأردن ، قاله وهب . وقال مقاتل : هو بأرض الأردن على ثلاث فراسخ من منزل يعقوب . والثاني : ببيت المقدس ، قاله قتادة .

قوله تعالى : " يلتقطه بعض السيارة " قال ابن عباس : يأخذه بعض من يسير . " إن كنتم فاعلين " أي : إن أضمرتم له ما تريدون . وأكثر القراء قرؤوا " يلتقطه " بالياء . وقرأ الحسن ، وقتادة ، وابن أبي عبلة بالتاء . قال الزجاج : وجميع النحويين يجيزون ذلك ، لأن بعض السيارة سيارة ، فكأنه قال : تلتقطه سيارة بعض السيارة . وقال ابن الأنباري : من قرأ بالتاء فقد أنث فعل بعض ، وبعض مذكر ، وإنما فعل ذلك حملا على المعنى ، إذ التأويل : تلتقطه السيارة ، قال الشاعر :


رأت مر السنين أخذن مني كما أخذ السرار من الهلال


[ ص: 186 ] أراد : رأت السنين ، وقال الآخر :


طول الليالي أسرعت في نقضي طوين طولي وطوين عرضي


أراد : الليالي أسرعت ، وقال جرير :


لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع


أراد : تواضعت المدينة ، وقال الآخر :


وتشرق بالقول الذي قد أذعته كما شرقت صدر القناة من الدم


أراد : كما شرقت القناة .

قال المفسرون : فلما عزم القوم على كيد يوسف ، قالوا لأبيه : " ما لك لا تأمنا " قرأ الجماعة " تأمنا " بفتح الميم وإدغام النون الأولى في الثانية والإشارة إلى إعراب النون المدغمة بالضم ; قال مكي : لأن الأصل " تأمننا " ثم أدغمت النون الأولى ، وبقي الإشمام يدل على ضمة النون الأولى . والإشمام : هو ضم شفتيك من غير صوت يسمع ، فهو بعد الإدغام وقبل فتحه النون الثانية . وابن كيسان يسمي الإشمام الإشارة ، ويسمي الروم إشماما ; والروم : صوت ضعيف يسمع خفيا . وقرأ أبو جعفر " تأمنا " بفتح النون من غير إشمام إلى إعراب المدغم . وقرأ الحسن " مالك لا تأمنا " بضم الميم . وقرأ ابن مقسم " تأمننا " بنونين [ ص: 187 ] على الأصل ، والمعنى : مالك لا تأمنا على يوسف فترسله معنا ، فإنه قد كبر ولا يعلم شيئا من أمر المعاش " وإنا له لناصحون " فيما أشرنا به عليك ; " أرسله معنا غدا " إلى الصحراء . وقال مقاتل : في الكلام تقديم وتأخير ، وذلك أنهم قالوا له : أرسله معنا ، فقال : إني ليحزنني أن تذهبوا به ، فقالوا : مالك لا تأمنا .

قوله تعالى : " نرتع ونلعب " قرأ ابن كثير ، وابن عامر ، وأبو عمرو " نرتع ونلعب " بالنون فيهما ، والعين ساكنة ; وافقهم زيد عن يعقوب في " نرتع " فحسب .

وفي معنى " نرتع " ثلاثة أقوال :

أحدها : نله ، قاله الضحاك . والثاني : نسع ، قاله قتادة . والثالث : نأكل ; يقال : رتعت الإبل : إذا رعت ، وأرتعتها : إذا تركتها ترعى . قال الشاعر :


وحبيب لي إذا لاقيته وإذا يخلو له لحمي رتع


أي : أكله ، هذا قول ابن الأنباري ، وابن قتيبة . وقرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائي : " يرتع ويلعب " بالياء فيهما وجزم العين والباء ، يعنون " يوسف " . وقرأ نافع : " نرتع " بكسر العين من " نرتع " من غير بلوغ إلى الياء . قال ابن قتيبة : ومعناها نتحارس ، ويرعى بعضنا بعضا ، أي : يحفظ ; ومنه يقال : رعاك الله ، أي : حفظك . وقد رويت عن ابن كثير أيضا " نرتعي " بإثبات ياء بعد العين في الوصل والوقف . وقرأ أنس ، وأبو رجاء " نرتع " بنون مرفوعة وكسر التاء وسكون العين ، و " نلعب " بالنون . قال أبو عبيدة : أي : نرتع إبلنا .

فأما قوله : " ونلعب " فقال ابن عباس : نلهو .

[ ص: 188 ] فإن قيل : كيف لم ينكر عليهم يعقوب ذكر اللعب ؟

فالجواب من وجهين : أحدهما : أنهم لم يكونوا حينئذ أنبياء ، قاله أبو عمرو ابن العلاء . والثاني : أنهم عنوا مباح اللعب ، قاله الماوردي .

قوله تعالى : " إني ليحزنني أن تذهبوا به " أي : يحزنني ذهابكم به ، لأنه يفارقني فلا أراه . " وأخاف أن يأكله الذئب " قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وعاصم ، وابن عامر ، وحمزة : " الذئب " بالهمز في الثلاثة المواضع . وقرأ الكسائي ، وأبو جعفر ، وشيبة بغير همز . قال أبو علي : " الذئب " مهموز في الأصل . يقال : تذاءبت الريح : إذا جاءت من كل جهة كما يأتي الذئب .

وفي علة تخصيص الذئب بالذكر ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه رأى في منامه أن الذئب شد على يوسف ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . والثاني : أن أرضهم كانت كثيرة الذئاب ، قاله مقاتل . والثالث : أنه خافهم عليه فكنى بذكر الذئب ، قاله الماوردي .

قوله تعالى : " وأنتم عنه غافلون " فيه قولان :

أحدهما : غافلون في اللعب . والثاني : مشتغلون برعيتكم .

قوله تعالى : " لئن أكله الذئب ونحن عصبة " أي : جماعة نرى الذئب قد قصده ولا نرد عنه " إنا إذا لخاسرون " أي : عاجزون . قال ابن الأنباري : ومن قرأ " عصبة " بالنصب ، فتقديره : ونحن نجتمع عصبة .
فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون

قوله تعالى : " فلما ذهبوا به " في الكلام اختصار وإضمار ، تقديره : فأرسله معهم فلما ذهبوا . " وأجمعوا " أي : عزموا على أن يجعلوه في غيابة الجب .

[ ص: 189 ] الإشارة إلى قصة ذهابهم

قال المفسرون : قالوا ليوسف : أما تشتاق أن تخرج معنا فتلعب وتتصيد ؟ قال : بلى ، قالوا : فسل أباك أن يرسلك معنا ، قال : أفعل ، فدخلوا بجماعتهم على يعقوب ، فقالوا : يا أبانا إن يوسف قد أحب أن يخرج معنا ، فقال : ما تقول يا بني ؟ قال : نعم يا أبت قد أرى من إخوتي اللين واللطف ، فأنا أحب أن تأذن لي ، فأرسله معهم ، فلما أصحروا ، أظهروا له ما في أنفسهم من العداوة ، وأغلظوا له القول ، وجعل يلجأ إلى هذا ، فيضربه وإلى هذا ، فيؤذيه ، فلما فطن لما قد عزموا عليه ، جعل ينادي : يا أبتاه ، يا يعقوب ، لو رأيت يوسف وما ينزل به من إخوته لأحزنك ذلك وأبكاك ، يا أبتاه ما أسرع ما نسوا عهدك ، وضيعوا وصيتك ; وجعل يبكي بكاء شديدا . قال الضحاك عن ابن عباس : فأخذه روبيل فجلد به الأرض ، ثم جثم على صدره وأراد قتله ، فقال له يوسف : مهلا يا أخي لا تقتلني ، قال : يا ابن راحيل صاحب الأحلام ، قل لرؤياك تخلصك من أيدينا ، ولوى عنقه ليكسرها ، فنادى يوسف : يا يهوذا : اتق الله في ، وخل بيني وبين من يريد قتلي ، فأدركته له رحمة ، فقال : يهوذا : يا إخوتاه ، ألا أدلكم على أمر هو خير لكم وأرفق به ؟ قالوا : وما ذاك ؟ قال : تلقونه في هذا الجب فيلتقطه بعض السيارة ، قالوا : نفعل ; فانطلقوا به إلى الجب ، فخلعوا قميصه ، فقال : يا إخوتاه لم نزعتم قميصي ؟ ردوه علي أستر به عورتي ويكون كفنا لي في مماتي ; فأخرج الله له حجرا في البئر مرتفعا من الماء ، فاستقرت عليه قدماه . وقال السدي : جعلوا يدلونه في البئر ، فيتعلق بشفير البئر ; فربطوا يديه ونزعوا قميصه ، فقال : يا إخوتاه ، [ ص: 190 ] ردوا علي قميصي أتوارى به ، فقالوا : ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا فدلوه في البئر ، حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت ، فكان في البئر ماء فسقط فيه ، ثم أوى إلى صخرة فيها فقام عليها ; فلما ألقوه في الجب جعل يبكي ، فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم ، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة ، فمنعهم يهوذا ، وكان يهوذا يأتيه بالطعام . وقال كعب : جمعوا يديه إلى عنقه ونزعوا قميصه ، فبعث الله إليه ملكا ، فحل عنه وأخرج له حجرا من الماء ، فقعد عليه ; وكان يعقوب قد أدرج قميص إبراهيم الذي كساه الله إياه يوم ألقي في النار في قصبة ، وجعلها في عنق يوسف ، فألبسه إياه الملك حينئذ ، وأضاء له الجب . وقال الحسن : ألقي في الجب فعذب ماؤه ، فكان يغنيه عن الطعام والشراب ; ودخل عليه جبريل ، فأنس به ، فلما أمسى ، نهض جبريل ليذهب ، فقال له يوسف : إنك إذا خرجت عني استوحشت ، فقال : إذا رهبت شيئا فقل : يا صريخ المستصرخين ، ويا غوث المستغيثين ، ويا مفرج كرب المكروبين ، قد ترى مكاني وتعلم حالي ولا يخفى عليك شيء من أمري . فلما قالها حفته الملائكة ، فاستأنس في الجب ومكث فيه ثلاثة أيام ، وكان إخوته يرعون حول الجب . وقال محمد بن مسلم الطائفي : لما ألقي يوسف في الجب ، قال : يا شاهدا غير غائب ، ويا قريبا غير بعيد ، ويا غالبا غير مغلوب ، اجعل لي فرجا مما أنا فيه ; قال : فما بات فيه .

