|
|||||||
| هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ...﴾ قوله تعالى: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾[آل عمران: 113 - 115]. 1- أن أهل الكتاب ليسوا سواءً على منهج واحد، فكما أن منهم الفاسقين الكافرين، فمنهم أمة مؤمنة قائمة بأمر الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ... ﴾ الآية. 2- كمال عدل الله - عز وجل - فإنه لما ذكر أن أكثر أهل الكتاب فاسقون وذمَّهم، وذكر ما عوقِبوا به، بيَّن في هذه الآيات أنهم ليسوا سواءً، وأن منهم أمة قائمة؛ يعني قائمة بأمر الله، وأثنى عليهم بذكر صفاتهم احترازًا من أن يظن أن أهل الكتاب كلهم فاسقون وكفار لا خيرَ فيهم. 3- امتداح من آمن من أهل الكتاب والثناء عليهم بالقيام بأمر الله تعالى، وتلاوة آياته آناء الليل، والصلاة والسجود لله تعالى، والإيمان بالله واليوم الآخر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمسارعة في الخيرات؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾. 4- أن ما فعله أهل الكتاب وغيرهم من خير، فلن يضيع عند الله، وسيجازون به ويعطون ثوابه كاملًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾. 5- تساوي الناس في الإسلام فيما يشرع لهم القيام به من الأعمال، ومجازاة كل منهم بما عمل، سواء من كان منهم أصله من أهل الكتاب، أو من هذه الأمة. 6- الحث والترغيب في الصفات المذكورة من القيام بأمر الله تعالى، وتلاوة آياته آناء الليل والسجود له، والإيمان بالله واليوم الآخر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمسارعة في الخيرات، وبيان فضيلة هذه الأعمال، ومكانة المتصفين بها؛ لأن الله - عز وجل - أثنى على أهلها، وأشار إلى رِفعة مكانتهم، وأنهم من الصالحين المتقين، ووعدهم بإثابتهم على ذلك. 7- فضيلة الصلاح؛ لأن الله وصف به أهل الإيمان به، بل وصف به أنبياءه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾. 8- أن الله لا يضيع أجرَ مَن أحسن عملًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾. 9- الترغيب في عمل الخير مطلقًا قليلًا أو كثيرًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾. 10- علم الله تعالى الواسع بالمتقين وغيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾، وفي هذا تأكيد لقوله تعالى قبل هذا: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾. 11- أن مَن عمِل بما ذُكِرَ من الصفات المذكورة في الآيات، فهو من الصالحين المتقين. 12- الترغيب بتقوى الله تعالى؛ لأن علمه عز وجل بالمتقين فيه وعدٌ لهم بمجازاتهم بالثواب، كما يُفهم من ذلك التحذير من ترك التقوى، والوعيد لغير المتقين.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا... ﴾ قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 116، 117]. قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾. كما قال تعالى في أول السورة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 10]. ذكر الله - عز وجل - في الآيات السابقة أن من أهل الكتاب أمة قائمة بأمر الله وأثنى عليهم، ووعدهم بالثواب، ثم أتبع ذلك بالوعيد للذين كفروا في هذه الآية. قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ «إنَّ» للتوكيد، أي: إن الذين جحدوا وأنكروا وجود الله وربوبيته وألوهيته، وأسماءه وصفاته وشرعه، أو شيئًا من ذلك؛ كما قال تعالى في المنافقين: ﴿ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [المجادلة: 17]. ﴿ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾؛ أي: لن تدفع ولن تجزي عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا، بدفع ومنع شيء من عذاب الله وبأسه عنهم قبل وقوعه، أو رفعه بعد وقوعه، لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾ [الرعد: 11]. ﴿ شَيْئًا ﴾: نكرة في سياق النفي، فتعم أيَّ شيء، فلا تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله أيَّ شيء، أيًّا كان ومهما قل. ﴿ أَمْوَالُهُمْ ﴾ الأموال: جمع مال، وهي كل ما يتحول ويُملَك من نقد أو عينٍ، وغير ذلك، أي: لن تغني عنهم أموالهم من الله شيئًا، بأن يقدِّموها فديةً للخلاص من عذاب الله؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 36]، وقال تعالى: ﴿ فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [الحديد: 15]. ﴿ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ﴾: الواو عاطفة، وكرِّر حرف النفي «لا» لتأكيد عدم غناء أولادهم عنهم شيئًا، بدفع ومنع عذاب الله عنهم أو رفعه. وخصَّ الأموال والأولاد؛ لأنهم يفتخرون بذلك، ولأن الناس في الدنيا يفتدون بالمال ويدفعون به عن أنفسهم، ويتقوون بالأولاد، وينتصرون بهم، كما ينتصر الأقارب بعضهم ببعض، كما قال الشاعر: أخاك أخاك إن مَن لا أخا له ![]() كساع إلى الهيجاء بدون سلاح[1] ![]() ![]() ![]() لكن ذلك لا يدفع بأس الله تعالى عنهم وعقابه إذا أراده بهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾ [الرعد: 11]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ [الأحزاب: 17]، وأما في الآخرة، فكما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88، 89]، وقال تعالى: ﴿ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [الممتحنة: 3]، وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ [عبس: 34 - 37]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ ﴾ [المعارج: 10 - 14]. ﴿ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾: أشار إليهم بإشارة البعيد تحقيرًا لهم، أي: أولئك الذين كفروا ﴿ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾؛ أي: أهلها وساكنوها وملازموها. ﴿ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾: تأكيد للجملة قبلها، وبيان أن مصاحبتهم للنار مصاحبة خلود فيها، لا انقطاع لها؛ أي: هم فيها ماكثون مقيمون إقامة أبدية؛ لأن النار لا تفنى ولا يَفنى عذابها ولا أهلها، وقد أكد هذا باختيار الجملة الاسمية الدالة على الاستمرار والدوام. قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾. ذكر الله - عز وجل - في الآية السابقة أن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا، ثم أتبع ذلك ببيان السبب في ذلك، وهو بُطلان نفقاتهم بسبب كفرهم وظلمهم. قوله: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ ﴿ مَثَلُ ﴾؛ أي: شبه وصفة، ﴿ مَا يُنْفِقُونَ ﴾﴿ ما ﴾: موصولة تفيد العموم؛ أي: مثل الذي ينفقون في هذه الحياة الدنيا في بطلانه واضمحلاله، وهو عام لكل ما ينفقونه من أموالهم في وجوه البر والخير، أو في وجوه الكفر والشر؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾ [الأنفال: 36]. ﴿ كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ ﴾: الكاف للتشبيه، كشبه وصفة ﴿ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ ﴾؛ أي: ريح عاصفة شديدة الهبوب، شديدة البرد، شديدة الصوت؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ﴾ [الحاقة: 6]. ﴿ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ﴾؛ أي: زرع قوم، ﴿ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾: الظلم: النقص؛ كما قال تعالى: ﴿ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ﴾ [الكهف: 33]؛ أي: ولم تنقص منه شيئًا، وهو وضع الشيء في غير موضعه على سبيل التعدي. ويشمل في الشرع تركَ الواجب وفعل المحرم، أي: ظلموا أنفسهم بالمعاصي، وأعظم ذلك الشرك؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82] ؛أي: بشركٍ، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]. ﴿ فَأَهْلَكَتْهُ ﴾؛ أي: أيبسته وأحرقته، بسبب ظلمهم لأنفسهم بالكفر والمعاصي؛ قال تعالى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم: 41]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30]، فشبه عز وجل نفقات الكفار في اضمحلالها وعدم انتفاعهم بها بسبب كفرهم - وهم أحوج ما يكونون إليها - بزرع قومٍ ظلموا أنفسهم بالكفر والشرك والمعاصي، فسلَّط الله عليه ريحًا شديدة البرودة فأهلكته، وهم أحوج ما يكونون إليه، فلم تُقبل نفقات هؤلاء بسبب كفرهم، ولم يَسلم لهؤلاء حرثُهم بسبب ظلمهم لأنفسهم بالكفر والمعاصي. ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ﴾: الواو: استئنافية، و«ما»: نافية، أي: وما ظلمهم الله فيما أوقع بهم، بل هذا مقتضى عدله، والجزاء من جنس العمل. والضمائر في قوله: ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ تعود إلى الذين كفروا، أي: وما ظلمهم الله في إبطال نفقاتهم وعدم قبولها؛ لأنهم هم الذين تسبَّبوا في ذلك بظلمهم لأنفسهم بالكفر المحبط للأعمال. ويحتمل أيضًا عود الضمائر على أصحاب الحرث؛ أي: وما ظلمهم الله في إهلاك حرثهم بالريح والبرد؛ لأن سبب ذلك ظلمهم لأنفسهم بالكفر والمعاصي. ولا مانع من حمل الضمائر على الجميع، فكل من الفريقين هلك وضاع نتاجُ عمله بسبب ظلمه لنفسه بالكفر والمعاصي. وقدَّم المفعول ﴿ أَنْفُسَهُمْ ﴾؛ لإفادة الحصر، أي: لا يظلمون إلا أنفسهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 57]. [1] البيت لمسكين الدارمي؛ انظر: «ديوانه»، (ص29).
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا... ﴾ قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 116، 117]. 1- أن الذين كفروا لن تَدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم من عقاب الله وعذابه شيئًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾، بل هي وبال وحسرة عليهم؛ لأنهم اتخذوها للصد عن دين الله، والتكاثر والتفاخر والخيلاء. 2- أن أهم ما يستغني به الناس في حياتهم الأموال والأولاد. 3- ينبغي التعلق بالله ورجائه، وعدم الاغترار بالأموال والأولاد، فإنها لا تنفع إلا إذا استُعين بها على طاعة الله تعالى، وأُنفقت في سبيله. 4- أن الذين كفروا هم أهل النار وساكنوها وملازموها، والخالدون فيها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾. 5- إثبات النار، وأنها لا تفنى ولا يفنى عذابُها. 6- تحقير الكفار؛ لقوله: ﴿ وَأُولَئِكَ ﴾ بإشارة البعيد. 7- ضرب الأمثال في القرآن الكريم بتشبيه المعقول بالمحسوس لتقريب المعاني؛ لقوله تعالى: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ الآية. 8- أن نفقات الكفار في الحياة الدنيا لا تنفعهم في الآخرة، بل تضيع سدًى، وتذهب هباءً؛ لقوله تعالى: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ ﴾ الآية، وكما قال تعالى: ﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ [التوبة: 54]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 264]، وقال تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾ [الفرقان: 23]، وقال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾ [الكهف: 105]. ولما سألت عائشة - رضي الله عنها - رسول الله صلى الله عليه وسلم: قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: «لا، إنه لم يقل يومًا رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين»[1]. 8- التحذير من إنفاق الأموال لغير وجه الله تعالى، للرياء وكسب الثناء والذكر عند الناس، وفي المحرمات والمعاصي. 9- بلوغ القرآن الكريم الغاية في البلاغة في تشبيهه نفقات الكفار في ضياعها واضمحلالها، وهلاكها بريح فيها صرٌّ أصابت حرث قوم فأهلكته. 10- أن الله - عز وجل - ما ظلم هؤلاء الكفار في إبطال نفقاتهم؛ لأن ذلك بسبب ظلمهم لأنفسهم بالكفر، كما أنه سبحانه ما ظلم أصحاب هذا الحرث بإهلاكه بالريح؛ لأن ذلك بسبب ظلمهم لأنفسهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾. 11- كمال عدل الله - عز وجل - وأنه لا يظلم أحدٌ من خلقه، وإنما هم يظلمون أنفسهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [النحل: 33]، وقال تعالى: ﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: 40]، وقال تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [النحل: 118]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [يونس: 44]. 12- الإشارة إلى أن نفس الإنسان وديعة عنده ينبغي أن يحملها على ما فيه صلاحها ونجاتها وسعادتها في دينها ودنياها وأخراها، وأن ينأى بها عن مواقع الزلل والخطر، وما يُعرِّضها للهلاك، ولعذاب الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. 13- أن الكافر والعاصي لا يضر في الحقيقة إلا نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾، بتقديم المفعول أنفسهم للدلالة على الحصر؛ ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 57]. [1] أخرجه مسلم في «الإيمان» (365).
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا... ﴾ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾[آل عمران: 118 - 120]. قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾. قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾: سبق الكلام عليه. ﴿ لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ ﴿ لا ﴾: ناهية، ﴿ تَتَّخِذُوا ﴾؛ أي: تجعلوا، وهو ينصب مفعولين، الأول هنا «بطانة»، والثاني محذوف تقديره «أصفياء»، أو نحو ذلك. و«البطانة» بكسر الباء، وهي في الأصل: داخل الثوب الذي يلي البدن، وجمعها بطائن؛ كما قال تعالى: ﴿ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ [الرحمن: 54]، وبطانة الرجل هم أصفياؤه وأصدقاؤه، وخاصته الذين يُفضي إليهم بأسراره، ويُطلعهم على خاصة أموره وأحواله؛ قال الشاعر: أولئك خُلْصاني نَعم وبِطانتي ![]() وهم عَيبتي من دون كلِّ قريب[1] ![]() ![]() ![]() سُموا بطانة؛ لأنهم يلونه، ويَطَّلعون على أسراره وأموره الباطنة، كما تلي بطانة الثوب بدنَ لابسه، والثوب له بطانة وله ظهارة، فالبطانة: ما وَلِيَ الجسد، والظهارة: ما كان فوق ذلك. ﴿ مِنْ دُونِكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لـ«بطانة»، ويجوز تعلقه بـ«لا تتخذوا»، و«من» للتبعيض؛ أي: من غيركم؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ﴾ [مريم: 81]؛ أي: من غير الله، فقوله: ﴿ مِنْ دُونِكُمْ﴾؛ أي: من غير أهل دينكم المسلمين. وقيل: «مِن» زائدة من حيث الإعراب، مؤكدة من حيث المعنى، والتقدير على هذا: لا تتخذوا بطانة دونكم في الإيمان والعمل والمنزلة. والمعنى: لا تتخذوا وتجعلوا أولياءَ وأصفياءَ وخواصَّ لكم من المنافقين، واليهود والنصارى، وغيرهم من أهل الكفر، تُفضون إليهم بأسراركم، وتُطلعونهم على دواخل أموركم وأحوالكم، وهم «الوليجة»؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [التوبة: 16]. وقد رُوي أن هذه الآيات نزلت في قوم من المؤمنين كان يُصافون المنافقين، ويواصلون رجالًا من اليهود، لما كان بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع، فأنزل الله تعالى هذه الآية عامة، فلا يجوز اتخاذ بطانة من غير المؤمنين مطلقًا. قوله تعالى: ﴿ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾. هذه الجملة مستأنفة؛ تعليلًا للنهي في قوله: ﴿ لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ ﴾؛ أي: لأنهم لا يألونكم خبالًا ويَودُّون ما عنتم، وقد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر. ﴿ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا ﴾ ﴿ لا ﴾: نافية، و«يألون»: ينصب مفعولين، الأول: ضمير المخاطبين، والثاني ﴿ خَبَالًا﴾؛ أي: لا يألون جهدًا، ولا يُقصرون في خبالكم، ومنه قول معاذ رضي الله عنه: «أجتهد رأي ولا آلو»[2]؛ أي: لا أقصِّر في ذلك. والخبال: الفساد في الرأي والعقل، ولهذا يوصف به فاسد الرأي والعقل، والمعنى: أنهم يبذلون كل جهد لإفساد رأيكم، وتقليلكم، واختلال أموركم. ﴿ وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ ﴾: الود: خالص المحبة، و«ما»: مصدرية، و«العنت»: المشقة الشديدة والتعب؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 220]؛ أي: لشقَّ عليكم، وقال تعالى: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾ [التوبة: 128]؛ أي: ما شقَّ عليكم. فمعنى ﴿ وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ ﴾؛ أي: أحبُّوا بكل قلوبهم «عنتكم»؛ أي: المشقة الشديدة عليكم وإتعابكم، معنويًّا بقلوبكم، وحسيًّا بأبدانكم وأموالكم، في أمور دينكم ودنياكم، بإضعاف قوتكم المعنوية، قوة الدين والإيمان بالتشكيك في دينكم، وصد الناس عنه، ونحو ذلك، وإضعاف قوتكم المادية العلمية والاقتصادية والسياسية، وقوة العدة والعتاد، وغير ذلك. ﴿ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾: ﴿ قد ﴾: حرف تحقيق، ﴿ بدت ﴾؛ أي: ظهرت، ﴿ الْبَغْضَاءُ﴾: الكراهية والحنق والحقد والعداوة، ﴿ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾، ﴿ مِنْ﴾: لابتداء الغاية؛ أي: قد ظهرت الكراهة والعداوة الشديدة لكم، ﴿ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾؛ أي: من أقوالهم وفلتات ألسنتهم، فهم لشدة عداوتهم لا يملِكون أنفسهم، ولا يقدرون على حفظ ألسنتهم من النضح بما في قلوبهم، وإن حاولوا التكتم على ذلك بُغية الوصول إلى مآربهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ﴾ [محمد: 30]. وفي الأثر: «ما أسر أحدٌ سريرة إلا أظهرها الله عز وجل على صفحات وجهه، وفلتات لسانه»[3]، وكما قيل: «كوامن النفوس تظهر على صفحات الوجوه، وفلتات اللسان»؛ قال الشاعر: فحسبُكم هذا التمايزُ بيننا ![]() وكلُّ إناء بالذي فيه يَنضَح[4] ![]() ![]() ![]() وقال الآخر: ومهما تَكُن عند امرئ من خليقةٍ ![]() وإن خالها تَخفى على الناس تُعلَم[5] ![]() ![]() ![]() ﴿ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾: «ما»: موصولة؛ أي: والذي تخفي صدورهم وقلوبهم من البغضاء والكراهية والعداوة لكم أكبر وأعظمُ مما يظهر من أفواههم وعلى ألسنتهم. وفي هذه الجمل الأربع تأكيد للنهي السابق، وكشف وفضح لكثيرٍ ممن يتملقون ويُظهرون خلاف ما يُبطنون من البغضاء والعداوة، وإضمار الشر والغش، كما قيل: لا تأْمَننَّ عدوًّا لانَ جانبُه ![]() خُشونةُ الصل عُقبى ذلك اللين[6] ![]() ![]() ![]() وقال الآخر: إن الأفاعي وإن لانتْ ملامسُها ![]() عند التقلُّب في أنيابها العَطَبُ[7] ![]() ![]() ![]() وقال الآخر: ![]() يَلقاك يَحلِف إنه بك واثقٌ ![]() وإذا تَوارَى عنك فهو العقربُ[8] ![]() واتخاذ بطانة من غير المسلمين خطرُه عظيم، وضرره جسيم على الأمة، على الأفراد والجماعات، وبخاصة ولاة الأمر وأرباب المسؤوليات في الأمة، ولهذا يجب الحذر كل الحذر من ذلك، فإنهم مهما أظهروا من النصح فلا يوثَق بهم، ولا ينبغي أن يطَّلعوا على أحوال المسلمين وأسرارهم. وقد ذكر أن أبا موسى الأشعري - رضي الله عنه - اتخذ كاتبًا نصرانيًّا في بيت المال، فكتب إليه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بعزله، وقال: كيف نأمنهم وقد خوَّفهم الله؟ فكتب إليه أبو موسى: إن بيت المال بحاجة إليه، وإنه ذو معرفة بالكتابة والحساب، ولا يوجد من يقوم مقامه، فأرسل إليه عمر- رضي الله عنه - بطاقة صغيرة كتب فيها: «مات النصراني والسلام»[9]؛ أي: قدِّر أن هذا النصراني مات، هل تتعطل أمور الأمة؟ أي: ابحث عن غيره، فلسنا بحاجة إلى مثله. كما ينبغي أن يُحذَرَ من البطانة السيئة، حتى ممن يُحسبون على الإسلام من أرباب الشبهات والشهوات الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 27]. وما أكثر هؤلاء من دعاة الديمقراطية والتطور والانفتاح، ونبذ الموروث القديم من أبواق أعداء الإسلام، ممن هم من أبناء جلدتنا، ويتكلمون بلُغتنا؛ كما في حديث حذيفة رضي الله عنه: «دُعاة على أبواب جهنم»[10]. وكم زال من مُلك، وتبدلت من دول، وزالت مِن نعم، وحلَّت مِن نِقم، بسبب التساهل في اختيار البطانة الصالحة؛ مما يوجب الحرص على اختيار البطانة الصالحة، والحذر من بطانة السوء؛ عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة، إلا كانت له بطانتان؛ بطانة تأمره بالخير وتحُضه عليه، وبطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله»[11]. ولهذا كان من أهم ما يُدْعَى به لولاة أمور المسلمين أن يرزُقهم الله البطانة الصالحة التي تدلهم على الخير، وتَحثهم عليه، وتحذِّرهم من الشر وتنهاهم عنه. ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ﴾ أي: قد أوضحنا وأظهرنا لكم عنايةً بكم الآياتِ الكونية والشرعية، ومن ذلك الدلائل على سوء اتخاذ بطانة من دونكم؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ [الحجر: 75]. ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾؛ أي: إن كنتم ذوي عقول تَعقلون بها، وتفهمون ما بيَّناه لكم من الآيات، وتهديكم إلى ما ينفعكم، وتَمنعكم عما يضركم.
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا... ﴾ قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [آل عمران: 118-120] 1- تصدير الخطاب بالنداء للتنبيه والعناية والاهتمام؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾. 2- نداء المؤمنين بوصف الإيمان؛ تشريفًا وتكريمًا لهم، وحضًّا على الاتصاف بهذا الوصف، وأن الانتهاء عما نهى الله عنه في الآية من مقتضيات الإيمان، وعدمه نقص في الإيمان. 3- نهي المؤمنين عن اتخاذ بطانة من غيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ ﴾، والنهي يقتضي التحريم؛ كما قال تعالى: في الكفار والمشركين: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا ﴾ [النساء: 144]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ [الممتحنة: 1]، وقال تعالى في أهل الكتاب: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [المائدة: 51]، وقال تعالى في المنافقين: ﴿ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ﴾ [المنافقون: 4]، فلا يجوز لولاة الأمور وأصحاب المسؤوليات في الأمة اتخاذُ بطانة من دون المؤمنين من المنافقين، أو من أهل الكتاب وغيرهم، كما لا يجوز ذلك لعامة المسلمين أفرادًا أو جماعات؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾ [هود: 113]. وقد رُوي أنه قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إن ههنا غلامًا نصرانيًّا من أهل الحيرة، حافظًا كاتبًا، فلو اتخذته كاتبًا؟ قال: قد اتخذت إذًا بطانة من دون المؤمنين»[1]. 4- أن العلة والسبب في النهي عن اتخاذ بطانة من غير المؤمنين أنهم لا يألون المؤمنين خبالًا، ويودون عنتهم والمشقة عليهم، وما تُظهره أفواههم من البغضاء، مع ما تخفيه صدورهم مما هو أكبر؛ لقوله تعالى: ﴿ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾. 5- أن المنافقين وأعداء الإسلام من اليهود والنصارى والمشركين وغيرهم، لا يألون جهدًا في خبال المؤمنين؛ أي: إفساد رأيهم وأمورهم، مما يوجب عدم الركون إلى آرائهم ومشورتهم. 6- مودة غير المؤمنين تَجلب العنت والمشقة للمؤمنين. 7- ظهور بُغض المنافقين وغيرهم من أعداء الإسلام للمؤمنين من أفواههم وفلتات ألسنتهم، مهما أرادوا كتمان ذلك. 8- أن ما يخفيه هؤلاء من البغضاء والعداوة في صدورهم، أكبر مما يظهرونه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾، ودلائل هذا واضحة من واقعهم، فإنهم يتحيَّنون الفرص، فإذا سنحت لهم فرصة، وقَوِيَ جانبهم، أظهروا ما هو أكبر. 9- عدم جواز اتخاذ بطانة ممن ليسوا محلًّا لذلك من المسلمين، ممن لا يعرف نصحهم - بل ربما يظهر غشهم وعدم نصحهم - وما أكثر هؤلاء ممن قد يكونون أشد خطرًا، وأعظم ضررًا من غير المسلمين، وهذا أمر مشاهد، فإنه ما أضر بالمسلمين اليوم أكثر من هؤلاء ممن هم من جلدتنا ويتكلمون بلغتنا، كما جاء في حديث حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتُنكر، قلت: وهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها، قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضَّ بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك»[2]. 10- امتنان الله - عز وجل - على المؤمنين ببيان الآيات الشرعية والكونية، ومن ذلك بيان الآثار السيئة المترتبة على اتخاذ بطانة من غير المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ﴾. 11- إقامة الحجة على الخلق؛ لقوله تعالى: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ﴾، وهذا البيان عام. 12- أن الذين يعقلون آيات ويتفكرون بها هم المؤمنون فقط، ولهذا خصَّهم بالخطاب، فقال: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾. 13- أنه لا يهتدي لبيان الآيات وينتفع بها إلا العقلاء الذين تهديهم عقولهم إلى الخير وتمنعهم من الشر؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾. 14- أن من لم يَهده عقله إلى التأمل والتفكر في آيات الله، والإيمان بها، فهو غير عاقل؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾، وإن كان عنده عقل الإدراك؛ كما قال تعالى: ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾ [الأعراف: 179]. 15- تأكيد النهي عن اتخاذ بطانة من غير المؤمنين، بذكر البراهين الدالة على علل ذلك النهي من الواقع؛ لقوله تعالى: ﴿ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ﴾ الآية. 16- التوبيخ الشديد للمؤمنين في اتخاذهم بطانةً من دونهم، والإشارة إلى أن هؤلاء في باطلهم أصلب منكم في حقكم؛ كما قال عمر رضي الله عنه: «اللهم إليك أشكو جلد الفاجر وعجزَ الثقة»[3]. 17- علم الله - عز وجل - بما تنطوي عليه القلوب من المحبة وضدها، وغير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ﴾. 18- كراهة غير المؤمنين للمؤمنين وعدم محبتهم لهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ﴾. 19- الثناء على المؤمنين من هذه الأمة بإيمانهم بجميع كتب الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ﴾. وفي هذا تعريضٌ بأن من عداهم لا يؤمنون بجميع الكتب؛ كاليهود لا يؤمنون بالإنجيل والقرآن، والنصارى لا يؤمنون بالقرآن، ومن لم يؤمن بجميع كتب الله فليس بمؤمن؛ قال تعالى: ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 85]. 20- نفاق هؤلاء ومخادعتهم للمؤمنين بقولهم: (آمنا)، وإذا خلوا أظهروا خلاف ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ﴾، والعبرة بالأفعال لا بالأقوال. 21- شدة غيظ هؤلاء وعداوتهم وحنقهم على المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ﴾، وهذا علامة على أشد ما يكون من الغيظ. 22- بلاغة القرآن الكريم في تصويره شدةَ غيظ أعداء المؤمنين بِعَضِّهم عليهم الأنامل من الغيظ، أي: بمن يتمنَّى أن يكون عدوُّه بين أسنانه وأضراسه، فيَطحنه ويَقضمه بها من شدة الغيظ والحنق. 23- ينبغي إظهار القوة والشدة أمام أعداء المسلمين وإهانتهم وإغاظتهم، وعدم الملاينة معهم؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾. 24- إثبات وتأكيد علم الله التام بما تخفيه الصدور، وتضمره القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾، وإذا كان عليمًا بما في الصدور والقلوب، فعلمه بما ظهر من باب أَولى. 25- الوعيد لمن أضمر الشر، والوعد لمن أضمر الخير؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾، فمقتضى علمه أن يحاسب ويجازي على ما في الصدور من خير أو شرٍّ. 26- أن أعداء المسلمين من المنافقين وغيرهم يسوؤهم أن يحصل للمسلمين أيُّ حسنة وخير، ويفرحهم أن يحصل لهم أيُّ سيئة ونقيصة؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ﴾، فهم يتربصون بالمسلمين الدوائر، وإن أظهروا خلاف ذلك. 27- أن من يسوؤه حصول الخير لك، ويفرحه حصول الشر لك، فهو عدو وليس بصديق، وإن ادَّعى ذلك وأظهره، وكما قيل: صديقي من يُقاسمني همومي ![]() ويرمي بالعداوة مَن رماني ![]() ويَصفو لي إذا ما غبتُ عنه ![]() وأرجوه لنائبة الزمان ![]() 29- أن في الصبر والتقوى ضمانة لدفع ضرر كيد أعداء الأمة؛ بل لدفع جميع الشرور؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾. 30- الحث على الصبر والتقوى؛ ففيهما النجاة من المرهوب وحصول المطلوب. 31- إحاطة الله - عز وجل - بعلمه وقدرته وسلطانه بأعمال هؤلاء الذين يكيدون للمسلمين والوعيد والتهديد لهم، وأنه - عز وجل - لهم بالمرصاد، ولن يفلتوا من عقابه لهم في الدنيا والآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾. 32- في ابتلاء المؤمنين بكيد أعدائهم لهم تمحيصٌ للمؤمنين، يظهر صبرُهم، وتَعظُمُ تقواهم لله تعالى، وتعلُّقهم به، وثقتهم بوعده ونصره، كما أن فيه استدراجًا لأعدائهم؛ ليتمادوا في طغيانهم، فيأخذَهم أخذَ عزيزٍ مقتدر. [1] أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (3/ 743). [2] أخرجه البخاري في الفتن (7084)، ومسلم في الإمارة (1847)، وابن ماجه في الفتن (3979). [3] أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (3/ 743).
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام: ﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ.... ﴾ قال تعالى: ﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ [آل عمران: 45 - 51]. 1- إثبات وجود الملائكة ووجوب الإيمان بهم، وتكليمهم لمريم؛ لقوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ ﴾. 2- بشارة الله تعالى بعيسى عليه السلام؛ لقول الملائكة: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾. 3- أن عيسى عليه السلام «كلمة» من الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ﴾، وهو «كلمة الله»، كما قال تعالى: ﴿ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ﴾ [النساء: 171]؛ لأن الله تعالى خلقه بقوله تعالى: ﴿ كُنْ ﴾ من غير أب، آية من آيات الله العظيمة، ودلائل قدرته التامة؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [آل عمران: 59]. 4- تسمية عيسى عليه السلام وتلقيبه بــ﴿ الْمَسِيحُ ﴾؛ لقوله تعالى: ﴿ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾. وفي هذا ثناء من الله تعالى عليه؛ لأنه لا يمسح ذا عاهة من عمى أو برص أو غير ذلك إلا برأ بإذن الله تعالى. 5- تكنية عيسى عليه السلام بــ﴿ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾، ونسبته إلى أمه؛ لأن الله خلقه من أم بلا أب؛ لقوله تعالى: ﴿ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾؛ ولهذا يُذ كر في القرآن منسوبًا إلى أمه كثيرًا، بينما لا يُنسب غيره من الأنبياء حتى ولا لآبائهم؛ لأن في ذِكر عيسى عليه السلام منسوبًا إلى أمه تذكيرًا بعظيم قدرة الله تعالى بخلقه من أم بلا أب، فاجتمع في قوله تعالى: ﴿ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ أنواع العَلَم الثلاثة: اللقب، وهو قوله: ﴿ الْمَسِيحُ ﴾، والاسم- وهو قوله: ﴿ عِيسَى ﴾، والكُنية- وهو قوله: ﴿ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾. 6- مكانة عيسى عليه السلام، ووجاهته عند الله، وشرفه في الدنيا والآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾. 7- إثبات البعث والدار الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْآخِرَةِ ﴾. 8- قُرب عيسى عليه السلام من الله تعالى في الدنيا والآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾. 9- تكليم عيسى عليه السلام الناس وهو صبي في المهد آية من آيات الله تعالى العظيمة، ومِنة منَّها الله تعالى على عيسى وأمه مريم عليهما السلام؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ ﴾. 10- أن تكليم عيسى عليه السلام وهو في المهد كتكليمه وهو كهل من حيث فصاحته وبيانه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَكَهْلًا ﴾، وفي هذا إعلامٌ بأنه يعيش حتى يصير كهلًا. 11- أن عيسى عليه السلام من جملة الصالحين، بل ممن بلغوا الغاية في الصلاح؛ فهو أحد أُولي العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾. 12- أن الصلاح يوصف به الأنبياء والرسل كما يوصف به غيرهم؛ لأن به وبكماله يبلغ العبد غاية الإيمان، إخلاصًا لله تعالى، ومتابعة لشرعه. 13- ربوبية الله تعالى الخاصة لمريم؛ لقولها: ﴿ رَبِّ ﴾. 14- تعجب مريم عليها السلام أن يكون لها ولد ولم يمسسها بشر؛ للتثبت وزيادة الاطمئنان، وليس من باب الاستبعاد أو الإنكار أو الشك؛ لأنها مصدقة بما بشرها الله به؛ لقوله تعالى: ﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾. 15- خطاب الله تعالى لمريم عليها السلام، وفيه تشريف وتكريم لها؛ لقوله تعالى: ﴿ قَالَ كَذَلِكِ ﴾. 16- قدرة الله تعالى التامة على خلق ما يشاء، سواء كان على وفق الأسباب المعتادة المعلومة، أو على خلاف ذلك، كما خلق تعالى عيسى عليه السلام من أم بلا أب، وجعله يكلم الناس في المهد؛ لقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾. 17- إثبات صفة الخلق لله تعالى وصفة المشيئة؛ لقوله تعالى: ﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾. 18- نفوذ قضاء الله تعالى وأمره الكوني وحدوثه بمجرد قوله تعالى: ﴿ كُنْ ﴾ دون تأخر؛ لقوله تعالى: ﴿ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾؛ لكمال قدرته وقوته. 19- مِنة الله تعالى على عيسى عليه السلام بتعليمه الكتب السابقة، والشـريعة وأسرار التشريع، والتوراة والإنجيل؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾. 20- إثبات إرسال عيسى لبني إسرائيل؛ لقوله تعالى: ﴿ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾، وفي هذا ردٌّ على اليهود الذين كذَّبوا رسالة عيسى عليه السلام. 21- عموم رسالة عيسى عليه السلام لجميع بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: ﴿ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾. 22- تأييد الله - عز وجل - عيسى بالآيات الكونية؛ حيث يخلق من الطين كمثل الطير، فينفخ فيه، فيكون طيرًا حيًّا يطير بإذن الله تعالى، ويُشفي الأعمى والأبرص، ويُحيي الموتى بإذن الله، ويُخبِر بني إسرائيل بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم؛ لقوله تعالى: ﴿ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾. وكما قال تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ [المائدة: 110]. 23- إثبات ربوبية الله تعالى العامة لبني إسرائيل وغيرهم من الخلق؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾. 24- استعطاف عيسى عليه السلام لقلوب بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: ﴿ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾، أي: من المنعم عليكم بنعمة الربوبية مما يوجب عليكم أن تُطيعوه، وتصدَّقوا رسله، ولا تعصوه. 25- في تأييد الله - عز وجل - لعيسى بهذه الآيات الكونية العظيمة التي ليست بمقدور أحد من الخلق إلا بإذن الله - عز وجل - دلالة عظيمة على كمال قدرة الله تعالى. 26- أن الله - عز وجل - قد يُبيح لحكمة فعل أمر كان في الأصل حرامًا لمن يشاء؛ لقوله تعالى: ﴿ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ﴾، فصنع تمثال على هيئة الطير حرام في الأصل، لكن لما كان بأمر الله تعالى كان مُباحًا، ومثل هذا أمر الله - عز وجل - الملائكة بالسجود لآدم؛ مع أن السجود في الأصل لا يجوز لغير الله، ومثل أمره تعالى إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام مع تحريم قتل النفس بغير حق. 27- جواز إطلاق وصف الخلق على المخلوق؛ لقول عيسى عليه السلام: ﴿ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ [المؤمنون: 14]، وفي الحديث أنه يُقال للمصورين: «أحيوا ما خلقتم»[1]. والخلق إذا أُضيف إلى المخلوق فمعناه: تحويل الشيء الموجود من حال إلى حال، كتحويل الخشب والحديد إلى باب... ونحو ذلك، أما الخلق بمعنى الإيجاد من العدم فذلك خاص بالله تعالى. 28- قدرة عيسى عليه السلام بإقدار الله تعالى، وإذنه له على أن يخلق من الطين كهيئة الطير، وينفخ فيه الروح فيكون طيرًا، وعلى إبراء الأعمى والأبرص وإحياء الموتى، وإخبار قومه بما يأكلون ويدَّخِرون في بيوتهم مما هو غيب لا يعلمه إلا الله أو من ارتضى من رسله. 29- إثبات الإذن الكوني والشرعي لله - عز وجل - لقوله تعالى: ﴿ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾. 30- أن عيسى عليه السلام عبد مربوب لله تعالى، لا يملك من الربوبية شيئًا كغيره من الرسل وسائر الخلق؛ لقوله تعالى: ﴿ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾، وقوله: ﴿ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ مرتين، وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي ﴾. وفي هذا ردٌّ على النصارى الذين يزعمون فيه المشاركة لله تعالى في الربوبية والألوهية؛ قال تعالى: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ [الزخرف: 59]، وقال تعالى عنه- عليه السلام- أنه قال لقومه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ [آل عمران: 51]. 31- في إطلاع الله - عز وجل - عيسى عليه السلام- على ما يأكله بنو إسرائيل وما يدَّخِرونه في بيوتهم ما يُوجِب عليهم الحذر أن يأكلوا ما لا يجوز أكله، أو يدَّخِروا ما لا يجوز ادخاره. 32- تأكيد أن ما جاء به عيسى آية عظيمة، وبخاصة للمؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾. 33- أن من شرط الإيمان التصديق بآيات الله تعالى الكونية والشرعية، وذلك أيضًا سبب للإيمان. 34- فضل الإيمان وأهله؛ لأنهم المنتفعون بالآيات دون غيرهم؛ لهذا خصَّهم بالذكر، فقال: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾. 35- تصديق عيسى عليه السلام لما سبقه من التوراة؛ فهو شاهد بصدقها، وأنها حق ومصداق ما أخبرت به من بعثته، وما جاء به موافق لما جاء فيها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ ﴾. 36- تحليل عيسى عليه السلام بما جاء به من الشرع بعض ما كان محرمًا على بني إسرائيل تخفيفًا عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾. 37- جواز النسخ في الشرائع السماوية، ونسخ بعضها لبعض، فأُحِل في شريعة عيسى بعض ما كان محرمًا في شريعة موسى، وهذا من قبيل النسخ، كما نسخ بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم جميع الشرائع السابقة 38- تأكيد عيسى عليه السلام قيام الحُجة على قومه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾. 39- إثبات ربوبية الله تعالى الخاصة بأوليائه؛ لقوله تعالى: ﴿ رَبِّي ﴾. 40- تأكيد عيسى استعطاف قلوب بني إسرائيل بربوبية الله تعالى لهم؛ لقوله: ﴿ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾؛ ليتقوا الله ويطيعوه. 41- وجوب تقوى الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾. 42- وجوب طاعة الرسل عليهم السلام، وأنها من تقوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾. 43- وجوب عبادة الله تعالى وحده؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاعْبُدُوهُ ﴾. 44- أن توحيد الربوبية، والإقرار به يستلزم توحيد الألوهية؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ﴾. 45- أن عبادة الله تعالى وحده دون سواه هي الصراط المستقيم المؤدي إلى السعادة في الدنيا والآخرة، وإلى الفوز بالجنة والنجاة من النار؛ لقوله تعالى: ﴿ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الملك: 22]. [1] أخرجه البخاري في البيوع (2105)، ومسلم في اللباس والزينة (2107)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا... ﴾ قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: 55 - 58]. قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾. قوله: ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ﴾ «إذ»: ظرف بمعنى «حين» متعلق بقوله: ﴿ وَمَكَرَ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: 54]، أو بمحذوف تقديره «اذكر»، أي: اذكر يا محمد منوِّهًا بفضل عيسى ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ﴾. ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ﴾: المراد بــ«الوفاة» هنا: الوفاة الصغرى بالنوم، لا الوفاة الكبرى بالموت، أي: إني متوفيك بالنوم، كما قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام: 60]، وقال تعالى: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الزمر: 42]؛ أي: ويتوفى الأنفس التي لم تَمُت في منامها، أي: يتوفاها حين تنام تشبيهًا للنائمين بالموتى. وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم إذا قام من النوم، قال: «الحمد الله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور»[1]. وهذا لا ينافي قول من قال معنى ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إليَّ ﴾؛ أي: قابضك من الأرض ورافعك إليَّ. وأما قول من قال: معنى ﴿ مُتَوَفِّيكَ ﴾؛ أي: متوفيك وفاة موت، أي: إني مُمِيتك، فهذا يضعفه ما ثبت في الأحاديث الصحيحة من نزول عيسى في آخر الزمان؛ كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتُل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد»[2]. وعنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده ليهلنَّ ابن مريم بفج الروحاء حاجًّا أو معتمرًا، أو ليثنينهما»[3]. وفي حديث آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس بيني وبينه نبي - يعني: عيسى- وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، رجل مربوع إلى الحُمرة والبياض، بين مُمصَّرتين، كأن رأسه يقطر وإن لم يُصِبهُ بلل، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق الصليب، ويقتُل الخنزير، ويضع الجزية، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى، فيصلي عليه المسلمون»[4]. ﴿ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾: الرفع يكون من أسفل إلى أعلى، أي: ورافعك إليَّ في السماء؛ كما قال تعالى: ﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴾ [الملك: 16، 17]. وقال صلى الله عليه وسلم للجارية: أين الله؟ فقالت: في السماء، فقال صلى الله عليه وسلم لسيدها: «أعتقها، فإنها مؤمنة»[5]. والحكمة - والله أعلم - من توفيه بالنوم قبل رفعه: تيسير وتخفيف الانتقال عليه من الأرض إلى السماء. ﴿ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾؛ أي: برفعي إياك إلى السماء، وتبرئتك بما رماك به الذين كفروا من الباطل - وهم اليهود - حيث رَمَوْه بالكذب فيما جاءهم به، وأنكروا رسالته، واتَّهموه بأنه ابن زنا، وأن أمه زانية، وغير ذلك أخزاهم الله؛ كما قال تعالى: ﴿ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴾ [مريم: 27، 28]. وفي هذا تعريضٌ بأنه ولد زنا، وأن أمه زانية - عياذًا بالله - كما قال تعالى: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 156]، فأنطقه الله - عز وجل - وهو في المهد بقوله: ﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴾ [مريم: 30 - 33]. وفي هذا أعظمُ التطهير له عليه السلام ولأمِّه رضي الله عنهما. ﴿ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ الواو: عاطفة، و﴿ جاعل ﴾ أي: وجاعل كونًا وشرعًا ﴿ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾. و«جاعل» هنا بمعنى «مُصيَّر» تنصب مفعولين: الأول قوله: ﴿ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ ﴾، و«فوق»: ظرف مكان متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني لــ «جاعل» تقديره: كائنين فوق الذين كفروا. ﴿ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ ﴾؛ أي: الذين اتبعوك فيما جئت به من الشرع، وهم الحواريون ومن اتَّبعه بعد ذلك حتى نُسخت شريعته بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ﴾ [الصف: 14]. ﴿ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أي: فوق الذين كفروا فوقية معنوية بجعل النصرة والرفعة لهم والظهور كونًا وشرعًا على الذين كفروا بك وجحدوا رسالتك وكذبوا شريعتك. ﴿ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾؛ أي: إلى يوم البعث والمعاد والحساب والجزاء على الأعمال. وأتباع عيسى عليه السلام حقًا بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم هم أتباع محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن عيسى عليه السلام بَشَّر بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأوجب تصديقه واتباعه، كما قال تعالى: ﴿ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ [الصف: 6]. وعلى هذا يدل قوله تعالى: ﴿ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾، وأن الدين الباقي إلى يوم القيامة هو دين الإسلام الذي بُعث به محمد صلى الله عليه وسلم، والذي نسَخ جميع الشرائع السابقة، وكما يدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: 55]. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «أنا أَولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة»، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: «الأنبياء إخوة من علات، وأمهاتهم شتى، ودينهم واحد، فليس بيننا نبي»[6]. قال ابن القيم[7]: «فلما كان للنصارى نصيبٌ ما من اتباعه، كانوا فوق اليهود إلى يوم القيامة، ولما كان المسلمون أتبع له من النصارى، كانوا فوق النصارى إلى يوم القيامة». ولهذا فإن عيسى عليه السلام حينما ينزل في آخر الزمان يحكم بالإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ويقاتل الناس عليه ولا يقبل منهم إلا الإسلام. وعلى هذا فليس لمن كذب محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأنكر رسالته من النصارى وغيرهم، متمسك في هذه الآية؛ لأنهم ليسوا من أتباع عيسى حقًّا، وليسوا من الذين وُعِدوا بالفوقية على الذين كفروا إلى يوم القيامة، بل هم من الذين كفروا لعبادتهم المسيح، وقولهم هو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، وإنكارهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وكفرهم بالقرآن الكريم. ﴿ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ﴾: الخطاب لعيسى عليه السلام والذين اتبعوه والذين كفروا به، ويجوز كونه خطابًا للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته أو للجميع، أي: ثم إليَّ مصيركم ومآلكم ومآبكم يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 281]. ومرجع الخلائق ومصيرهم ومردُّهم كلهم إلى الله تعالى في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾ [الشورى: 53]، وقال تعالى: ﴿ وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ﴾ [النجم: 42]. ﴿ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ﴾: المراد بالحكم هنا الحكم الجزائي؛ لأن حكم الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: كوني وشرعي وجزائي، أي: فأحكم بينكم بالمجازاة لكل منكم، وإنصافه من الآخر. ﴿ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ «ما»: موصولة، أي: في الذي كنتم فيه تختلفون، فيحكم عز وجل بين أهل الكفر وأهل الإيمان، وبين الرسل وأقوامهم، ويُقيم الرسل البينة على أقوامهم أنهم بلَّغوا رسالات ربهم، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴾ [النساء: 141]. قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾. هاتان الآيتان معطوفتان على ما سبق، وفيهما بيان وتفصيل لما أجمل في قوله: ﴿ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾. قوله: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ «الفاء»: عاطفة للتفريع، و«أما» في الموضعين: شرطية تفصيلية. ﴿ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ﴾ «الفاء»: تفريعية، و«العذاب» هو العقاب والنكال، وهو إيقاع المشقة والأذى بالمعَذَّب، فالمعنى: فأعاقبهم عقابًا شديدًا، أي: قويًا عظيمًا، كمًّا وكيفًا ونوعًا، وفي قوله: ﴿ فَأُعَذِّبُهُمْ ﴾ بضمير المتكلم تعظيم لنفسه - عز وجل - وترهيب وتخويف من عذابه. ﴿ فِي الدُّنْيَا ﴾: وهو ما يحصل لهم من القتل والجرح والأسر، وزوال الملك، وضرب الذلة والمسكنة عليهم، وأخذ الجزية، ونحو ذلك؛ قال تعالى: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴾ [التوبة: 14]، وكذلك ما يحصل لهم من المصائب والكوارث؛ قال تعالى: ﴿ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [الدخان: 10، 11]، وقال تعالى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم: 41]. وما يحصُل لهم من العذاب المعنوي في قلوبهم من القلق، وضيق الصدور، وقلق النفوس بسبب كفرهم وعدم إيمانهم؛ قال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الزمر: 22]، وقال تعالى: ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنعام: 125]. ﴿ وَالْآخِرَةِ ﴾: معطوف على ﴿ الدُّنْيَا ﴾؛ أي: وأعذبهم في الآخرة. وعذاب الآخرة أشد، وهو ما يلقونه فيها من الأهوال التي أعظمها الخلود في النار، وبئس القرار. ﴿ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾ «الواو»: عاطفة، و«ما»: نافية، و«مِنْ» في قوله: ﴿ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾ لتنصيص وتأكيد عموم النفي، أي: وما لهم أيُّ أحد من الناصرين، و﴿ نَاصِرِينَ ﴾: جمع «ناصر» وهو الذي يدفع الضُّر؛ أي: وما لهم من ناصرين يدفعون ويمنعون عنهم عذاب الله قبل وقوعه أو يرفعونه بعد وقوعه؛ كما قال تعالى: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ [التوبة: 74]، وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ [الشورى: 8]، والولي الذي يجلب النفع، والنصير الذي يدفع الضُّر. قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾. توعَّد عز وجل في الآية السابقة الكافرين بالعذاب الشديد في الدنيا والآخرة، وقدَّم ذِكر وعيدهم لأن السياق فيهم، ثم أتبع ذلك بذِكر ما أعدَّه للذين آمنوا من الأجور الوافية كما هي طريقة القرآن الكريم في ذِكر أهل الكفر وأهل الإيمان، وما أعدَّ لكل منهم جمعًا بين الترغيب والترهيب. قوله: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ معطوف على قوله: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾؛ أي: وأما الذين صدقوا بقلوبهم بكل ما يجب الإيمان والتصديق به. ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾؛ أي: وعملوا الأعمال الصالحات، فانقادوا بجوارحهم، فجمعوا بين الإيمان والعمل، وبين العلم النافع والعمل الصالح، وحذف الموصوف في قوله: ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾، وهو «الأعمال»؛ لأن شرط العمل أن يكون صالحًا، أي: خالصًا لله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾ [الزمر: 2]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ [البينة: 5]. وقال صلى الله عليه وسلم: «... فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوَّجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»[8]. وأن يكون موافقًا للشرع؛ قال صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رَدٌّ»[9]. وفي لفظ: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو رَدٌّ»[10]، ويجمع الشرطين مثل قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ [النساء: 125]؛ أي: أخلص العمل لله، ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ [النساء: 125] ؛ أي: متبع شرع الله، ولا تتحقق المتابعة إلا إذا وافق العمل الشريعة في أمورٍ ستة: السبب، والجنس، والقدر، والكيفية، والمكان، والزمان. فالموافقة في السبب مثلًا: أن يصلى للكسوف عند وجود سببه، فمن صلى صلاة الكسوف دون حصول الكسوف لم تصح منه. والموافقة في الجنس مثلًا: أن يضحي من بهيمة الأنعام (الإبل والبقر والغنم)، فمن ضحَّى بغيرها لم يُقبل منه. والموافقة في القدر مثلًا: أن يصلي صلاة الظهر أربع ركعات، فمن زاد فيها أو نقص فصلاته باطلة. والموافقة بالكيفية مثلًا: أن يقدم الركوع على السجود في الصلاة، فمن عكس لم تصح صلاته. والموافقة في المكان مثلًا: أن يقف الحاج بعرفة يوم التاسع، فمن وقف خارجها لم يصح حجه. والموافقة في الزمان مثلًا: أن يصلي الصلاة بعد دخول وقتها، فمن صلاها قبل وقتها لم تَصِحَّ منه[11]. ﴿ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ﴾ «الفاء»: رابطة لجواب الشرط. قرأ حفص عن عاصم، ورُوِيَ عن يعقوب: ﴿ فَيُوَفِّيهِمْ ﴾ بالياء، وقرأ الباقون بالنون، أي: بنون العظمة، «نوفيهم» وفيها تنبيه على عِظَم الموفَّى لهم من الأجور. والمعنى: فيعطيهم جزاء أعمالهم وافيًا من غير نُقصان؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ ﴾ [هود: 109]؛ أي: فيوفيهم أجورهم في الدنيا والآخرة بدليل مقابله في ضده؛ لقوله: ﴿ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾؛ أي: فيوفيهم أجورهم في الدنيا بالنصر والظفر والحياة الطيبة وحُسن الذِّكر، وفي الآخرة بجنات النعيم والعيش الكريم. وفي قوله في ذِكر العذاب: ﴿ فَأُعَذِّبُهُمْ ﴾ بينما قال هنا: ﴿ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ﴾: التفات من التكلم إلى الغيبة للتنبيه، وهذه فائدة لفظية كما أن فيه فائدة معنوية، وهي إظهار السلطة والعظمة والعزة في باب ذِكر العذاب، وإظهار الفضل والإحسان للعاملين في باب ذِكر الثواب. وسمَّى الله - عز وجل - جزاءً، وثواب عملهم أجرًا؛ لأنه - عز وجل - تكفَّل به وأوجبه على نفسه، كما أوجب أجرة الأجير على المستأجر، مع أن الله - عز وجل - لا يجب عليه شيء لخلقه، وإنما أوجب ذلك على نفسه تفضلًا منه وكرمًا؛ كما قال عز وجل: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ [الأنعام: 54]. ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾: الجملة تعليلية، فيها تعليل لما توعد به الذين كفروا من العذاب الشديد في الدنيا والآخرة، فتوعدهم عز وجل بهذا العذاب الشديد بسبب ظلمهم، وهو سبحانه لا يحب الظالمين بل يبغضهم؛ قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [الزخرف: 55]. وفيها أيضًا تعليل لحكم الله تعالى بين الخلائق، ومجازاة الذين كفروا بالعذاب، ومجازاة الذين آمنوا بتوفيتهم أجورهم، فحكَم بينهم بهذا الجزاء بالعدل؛ لأنه سبحانه لا يحب الظلم وأهله؛ أي: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والشرك بالله وعبادة غيره، وظلموا عيسى عليه السلام وأمه باتهامه أنه ولد زنا وأن أمه زانية. قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ﴾. قوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾: إشارة إلى ما سبق من ذِكر عيسى عليه السلام في قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾ [آل عمران: 45]، أو إليه وإلى ما سبق من ذِكر آل عمران، أي: من قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 33]، أو إلى كل ما أنزله الله تعالى في القرآن الكريم، فكل هذا مما تلاه الله تعالى وأوحاه إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام. وفي الإشارة إليه بقوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾ تعظيم له؛ كما قال تعالى: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 108]. ﴿ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ﴾؛ أي: نقرؤه عليك متتاليًا يتلو بعضه بعضًا، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: نقرؤه عليك بواسطة جبريل عليه السلام؛ كما قال تعالى: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ [الشعراء: 193 - 195]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ [القيامة: 17 - 19]. ﴿ مِنَ الْآيَاتِ ﴾ «مِنْ»: بيانية، أي: من الآيات الكونية الدالة على صدقك في دعوى الرسالة، كما قال تعالى: ﴿ نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [القصص: 3]. ﴿ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ﴾: معطوف على الآيات، أي: «ذلك نتلوه عليك من الآيات الكونية، ومن الذكر الحكيم، وهو القرآن الكريم، أي: الآيات الشرعية. والقرآن الكريم ذِكرٌ بالمعاني الثلاثة للذكر وهي: أولًا: «الذكر» الذي يتقرب به إلى الله تعالى بتلاوته، وتدبر ألفاظه ومعانيه وأحكامه، كما قال تعالى: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103]. ثانيًا: «الذكر» بمعنى التذكُّر والاتعاظ؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق: 37]، وقال تعالى: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الذاريات: 55]، وقال تعالى: ﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾ [الأعلى: 9]. ثالثًا: «الذكر» بمعنى الشرف والرفعة، للرسول صلى الله عليه وسلم ولقومه ولكل من تمسك به؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ [الزخرف: 44]؛ أي: إنه لشرف عظيم لك ولقومك، وقال تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ [الشرح: 4]؛ أي: أعلينا قدرك وشأنك ومنزلتك. والقرآن الكريم ذكر يُتذكر به ويُتقرب إلى الله تعالى بتلاوته وتدبره، وتذكرة وعظة يتذكر ويتعظ بها المؤمنون، وشرف ورفعة للرسول صلى الله عليه وسلم ولقومه وأمته، وبه نالت الأمة العزة والرفعة والشرف والظهور حين كانت متمسكة به محكِّمة له. وما ضعفت الأمة وذلت وهان أمرها إلا بعد أن تخلَّت عن كتاب ربها، ولن يصلح حال آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها وهو التمسك بكتاب الله تعالى وتحكيمه. ﴿ الْحَكِيمِ ﴾: صفة لــ«الذكر»، أي: الذكر ذو الحكم والحكمة، وهو «فعيل» بمعنى (فاعل)، أي: «حاكم»، وهو «فعيل» بمعنى (مفعل)، أي: «مُحْكم». ومعنى «حاكم» أي: حاكم يحكم بين الناس؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ﴾ [النساء: 105]. [1] أخرجه البخاري في الدعوات (6312)، وأبو داود في الأدب (5049)، والترمذي في الدعوات (3417)، وابن ماجه في الدعاء (3880)، من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه. [2] أخرجه البخاري في البيوع (2222)، ومسلم في الإيمان (155)، والترمذي في الفتن (2233)، وابن ماجه (4078). [3] أخرجه مسلم في الحج (1252). [4] أخرجه أبو داود في الملاحم (4324). [5] أخرجه مسلم في المساجد (537)، وأبو داود في الصلاة (930)، والنسائي في السهو (1218)، من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه. [6] أخرجه مسلم في الفضائل، باب: [عيسى بن مريم] (2365)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [7] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 500). [8] أخرجه البخاري في الإيمان (54)، ومسلم في الإمارة (1907)، وأبو داود في الطلاق (2201)، والنسائي في الطهارة (75)، والترمذي في فضائل الجهاد (1647)، وابن ماجه في الزهد (4227)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. [9] أخرجه البخاري في الصلح (2697)، وأبو داود في السنة (4606)، وابن ماجه في المقدمة (14)، من حديث عائشة رضي الله عنها. [10] أخرجه مسلم في الأقضية (1718)، من حديث عائشة رضي الله عنها. [11] انظر كلام الشيخ محمد بن صالح العثيمين في تفسيره على قول الله تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [المائدة: 9]، (1/ 153-154).
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى:﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا... ﴾ قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: 55 - 58]. 1- التذكير بعيسى عليه السلام، وما مَنَّ الله تعالى به عليه من تَوَفيه، ورفعه إليه، وتطهيره من الذين كفروا، ونصر أتباعه وإظهارهم على الذين كفروا، تذكيرًا بنعم الله تعالى على رسله وأوليائه، وانتقامه من أعدائه؛ لقوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ ﴾ الآية. 2- إثبات القول لله سبحانه، وأنه - عز وجل - يتكلم بحروف وأصوات مسموعة، ويخاطب رسله ومن شاء من خلقه؛ لقوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ﴾ الآية. 3- إثبات رسالة عيسى عليه السلام وتشريفه وتكريمه بخطاب الله - عز وجل - له، وتقريبه إليه؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إليَّ ﴾ الآية. 4- إثبات رفع عيسى عليه السلام إلى السماء بجسمه حيًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَرَافِعُكَ إليَّ ﴾. 5- إثبات علو الله تعالى على خلقه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَرَافِعُكَ إليَّ ﴾. 6- عناية الله - عز وجل - بعيسى عليه السلام عند رفعه إليه حيث توفاه، أي: أنامه قبل ذلك تخفيفًا عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾. 7- منقبة عظيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على قوة وثبات قلبه؛ حيث أُسرِيَ به إلى السماوات السبع وهو يقظان، بينما رُفِعَ عيسى عليه السلام وهو نائم؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾. 8- إبطال دعوى اليهود أنهم قتلوا عيسى وصلبوه؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾؛ كما قال تعالى ﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴾ [النساء: 157 - 159]. والضمير في قوله: ﴿ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ عائد إلى عيسى عليه السلام، أي: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام. 9- تطهير الله - عز وجل - لعيسى وتبرئته مما رماه به الذين كفروا من الكذب والباطل واتهامه بأنه ولد زنا، وأن أمه زانية؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾. 10- أن من رمى عيسى عليه السلام بهذا السوء فهو كافر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾. وفي هذا دلالة على كفر هؤلاء، وأن كل من رماه بما رموه به فهو كافر، كما قال تعالى: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 156]. 11- وعد الله تعالى لعيسى عليه السلام بنصرة أتباعه، وإظهارهم على الكفار إلى يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾، وأتباعه حقًّا هم أتباع محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه عليه السلام بَشَّر بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأخبر بوجوب اتباعه وتصديقه. 12- وعد الله تعالى بالنصرة والرفعة والظهور للمؤمنين في الدنيا والآخرة. 13- إثبات يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾. 14- أن مرجع جميع الخلائق إلى الله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ﴾. 15- إثبات حكم الله - عز وجل - الجزائي بين الخلائق يوم القيامة؛ بين الرسل وأممهم، وبين الأمم، ومجازاتهم على أعمالهم؛ لقوله تعالى: ﴿ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ فهو - عز وجل - الحَكَم، وإليه الحكم؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو الحكم وإليه الحكم»[1]. 16- وقوع الاختلاف يوم القيامة والخصومة بين المؤمنين والكافرين، وبين الرسل وأممهم لقوله تعالى: ﴿ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ [الزمر: 30، 31]. 17- الوعيد للذين كفروا بالعذاب الشديد في الدنيا والآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾، عذاب شديد في الدنيا حسي بالقتل والجراح، وأخذ الجزية وأنواع العقوبات والمصائب والكوارث، وعذاب معنوي بالقلق والاضطراب النفسي بسبب الكفر وعدم الإيمان، وهذا عام لجميع الكفار، فمن سلم من الأول لم يسلم من الثاني، وعذاب شديد في الآخرة حسي بالنار، وعذاب معنوي بالتوبيخ وتحطيم المعنويات، ونحو ذلك. 18- حقارة الدنيا؛ لأن الله سماها دنيا لحقارتها. 19- أن عذاب الكفار في الدنيا لا يُخفف أو يُسقِط عنهم عذاب الآخرة، بل يجمع لهم بين العذاب الشديد في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة. 20- إثبات الدار الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ والآخرةِ ﴾. 21- أن الكفار لا ناصرَ لهم يدفَع أو يمنَع عنهم عذاب الله تعالى قبل نزوله، أو يرفعه بعد نزوله؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾. 22- وعد الله تعالى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بإعطائهم أجور أعمالهم وافية؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ﴾. 23- جمع القرآن الكريم بين الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، فذكر عذاب الكافرين، وأتبعه بذِكر ثواب المؤمنين. 24- أن الوعيد قد يقدم على الوعد، كأن يكون الكلام والسياق مع الكفار ونحو ذلك؛ لأن الله - عز وجل - قدَّم في هذه الآيات وعيد الكافرين على وعد المؤمنين، وهذا لا ينافي أن رحمة الله - عز وجل - تسبق غضبه. 25- لابد في الإيمان من الجمع بين تصديق الباطن وعمل الجوارح في الظاهر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾. 26- أن الله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما كان صالحًا، خالصًا لوجهه، موافقًا لشرعه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾؛ ولهذا حذف الموصوف - وهو الأعمال - وبقيت الصفة؛ لأن المهم في العمل وشرطه أن يكون صالحًا. 27- تكفَّل الله - عز وجل - وضمانه لثواب الصالحين، لهذا سماه «أجرًا»؛ لأنه سبحانه وتعالى أوجبه على نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿ أُجُورَهُمْ ﴾. 28- التحذير من الكفر، والترغيب في الإيمان؛ لأن الله - عز وجل - توعد الكافرين بالعذاب الشديد في الدنيا والآخرة، ووعد المؤمنين بتوفِّيهم أجورهم. 29- نفي محبة الله تعالى للظالمين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾؛ فهو - عز وجل - لا يحب الظالمين بل يبغضهم، ومفهوم هذا أنه –تعالى- يحب أهل الإيمان والحق. 30- التحذير من الظلم ومن الظالمين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾؛ لأن الله تعالى لا يحب الظلم وأهله، بل يبغضهم ويعذبهم، كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [الزخرف: 55]. 31- أن الله - عز وجل - حكم عدل، لا يظلم أحدًا من خلقه. 32- تلاوة ما وقع من أخبار وأحوال آل عمران وعيسى عليه السلام وغير ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، وقراءتها عليه بواسطة جبريل، وهكذا جميع القرآن الكريم تكلم الله -عز وجل- وتلاه جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ﴾. 33- أن في القرآن الكريم أعظم الآيات والدلائل الشرعية والكونية الدالة على عظمة الله - عز وجل - واستحقاقه العبادة دون سواه؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ﴾. 34- أن القرآن الكريم «ذِكرٌ» يُتقرب إلى الله تعالى بتلاوته، وتدبر ألفاظه ومعانيه وأحكامه. و«ذِكرٌ» يُتذكَّر به، ويتعظ به المؤمنون، وهو ذِكر وشرف للرسول صلى الله عليه وسلم ولقومه ولكل من تمكسك به؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالذِّكْرِ ﴾. 35- أن القرآن الكريم «حَكَم» و«حاكِم» يحكم بين الناس، و«مُحْكم» متقن ليس فيه تناقض ولا اختلاف؛ لقوله تعالى: ﴿ الْحَكِيمِ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82]. 36- تعظيم آيات القرآن الكريم بالإشارة إليه بـ ﴿ ذَلِكَ ﴾، وتسميته بـ «الذِّكر» ووصفه بـ ﴿ الْحَكِيمِ ﴾. 37- إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، ونزول الآيات عليه، وتشريفه بذلك وبخطاب الله - عز وجل - له؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [البقرة: 252]. [1] أخرجه النسائي في آداب القضاة (5387)، من حديث شريح بن هانئ عن أبيه هانئ رضي الله عنه.
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى:﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون... ﴾ تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ﴾ [آل عمران: 59، 63]. قوله تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾. بيَّن الله - عز وجل - في الآيات السابقة خلقه لعيسى عليه السلام من أم بلا أبٍ، ثم شرع في هذه الآيات في إبطال عقيدة النصارى في تأليه عيسى - عليه السلام - وزعْمهم أنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة. قوله: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ ﴾ «إنَّ»: للتوكيد، و«مثل» بمعنى شبه، أي: إن شبه عيسى في خلق الله تعالى له من أم بلا أب. ﴿ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: في تقدير الله تعالى وحكمه وفي الواقع ونفس الأمر. ﴿ كَمَثَلِ آدَمَ ﴾: الكاف: للتشبيه، أي: كشبه آدم. ﴿ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ﴾: بيان وتفسير لقوله: ﴿ كَمَثَلِ آدَمَ ﴾؛ أي: كمثل آدم في خلق الله تعالى له ﴿ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ﴾ بلا أمٍّ ولا أبٍ، ووجهُ الشبه بين آدم وعيسى أن كلًّا منهما في خلقه خرقٌ للعادة، فآدمُ خُلِقَ من غير أبوين، وعيسى خُلِقَ من غير أب. والضمير في ﴿ خَلَقَهُ ﴾ يعود إلى آدم. ﴿ مِنْ تُرَابٍ ﴾؛ أي: ابتدأ خلقَه من تراب، وصوَّر جسده من تراب. ﴿ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ ﴾: أي: كُن بشرًا حيًّا سويًّا كامل الخلق روحًا وجسدًا. ﴿ فَيَكُونُ﴾؛ أي: فيكون بشرًا بمجرد قوله - عز وجل -: «كن» من غير تخلف ولا تأخُّر؛ كما قال تعالى: ﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [آل عمران: 47]. قوله تعالى: ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾؛ قال ابن القيم[1]: «فأخبر تعالى أن عيسى نظير آدم في التكوين بجامع ما يشتركان فيه من المعنى الذي تعلق به وجود سائر المخلوقات، وهو مجيئها طوعًا لمشيئته وتكوينه، فكيف يستنكر وجودَ عيسى من غير أب من يُقر بوجود آدم من غير أب ولا أمٍّ، ووجود حواء من غير أُم، فآدم وعيسى نظيران يجمعهما المعنى الذي يصح تعليق الإيجاد والخلق به». وقوله: ﴿ فَيَكُونُ﴾ دون أن يقول: «فكان» لاستحضار صورة تَكَوُّنِهِ؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ ﴾ [فاطر: 9]». ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ﴾ «الحق»: خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: ذلك أو هذا الحق من ربك. ﴿ مِنْ رَبِّكَ ﴾: في محل نصب على الحال، أي: حال كونه من ربك. و﴿ الحق ﴾: الشيء الثابت خبرًا كان أو حكمًا، فإن وصف به «الخبر» كان معناه: «الصدق» وإن وصف به «الحكم» كان معناه: «العدل»؛ كما قال تعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [الأنعام: 115]؛ أي: صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأحكام، وقال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [يونس: 33]، أي: ثبتت كلمةُ ربِّك. ﴿ مِنْ رَبِّكَ ﴾: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: هذا الذى قص عليك في أمر عيسى وخلقه، هو الحق من ربك الذي لا حق غيره، ولا صحيح سواه. ﴿ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾ الفاء: رابطة لجواب شرط مقدر، و«لا»: ناهية، و«تكن»: مجزوم بها وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهو الواو؛ لأن أصله «تكون». و﴿ الممترين ﴾: جمع «ممتري» والامتراء: الشك والريب، أي: فلا تكن من الشاكين المرتابين فيما جاءك من الحق من ربك، وهو نهي له صلى الله عليه وسلم ونهي لأمته من باب أَولى وأَحرى، كما أن فيه تعريضًا بأهل الامتراء والشك من النصارى وغيرهم. قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴾. ذكر الله - عز وجل - في الآيات السابقة شأن عيسى عليه السلام وأَمْر خَلْقه، وأن مثله في خلقه عند الله كمثل آدم، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يباهل من حاجه في أمر عيسى عليه السلام وخَلْقه، بعد بيان الحق له من النصارى وغيرهم. قوله: ﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ ﴾ «الفاء»: عاطفة، و«من»: شرطية، و﴿ حَاجَّكَ ﴾: فعل الشرط، أي: فمن جادلك وخاصمك، وسمَّى ذلك محاجة؛ لأن كل واحد من المتجادلين يدلي بحجته ليغلب الآخر ويخصمه، ومنه الحديث: «حاج موسى آدم»[2]. ﴿ فيه ﴾ الضمير يعود على عيسى عليه السلام، أي: فمن حاجك في شأن عيسى وخلقه، وفيما جاءك فيه من الحق من ربك بالحجج الباطلة، وأنكر أن يكون الله خلقه من أم بلا أبٍ، وادَّعى أنه ابن الله تعالى كما قالت النصارى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [التوبة: 30]، قالوا: لأنه خلق من غير أب وتكلم في المهد، وقالوا: أنه الله؛ لأنه يحيي الموتى ويُبرئ المرضى، ويخلق من الطين كهيئة الطير ويخبر بالمغيبات. كما قالوا: إنه ثالث ثلاثة؛ لأن الله تعالى يقول: خلقنا وقضينا وقدَّرنا وأنجينا، قالوا: لو كان واحدًا لقال: خلقت وقدرت وأنجيت... إلخ. ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ﴾: «مِنْ» في قوله: ﴿ مِنْ بَعْدِ ﴾ تدل على المهلة بين مجيء العلم والأمر بالمباهلة؛ لإقامة الحُجة أولًا بالعلم والبيان والإعذار منهم. و«ما»: موصولة، أي: من بعد الذي جاءك من العلم من الله تعالى بالوحي ببيان شأن عيسى - عليه السلام - وبيان ذلك لهم فكابروا وعانَدوا. ﴿ فقُلْ ﴾: جواب شرط «مَنْ»، والفاء: رابطة لجواب الشرط لأنه جملة طلبية. ﴿ تَعَالَوْا﴾ أي: هلُموا وأقبِلوا وائتوا، وجاء بضمير الجمع باعتبار معنى «مَنْ» في قوله: ﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ ﴾؛ لأن معناها الجمع. ﴿ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ ﴾؛ أي: نُحْضِر نحن أبناءنا وتُحْضِرون أنتم أبناءكم، ونحضر نساءنا وتحضرون أنتم نساءكم، أي: يحضر كل منا الأبناء والزوجات لشهود الملاعنة. ﴿ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ﴾؛ أي: ونَحضر نحن وأنتم. وهؤلاء هم أعز ما يكون عند الإنسان في الدنيا، نفسه، وأبناؤه، وزوجاته. ﴿ ثُمَّ نَبْتَهِلْ ﴾ «ثم»: للتراخي الرتبي، و«الابتهال» افتعال من البهل، وهو: الدعاء باللعن، أي: ثم نلتعن، ويُطلق الابتهال على الاجتهاد في الدعاء، ولهذا سُمِّيَ اللعن ابتهالًا لأنه اجتهاد في الدعاء. ﴿ فَنَجْعَلْ ﴾ «الفاء»: عاطفة، أي: فَنُصَيِّر ﴿ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴾، ﴿ لَعْنَتَ ﴾: مفعول به أول لـ«نجعل»، ولفظ الجلالة ﴿ الله ﴾ مضاف إليه. ﴿ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴾ جار وجرور متعلق بمحذوف مفعول به ثان لـ«لنجعل» أي: فتجعل لعنة واقعة على الكاذبين، أي: فندعوا بإيقاع لعنة الله على الكاذبين. و﴿ لَعْنَتَ اللَّهِ ﴾؛ أي: طرده وإبعاده عن رحمته وجنته. ﴿ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴾؛ أي: على الكاذبين منا أو منكم. وفي دعوتهم إلى المباهلة إلجاء لهم أن يعترفوا بالحق أو يكفُّوا، ودعوة إنصاف لا يدعو لها إلا من كان واثقًا أنه على الحق. قال ابن كثير[3]: «وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران - أن النصارى حين قدموا فجعلوا يحاجون في عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من النبوة والإلهية، فأنزل الله صدر هذه السورة ردًّا عليهم». وقد أشفق هؤلاء الوفد من النصارى من الملاعنة، فلم يقدموا عليها وخافوا الهلكة والاستئصال إن هم لاعَنوا، فعدَلوا إلى المصالحة ودفع الجزية، وطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يُرسل معهم رجلًا أمينًا يحكم بينهم في أشياء اختلفوا فيها في أموالهم، فأرسل معهم أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه. فعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله إن كان نبيًّا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينًا، فقال: «لأبعثَنَّ معكم رجلًا أمينًا حقَّ أمينٍ»، فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجراح»، فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا أمين هذه الأمة»[4]. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال أبو جهل: إن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه، قال: فقال: لو فعل لأخذته الملائكة عيانًا، ولو أن اليهود تمنوا الموت، لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين باهلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لرجعوا لا يجدون مالًا ولا أهلًا»[5]. قوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾. قوله: ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ﴾: الإشارة لما ذُكِرَ في شأن عيسى عليه السلام، فهو تأكيد لما قصه الله تعالى في شأن عيسى عليه السلام، ولهذا أُكدت هذه الجملة بثلاثة مؤكدات: «إنَّ» واللام، وضمير الفصل «هو» في قوله: ﴿ لَهُوَ ﴾. كما أن في ضمير الفصل «هو» حصرًا للحق في هذا القصص دون سواه. و﴿ القصص ﴾: مصدر قصَّ يقص قصًّا وقصصًا، ويُحتمل أن يكون هذا مصدرًا بمعنى «الفعل»، وأن يكون مصدرًا بمعنى «اسم المفعول»؛ أي: إن هذا لهو المقصوص الحق، والقصص تتبُّع الوقائع والإخبار عنها شيئًا بعد شيء على ترتيبها، ومنه: «قص الأثر»، وهو اتِّباعه. و﴿ الحق ﴾: صفة للقصص، أي: القصص الثابت الصحيح الصدق؛ كما قال تعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [الأنعام: 115]؛ أي: صدقًا في الأخبار والقصص، وعدلًا في الأحكام؛ أي: إن هذا الذي ذكره الله في شأن عيسى عليه السلام هو القصص الحق، لا ما تقصه كتب النصارى وعقائدهم. ﴿ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ ﴾: لما أكد عز وجل أن ما قصه بشأن عيسى حق نفى أن يكون إله غير الله ردًّا على النصارى في تأليههم لعيسى- عليه السلام. قوله: ﴿ وَمَا مِنْ ﴾ الواو: عاطفة، و﴿ وَمَا ﴾: نافية، و﴿ من ﴾ زائدة من حيث الإعراب ومؤكدة للنفي من حيث المعنى، للتنصيص والاستغراق في النفي. ﴿ إله ﴾؛ أي: معبود بحق. ﴿ إِلَّا اللَّهُ﴾ «إلا»: أداة حصر، أي: وما من معبود بحق إلا الله تعالى وحده، لا إله غيره، ولا رب سواه، فهو - عز وجل - وحده المألوه المعبود بحق محبةً وتعظيمًا. ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: الجملة كسابقتها مؤكَّدة بـ«إنَّ» واللام وضمير الفصل «هو». و﴿ الْعَزِيزُ﴾: اسم من أسماء الله تعالى يدل على أنه - عز وجل - ذو العزة التامة بأقسامها الثلاثة: عزة القوة، وعزة القهر والغلبة، وعزة الامتناع. ﴿ الْحَكِيمُ﴾: اسم من أسماء الله - عز وجل - يدل على أنه الحاكم ذو الحكم التام بأقسامه الثلاثة: الحكم الكوني، والحكم الشرعي، والحكم الجزائي، ويدل على أنه سبحانه «المحكم» المتقن لكل ما قدَّر وشرع ذو الحكمة البالغة بقسميها: الحكمة الغائية، والحكمة الصورية. قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ﴾. قوله: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾: التولي: الإعراض بالقلوب والأبدان، أي: فإن تولوا وأعرضوا ونكصوا عن المباهلة وعن اتباع الحق. ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾؛ أي: فإن الله ذو علم واسع بالمفسدين، أي: فإنما هم مفسدون؛ لأنهم إنما قصدوا المعاندة والمكابرة، ولم يتطلبوا الحق، والله عليم بالمفسدين، وأظهر في موضع الإضمار فلم يقل: «عليم بهم»؛ لوصفهم بالمفسدين وتسجيل ذلك عليهم، وليعم هذا الوصف بالإفساد كل مَن تولَّى عن اتباع الحق، ولإظهار عموم علمه - عز وجل - بجميع المفسدين من هؤلاء وغيرهم، وفى ذلك تحذيرٌ ووعيدٌ وتهديدٌ لمن تولَّى عن الحق. [1] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 500). [2] أخرجه البخاري في التفسير (4738)، ومسلم في القدر- حجاج آدم وموسى عليهما السلام (2652)، وأبو داود في السنة (4701)، والترمذي في القدر (2134)، وابن ماجه في المقدمة (80)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [3] في «تفسيره» (2/ 40). [4] أخرجه البخاري في المغازي (4380)، وأخرجه مختصرًا مسلم في فضائل الصحابة (2420)، والترمذي في المناقب (3796)، وابن ماجه في المقدمة (135). [5] أخرجه أحمد (1/ 248).
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
|
فخسِروا الآخرة وما فيها من ألوان النعيم الحسي والمعنوي، وحرموا تكليم الله لهم بما يسرُّهم، ونظره إليهم بعين العطف والرحمة يوم القيامة وتزكيتهم مع ما أعد لهم من العذاب الأليم؛ قال تعالى: ﴿ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الزمر: 15]. قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾. قوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ ﴾ معطوف على قوله: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ ﴾؛ أي: وإنَّ من أهل الكتاب (لفريقًا) مُحرِّفون لكتاب الله. ