«عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله - الصفحة 53 - ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :        

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التعليمـــات التقويم

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 08-04-2026, 12:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,535
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله


وفي التعبير بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ دون وصفهم بالمحسنين زيادة ترغيب بالإحسان، والذي يشمل الإحسان في عبادة الله تعالى بالإخلاص له - عز وجل - والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، والإحسان إلى عباد الله تعالى بإيصال النفع الديني والدنيوي إليهم ودفع الشر عنهم في ذلك كله، كما أن فيه إثبات المحبة لله تعالى، وإذا كان عز وجل يحب المحسنين، فمفهوم ذلك أنه لا يحب المسيئين، بل يبغضهم.

قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾.

ذكر عز وجل في الآيتين السابقتين صفات المتقين، مما يتعلق بفعل الطاعات من الإنفاق والكظم للغيظ، والعفو عن الناس والإحسان إليهم، ثم أتبع ذلك بذكر صفتهم وحالهم إذا وقع منهم فاحشةٌ أو ظلمٌ، فذكر أولًا حال كمالهم، ثم ذكر حال تَدارُكهم لنقائصهم.

قوله: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ﴾: الواو: عاطفة، والجملة معطوفة على الموصول في الآية السابقة، فهي في محل جر صفة رابعة ﴿ للمتقين ﴾.

«إذا»: ظرفية شرطية، ﴿ فَعَلُوا ﴾: فعل الشرط، و«الفاحشة»: كل ما فَحُشَ وقَبُحَ في الشرع وعُرف المسلمين؛ كالزنا واللواط، ونكاح الابن زوجةَ أبيه، وغير ذلك؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 32]، وقال تعالى حكايةً عن لوط أنه قال لقومه: ﴿ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ ﴾ [الأعراف: 80]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾ [النساء: 22].

وكل ما تجاوَز الحد في الفساد، فهو فاحشة؛ كعقوق الوالدين وشهادة الزور والسرقة، وغير ذلك من الكبائر، وأفحشُ الفواحش الشركُ بالله.

﴿ أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾: «أو» عاطفة تفيد التقسيم والتنويع؛ أي: أو ظلموا أنفسهم بما دون الفاحشة، وهي الصغائر.

وقد تحمل الفاحشة هنا على ما يُستفحش من الذنوب كالزنا ونحوه من الكبائر، ويُحمل ظلم النفس على ما سوى ذلك من الذنب؛ كبائرَ كانت أو صغائرَ.

كما قيل: العطف في الآية من عطف العام على الخاص؛ لأن الذنوب كلها ظلم للنفس، وقيل: «أو» بمعنى الواو، أي: فعلوا فاحشة وظلموا أنفسهم.

وكل خروج عن طاعة الله تعالى فهو ظلم للنفس، سواء كان تركًا لما أمر الله به، أو ارتكاب لما نهى الله عنه؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ [الطلاق: 1]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 36].

وذلك أن النفس وديعةٌ عند الإنسان، يجب عليه أن يسعى في سلامتها وخلاصها وفكاكها، وفيما يُسعدها في دينها ودنياها وأُخراها، فيحملها على فعل أسباب السعادة والنجاة، وينأَى بها عن أسباب الشقاء والهلاك، ولهذا قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 9، 10]، وقال صلى الله عليه وسلم: «كل الناس يغدو، فبائعٌ نفسه فمُعتقها أو مُوبقها»[17].

وكما قيل:
وما الناس إلا عاملان فعامل
يُتبِّرُ ما يبني وآخر رافع[18]




﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ ﴾: جواب الشرط «إذا»، أي: ذكروا الله - عز وجل - بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم؛ فذكروا الله تعالى بقلوبهم؛ بذكر عظمته ووعده ووعيده، وذكروه بألسنتهم بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، والاستغفار والتوبة، والدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح بين الناس، وغير ذلك.

وذكروا الله تعالى بجوارحهم، فابتعدوا بها عن معصيته خوفًا من عقابه، واستقاموا بها على طاعته رجاءً في ثوابه.

﴿ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾: الفاء: للتعقيب والترتيب، والاستغفار: طلب الغَفْر، أي: طلب الستر للذنوب، وعدم المؤاخذة عليها؛ أي: فطلبوا من الله - عز وجل - المغفرة لذنوبهم، أي: لما وقع ويقع منهم من المعاصي والآثام، من فعل فاحشة، أو ظلم للنفس، أو غير ذلك.

فجمعوا بين الندم على الذنب، والعزم على عدم العودة إليه بقلوبهم، والإقلاع والبعد عنه بجوارحهم، وطلب المغفرة والتوبة والاستغفار بألسنتهم.

﴿ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّه ﴾: هذه الجملة اعتراض بين قوله: ﴿ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾، وقوله: ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾.

والغرض من هذا الاعتراض واضحٌ، وهو بيان وتأكيد وجوب التعلق بالله والرجوع إليه وحده، وتسديد مبادرتهم إلى استغفار الله عقب الذنب، والتعريض بالمشركين الذين يدعون غير الله، ويتخذون الشُّفعاء بينهم وبين الله تعالى.

و«مَنْ» في قوله: ﴿ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ﴾: اسم استفهام بمعنى النفي، أي: لا أحد يغفر الذنوب إلا الله، والنفي بصيغة الاستفهام أبلغ لكونه مشربًا بالتحدي، كأنه يقول: ائتوا لي بأحد يغفر الذنوب إلا الله، لا أحد يغفر الذنوب غيره.

﴿ إِلَّا اللَّه ﴾: «إلا» أداة حصر؛ أي: لا أحد يغفر الذنوب بستْرها والتجاوز عنها إلا الله تعالى؛ كما قال صلى الله عليه وسلم في الدعاء الذي علمه أبو بكر الصديق رضي الله عنه: «قل: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت»[19].

وكما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 110].

عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه - عز وجل - قال: «أذنب عبد ذنبًا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلِم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي: رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا فعلِم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي: رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك»، وفي رواية: «قد غفرتُ لعبدي فليفعل ما شاء»[20].

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله، فيغفر لهم»[21].

وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن إبليس قال لربه: بعزتك وجلالك، لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم، فقال الله: فبعزتي وجلالي، لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني»[22].

وعن علي - رضي الله عنه - أن أبا بكر - رضي الله عنه - حدَّثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من رجل يذنب ذنبًا فيتوضَّأ، فيُحسن الوضوء، ثم يصلي ركعتين، أو ثم يُصلي ويستغفر الله - عز وجل - إلا غفر الله له»[23].

وفي رواية: «ما من رجل يُذنب، ثم يقوم فيتطهَّر، ثم يصلي، ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له، ثم قرأ هذه الآية: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾ إلى آخر الآية»[24].

﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا ﴾: معطوف على قوله: ﴿ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾، والإصرار على الشيء: الاستمرار عليه.

﴿ عَلَى مَا فَعَلُوا ﴾: «ما»: موصولة أو مصدرية؛ أي: لم يستمروا على الذي فعلوا، أو على فعلهم من الفاحشة أو ظلم النفس، بل أقلَعوا وتابوا.

فجمعوا بين الندم على فعل الذنب، والعزم على عدم العودة إليه بقلوبهم، والإقلاع والبعد عنه بجوارحهم، وطلب المغفرة والتوبة والاستغفار منه بألسنتهم.

﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾: الجملة حالية، أي: والحال أنهم يعلمون عظمة من عصوه - سبحانه وتعالى - ويعلمون عِظَمَ معصيته ومخالفة أمره بفعل فاحشةٍ، أو ظلم للنفس، أو غير ذلك، ويعلمون أن المغفرة لا تحصل مع الإصرار، ويعلمون أن الله - عز وجل - يغفر ويتوب على مَن استغفر وتاب إليه؛ كما قال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ ﴾ [التوبة: 104]، وقال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ ﴾ [الشورى: 25].

قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾.

ذكر عز وجل صفات المتقين في الآيات السابقة، ثم أتبعها بذكر جزائهم في هذه الآية.

قوله: ﴿ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ ﴾: الإشارة للمتقين المتصفين بالصفات السابقة، وأشار إليهم بإشارة البعيد تنويهًا بشأنهم.

﴿ جَزَاؤُهُمْ ﴾: ثوابهم ومكافأتهم على عملهم.

﴿ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾؛ أي: ستر من ربهم - عز وجل - لذنوبهم عن الخلق، وتجاوز منه تعالى عنها، وفي قوله: ﴿ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ تعظيم لهذه المغفرة.

﴿ وَجَنَّاتٌ ﴾: معطوف على مغفرة، وهي جمع «جنة»، وجمعت؛ لأنها جنان كثيرة ومتنوعة، ودرجات ومنازل مختلفة، حسب اختلاف الأعمال؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الجنة يتراءَون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الغابر في الأفق»، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: «بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين»[25].

ولما سألت أم حارثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: «يا نبي الله، ألا تحدثني عن حارثة - وكان قُتل يوم بدر- فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، قال: «يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى»[26].

﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾: صفة لـ«جنات»؛ أي: تجري من تحت غرفها وقصورها وأشجارها الأنهار، يَشربون منها ويغتسلون فيها، ويتنعَّمون بمشاهدتها، ويصرِّفونها حيث شاؤوا من غير أخدود.

قال ابن القيم:
أنهارها في غير أُخدودٍ جرَت
سبحان مُمسكها عن الفَيضان[27]




وهي أنواع أربعة؛ كما قال تعالى: ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ﴾ [محمد: 15].

﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾؛ أي: مقيمين في هذه الجنات إقامةً أبدية لا تحول ولا تزول؛ لأن الجنة لا تَفنى ولا يَفنى نعيمُها، ولا أهلها بإجماع المسلمين.

﴿ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾: معطوف على قوله: ﴿ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾.

﴿ وَنِعْمَ ﴾: فعل لإنشاء المدح، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره «هو».

و«أل» في ﴿ الْعَامِلِينَ ﴾ للعهد، أي: نعم أجر العاملين هذا الجزاء.

﴿ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾؛ أي: ثواب العاملين وجزاؤهم، أي: نَعِمَ وحَسُنَ وعَظُمَ هذا الجزاء بالمغفرة من ربهم، والجنات التي تجري من تحتها الأنهار، مع الخلود فيها، وهذا أجر العاملين بتقوى الله تعالى المتصفين بالصفات العظيمة المذكورة.

وفي هذا ثناء منه - عز وجل - وامتداح لأجرهم وتعظيم له؛ كما قال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ [الكهف: 31].

نعمت جزاءُ المتقين الجنةُ
فيها الأماني والمنى والمنة[28]




والتعريف في ﴿ الْعَامِلِينَ ﴾ للعهد، أي: ونعم أجر العاملين هذا الجزاء، وفي هذا تفضيل للجزاء، وللعمل المجازَى عليه، وللعاملين، أي: إذا كان لأصناف العاملين أجور - كما هو المتعارف - فنعم أجرُ العاملين بتقوى هذا الأجر.

وسُمى ثوابهم «أجرًا» لأنه - سبحانه وتعالى - تكفَّل به وضمِنه لهم، وأوجَبه على نفسه تفضلًا منه وكرمًا، وامتنانًا على عباده.

[1] أخرجه البخاري في الجهاد والسير، درجات المجاهدين في سبيل الله (2790)، وأحمد (2/ 335)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[2] أخرجه البخاري في بدء الخلق (3244)، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها (2824)، والترمذي في التفسير (3197)، وابن ماجه في الزهد (4328)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[3] البيت لعبدالله بن العجاج؛ انظر: «ديوانه» (ص311).

[4] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (2790)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[5] في «تفسيره» (2/ 98).

[6] أخرجه مسلم في الطهارة (223)، من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه.

[7] أخرجه البخاري في بدء الخلق (3289)، ومسلم في الزهد والرقائق - تشميت العاطس وكراهة التثاؤب (2994)، وأبو داود في الأدب (5028)، والترمذي في الصلاة (370)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[8] أخرجه البخاري في الأدب (6114)، ومسلم في البر والصلة - فضل مَن يَملِك نفسه عند الغضب، وبأي شيء؟ (2609)، وأحمد (2/ 236)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[9] أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب (2608)، وأبو داود في الأدب (4779)، وأحمد (1/ 382)، من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه.

[10] أخرجه أحمد (5/ 34)، من حديث الأحنف بن قيس عن عم له يقال له: جارية بن قدامة السعدي.

[11] أخرجه أحمد (5/ 373).

[12] أخرجه أحمد (1/ 327) قال ابن كثير في «تفسيره» (2/ 102): «إسناده حسن ليس فيه مجروح».

[13] أخرجه أحمد (3/ 440)، وأبو داود في الأدب (4777)، والترمذي في البر والصلة (2021)، وابن ماجه في الزهد (4186).

[14] أخرجه أحمد (5/ 152)، وأبو داود في الأدب (4782)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

[15] الأبيات لقريط بن أنيف؛ انظر: «شرح ديوان الحماسة» (1/ 5).

[16] أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب - استحباب العفو والتواضع (2588)، والترمذي في البر والصلة (2029)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[17] سبق تخريجه.

[18] البيت للبيد؛ انظر: «ديوانه» (ص56).