وفي مقدار سنه حين ألقي في الجب أربعة أقوال :

أحدها : اثنتا عشرة سنة ، قاله الحسن . والثاني : ست سنين ، قاله الضحاك . والثالث : سبع عشرة ، قاله ابن السائب ، وروي عن الحسن أيضا . والرابع : ثماني عشرة .

قوله تعالى : " وأوحينا إليه " فيه قولان :

[ ص: 191 ] أحدهما : أنه إلهام ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . والثاني : أنه وحي حقيقة .

قال المفسرون : أوحي إليه لتخبرن إخوتك بأمرهم ، أي : بما صنعوا بك وأنت عال عليهم .

وفي قوله : " وهم لا يشعرون " قولان :

أحدهما : لا يشعرون أنك يوسف وقت إخبارك لهم ، قاله أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال مقاتل .

والثاني : لا يشعرون بالوحي ، قاله مجاهد ، وقتادة ، وابن زيد . فعلى الأول يكون الكلام من صلة " لتنبئنهم " ; وعلى الثاني من صلة " وأوحينا إليه " . قال حميد : قلت للحسن : أيحسد المؤمن المؤمن ؟ قال : لا أبا لك ، ما نساك بني يعقوب ؟

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 15-08-2022, 12:52 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,175
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الرابع

سُورَةُ يُوسُفَ
الحلقة (302)
صــ 192 إلى صــ 198






وجاءوا أباهم عشاء يبكون قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين

قوله تعالى : " وجاءوا أباهم عشاء يبكون " وقرأ أبو هريرة ، والحسن ، وابن السميفع ، والأعمش : " عشاء " بضم العين .

قال المفسرون : جاؤوا وقت العتمة ليكونوا أجرأ في الظلمة على الاعتذار بالكذب ، فلما سمع صوتهم فزع ، وقال : مالكم يا بني ، هل أصابكم في غنمكم شيء ؟ قالوا : لا ، قال : فما أصابكم ؟ وأين يوسف ؟ " قالوا : يا أبانا إنا ذهبنا نستبق " وفيه ثلاثة أقوال :

أحدها : ننتضل ، قاله ابن عباس ، وابن قتيبة ، قال : والمعنى ، يسابق بعضنا [ ص: 192 ] بعضا في الرمي . والثاني : نشتد ، قاله السدي . والثالث : نتصيد ، قاله مقاتل . فيكون المعنى على الأول : نستبق في الرمي لننظر أينا أسبق سهما ، وعلى الثاني : نستبق على الأقدام ; وعلى الثالث : للصيد .

قوله تعالى : " وتركنا يوسف عند متاعنا " أي : ثيابنا . " وما أنت بمؤمن لنا " أي : بمصدق .

وفي قوله : " ولو كنا صادقين " قولان :

أحدهما : أن المعنى : وإن كنا قد صدقنا ، قاله ابن إسحاق . والثاني : لو كنا عندك من أهل الصدق لاتهمتنا في يوسف لمحبتك إياه ، وظننت أنا قد كذبناك ، قاله الزجاج .
وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون

قوله تعالى : " وجاءوا على قميصه بدم كذب " قال اللغويون : معناه : بدم مكذوب فيه ، والعرب تجعل المصدر في كثير من الكلام مفعولا ، فيقولون للكذب مكذوب ، وللعقل معقول ، وللجلد مجلود ، قال الشاعر :


حتى إذا لم يتركوا لعظامه لحما ولا لفؤاده معقولا


أراد : عقلا . وقال الآخر :


قد والذي سمك السماء بقدرة بلغ العزاء وأدرك المجلود


يريد : أدرك الجلد . ويقولون : ليس لفلان عقد رأي ، ولا معقود رأي ، ويقولون : هذا ماء سكب ، يريدون : مسكوبا ، وهذا شراب صب ، يريدون : مصبوبا ، [ ص: 193 ] وماء غور ، يعنون : غائرا ، ورجل صوم ، يريدون : صائما ، وامرأة نوح ، يريدون : نائحة ; وهذا الكلام مجموع قول الفراء ، والأخفش ، والزجاج ، وابن قتيبة في آخرين .

قال ابن عباس : أخذوا جديا فذبحوه ، ثم غمسوا قميص يوسف في دمه ، وأتوه به وليس فيه خرق ، فقال : كذبتم ، لو كان أكله الذئب لخرق القميص . وقال قتادة : كان دم ظبية . وقرأ ابن أبي عبلة : " بدم كذبا " بالنصب . وقرأ ابن عباس ، والحسن ، وأبو العالية : " بدم كدب " بالدال غير معجمة ، أي : بدم طري .

قوله تعالى : " بل سولت " أي : زينت " لكم أنفسكم أمرا " غير ما تصفون " فصبر جميل " قال الخليل : المعنى : فشأني صبر جميل ، والذي أعتقده صبر جميل . وقال الفراء : الصبر مرفوع ، لأنه عزى نفسه وقال : ما هو إلا الصبر ، ولو أمرهم بالصبر ، لكان نصبا . وقال قطرب : المعنى : فصبري صبر جميل . وقرأ ابن مسعود ، وأبي ، وأبو المتوكل : " فصبرا جميلا " بالنصب . قال الزجاج : والصبر الجميل ، لا جزع فيه ، ولا شكوى إلى الناس .

قوله تعالى : " والله المستعان على ما تصفون " فيه قولان :

أحدهما : على ما تصفون من الكذب . والثاني : على احتمال ما تصفون .
وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون

قوله تعالى : " وجاءت سيارة " أي : قوم يسيرون " فأرسلوا واردهم " قال الأخفش : أنث السيارة وذكر الوارد ، لأن السيارة في المعنى للرجال . وقال الزجاج : الوارد : الذي يرد الماء ليستقي للقوم .

[ ص: 194 ] وفي اسم هذا الوارد قولان :

أحدهما : مالك بن ذعر بن يؤيب بن عيفا بن مدين بن إبراهيم ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . والثاني : مجلث بن رعويل ، قاله وهب بن منبه .

قوله تعالى : " فأدلى دلوه " أي : أرسلها . قال الزجاج : يقال أدليت الدلو : إذا أرسلتها لتملأها ، ودلوتها : إذا أخرجتها . " قال يا بشراي " قرأه ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر : " يا بشراي " بفتح الياء وإثبات الألف . وروى ورش عن نافع " بشراي " و " محياي " [الأنعام :162] و مثواي [يوسف :23] بسكون الياء . وقرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائي " يا بشرى " بألف بغير ياء . وعاصم بفتح الراء ، وحمزة ، والكسائي يميلانها . قال الزجاج : من قرأ يا " بشراي " فهذا النداء تنبيه للمخاطبين ، لأن البشرى لا تجيب ولا تعقل ; فالمعنى : أبشروا ، ويا أيتها البشرى هذا من أوانك ، وكذلك إذا قلت : يا عجباه ، فكأنك قلت : اعجبوا ، ويا أيها العجب هذا من حينك ; وقد شرحنا هذا المعنى [هود: 69 و74] .

فأما قراءة من قرأ " يا بشرى " فيجوز أن يكون المعنى : يا من حضر ، هذه بشرى . ويجوز أن يكون المعنى : يا بشرى هذا أوانك على ما سبق بيانه من تنبيه الحاضرين . وذكر السدي أنه نادى بذاك أحدهم وكان اسمه بشرى . وقال ابن الأنباري : يجوز فيه هذه الأقوال ، ويجوز أن يكون اسم امرأة . وقرأ أبو رجاء ، وابن أبي عبلة : " يا بشري " بتشديد الياء وفتحها من غير ألف . قال ابن عباس : لما أدلى دلوه ; تعلق يوسف بالحبل فنظر إليه فإذا غلام أحسن ما يكون من الغلمان ، فقال لأصحابه : البشرى ، فقالوا : ما وراءك ؟ قال : هذا غلام في البئر ، فأقبلوا يسألونه الشركة فيه ، واستخرجوه من الجب ، [ ص: 195 ] فقال بعضهم لبعض : اكتموه عن أصحابكم لئلا يسألوكم الشركة فيه ، فإن قالوا : ما هذا ؟ فقولوا : استبضعناه أهل الماء لنبيعه لهم بمصر ; فجاء إخوة يوسف فطلبوه فلم يجدوه في البئر ، فنظروا ، فإذا هم بالقوم ومعهم يوسف ، فقالوا لهم : هذا غلام أبق منا ، فقال مالك بن ذعر : فأنا أشتريه منكم ، فباعوه بعشرين درهما وحلة ونعلين ، وأسره مالك بن ذعر من أصحابه ، وقال : استبضعناه أهل الماء لنبيعه لهم بمصر .

قوله تعالى : " وأسروه بضاعة " قال الزجاج : " بضاعة " منصوب على الحال كأنه قال : وأسروه جاعليه بضاعة . وقال ابن قتيبة : أسروا في أنفسهم أنه بضاعة وتجارة . في الفاعلين لذاك قولان :

أحدهما : أنهم واردو الجب : أسروا ابتياعه عن باقي أصحابهم ، وتواصوا أنه بضاعة استبضعهم إياها أهل الماء ، وقد ذكرنا هذا المعنى عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد .

والثاني : أنهم إخوته ، أسروا أمره ، وباعوه ، وقالوا : هو بضاعة لنا ، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس أيضا .

قوله تعالى : " والله عليم بما يعملون " يعم الباعة والمشترين .
وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين

[ ص: 196 ] قوله تعالى : " وشروه " هذا حرف من حروف الأضداد ، تقول شريت الشيء ، بمعنى بعته ; وشريته ، بمعنى اشتريته . فإن كان بمعنى باعوه ، ففيهم قولان :

أحدهما : أنهم إخوته ، وهو قول الأكثرين .

والثاني : أنهم السيارة ، ولم يبعه إخوته ، قاله الحسن ، وقتادة . وإن كان بمعنى اشتروه ، فإنهم السيارة .

قوله تعالى : " بثمن بخس " فيه ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه الحرام ، قاله ابن عباس ، والضحاك ، وقتادة في آخرين .

والثاني : أنه القليل ، قاله عكرمة ، والشعبي ، قال ابن قتيبة : البخس : الخسيس الذي بخس به البائع .

والثالث : الناقص ، وكانت الدراهم عشرين درهما في العدد ، وهي تنقص عن عشرين في الميزان ، قاله أبو سليمان الدمشقي .

قوله تعالى : " دراهم معدودة " قال الفراء : إنما قيل : " معدودة " ليستدل بها على القلة . وقال ابن قتيبة : أي : يسيرة ، سهل عددها لقلتها ، فلو كانت كثيرة لثقل عددها . وقال ابن عباس : كانوا في ذلك الزمان لا يزنون أقل من أربعين درهما ، وقيل : إنما لم يزنوها لزهدهم فيه .

وفي عدد تلك الدراهم خمسة أقوال :

أحدها : عشرون درهما ، قاله ابن مسعود ، وابن عباس في رواية ، وعكرمة في رواية ، ونوف الشامي ، ووهب بن منبه ، والشعبي ، وعطية ، والسدي ، ومقاتل في آخرين .

والثاني : عشرون درهما وحلة ، ونعلان ، روي عن ابن عباس أيضا .

[ ص: 197 ] والثالث : اثنان وعشرون درهما ، رواه أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد .

والرابع : أربعون درهما ، قاله عكرمة في رواية ، وابن إسحاق .

والخامس : ثلاثون درهما ، ونعلان ، وحلة ، وكانوا قالوا له بالعبرانية : إما أن تقر لنا بالعبودية ، وإما أن نأخذك منهم فنقتلك ، قال : بل أقر لكم بالعبودية ، ذكره إسحاق بن بشر عن بعض أشياخه .

قال المفسرون : اقتسموا ثمنه ، فاشتروا به نعالا وخفافا .

وكان بعض الصالحين يقول : والله ما يوسف - وإن باعه أعداؤه - بأعجب منك في بيعك نفسك بشهوة ساعة من معاصيك .

قوله تعالى : " وكانوا فيه من الزاهدين " الزهد : قلة الرغبة في الشيء .

وفي المشار إليهم قولان : أحدهما : أنهم إخوته ، قاله ابن عباس ; فعلى هذا ، في هاء " فيه " قولان :

أحدهما : أنها ترجع إلى يوسف ، لأنهم لم يعلموا مكانه من الله تعالى ، قاله الضحاك ، وابن جريج . والثاني : أنها ترجع إلى الثمن . وفي علة زهدهم قولان : أحدهما : رداءته . والثاني : أنهم قصدوا بعد يوسف ، لا الثمن .

والثاني : أنهم السيارة الذين اشتروه .

وفي علة زهدهم ثلاثة أقوال : أحدها : أنهم ارتابوا لقلة ثمنه . والثاني : أن إخوته وصفوه عندهم بالخيانة والإباق . والثالث : لأنهم علموا أنه حر .
وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

[ ص: 198 ] قوله تعالى : " وقال الذي اشتراه من مصر " قال وهب : لما ذهبت به السيارة إلى مصر ، وقفوه في سوقها يعرضونه للبيع ، فتزايد الناس في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه مسكا ، ووزنه ورقا ، ووزنه حريرا ، فاشتراه بذلك الثمن رجل يقال : له قطفير ، وكان أمين فرعون وخازنه ، وكان مؤمنا . وقال ابن عباس : إنما اشتراه قطفير من مالك بن ذعر بعشرين دينارا ، وزوجي نعل ، وثوبين أبيضين ، فلما رجع إلى منزله قال لامرأته : أكرمي مثواه . وقال قوم : اسمه أطفير

