فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام - الصفحة 19 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5161 - عددالزوار : 2469575 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4754 - عددالزوار : 1792162 )           »          التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 194 - عددالزوار : 4532 )           »          6 حيل بسيطة تنقذ الطبخة لو الملح زاد منك فى الأكل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          طريقة عمل لفائف البطاطس بالدجاج والخضار (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          إزاى تختارى المكياج المناسب للون بشرتك فى الشتاء؟ دليل شامل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          7 مشروبات دافئة ومغذية تهوّن ليالى الشتاء الباردة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          7 خطوات سهلة لروتين مسائى للبشرة الجافة فى الشتاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          8 أخطاء تتلف سكين المطبخ دون أن تشعرين.. هتخليها تلمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          طريقة عمل أقماع التورتيلا بالدجاج والمشروم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 12-09-2022, 05:05 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,140
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام



فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ النساء
المجلد الخامس
الحلقة( 183)

من صــ 181 الى صـ 190


ثم قال: {والأرحام}. و " العهود " و " الأرحام ": هما جماع الأسباب التي بين بني آدم؛ فإن الأسباب التي بينهم: إما أن تكون بفعل الله أو بفعلهم. فالأول " الأرحام " والثاني " العهود " ولهذا جمع الله بينهما في مواضع؛ في مثل قوله: {لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة} فالإل: القرابة والرحم. والذمة العهد والميثاق. وقال تعالى في أول البقرة: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} وقال: {الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق} {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} إلى قوله: {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل}.

واعلم أن حق الله داخل في الحقين. ومقدم عليهما؛ ولهذا قدمه في قوله {اتقوا ربكم الذي خلقكم} فإن الله خلق العبد وخلق أبويه وخلقه من أبويه. فالسبب الذي بينه وبين الله هو الخلقي التام؛ بخلاف سبب الأبوين؛ فإن أصل مادته منهما وله مادة من غيرهما؛ ثم إنهما لم يصوراه في الأرحام. والعبد ليس له مادة إلا من أبويه والله هو خالقه وبارئه ومصوره ورازقه وناصره وهاديه؛ وإنما حق الأبوين فيه بعض المناسبة لذلك؛ فلذلك قرن حق الأبوين بحقه في قوله: {أن اشكر لي ولوالديك} وفي قوله: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا} وفي قوله: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا}

وجعل النبي صلى الله عليه وسلم التبرؤ من الأبوين كفرا؛ لمناسبته للتبرؤ من الرب. وفي الحديث الصحيح: {من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلمه إلا كفر} أخرجاه في الصحيحين وقوله: {كفر بالله من تبرأ من نسب وإن دق} وقوله: {لا ترغبوا عن آبائكم فإن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم}. فحق النسب والقرابة والرحم تقدمه حق الربوبية وحق القريب المجيب الرحمن؛ فإن غاية تلك أن تتصل بهذا كما قال الله؛ {أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته} وقال: {الرحم شجنة من الرحمن} وقال {لما خلق الله الرحم تعلقت بحقو الرحمن فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة}.
وقد قيل في قوله {لا يرقبون في مؤمن إلا} إن " الإل " الرب كقول الصديق لما سمع قرآن مسيلمة: إن هذا كلام لم يخرج من إل.
وأما دخول حق الرب في العهود والعقود. فكدخول العبد في السلام وشهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله؛ فإن هذا عهد الإسلام وهو أشرف العهود وأوكدها وأعمها وأكملها (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما (11) ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن ... (12)
وسئل - رحمه الله -:
عن امرأة ماتت: وخلفت زوجا وبنتا وأما وأختا من أم. فما يستحق كل واحد منهم؟
فأجاب:
هذه الفريضة تقسم على أحد عشر: للبنت ستة أسهم وللزوج ثلاثة أسهم؛ وللأم سهمان ولا شيء للأخت من الأم؛ فإنها تسقط بالبنت باتفاق الأئمة كلهم. وهذا على قول من يقول بالرد كأبي حنيفة وأحمد. ومن لا يقول بالرد: كمالك والشافعي: فيقسم عندهم على اثني عشر سهما؛ للبنت ستة؛ وللزوج ثلاثة؛ وللأم سهمان؛ والسهم الثاني عشر لبيت المال (*).
فصل:
والمقصود هنا: أن النصوص شاملة لجميع الأحكام. ونحن نبين ذلك فيما هو من أشكل الأشياء لننبه به على ما سواه والفرائض من أشكلها. فنقول:النص والقياس - وهما الكتاب والميزان - دلا على أن الثلث يختص به ولد الأم كما هو قول علي ومن وافقه وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه وروى حرب التشريك وهو قول زيد ومن وافقه وقول مالك والشافعي واختلف في ذلك عن عمر وعثمان وغيرهما من الصحابة حتى قيل: إنه اختلف فيها عن جميع الصحابة إلا عليا وزيدا؛ فإن عليا لم يختلف عنه أنه لم يشرك وزيد لم يختلف عنه أنه يشرك. قال العنبري: القياس ما قال علي والاستحسان ما قال زيد. قال العنبري: هذه وساطة مليحة وعبارة صحيحة.
فيقال: النص والقياس دلا على ما قال علي. أما النص فقوله تعالى: {فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث} والمراد به: ولد الأم وإذا أدخلنا فيهم ولد الأبوين لم يشتركوا في الثلث؛ بل زاحمهم غيرهم. وإن قيل: إن ولد الأبوين منهم وأنهم من ولد الأم فهو غلط والله تعالى قال: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس} الآية. وفي قراءة سعد وابن مسعود (من الأم) والمراد به ولد الأم بالإجماع. ودل على ذلك قوله: {فلكل واحد منهما السدس} وولد الأبوين والأب في آية في قوله: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد}
فجعل لها النصف وله جميع المال وهكذا حكم ولد الأبوين. ثم قال: {وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين} وهذا حكم ولد الأبوين؛ لا الأم باتفاق المسلمين. فدل ذكره تعالى لهذا الحكم في هذه الآية وكذلك الحكم في تلك الآية على أن أحد الصنفين غير الآخر. وإذا كان النص قد أعطى ولد الأم الثلث فمن نقصهم منه فقد ظلمهم. وولد الأبوين جنس آخر. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر}. وهذا يقتضي أنه إذا لم تبق الفرائض شيئا لم يكن للعصبة شيء وهنا لم تبق الفرائض شيئا.

وأما قول القائل: إن أباهم كان حمارا فقد اشتركوا في الأم. فقول فاسد حسا وشرعا. أما الحس: فلأن الأب لو كان حمارا لكانت الأم أتانا ولم يكونوا من بني آدم. وإذا قيل: مراده أن وجوده كعدمه فيقال: هذا باطل فإن الوجود لا يكون معدوما. وأما الشرع: فلأن الله حكم في ولد الأبوين بخلاف حكمه في ولد الأم وإذا قيل؛ فالأب. إذا لم ينفعهم لم يضرهم؟ قيل: بلى. قد يضرهم كما ينفعهم؛ بدليل ما لو كان ولد الأم واحدا وولد الأبوين كثيرين؛ فإن ولد الأم وحده يأخذ السدس والباقي يكون لهم كله ولولا الأب لتشاركوا هم وذاك الواحد في الثلث وإذا جاز أن يكون وجود الأب ينفعهم جاز أن يحرمهم. فعلم أنه يضرهم.

وأيضا فأصول الفرائض مبنية على أن القرابة المتصلة: ذكر وأنثى لا تفرق أحكامها. فالأخ من الأبوين لا يكون كأخ من أب ولا كأخ من أم ولا يعطى بقرابة الأم وحدها كما لا يعطى بقرابة الأب وحده؛ بل القرابة المشتركة من الأبوين؛ وإنما يفرد إذا كان قرابة لأم منفردا مثل ابني عم: أحدهما أخ لأم فهنا ذهب الجمهور إلى أن للأخ لأم السدس ويشتركان في الباقي وهو مأثور عن علي وروي عن شريح: أنه جعل الجميع للأخ من الأم كما لو كان ابن عم لأبوين والجمهور يقولون: كلاهما في بنوة العم سواء هما ابن عم من أبوين أو من أب والإخوة من الأم مستقلة ليست مقترنة حتى يجعل كابن عم لأبوين.
ومما يبين الحكم في " مسألة المشركة " أن لو كان فيهن أخوات من أب لفرض لهن الثلثان وعالت الفريضة؛ فلو كان معهن أخوهن سقطن ويسمى " الأخ المشئوم " فلما صرن بوجوده يصرن عصبة: صار تارة ينفعهن. وتارة يضرهن؛ ولم يجعل وجوده كعدمه في حالة الضر. كذلك قرابة الأب لماالإخوة بها عصبة صار ينفعهم تارة ويضرهم أخرى. فهذا مجرى " العصوبة " فإن العصبة تارة يحوز المال كله وتارة يحوز أكثره؛ وتارة أقله وتارة لا يبقى له شيء وهو إذا استغرقت الفرائض المال. فمن جعل العصبة تأخذ مع استغراق الفرائض المال فقد خرج عن الأصول المنصوصة في الفرائض. وقول القائل: هو استحسان. يقال هذا استحسان يخالف الكتاب والميزان؛ فإنه ظلم للإخوة من الأم؛ حيث يؤخذ حقهم فيعطاه غيرهم. والمنازعون في هذه المسألة ليس معهم حجة إلا أنه قول زيد. فقد روي عن عمر: أنه حكم بها فعمل بذلك من عمل من أهل المدينة وغيرها كما عملوا بمثل ذلك في ميراث الجد والإخوة. وعملوا بقول زيد في غير ذلك من الفرائض تقليدا له وإن كان النص والقياس مع من خالفه.
وبعضهم يحتج لذلك بقوله: {أفرضكم زيد}. وهو حديث ضعيف؛ لا أصل له. ولم يكن زيد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم معروفا بالفرائض. حتى أبو عبيدة لم يصح فيه إلا قوله: {لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح}. وكذلك اتباعهم لزيد في " الجد " مع أن جمهور الصحابة على خلافه. فجمهور الصحابة موافقون للصديق في أن الجد كالأب يحجب الإخوة وهو مروي عن بضعة عشر من الصحابة ومذهب أبي حنيفة وأحد الوجهين في مذهب الشافعي وأحمد. اختاره أبو حفص البرمكي من أصحابه وحكاه بعضهم رواية عن أحمد.
وأما المورثون للإخوة مع الجد فهم علي وابن مسعود وزيد ولكل واحد قول انفرد به. وعمر بن الخطاب كان متوقفا في أمره. والصواب بلا ريب قول الصديق؛ لأدلة متعددة ذكرناها في غير هذا الموضع.

وأما " العمريتان " فليس في القرآن ما يدل على أن للأم الثلث مع الأب والزوج؛ بل إنما أعطاها الله الثلث إذ ورثت المال هي والأب فكان القرآن قد دل على أن ما ورثته هي والأب تأخذ ثلثه والأب ثلثيه واستدل بهذا أكابر الصحابة: كعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد وجمهور العلماء على أن ما يبقى بعد فرض الزوجين يكونان فيه أثلاثا قياسا على جميع المال إذا اشتركا فيه وكما يشتركان فيما يبقى بعد الدين والوصية. ومفهوم القرآن ينفي أن تأخذ الأم الثلث مطلقا فمن أعطاها الثلث مطلقا حتى مع الزوجة فقد خالف مفهوم القرآن.

وأما الجمهور فقد عملوا بالمفهوم فلم يجعلوا ميراثها إذا ورثه أبوه كميراثها إذا لم يرث بل إن ورثه أبوه فلأمه الثلث مطلقا وأما إذا لم يرثه أبوه؛ بل ورثه من دون الأب: كالجد والعم والأخ فهي بالثلث أولى فإنها إذا أخذت الثلث مع الأب فمع غيره من العصبة أولى.
فدل القرآن على أنه إذا لم يرثه إلا الأم والأب؛ أو عصبة غير الأب سوى الابن؛ فلأمه الثلث؛ وهذا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ وأما الابن فإنه أقوى من الأب؛ فلها معه السدس.
وإذا كان مع العصبة ذو فرض فالبنات والأخوات قد أعطوا الأم معهن السدس والأخت الواحدة إذا كانت هي والأم فالأم تأخذ الثلث مع الذكر من الإخوة فمع الأنثى أولى. وإنما الحجب عن الثلث إلى السدس بالإخوة؛ والواحد ليس إخوة. فإذا كانت مع الأخ الواحد تأخذ الثلث فمع العم وغيره بطريق الأولى. وفي الجد نزاع: يروى عن ابن مسعود والجمهور على أنها مع الجد تأخذ ثلث المال وهو الصواب؛ لأن الجد أبعد منها؛ وهو محجوب بالأب فلا يحجبها عن شيء من حقها؛ ومحض القياس أن الأب مع الأم؛ كالبنت من الابن والأخت مع الأخ لأنهما ذكر وأنثى من جنس واحد هما عصبة. وقد أعطيت الزوجة نصف ما يعطاه الزوج؛ لأنهما ذكر وأنثى من جنس.
وأما دلالة الكتاب في ميراث الأم؛ فإن الله يقول: {لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث} فالله تعالى فرض لها بشرطين: أن لا يكون له ولد. وأن يرثه أبوه؛ فكان في هذا دلالة على أنها لا تعطى الثلث مطلقا مع عدم الولد
وهذا مما يدل على صحة قول أكابر الصحابة والجمهور الذين يقولون: لا تعطى في " العمريتين " - زوج وأبوان؛ وزوجة وأبوان - ثلث جميع المال. قال ابن عباس وموافقوه: فإنها لو أعطيت الثلث هنا لكانت تعطاه مع عدم الولد مطلقا وهو خلاف ما دل عليه القرآن. وقد روي عنه أنه قال لزيد: أفي كتاب الله ثلث ما بقي؟ أي ليس في كتاب الله إلا سدس وثلث. فيقال: وليس في كتاب الله إعطاؤها الثلث مطلقا فكيف يعطيها مع الزوجين الثلث بل في كتاب الله ما يمنع إعطاءها الثلث مع الأب وأحد الزوجين.
فإنه لو كان كذلك كان يقول: فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث. فإنها على هذا التقدير تستحق الثلث مطلقا؛ فلما خص الثلث ببعض الحال: علم أنها لا تستحق مطلقا. فهذا مفهوم المخالفة الذي يسمى دليل الخطاب يدل على بطلان قول من أعطاها الثلث إلا العمريتين ولا وجه لإعطائها الثلث مع مخالفته للإجماع. إلى أن قال: فإن قوله: {وورثه أبواه فلأمه الثلث} دل على أن لها الثلث والباقي للأب بقوله ورثه أبواه فإنه لما جعل الميراث ميراثا بينهما ثم أخرج نصيبها دل على أن الباقي نصيبه. وإذا أعطي الأب الباقي معها لم يلزم أن يعطى غيره مثل ما أعطي. وإنما أعطينا سائر العصبة بقوله: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} وبقوله: {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون}
وبقول النبي صلى الله عليه وسلم {ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر}.
_________

Q (*) قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 231):
كذا وردت الإجابة في الفتاوى، وينبغي التأكد من أصل نسبة هذه الفتوى إلى الشيخ رحمه الله، وصحة ذلك، فإن الكلام الموجود هنا في حل هذه المسألة وهم، لأنه رد على الزوج، والزوج لا يرد عليه عند الجمهور - وحكاه بعضهم إجماعا (1) - ومنهم الأئمة الذين ذكرهم: أبو حنيفة وأحمد.
ولو أن الكلام المذكور هنا لم ينسب للأئمة: أبي حنيفة وأحمد، لقلنا إنه أحد اختيارات الشيخ التي خالفهم فيها، إلا أنه ذكر هذا القول ونسبه إليهم، مما يرجح التردد في نسبة هذا إليه (2)، وقسمتها على الصواب من ستة عشر: للزوج أربعة أسهم، وللأم ثلاثة، وللبنت تسعة، والله تعالى أعلم.
(1) انظر في هذا (باب الرد) من (كتاب الفرائض أو المواريث) من جميع كتب الفقه، وانظر مثلا: (المغني) 9/ 48.
(2) ونحن هنا لا ندعي أن الشيخ رحمه الله معصوم من الوهم والخطأ، حاشا لله، بل هو بشر يعتريه ما يعتري غيره من ذلك، ولكن المسألة التي بين أيدينا ظاهرة، والكلام فيها من أشهر ما يكون في مسائل الفرائض، فاحتمال وقوع الوهم فيها من الشيخ رحمه الله بعيد، فينبغي التأكد من نسبة هذه الفتوى، والله تعالى أعلم.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 12-09-2022, 05:13 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,140
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام



فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ النساء
المجلد الخامس
الحلقة( 184)