[19] أخرجه البخاري في الأذان (834)، ومسلم في الذكر والدعاء (2705)، والنسائي في السهو (1302)، والترمذي في الدعوات (3531)، وابن ماجه في الدعاء (3835)، من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

[20] أخرجه مسلم في التوبة (2758)، وأحمد (2/ 296).

[21]أخرجه مسلم في التوبة (2749)، وأحمد (2/ 304، 305).

[22] أخرجه أحمد (3/ 29).

[23] أخرجه أحمد (1/ 2، 10)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (1395).

[24] أخرجه الترمذي في الصلاة (406).

[25] أخرجه البخاري في بدء الخلق - ما جاء في صفة الجنة، وأنها مخلوقة (3256)، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها - ترائي أهل الجنة أهل الغرف؛ كما يرى الكوكب (2831)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

[26] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (2809)، والترمذي في التفسير (3174)، من حديث أنس رضي الله عنه.

[27] «النونية» (ص229).

[28] البيت مجهول النسبة؛ انظر: «صناعة الإعراب» (2/ 455).







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 14-04-2026, 03:28 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,535
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»

الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم




فوائد وأحكام من قوله تعالى:

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ... ﴾


قوله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [آل عمران: 133 - 136].

1- الحث والترغيب والإغراء بالمسارعة إلى مغفرة الله عز وجل وجنته؛ لقوله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ الآيات.

2- أن الحياة مَيدان للمنافسة والمسابقة والمسارعة إلى مغفرة الله تعالى وجنته، فأين المشمِّرون؟! ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حث على الصدقة فجاء عمر - رضي الله عنه - بنصف ماله، وقال: لأَسبقنَّ أبا بكر إن سبقته، فجاء أبو بكر- رضي الله عنه - بجميع ماله، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر: ما تركت لأهلك؟ قال: تركتُ لهم مثله، وسأل أبا بكر: ما تركت لأهلك؟ فقال: تركت لهم الله ورسوله، قال عمر رضي الله عنه: فعلمت أنني لن أسبق أبا بكر بعد اليوم»[1].

وقد رُوي عن الحسن: «إذا رأيتُ الرجل ينافسك في الدنيا، فنافِسه في الآخرة»[2]. وفي هذا المطلب العظيم أُزهقت نفوس المجاهدون، وأُفنيت أعمار العلماء الربانيين في خدمة القرآن والسنة والشرع المبين، وفيه أُنفقت أموال المحسنين، وسهِرت لأجله عيون العابدين.

3- عناية الله - عز وجل - بالمؤمنين؛ حيث يأمرهم بالمسارعة إلى مغفرته وجنته.

4- إثبات صفة المغفرة العظيمة الواسعة لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾، ففي تنكيرها وكونها منه - عز وجل - إشارة إلى عظمتها وسعتها.

5- إثبات ربوبية الله عز وجل الخاصة بعباده المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾.

6- سَعة الجنة وعظمتها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾، ولأنها من الله - عز وجل - وعنده.

7- أن التخلية قبل التحلية، وإزالة المرهوب مقدَّمة على توفير المطلوب؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ)، فقدَّم ﴿ مَغْفِرَةٍ ﴾؛ لأن بها التخلية وزوال المرهوب، ثم ذكر الجنة التي بها حصول المطلوب؛ كما قال تعالى: ﴿ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾.

8- فضل التقوى والترغيب فيها والبشارة لأهلها؛ لقوله تعالى: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾.

9- أن الجنة موجودة الآن معدَّة للمتقين؛ لقوله تعالى: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾.

10- امتداح الله - عز وجل - للمتقين وثناؤه عليهم بقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾.

11- فضل الاتصاف بالصفات المذكورة، وهي الإنفاق، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس والإحسان إليهم، والاستغفار من الذنوب، وعدم الإصرار عليها؛ لأن الله امتدح المتقين بها، وخصها من بين خصال التقوى.

وإذا كان عز وجل قال: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، ثم ذكر صفاتهم، وقال في سورة الحديد: ﴿ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ [الحديد: 21]، ففي هذا وذاك دلالةٌ على دخول الأعمال في مسمى الإيمان، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافًا للمرجئة.

12- فضيلة الإنفاق والترغيب فيه في جميع الأحوال؛ لأن الله امتدح به المتقين وقدَّمه على الصفات بعده؛ لما فيه من نفع الآخرين.

13- فضيلة كظم الغيظ، والترغيب في الإمساك بزمام النفس عند الغضب؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾.

14- الترغيب في العفو عن الناس وفضله؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾.

15- إثبات صفة المحبة لله تعالى كما يليق بجلاله؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾.

16- محبة الله تعالى للمحسنين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وهذا غاية مطلبهم، ويُفهم من الآية عدمُ محبته للمسيئين.

17- الترغيب في الإحسان إلى الناس مطلقًا، وأن منه الإنفاق، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس؛ لأن الله لما ذكر هذه الصفات أتبعها بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾.

18- أن المتقين ليسوا بمعصومين عن فعل الفاحشة أو ظُلم الناس؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾.

19- أن فعل الفاحشة أو ظلم النفس، لا يَخدش التقوى إذا استغفر الإنسان وتاب، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يُذنبون فيستغفرون الله، فيغفر لهم»[3]، وقال صلى الله عليه وسلم: «كل ابن آدم خطاء، وخيرُ الخطائين التوابون»[4].

وهذان الأبوان - عليهما السلام - لما تابا وأنابا إلى الله تعالى، وتاب الله عليهما، صارت منزلتهما عند الله تعالى بعد التوبة أفضلَ مِن منزلتهما قبل المعصية والتوبة، وهكذا حال كلِّ تائبٍ إلى الله تعالى إذا صدَق في توبته ورجوعه إلى الله تعالى، وذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء.

20- أن الذنوب منها ما هو مُستفحَش، ومنها ما هو دون ذلك، لكنه ظلم للنفس؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾؛ أي: فعلوا ما يُستفحش، أو ظلموا أنفسهم بما دون ذلك، مع أن الكل ظلم للنفس، لكن الذنوب بعضها أفحش من بعض، كما أن منها كبائرَ، ومنها صغائرَ.

21- مبادرة المتقين إذا فعَلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم إلى ذكر الله تعالى، والاستغفار لذنوبهم؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾.

22- أن ذكر الله تعالى سببٌ للتوبة والاستغفار؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾.

23- لا أحد يغفر الذنوب إلا الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾، فهو سبحانه يغفر الذنوب جميعًا مغفرة تامةً؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ [الزمر: 53]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ﴾ [طه: 82].

وعن الأسود بن سريع - رضي الله عنه - قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بأسير، فقال: «اللهم إني أتوب إليك، ولا أتوب إلى محمد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عرف الحق لأهله»[5].

فلا يتعاظَمه – سبحانه - ذنبٌ أن يغفره، بل إنه يبدِّل السيئات حسنات، كما قال تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ [الفرقان: 70].

أما المخلوق، فإنه لو غفر لمن أساء إليه - وهذا في الناس قليل - فإنه غالبًا يتبع ذلك بالمن والأذى لمن عفى عنه، وربما يذكِّره بين حين وآخرَ بذلك.

24- عدم إصرار المتقين على ما فعلوا من فاحشة أو ظلم للنفس وهم يعلمون؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾.

25- وجوب الاستغفار من الذنوب، والتحذير من الإصرار عليها؛ لأن الإصرار على الذنب سبب لعدم التوفيق للتوبة، وقد يجعل من الصغيرة كبيرة؛ ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: «لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار»[6].

26- أن من استمر على ذنبٍ وهو لا يعلم أنه ذنب، فإنه قد يُعذر؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾.

27- رفعة شأن المتقين بالإشارة إليهم بإشارة البعيد ﴿ أُولَئِكَ ﴾.

28- التنويه بما أُعدَّ للمتقين من الجزاء العظيم؛ من مغفرة ربهم لذنوبهم، وجنات تجري من تحتها الأنهار؛ لقوله تعالى: ﴿ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾، وبهذا يزول عنهم المرهوبُ، ويحصل لهم المطلوب.

29- أن من أعظم نِعم الجنة جَريان الأنهار من تحت قصورها وغرفها وأشجارها؛ لقوله تعالى: ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾.

30- خلود أهل الجنة فيها خلودًا أبديًّا؛ وأمنُهم من الخروج منها، ومن انقطاع نعيمهم؛ لقوله تعالى: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾، وهذا نعيم معنوي يضاف إلى ما هم فيه من ألوان النعيم.

31- امتداح الله تعالى وثناؤه لما أعدَّه للمتقين من عظيم الأجر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾، عمِلوا قليلًا فأُجروا كثيرًا، وعند الصباح يَحمَدُ القوم السُّرى، وعند الجزاء يجد العامل جزاءَه كاملًا موفورًا.

32- الحث والإغراء على العمل؛ أي: العمل الصالح؛ لقوله تعالى: ﴿ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾.

33- تكفل الله عز وجل بثواب أهل الجنة وجزائهم، لهذا سمَّاه «أجرًا» تفضلًا منه وكرمًا.

[1] أخرجه أبو داود في الزكاة (1678)، والترمذي في المناقب (3675)، من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».

[2] أخرجه ابن أبي شيبة المصنف (7/ 88)، وأحمد في الزهد (ص176)، وابن أبي الدنيا في الزهد (ص229).

[3] سبق تخريجه.

[4] أخرجه الترمذي في صفة القيامة (2499)، وابن ماجه في الزهد - ذكر التوبة (4251)، من حديث أنس رضي الله عنه، وقال الترمذي: «حديث غريب».

[5] أخرجه أحمد (3/ 435).

[6] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 651).







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 22-04-2026, 05:28 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,535
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

وقال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران:142]، وقال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة: 214]، وقال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ﴾ [العنكبوت: 10]، وقال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الحج: 11]، والمراد بالفتنة في الآية ضد الخير.

فمداولة الأيام وما يحصُل فيها من خيرٍ أو شرٍّ، أو نصرٍ أو هزيمة، فيه أعظم الابتلاء والامتحان للعباد؛ ليتميز المؤمن الصادق من الكافر والمنافق، كما قال تعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 141]، وقال تعالى: ﴿ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [الأنفال: 37].

﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾: معطوف على قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ﴾؛ أي: جعل الله تعالى الأيام دولًا بين الناس، وجعل الدولة للكفار عليهم في أُحد؛ ليعلم الذين آمنوا ويتخذ منكم أيها المؤمنون شهداء، أي: يجعل ويختار، ويصطفي منكم شهداءَ؛ أي: أناسًا يستشهدون ويقتلون في سبيله؛ حيث قُتِل في هذه الغزوة سبعون رجلًا منهم، اختارهم الله واصطفاهم للشهادة في سبيله.

والشهداء: جمع شهيد، وهو الذي يقتل في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى، سمي شهيدًا؛ لأن تعريضه نفسه للقتل شهادة فعلية منه على صدق إيمانه، ولأن الملائكة تشهده، وغير ذلك؛ أي: ليعلم الذين آمنوا بصبرهم حالَ الشدة، وشكرهم حال الرخاء، ولكي يختار ويصطفي من المؤمنين شهداءَ.

﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾: الذين ظلموا أنفسهم بالشرك وقتال المؤمنين، والصد عن دين الله، وقابل قوله: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾ بقوله: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾، في إشارة إلى فضل الشهادة ومحبة الله للشهداء، وأن قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار- كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما - [10]، فهو كقوله تعالى: ﴿ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ﴾ [التوبة: 52]، وفي قوله: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾: احتراس من أن يظن ما حصل لهم من الدولة في أحد من محبة الله لهم.

وأيضًا: ﴿ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بالقعود عن القتال من المنافقين، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴾ [التوبة: 46]، ولهذا لم يتخذ منهم شهداءَ.

و﴿ الظَّالِمِينَ ﴾ جمع «ظالم»، والظلم النقص؛ كما قال تعالى: ﴿ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ﴾ [الكهف: 33]، وهو أيضًا: وضع الشيء في غير موضعه على سبيل العدوان.

وأظلم الظلم الشرك بالله؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13].

فالظالم مَن اعتدى في حق الله، أو حق عباده، ونقص حق الله، أو حق عباده، فمن أشرك بالله أو عصاه، فقد ظلم واعتدى، ونقص حق الله تعالى، ومن اعتدى على عباد الله تعالى، فقد ظلمهم ونقص حقهم، ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾، بل يبغضهم بقدر ظلمهم، ومفهوم هذا محبته للمقسطين؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [المائدة: 42].

قوله تعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾: معطوف على ما قبله داخل ضمن الحكمة في إصابتهم بالقرح، وجعل الأيام دولًا، أي: ولأجل أن يمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين.

قوله: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ ﴾: «التمحيص»: التنقية والتصفية والتخليص؛ أي: يمحص الله الذين آمنوا، أي: ليبتليهم ويُصفيهم بما أصابهم من القرح، وإدالة الكافرين عليهم؛ ليتبين ويتميز المؤمنين الخُلَّص منهم والصفوة، ولينقيهم من ذنوبهم بذلك المصاب؛ كما قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ [آل عمران: 179].