وفي اسم المرأة قولان : أحدهما : راعيل بنت رعاييل ، قاله ابن إسحاق . والثاني . أزليخا بنت تمليخا ، قاله مقاتل . قال ابن قتيبة : " أكرمي مثواه " يعني أكرمي منزله ومقامه عندك ، من قولك : ثويت بالمكان : إذا أقمت به . وقال الزجاج : أحسني إليه في طول مقامه عندنا . قال ابن مسعود : أفرس الناس ثلاثة : العزيز حين تفرس في يوسف ، فقال لامرأته : " أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا " ، وابنة شعيب حين قالت : يا أبت استأجره [القصص :26] ، وأبو بكر حين استخلف عمر .

وفي قوله : " عسى أن ينفعنا " قولان :

أحدهما : يكفينا إذا بلغ أمورنا . والثاني : بالربح في ثمنه .

قوله تعالى : " أو نتخذه ولدا " قال ابن عباس : نتبناه . وقال غيره : لم يكن لهما ولد ، وكان العزيز لا يأتي النساء .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 15-08-2022, 12:53 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,175
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الرابع

سُورَةُ يُوسُفَ
الحلقة (303)
صــ 199 إلى صــ 205





قوله تعالى : " وكذلك مكنا ليوسف " أي : وكما أنجيناه من إخوته وأخرجناه من ظلمة الجب ، مكنا له في الأرض ، أي : ملكناه في أرض مصر فجعلناه على خزائنها . " ولنعلمه " قال ابن الأنباري : إنما دخلت الواو في " ولنعلمه " لفعل مضمر هو المجتلب للام ، والمعنى : مكنا ليوسف في الأرض ، واختصصناه [ ص: 199 ] بذلك لكي نعلمه من تأويل الأحاديث . وقد سبق تفسير " تأويل الأحاديث " [يوسف :6] .

" والله غالب على أمره " في هاء الكناية قولان :

أحدهما : أنها ترجع إلى الله ، فالمعنى : أنه غالب على ما أراد من قضائه ، وهذا معنى قول ابن عباس .

والثاني : أنها ترجع إلى يوسف ، فالمعنى : غالب على أمر يوسف حتى يبلغه ما أراده له ، وهذا معنى قول مقاتل . وقال بعضهم : والله غالب على أمره حيث أمر يعقوب يوسف أن لا يقص رؤياه على إخوته ، فعلموا بها ، ثم أراد يعقوب أن لا يكيدوه ، فكادوه ، ثم أراد إخوة يوسف قتله ، فلم يقدر لهم ، ثم أرادوا أن يلتقطه بعض السيارة فيندرس أمره ، فعلا أمره ، ثم باعوه ليكون مملوكا ، فغلب أمره حتى ملك ، وأرادوا أن يعطفوا أباهم ، فأباهم ، ثم أرادوا أن يغروا يعقوب بالبكاء والدم الذي ألقوه على القميص ، فلم يخف عليه ، ثم أرادوا أن يكونوا من بعده قوما صالحين ، فنسوا ذنبهم إلى أن أقروا به بعد سنين فقالوا : إنا كنا خاطئين [يوسف :97] ، ثم أرادوا أن يمحوا محبته من قلب أبيه ، فازدادت ، ثم أرادت أزليخا أن تلقي عليه التهمة بقولها : ما جزاء من أراد بأهلك سوءا [يوسف :25] ، فغلب أمره ، حتى شهد شاهد من أهلها ، وأراد يوسف أن يتخلص من السجن بذكر الساقي ، فنسي الساقي حتى لبث في السجن بضع سنين .
ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين

قوله تعالى : " ولما بلغ أشده " قد ذكرنا معنى الأشد في (الأنعام :152) ، [ ص: 200 ] واختلف العلماء في المراد به هاهنا على ثمانية أقوال :

أحدها : أنه ثلاث وثلاثون سنة ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد ، وقتادة . والثاني : ثماني عشرة سنة ، قاله أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال عكرمة . والثالث : أربعون سنة ، قاله الحسن . والرابع : بلوغ الحلم ، قاله الشعبي ، وربيعة ، وزيد بن أسلم ، وابنه . والخامس : عشرون سنة ، قاله الضحاك . والسادس : أنه من نحو سبع عشرة سنة إلى نحو الأربعين ، قاله الزجاج . والسابع : أنه بلوغ ثمان وثلاثين سنة ، حكاه ابن قتيبة . والثامن : ثلاثون سنة ، ذكره بعض المفسرين .

قوله تعالى : " آتيناه حكما " فيه أربعة أقوال :

أحدها : أنه الفقه والعقل ، قاله مجاهد . والثاني : النبوة ، قاله ابن السائب . والثالث : أنه جعل حكيما ، قاله الزجاج ، قال : وليس كل عالم حكيما ، إنما الحكيم : العالم المستعمل علمه ، الممتنع به من استعمال ما يجهل فيه . والرابع : أنه الإصابة في القول ، ذكره الثعلبي . قال اللغويون : الحكم عند العرب ما يصرف عن الجهل والخطإ ، ويمنع منهما ، ويرد النفس عما يشينها ويعود عليها بالضرر ، ومنه حكمة الدابة . وأصل أحكمت في اللغة : منعت ، وسمي الحاكم حاكما ، لأنه يمنع من الظلم والزيغ .

[ ص: 201 ] وفي المراد بالعلم هاهنا قولان : أحدهما : الفقه . والثاني : علم الرؤيا

قوله تعالى : " وكذلك نجزي المحسنين " أي : ومثل ما وصفنا من تعلم يوسف وحراسته ، نثيب من أحسن عمله ، واجتنب المعاصي ، فننجيه من الهلكة ، ونستنقذه من الضلالة فنجعله من أهل العلم والحكمة كما فعلنا بيوسف .

وفي المراد بالمحسنين هاهنا ثلاثة أقوال :

أحدها : الصابرون على النوائب . والثاني : المهتدون ، رويا عن ابن عباس . والثالث : المؤمنون . قال محمد بن جرير : هذا ، وإن كان مخرج ظاهره على كل محسن ، فالمراد به محمد صلى الله عليه وسلم ، والمعنى : كما فعلت بيوسف بعد ما لقي من البلاء فمكنته في الأرض وآتيته العلم ، كذلك أفعل بك وأنجيك من مشركي قومك .
وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون

قوله تعالى : " وراودته التي هو في بيتها عن نفسه " أي : طلبت منه المواقعة ، وقد سبق اسمها . قال الزجاج : المعنى : راودته عما أرادته مما يريد النساء من الرجال . " وقالت هيت لك " قرأ ابن كثير : " هيت لك " بفتح الهاء وتسكين الياء وضم التاء . وقرأ نافع ، وابن عامر : " هيت لك " بكسر الهاء وتسكين الياء وفتح التاء . وهي مروية عن علي بن أبي طالب . وروى الحلواني عن هشام عن ابن عامر مثله ، إلا أنه همزه . قال أبو علي الفارسي : هو خطأ . وروي عن ابن عامر : " هئت لك " بكسر الهاء وهمز الياء وضم التاء ، وهي قراءة ابن عباس ، وأبي الدرداء ، وقتادة . قال الزجاج : هو من الهيئة ، كأنها قالت : تهيأت لك . وعن ابن محيصن ، وطلحة بن مصرف مثل قراءة ابن عباس ; [ ص: 202 ] إلا أنها بغير همز . وعن ابن محيصن بفتح الهاء وكسر التاء . وهي قراءة أبي رزين ، وحميد . وعن الوليد بن عتبة بكسر الهاء والتاء مع الهمز ، وهي قراءة أبي العالية . وقرأ ابن خثيم مثله ، إلا أنه لم يهمز . وعن الوليد بن مسلم عن نافع بكسر الهاء وفتح التاء مع الهمز . وقرأ ابن مسعود ، وابن السميفع ، وابن يعمر ، والجحدري : " هيئت لك " برفع الهاء والتاء وبياء مشددة مكسورة بعدها همزة ساكنة . وقرأ أبي بن كعب : " ها أنا لك " . وقرأ الباقون بفتح الهاء والتاء بغير همز . قال الزجاج : وهو أجود اللغات ، وأكثرها في كلام العرب ، ومعناها : هلم لك ، أي : أقبل على ما أدعوك إليه ، وقال الشاعر :


أبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتيتا أن العراق وأهله عنق إليك فهيت هيتا


أي : فأقبل وتعال . وقال ابن قتيبة : يقال هيت فلان لفلان : إذا دعاه وصاح به ، قال الشاعر :


قد رابني أن الكري أسكتا لو كان معنيا بها لهيتا


أي : صار ذا سكوت . واختلف العلماء في قوله : " هيت لك " بأي لغة هي ، على أربعة أقوال :

أحدها : أنها عربية ، قاله مجاهد . وقال ابن الأنباري : وقد قيل : إنها من كلام [ ص: 203 ] قريش ، إلا أنها مما درس وقل في أفواههم آخرا ، فأتى الله به ، لأن أصله من كلامهم ، وهذه الكلمة لا مصدر لها ، ولا تصرف ، ولا تثنية ، ولا جمع ، ولا تأنيث ، يقال للاثنين : هيت لكما ، وللجميع : هيت لكم ، وللنسوة : هيت لكن .

والثاني : أنها بالسريانية ، قاله الحسن .

والثالث : بالحورانية ، قاله عكرمة ، والكسائي . وقال الفراء : يقال : إنها لغة لأهل حوران ، سقطت إلى أهل مكة فتكلموا بها .

والرابع : أنها بالقبطية ، قاله السدي .

قوله تعالى : " قال معاذ الله " قال الزجاج : هو مصدر ، والمعنى : أعوذ بالله أن أفعل هذا ، يقال عذت عياذا ومعاذا ومعاذة . " إنه ربي " أي : إن العزيز صاحبي " أحسن مثواي " ، قال : ويجوز أن يكون " إنه ربي " يعني الله عز وجل " أحسن مثواي " أي : تولاني في طول مقامي .

قوله تعالى : " إنه لا يفلح الظالمون " أي : إن فعلت هذا فخنته في أهله بعدما أكرمني فأنا ظالم . وقيل : الظالمون هاهنا : الزناة .
ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين

قوله تعالى : " ولقد همت به " الهم بالشيء في كلام العرب : حديث المرء نفسه بمواقعته ما لم يواقع . فأما هم أزليخا ، فقال المفسرون : دعته إلى نفسها واستلقت له . واختلفوا في همه بها على خمسة أقوال :

أحدها : أنه كان من جنس همها ، فلولا أن الله تعالى عصمه لفعل ، وإلى هذا المعنى ذهب الحسن ، وسعيد بن جبير ، والضحاك ، والسدي ، وهو قول [ ص: 204 ] عامة المفسرين المتقدمين ، واختاره من المتأخرين جماعة منهم ابن جرير ، وابن الأنباري . وقال ابن قتيبة : لا يجوز في اللغة : هممت بفلان ، وهم بي ، وأنت تريد : اختلاف الهمين . واحتج من نصر هذا القول بأنه مذهب الأكثرين من السلف والعلماء الأكابر ، ويدل عليه ما سنذكره من أمر البرهان الذي رآه . قالوا : ورجوعه عما هم به من ذلك خوفا من الله تعالى يمحو عنه سيئ الهم ، ويوجب له علو المنازل ، ويدل على هذا الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن ثلاثة خرجوا فلجؤوا إلى غار ، فانطبقت عليهم صخرة ، فقالوا : ليذكر كل واحد منكم أفضل عمله . فقال أحدهم : اللهم إنك تعلم أنه كانت لي بنت عم فراودتها عن نفسها فأبت إلا بمائة دينار ، فلما أتيتها بها وجلست منها مجلس الرجل من المرأة أرعدت وقالت : إن هذا لعمل ما عملته قط ، فقمت عنها وأعطيتها المائة الدينار ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ، فزال ثلث الحجر . والحديث معروف ، وقد ذكرته في " الحدائق " فعلى هذا نقول : إنما همت ، فترقت همتها إلى العزيمة ، فصارت مصرة على الزنا . فأما هو ، فعارضه ما يعارض البشر من خطرات القلب ، وحديث النفس ، من غير عزم ، فلم يلزمه هذا الهم ذنبا ، فإن الرجل الصالح قد يخطر بقلبه وهو صائم شرب الماء البارد ، فإذا لم يشرب لم يؤاخذ بما هجس في نفسه ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " عفي لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل " وقال صلى الله عليه وسلم " هلك المصرون " ، وليس [ ص: 205 ] الإصرار إلا عزم القلب ، فقد فرق بين حديث النفس وعزم القلب ، وسئل سفيان الثوري : أيؤاخذ العبد بالهمة ؟ فقال : إذا كانت عزما ، ويؤيده الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يقول الله تعالى : إذا هم عبدي بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه ، فإن عملها كتبتها عليه سيئة " . واحتج القاضي أبو يعلى على أن همته لم تكن من جهة العزيمة ، وإنما كانت من جهة دواعي الشهوة بقوله : " قال معاذ الله إنه ربي " وقوله " كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء " وكل ذلك إخبار ببراءة ساحته من العزيمة على المعصية .

فإن قيل : فقد سوى القرآن بين الهمتين ، فلم فرقتم ؟

فالجواب : أن الاستواء وقع في بداية الهمة ، ثم ترقت همتها إلى العزيمة ، بدليل مراودتها واستلقائها بين يديه ، ولم تتعد همته مقامها ، بل نزلت عن رتبتها ، وانحل معقودها ، بدليل هربه منها ، وقوله : " معاذ الله " ، وعلى هذا تكون همته مجرد خاطر لم يخرج إلى العزم . ولا يصح ما يروى عن المفسرين أنه حل السراويل وقعد منها مقعد الرجل ، فإنه لو كان هذا ، دل على العزم ، والأنبياء معصومون من العزم على الزنا .

والقول الثاني : أنها همت به أن يفترشها ، وهم بها ، أي : تمناها أن تكون له زوجة ، رواه الضحاك عن ابن عباس .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 507.25 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 501.36 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (1.16%)]