من صــ 191 الى صـ 200


فصل:
وأما ميراث الأخوات مع البنات: وأنهن عصبة. كما قال: ({وله أخت} - الذي هو قول جمهور الصحابة والعلماء - فقد دل عليه القرآن والسنة أيضا فإن قوله تعالى {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد}. فدل على أن الأخت ترث النصف مع عدم الولد. وأنه هو يرث المال كله مع عدم ولدها. وذلك يقتضي أن الأخت مع الولد لا يكون لها النصف مما ترك؛ إذ لو كان كذلك لكان لها النصف سواء كان له ولد أو لم يكن له فكان ذكر الولد تدليسا وعبثا مضرا وكلام الله منزه عن ذلك. ومن هذا قوله تعالى {ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك} وقوله {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث} وإذا علم أنها مع الولد لا ترث النصف فالولد إما ذكر وإما أنثى.
أما الذكر فإنه يسقطها كما يسقط الأخ بطريق الأولى؛ بدليل قوله: {وهو يرثها إن لم يكن لها ولد} فلم يثبت له الإرث المطلق إلا إذا لم يكن لها ولد والإرث المطلق هو حوز جميع المال فدل ذلك على أنه إذا كان لها ولد لم يحز المال؛ بل: إما أن يسقط وإما أن يأخذ بعضه. فيبقى إذا كان لها ولد: فإما ابن وإما بنت. والقرآن قد بين أن البنت إنما تأخذ النصف فدل على أن البنت لا تمنعه النصف الآخر؛ إذا لم يكن إلا بنت وأخ.
ولما كان فتيا الله إنما هو في الكلالة؛ والكلالة من لا والد له ولا ولد: علم أن من ليس له ولد ووالد ليس هذا حكمه.
ولما كان قد بين تعالى أن الأخ يحوز المال - مال الأخت - فيكون لها عصبة؛ كان الأب أن يكون له عصبة بطريق الأولى؛ وإذا كان الأب والأخ عصبة فالابن بطريق الأولى. وقد قال تعالى: {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون} ودل أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم {ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر} أن ما بقي بعد الفرائض لا يرثه إلا العصبة وقد علم أن الابن أقرب ثم الأب؛ ثم الجد؛ ثم الإخوة. وقضى النبي صلى الله عليه وسلم أن أولاد بني الأم يتوارثون؛ دون بني العلات.
فالأخ للأبوين أولى من الأخ للأب وابن الابن يقوم مقام الابن وكذلك كل بني أب أدنى هم أقرب من بني الأب الذي هو أعلى منه وأقر بهم إلى الأب الأعلى فهو أقرب إلى الميت. وإذا استويا في الدرجة فمن كان لأبوين أولى ممن كان للأب. فلما دل القرآن على أن للأخت النصف مع عدم الولد. وأنه مع ذكور ولد يكون الابن عاصبا يحجب الأخت؛ كما يحجب أخاها. بقي الأخت مع إناث الولد: ليس في القرآن ما ينفي ميراث الأخت في هذه الحال.
بقي مع البنت: إما أن تسقط؛ وإما أن يكون لها النصف وإما أن تكون عصبة. ولا وجه لسقوطها؛ فإنها لا تزاحم البنت. وأخوها لا يسقط. فلا تسقط هي ولو سقطت بمن هو أبعد منها من الأقارب والبعيد لا يسقط القريب ولأنها كانت تساوي البنت مع اجتماعهما والبنت أولى منها فلا تساوى بها؛ فإنه لو فرض لها النصف لنقصت البنت عن النصف كزوج وبنت فلو فرض لها النصف لعالت فنقصت البنت عن النصف والإخوة لا يزاحمون الأولاد بفرض ولا تعصيب؛ فإن الأولاد أولى منهم. والله إنما أعطاها النصف إذا كان الميت كلالة.

فلما بطل سقوطها وفرضها لم يبق إلا أن تكون عصبة أولى من البعيد كالعم وابن العم وهذا قول الجمهور. وقد دل عليه حديث البخاري {عن ابن مسعود لما ذكر له أن أبا موسى وسلمان بن ربيعة قالا: في بنت وبنت ابن. وأخت: للبنت النصف وللأخت النصف وائت ابن مسعود فإنه سيتابعنا. فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين لأقضين فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للبنت النصف وبنت الابن السدس تكملة الثلثين. وما بقي للأخت} فدل ذلك أن الأخوات مع البنات عصبة والأخت تكون عصبة بغيرها وهو أخوها فلا يمتنع أن تكون عصبة مع البنت.

وقوله صلى الله عليه وسلم {ألحقوا الفرائض بأهلها إلخ} فهذا عام خص منه المعتقة والملاعنة والملتقطة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم {تحوز المرأة ثلاث مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه} وإذا كان عاما مخصوصا: خصت منه هذه الصورة بما ذكر من الأدلة.
فصل:
وأما " ميراث البنتين " فقد قال تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف} فدل القرآن على أن البنت لها مع أخيها الذكر الثلث ولها وحدها النصف ولما فوق اثنتين الثلثان. بقيت البنت إذا كان لها مع الذكر الثلث لا الربع فأن يكون لها مع الأنثى الثلث لا الربع أولى وأحرى؛ ولأنه قال: {وإن كانت واحدة فلها النصف} فقيد النصف بكونها واحدة فدل بمفهومه على أنه لا يكون لها إلا مع هذا الوصف؛ بخلاف قوله: {فإن كن نساء} ذكر ضمير (كن) و (ونساء) وذلك جمع لم يمكن أن يقال: اثنتين؛ لأن ضمير الجمع لا يختص باثنتين؛ ولأن الحكم لا يختص باثنتين فلزم أن يقال:
{فوق اثنتين} لأنه قد عرف حكم الثنتين؛ وعرف حكم الواحدة وإذا كانت واحدة فلها النصف ولما فوق الثنتين الثلثان: امتنع أن يكون للبنتين أكثر من الثلثين فلا يكون لهما جميع المال لكل واحدة النصف فإن الثلاث ليس لهن إلا الثلثان فكيف الثلاثة ولا يكفيها النصف لأنه لها بشرط أن تكون واحدة فلا يكون لها إذا لم تكن واحدة. وهذه الدلالة تظهر من قراءة النصب {وإن كانت واحدة} فإن هذا خبر كان تقديره: فإن كانت بنتا واحدة أي مفردة ليس معها غيرها {فلها النصف} فلا يكون لها ذلك إذا كان معها غيرها فانتفى النصف وانتفى الجميع فلم يبق إلا الثلثان. وهذه دلالة من الآية.
وأيضا فإن الله لما قال في الأخوات: {فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك} كان دليلا على أن البنتين أولى بالثلثين من الأختين.

وأيضا فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم " لما أعطى ابنتي سعد بن الربيع الثلثين وأمهما الثمن والعم ما بقي ". وهذا إجماع لا يصح فيه خلاف عن ابن عباس.
ودلت آية (الولد) على أن حكم ما فوق الاثنتين حكم الاثنتين؛ فكذلك قال في الأخوات {فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك} ولم يذكر ما فوقهما؛ فإنه إذا كانت الثنتان تستحقان الثلثين فما فوقهما بطريق الأولى والأحرى؛ بخلاف آية البنات؛ فإنه لم يدل قوله {للذكر مثل حظ الأنثيين} إلا على أن لها الثلث مع أخيها وإذا كن اثنتين لم تستحق الثلث فصار بيانه في كل من الآيتين من أحسن البيان؛ لما دل الكلام الأول على ميراث البنتين دون ما زاد على ذلك بين بعد ذلك ميراث ما زاد على البنتين وفي آية الصيف لما دل الكلام على ميراث الأختين وكان ذلك دالا بطريق الأولى على ميراث الثلاثة أو الأربعة وما زاد: لم يحتج أن يذكر ما زاد على الأختين. فهناك ذكر ما فوق البنتين دون البنتين وفي الآية الأخرى ذكر البنتين دون ما فوقهما لما يقتضيه حسن البيان في كل موضوع ولما بين حكم الأخت الواحدة والأخ الواحد وحكم الأختين فصاعدا: بقي بيان الابنتين فصاعدا من الصنفين ليكون البيان مستوعبا للأقسام.

ولفظ " الإخوة " وسائر جميع ألفاظ الجمع قد يعني به الجنس من غير قصد القدر منه: فيتناول الاثنين فصاعدا. وقد يعني به الثلاثة فصاعدا. وفي هذه الآية إنما عنى به العدد مطلقا؛ لأنه بين الواحدة قبل ذلك؛ ولأن ما ذكره من الأحكام في الفرائض فرق فيه بين الواحد والعدد وسوى فيه بين مراتب العدد الاثنين والثلاثة وقد صرح بذلك في قوله: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة} إلى قوله: {فهم شركاء في الثلث} فقوله: (كانوا)ضمير جمع وقوله: {أكثر من ذلك} أي من أخ وأخت ثم قال: {فهم شركاء في الثلث} فذكرهم بصيغة الجمع المضمر وهو قوله: فهم والمظهر وهو قوله شركاء. فدل على أن صيغة الجمع في آيات الفرائض تناولت العدد مطلقا: الاثنين فصاعدا؛ لقوله: {يوصيكم الله في أولادكم} وقوله؛ {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} وقوله: {وإن كانوا إخوة رجالا ونساء}.
فصل:
وأما " الجدة " فكما قال الصديق: ليس لها في كتاب الله شيء؛ فإن الأم المذكورة في كتاب الله مقيدة بقيود توجب اختصاص الحكم بالأم الدنيا فالجدة وإن سميت أما لم تدخل في لفظ الأم المذكورة في الفرائض فأدخلت في لفظ الأمهات في قوله {حرمت عليكم أمهاتكم} ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أعطاها السدس " فثبت ميراثها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينقل عنه لفظ عام في الجدات؛ بل ورث الجدة التي سألته فلما جاءت الثانية أبا بكر جعلها شريكة الأولى في السدس. وقد تنازع الناس في " الجدات " فقيل: لا يرث الاثنتان: أم الأم وأم الأب كقول مالك وأبي ثور. وقيل: لا يرث إلا ثلاث هاتان وأم الجد؛ لما {روى إبراهيم النخعي: أن النبي صلى الله عليه وسلم
ورث ثلاث جدات: جدتيك من قبل أبيك وجدتك من قبل أمك} وهذا مرسل حسن؛ فإن مراسيل إبراهيم من أحسن المراسيل. فأخذ به أحمد. ولم يرد في النص إلا توريث هؤلاء.
وقيل: بل يرث جنس الجدات المدليات بوارث؛ وهو قول الأكثرين كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما وهو وجه في مذهب أحمد. وهذا القول أرجح؛ لأن لفظ النص وإن لم يرد في كل جدة فالصديق لما جاءته الثانية قال لها: لم يكن السدس التي أعطي إلا لغيرك؛ ولكن هي لو خلت به فهو لها. فورث الثانية. والنص إنما كان في غيرها. ولأنه لا نزاع أن من علت بالأمومة ورثت: فترث أم أم الأب وأم أم الأم بالاتفاق: فيبقى أم أبي الجد: أي فرق بينها وبين أم الجد وإن فرق بين أم الأب وأم الجد. ومعلوم أن أبا الجد يقوم مقام الجد؛ بل هو جد أعلى كذلك الجد كالأب؛ كأي وصف يفرق بين أم أم الأب وأم أبي الجد يبين ذلك أن أم أم الميت وأم أبيه بالنسبة إليه سواء؛ فكذلك أم أم أبيه وأم أبي أبيه بالنسبة إلى أبيه سواء؛ فوجب اشتراكهما في الميراث.
وأيضا فهؤلاء جعلوا أم أم الأم وإن زادت أمومتها ترث وأم أبي الأب لا ترث.

ورجحوا الجدة من جهة الأم على الجدة من جهة الأب. وهذا ضعيف فلم تكن أم الأم أولى به من أم الأب؛ وأقارب الأم لم يقدموا في شيء من الأحكام بل أقارب الأب أولى في جميع الأحكام؛ فكذلك في الحضانة. والصحيح أنها لا تسقط بابنها - أي الأب - كما هو أظهر الروايتين عن أحمد؛ لحديث ابن مسعود. ولأنها ولو أدلت به فهي لا ترث ميراثه؛ بل هي معه كولد الأم مع الأم لم يسقطوا بها.
وقول من قال: من أدلى بشخص سقط به. باطل: طردا وعكسا. باطل طردا: بولد الأم مع الأم وعكسا: بولد الابن مع عمهم؛ وولد الأخ مع عمهم. وأمثال ذلك مما فيه سقوط شخص بمن لم يدل به؛ وإنما العلة أنه يرث ميراثه فكل من ورث ميراث شخص سقط به إذا كان أقرب منه والجدات يقمن مقام الأم فيسقطن بها وإن لم يدلين بها.

وأما كون " بنات الابن مع البنت " لهن السدس تكملة الثلثين وكذلك الأخوات من الأب مع أخت الأبوين؛ فلأن الله قال. {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك} وقد علم أن الخطاب تناول ولد البنين؛ دون ولد البنات وأن قوله {أولادكم} يتناول من ينسب إلى الميت؛ وهم ولده وولد ابنته وأنه متناولهم على الترتيب: يدخل فيه ولد البنين عند عدم ولد الصلب؛ لما قد عرف من أنما أبقت الفروض فلأولى رجل ذكر والابن أقرب من ابن الابن فإذا لم تكن إلا بنت فلها النصف؛ وبقي من نصيب البنات السدس؛ فإذا كان هنا بنات ابن فإنهن يستحققن الجميع لولا البنت؛ فإذا أخذت النصف فالباقي لهن.
وكذلك في الأخت من الأبوين مع الأخت من الأب: {أخبر ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى للبنت بالنصف؛ ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين} وأما إذا استكملت البنات الثلثين لم يبق فرض؛ فإن كان هناك عصبة من ولد البنين فالمال له؛ لأنه أولى ذكر؛ وإن كان معه أو فوقه عصبها عند جمهور الصحابة والعلماء كالأربعة وغيرهم.

وأما ابن مسعود فإنه يسقطها؛ لأنها لا ترث مفردة.
والنزاع في الأخت للأب مع أخيها إذا استكمل البنات الثلثين. فالجمهور يجعلون البنات عصبة مع إخوانهن يقتسمون الباقي للذكر مثل حظ الأنثيين سواء زاد ميراثهن بالتعصيب أو نقص وتوريثهن هنا أقوى وقول ابن مسعود معروف في نقصانهن.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 12-09-2022, 05:19 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,140
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام



فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ النساء
المجلد الخامس
الحلقة( 185)

من صــ 201 الى صـ 210



(ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين (14)
(فائدة)
قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -:
وقد قيل: إن " التأبيد " لم يذكر في القرآن إلا في وعيد الكفار؛ ولهذا قال: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما}. وقال فيمن يجور في المواريث: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين}. فهنا قيد المعصية بتعدي حدوده فلم يذكرها مطلقة؛ وقال: {وعصى آدم ربه فغوى}. فهي معصية خاصة؛ وقال تعالى: {حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون} فأخبر عن معصية واقعة معينة وهي معصية الرماة للنبي صلى الله عليه وسلم حيث أمرهم بلزوم ثغرهم وإن رأوا المسلمين قد انتصروا فعصى من عصى منهم هذا الأمر وجعل أميرهم يأمرهم لما رأوا الكفار منهزمين وأقبل من أقبل منهم على المغانم. وكذلك قوله: {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان}. جعل ذلك ثلاث مراتب.

(إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما (17)

(فصل)
قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -:
قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد عن هذه الآية فقالوا لي: كل من عصى الله فهو جاهل وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب وكذلك قال سائر المفسرين. قال مجاهد: كل عاص فهو جاهل حين معصيته وقال الحسن وقتادة وعطاء والسدي وغيرهم: إنما سموا جهالا لمعاصيهم لا أنهم غير مميزين. وقال الزجاج: ليس معنى الآية أنهم يجهلون أنه سوء؛ لأن المسلم لو أتى ما يجهله كان كمن لم يواقع سوءا؛ وإنما يحتمل أمرين. (أحدهما): أنهم عملوه وهم يجهلون المكروه فيه.
والثاني: أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة وآثروا العاجل على الآجل؛ فسموا جهالا لإيثارهم القليل على الراحة الكثيرة والعافية الدائمة. فقد جعل الزجاج " الجهل " إما عدم العلم بعاقبة الفعل وإما فساد الإرادة؛ وقد يقال: هما متلازمان وهذا مبسوط في الكلام مع الجهمية. والمقصود هنا أن كل عاص لله فهو جاهل، وكل خائف منه فهو عالم مطيع لله؛ وإنما يكون جاهلا لنقص خوفه من الله إذ لو تم خوفه من الله لم يعص.
(فصل)
سئل الشيخ - رحمه الله تعالى -:
هل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تبارك وتعالى أحيا له أبويه حتى أسلما على يديه ثم ماتا بعد ذلك؟
فأجاب:

لم يصح ذلك عن أحد من أهل الحديث؛ بل أهل المعرفة متفقون على أن ذلك كذب مختلق وإن كان قد روى في ذلك أبو بكر - يعني الخطيب - في كتابه " السابق واللاحق " وذكره أبو القاسم السهيلي في " شرح السيرة " بإسناد فيه مجاهيل وذكره أبو عبد الله القرطبي في " التذكرة " وأمثال هذه المواضع فلا نزاع بين أهل المعرفة أنه من أظهر الموضوعات كذبا كما نص عليه أهل العلم وليس ذلك في الكتب المعتمدة في الحديث؛ لا في الصحيح ولا في السنن ولا في المسانيد ونحو ذلك من كتب الحديث المعروفة ولا ذكره أهل كتب المغازي والتفسير وإن كانوا قد يروون الضعيف مع الصحيح. لأن ظهور كذب ذلك لا يخفى على متدين فإن مثل هذا لو وقع لكان مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله فإنه من أعظم الأمور خرقا للعادة من وجهين:

من جهة إحياء الموتى: ومن جهة الإيمان بعد الموت. فكان نقل مثل هذا أولى من نقل غيره فلما لم يروه أحد من الثقات علم أنه كذب. والخطيب البغدادي هو في كتاب " السابق واللاحق " مقصوده أن يذكر من تقدم ومن تأخر من المحدثين عن شخص واحد سواء كان الذي يروونه صدقا أو كذبا وابن شاهين يروي الغث والسمين. والسهيلي إنما ذكر ذلك بإسناد فيه مجاهيل. ثم هذا خلاف الكتاب والسنة الصحيحة والإجماع. قال الله تعالى: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما} {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار}.
فبين الله تعالى: أنه لا توبة لمن مات كافرا. وقال تعالى: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون} فأخبر أن سنته في عباده أنه لا ينفع الإيمان بعد رؤية البأس؛ فكيف بعد الموت؟ ونحو ذلك من النصوص. وفي صحيح مسلم: " {أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أين أبي؟ قال: إن أباك في النار. فلما أدبر دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار} ".
وفي صحيح مسلم أيضا أنه قال: " {استأذنت ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي. فزوروا القبور فإنها تذكر الآخرة} ".
وفي الحديث الذي في المسند وغيره قال: " {إن أمي مع أمك في النار} " فإن قيل: هذا في عام الفتح والإحياء كان بعد ذلك في حجة الوداع ولهذا ذكر ذلك من ذكره وبهذا اعتذر صاحب التذكرة وهذا باطل لوجوه: - (الأول: إن الخبر عما كان ويكون لا يدخله نسخ كقوله في أبي لهب: {سيصلى نارا ذات لهب} وكقوله في الوليد: {سأرهقه صعودا}. وكذلك في: " {إن أبي وأباك في النار} " و " {إن أمي وأمك في النار} "
وهذا ليس خبرا عن نار يخرج منها صاحبها كأهل الكبائر؛ لأنه لو كان كذلك لجاز الاستغفار لهما ولو كان قد سبق في علم الله إيمانهما لم ينهه عن ذلك فإن الأعمال بالخواتيم ومن مات مؤمنا فإن الله يغفر له فلا يكون الاستغفار له ممتنعا.

(الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم زار قبر أمه لأنها كانت بطريقه " بالحجون " عند مكة عام الفتح وأما أبوه فلم يكن هناك ولم يزره إذ كان مدفونا بالشام في غير طريقه فكيف يقال: أحيي له؟. (الثالث: إنهما لو كانا مؤمنين إيمانا ينفع كانا أحق بالشهرة والذكر من عميه: حمزة والعباس؛ وهذا أبعد مما يقوله الجهال من الرافضة ونحوهم من أن أبا طالب آمن ويحتجون بما في " السيرة " من الحديث الضعيف وفيه أنه تكلم بكلام خفي وقت الموت. ولو أن العباس ذكر أنه آمن لما كان {قال للنبي صلى الله عليه وسلم عمك الشيخ الضال كان ينفعك فهل نفعته بشيء؟ فقال: وجدته في غمرة من نار فشفعت فيه حتى صار في ضحضاح من نار في رجليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار} ".

هذا باطل مخالف لما في الصحيح وغيره فإنه كان آخر شيء قاله: هو على ملة عبد المطلب وأن العباس لم يشهد موته مع أن ذلك لو صح لكان أبو طالب أحق بالشهرة من حمزة والعباس فلما كان من العلم المتواتر المستفيض بين الأمة خلفا عن سلف أنه لم يذكر أبو طالب ولا أبواه في جملة من يذكر من أهله المؤمنين كحمزة والعباس وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم كان هذا من أبين الأدلة على أن ذلك كذب. (الرابع: أن الله تعالى قال {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم} - إلى قوله - {لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء} الآية. وقال تعالى {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه}. فأمر بالتأسي بإبراهيم والذين معه؛ إلا في وعد إبراهيم لأبيه بالاستغفار. وأخبر أنه لما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه والله أعلم.

(وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا (20)

[فصل كلام الرافضي أن عمر رضي الله عنه منع المغالاة في المهور]
فصل
قال الرافضي: " وقال في خطبة له: من غالى في مهر امرأة جعلته في بيت المال، فقالت له امرأة: كيف تمنعنا ما أعطانا الله في كتابه حين قال: {وآتيتم إحداهن قنطارا} [سورة النساء: 20]؟ فقال: كل أحد أفقه من عمر حتى المخدرات ".
والجواب: أن هذه القصة دليل على كمال فضل عمر ودينه وتقواه، ورجوعه إلى الحق إذا تبين له، وأنه يقبل الحق حتى من امرأة، ويتواضع له، وأنه معترف بفضل الواحد عليه، ولو في أدنى مسألة، وليس من شرط الأفضل أن لا ينبهه المفضول لأمر من الأمور، فقد قال الهدهد لسليمان: {أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين} [سورة النمل: 22] وقد قال موسى للخضر: {هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا} [سورة الكهف: 66] والفرق بين موسى والخضر أعظم من الفرق بين عمر وبين أشباهه من الصحابة، ولم يكن هذا بالذي أوجب أن يكون الخضر قريبا من موسى، فضلا عن أن يكون مثله، بل الأنبياء المتبعون لموسى، كهارون ويوشع وداود وسليمان وغيرهم، أفضل من الخضر.
وما كان عمر قد رآه فهو مما يقع مثله للمجتهد الفاضل، فإن الصداق فيه حق لله - تعالى، ليس من جنس الثمن والأجرة، فإن المال والمنفعة يستباح بالإباحة، ويجوز بذله بلا عوض، وأما البضع فلا يستباح بالإباحة، ولا يجوز النكاح بغير صداق، لغير النبي - صلى الله عليه وسلم - باتفاق المسلمين، واستحلال البضع بنكاح لا صداق فيه من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم، لكن يجوز عقده بدون التسمية، ويجب مهر المثل، فلو مات قبل أن يفرض لها ففيها قولان للصحابة والفقهاء، أحدهما: لا يجب شيء، وهو مذهب علي ومن اتبعه، كمالك والشافعي في أحد قوليه، والثاني: يجب مهر المثل، وهو مذهب عبد الله بن مسعود، ومذهب أبي حنيفة وأحمد والشافعي في قوله الآخر.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - قضى في بروع بنت واشق بمثل ذلك، فكان هذا قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فعمر لم يستقر قوله على خلاف النص، فكان حاله أكمل من حال من استقر قوله على خلاف النص، وإذا كان الصداق فيه حق لله أمكن أن يكون مقدرا بالشرع، كالزكاة وفدية الأذى وغير ذلك، ولهذا ذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن أقله مقدر بنصاب السرقة، وإذا جاز تقدير أقله جاز تقدير أكثره، وإذا كان مقدرا اعتبر بالسنة، فلم يتجاوز به ما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نسائه وبناته.
وإذا قدر أن هذا لا يسوغ، كانت قد بذلت لمن لا يستحقها، فلا يعطاها الباذل لحصول مقصوده، ولا الآخذ لكونه [لا] يستحقها، فتوضع في بيت المال، كما تقوله طائفة من الفقهاء: إن المتجر بمال غيره يتصدق بالربح، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات، وكما يقوله محققو الفقهاء فيمن باع سلاحا في الفتنة، أو عصيرا أو عنبا للخمر: إنه يتصدق بالثمن.

ففي الجملة عمر لو نفذ اجتهاده لم يكن أضعف من كثير من اجتهاد غيره الذي أنفذه، وكيف لم ينفذه؟!
وقوله - تعالى -: {وآتيتم إحداهن قنطارا} [سورة النساء: 20] يتأول كثير من الناس ما هو أصرح منها، بأن يقولوا: هذا قيل للمبالغة، كما قالوا في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " «التمس ولو خاتما من حديد» "، أنه قاله على سبيل المبالغة، فإذا كان المقدرون لأدناه يتأولون مثل هذا، جاز أن يكون المقدر لأعلاه يتأول مثل هذا.

وإذا كان في هذا منع للمرأة المستحقة، فكذلك منع المفوضة المهر الذي استحقته بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لا سيما والمزوجة بلا تسمية لم تغال في الصداق، وعمر مع هذا لم يصر على ذلك، بل رجع إلى الحق.
فعلم أن تأييد الله له وهدايته إياه أعظم من تأييده لغيره وهدايته إياه، وأن أقواله الضعيفة التي رجع عنها ولم يصر عليها خير من أقوال غيره الضعيفة التي لم يرجع عنها.
والله - تعالى - قد غفر لهذه الأمة الخطأ وإن لم يرجعوا عنه، فكيف بمن رجع عنه؟
وقد ثبت في موضع غير هذا أن اجتهادات السلف من الصحابة والتابعين كانت أكمل من اجتهادات المتأخرين، وأن صوابهم أكمل من صواب المتأخرين، وخطأهم أخف من خطأ المتأخرين، فالذين قالوا من الصحابة والتابعين بصحة نكاح المتعة خطؤهم أيسر من خطأ من قال من المتأخرين بصحة نكاح المحلل، من أكثر من عشرين وجها، قد ذكرناها في مصنف مفرد، والذين قالوا من الصحابة والتابعين بجواز الدرهم بدرهمين خطؤهم أخف من خطأ من جوز الحيل الربوية من المتأخرين، وأن الذين أنكروا ما قاله الصحابة، عمر وغيره، في مسألة المفقود من أن زوجها إذا أتى خير بين امرأته ومهرها - قولهم ضعيف، وقول الصحابة هو الصواب الموافق لأصول الشرع، والذين عدوا هذا خلاف القياس، وقالوا: لا ينفذ حكم الحاكم إذا حكم به، قالوا ذلك لعدم معرفتهم بمآخذ الصحابة ودقة فهمهم؛ فإن هذا مبني على وقف العقود عند الحاجة؛ وهو أصل شريف من أصول الشرع.

وكذلك ما فعله عمر من جعل أرض العنوة فيئا هو فيه على الصواب، دون من لم يفهم ذلك من المتأخرين، وأن الذي أشار به علي بن أبي طالب في قتال أهل القبلة كان علي - رضي الله عنه - فيه على الصواب، دون من أنكره عليه من الخوارج وغيرهم.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 12-09-2022, 05:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,140
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام



فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ النساء
المجلد الخامس
الحلقة( 186)

من صــ 211 الى صـ 220



وما أفتى به ابن عباس وغيره من الصحابة في مسائل الأيمان والنذور والطلاق والخلع، قولهم فيها هو الصواب، دون قول من خالفهم من المتأخرين.
وبالجملة فهذا باب يطول وصفه، فالصحابة أعلم الأمة وأفقهها وأدينها، ولهذا أحسن الشافعي - رحمه الله - في قوله: " هم فوقنا في كل علم وفقه ودين وهدى، وفي كل سبب ينال به علم وهدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا " أو كلاما هذا معناه.
وقال أحمد بن حنبل: " أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ".
وما أحسن قول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - حيث قال: " أيها الناس من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد كانوا أفضل هذه الأمة: أبرها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ".
وقال حذيفة - رضي الله عنه -: " يا معشر القراء استقيموا وخذوا طريق من كان قبلكم، فوالله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقا بعيدا، وإن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا ".

(حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما (23)

(فصل: المحرمات بالرضاع)
قال شيخ الإسلام - رحمه الله -:
فصل:
وأما " المحرمات بالرضاع " فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب} وفي لفظ: {يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة} وهذا مما اتفق عليه علماء المسلمين؛ لا أعلم فيه نزاعا بين العلماء المعروفين. فإذا ارتضع الطفل من امرأة خمس رضعات في الحولين قبل الفطام صار ولدها باتفاق الأئمة وصار الرجل الذي در اللبن بوطئه أبا لهذا المرتضع باتفاق الأئمة المشهورين وهذا يسمى " لبن الفحل " وقد ثبت ذلك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم {فإن عائشة كانت قد أرضعتها امرأة وكان لها زوج يقال له أبو القعيس فجاء أخوه يستأذن عليها فأبت أن تأذن له حتى سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: إيذني له فإنه عمك فقالت عائشة: إنما أرضعتني المرأة؛ ولم يرضعني الرجل فقال: إنه عمك فليلج عليك}. وقال: {يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب}.
وإذا صار الرجل والمرأة والدي المرتضع صار كل من أولادهما إخوة المرضع؛ سواء كانوا من الأب فقط أو من المرأة أو منهما أو كانوا أولادا لهما من الرضاعة؛ فإنهم يصيرون إخوة لهذا المرتضع من الرضاعة؛ حتى لو كان لرجل امرأتان فأرضعت هذه طفلا وهذه طفلة: كانا أخوين؛ ولم يجز لأحدهما التزوج بالآخر باتفاق الأئمة الأربعة وجمهور علماء المسلمين.
وهذه " المسألة " سئل عنها ابن عباس فقال: اللقاح واحد يعني الرجل الذي وطئ المرأتين حتى در اللبن واحد. ولا فرق باتفاق المسلمين بين أولاد المرأة الذين رضعوا مع الطفل وبين من ولد لها قبل الرضاعة وبعد الرضاعة: باتفاق المسلمين. وما يظنه كثير من الجهال أنه إنما يحرم من رضع معه: هو ضلال على صاحبه إن لم يرجع عنه فإن أصر على استحلال ذلك استتيب كما يستتاب سائر من أباح الإخوة من الرضاعة فإن تاب وإلا قتل. وإذا كان كذلك فجميع " أقارب المرأة أقارب للمرتضع من الرضاعة " أولادها إخوته وأولاد أولادها أولاد إخوته وآباؤها وأمهاتها أجداده وإخوتها وأخواتها أخواله وخالاته:
وكل هؤلاء حرام عليه وأما " بنات أخواله وخالاته من الرضاع " فحلال كما يحل ذلك من النسب؛ وأقارب الرجل أقاربه من الرضاع: أولاد إخوته وأولادهم أولاد إخوته. وإخوته أعمامه وعماته وهن حرام عليه. وحل له بنات عمه وبنات عماته. وأولاد المرتضع بمنزلته كما أن أولاد المولود بمنزلته فليس لأولاده من النسب والرضاع أن يتزوجوا إخوته ولا إخوة أبيه لا من نسب ولا رضاع لأنهم أعمامهم وعماتهم وأخوالهم وخالاتهم.

وأما إخوة المرتضع من نسب أو رضاع غير رضاع هذه المرضعة فهم أجانب منها ومن أقاربها فيجوز لإخوة هؤلاء أن يتزوجوا أولاد المرضعة؛ كما إذا كان أخ للرجل من أبيه وأخت من أمه. وبالعكس: جاز أن يتزوج أحدهما الآخر؛ وهو نفسه لا يتزوج واحدا منهما: فكذلك المرتضع هو نفسه لا يتزوج واحدا من أولاد مرضعه؛ ولا أحدا من أولاد والديه فإن هؤلاء إخوته من الرضاع؛ وهؤلاء إخوته من النسب. ويجوز لإخوته من الرضاع أن يتزوجوا إخوته من النسب كما يجوز لإخوته من أبيه أن يتزوجوا إخوته من أمه. وهذا كله متفق عليه بين العلماء.

ولكن بعض المنتصبين للفتيا قد يغلظ في هذه المسائل؛ لالتباس أمرها على المستفتين ولا يذكرون ما يسألون عنه بالأسماء والصفات المعتبرة في الشرع مثل أن يقول: اثنان تراضعا: هل يتزوج هذا بأخت هذا؟ وهذا سؤال مجمل. فالمرتضع نفسه ليس له أن يتزوج من أخوات الآخر اللاتي هن من أمه التي أرضعت؛ وإن كان له أخوات من غير تلك الأم فهن أجانب من المرتضع فللمرتضع أن يتزوج منهن. وكذلك إذا قيل: طفل وطفلة تراضعا أو طفلان تراضعا: هل يحل أن يتزوج أحدهما بإخوة الآخر ويتزوج الأخوات من الجانبين بعضهم لبعض؟ فجواب ذلك أن إخوة كل من المتراضعين لهم أن يتزوجوا أخوات الآخر؛ إذا لم يرتضع الخاطب من أم المخطوبة ولا المخطوبة من أم الخاطب وهذا متفق عليه بين العلماء.
وأما المتراضعان فليس لأحدهما أن يتزوج شيئا من أولاد المرضعة فلا يتزوج هذا بأحد من إخوة الآخر من الأم التي أرضعته أو من الأب صاحب اللبن ويجوز أن يتزوج كل منهما من إخوة الآخر الذين ليسوا من أولاد أبويه من الرضاعة. فهذا جواب هذه الأقسام. فإن الرضيع: إما أن يتزوج من إخوة المرتضع الآخر من تلك المرأة أو الرجل وإما أن يتزوج من إخوة المرتضع الآخر من النسب أو من رضاعة أخرى. وإخوة الرضيع إما أن يتزوجوا من هؤلاء وإما من هؤلاء وإما من هؤلاء. فإخوة الرضيع لهم أن يتزوجوا الجميع: أولاد المرضعة وزوجها من نسب أو رضاع. ولإخوة هذا أن يتزوجوا بإخوة هذا؛ بل لأب هذا من النسب أن يتزوج أخته من الرضاع.
وأما أولاد المرضعة فلا يتزوج أحد منهن المرتضع؛ ولا أولاده؛ ولا يتزوج أحدا من أولاد إخوته وأخواته؛ لا من نسب؛ ولا من رضاع فإنه يكون: إما عما وإما خالا. وهذا كله متفق عليه بين العلماء.

" ثم الرضاع المحرم " فيه ثلاثة أقوال مشهورة ثلاث روايات عن أحمد " أحدها " أنه يحرم كثيره وقليله. وهي مذهب مالك وأبي حنيفة؛ لإطلاق القرآن. " والثاني " لا تحرم الرضعة والرضعتان ويحرم ما فوق ذلك. وهو مذهب طائفة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {لا تحرم الرضعة والرضعتان} " وروي " {المصة والمصتان} " وروي {الإملاجة؛ والإملاجتان} " فنفى التحريم عنهما وبقي الباقي على العموم والمفهوم. " والثالث " أنه لا يحرم إلا خمس رضعات وهو مذهب الشافعي وظاهر مذهب أحمد لحديثين صحيحين. حديث عائشة: {إن مما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك} ولأمره صلى الله عليه وسلم لامرأة أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة أن ترضع سالما مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة خمس رضعات؛ ليصير محرما لها بذلك.

وعلى هذا فالرضعة في مذهب الشافعي وأحمد ليست هي الشبعة وهو أن يلتقم الثدي ثم يسيبه ثم يلتقمه ثم يسيبه حتى يشبع بل إذا أخذ الثدي ثم تركه باختياره فهي رضعة سواء شبع بها أو لم يشبع إلا برضعات فإذا التقمه بعد ذلك فرضع ثم تركه فرضعة أخرى وإن تركه بغير اختياره ثم عاد قريبا ففيه نزاع.
وسئل - رحمه الله تعالى -:
ما الذي يحرم من الرضاع؟ وما الذي لا يحرم؟ وما دليل حديث عائشة رضي الله عنها " {أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب}. ولتبينوا جميع التحريم منه؟ وهل للعلماء فيه اختلاف؟ وإن كان لهم اختلاف فما هو الصواب والراجح فيه؟ وهل حكم رضاع الصبي الكبير الذي دون البلوغ أو الذي يبلغ حكمه حكم الصغير الرضيع؛ فإن بعض النسوة يرضعن أولادهن خمس سنين؛ وأكثر وأقل؟ وهل يقع تحريم بين المرأة والرجل المتزوجين برضاع بعض قراباتهم لبعض؟ وبينوه بيانا شافيا؟
الجواب:
الحمد لله، حديث عائشة حديث صحيح متفق على صحته؛ وهو متلقى بالقبول؛ فإن الأئمة اتفقوا على العمل به ولفظه: {يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب} " والثاني: " {يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة} ": وقد استثنى بعض الفقهاء المستأخرين من هذا العموم صورتين؛ وبعضهم أكثر من ذلك وهذا خطأ؛ فإنه لا يحتاج أن يستثنى من الحديث شيء. ونحن نبين ذلك فنقول. إذا ارتضع الرضيع من المرأة خمس رضعات في الحولين صارت المرأة أمه وصار زوجها الذي جاء اللبن بوطئه أباه فصار ابنا لكل منهما من الرضاعة وحينئذ فيكون جميع أولاد المرأة من هذا الرجل ومن غيره وجميع أولاد الرجل منها ومن غيرها إخوة له سواء ولدوا قبل الرضاع أو بعده باتفاق الأئمة.

وإذا كان أولادهما إخوته كان أولاد أولادهما أولاد إخوته فلا يجوز للمرتضع أن يتزوج أحدا من أولادهما ولا أولاد أولادهما؛ فإنهم: إما إخوته وإما أولاد إخوته وذلك يحرم من الولادة. وإخوة المرأة وأخواتها أخواله وخالاته من الرضاع وأبوها وأمها أجداده وجداته من الرضاع فلا يجوز له أن يتزوج أحدا من إخوتها. ولا من أخواتها وإخوة الرجل أعمامه وعماته.

وأبو الرجل وأمهاته أجداده وجداته؛ فلا يتزوج بأعمامه وعماته ولا بأجداده وجداته؛ لكن يتزوج بأولاد الأعمام والعمات؛ فإن جميع أقارب الرجل حرام عليه؛ أولاد الأعمام والعمات؛ وأولاد الخال والخالات كما ذكر الله في قوله {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك} فهؤلاء " الأصناف الأربعة " هي المباحات من الأقارب فيبحن من الرضاعة. وإذا كان المرتضع ابنا للمرأة وزوجها فأولاده أولاد أولادهما ويحرم على أولاده ما يحرم على الأولاد من النسب. فهذه الجهات الثلاث منها تنتشر حرمة الرضاع.
وأما إخوة المرتضع من النسب؛ وأبوه من النسب وأمه من النسب: فهم أجانب أبيه وأمه وإخوته من الرضاع؛ ليس بين هؤلاء وهؤلاء صلة ولا نسب ولا رضاع؛ لأن الرجل يمكن أن يكون له أخ من أبيه وأخ من أمه ولا نسب بينهما؛ بل يجوز لأخيه من أبيه أن يتزوج أخته من أمه؛ فكيف إذا كان أخ من النسب وأخت من الرضاع؛ فإنه يجوز لهذا أن يتزوج هذا ولهذا أن يتزوج هذا. وبهذا تزول الشبهة التي تعرض لبعض الناس فإنه يجوز للمرتضع أن يتزوج أخوه من الرضاعة بأمه من النسب كما يتزوج بأخته من النسب. ويجوز لأخيه من النسب أن يتزوج أخته من الرضاعة وهذا لا نظير له في النسب؛ فإن أخ الرجل من النسب لا يتزوج بأمه من النسب. وأخته من الرضاع ليست بنت أبيه من النسب ولا ربيبته فلهذا جاز أن تتزوج به.
فيقول من لا يحقق: يحرم في النسب على أخي أن يتزوج أمي ولا يحرم مثل هذا في الرضاع. وهذا غلط منه؛ فإن نظير المحرم من النسب أن تتزوج أخته أو أخوه من الرضاعة بابن هذا الأخ أو بأمه من الرضاعة كما لو ارتضع هو وآخر من امرأة واللبن لفحل؛ فإنه يحرم على أخته من الرضاعة أن تتزوج أخاه وأخته من الرضاعة؛ لكونهما أخوين للمرتضع ويحرم عليهما أن يتزوجا أباه وأمه من الرضاعة؛ لكونهما ولديهما من الرضاعة؛ لا لكونهما أخوي ولديهما. فمن تدبر هذا ونحوه زالت عنه الشبهة.
وأما " رضاع الكبير " فإنه لا يحرم في مذهب الأئمة الأربعة؛ بل لا يحرم إلا رضاع الصغير كالذي رضع في الحولين. وفيمن رضع قريبا من الحولين نزاع بين الأئمة؛ لكن مذهب الشافعي وأحمد أنه لا يحرم.

فأما الرجل الكبير والمرأة الكبيرة فلا يحرم أحدهما على الآخر برضاع القرايب: مثل أن ترضع زوجته لأخيه من النسب: فهنا لا تحرم عليه زوجته؛ لما تقدم من أنه يجوز له أن يتزوج بالتي هي أخته من الرضاعة لأخيه من النسب؛ إذ ليس بينه وبينها صلة نسب ولا رضاع؛ وإنما حرمت على أخيه لأنها أمه من الرضاع وليست أم نفسه من الرضاع. وأم المرتضع من الرضاع لا تكون أما لإخوته من النسب؛ لأنها إنما أرضعت الرضيع ولم ترضع غيره. نعم:
لو كان للرجل نسوة يطأهن وأرضعت كل واحدة طفلا لم يجز أن يتزوج أحدهما الآخر؛ ولهذا لما سئل ابن عباس عن ذلك قال: اللقاح واحد. وهذا مذهب الأئمة الأربعة؛ لحديث أبي القعيس الذي في الصحيحين عن عائشة وهو معروف. وتحرم عليه أم أخيه من النسب؛ لأنها أمه أو امرأة أبيه؛ وكلاهما حرام عليه.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 12-09-2022, 05:34 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,140
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام



فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ النساء
المجلد الخامس
الحلقة( 187)

من صــ 221 الى صـ 230



وأما أم أخيه من الرضاعة فليست أمه ولا امرأة أبيه؛ لأن زوجها صاحب اللبن ليس أبا لهذا؛ لا من النسب ولا من الرضاعة. فإذا قال القائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب} " وأم أخيه من النسب حرام فكذلك من الرضاع. قلنا: هذا تلبيس وتدليس؛ فإن الله لم يقل: حرمت عليكم أمهات أخواتكم؛ وإنما قال: {حرمت عليكم أمهاتكم} وقال تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} فحرم على الرجل أمه ومنكوحة أبيه وإن لم تكن أمه. وهذه تحرم من الرضاعة فلا يتزوج أمه من الرضاعة.
وأما منكوحة أبيه من الرضاع فالمشهور عند الأئمة أنها تحرم؛ لكن فيها نزاع لكونها من المحرمات بالصهر؛ لا بالنسب والولادة. وليس الكلام هنا في تحريمها فإنه إذا قيل: تحرم منكوحة أبيه من الرضاعة وفينا بعموم الحديث.
وأما أم أخيه التي ليست أما ولا منكوحة أب: فهذه لا توجد في النسب؛ فلا يجوز أن يقال: تحرم من النسب فلا يحرم نظيرها من الرضاعة فتبقى أم الأم من النسب لأخيه من الرضاعة أو الأم من الرضاعة لأخيه من النسب: لا نظير لها من الولادة فلا تحرم. وهذا متفق عليه بين المسلمين. والله أعلم.
(فصل: الرضاعة المحرمة)
و " الرضاعة المحرمة بلا ريب " أن يرضع خمس رضعات فيأخذ الثدي فيشرب منه ثم يدعه ثم يأخذه فيشرب مرة ثم يدعه ولو كان ذلك في زمن واحد مثل غدائه وعشائه.
وأما دون الخمس فلا يحرم في مذهب الشافعي. وقيل: يحرم القليل والكثير: كقول أبي حنيفة ومالك. وقيل لا يحرم إلا ثلاث رضعات. والأقوال الثلاثة مروية عن أحمد؛ لكن الأول أشهر عنه لحديث عائشة الذي في الصحيحين {كان مما نزل في القرآن عشر رضعات يحرمن ثم نسخ ذلك بخمس رضعات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك} "
" وفي المسند وغيره أيضا {أنه صلى الله عليه وسلم أمر امرأة أن ترضع شخصا خمس رضعات؛ لتحرم عليه}. " والرضاع المحرم " ما كان في الحولين؛ فإن تمام الرضاع حولان كاملان كما قال تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} وما كان بعد تمام الرضاعة فليس من الرضاعة؛ ولهذا كان جمهور العلماء والأئمة الأربعة وغيرهم على أن رضاع الكبير لا تأثير له واحتجوا بما في الصحيحين عن {عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي رجل فقال من هذا يا عائشة؟ قلت: أخي من الرضاعة قال. يا عائشة انظرن من إخوانكن؟ إنما الرضاعة من المجاعة} وروى الترمذي عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام}. ومعنى قوله في: " الثدي " أي وقته وهو الحولان كما جاء في الحديث {إن ابني إبراهيم مات في الثدي} أي وهو في زمن الرضاع.
وهذا لا يقتضي أنه لا رضاع بعد الحولين ولا بعد الفطام وإن كان الفطام قبل تمام الحولين. وقد ذهب طائفة من السلف والخلف إلى أن إرضاع الكبير يحرم. واحتجوا بما في صحيح مسلم وغيره عن زينب بنت أم سلمة {أن أم سلمة قالت لعائشة: إنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي فقالت عائشة: ما لك في رسول الله أسوة حسنة قالت: إن امرأة أبي حذيفة قالت يا رسول الله إن سالما يدخل علي وهو رجل في نفس أبي حذيفة منه شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضعيه حتى يدخل عليك} وفي رواية لمالك في الموطأ قال: " {أرضعيه خمس رضعات} " فكان بمنزلة ولده من الرضاعة. وهذا الحديث أخذت به عائشة وأبى غيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذن به؛ مع أن عائشة روت عنه قال: " {الرضاعة من المجاعة} " لكنها رأت الفرق بين أن يقصد رضاعة أو تغذية. فمتى كان المقصود الثاني لم يحرم إلا ما كان قبل الفطام. وهذا هو إرضاع عامة الناس.
وأما الأول فيجوز إن احتيج إلى جعله ذا محرم. وقد يجوز للحاجة ما لا يجوز لغيرها. وهذا قول متوجه.
ولبن الآدميات طاهر عند جمهور العلماء؛ ولكن شك بعض المتأخرين فقال. هو نجس.
(فصل: تحريم الجمع بين الأختين)

وقال الشيخ - رحمه الله تعالى -:
وأما تحريم " الجمع " فلا يجمع بين الأختين بنص القرآن؛ ولا بين المرأة وعمتها؛ ولا بين المرأة وخالتها. لا تنكح الكبرى على الصغرى؛ ولا الصغرى على الكبرى؛ فإنه قد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك؛ فروي أنه قال: {إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم بين أرحامكم}. ولو رضيت إحداهما بنكاح الأخرى عليها لم يجز؛ فإن الطبع يتغير؛ ولهذا لما {عرضت أم حبيبة على النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج أختها؛ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم أوتحبين ذلك؟ فقالت:
لست لك بمخلية وأحق من شركني في الخير أختي فقال: إنها لا تحل لي. فقيل له: إنا نتحدث أنك ناكح درة بنت أبي سلمة فقال: لو لم تكن ربيبتي في حجري لما حلت لي. فإنها بنت أخي من الرضاع أرضعتني وأباها أبا سلمة ثويبة أمة أبي لهب فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن} وهذا متفق عليه بين العلماء.

و" الضابط " في هذا: أن كل امرأتين بينهما رحم محرم فإنه يحرم الجمع بينهما بحيث لو كانت إحداهما ذكرا لم يجز له التزوج بالأخرى؛ لأجل النسب. فإن الرحم المحرم لها " أربعة أحكام " حكمان متفق عليهما. وحكمان متنازع فيهما فلا يجوز ملكهما بالنكاح ولا وطؤهما.
فلا يتزوج الرجل ذات رحمه المحرم؛ ولا يتسرى بها. وهذا متفق عليه؛ بل هنا يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب؛ فلا تحل له بنكاح؛ ولا ملك يمين؛ ولا يجوز له أن يجمع بينهما في ملك النكاح فلا يجمع بين الأختين؛ ولا بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها. وهذا أيضا متفق عليه. ويجوز له أن يملكهما؛ لكن ليس له أن يتسراهما. فمن حرم جمعهما في النكاح حرم جمعهما في التسري فليس له أن يتسرى الأختين ولا الأمة وعمتها؛ والأمة وخالتها. وهذا هو الذي استقر عليه قول أكثر الصحابة؛ وهو قول أكثر العلماء.
وهم متفقون على أنه لا يتسرى من تحرم عليه بنسب أو رضاع وإنما تنازعوا في الجمع فتوقف بعض الصحابة فيها وقال: أحلتهما آية؛ وحرمتهما آية وظن أن تحريم الجمع قد يكون كتحريم العدد؛ فإن له أن يتسرى ما شاء من العدد ولا يتزوج إلا بأربع. فهذا تحريم عارض وهذا عارض بخلاف تحريم النسب والصهر فإنه لازم؛ ولهذا تصير المرأة من ذوات المحارم بهذا ولا تصير من ذوات المحارم بذلك؛ بل أخت امرأته أجنبية منه لا يخلو بها ولا يسافر بها كما لا يخلو بما زاد على أربع من النساء؛ لتحريم ما زاد على العدد.
وأما الجمهور فقطعوا بالتحريم وهو المعروف من مذاهب الأئمة الأربعة وغيرهم. قالوا: لأن كل ما حرم الله في الآية بملك النكاح حرم بملك اليمين وآية التحليل وهي قوله: {أو ما ملكت أيمانكم} إنما أبيح فيها جنس المملوكات ولم يذكر فيها ما يباح ويحرم من التسري كما لم يذكر ما يباح ويحرم من الممهورات والمرأة يحرم وطؤها إذا كانت معتدة ومحرمة وإن كانت زوجة أو سرية. وتحريم العدد كان لأجل وجوب العدل بينهن في القسم كما قال تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا} أي: لا تجوروا في القسم هكذا قال السلف وجمهور العلماء. وظن طائفة من العلماء أن المراد أن لا تكثر عيالكم. وقالوا: هذا يدل على وجوب نفقة الزوجة. وغلط أكثر العلماء من قال ذلك لفظا ومعنى. أما اللفظ فلأنه يقال: عال يعول إذا جار. وعال يعيل إذا افتقر. وأعال يعيل إذا كثر عياله. وهو سبحانه قال: {تعولوا} لم يقل: تعيلوا.
وأما المعنى فإن كثرة النفقة والعيال يحصل بالتسري كما يحصل بالزوجات ومع هذا فقد أباح مما ملكت اليمين ما شاء الإنسان بغير عدد؛ لأن المملوكات لا يجب لهن قسم ولا يستحققن على الرجل وطئا؛ ولهذا يملك من لا يحل له وطؤها كأم امرأته وبنتها وأخته وابنته من الرضاع ولو كان عنينا أو موليا لم يجب أن يزال ملكه عنها. والزوجات عليه أن يعدل بينهن في القسم " وخير الصحابة أربعة " فالعدل الذي يطيقه عامة الناس ينتهي إلى الأربعة.

وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الله قواه على العدل فيما هو أكثر من ذلك - على القول المشهور - وهو وجوب القسم عليه وسقوط القسم عنه على القول الآخر كما أنه لما كان أحق بالمؤمنين من أنفسهم أحل له التزوج بلا مهر. قالوا: وإذا كان " تحريم جمع العدد " إنما حرم لوجوب العدل في القسم وهذا المعنى منتف في المملوكة؛ فلهذا لم يحرم عليه أن يتسرى بأكثر من أربع؛ بخلاف الجمع بين الأختين؛ فإنه إنما كان دفعا لقطيعة الرحم بينهما وهذا المعنى موجود بين المملوكتين كما يوجد في الزوجتين فإذا جمع بينهما بالتسري حصل بينهما من التغاير ما يحصل إذا جمع بينهما في النكاح فيفضي إلى قطيعة الرحم. ولما كان هذا المعنى هو المؤثر في الشرع جاز له أن يجمع بين المرأتين إذا كان بينهما حرمة بلا نسب أو نسب بلا حرمة. فالأول مثل أن يجمع بين المرأة وابنة زوجها. كما جمع عبد الله بن جعفر لما مات علي بن أبي طالب بين امرأة علي وابنته.

وهذا يباح عند أكثر العلماء الأئمة الأربعة وغيرهم. فإن هاتين المرأتين وإن كانت إحداهما تحرم على الأخرى فذاك تحريم بالمصاهرة لا بالرحم؛ والمعنى إنما كان بتحريم قطيعة الرحم؛ فلم يدخل في آية التحريم لا لفظا ولا معنى.
وأما إذا كان بينهما رحم غير محرم: مثل بنت العم والخال: فيجوز الجمع بينهما؛ لكن هل يكره؟ فيه قولان: هما روايتان عن أحمد؛ لأن بينهما رحما غير محرم وأما " الحكمان المتنازع فيهما " فهل له أن يملك ذا الرحم المحرم؟ وهل له أن يفرق بينهما في ملك فيبيع أحدهما دون الآخر؟ هاتان فيهما نزاع وأقوال ليس هذا موضعها.
" وتحريم الجمع " يزول بزوال النكاح فإذا ماتت إحدى الأربع أو الأختين أو طلقها أو انفسخ نكاحها وانقضت عدتها: كان له أن يتزوج رابعة ويتزوج الأخت الأخرى باتفاق العلماء وإن طلقها طلاقا رجعيا لم يكن له تزوج الأخرى عند عامة العلماء. الأئمة الأربعة وغيرهم وقد روى عبيدة السلماني قال: لم يتفق أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على شيء كاتفاقهم على أن الخامسة لا تنكح في عدة الرابعة ولا تنكح الأخت في عدة أختها وذلك لأن الرجعية بمنزلة الزوجة فإن كلا منهما يرث الآخر لكنها صائرة إلى البينونة وذلك لا يمنع كونها زوجة كما لو أحالها إلى أجل مثل أن يقول: إن أعطيتني ألفا في رأس الحول فأنت طالق. فإن هذه صائرة إلى بينونة صغرى؛ ومع هذا فهي زوجة باتفاق العلماء وإذا قيل لا يمكن أن تعطيه العوض المعلق به فيدوم النكاح؟ قيل: والرجعية يمكن أن يراجعها فيدوم النكاح.
وكذلك لو قال: إن لم تلدي في هذا الشهر فأنت طالق. وكانت قد بقيت على واحدة فهاهنا هي زوجة لا يزول نكاحها إلا إذا انقضى الشهر ولم تلد وإن كانت صائرة إلى بينونة. وإنما تنازع العلماء هل يجوز له وطؤها كما تنازعوا في وطء الرجعية؟ وأما إذا كان الطلاق بائنا: فهل يتزوج الخامسة في عدة الرابعة؟ والأخت في عدة أختها؟ هذا فيه نزاع مشهور بين السلف والخلف. والجواز مذهب مالك والشافعي. والتحريم مذهب أبي حنيفة وأحمد. والله أعلم.
(يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم (26)

قال شيخ الإسلام - بعد كلام سبق -:
وهداه هنا يتعدى بنفسه؛ لأن التقدير: ويلزمكم سنن الذين من قبلكم فلا تعدلوا عنها وليس المراد هنا بالهدى الإلهام. كما في قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} لكونه لو أراد ذلك لوقع؛ ولم يكن فينا ضال؛ بل هذه إرادة شرعية أمرية بمعنى المحبة والرضا ولهذا قال الزجاج: يريد أن يدلكم على ما يكون سببا لتوبتكم فعلق الإرادة بفعل نفسه. فإن الزجاج ظن الإرادة في القرآن ليست إلا كذلك وليس كما ظن؛ بل الإرادة المتعلقة بفعله يكون مرادها كذلك فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

وأما الإرادة الموجودة في أمره وشرعه فهو كقوله: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} الآية. وقوله: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} ونحو ذلك. فهذه إرادته لما أمر به بمعنى أنه يحبه ويرضاه ويثيب فاعله؛ لا بمعنى أنه أراد أن يخلقه فيكون كما قال: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} الآية. وكما قال نوح: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون} فهذه إرادة لما يخلقه ويكونه. كما يقول المسلمون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وهذه الإرادة متعلقة بكل حادث، والإرادة الشرعية الأمرية لا تتعلق إلا بالطاعات كما يقول الناس لمن يفعل القبيح: يفعل شيئا ما يريده الله مع قولهم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. فإن هذه الإرادة " نوعان ". كما قد بسط في موضع آخر.
وقد يراد بالهدى الإلهام ويكون الخطاب للمؤمنين المطيعين الذين هداهم الله إلى طاعته فإن الله تعالى أراد أن يتوب عليهم ويهديهم فاهتدوا ولولا إرادته لهم ذلك لم يهتدوا كما قالوا: {الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق}. لكن الخطاب في الآية لجميع المسلمين كالخطاب بآية الوضوء. والخطاب لأهل البيت بقوله: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس} ولهذا يهدد من لم يطعه. وكما في الصيام: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}.
فهذه إرادة شرعية أمرية بمعنى المحبة والرضا؛ لا إرادة الخلق المستلزمة للمراد؛ لأنه لو كان كذلك لم تكن الآية خطابا إلا لمن أخذ باليسر ولمن فعل ما أمر به وكان من تخلف عن ذلك لا يدخل تحت الأمر والنهي الذي في الآية وليس كذلك. بل الحكم الشرعي لازم لجميع المسلمين؛ فمن أطاع أثيب ومن عصى عوقب والذين أطاعوه إنما أطاعوه بهداه لهم: هدى الإلهام والإعانة بأن جعلهم مهتدين. كما أنه هو الذي جعل المصلي مصليا والمسلم مسلما. ولو كانت الإرادة هنا من الإنسان مستلزمة لوقوع المراد لم يقل: {ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} فإنه حينئذ لا تأثير لإرادة هؤلاء بل وجودها وعدمها سواء. كما في قول نوح {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} فإن ما شاء الله كان وإن لم يشأ الناس وما لم يشأ لم يكن وإن شاءه الناس.
والمقصود بالآية تحذيرهم من متابعة الذين يتبعون الشهوات. والمعنى: إني أريد لكم الخير الذي ينفعكم وهؤلاء يريدون لكم الشر الذي يضركم كالشيطان الذي يريد أن يغويكم وأتباعه هم أهل الشهوات فلا تتخذوه وذريته أولياء من دوني بل اسلكوا طرق الهدى والرشاد وإياكم وطرق الغي والفساد. كما قال تعالى: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} الآيات.

وقوله: {يتبعون الشهوات} في الموضعين. فاتباع الشهوة من جنس اتباع الهوى كما قال تعالى: {أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} وقال: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن} وقال تعالى. {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل} وقال تعالى: {أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم} وقال تعالى: {ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} وهذا في القرآن كثير.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 12-09-2022, 06:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,140
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام



فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ النساء
المجلد الخامس
الحلقة( 188)

من صــ 231 الى صـ 240



(فصل)
سئل شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -:
عن الأقضية هل هي مقتضية للحكمة أم لا؟ فإذا كانت مقتضية للحكمة. فهل أراد من الناس ما هم فاعلوه؟ وإذا كانت الإرادة قد تقدمت فما معنى وجود العذر والحالة هذه؟ أفتونا مأجورين.

فأجاب: الحمد لله رب العالمين، قد أحاط ربنا سبحانه وتعالى بكل شيء علما وقدرة وحكما؛ ووسع كل شيء رحمة وعلما فما من ذرة في السموات والأرض ولا معنى من المعاني إلا وهو شاهد لله تعالى بتمام العلم والرحمة وكمال القدرة والحكمة وما خلق الخلق باطلا ولا فعل شيئا عبثا بل هو الحكيم في أفعاله وأقواله - سبحانه وتعالى - ثم من حكمته ما أطلع بعض خلقه عليه ومنه ما استأثر سبحانه بعلمه. وإرادته " قسمان ": إرادة أمر وتشريع وإرادة قضاء وتقدير. فالقسم الأول: إنما يتعلق بالطاعات دون المعاصي سواء وقعت أو لم تقع. كما في قوله: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم} وقوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}.

وأما القسم الثاني: وهو إرادة التقدير فهي شاملة لجميع الكائنات محيطة بجميع الحادثات وقد أراد من العالم ما هم فاعلوه بهذا المعنى لا بالمعنى الأول كما في قوله تعالى {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} وفي قوله: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم} وفي قول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
ونظائره كثيرة. وهذه الإرادة تتناول ما حدث من الطاعات والمعاصي دون ما لم يحدث كما أن الأولى تتناول الطاعات حدثت أو لم تحدث والسعيد من أراد منه تقديرا ما أراد به تشريعا والعبد الشقي من أراد به تقديرا ما لم يرد به تشريعا والحكم يجري على وفق هاتين الإرادتين فمن نظر إلى الأعمال بهاتين العينين كان بصيرا ومن نظر إلى القدر دون الشرع أو الشرع دون القدر كان أعور مثل قريش الذين قالوا: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} قال الله تعالى: {كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون}. فإن هؤلاء اعتقدوا أن كل ما شاء الله وجوده وكونه وهي - الإرادة القدرية - فقد أمر به ورضيه دون الإرادة الشرعية ثم رأوا أن شركهم بغير شرع مما قد شاء الله وجوده قالوا: فيكون قد رضيه وأمر به قال الله: {كذلك كذب الذين من قبلهم} بالشرائع من الأمر والنهي {حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا} بأن الله شرع الشرك وتحريم ما حرمتموه.

{إن تتبعون} في هذا {إلا الظن} وهو توهمكم أن كل ما قدره فقد شرعه {وإن أنتم إلا تخرصون} أي تكذبون وتفترون بإبطال شريعته {قل فلله الحجة البالغة} على خلقه حين أرسل الرسل إليهم فدعوهم إلى توحيده وشريعته ومع هذا فلو شاء هدى الخلق أجمعين إلى متابعة شريعته لكنه يمن على من يشاء فيهديه فضلا منه وإحسانا ويحرم من يشاء لأن المتفضل له أن يتفضل وله أن لا يتفضل فترك تفضله على من حرمه عدل منه وقسط. وله في ذلك حكمة بالغة.

وهو يعاقب الخلق على مخالفة أمره وإرادته الشرعية وإن كان ذلك بإرادته القدرية فإن القدر كما جرى بالمعصية جرى أيضا بعقابها كما أنه سبحانه قد يقدر على العبد أمراضا تعقبه آلاما فالمرض بقدره والألم بقدره فإذا قال العبد: قد تقدمت الإرادة بالذنب فلا أعاقب كان بمنزلة قول المريض قد تقدمت الإرادة بالمرض فلا أتألم وقد تقدمت الإرادة بأكل الحار فلا يحم مزاجي أو قد تقدمت بالضرب فلا يتألم المضروب وهذا مع أنه جهل فإنه لا ينفع صاحبه؛ بل اعتلاله بالقدر ذنب ثان يعاقب عليه أيضا وإنما اعتل بالقدر إبليس حيث قال: {بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض} وأما آدم فقال: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}. فمن أراد الله سعادته ألهمه أن يقول كما قال آدم - عليه السلام أو نحوه -ومن أراد شقاوته اعتل بعلة إبليس أو نحوها. فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار.
ومثله مثل رجل طار إلى داره شرارة نار؛ فقال له العقلاء: أطفئها لئلا تحرق المنزل فأخذ يقول: من أين كانت؟ هذه ريح ألقتها وأنا لا ذنب لي في هذه النار فما زال يتعلل بهذه العلل حتى استعرت وانتشرت وأحرقت الدار وما فيها. هذه حال من شرع يحيل الذنوب على المقادير ولا يردها بالاستغفار والمعاذير. بل حاله أسوأ من ذلك بالذنب الذي فعله بخلاف الشرارة فإنه لا فعل له فيها. والله سبحانه يوفقنا وإياكم وسائر إخواننا لما يحبه ويرضاه فإنها لا تنال طاعته إلا بمعونته ولا تترك معصيته إلا بعصمته. والله أعلم.
وسئل - قدس الله روحه - عن الأقضية: هل هي مقتضية للحكمة أم لا؟ وإذا كانت مقتضية للحكمة: فهل أراد من الناس ما هم فاعلوه أم لا؟ وإذا كانت الإرادة قد تقدمت: فما معنى وجود العذر والحالة هذه؟
فأجاب:

الحمد لله رب العالمين، نعم لله حكمة بالغة في أقضيته وأقداره وإن لم يعلمه العباد فإن الله علم علما وعلمه لعباده أو لمن يشاء منهم وعلم علما لم يعلمه لعباده {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما}. وهو سبحانه أراد من العباد ما هم فاعلوه إرادة تكوين كما اتفق المسلمون على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وكما قال: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا}.
وكما قال: {ولا يزالون مختلفين} {إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} وكما قال: {ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} وكما قال: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء}.

ولكن لم يرد المعاصي من أصحابها إرادة أمر وشرع ومحبة ورضى ودين بل ذلك كما قال تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وكما قال تعالى: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم} {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} وقال تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} وكما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}. وبالتقسيم والتفصيل في المقال يزول الاشتباه ويندفع الضلال وقد بسطت الكلام في ذلك بما يليق به في غير موضع من القواعد إذ ليس هذا موضع بسط ذلك.
وأما قول السائل: ما معنى وجود العذر؟ فالمعذور الذي يعرف أنه معذور هو من كان عاجزا عن الفعل مع إرادته له: كالمريض العاجز عن القيام والصيام والجهاد والفقير العاجز عن الإنفاق ونحو ذلك وهؤلاء ليسوا مكلفين ولا معاقبين على ما تركوه وكذلك العاجز عن السماع والفهم: كالصبي والمجنون؛ ومن لم تبلغه الدعوة.
وأما من جعل محبا مختارا راضيا بفعل السيئات حتى فعلها فليس مجبورا على خلاف مراده ولا مكرها على ما يرضاه فكيف يسمى هذا معذورا بل ينبغي أن يسمى مغرورا ولكن بسط ذلك يحتاج إلى الحكمة في الخلق والأمر فهذا مذكور في موضعه. وهذا المكان لا يسعه والله أعلم وصلى الله على محمد.
(والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما (27)
وقال شيخ الإسلام:
في الكلام على قوله تعالى {ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما}.
فذكر ما يتعلق بشهوات الآدميين من سائر ما تشتهيه أنفسهم حتى النساء والمردان وقال: العبد يجب عليه إذا وقع في شيء من ذلك أن يجاهد نفسه وهواه وتكون مجاهدته لله تعالى وحده.
ثم قال: وميل النفس إلى النساء عام في طبع جميع بني آدم وقد يبتلى كثير منهم بالميل إلى الذكران كالمردان وإن لم يكن يفعل الفاحشة الكبرى كان بما هو دون ذلك من المباشرة وإن لم تكن كان بالنظر ويحصل للنفس بذلك ما هو معروف عند الناس. وقد ذكر الناس من أخبار العشاق ما يطول وصفه فإذا ابتلي المسلم ببعض ذلك كان عليه أن يجاهد نفسه في طاعة الله تعالى وهو مأمور بهذا الجهاد وليس هو أمرا حرمه على نفسه فيكون في طاعة نفسه وهواه؛ بل هو أمر حرمه الله ورسوله ولا حيلة فيه فتكون المجاهدة للنفس في طاعة الله ورسوله.
وفي حديث أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا {من عشق فعف وكتم وصبر ثم مات فهو شهيد} وأبو يحيى في حديثه نظر؛ لكن المعنى الذي ذكر فيه دل عليه الكتاب والسنة فإن الله أمره بالتقوى والصبر فمن التقوى أن يعف عن كل ما حرم الله من نظر بعين ومن لفظ بلسان ومن حركة بيد ورجل.
والصبر أن يصبر عن شكوى به إلى غير الله فإن هذا هو الصبر الجميل. وأما الكتمان فيراد به شيئان: " أحدهما " أن يكتم بثه وألمه ولا يشكو إلى غير الله فمتى شكا إلى غير الله نقص صبره وهذا أعلى الكتمانين؛ لكن هذا لا يصبر عليه كل أحد؛ بل كثير من الناس يشكو ما به وهذا على وجهين. فإن شكا ذلك إلى طبيب يعرف طب النفوس ليعالج نفسه بعلاج الإيمان فهو بمنزلة المستفتي وهذا حسن وإن شكا إلى من يعينه على المحرم فهذا حرام وإن شكا إلى غيره لما في الشكوى من الراحة كما أن المصاب يشتكي مصيبته إلى الناس من غير أن يقصد تعلم ما ينفعه ولا الاستعانة على معصية فهذا ينقص صبره؛ لكن لا يأثم مطلقا إلا إذا اقترن به ما يحرم كالمصاب الذي يتسخط.
و " الثاني " أن يكتم ذلك فلا يتحدث به مع الناس؛ لما في ذلك من إظهار السوء والفاحشة فإن النفوس إذا سمعت مثل هذا تحركت وتشهت وتمنت وتتيمت والإنسان متى رأى أو سمع أو تخيل من يفعل ما يشتهيه كان ذلك داعيا له إلى الفعل والنساء متى رأين البهائم تنزو الذكور منها على الإناث ملن إلى الباءة؛ والمجامعة والرجل إذا سمع من يفعل مع المردان والنساء أو رأى ذلك أو تخيله في نفسه دعاه ذلك إلى الفعل وإذا ذكر الإنسان طعاما اشتهاه ومال إليه وإن وصف له ما يشتهيه من لباس أو امرأة أو مسكن أو غير ذلك مالت نفسه إليه.

والغريب عن وطنه متى ذكر بالوطن حن إليه. فكلما كان في نفس الإنسان محبته إذا تصوره تحركت المحبة والطلب إلى ذلك المحبوب المطلوب إما إلى وصفه وإما إلى مشاهدته وكلاهما يحصل به تخيل في النفس وقد يحصل التخيل بالسماع والرؤية أو التفكر في بعض الأمور المتعلقة به؛ فإذا تخيلت النفس تلك الأمور المتعلقة به انقلبت إلى تخيلة أخرى فتحركت داعية المحبة سواء كانت المحبة محمودة أو مذمومة. ولهذا تتحرك النفوس إلى الحج إذا ذكر الحجاز وتتحرك بذكر الأبرق والأجرع والعلي ونحو ذلك؛ لأنه رأى تلك المنازل لما كان ذاهبا إلى المحبوب فصار ذكرها يذكر المحبوب. وكذلك إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم تذكر به وتحركت محبته.
فالمبتلى بالفاحشة والعشق. إذا ذكر ما به لغيره تحركت النفوس إلى جنس ذلك؛ لأن النفوس مجبولة على حب الصور الجميلة؛ فإذا تصورت جنس ذلك تحركت إلى المحبوب؛ ولهذا نهى الله عن إشاعة الفاحشة.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 12-09-2022, 07:00 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,140
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام



فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ النساء
المجلد الخامس
الحلقة( 189)

من صــ 241 الى صـ 250



(يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (28)
قال مجاهد وغيره: يتبعون الشهوات الزنا وقال ابن زيد: هم أهل الباطل. وقال السدي: هم اليهود والنصارى والجميع حق؛ فإنهم قد يتبعون الشهوات مع الكفر وقد يكون مع الاعتراف بأنها معصية. ثم ذكر أنه {وخلق الإنسان ضعيفا} وسياق الكلام يدل على أنه ضعيف عن ترك الشهوات فلا بد له من شهوة مباحة يستغني بها عن المحرمة؛ ولهذا قال طاووس ومقاتل: ضعيف في قلة الصبر عن النساء.
وقال الزجاج وابن كيسان: ضعيف العزم عن قهر الهوى. وقيل: ضعيف في أصل الخلقة؛ لأنه خلق من ماء مهين، يروى ذلك عن الحسن لكن لا بد أن يوجد مع ذلك أنه ضعيف عن الصبر ليناسب ما ذكر في الآية فإنه قال: {يريد الله أن يخفف عنكم} وهو تسهيل التكليف بأن يبيح لكم ما تحتاجون إليه ولا تصبروا عنه. كما أباح نكاح الفتيات؛ وقد قال قبل ذلك {لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم}. فهو سبحانه مع إباحته نكاح الإماء عند عدم الطول وخشية العنت قال: {وأن تصبروا خير لكم} فدل ذلك على أنه يمكن الصبر مع خشية العنت وأنه ليس النكاح كإباحة الميتة عند المخمصة فإن ذلك لا يمكن الصبر عنه. وكذلك من أباح " الاستمناء " عند الضرورة فالصبر عن الاستمناء أفضل.
فقد روي عن ابن عباس: أن نكاح الإماء خير منه وهو خير من الزنا فإذا كان الصبر عن نكاح الإماء أفضل فعن الاستمناء بطريق الأولى أفضل. لا سيما وكثير من العلماء أو أكثرهم يجزمون بتحريمه مطلقا وهو أحد الأقوال في مذهب أحمد. واختاره ابن عقيل في المفردات، والمشهور عنه - يعني عن أحمد - أنه محرم إلا إذا خشي العنت. والثالث أنه مكروه إلا إذا خشي العنت. فإذا كان الله قد قال في نكاح الإماء: {وأن تصبروا خير لكم} ففيه أولى. وذلك يدل على أن الصبر عن كليهما ممكن. فإذا كان قد أباح ما يمكن الصبر عنه فذلك لتسهيل التكليف كما قال تعالى: {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا}.
و " الاستمناء " لا يباح عند أكثر العلماء سلفا وخلفا سواء خشي العنت أو لم يخش ذلك. وكلام ابن عباس وما روي عن أحمد فيه إنما هو لمن خشي " العنت " وهو الزنا واللواط خشية شديدة خاف على نفسه من الوقوع في ذلك فأبيح له ذلك لتكسير شدة عنته وشهوته. وأما من فعل ذلك تلذذا أو تذكرا أو عادة؛ بأن يتذكر في حال استمنائه صورة كأنه يجامعها فهذا كله محرم لا يقول به أحمد ولا غيره وقد أوجب فيه بعضهم الحد، والصبر عن هذا من الواجبات لا من المستحبات.
وأما الصبر عن المحرمات فواجب وإن كانت النفس تشتهيها وتهواها. قال تعالى: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله} و " الاستعفاف " هو ترك المنهي عنه.

(ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (29) ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا (30)

فصل:
قال شيخ الإسلام - بعد كلام سبق -:
وأما قول القائل: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة؟ واحتجاجه بالحديث المذكور. فيقال له: لا ريب أن الكتاب والسنة فيهما وعد ووعيد وقد قال الله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} وقال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} {ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا}. ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة، والعبد عليه أن يصدق بهذا وبهذا لا يؤمن ببعض ويكفر ببعض فهؤلاء المشركون أرادوا أن يصدقوا بالوعد ويكذبوا بالوعيد.

" والحرورية والمعتزلة ": أرادوا أن يصدقوا بالوعيد دون الوعد وكلاهما أخطأ، والذي عليه أهل السنة والجماعة الإيمان بالوعد والوعيد فكما أن ما توعد الله به العبد من العقاب قد بين سبحانه أنه بشروط: بأن لا يتوب فإن تاب تاب الله عليه. وبأن لا يكون له حسنات تمحو ذنوبه؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات وبألا يشاء الله أن يغفر له {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}.

فهكذا الوعد له تفسير وبيان. فمن قال بلسانه: لا إله إلا الله وكذب الرسول فهو كافر باتفاق المسلمين وكذلك إن جحد شيئا مما أنزل الله. فلا بد من الإيمان بكل ما جاء به الرسول ثم إن كان من أهل الكبائر فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له؛ فإن ارتد عن الإسلام ومات مرتدا كان في النار فالسيئات تحبطها التوبة والحسنات تحبطها الردة ومن كان له حسنات وسيئات فإن الله لا يظلمه بل من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره.
والله تعالى قد يتفضل عليه ويحسن إليه بمغفرته ورحمته. ومن مات على الإيمان فإنه لا يخلد في النار. فالزاني والسارق لا يخلد في النار بل لا بد أن يدخل الجنة. فإن النار يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان وهؤلاء المسئول عنهم يسمون: القدرية المباحية المشركين. وقد جاء في ذمهم من الآثار ما يضيق عنه هذا المكان والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وحسبنا الله ونعم الوكيل.

(إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما (31)

فقد وعد مجتنب الكبائر بتكفير السيئات واستحقاق الوعد الكريم. وكل من وعد بغضب الله أو لعنته أو نار أو حرمان جنة أو ما يقتضي ذلك؛ فإنه خارج عن هذا الوعد فلا يكون من مجتنبي الكبائر. وكذلك من استحق أن يقام عليه الحد لم تكن سيئاته مكفرة عنه باجتناب الكبائر إذ لو كان كذلك لم يكن له ذنب يستحق أن يعاقب عليه والمستحق أن يقام عليه الحد له ذنب يستحق العقوبة عليه.
وقال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -:
" الكبائر " هي ما فيها حد في الدنيا أو في الآخرة: كالزنا والسرقة والقذف التي فيها حدود في الدنيا. وكالذنوب التي فيها حدود في الآخرة وهو الوعيد الخاص. مثل الذنب الذي فيه غضب الله ولعنته أو جهنم؛ ومنع الجنة كالسحر واليمين الغموس والفرار من الزحف وعقوق الوالدين وشهادة الزور وشرب الخمر ونحو ذلك.
هكذا روي عن ابن عباس وسفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل وغيرهم من العلماء. قال تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} وقال تعالى: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة}. وقال تعالى: {والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون} وقال تعالى {ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} وقال تعالى: {وكل صغير وكبير مستطر}. و (أكبر الكبائر الإشراك بالله ثم قتل النفس ثم الزنا. كما قال تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} الآية.
(واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما (32)
(فصل في قول القائل: إن الأنبياء والأولياء لم يطلبوا رزقا)
قال شيخ الإسلام - بعد كلام سبق -:
فصل:

وأما قول القائل: إن الأنبياء والأولياء لم يطلبوا رزقا. فليس الأمر كذلك بل عامة الأنبياء كانوا يفعلون أسبابا يحصل بها الرزق؛ كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد في المسند عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي؛ وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم}.

وقد ثبت في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم {إن أفضل ما أكل الرجل من كسبه} وكان داود يأكل من كسبه وكان يصنع الدروع وكان زكريا نجارا وكان الخليل له ماشية كثيرة حتى إنه كان يقدم للضيف الذين لا يعرفهم عجلا سمينا؛ وهذا إنما يكون مع اليسار. وخيار الأولياء المتوكلين: المهاجرون والأنصار وأبو بكر الصديق - أفضل الأولياء المتوكلين بعد الأنبياء. وكان عامتهم يرزقهم الله بأسباب يفعلونها كان الصديق تاجرا؛ وكان يأخذ ما يحصل له من المغنم؛ ولما ولي الخلافة جعل له من بيت المال كل يوم درهمان وقد أخرج ماله كله وقال له النبي صلى الله عليه وسلم {ما تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله} ومع هذا فما كان يأخذ من أحد شيئا لا صدقة ولا فتوحا ولا نذرا بل إنما كان يعيش من كسبه.
بخلاف من يدعي التوكل ويخرج ماله كله ظانا أنه يقتدي بالصديق؛ وهو يأخذ من الناس إما بمسألة وإما بغير مسألة فإن هذه ليست حال أبي بكر الصديق بل في المسند: " أن الصديق كان إذا وقع من يده سوط ينزل فيأخذه، ولا يقول لأحد ناولني إياه ويقول إن خليلي أمرني ألا أسأل الناس شيئا ". فأين هذا ممن جعل الكدية وسؤال الناس طريقا إلى الله حتى إنهم يأمرون المريد بالمسألة للخلق.
وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم مسألة الناس إلا عند الضرورة وقال: {لا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع أو دم موجع أو فقر مدقع} وقال تعالى: {فإذا فرغت فانصب} {وإلى ربك فارغب} فأمره أن تكون رغبته إلى الله وحده. ومن هؤلاء من يجعل دعاء الله ومسألته نقصا وهو مع ذلك يسأل الناس ويكديهم وسؤال العبد لربه حاجته من أفضل العبادات؛ وهو طريق أنبياء الله وقد أمر العباد بسؤاله فقال: {واسألوا الله من فضله} ومدح الذين يدعون ربهم رغبة ورهبة.

ومن الدعاء ما هو فرض على كل مسلم كالدعاء المذكور في فاتحة الكتاب. ومن هؤلاء من يحتج بما يروى عن الخليل أنه لما ألقي في النار قال له جبرائيل: هل لك من حاجة؟ فقال: أما إليك فلا قال: سل قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي. وأول هذا الحديث معروف وهو قوله: أما إليك فلا؛ وقد ثبت في صحيح البخاري عن {ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: حسبنا الله ونعم الوكيل أنه قالها: إبراهيم حين ألقي في النار. وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قال له الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم}.

وأما قوله: حسبي من سؤالي علمه بحالي فكلام باطل خلاف ما ذكره الله عن إبراهيم الخليل وغيره من الأنبياء من دعائهم لله ومسألتهم إياه وهو خلاف ما أمر الله به عباده من سؤالهم له صلاح الدنيا والآخرة. كقولهم: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} ودعاء الله وسؤاله والتوكل عليه عبادة لله مشروعة بأسباب كما يقدره بها فكيف يكون مجرد العلم مسقطا لما خلقه وأمر به والله أعلم. وصلى الله على محمد وسلم.

(الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ... (34)

وقال - رحمه الله -:
فصل قوله: {فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله} يقتضي وجوب طاعتها لزوجها مطلقا: من خدمة وسفر معه وتمكين له وغير ذلك كما دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث " الجبل الأحمر " وفي " السجود " وغير ذلك؛ كما تجب طاعة الأبوين؛ فإن كل طاعة كانت للوالدين انتقلت إلى الزوج؛ ولم يبق للأبوين عليها طاعة: تلك وجبت بالأرحام وهذه وجبت بالعهود كما سنقرر إن شاء الله هذين الأصلين العظيمين.
وسئل - رحمه الله -:
عن امرأة تزوجت وخرجت عن حكم والديها. فأيهما أفضل: برها لوالديها أو مطاوعة زوجها؟
فأجاب:
الحمد لله رب العالمين، المرأة إذا تزوجت كان زوجها أملك بها من أبويها وطاعة زوجها عليها أوجب قال الله تعالى: {فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله} وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة؛ إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك}.
وفي صحيح أبي حاتم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحصنت فرجها وأطاعت بعلها دخلت من أي أبواب الجنة شاءت} وفي الترمذي عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {أيما امرأة ماتت وزوجها راض عنها دخلت الجنة} وقال الترمذي حديث حسن. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لو كنت آمرا لأحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها} أخرجه الترمذي وقال حديث حسن وأخرجه أبو داود ولفظه:

{لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحقوق} وفي المسند عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ من عظم حقه عليها والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تجري بالقيح والصديد ثم استقبلته فلحسته ما أدت حقه} وفي المسند وسنن ابن ماجه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ولو أن رجلا أمر امرأته أن تنقل من جبل أحمر إلى جبل أسود ومن جبل أسود إلى جبل أحمر: لكان لها أن تفعل} أي لكان حقها أن تفعل.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 12-09-2022, 07:08 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,140
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام



فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ النساء
المجلد الخامس
الحلقة( 190)

من صــ 251 الى صـ 260




وكذلك في المسند وسنن ابن ماجه وصحيح ابن حبان عن عبد الله بن أبي أوفى قال: {لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا يا معاذ؟ قال: أتيت الشام فوجدتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفعلوا ذلك فإني لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها؛ ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه} وعن طلق بن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {أيما رجل دعا زوجته لحاجته فلتأته ولو كانت على التنور} رواه أبو حاتم في صحيحه والترمذي وقال حديث حسن وفي الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبانا عليها: لعنتها الملائكة حتى تصبح}. والأحاديث في ذلك كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال زيد بن ثابت: الزوج سيد في كتاب الله وقرأ قوله تعالى {وألفيا سيدها لدى الباب}. وقال عمر بن الخطاب: النكاح رق فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته.
وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {استوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عندكم عوان} فالمرأة عند زوجها تشبه الرقيق والأسير فليس لها أن تخرج من منزله إلا بإذنه سواء أمرها أبوها أو أمها أو غير أبويها باتفاق الأئمة. وإذا أراد الرجل أن ينتقل إلى مكان آخر مع قيامه بما يجب عليه وحفظ حدود الله فيها ونهاها أبوها عن طاعته في ذلك: فعليها أن تطيع زوجها دون أبويها؛ فإن الأبوين هما ظالمان؛ ليس لها أن ينهياها عن طاعة مثل هذا الزوج وليس لها أن تطيع أمها فيما تأمرها به من الاختلاع منه أو مضاجرته حتى يطلقها: مثل أن تطالبه من النفقة والكسوة والصداق بما تطلبه ليطلقها فلا يحل لها أن تطيع واحدا من أبويها في طلاقه إذا كان متقيا لله فيها.

ففي السنن الأربعة وصحيح ابن أبي حاتم عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة} وفي حديث آخر {المختلعات والمنتزعات هن المنافقات} وأما إذا أمرها أبواها أو أحدهما بما فيه طاعة الله: مثل المحافظة على الصلوات وصدق الحديث وأداء الأمانة ونهيها عن تبذير مالها وإضاعته ونحو ذلك مما أمر الله ورسوله أو نهاها الله ورسوله عنه: فعليها أن تطيعهما في ذلك ولو كان الأمر من غير أبويها.
فكيف إذا كان من أبويها وإذا نهاها الزوج عما أمر الله أو أمرها بما نهى الله عنه: لم يكن لها أن تطيعه في ذلك؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق} بل المالك لو أمر مملوكه بما فيه معصية لله لم يجز له أن يطيعه في معصية فكيف يجوز أن تطيع المرأة زوجها أو أحد أبويها في معصية فإن الخير كله في طاعة الله ورسوله والشر كله في معصية الله ورسوله.

(واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا (34)

وسئل الشيخ - رحمه الله -:
عن قوله تعالى {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن} وقوله تعالى {وإذا قيل انشزوا فانشزوا} إلى قوله تعالى {والله بما تعملون خبير} يبين لنا شيخنا هذا النشوز من ذاك؟
فأجاب:
الحمد لله رب العالمين، " النشوز " في قوله تعالى {تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع} هو أن تنشز عن زوجها فتنفر عنه بحيث لا تطيعه إذا دعاها للفراش أو تخرج من منزله بغير إذنه ونحو ذلك مما فيه امتناع عما يجب عليها من طاعته. وأما النشوز في قوله: {وإذا قيل انشزوا فانشزوا} فهو النهوض والقيام والارتفاع وأصل هذه المادة هو الارتفاع والغلظ ومنه النشز من الأرض وهو المكان المرتفع الغليظ ومنه قوله تعالى {وانظر إلى العظام كيف ننشزها} أي نرفع بعضها إلى بعض ومن قرأ (ننشرها أراد نحييها فسمى المرأة العاصية ناشزا لما فيها من الغلظ والارتفاع عن طاعة زوجها وسمي النهوض نشوزا لأن القاعد يرتفع عن الأرض. والله أعلم.

(وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا (35)

والله سبحانه لم يرض بحكم واحد بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما فإنه لا يعلم أيهما الظالم؛ وليس بينهما بينة؛ بل أمر بحكمين؛ وألا يكونا متهمين؛ بل حكما من أهل الرجل وحكما من أهل المرأة كما قال تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا} أي الحكمين {يوفق الله بينهما} أي بين الزوجين.

فإن رأيا المصلحة أن يجمعا بين الزوجين جمعا وإن رأيا المصلحة أن يفرقا بينهما فرقا: إما بعوض تبذله المرأة فتكون الفرقة خلعا إن كانت هي الظالمة وإن كان الزوج هو الظالم فرق بينهما بغير اختياره. وأكثر العلماء على أن هذين حكمان كما سماهما الله حكمين يحكمان بغير توكيل الزوجين وهذا قول مالك والشافعي والإمام أحمد في أحد قوليهما وقيل هما وكيلان كقول أبي حنيفة والقول الآخر في المذهبين.

فهنا لما اشتبه الحق لم يجعل الله الحكم لواحد وهو في قضية معينة بين زوجين. ولو حكم حاكم واحد بين الزوجين في أمر ظاهر لم ينفذ حكمه باتفاق المسلمين فكيف بأمور الدين والعبادات التي يشترك فيها جميع المسلمين وقد اشتبهت على كثير من الناس.
هذا بإجماع المسلمين لا يحكم فيه إلا الله ورسوله فمن كان عنده علم مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بينه وأوضحه للمسلمين والمسلمون إذا عرفوا شرع نبيهم لم يعدلوا عنه وإن كان كل قوم يقولون عندنا علم من الرسول ولم يكن هناك أمر ظاهر يجمعون فيما تنازعوا فيه كان أحد الحزبين لهم أجران والآخرون لهم أجر واحد كما قال تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين} {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما}.
" وولي الأمر " إن عرف ما جاء به الكتاب والسنة حكم بين الناس به وإن لم يعرفه وأمكنه أن يعلم ما يقول هذا وما يقول هذا حتى يعرف الحق حكم به؛ وإن لم يمكنه لا هذا ولا هذا ترك المسلمين على ما هم عليه كل يعبد الله على حسب اجتهاده؛ وليس له أن يلزم أحدا بقبول قول غيره وإن كان حاكما.

(إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا (36) الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (37)

وقال:
فصل:
قوله تعالى {إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} في النساء وفي الحديد أنه {لا يحب كل مختال فخور} {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} قد تؤولت في البخل بالمال والمنع والبخل بالعلم ونحوه وهي تعم البخل بكل ما ينفع في الدين والدنيا من علم ومال وغير ذلك كما تأولوا قوله: {ومما رزقناهم ينفقون} النفقة من المال والنفقة من العلم. وقال معاذ في العلم: تعلمه لمن لا يعلمه صدقة. وقال أبو الدرداء: ما تصدق رجل بصدقة أفضل من موعظة يعظ بها جماعة فيتفرقون وقد نفعهم الله بها. أو كما قال.
وفي الأثر نعمة العطية ونعمت الهدية الكلمة من الخبر يسمعها الرجل ثم يهديها إلى أخ له أو كما قال: وهذه صدقة الأنبياء وورثتهم العلماء؛ ولهذا كان الله وملائكته وحيتان البحر وطير الهواء يصلون على معلم الناس الخير كما أن كاتم العلم يلعنه الله ويلعنه اللاعنون وبسط هذا كثير في فضل بيان العلم وذم ضده. والغرض هنا أن الله يبغض المختال الفخور البخيل به فالبخيل به الذي منعه والمختال إما أن يختال فلا يطلبه ولا يقبله وإما أن يختال على بعض الناس فلا يبذله وهذا كثيرا ما يقع عند بعض الناس أنه يبخل بما عنده من العلم ويختال به وأنه يختال عن أن يتعدى من غيره وضد ذلك التواضع في طلبه وبذله والتكرم بذلك.
وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -:

فصل:
قد كتبنا في غير موضع الكلام على جمع الله تعالى بين الخيلاء والفخر وبين البخل كما في قوله: {إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} في النساء والحديد وضد ذلك الإعطاء والتقوى المتضمنة للتواضع كما قال: {فأما من أعطى واتقى} وقال: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} وهذان الأصلان هما جماع الدين العام كما يقال التعظيم لأمر الله والرحمة لعباد الله.

فالتعظيم لأمر الله يكون بالخشوع والتواضع وذلك أصل التقوى والرحمة لعباد الله بالإحسان إليهم وهذان هما حقيقة الصلاة والزكاة فإن الصلاة متضمنة للخشوع لله والعبودية له والتواضع له والذل له وذلك كله مضاد للخيلاء والفخر والكبر. والزكاة متضمنة لنفع الخلق والإحسان إليهم وذلك مضاد للبخل.
ولهذا وغيره كثر القران بين الصلاة والزكاة في كتاب الله. وقد ذكرنا فيما تقدم أن الصلاة بالمعنى العام تتضمن كل ما كان ذكرا لله أو دعاء له كما قال عبد الله بن مسعود: ما دمت تذكر الله فأنت في صلاة ولو كنت في السوق وهذا المعنى - وهو دعاء الله أي قصده والتوجه إليه المتضمن ذكره على وجه الخشوع والخضوع - هو حقيقة الصلاة الموجودة في جميع موارد اسم الصلاة كصلاة القائم والقاعد والمضطجع. والقارئ والأمي والناطق والأخرس وإن تنوعت حركاتها وألفاظها فإن إطلاق لفظ الصلاة على مواردها هو بالتواطؤ المنافي للاشتراك والمجاز وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. إذ من الناس من ادعى فيها الاشتراك ومنهم من ادعى المجاز بناء على كونها منقولة من المعنى اللغوي أو مزيدة أو على غير ذلك وليس الأمر كذلك؛ بل اسم الجنس العام المتواطئ المطلق إذا دل على نوع أو عين كقولك هذا الإنسان وهذا الحيوان أو قولك: هات الحيوان الذي عندك وهي غنم فهنا اللفظ قد دل على شيئين: على المعنى المشترك الموجود في جميع الموارد وعلى ما يختص به هذا النوع أو العين.
فاللفظ المشترك الموجود في جميع التصاريف على القدر المشترك وما قرن باللفظ من لام التعريف مثلا أو غيرها دل على الخصوص والتعيين وكما أن المعنى الكلي المطلق لا وجود له في الخارج فكذلك لا يوجد في الاستعمال لفظ مطلق مجرد عن جميع الأمور المعينة. فإن الكلام إنما يفيد بعد العقد والتركيب وذلك تقييد وتخصيص كقولك أكرم الإنسان أو الإنسان خير من الفرس.

ومثله قوله: {أقم الصلاة} ونحو ذلك ومن هنا غلط كثير من الناس في المعاني الكلية حيث ظنوا وجودها في الخارج مجردة عن القيود وفي اللفظ المتواطئ حيث ظنوا تجرده في الاستعمال عن القيود. والتحقيق: أنه لا يوجد المعنى الكلي المطلق في الخارج إلا معينا مقيدا ولا يوجد اللفظ الدال عليه في الاستعمال إلا مقيدا مخصصا وإذا قدر المعنى مجردا كان محله الذهن وحينئذ يقدر له لفظ مجرد غير موجود في الاستعمال مجردا.
و " المقصود هنا " أن اسم الصلاة فيه عموم وإطلاق ولكن لا يستعمل إلا مقرونا بقيد إنما يختص ببعض موارده كصلواتنا وصلاة الملائكة والصلاة من الله سبحانه وتعالى وإنما يغلط الناس في مثل هذا حيث يظنون أن صلاة هذا الصنف مثل صلاة هذا مع علمهم بأن هذا ليس مثل هذا فإذا لم يكن مثله لم يجب أن تكون صلاته مثل صلاته وإن كان بينهما قدر متشابه كما قد حققنا هذا في الرد على الاتحادية والجهمية والمتفلسفة ونحوهم.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 30-09-2022, 06:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,140
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام


فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ النساء
المجلد الخامس
الحلقة( 191)

من صــ 261 الى صـ 270





ومن هذا الباب أسماء الله وصفاته التي يسمى ويوصف العباد بما يشبهها كالحي والعليم والقدير ونحو ذلك. وكذلك اسم الزكاة هو بالمعنى العام كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {كل معروف صدقة} ولهذا ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {على كل مسلم صدقة} وأما الزكاة المالية المفروضة فإنما تجب على بعض المسلمين في بعض الأوقات والزكاة المقارنة للصلاة تشاركها في أن كل مسلم عليه صدقة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {قالوا: فإن لم يجد؟ قال: يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق قالوا: فإن لم يستطع؟ قال: يعين صانعا أو يصنع لأخرق قالوا فإن لم يستطع؟ قال: يكف نفسه عن الشر}.
وأما قوله في الحديث الصحيح حديث أبي ذر وغيره: {على كل سلامي من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة} فهذا - إن شاء الله - كتضمن هذه الأعمال نفع الخلائق فإنه بمثل هذا العمل يحصل الرزق والنصر والهدى فيكون ذلك من الصدقة على الخلق. ثم إن هذه الأعمال هي من جنس الصلاة وجنس الصلاة الذي ينتفع به الغير يتضمن المعنيين الصلاة والصدقة ألا ترى أن الصلاة على الميت صلاة وصدقة؟ وكذلك كل دعاء للغير واستغفار مع أن الدعاء للغير دعاء للنفس أيضا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكا كلما دعا له بدعوة قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل}.

وقال:
فصل:
قول الناس: الآدمي جبار ضعيف أو فلان جبار ضعيف؛ فإن ضعفه يعود إلى ضعف قواه من قوة العلم والقدرة وأما تجبره فإنه يعود إلى اعتقاداته وإراداته أما اعتقاده فأن يتوهم في نفسه أنه أمر عظيم فوق ما هو ولا يكون ذلك وهذا هو الاختيال والخيلاء والمخيلة وهو أن يتخيل عن نفسه ما لا حقيقة له. ومما يوجب ذلك مدحه بالباطل نظما ونثرا وطلبه للمدح الباطل فإنه يورث هذا الاختيال. وأما الإرادة فإرادة أن يتعظم ويعظم وهو إرادة العلو في الأرض والفخر على الناس وهو أن يريد من العلو ما لا يصلح له أن يريده وهو الرئاسة والسلطان حتى يبلغ به الأمر إلى مزاحمة الربوبية كفرعون ومزاحمة النبوة وهذا موجود في جنس العلماء والعباد والأمراء وغيرهم.
وكل واحد من الاعتقاد والإرادة يستلزم جنس الآخر؛ فإن من تخيل أنه عظيم أراد ما يليق بذلك الاختيال ومن أراد العلو في الأرض فلا بد أن يتخيل عظمة نفسه وتصغير غيره حتى يطلب ذلك ففي الإرادة يتخيله مقصودا وفي الاعتقاد يتخيله موجودا ويطلب توابعه من الإرادات.
وقد قال الله تعالى: {إن الله لا يحب كل مختال فخور} وقال النبي صلى الله عليه وسلم {الكبر بطر الحق وغمط الناس} فالفخر يشبه غمط الناس فإن كليهما تكبر على الناس. وأما بطر الحق - وهو جحده ودفعه - فيشبه الاختيال الباطل فإنه تخيل أن الحق باطل بجحده ودفعه. ثم هنا وجهان: " أحدهما " أن يجعل الاختيال وبطر الحق من باب الاعتقادات وهو أن يجعل الحق باطلا والباطل حقا فيما يتعلق بتعظيم النفس وعلو قدرها فيجحد الحق الذي يخالف هواها وعلوها ويتخيل الباطل الذي يوافق هواها وعلوها ويجعل الفخر وغمط الناس من باب الإرادات فإن الفاخر يريد أن يرفع نفسه ويضع غيره وكذلك غامط الناس. يؤيد هذا ما رواه مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار المجاشعي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد} فبين أن التواضع المأمور به ضد البغي والفخر. {وقال في الخيلاء التي يبغضها الله: الاختيال في الفخر والبغي}. . . (1) فكان في ذلك ما دل على أن الاستطالة على الناس إن كانت بغير حق فهي بغي؛ إذ البغي مجاوزة الحد. وإن كانت بحق فهي الفخر؛ لكن يقال على هذا:
البغي يتعلق بالإرادة فلا يجوز أن يجعل هو من باب الاعتقاد وقسيمه من باب الإرادة بل البغي كأنه في الأعمال والفخر في الأقوال أو يقال: البغي بطر الحق والفخر غمط الناس. " الوجه الثاني " أن يكونا جميعا متعلقين بالاعتقاد والإرادة لكن الخيلاء غمط الحق يعود إلى الحق في نفسه الذي هو حق الله وإن لم يكن يتعلق به حق آدمي والفخر وغمط الناس يعود إلى حق الآدميين؛ فيكون التنويع لتمييز حق الآدميين مما هو حق لله لا يتعلق بالآدميين؛ بخلاف الشهوة في حال الزنا وأكل مال الغير: فلما قال سبحانه: {إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} والبخل منع النافع: قيد هذا بهذا وقد كتبت فيما قبل هذا من التعاليق: الكلام في التواضع والإحسان والكلام في التكبر والبخل.

(وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء ... (43)

قال شيخ الإسلام - بعد كلام سبق -:
قال: وقوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط}؟ فنقول: لفظ الغائط في القرآن يستعمل في معناه اللغوي وهو: المكان المطمئن من الأرض؛ وكانوا ينتابون الأماكن المنخفضة لذلك وهو الغائط كما يسمى خلاء لقصد قاضي الحاجة الموضع الخالي ويسمى مرحاضا لأجل الرحض بالماء ونحو ذلك والمجيء من الغائط اسم لقضاء الحاجة؛ لأن الإنسان في العادة إنما يجيء من الغائط إذا قضى حاجته فصار اللفظ حقيقة عرفية يفهم منها عند الإطلاق التغوط فقد يسمون ما يخرج من الإنسان غائطا تسمية للحال باسم محله كما في قوله: جرى الميزاب. ومنه قول عائشة: مرن أزواجكم يغسلن عنهن أثر الغائط.
وليس في قوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط} استعمال اللفظ في غير معناه؛ بل المجيء من الغائط يتضمن التغوط فكنى عن ذلك المعنى باللفظ الدال على العمل الظاهر المستلزم الأمر المستور وكلاهما مراد. وهذا كثير في الكلام يذكر الملزوم ليفهم منه لازمه المدلول.

(ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل (44) والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا (45) من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (46)

فإن قيل: فقد قال تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة} إلى قوله: {من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين}.
وقولهم: {واسمع غير مسمع} مثل قولهم: اسمع لا سمعت واسمع غير مقبول منك لأن من لا يقصد إسماعه لا يقبل كلامه.
وقولهم {راعنا} قال قتادة وغيره: كانت اليهود تقول للنبي صلى الله عليه وسلم راعنا سمعك يستهزئون بذلك وكانت في اليهود قبيحة.
وروى الإمام أحمد عن عطية قال: كان يأتي ناس من اليهود فيقولون: راعنا سمعك حتى قالها ناس من المسلمين فكره الله لهم ما قالت اليهود.
وقال عطاء الخرساني: كان الرجل يقول: أرعنا سمعك ويلوي بذلك لسانه ويطعن في الدين.
وذكر بعض أهل التفسير أن هذه اللفظة كانت سبا قبيحا بلغة اليهود.
فهؤلاء قد سبوه صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام ولووا ألسنتهم به واستهزءوا به وطعنوا في الدين ومع ذلك فلم يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم.
قلنا: عن ذلك أجوبة:أحدها: أن ذلك كان في حال ضعف الإسلام في الحال التي أخبر الله عن رسوله والمؤمنين أنهم يسمعون من الذين أوتوا الكتاب والمشركين أذى كثيرا وأمرهم بالصبر والتقوى ثم إن ذلك نسخ عند القوة بالأمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون والصاغر لا يفعل شيئا من الأذى في الوجه ومن فعله فليس بصاغر.

ثم إن من الناس من يسمي ذلك نسخا لتغير الحكم ومنهم من لا يسميه نسخا لأن الله تعالى أمرهم بالعفو والصفح إلى أن يأتي الله بأمره وقد أتى الله بأمره من عز الإسلام وإظهاره والأمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
وهذا مثل قوله تعالى: {فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا} وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قد جعل الله لهن سبيلا" فبعض الناس يسمي ذلك نسخا وبعضهم لا يسميه نسخا والخلاف لفظي.
ومن الناس من يقول: الأمر بالصفح باق عند الحاجة إليه بضعف المسلم عن القتال بأن يكون في وقت أو مكان لا يتمكن منه وذلك لا يكون منسوخا إذ المنسوخ ما ارتفع في جميع الأزمنة المستقبلة.

وبالجملة فلا خلاف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مفروضا عليه لما قوي أن يترك ما كان يعامل به أهل الكتاب والمشركين ومظهري النفاق من العفو والصفح إلى قتالهم وإقامة الحدود عليهم سمي نسخا أو لم يسم.
الجواب الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان له أن يعفو عمن سبه وليس للأمة أن تعفو عمن سبه كما قد كان يعفو عمن سبه من المسلمين مع أنه لا خلاف بين المسلمين في وجوب قتل من سبه من المسلمين.
الجواب الثالث: أن هذا ليس بإظهار للسب وإنما هو إخفاء له بمنزلة "السام عليكم" وبمنزلة ظهور النفاق في لحن القول لأنهم كانوا يظهرون أنهم يقصدون مسألته أن يسمع كلامهم وأن يراعيهم فينتظرهم حتى يقضوا كلامهم وحتى يفهموا كلامه ويأتونه على هذا الوجه ثم إنهم يلوون ألسنتهم بالكلام وينوون به الاستهزاء والسب والطعن في الدين كما يلوون ألسنتهم بالسام وينوون به الدعاء عليه بالموت واليهود أمة معروفة بالنفاق والخبث وأن تظهر خلاف ما تبطن ولكن ذلك لا يوجب إقامة الحد عليهم.
ولو كان هذا سبا ظاهرا لما كان المسلمون يخاطبون بمثل ذلك قاصدين به الخير حتى نهوا عن التكلم بكلام يحتمل الاستهزاء ويوهمه بحيث يصير سبا بالنية ودلالة الحال.
وذلك أن هذه اللفظة كانت العرب تتخاطب بها لا تقصد سبا قال عطاء: كانت لغة في الأنصار في الجاهلية وقال أبو العالية: إن مشركي العرب إذا حدث بعضهم بعضا يقول أحدهم لصاحبه: أرعني سمعك فنهو عن ذلك وكذلك قال الضحاك وذلك أن العرب تقول: أرعيته سمعي إرعاء إذا فرغته لكلامه لأنك جعلت السمع يرعى كلامه وتقول "راعيته سمعي" بهذا المعنى لكن كانت اليهود تعتقدها سبا بينها: إما لما فيه من الاشتراك فإنها كما تستعمل في استرعاء السمع تستعمل بمعنى المفاعلة كأنه قيل: راعني حتى أراعيك وهذا إنما يكون بين الأمثال والنظراء ومرتبة الرئيس أعلى من ذلك أو أن اليهود ينوون بها معنى الرعونة أو فيها طلب حفظ الكلام والاهتمام به وهذا إنما يكون من الأعلى للأسفل لأن الرعاية هي الحفظ والكلاءة ومنه استرعاء الشاة.
وقد غلبت في عرفهم ولغتهم على معنى رديء كما قيل: إنهم ينوون بها اسمع لا سمعت وبالجملة إنما يصير مثل هذا سبا بالنية ولي اللسان ونحوه فنهي المسلمون عنها حسما لمادة التشبه باليهود وتشبه اليهود بهم وجعل ذلك ذريعة إلى الاستهزاء به ولما يحتمله لفظها من قلة الأدب في مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم.
الجواب الرابع: ما ذكره بعض أهل التفسير الذي ذكر أنها كانت سبا قبيحا بلغة اليهود قال: كان المسلمون يقولون راعنا يا رسول الله وأرعنا سمعك يعنون من المراعاة وكانت هذه اللفظة سبا قبيحا بلغة اليهود فلما سمعتها اليهود اغتنموها وقالوا فيما بينهم: كنا نسب محمدا سرا فأعلنوا له الآن بالشتم وكانوا يأتونه ويقولون: راعنا يا محمد ويضحكون فيما بينهم فسمعها سعد بن معاذ ففطن لها وكان يعرف لغتهم فقال لليهود: عليكم لعنة الله والذي نفسي بيده يا معشر اليهود لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه فقالوا: أولستم تقولنها؟ فأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} لكيلا يتخذ اليهود ذلك سبيلا إلى شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فهذا القول دليل على أن اللفظة مشتركة في لغة العرب ولغة العبرانيين وأن المسلمين لم يكونوا يفهمون من اليهود إذا قالوها إلا معناها في لغتهم فلما فطنوا لمعناها في اللغة الأخرى نهوهم عن قولها وأعلموهم أن ذلك ناقض لعهدهم ومبيح لدمائهم وهذا أوضح دليل على أنهم إذا تكلموا بما يفهم منه السب حلت دماؤهم وإنما لم يستحلوا دماءهم لأن المسلمين لم يكونوا يفهمون السب والكلام في السب الظاهر وهو ما يفهم منه السب.
__________
Q (1) خرم بالأصل

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 30-09-2022, 06:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,140
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام


فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ النساء
المجلد الخامس
الحلقة( 192)

من صــ 271 الى صـ 280



(ياأيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا (47)
[فصل: شبهات النصارى على رسالة النبي والرد عليها]
قال شيخ الإسلام - بعد كلام سبق -:
فإذا عرف هذا فاحتجاج هؤلاء بالآيات التي ظنوا دلالتها على أن نبوته خاصة بالعرب، تدل على أنهم ليسوا ممن يجوز لهم الاستدلال بكلام أحد على مقصوده ومراده، وأنهم ممن قيل فيه {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} [النساء: 78].
فليسوا أهلا أن يحتجوا بالتوراة والإنجيل والزبور على مراد الأنبياء وسائر الكلام المنقول عن الأنبياء على مراد الأنبياء عليهم السلام - بل ولا يحتجون بكلام الأطباء والفلاسفة والنحاة وعلم أهل الحساب والهيئة على مقاصدهم.

فإن الناس كلهم متفقون على أن لغة العرب من أفصح لغات الآدميين وأوضحها، ومتفقون على أن القرآن في أعلى درجات البيان والبلاغة والفصاحة، وفي القرآن من الدلالات الكثيرة على مقصود الرسول صلى الله عليه وسلم التي يذكر فيها: أن الله تعالى أرسله إلى أهل الكتاب وغيرهم ما لا يحصى إلا بكلفة، ثم مع ذلك من النقول المتواترة عن سيرته صلى الله عليه وسلم في دعائه لأهل الكتاب، وأمره لهم بالإيمان به، وجهاده لهم إذا كفروا به ما لا يخفى على من له أدنى خبرة بسيرته صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر قد امتلأ العالم به، وسمعه القاصي والداني، فإذا كان الناس المؤمن به وغير المؤمن به يعلمون أنه كان يقول: إنه رسول الله إلى أهل الكتاب، وغيرهم، وأن ظهور مقصوده بذلك مما يعلمه بالاضطرار الخاصة والعامة، ثم شرعوا يظنون أنه كان يقول: إني لم أبعث إلا إلى العرب، واستمر على ذلك حتى مات دل على فساد نظرتهم وعقلهم، أو على عنادهم ومكابرتهم، وكان الواجب إذ لم يكن له معرفة معاني هذه الآيات التي استدلوا بها على خصوص رسالته أن يعتقدوا أحد أمرين:
إما أن لها معاني توافق ما كان يقوله، أو أنها من المنسوخ فقد علمت الخاصة والعامة: أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد هجرته إلى بيت المقدس نحو سنة ونصف، ثم أمر بالصلاة إلى الكعبة البيت الحرام، والنصارى يوافقون على أن شرائع الأنبياء فيها ناسخ ومنسوخ، مع أن ما ذكروه من الآيات ليس منسوخا، ولكن المقصود: أن المعلوم من حال الرسول صلى الله عليه وسلم علما ضروريا يقينيا متواترا لا يجوز دفعه، فإن العلم بأنه كان يقول: إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جميع الخلق معلوم لكل من عرف أخباره صلى الله عليه وسلم سواء صدقه أو كذبه، والعلم بأنه كان يقول إنه رسول الله إلى جميع الناس ممكن قبل أن يعلم أنه نبي أو ليس بنبي، كما أن العلم بنبوته وصدقه ممكن قبل أن يعلم عموم رسالته، فليس العلم بأحدهما موقوفا على الآخر، ولهذا كان كثير ممن يكذبه يعلم أنه كان يقول إنه رسول الله إلى جميع الخلق، وطائفة ممن تقر بنبوته وصدقه لا تقر بأنه رسول إلى جميع الخلق.
والمقصود هنا: الكلام مع هؤلاء بأن العلم بعموم دعوته لجميع الخلق أهل الكتاب وغيرهم هو متواتر معلوم بالاضطرار كالعلم بنفس مبعثه ودعائه الخلق إلى الإيمان به وطاعته وكالعلم بهجرته من مكة إلى المدينة، ومجيئه بهذا القرآن، والصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، وحج البيت العتيق، وإيجاب الصدق والعدل، وتحريم الظلم والفواحش، وغير ذلك مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.
وإن قيل: بل في القرآن ما يقتضي أن رسالته خاصة، وفيه ما يقتضي أن رسالته عامة وهذا تناقض.
قيل: هذا باطل، ويعلم بطلانه قبل العلم بنبوته ; فإنه من المعلوم لكل أحد آمن به، أو كذبه أنه كان من أعظم الناس عقلا وسياسة وخبرة، وكان مقصوده دعوة الخلق إلى طاعته واتباعه، وكان يقرأ القرآن على جميع الناس، ويأمر بتبليغه إلى جميع الأمم، وكان من طلب منه أن يؤمنه حتى يقرأ عليه القرآن من الكفار وجب عليه أن يجيبه ولو كان مشركا، فكيف إذا كان كتابيا؟ كما قال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون} [التوبة: 6].

وكان قد أظهر أنه مبعوث إلى أهل الكتاب وسائر الخلق، وأنه رسول إلى الثقلين: الجن والإنس، فيمتنع مع هذا أن يظهر ما يدل على أنه لم يبعث إليهم، فإن هذا لا يفعله من له أدنى عقل لمناقضته لمراده، فكيف يفعله من اتفقت عقلاء الأمم على أنه أعقل الخلق وأحسنهم سياسة وشريعة؟
وأيضا فكان أصحابه والمقاتلون معه بعد ذلك ينفرون عنه، وقد كان عادتهم أن يستشكلوا ما هو دون هذا، وهذا لم يستشكله أحد، ثم بعد هذا فلو قدر أن في القرآن ما يدل على أنه لم يبعث إلا إلى العرب، وفيه ما يدل على أنه بعث إلى سائر الخلق، كان هذا دليلا على أنه أرسل إلى غيرهم بعد أن لم يرسل إلا إليهم، وأن الله عم بدعوته بعد أن كانت خاصة، فلا مناقضة بين هذا وهذا، فكيف وليس في القرآن آية واحدة تدل على اختصاص رسالته بالعرب؟ وإنما فيه إثبات رسالته إليهم، كما أن فيه إثبات رسالته إلى قريش، وليس هذا مناقضا لهذا، وفيه إثبات رسالته إلى أهل الكتاب كقوله تعالى: {ياأيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا} [النساء: 47].
كما فيه إثبات رسالته إلى بني إسرائيل كقوله: يا بني إسرائيل.
وليس هذا التخصص لليهود منافيا لذلك التعميم، وفي رسالته خطاب لليهود تارة وللنصارى تارة، وليس خطابه لإحدى الطائفتين ودعوته لها مناقضا لخطابه للأخرى ودعوته لها، وفي كتابه خطاب للذين آمنوا من أمته في دعوته لهم إلى شرائع دينه، وليس في ذلك مناقضة بأن يخاطب أهل الكتاب ويدعوهم، وفي كتابه أمر بقتال أهل الكتاب النصارى، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
قال تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29].
ثم لم يكن هذا مانعا أن يأمر بقتال غيرهم من اليهود والمجوس ; حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، بل هذا الحكم ثابت في المجوس بسنته واتفاق أمته.
وإن قيل: إنهم ليسوا من أهل الكتاب، فهذا كله مما يعلم بالاضطرار من دينه قبل العلم بنبوته، فكيف ونحن نتكلم على تقدير نبوته، والنبي لا يتناقض قوله؟ وإذا كان العلم بعموم دعوته ورسالته معلوما بالاضطرار قبل العلم بنبوته، وبعد العلم بنبوته، فالعلم الضروري اليقيني لا يعارضه شيء، ولكن هذا شأن الذين في قلوبهم زيغ من أهل البدع: النصارى وغيرهم يتبعون المتشابه ويدعون المحكم، وبسبب مناظرة النصارى للنبي صلى الله عليه وسلم بالمتشابه، وعدولهم عن المحكم أنزل الله تبارك وتعالى فيهم: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب} [آل عمران: 7].
فالتأويل: يراد به تفسير القرآن، ومعرفة معانيه، وهذا يعلمه الراسخون، ويراد به ما استأثر الرب سبحانه وتعالى بعلمه من معرفة كنهه وكنه ما وعد به ووقت الساعة، ونحو ذلك مما لا يعلمه إلا الله.
والضلال يذكرون آيات تشتبه عليهم معرفة معانيها، فيتبعون تأويلها ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويلها، وليسوا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويلها مع أن هؤلاء الآيات من أوضح الآيات.
وهذا الذي سلكوه في القرآن هو نظير ما سلكوه في الكتب المتقدمة وكلام الأنبياء من التوراة والإنجيل والزبور وغيرها، فإن فيها من النصوص الكثيرة الصريحة بتوحيد الله وعبودية المسيح ما لا يحصى إلا بكلفة، وفيها كلمات قليلة فيها اشتباه، فتمسكوا بالقليل المتشابه الخفي المشكل من الكتب المتقدمة وتركوا الكثير المحكم المبين الواضح، فهم سلكوا في القرآن ما سلكوه في الكتب المتقدمة، لكن تلك الكتب يقرون بنبوة أصحابها ومحمد صلى الله عليه وسلم هم فيه مضطربون متناقضون، فأي قول قالوه فيه ظهر فساده وكذبهم فيه إذا لم يؤمنوا بجميع ما أنزل إليه.

(إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما (48)
قال شيخ الإسلام:
اعلم رحمك الله أن الشرك بالله أعظم ذنب عصي الله به. قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم {سئل: أي الذنب أعظم؟. قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك}. والند المثل. قال تعالى: {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون}. وقال تعالى: {وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار}. فمن جعل لله ندا من خلقه فيما يستحقه عز وجل من الإلهية والربوبية فقد كفر بإجماع الأمة.

فإن الله سبحانه هو المستحق للعبادة لذاته: لأنه المألوه المعبود الذي تألهه القلوب وترغب إليه وتفزع إليه عند الشدائد وما سواه فهو مفتقر مقهور بالعبودية فكيف يصلح أن يكون إلها؟. قال الله تعالى: {وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين} وقال تعالى: {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا}. وقال الله تعالى: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون}.
وقال تعالى: {ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين}. وقال تعالى: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين} فالله - سبحانه - هو المستحق أن يعبد لذاته. قال تعالى: {الحمد لله رب العالمين} فذكر (الحمد بالألف واللام التي تقتضي الاستغراق لجميع المحامد فدل على أن الحمد كله لله ثم حصره في قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين}. فهذا تفصيل لقوله: {الحمد لله رب العالمين}. فهذا يدل على أنه لا معبود إلا الله وأنه لا يستحق أن يعبد أحد سواه فقوله: {إياك نعبد} إشارة إلى عبادته بما اقتضته إلهيته: من المحبة والخوف والرجاء والأمر والنهي. {وإياك نستعين} إشارة إلى ما اقتضته الربوبية من التوكل والتفويض والتسليم لأن الرب - سبحانه وتعالى - هو المالك وفيه أيضا معنى الربوبية والإصلاح. والمالك: الذي يتصرف في ملكه كما يشاء.
فإذا ظهر للعبد من سر الربوبية أن الملك والتدبير كله بيد الله تعالى قال تعالى: {تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير} فلا يرى نفعا ولا ضرا ولا حركة ولا سكونا ولا قبضا ولا بسطا ولا خفضا ولا رفعا إلا والله - سبحانه وتعالى - فاعله وخالقه وقابضه وباسطه ورافعه وخافضه فهذا الشهود هو سر الكلمات الكونيات. وهو علم صفة الربوبية. والأول هو علم صفة الإلهية وهو كشف سر الكلمات التكليفيات فالتحقيق بالأمر والنهي والمحبة والخوف والرجاء يكون عن كشف علم الإلهية. والتحقيق بالتوكل والتفويض والتسليم: يكون بعد كشف علم الربوبية وهو علم التدبير الساري في الأكوان كما قال عز وجل: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون}. فإذا تحقق العبد لهذا المشهد ووفقه لذلك بحيث لا يحجبه هذا المشهد عن المشهد الأول فهو الفقيه في عبوديته فإن هذين المشهدين عليهما مدار الدين فإن جميع مشاهد الرحمة واللطف والكرم والجمال داخلة في مشهد الربوبية.

ولهذا قيل: إن هذه الآية جمعت جميع أسرار القرآن: {إياك نعبد وإياك نستعين} لأن أولها اقتضى عبادته بالأمر والنهي والمحبة والخوف والرجاء كما ذكرنا وآخرها اقتضى عبوديته بالتفويض والتسليم وترك الاختيار. وجميع العبوديات داخلة في ذلك. ومن غاب عن هذا المشهد وعن المشهد الأول ورأى قيام الله عز وجل على جميع الأشياء وهو القيام على كل نفس بما كسبت وتصرفه فيها وحكمه عليها فرأى الأشياء كلها منه صادرة عن نفاذ حكمه وإرادته القادرة فغاب بما لاحظ عن التمييز والفرق وعطل الأمر والنهي والنبوات ومرق من الإسلام مروق السهم من الرمية.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 358.63 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 352.75 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (1.64%)]