﴿ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾: معطوف على ما قبله، و«المحق»: إهلاك الشيء وإذهابه بالكلية، أي: ويهلك الكافرين؛ أي: ومن حكمة الله تعالى في إصابتكم بالقرح ومداولة الأيام، وجعل الدولة لهم عليكم استدراجًا لهم ليَمحقهم؛ لأنهم إذا انتصروا ازدادوا طغيانًا وبغيًا وبطرًا؛ اغترارًا منهم بما حصل لهم من نصر، فيعودون لقتالكم مرة بعد أخرى، فيكون محقُهم ومعاجلتهم بالعقوبة والهلاك في الدنيا الموصول بهلاكهم وعذابهم في الآخرة في النار وبئس القرار.

وقد أهلك جميع الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد، وأصرُّوا على الكفر، فما أصاب المؤمنين فضيلة وشهادة وتمحيص، وما أصاب الكافرين مَحق وهلاك، وشتان بين الحالين.

قوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾.

ذكر عز وجل أن مِن الحِكَم فيما أصاب المسلمين في أُحد، تمييز المؤمنين وتمحيصهم، واصطفاء شهداء منهم، ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ﴾ الآية؛ تأكيدًا لما قبلهً، وبيانًا لتحتُّم هذا الابتلاء والتمحيص، فدربُ الجنة ليس مفروشًا بالورود والرياحين.

قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ ﴿ أم ﴾: هي المنقطعة التي بمعنى «بل» الانتقالية، وهمزة الاستفهام، أي: بل أحسبتم، والاستفهام للتوبيخ والإنكار والنفي، و﴿ أن ﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول لـ«حسب»؛ أي: أحسبتم دخول الجنة، ومعنى «أحسبتم» أي: أظننتم.

﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾: الواو: حالية، و«لمَّا»: حرف نفي وجزم، وهي أشدُّ نفيًا من «لم»، وتفيد ترقُّب حصول المنفي، و﴿ يعلم ﴾: مجزوم بها حرِّك بالكسر لالتقاء الساكنين؛ أي: أظننتم أن تدخلوا الجنة، والحال أن الله لما يعلم الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين؛ أي: ولم تُبتلوا بالجهاد والشدائد، فتُجاهدوا وتصبروا؛ ويعلم الله ذلك منكم بعد وقوعه، فيجازيكم عليه بدخول الجنة.

والمعنى: لا تحسبوا ولا تظنوا ولا يَخطر ببالكم - أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة: 214]، وقوله تعالى: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت: 1 - 3].

وفي الحديث: «حُفت الجنة بالمكاره، وحُفت النار بالشهوات»[11].

قال الشاعر:
فدربُ الصاعدين كما علِمتم
به الأشواكُ تَكثُر لا الورود[12]




وقال الحسن: «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقع في القلب وصدَّقه العمل»[13]، ولهذا يقال: «التمني رأس مال المفاليس».

وقال الشاعر:

ترجو النجاة ولم تَسلُك مسالكها
إن السفينة لا تجري على اليبس[14]





وسلعة الله تعالى غالية، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة»[15].
قال ابن القيم[16]:
يا سلعةَ الرحمن لستِ رخيصةً
بل أنت غاليةٌ على الكَسلان
يا سلعةَ الرحمن ليس ينالها
في الألف إلا واحدٌ لا اثنان


ومعنى ﴿ جَاهَدُوا ﴾: بذلوا جهدهم بأموالهم وأنفسهم في القتال في سبيل الله.

﴿ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾؛ أي: الصابرين على طاعة الله تعالى، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، وكل هذه الأقسام الثلاثة تجتمع في القتال في سبيل الله، ففيه الصبر وحبس النفس على طاعة الله؛ لأن القتال أمرٌ شاقٌّ على النفوس؛ كما قال تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾ [البقرة: 216]، وفيه الصبر عن معصية الله بعدم الفرار وترك القتال، وفيه الصبر على أقدار الله المؤلمة من القتل والجراح والمشقة، ونحو ذلك، وقد كان من أسباب ما أصاب المسلمين في أُحد عدم صبر الرماة؛ فحصل على المسلمين ما حصل.

قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾.

قوله: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ﴾: الواو: عاطفة، واللام: واقعة في جواب القسم، أي: والله لقد كنتم، و«قد» للتحقيق، فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدَّر، واللام، و«قد».

﴿ تَمَنَّوْنَ ﴾ أصلها تتمنون، والتمني: طلب ما يَصعُب ويتعسَّر حصوله، أو يستحيل، كما في قول الشاعر:
ألا ليت الشباب يعود يومًا= فأخبره بما فعل المشيب[17]
=

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ﴾: إشارة إلى أن ما حصل منهم لما استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس في الخروج إلى أُحد، أو البقاء في المدينة والتحصن فيها، أشار عليه الشباب - وبخاصة مَن لم يشهدوا بدرًا - بالخروج، وكانوا يتمنون أن يموتوا ويستشهدوا، كما استشهد بعض إخوانهم في بدر، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ ﴾؛ أي: كنتم تمنون الموت بالقتل والاستشهاد مع مَن استُشهد في بدر، ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ﴾؛ أي: من قبل هذا اليوم.

وها أنتم اليوم في أُحد لقيتموه وجعل لكم ما تمنون، ولهذا قال: ﴿ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿ رَأَيْتُمُوهُ ﴾: أبصرتُموه وشاهدتُموه بأعينكم فيما بينكم، والضمير يعود إلى الموت؛ أي: رآه مَن استشهد منكم في «أُحد» بنفسه، ورآه مَن لم يستشهد بغيره، وقيل: رأيتم أسبابه في صفوف المقاتلين ولمعان السيوف، وحدِّ الأسنة، واشتباك الرماح.

﴿ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ الجملة حالية؛ أي: والحال أنكم تنظرون عيانًا بيانًا على أشد ما تكونون إحساسًا، فأين بلاؤكم وصبركم، وكيف جَبنتم وتخاذَلتُم وانهزمتُهم؟!

[1] البيت لخالد بن زهير الهذلي يخاطب أبا ذؤيب الهذلي؛ انظر: «ديوان الهذليين» (1/ 155).

[2] البيت لأبي الفتح البستي؛ انظر: «ديوانه» (ص80).

[3] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 84)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (3/ 771).

[4] انظر: «ديوانها» (ص84).

[5] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (2804)، ومسلم في الجهاد والسير (1393)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن أبي سفيان رضي الله عنه.

[6] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 510).

[7] البيت لنمر بن تولب؛ انظر: «ديوانه» (ص347).

[8] البيت مجهول القائل؛ انظر: «المستطرف» (ص43).

[9] أخرجه مسلم في الزهد والرقائق (2999)، من حديث صهيب رضي الله عنه.

[10] سبق تخريجه قريبًا.

[11] أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها (2823)، والترمذي في صفة الجنة (2559)، من حديث أنس رضي الله عنه.

[12] البيت لوليد الأعظمي - شاعر عراقي - في ديوانه «الزوابع»؛ انظر: «الأعمال الشعرية الكاملة» (ص85).

[13] أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (6/ 163)، وفي «الإيمان» ص(92)، وأحمد في الزهد ص(263)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (1/ 65).

[14] البيت لأبي العتاهية؛ انظر: «ديوانه» (ص194).

[15] أخرجه الترمذي في صفة القيامة والرقائق (2450)، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وقال: «حديث حسن غريب».

[16] «النونية» (ص354).

[17] البيت لأبي العتاهية. انظر: «ديوانه» (ص32).









__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 04-05-2026, 11:15 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,535
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»

الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



تفسير قوله تعالى:

﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ... ﴾




قوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 144 - 148].

قوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾.

قال ابن كثير[1]: «لما انهزم مَن انهزم مِن المسلمين يوم أُحد، وقُتل مَن قُتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدًا قد قُتل، ورجع ابن قمئة إلى المشركين، فقال لهم: قتلت محمدًا، وإنما كان ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشجَّه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس، واعتقدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قُتل، وجوَّزوا عليه ذلك، كما قد قص الله عن كثير من الأنبياء - عليهم السلام - فحصل وهن وضعف وتأخُّرٌ عن القتال، ففي ذلك أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾؛ أي: له أسوة بهم في الرسالة، وفي جواز القتل عليه».

وعن ابن أبي نجيح عن أبيه: أن رجلًا من المهاجرين مرَّ على رجل من الأنصار، وهو يتشحط في دمه، فقال له: يا فلان، أشعرت أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد قُتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قُتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾[2].


ورُوي أن أناسًا من أهل النفاق قالوا: إن كان محمد قد قُتل فالحقوا بدينكم الأول، فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: «إن كان محمد قد قُتل فإن رب محمد لم يُقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه»[3].


وفي رواية أنه قال: «اللهم إني أعتذر إليك مما صنَع هؤلاء - يعني: المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدَّم بسيفه، فلقي سعد بن معاذ، فقال: أين يا سعد، إني أجد ريح الجنة دون أُحد، فمضى فقُتِل»[4].


قوله: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾: الواو: استئنافية، و«ما»: نافية، و﴿ مُحَمَّدٌ ﴾: هو نبينا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب الهاشمي صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

﴿ إِلَّا رَسُولٌ ﴾ ﴿ إِلَّا ﴾: أداة حصر؛ أي: ما هو إلا رسول من عند الله، مهمته تبليغ رسالة ربِّه، وليس بدعًا من الرسل، بل هو من جنس الرسل قبله؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ ﴾ [الأحقاف: 9].

﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾: صفة لـ﴿ رَسُولٌ ﴾، وهي محط القصر؛ أي: ما هو إلا رسول موصوف بخلوِّ الرسل قبله، أي: مُضيهم، وانقراضهم قبله، وسيخلو ويمضي مثلهم، و﴿ قد ﴾: للتحقيق ﴿ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾؛ أي: مضت؛ كقوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ [آل عمران: 137]؛ أي: قد مضت وسبقت من قبله الرسل، فمنهم من مات ومنهم من قُتل؛ كما قال تعالى: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [البقرة: 61].

و«أل» في ﴿ الرُّسُلُ ﴾ للعموم؛ أي: قد خلت من قبله جميع الرسل، فهو خاتمهم، وفي هذا توطئة لقوله بعده: أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} الآية، والهمزة للاستفهام، ومعناه التوبيخ والإنكار والنهي، والفاء للتعقيب.

و«إن»: شرطية، و﴿ مَاتَ ﴾: فعل الشرط, ﴿ انْقَلَبْتُمْ ﴾: جواب الشرط، والخطاب لمن شهدوا بدرًا وغيرهم من المؤمنين.

﴿ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾: «أعقاب» جمع «عقب»، وهو: «العرقوب» مؤخر القدم.

وفي الحديث: «ويل للأعقاب من النار»[5]؛ أي: مؤخرة الأقدام.

والانقلاب على العقب: الرجوع على الوراء، ورجوع القهقرى، والسير على غير هُدى، وأصل الانقلاب التحوُّل من حالٍ إلى حال.

والمعنى: أفإن مات أو قُتل كغيره من الرسل، ﴿ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾؛ أي: رجعتم وارتددتُم عن دينكم؛ أي: أتنقلبون على أعقابكم وترجعون عن دينكم، وتتركون الجهاد إن مات أو قُتل رسولكم، والمراد: اثبُتوا على دينكم، ولا ترتدُّوا عنه، وإن مات رسولكم أو قُتل، كما ثبتت الأمم قبلكم على أديانهم، ولم يرجعوا ويرتدوا بعد أنبيائهم.

وكنى بالرجوع والارتداد عن الدين بالانقلاب والرجوع على الأعقاب تقبيحًا له وذمًّا؛ كما قال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الملك: 22].

﴿ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ﴾: انتقل الكلام من صيغة الخطاب إلى صيغة العموم والغيبة، فلم يقل: «وإن انقلبتم على أعقابكم، فلن يضر الله شيئًا»؛ ليكون الحكم عامًّا لكل مَن رجع وارتدَّ عن دينه منهم ومن غيرهم، كما أن فيه عدمَ مواجهتهم بالخطاب بهذا بعد أن وبَّخهم وحذَّرهم من ذلك، إضافةً إلى ما في تنويع التعبير من لفت الانتباه، والواو: عاطفة، و«من»: شرطية تفيد العموم، ﴿ يَنْقَلِبْ ﴾: فعل الشرط.

﴿ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ﴾: جواب الشرط، والفاء: رابطة لجواب الشرط؛ لاتصاله بـ«لن» و﴿ شَيْئًا ﴾: نكرة في سياق النفي، فتعم أيَّ شيء؛ أي: فمن يرجع على عقبيه ويرتد عن دينه، فلن يضر الله أيَّ شيء، وإنما يضرُّ نفسه؛ لأن الله تعالى لا تضره طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين؛ كما قال عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنَّكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أنَّ أولكم وآخركم وإنسكم وجِنَّكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحدٍ منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا»[6].

﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾: أنكر عز وجل ووبَّخ مَن انقلب على عقبيه، ثم أثنى وامتدح الشاكرين ممن ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وامتثلوا أمره، ولم يرتدوا عن دينه، والسين في قوله: ﴿ وَسَيَجْزِي ﴾ للتنفيس، وهي تحوُّل الفعل المضارع من كونه صالحًا للحال والاستقبال معًا إلى كونه خالصًا للاستقبال.

والجزاء: الثواب والمكافأة على العمل، و﴿ الشَّاكِرِينَ ﴾: جمع «شاكر»، وهم الذين شكروا الله تعالى على نعمه، واستعانوا بها على طاعته والثبات على العبودية له، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم حيًّا وميتًا، وفي مقدمتهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم - رضوان الله عليهم - الذين ثبتوا على دينه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وارتداد مَن ارتد من العرب.

فهم سادات الشاكرين وفي مقدمتهم أميرهم أبو بكر - رضي الله عنه - كما قال علي رضي الله عنه: «﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾: الثابتين على دينهم، منهم أبو بكر وأصحابه، فكان علي - رضي الله عنه - يقول: كان أبو بكر أمير الشاكرين، وأمير أحباء الله، وكان أشكرهم وأحبهم إلى الله»[7].

قال ابن القيم[8]: «فظهَر أثرُ هذا العتاب، وحكم هذا الخطاب يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وارتد مَن ارتد على عقبيه، وثبت الشاكرون على دينهم، فنصرهم الله وأعزهم، وظفرهم بأعدائهم، وجعل العاقبة لهم».

و«الشكر» يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالجوارح، كما قال الشاعر:
أفادتكم النعماءُ مني ثلاثة
يدي ولساني والضمير المحجبا[9]




وشكر الله تعالى بالقلب بالاعتراف باطنًا بنعم الله تعالى، واستشعار أنها من الله تعالى وبفضله، لا بحول الإنسان وقوته.

والشكر باللسان يكون بالثناء على الله تعالى بلسان المقال بحمده تعالى على نعمه؛ من نعمة الإسلام والإيمان والخلق، والرزق وغير ذلك، والاعتراف بها، ونسبتها إلى الله تعالى، والتحدث بها؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى: 11].

وشكر الله تعالى بالجوارح يكون باستعمالها في طاعته، والثبات على دينه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ويكون بظهور أثر نعمة الله تعالى على العبد في مأكله ومشربه وملبسه، ومسكنه ومَركبه، ونحو ذلك؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده»[10].

ولم يذكر أو يحدد جزاءهم، ليُدلل على عظمته وكثرته؛ لأنه على قدر من جازاهم به وهو العظيم سبحانه وتعالى؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 17]، وأيضًا فإن جزاءهم متفاوت ومختلف؛ لأنه على قدر شكرهم، والمعنى: وسيجزي الشاكرين بمغفرة ذنوبهم، ورِفعة درجاتهم، وبالثواب العظيم والفضل الواسع والجزاء الحسن؛ كما قال: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97]، وقال تعالى: ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [الأنعام: 160].

وقال صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم يُضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة»[11].

قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾.

بيَّن في الآية السابقة أن محمدًا صلى الله عليه وسلم سيمضي كما مضى غيره من الرسل، إما بموت أو قتل، وحذَّر من الرجوع عن دينه بعد ذَهابه، ثم بيَّن في هذه الآية أنه ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله تعالى في أجلها المكتوب المحدد، وفي هذا تسليةٌ للأمة بموته، وأنه لا عذر في الرجوع عن دينه، كما أن فيه حضًّا على الجهاد، ولومًا على تركه خشية القتل.

قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾: الواو: عاطفة، و«ما»: نافية، تدل على نفي هذا الشيء وامتناعه قدرًا وكونًا.

﴿ لِنَفْسٍ ﴾: «نفس»: نكرة في سياق النفي، فتعم كلَّ نفسٍ من أنفس الآدميين وغيرهم من جن وحيوان.

و«أن» والفعل بعدها في قوله: ﴿ أَنْ تَمُوتَ ﴾ في تأويل مصدر في محل رفع اسم كان، و«إلا» في قوله: ﴿ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾: أداة حصر.

و«إذن الله» ينقسم إلى قسمين: إذن كوني، وهو المراد هنا، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾.

وإذن شرعي، ومنه قوله تعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ [الحج: 39]، وقوله تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ [الشورى: 21].

والفرق بينهما: أن ما أذن الله به كونًا لابد من وقوعه، ولا يلزم أن يكون محبوبًا لله تعالى، وما أذن الله به شرعًا فلا يلزم وقوعه، ولابد أن يكون محبوبًا لله تعالى.

فمعنى ﴿ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾؛ أي: إلا بقضائه وقدره؛ أي: لا يمكن أن تموت نفس أيُّ نفس إلا بإذن الله تعالى وقضائه وقدره الكوني، فمهما حاول الناس أن يميتوا أحدًا، فلن يستطيعوا ما لم يأذن الله تعالى بذلك قدرًا وكونًا.

وهذه العقيدة الراسخة هي سرُّ بطولات وتضحيات المجاهدين في الإسلام؛ كما قال سيف الله المسلول، خالد بن الوليد رضي الله عنه: «لقد خُضت أكثر من مائة معركة، وما في جسدي شبرًا إلا وفيه طعنة برمح أو ضربة بسيف، أو رَمية بسهم، وها أنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء[12].

وكما قال الشاعر:
سأَعيش رغم الداء والأعداء
كالنسر فوق القمة الشمَّاء
النور في جنبي وبين جوانحي
فعلامَ أخشى السيرَ في الظَّلماء[13]


و«الموت»: خروج الروح من البدن ومفارقتها له، وفي الحديث: «يا محمد، عِشْ ما شئت فإنك ميت، وأحبِب ما شئت فإنك مفارقه»[14].

﴿ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾، ﴿ كِتَابًا ﴾: مصدر مؤكد للجملة التي قبله؛ أي: أن الموت مكتوب ﴿ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾ [الرعد: 38].

ومعنى ﴿ كِتَابًا ﴾؛ أي: أنه مكتوب في اللوح المحفوظ الذي فيه مقاديرُ كل شيء قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [فاطر: 11].

ومكتوب عند نفخ الروح في الإنسان في بطن أمه؛ كما في حديث ابن مسعود – رضي الله عنه -: إن أحدكم يُجمع خلقُه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم علقة مثل ذلك، ثم مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فيَكتب رزقه وأجلَه، ثُمَّ يُكْتَبُ شقيٌّ أو سعيد»[15].

ومكتوب أيضًا فيما يُقدَّر ويُقضى كلَّ سنة؛ كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ [القدر: 1]، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ [الدخان: 3، 4].

ولا يشكل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليَصل رحمه»[16].

فإن معنى الحديث أن صلة الرحم سببٌ لسَعة الرزق وطول العمر- في المقدر والمكتوب في اللوح المحفوظ عند الله تعالى، بمعنى أن الله قدَّر وكتب سَعة رزق هذا وطول عمره بسبب صلته لرحمه - وكل ذلك مكتوب عند الله تعالى، كما أن صلة الرحم سببٌ للبركة في الرزق والعمر، والذكر الحسن بعد الموت.
......................
والذكر للإنسان عمر ثان[17]




﴿ مؤجلًا ﴾؛ أي: محددًا بأجل، أي: بوقت معلوم لا يزيد ولا ينقص ولا يتقدم ولا يتأخر.

فكتب لكل نفس متى تموت وكيف تموت كتابًا مؤجلًا محددًا؛ كما قال تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [يونس: 49]، وقال تعالى: ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ﴾ [المنافقون: 11]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ﴾ [نوح: 4]، وقال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾ [الأنعام: 2]، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾ [الحجر: 24].

﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾: الواو: عاطفة، و«من»: شرطية، ﴿ يُرد ﴾: فعل الشرط، ﴿ نُؤته ﴾: جواب الشرط، مجزوم وعلامة جزمه حذف الياء؛ أي: ومن يقصد بعمله جزاء الدنيا دون الآخرة، وفي هذا تعريضٌ بمن يحضر القتال لأجل الغنيمة.

﴿ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾؛ أي: نُعطه جزاء عمله في الدنيا، من الدنيا حسب ما قدر له، وليس له في الآخرة من نصيب؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ﴾ [الشورى: 20]، وقال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴾ [الإسراء: 18].

﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾؛ أي: ومَن يقصد بعمله جزاء الآخرة، ويعمل لها، نُعطه منها مع ما قُسِم له في الدنيا؛ كما قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ [الشورى: 20]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾ [الإسراء: 19].

وفرق ما بين الإرادتين والمرادَين، وشتان ما بين العطاءين.
شتان بين الحالتين فإن تُرد
جمعًا فما الضدانِ يجتمعان[18]




فعطاء الدنيا، بل الدنيا بما فيها متاع قليل، متاع غرور، لا تعدل عند الله جناح بعوضة، وعطاء الآخرة أعظم وأجزل وأدومُ؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: 64]، وقال تعالى: ﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: 20، 21].

﴿ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾؛ أي: وسنجزي ونثيب، ونكافئ الشاكرين على شكرهم بالاعتراف بنعم الله تعالى بقلوبهم، والثناء عليه بها بألسنتهم، وظهور أثرها عليهم، والاستعانة بها بجوارحهم على طاعة الله تعالى بالمغفرة والجزاء العظيم، والثواب الجزيل والفضل الواسع، وهم الذين أرادوا ثواب الآخرة دون من أراد الدنيا وحدها؛ كما قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ [الشورى: 20]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا ﴾ [الإنسان: 22].

قوله تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾.

في هذه الآية تشجيعٌ، وحفزٌ لهِمَم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وتثبيت لهم - وهم خير الأصحاب - بذكر ما جرى لكثير من الأنبياء وأتباعهم من قتال وقتلٍ، وما كان عليه أتباع الأنبياء قبلهم من القوة، وتحمُّل ما يصيبهم في سبيل الله، وعدم الضعف والاستكانة، وقوة الصبر، وفيها تسليةٌ للمسلمين عما أصابهم يوم أُحد، وعما وقع في نفوسهم بسبب الإرجاف بقتله صلى الله عليه وسلم، وتوبيخ لمن جزَعوا وضعُفوا بسبب ما أصابهم.

قوله: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ ﴾ قرأ ابن كثير وأبو جعفر بألف ممدودة بعد الكاف، وبعدها همزة مكسورة «وكآئن»، وقرأ الباقون بهمزة مفتوحة بعد الكاف وبعدها ياء مشددة: ﴿ وَكَأَيِّنْ ﴾، وهي كلمة مبنية على السكون على القراءتين في محل رفع مبتدأ، تفيد التكثير مثل «كم» الخبرية.

﴿ مِنْ نَبِيٍّ ﴾: جار ومجرور مميز «كأين»؛ لأنها لفظة مبهمة، والمعنى: وكم من نبي، أي: وكثير من النبيين.

﴿ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو، ويعقوب بضم الكاف وكسر التاء من غير ألف: «قُتِل» بصيغة المبني للمجهول، وقرأ الباقون بفتح الكاف والتاء وألف بينهما ﴿ قاتَل ﴾ بصيغة المفاعلة من القتل، وهي المدافعة بالقتل بين فريقين.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 04-05-2026, 11:24 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,535
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

والفاعل على قراءة (قاتل) ونائب الفاعل على قراءة (قُتل)، ضمير مستتر يعود إلى (نبي)، والتقدير: وكأين من نبي قاتل هو، أو كأين من نبي قُتل هو.

وتكون جملة ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ ﴾ جملة تامة مستقلة، والوقف على ﴿ قاتَل ﴾، وعلى (قُتل) في القراءة الأخرى.

وعلى هذا تكون جملة ﴿ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾: مستأنفة في محل نصب على الحال، أي: حال كونه معه ربيُّون كثير، و(مع): ظرف مكان متعلق بـ«قاتل» أو «قُتل»، والهاء مضاف إليه، وهو في محل رفع خبر مقدم، و﴿ ربيُّون ﴾: مبتدأ مؤخر.

ويكون المعنى على هذا: وكثير من النبيين قاتَل، أو قُتِل حال كونه معه ربيُّون كثير، فالقتال واقع من النبيين، والقتل واقع عليهم، وفي الحالين معهم ربيون كثير من أصحابهم مقاتلون. ويجوز أن يكون الفاعل على قراءة (قاتل) ونائب الفاعل على قراءة «قُتل»: (ربيون): والوقف على قوله (كثير)، والمعنى على هذا: وكثير من النبيين قاتل ربيون كثيرون معه، أو قُتل ربيون كثيرون معه من أتباعه، وعلى هذا فالقتال واقع من الربيين والقتل واقع عليهم.

وعلى تقدير أخصر يجوز أن يكون الفاعل على قراءة «قاتل» ضمير يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم و(ربيون)؛ أي: وكأين من نبي قاتل وقاتَل معه ربيون كثير.

وعلى قراءة (قُتل) يجوز أن يكون نائب الفاعل ضمير النبي صلى الله عليه وسلم، و(ربيون) أي: وكأين من نبي قُتل وقُتل معه ربيون كثير، ويكون الوقف على هذا على قوله: ﴿ كثير ﴾، والقراءتان بمثابة آيتين، فالقتال واقع من الجميع الأنبياء والربيين، والقتل واقع عليهم جميعًا.

﴿ ربيُّون ﴾: جمع «ربي؛ مثل: «الربانيين»: جمع «رباني»، وكلاهما منسوب إلى «الرب»، لكن ﴿ ربيُّون ﴾ كسرت راؤه عند النسب، وهم المتبعون شريعة الرب، أو منسوب إلى «الرِّبة» بكسر الراء، وهي الطائفة والجماعة، فـ«ربيون»، أي: طوائف وجموع كثيرة من الأتباع الذين تربَّوا على الإيمان وطاعة الله تعالى وعبادته، رباهم الله تعالى واختارهم لربوبيته الخاصة.

﴿ كثير ﴾: صفة لـ﴿ ربيُّون ﴾ أي: ربيون كثيرون.

﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾: الفاء: عاطفة، و«ما»: نافية، والضمير في «وهَنوا»، وما بعده يعود إلى الربيين» على القراءتين (قاتَل)، و«قُتل».


﴿ فَمَا وَهَنُوا ﴾؛ أي: فما عجزوا، أو جبنوا وما خارت عزائمهم.

﴿ لِمَا أَصَابَهُمْ ﴾: اللام: تعليلية، و«ما»: موصولة؛ أي: بسبب الذي أصابهم ﴿ في سبيل الله ﴾؛ أي: في طريقه ونصرة دينه؛ أي: في القتال في سبيل الله لإعلاء كلمته؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العُليا، فهو في سبيل الله»[19].

والمعنى: فما وهَنوا بسبب الذي أصابهم في سبيل إعلاء كلمة الله، بل زادهم ذلك شجاعةً وعزيمة وإقدامًا، لقوة إيمانهم ويقينهم أن ما يُصيبهم في سبيل الله مغنم، وليس بمغرم؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ﴾ [التوبة: 52]، ولما دميت إصبع النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى الغزوات قال:
هل أنت إلا إصبع دميت
وفي سبيل الله ما لقيت»[20]





وقال عمير بن حمام رضي الله عنه: «بخ بخ، لئن بقيت إلى أن آكلَ هذه التمرات، إنها لحياة طويلة»[21].

﴿ وَمَا ضَعُفُوا ﴾؛ أي: في مقاومة العدو، بل كانوا أقوياءَ بقلوبهم وأبدانهم.

﴿ وما استكانوا ﴾: «الاستكانة»: الذل والخضوع ضد العز؛ أي: وما ذلُّوا وما ضَعُفوا لعدوِّهم، مع أنه قُتل كثيرٌ منهم، أو قُتل أنبياؤهم، بل كانوا أعزاءَ شامخي الرؤوس؛ لأنهم يعلمون أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [المنافقون: 8]، وأن قتلاهم في الجنة وقتلى عدوهم في النار.

ويدخل في الوصف بقوله: ﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ من قُتل منهم ومن لم يُقتل؛ أي: فما وهن مَن بقي منهم؛ لما أصابهم من قتل أصحابهم وغير ذلك، وما ضعفوا وما استكانوا.

وما وهَن مَن قُتل منهم عند القتل، ولا ضعفوا ولا استكانوا، بل تلقوا الشهادة بالقوة والعزيمة والإقدام، فلم يستشهدوا مُدبرين مستكينين أذلة، بل استشهدوا أعزَّةً كرامًا مقبلين غير مدبرين.

﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ بعد أن نفى عنهم الوهن في سبيل الله والضعف والاستكانة، ختم الآية بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ في إشارة واضحة إلى وصفهم بالصبر؛ أي: والله يحب الصابرين على طاعته، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، وكل ذلك متحقق بمن قاتل في سبيل الله من غير وهن ولا ضعف ولا استكانة.

قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾.

نفى عز وجل في الآية السابقة عن هؤلاء الربيين الصفات السلبية في قتالهم مع أنبيائهم، وهي: الوهن والضعف والاستكانة؛ مما يدل على حسن فعلهم وثبات قلوبهم ورباطة جأشهم، وعظيم صبرهم، ثم أتبع ذلك بما يدل على حُسن قولهم بدعائهم ربهم بالمغفرة والتثبيت والنصر، وعظيم رجائهم بنصر الله تعالى، فجمعوا بين فعل السبب قولًا وفعلًا، وبين الاعتماد على الله عز وجل.

قوله: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾: الواو: عاطفة، و«ما»: نافية، و﴿ كان ﴾: فعل ماض ناقص، و﴿ قَوْلَهُمْ ﴾ خبرها مقدم، قُدِّم؛ لأنه خبر عن مبتدأ محصور.

﴿ إلا ﴾: أداة حصر، ﴿ أَنْ قَالُوا ﴾: «أن» والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل رفع اسم كان مؤخر، أي: وما كان قولهم إلا هذا القول ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ﴾ الآية؛ أي: وما كان قولهم في قتالهم، وتجاه ما أصابهم في سبيل الله مِن قتل كثيرٍ منهم، أو قتل أنبيائهم، إلا هذا القول؛ أي: طلب مغفرة ذنوبهم وإسرافهم في أمرهم، وتثبيت أقدامهم، ونصرهم على القوم الكافرين.

﴿ رَبَّنَا ﴾؛ أي: يا ربنا، حُذفت منه «يا» تخفيفًا، وتبركًا بالبداءة باسمه - عز وجل - ونادوه وتوسَّلوا إليه باسم أو وصف الربوبية الذي معناه: الخلق والملك والتدبير، فكأنهم يقولون: يا من له التصرف وإجابة الدعاء:
﴿ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾؛ أي: استر ذنوبنا وتجاوز عنها.

﴿ وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا ﴾؛ أي: واغفر لنا إسرافنا في أمرنا، وتجاوَز عنه، أي: اغفر لنا صغائر الذنوب وكبائرها، وما حصل منا من تقصيرٍ أو إفراط؛ لأنهم يعلمون أن ما أصابهم هو بسبب ذنوبهم وإسرافهم؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ﴾ [آل عمران: 155]، وقال تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [آل عمران: 165]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30].

فعلموا أن الذنوب والإسراف من أعظم أسباب الخذلان، وأن ما أصابهم بسبب ذلك، فسألوا الله المغفرة، والاعتراف بالذنب توبة.

و«الإسراف»: مجاوزة الحد، و«الأمر» واحد الأمور، وهو الشأن، أي: وإسرافنا في أمورنا وشؤوننا، والإسراف في الأمر قسمان:
القسم الأول: الإسراف ومجاوزة الحد في الغلو، كما في قصة النفر الذين حرَّموا على أنفسهم بعض المباحات؛ كما في حديث أنس - رضي الله عنه - قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ قال أحدهم: أما أنا فإني أُصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أُفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوَّج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»[22].

والقسم الثاني: الإسراف ومجاوزة الحد في التقصير، وهو نوعان:
النوع الأول: إسراف في تعدي حدود الله تعالى بترك واجبٍ أو الإخلال به، كما قال تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ﴾ [البقرة: 229].

والنوع الثاني: إسراف في قُربان حدود الله تعالى؛ أي: محارمه، بفعل محرم؛ كما قال تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾ [البقرة: 187].

والإسراف يكون في المأمور واجبًا أو مندوبًا، ويكون في المنهي محرمًا كان أو مكروها، كما يكون في المباح كالإسراف في النفقة ونحو ذلك؛ قال ابن القيم: «لما علم القوم أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم، وأن الشيطان إنما يَستزلهم ويهزمهم، وأنها نوعان: تقصير في حق، أو تجاوز لحدٍّ، وأن النصرة منوطة بالطاعة، قالوا: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا ﴾، فوفَّوْا المقامين حقَّهما؛ مقام المقتضي وهو التوحيد والالتجاء إليه سبحانه، ومقام إزالة المانع من النصرة، وهو الذنوب والإسراف»[23].

﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾: سألوا ربهم أولًا مغفرة ذنوبهم وإسرافهم في أمرهم؛ تطهيرًا وتزكية لهم، ثم سألوه تثبيت أقدامهم ونصرهم على القوم الكافرين؛ تقديمًا للتخلية على التحلية.

﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾: الواو: عاطفة، أي: اجعل أقدامنا ثابتة راسخة عند ملاقاة الأعداء، فلا تزل بنا أقدامنا، فنَفِرَّ عند اللقاء، وثبِّت أقدامنا عند ورود الشبهات، وأمام الشهوات.

وتثبيت الأقدام يكون حسيًّا كما في مواطن القتال والنزال، وبه يحفظ الله المؤمن من الفرار من الزحف.

ويكون معنويًّا، وبه يحفظ الله المؤمن من الزيغ عند ورود الشبهات، ومن الوقوع في حبائل الشهوات.

وتثبيت الأقدام علامة ظاهرة على ثبات القلوب، والذي هو سبب ثبات الأقدام.

﴿ وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾: أي: واجعل النصر والغلبة والظهور لنا على القوم الكافرين؛ أي: على أعدائنا، وهذا اعترافٌ منهم أنه لا ناصرَ لهم سوى الله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: 126]، وقال تعالى: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران: 160].

وهذا يدل على عِظم رجائهم بالله تعالى، وثقتهم بوعده ونصره، فلم يصدهم ما أصابهم عن رجاء نصره، وفي الحديث: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت ودعوت فلم يستجب لي»[24].

قوله تعالى: ﴿ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾.

قوله: ﴿ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا ﴾: الفاء: استئنافية، و«آتاهم »: أعطاهم، وهي تنصب مفعولين، الأول: ضمير الهاء، والثاني: ﴿ ثواب ﴾.

و﴿ ثَوَابَ الدُّنْيَا ﴾: جزاءها وأجرها بالنصر على أعدائهم، والظفر بهم، وكون العزة والغلبة لهم في الدنيا، وتيسير أمورهم فيها، هذا جزاؤهم المعجل، وخير من ذلك وأفضل، وأعظم منه وأجزل، ثوابُهم المؤجَّل في الآخرة، ولهذا وصفه بالحسن دون ثواب الدنيا، فقال: ﴿ وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ﴾؛ أي: وحسن جزاء الآخرة، أي: والجزاء الحسن في الآخرة، بالمغفرة، ورفعة الدرجات؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله»[25].

وبمضاعفة الحسنات، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، وأحسن ذلك وأعظمه وأفضله وأجله النظر إلى وجه الله الكريم؛ كما قال تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: 26]، فالحسنى الجنة والثواب الحسن، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم؛ كما قال صلى الله عليه وسلم.

ولم يصف ثواب الدنيا بالحسن؛ لأنه لا مقارنة بين ثواب الدنيا وثواب الآخرة، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 103]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [الشورى: 36]، بل ولا مقارنة بين الدنيا كلها وما فيها، وبين الآخرة وثوابها؛ لأن الدنيا بما فيها لا تساوي شيئًا بالنسبة للآخرة، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾ [الرعد: 26]، وقال تعالى: ﴿ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ [التوبة: 38]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: 64].

وقال صلى الله عليه وسلم: «لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرًا شربة ماء»[26]، وثواب الدنيا وإن كان فيه حسنٌ؛ كما في قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ﴾ [البقرة: 201]، فهو حسن نسبي مشوب بالمنغصات؛ لأن الدنيا دار شقاء وعناء، لا تصفو، ونعيمها مشوب بالكدر، كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾ [البلد: 4].

وكما قيل:
ومن عاش في الدنيا فلابد أن يرى
من العيش ما يصفو وما يتكدر[27]




وقال الآخر:
هي الحياة فلا يَغْرُرْك ما فيها
من الزخارف واحذر من دواهيها




﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾: في ختم الآية بهذا إشارة إلى أن المذكورين محسنون، فأحبهم الله؛ ولهذا أثابهم بهذا الثواب العظيم في الدنيا والآخرة؛ أي: والله يحب المحسنين في عبادة الله تعالى إخلاصًا له ومتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم والمحسنين إلى عباده.

ولم يقل: والله يحبهم لأنهم محسنون لبيان محبته - عز وجل - المحسنين منهم ومن غيرهم، وأن من عمل مثلهم فهو محسن يستحق الثواب.

ومن أحبه الله وفَّقه لكل خير، وحفظه من كل شر، ويسَّر له أمور دينه ودنياه وأخراه، وألقى في قلوب الخلق محبته، نسأل الله تعالى من فضله؛ كما قال عز وجل في الحديث القدسي: «وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به»[28].

وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله - عز وجل - إذا أحب عبدًا نادى جبريل إني أحب فلانًا فأَحبَّه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيُحبه أهلُ السماء، ثم يوضَع له القبول في الأرض»[29].

[1] في «تفسيره» (2/ 108).

[2] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 102)، وذكره ابن كثير (2/ 109)، ونَسَبه إلى البيهقي في دلائل النبوة.

[3] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 102) مختصرًا عن أنس رضي الله عنه، وانظر: «السيرة النبوية» لابن هشام (2/ 83).

[4] أخرجه البخاري في المغازي (4048)، من حديث أنس رضي الله عنه.

[5] سيأتي تخريجُه برواياته عند تفسير قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ﴾ [المائدة: 6].

[6] أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب (2577)، والترمذي في صفة القيامة (2495)، وابن ماجه في الزهد (4257)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

[7] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 97-98).

[8] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 55).

[9] البيت لبشر؛ انظر: «المفضليات» (ص344).

[10] أخرجه الترمذي في الأدب (2819)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنهما - وقال: «حديث حسن».

[11] أخرجه مسلم في الصيام (1151)، والنسائي في الصيام (2215)، والترمذي في الصوم (764)، وابن ماجه في الصيام (1638)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[12] أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (16/ 273)، وذكره ابن كثير في «تفسيره» (1/ 441).

[13] البيتان لأبي القاسم الشابي؛ انظر: «ديوانه» (ص11).

[14] سبق تخريجه.

[15] أخرجه البخاري في بدء الخلق (3208)، ومسلم في القدر (2643)، وأبو داود في السنة (4708)، والترمذي في القدر (2137)، وابن ماجه في المقدمة (76).

[16] سبق تخريجه.

[17] سطر بيت لأحمد شوقي؛ انظر: «الشوقيات» (1/ 63).

[18] البيت لابن القيم؛ انظر: «النونية» (ص148).

[19] سبق تخريجه.

[20] أخرجه البخاري في الجهاد والسير- من ينكب في سبيل الله (2802)، ومسلم في الجهاد والسير- ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى (1796)، والترمذي في التفسير (3345)، من حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه.

[21] أخرجه مسلم في الإمارة (1901)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

[22] أخرجه البخاري في النكاح (5063)، ومسلم في النكاح (1401)، والنسائي في النكاح (3267).

[23] «بدائع التفسير» (1/ 516)؛ بتصرف واختصار.

[24] أخرجه البخاري في الدعوات (6340)، ومسلم في الذكر والدعاء (2735)، وأبو داود في الصلاة (1484)، والترمذي في الدعوات (3387)، وابن ماجه في الدعاء (3853)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[25] سبق تخريجه.

[26] سبق تخريجه.

[27] البيت مجهول القائل؛ انظر: «المستطرف» (ص43).

[28] أخرجه البخاري في الرقاق (6502)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[29] أخرجه البخاري في بدء الخلق (3209)، ومسلم في البر والصلة (2637)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 12-05-2026, 12:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,535
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»

الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



فوائد وأحكام من قوله تعالى:

﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾


قوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 144 - 148].

1- بيان أن الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم، سيمضي ويفارق الحياة كما مضى من قبله من الرسل، إما بموت أو قتل؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾، وفي هذا مقدمة وإرهاص بين يدي موت الرسول صلى الله عليه وسلم.

2- الرد على الذين يغلون بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويرفعونه إلى مقام الربوبية أو الألوهية، فهو صلى الله عليه وسلم عبد لا يعبد ورسول لا يكذب؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ﴾ الآية.

3- في التذكير بمضي الرسل عليهم السلام قبل محمد صلى الله عليه وسلم تهيئة للأمة وإعداد لها؛ ليخف عليها مصابها به وتسلية لها؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ الآية.
4- أن الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل؛ لقوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾، و(أل) للعموم، أي: قد خلت من قبله جميع الرسل.

5- في قوله تعالى: ﴿ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ ﴾: إشارةً إلى جواز أن تكون مفارقة الرسول صلى الله عليه وسلم الدنيا؛ إما بسبب الموت أو القتل، وقد مات النبي صلى الله عليه وسلم على فراشه؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن أبا بكر خرج وعمر بن الخطاب يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمدًا صلى الله عليه وسلم، فإن محمدًا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت؛ قال الله: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ إلى قوله: ﴿ الشَّاكِرِينَ ﴾، وقال: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها».

قال عمر - رضي الله عنه -: «والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات»[1].

وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: «أقبل أبو بكر- رضي الله عنه - على فرسه من مسكنه بالسنح، حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمم النبي صلى الله عليه وسلم وهو مُسَجًّى ببُرد، أو مُغَشًّى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبَّله، ثم بكى فقال: بأبي أنت وأمي، يا نبي الله، لا يجمع الله عليك مَوْتَتَين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد مُتَّها»[2].

ومع أنه صلى الله عليه وسلم مات على فراشه إلا أنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت بخيبر، فهذا أوان قطعت أبهري»[3].

وذلك حين أكل من الشاة المسمومة التي أهدتها إليه اليهودية، فقد تكون وفاته صلى الله عليه وسلم بسبب ذلك، ولهذا قال بعض أهل العلم: إنه صلى الله عليه وسلم مات شهيدًا قتله اليهود.

وهو صلى الله عليه وسلم وجميع الرسل أكمل حياة في البرزخ من الشهداء، وإن ماتوا على فرشهم، ولهذا فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، قال صلى الله عليه وسلم لما قالوا له: كيف نسلم عليك وقد أرمت؟ قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله - عز وجل - قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم السلام»[4].

6- التحذير من الانقلاب على الأعقاب والردة عن الإسلام بموت النبي صلى الله عليه وسلم أو قتله، والتهديد والوعيد لمن فعل ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾.

7- بلاغة القرآن الكريم وبلوغه الغاية في التنفير، فيما يريد التنفير منه بوصفه الردة عن الإسلام بالانقلاب على الأعقاب، ففي هذا أبلغ وأشد التنفير من ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الملك: 22]، وذلك أن الارتداد على العقب عَلَمٌ في انتكاس الأمر، ومَثَلٌ للحور بعد الكور.

8- أن الإسلام دين التقدم والرقي؛ لمفهوم قوله: ﴿ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾؛ لأنه إذا كانت الردة عن الإسلام رجوع إلى الوراء، فالتمسك به هو عين التقدم والرقي بلا شك.

وإذا كان الله - عز وجل - وبَّخ الأمة وأنكر عليهم ارتداد مَن ارتد منهم بسبب موت النبي صلى الله عليه وسلم أو قتله، مع أنه رسول الأمة، وبموته انقطاع الوحي من السماء، كما قالت أم أيمن لما جاء إليها أبو بكر وعمر- رضي الله عنهما - يزورانها فبكت، فقالا لها: «ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما أبكي ألا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيَّجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها»[5].

ومع أن مصيبة الأمة به صلى الله عليه وسلم لا تعدلها مصيبة؛ كما قال حسان رضي الله عنه:
فما فقَد الماضون مثلَ محمدٍ
ولا مثلُه حتى القيامة يُفقد[6]




فيجب ألا يَفُت في عَضُدِ الأمة أو يُزعزع إيمانها، أو بعض لوازمه - فقدُ مَن هو دونه صلى الله عليه وسلم من العظماء في الأمة؛ كالحاكم العادل، والعالم الرباني، والجواد الكريم، ونحوهم، وينبغي للأمة أن تستعد في كل أمر من مهماتها من أمور الولاية والدين بعدة أناس من أهل الكفاءات في ذلك إذا فقد أحدهم قام غيره مقامه؛ لأن في الآية إشارة للأمة ألا تكون بحال يُزعزها عن إيمانها، أو عن بعض لوازمه فقدُ رئيس أو عظيم، وما ذاك إلا بالاستعداد لكل طارئ!

9- أن من انقلب على عقبيه وارتد عن الإسلام، لن يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ﴾.

10- أن الله - عز وجل - لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تَضُرُّه معصية العاصين؛ لقوله تعالى: ﴿ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ﴾.

11- وعد الله تعالى لا يخلف وعده بالجزاء العظيم للشاكرين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾، وفي هذا تفضل منه - عز وجل - عليهم من وجهين: مدحهم بوصفهم بالشاكرين، مع أن القيام بطاعته واجب عليهم، ووعده لهم بالجزاء وتكفله لهم بذلك، مع أنه لا يجب عليه شيء لخلقه.

12- أنه لا يمكن أن تموت نفس إلا بإذن الله تعالى وقدره الكوني؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾.

13- أن آجال الأنفس وغيرها محددة لا تتقدَّم ولا تتأخر؛ لقوله تعالى: ﴿ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾، وكما قال تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [يونس: 49].

14- إثبات الإرادة والاختيار للإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾، وفي هذا الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبور على فعله لا اختيار له.

15- أن لكل من الناس وجهة هو موليها، فمن مريد ثواب الدنيا، ومن مريد ثواب الآخرة، وشتان ما بين الإرادتين والمرادين، والله غالب على أمره، وصدق الله العظيم: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 9، 10]، وصدق المصطفى الكريم؛ حيث قال: «كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمُعتقها أو موبقها»[7].

16- ليس في الإخبار بإعطاء كل من مريد الآخرة ومريد الدنيا منهما، والمقابلة بينهما - ما يدل على جواز إرادة الدنيا دون الآخرة؛ كما في قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7، 8]، فهذا لا يدل على جواز فعل الشر، كما أنه ليس فيه ما يدل على منع مريد الآخرة من ذكر نصيبه من الدنيا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [القصص: 77].

17- أن الأعمال بالنيات، ولكل امرئٍ ما نوى؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، فمن أراد بعمله ثواب الآخرة أعطاه الله منها، ومن أراد بعمله ثواب الدنيا أعطاه الله منها، ولكل امرئٍ ما نوى، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرتُه إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يُصيبها أو امرأة يتزوَّجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»[8].

18- تفضيل الآخرة وثوابها على الدنيا وثوابها، ولهذا قدم إرادة ثواب الآخرة على إرادة ثواب الدنيا؛ لأن الدنيا بما فيها لا تساوي شيئًا بالنسبة للآخرة، ولهذا سميت دنيا، والآخرة هي الحيوان.

19- عدل الله - عز وجل - في إيتاء كل مريد من مراده، سواء من الآخرة، أو من الدنيا ومجازاة كلٍّ بما عمِل.

20- أن فضل الله - عز وجل - واسع يسع البر والفاجر والمؤمن والكافر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾ [الإسراء: 20].

21- أن من أراد بعمله ثواب الآخرة، فهو من الشاكرين الذين وعدهم الله تعالى بالجزاء؛ لأن الله ختم الآية بقوله: ﴿ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾؛ أي: الذين شكروا نعم الله تعالى عليهم بطاعته واجتناب معصيته، رجاء ثوابه والدار الآخرة.

22- فضيلة الشكر والترغيب فيه والحث عليه؛ لقوله تعالى في الآية السابقة: ﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾، وقوله في هذه الآية: ﴿ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾.

23- أن كثيرًا من الأنبياء السابقين وكثيرًا من أتباعهم، قاتلوا أو قتلوا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾.

24- الثناء على الأنبياء السابقين وأتباعهم بالتضحية والصبر، وتحمل القتال والقتل في سبيل الله، بلا وهنٍ ولا ضعفٍ ولا استكانة؛ لقوله: ﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾.

25- إغراء المؤمنين وحثهم على القتال مع نبيهم، والتضحية والصبر على القتال والقتل في سبيل الله، دون وهن أو ضعف أو استكانة؛ كما هو حال أتباع الأنبياء قبلهم، فعن خباب بن الأرت - رضي الله عنه - قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة، وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: يا رسول الله، ألا تدعو الله، فقعد وهو محمَّر وجهه، فقال: «لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحمٍ أو عصبٍ، ما يَصرِفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشق باثنين، ما يصرفه عن دينه، وليُتمَّنَّ الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله، والذئب على غنمه»[9].

26- أن القتال في سبيل الله والجهاد مشروع في الملل السابقة.

27- محبة الله تعالى للصابرين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾، وهذا يدل على علو مكانتهم عنده، وعظم ما أعد لهم من الأجر؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10].

28- إثبات صفة المحبة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وهي من الصفات الاختيارية المتعلقة بالمشيئة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾.

29- الترغيب في الصبر والحث عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾.

30- بيان ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن من الشجاعة والقوة والعزيمة والعزة وعدم الذل والاستكانة إلا لله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾.

31- الثناء على هؤلاء الربيين بجمعهم بين الجهاد بالفعل بالصبر على القتال والقتل وعدم الوهن في سبيل الله، وعدم الضعف والاستكانة، وبين الجهاد بالقول بالتوسل إلى ربهم بطلب مغفرة ذنوبهم، وإسرافهم في أمرهم، وتثبيت أقدامهم، ونصرهم على القوم الكافرين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾.

وبهذا جمعوا بين فعل السبب والتوكل على الله، والاستعانة به ودعائه، وهكذا ينبغي للمؤمنين في حربهم وسلمهم وجميع أحوالهم.

32- فضيلة هذا الدعاء ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾... إلخ، والترغيب فيه؛ لما فيه من تعظيم الرب وسؤاله المغفرة، والاعتراف بالذنب والإسراف؛ لأن الاعتراف بذلك توبة، ولما فيه من الافتقار إلى الله تعالى، وطلب التثبيت والعون منه، والنصر على القوم الكافرين، وهذا من جوامع الدعاء.

33- ينبغي الحذر من الذنوب ومن الإسراف في الأمور، وسؤال الله تعالى المغفرة، والتثبيت والعون والنصر؛ لأن الإنسان لا يخلو من تقصير، وليس في غنى عن الله تعالى طرفة عين، ولا أقل من ذلك.

34- امتنان الله تعالى على المذكورين بسبب قتالهم مع أنبيائهم ودعائهم، بإعطائهم ثواب الدنيا بالنصر، وحسن ثواب الآخرة بالجنة وعظيم الأجر؛ لقوله تعالى: ﴿ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ﴾.

35- أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، حيث يجمع تفضلًا منه للعبد بين ثواب الدنيا وثواب الآخرة، بخلاف العقوبة، فإن من عوقب في الدنيا لا يعاقب في الآخرة، فلا يجمع له بين عقوبتين، عدل منه عز وجل.

36- شتان بين الدنيا وثوابها والآخرة وثوابها؛ ولهذا وصف الله - عز وجل - ثواب الآخرة بالحسن دون ثواب الدنيا، فقال تعالى: ﴿ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ﴾.

37- إثبات الآخرة والبعث والحساب والجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿ وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ﴾.

38- محبة الله تعالى للمحسنين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾، ومفهوم هذا أنه لا يحب المسيئين.

39- في ختم الآية بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾: ثناء على المذكورين بوصفهم بالمحسنين.

40- الترغيب في الإحسان والحث عليه؛ الإحسان في عبادة الله تعالى إخلاصًا له، ومتابعة لرسله، والإحسان إلى عباد الله؛ لأن الله تعالى يحب المحسنين ومَن أحبه الله تعالى أثابه وأكرَمه.

[1] أخرجه البخاري في المغازي (4454).

[2] أخرجه البخاري في الجنائز (1242)، وفي المغازي (4454).

[3] أخرجه أبو داود في الديات (4512)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[4] أخرجه أبو داود في الصلاة (1047)، والنسائي في الجمعة (1374)، وابن ماجه في الجنائز (1636)، من حديث أوس بن أوس رضي الله عنه.

[5] أخرجه مسلم في فضائل الصحابة (2454)، من حديث أنس رضي الله عنه.

[6] انظر: «ديوانه» (ص63).

[7] أخرجه الترمذي في الدعوات (3517)، وابن ماجه في الطهارة وسننها (280)، من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».

[8] أخرجه البخاري في بدء الوحي (1)، ومسلم في الإمارة (1907)، وأبو داود في الطلاق (2201)، والنسائي في الطهارة (75)، والترمذي في فضائل الجهاد (1647)، وابن ماجه في الزهد (4227)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

[9] أخرجه البخاري في المناقب (3852)، وأبو داود في الجهاد (2649).





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 08-06-2026, 11:31 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,535
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله


﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾، ﴿ يَقُولُونَ ﴾: بدل من ﴿ يَظُنُّونَ ﴾، أو في محل نصب على الحال من فاعل ﴿ يَظُنُّونَ ﴾؛ أي: حال كونهم ﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ﴾؛ أي: يقولون بألسنتهم بعضهم لبعض: ﴿ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ﴾، وهو إفصاح عما تنطوي عليه قلوبهم من كونهم قد أهمَّتهم أنفسهم، ومن ظنهم بالله غير الحق.

﴿ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ﴾، ﴿ هَلْ ﴾ للاستفهام، ومعناه هنا الإنكار والنفي، أي: ليس لنا من الأمر من شيء، ولهذا رد عليهم بقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾؛ أي: يقول هؤلاء الطائفة الذين قد أهمتهم أنفسهم الظانين بالله غير الحق، ظن الجاهلية: ليس لنا من الأمر شيء، ولم يؤخذ رأينا ولا مشورتنا، ولم نراجع في الأمر.

﴿ مِنَ الْأَمْرِ ﴾ أي: من الشأن والتدبير في الحرب والقتال.

﴿ مِنْ شَيْءٍ ﴾ ﴿ مِنْ ﴾ زائدة إعرابًا مؤكدة من حيث المعنى للإنكار والنفي، أي: ليس لنا من الأمر أيُّ شيء كان ومهما قل، فالأمر والتدبير كله لغيرنا، وكأنهم يقولون أيضًا: أقحمنا وأدخلنا في أمر لا رأي لنا فيه ولا خيرة، ولا طائل تحته، ويتنصلون من مسؤولية ما حصل، وقيل: المعنى: ما لنا من أمر النصر والظهور من شيء.

﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾ قرأ أبو عمرو ويعقوب: «كلُّه» برفع «كلُّ» على أنها مبتدأ خبره ﴿ لله ﴾، والجملة من المبتدأ والخبر خبر ﴿ إن ﴾.

وقرأ الباقون ﴿ كُلَّهُ ﴾ بنصبها على أنها توكيد لـ﴿ الْأَمْرَ ﴾ وخبر ﴿ إن ﴾ قوله: ﴿ لله ﴾.

والأمر في قوله: ﴿ قل ﴾ للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: قل لهم يا محمد: إن الشأن كله لله، فله - عز وجل - الأمر الكوني وتدبير الكون كله، وله – سبحانه - الأمر الشرعي، كما قال تعالى: ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾ [الأعراف: 54].

﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ الجملة في محل نصب على الحال من فاعل يقولون، أي: يضمرون ويسرون في أنفسهم.

﴿ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ﴾ ﴿ ما ﴾: موصولة، أي: الذي لا يظهرونه ولا يعلنونه لك، أو نكرة موصوفة، أي: شيئًا لا يظهرونه لك، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.

﴿ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾: بدل من قوله: ﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ﴾، أو استئنافية، وهي بيان للذي يخفون في أنفسهم ولا يبدونه للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أنهم يقولون، أي: يقول بعضهم لبعض فيما بينهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾.

عن الزبير- رضي الله عنه - قال: «لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف علينا، أرسل الله علينا النوم، فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره، قال: فوالله إني لأسمع قول مُعتِّب بن قُشير، ما أسمعه إلا كالحلم: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾، فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ لقول معتب»[17]؛ أي: لو كان لنا من الأمر شيء في هذه الغزوة والخروج إليها ﴿ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾؛ أي: ما خرجنا إليها، وما قتلنا ها هنا، أي: في أُحد، وكأنهم في هذا يشيرون إلى ما جرى حين استشار صلى الله عليه وسلم أصحابه في الخروج إلى أُحد، فأشار عليه بعضهم بالخروج، وبخاصة الشباب الذين لم يشهدوا بدرًا، وقال بعضهم ومنهم عبدالله بن أُبي وغيره: بل نبقى في المدينة، ونقاتلهم من أعلى السطوح وفي الشوارع إذا دخلوا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يميل إلى هذا، لكنه صلى الله عليه وسلم عزم على الخروج، فدخل بيته ولبس لأمة الحرب وخرج.

فالذين رأوا البقاء وعدم الخروج هم - والله أعلم - الذين قالوا: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾؛ أي: ما خرجنا من المدينة، وما قتلنا في أُحد؛ يعنون: من قتل منهم.

وهذا منهم تكذيب لله تعالى، وإنكار لحكمته، واعتراض على قدره، وتسفيه لرأي الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتزكية لأنفسهم؛ ولهذا رد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾.

قوله: ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾: الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم، و﴿ لو ﴾: شرطية، و﴿ كنتم ﴾: فعل الشرط، وجوابه: ﴿ لبرز ﴾، قرأ أبو جعفر وأبو عمرو ويعقوب الحضرمي وورش عن نافع وحفص عن عاصم: ﴿ بُيوتكم ﴾ بضم الباء، وقرأ الباقون: «بيوت» بكسرها في جميع القرآن؛ أي: قل لهم يا محمد: لو كنتم في بيوتكم في المدينة، ﴿ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾، أي: لظهر وخرج الذين كتب وقدر عليهم القتل، ﴿ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾، و«مضاجع» جمع «مضجع»، وهو مكان النوم؛ كما قال تعالى: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ﴾ [السجدة: 16]، ويطلق على مكان الموت والقتل، ومكان الدفن في القبر؛ أي: إن بقاءكم في بيوتكم في المدينة لا يمنع من خروج من كُتب وقدِّر عليهم القتل منكم ﴿ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾؛ أي: إلى أماكن قتلهم واضطجاعهم في قبورهم، فما حصل لكم قدر مقدر مُحتم، لا محيد لكم عنه ولا مناص، ولا مفر لكم منه، ولا ينجي حذر من قدر.

وكما قيل:
مشيناها خطى كتبت علينا
ومن كتبت عليه خطى مشاها
ومن كانت منيته بأرض
فليس يموت في أرض سواها[18]

وقال الآخر:
فهن المنايا أي واد سلكته
عليها طريقي أو علي طريقها[19]




﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ ﴾ الواو: عاطفة، واللام: للتعليل، والمعطوف عليه مقدر؛ أي: فعل ذلك؛ ليقضي الله أمره، وليبتلي ما في صدوركم، و﴿ ما ﴾: موصولة، أي: الذي في صدوركم.

والابتلاء: الاختبار والامتحان، أي: وليختبر الله ويمتحن ﴿ مَا فِي صُدُورِكُمْ ﴾؛ أي: الذي في صدوركم، وهي القلوب وما فيها من المضمرات؛ كما قال تعالى: ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الحج: 46]؛ أي: ليمتحن بما جرى عليكم الذي في صدوركم وقلوبكم من الإيمان والنفاق، فالمؤمن يزداد بذلك إيمانًا ويقينًا، والمنافق ومَن في قلبه مرض يظهر ذلك على جوارحه وفلتات لسانه.

﴿ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ معطوف على: ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ ﴾، والتمحيص: التخليص والتنقية والتصفية، و﴿ ما ﴾: موصولة، أي: وليخلص الذي في قلوبكم من إرادة الدنيا أو التسخط والاعتراض على قدر الله تعالى، وغير ذلك من وساوس الشيطان.

فالابتلاء والامتحان للقلوب التي في الصدور، والتمحيص والتخليص والتنقية لما في القلوب، لا للقلوب نفسها، فبالابتلاء للقلوب، والتمحيص لما فيها، يتميز المؤمن من المنافق، والطيب من الخبيث؛ كما قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ [آل عمران: 179].

قال ابن القيم[20]: «فكانت نقمته سبحانه عليهم بهذه الكسرة والهزيمة، وقتل من قتل منهم تعادل نعمته عليهم بنصرهم وتأييدهم، وظفرهم بعدوهم، فله عليهم المنة التامة في هذا وفي هذا».

وكما قيل:
لله در النائبات فإنها
صدأ اللئام وصيقل الأحرار[21]




وكم وراء المحنة من منحة.

﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ الجملة استئنافية، أي: والله ذو علم واسع، ﴿ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾؛ أي: بصاحبة الصدور، وهي القلوب، وما فيها من المكنونات من المعتقدات والنيات، والصلاح والفساد، والسرائر والضمائر؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾ [ق: 16].

وإذا كان عز وجل ذا علم واسع بالقلوب وما فيها من المكنونات، فعلمه بكل ما ظهر من باب أولى، أي: والله ذو علم واسع بالقلوب، وما فيها، قبل ابتلائها، وتمحيص ما فيها، وبعده.

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.

قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ ﴾، ﴿ إِنَّ ﴾: حرف توكيد ونصب، ﴿ تَوَلَّوْا ﴾: أدبروا وهربوا وانهزموا؛ حيث لم يبق مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلا نحو ثلاثة عشر رجلًا منهم أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم[22].

﴿ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ﴾، ﴿ يَوْمَ ﴾: ظرف منصوب على الظرفية بمعنى «حين».

﴿ الْتَقَى ﴾، أي: تقابل، أي: يوم تقابل الجمعان وتلاقيا وجهًا لوجه.

﴿ الْجَمْعَانِ ﴾ مثنى: «جمع»، أي: جمع الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه، وجمع الكفار بقيادة أبي سفيان، وذلك يوم أُحد.

﴿ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر.

﴿ اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: دعاهم إلى الزلل وأوقعهم فيه، والزلل: الخطأ، والزلة: الخطيئة؛ أي: إنما أوقعهم في الزلل والتولي والانهزام يوم أُحد الشيطان، أي: إنما أوقعوا فيما وقعوا فيه وحصل عليهم ما حصل بسبب الشيطان وتسويله.

فلو اعتصموا بطاعة الله تعالى ما كان له عليهم من سلطان؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾ [الحجر: 42].

﴿ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ الباء للسببية، و﴿مَا﴾: موصولة أو مصدرية، بسبب بعض الذي كسبوه، أو بعض كسبهم من الذنوب والمعاصي، من مفارقة موقعهم وعصيان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، والتنازع والتعجل إلى الغنيمة، فكان سببًا في تسلط الشيطان عليهم واستزلاله لهم، وفي هذا إبطال لما عرَّض به المنافقون من إلقاء تبعة ما أصابهم على أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالخروج، والمعاصي يجر بعضها بعضًا؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ [الصف: 5].

وقال تعالى: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [المطففين: 14].

وقال بعض السلف: «إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإن من جزاء السيئة السيئة بعدها»[23].

﴿ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾؛ كما قال تعالى قبل هذا: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 152]، وكرَّره للتأكيد، والامتنان، والجملتان كل منهما مؤكدة بالقسم المقدر، ولام القسم، و«قد»، أي: والله لقد عفا الله عنهم، والضمير يعود إلى الذين تولوا.

و«العفو»: ترك المؤاخذة على الذنب والتجاوز عنه؛ أي: ولقد تجاوز الله عما كان منهم من المخالفة والفرار فلم يستأصلهم.

﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾: استئناف وتعليل لما قبله، أي: ولقد عفا الله عنهم؛ لأنه سبحانه غفور حليم.

ومعنى ﴿ غَفُورٌ ﴾؛ أي: ذو مغفرة واسعة؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ﴾ [النجم: 32].

و﴿ المغفرة ﴾: ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن العقوبة.

﴿ حَلِيمٌ﴾؛ أي: ذو حلم واسع وذو أناة، لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، بل يتأنى به ويدعوه إلى التوبة والإنابة، ويمهل ولا يهمل؛ قال ابن القيم[24]:
وهو الحليم فلا يعاجل عبده
بعقوبة ليتوب من عصيان





[1] البيت لجعفر بن عُلْبة الحارثي؛ انظر: «شرح حماسة أبي تمام» للفارسي (2/ 87).

[2] انظر: «ديوانه» ص(135).

[3] سبق تخريجه.

[4] أخرجه مسلم في الجهاد والسير (1789).

[5] أخرجه البخاري في المناقب- مناقب المهاجرين (3723)، ومسلم في فضائل الصحابة (2414).

[6] أخرجه البخاري في اللباس (5826)، ومسلم في الفضائل (2306).

[7] أخرجه البخاري في المغازي- غزوة أُحد (4073)، ومسلم في الجهاد والسير- غزوة أُحد (1793).

[8] أخرجه البخاري في المغازي (2911)، ومسلم في الجهاد والسير (1790).

[9] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 148)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

[10] أخرجه البخاري في الشروط، إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمى (2718)، ومسلم في المساقاة - بيع البعير واستثناء ركوبه (715).

[11] أخرجه مسلم في الإمارة (1844)، والنسائي في البيعة (4191)، وابن ماجه في الفتن (3956)، من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما.

[12] أخرجه البخاري في التفسير (4562)، والترمذي في «التفسير» (3008).

[13] أخرجه البخاري في المغازي- غزوة أُحد (4068).

[14] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 162).

[15] انظر: «ديوانه» (ص92).

[16] عجز بيت للنابغة؛ انظر: «ديوانه» (ص102).

[17] أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (3/ 795)، وأخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 168)، بأخصر من هذا.

[18] البيتان قيل: لأحمد بن فارس، وقيل: للمعري, وقيل: لعبدالعزيز الدريني؛ انظر: «المستطرف» (1/ 491).

[19] البيت بلا نسبة؛ انظر: «مجموع الفتاوى» (15/ 215)، «بدائع الفوائد» (1/ 119), «مدارج السالكين» (1/ 15).

[20] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 526).

[21] البيت لأبي الحسن التهامي؛ انظر: «ديوانه» (ص28).

[22] سبق تخريجه، وانظر: «زاد المعاد» (3/ 213).

[23] ذكره ابن كثير في «تفسيره» (2/ 126).

[24] «النونية» (ص148).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 01-09-2026, 05:11 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,535
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله



﴿ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ﴾، الفاء: رابطة لجواب الشرط، وجواب الشرط محذوف دل عليه قوله: ﴿ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ﴾، والتقدير: فإن كذبوك فتسلَّ، أو فلا تحزن؛ فقد كذِّب رسل كثيرون من قبلك؛ أي: كذَّبهم أقوامهم، أي: فهذه سنة قديمة في الأمم مع الرسل قبلك.

وفي الآية الأخرى: ﴿ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ [فاطر: 4]؛ لأن ﴿ رُسُلٌ ﴾ جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز فيه إثبات التاء وحذفها.

﴿ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ﴾ صفة لـ: ﴿ رُسُلٌ ﴾؛ أي: فليس تكذيب أممهم لهم عن قصور بما أتوا به، أو عدم تبيُّن حجةٍ، بل قد جاؤوا ﴿ بِالْبَيِّنَات ﴾؛ أي: بالآيات البينات والحجج والبراهين الواضحات الدالة على صدقهم.

﴿ والزُّبُر ﴾: قرأ ابن عامر بإعادة الباء: «وبالزبر»، وقرأ الباقون بدونها: ﴿ والزُّبُر ﴾، وهي: جمع «زبور»، وهو «فعول» بمعنى «مفعول»، أي: مزبور، بمعنى مخطوط، وقيل: مأخوذ من «زبر»: إذا زجر.

والمراد بالزبر: كتب الأنبياء والرسل، مما يتضمن مواعظَ وزواجرَ وتذكيرًا، مثل كتاب داود عليه السلام «الزبور»؛ قال تعالى: ﴿ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴾ [النساء: 163]، وكذا الإنجيل.

﴿ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ﴾: الواو: عاطفة، و﴿ وَالْكِتَابِ ﴾ بمعنى «المكتوب»، و«أل» فيه للجنس، أي: جنس الكتب التي أنزلها الله تعالى كالتوراة والإنجيل.

﴿ الْمُنِيرِ ﴾ صفة لـ(الكتاب)؛ أي: البيِّن الواضح الجلي، المبين للحق، المنير لطريق الهداية، الذي فيه بيان الأحكام الشرعية.

ويحتمل كون «أل»: للعهد، والمراد بـ«الكتاب»: التوراة؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ﴾ [المائدة: 44]، وقد قال تعالى عن الإنجيل: ﴿ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ ﴾ [المائدة: 46]، كما قال تعالى عن القرآن الكريم: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [إبراهيم: 1]، وقال تعالى: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا ﴾ [التغابن: 8]، وقال تعالى: ﴿ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾ [الشورى: 52].

والعطف في قوله: ﴿ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ﴾ منظور فيه إلى التوزيع، فبعض الرسل جاء بالزبر، وبعضهم جاء بالكتاب المنير، وكلهم جاؤوا بالبينات.

ويحتمل أن يكون العطف هنا: من عطف الصفات لا من عطف الذوات؛ أي: إن ما جاءت به الرسل مشتمل على الآيات البينات والحجج والبراهين، وعلى الزبر والمواعظ، وعلى بيان الحق للناس وإنارة الطريق لهم، وهذا حق.

قوله تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾.

قوله: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ ﴿ كُلُّ ﴾ من صيغ العموم.

و﴿ نَفْسٍ ﴾: تطلق على الروح والبدن، أي: كل الأنفس ذائقة الموت؛ أي: ذائقة طعم الموت، أي: لابد أن تموت وتذوق وتتجرَّع غصص الموت وسكراته؛ كما قال تعالى: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾ [ق: 19].

وقال صلى الله عليه وسلم وهو يجود برُوحه: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات»[6].




والمعنى: كل نفس من أنفس الإنس والجن والملائكة، وجميع ما خلق الله من الحيوانات ستموت؛ قال تعالى: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: 26، 27]، وقال تعالى: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ﴾ [الزمر: 68].

وفي الحديث: «يا محمد، عِش ما شئت فإنك ميِّت، وأحبِب ما شئت فإنك مُفارقه»[8].





﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ الواو: عاطفة، و«إنما»: أداة حصر، أي: لا توفون أجوركم إلا يوم القيامة.

ومعنى: ﴿ تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾؛ أي: تعطون ثواب أعمالكم وافيًا من غير نقصان يوم القيامة، وهذا لا ينافي أن ينالوا شيئًا من ثواب أعمالهم في البرزخ، كما لا ينافي أن ينالوا شيئًا من ثواب أعمالهم في الدنيا؛ لأن الإنسان يجد شيئًا من آثار عمله في الدنيا، فإن كان عمله صالحًا وجد من آثار السعادة بقدر ذلك، وإن كان عمله سيئًا وجد شيئًا من آثار ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97]، وقال تعالى: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [السجدة: 21].

وأما توفية الأجور على التمام والكمال، فإن ذلك لا يكون إلا في الآخرة.

﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ ﴾: الفاء: عاطفة، و«من»: شرطية، و﴿ زُحْزِحَ ﴾: فعل الشرط، ومعنى ﴿ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ ﴾؛ أي: أُبعد ودُفع عنها ببطء وشدة ومشقة، ولو بعد جهد جهيد؛ لأن النار حُفت بالشهوات، وقيل: أُبعد عنها بسرعة وعجلة.

﴿ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ ﴾: معطوف على ما قبله.

﴿ فَقَدْ فَازَ ﴾: الفاء واقعة في جواب الشرط؛ أي: فقد أفلح وربِح كل الربح؛ لأنه نجا من المرهوب وهي النار، وحصل على المطلوب وهي الجنة؛ نسأل الله تعالى من فضله.

وهذا يحتاج إلى عمل، قال صلى الله عليه وسلم: «فمن أحبَّ أن يُزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتَأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه»[15].

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ الواو: استئنافية، و«ما»: نافية.

و﴿ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾: هذه الدار التي نحن فيها، وسُميت دنيا؛ لدنوِّها زمنًا فهي قبل الآخرة من حيث الزمن، ولدنوها وانحطاطها قدرًا، فهي لا قيمة لها بالنسبة للآخرة؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرًا منها شربة ماء»[16].

وقال صلى الله عليه وسلم: «موضع سوط أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها»[17].

﴿ إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾، ﴿ إلَّا ﴾: أداة استثناء، والمتاع: ما يتمتع به ثم ينتهي، و﴿ الْغُرُورِ ﴾: الخداع، أي: وما الحياة الدنيا إلا مُتعة تغر صاحبها وتخدعه، كما قال تعالى في سورة الحديد: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [الحديد: 20]، وقال تعالى: ﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ [لقمان: 33]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾ [الرعد: 26]، وقال تعالى: ﴿ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ [التوبة: 38].

وكم من أُناس اغتروا وانخدعوا فيها، وفي زينتها وزخرفها، فتحول عزهم ذلًّا وغناهم فقرًا، وفرحهم وسرورهم ترحًا وبؤسًا.

وإذا أردت أن تنظر إلى غرورها العاجل وحقارتها، فتأمل في أحوال المنوَّمين على الأَسِرَّة في المستشفيات أو في البيوت، ممن فقدوا وعيهم، أو كادوا أن يفقدوه، وارثَ لحالك، ولا تَرثَ لحالهم.






وقال الآخر:

هي الدنيا تقول بملء فيها
حذارِ حذار من بطشي وفتكي

فلا يَغْرُركمُ مني ابتسام
فقولي مضحك والفعل مبكي[21]


وقال الآخر:
هي الليالي وقاك الله صَولتَها
فضول حتى على الآساد في الأجم
كنا ملوكًا لنا في أرضنا دول
نمنا بها تحت أفنان من النعم
فأيقظتنا سهام للردى صبب
يرمى بأفجع حتف من بهن رمي[22]


وقال الآخر:
ومكلف الأيام ضد طباعها
متطلب في الماء جذوةَ نار
وإذا رجوت المستحيل فإنما
تبني الرجاء على شفيرٍ هار[23]



[1] أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (3/ 828)، وانظر: «تفسير ابن كثير» (2/ 153).

[2] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 278)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (3/ 828-829).

[3] أخرجه النسائي في الطلاق، باب في الظهار (3460)، وابن ماجه في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (188).

[4] أخرجه البخاري في التيمم (335)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (521)، من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه.

[5] أخرجه البخاري في فضائل القرآن (4981)، ومسلم في الإيمان (152)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[6] أخرجه البخاري في المغازي (4449)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

[7] البيت لضابئ بن الحارث، وينسب للحطيئة؛ انظر: «أمثال العرب» (ص96)، «الأغاني» (2/ 18)، «مجمع الأمثال» (2/ 223)، «المستقصى في أمثال العرب» (2/ 291)، «نهاية الأرب» (3/ 297)، «خزانة الأدب» (2/ 411)، «زهر الأكم» (3/ 22).

[8] سبق تخريجه.

[9] البيت للشاعر محمد بن صالح العثيمين، شاعر حوطة بني تميم من قصيدة مؤثرة في رثاء صديقه عبدالله العجيري، ملحقة بآخر «ديوان ابن مشرف» ص187.

[10] البيت لابن نباتة السعدي؛ انظر: «الدر الفريد» (7/ 447)، «المغني» للسيوطي (379).

[11] انظر: «الكشكول» (1/ 289)، والبيت ينسب لحسان.

[12] البيت لم ينسب لقائل؛ انظر: «الجنى الداني» (ث92)، «أوضح المسالك» (1/ 275)، «المغني» للسيوطي (612).

[13] البيت ينسب لعمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ انظر: «الإمتاع والمؤانسة» (ص347)، «العمدة في محاسن الشعر» (1/ 34).

[14] البيت لأبي الوردي؛ انظر: «ديوانه» (ص71).

[15] أخرجه مسلم في الإمارة، وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول فالأول (1844)، والنسائي في البيعة (4191)، وابن ماجه في الفتن (3956)، من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

[16] أخرجه الترمذي في الزهد (2320)، من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، وقال: «حديث صحيح غريب».

[17] أخرجه البخاري في الجهاد والسير، فضل رباط يوم في سبيل الله (2892)، والترمذي في فضائل الجهاد (1648)، من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.

[18] البيت لأبي نواس؛ انظر: «ديوانه» (ص192).

[19] البيتان لابن مشرف؛ انظر: «ديوانه» (ص78).

[20] البيت لأبي نواس؛ انظر: «العقد الفريد» (3/ 47).

[21] البيتان لأبي الفرج الساوي؛ انظر: «أحسن ما سمعت» للثعالبي (ص53).

[22] الأبيات لأبي عبدالله العقيلي؛ انظر: «نفح الطيب» (4/ 529).

[23] البيتان لأبي الحسن التهامي؛ انظر: «ديوانه» (ص28).






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الرقية الشرعية


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, موقع الرقية الشرعية

[حجم الصفحة الأصلي: 295.19 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 290.21 كيلو بايت... تم توفير 4.98 كيلو بايت...بمعدل (1.69%)]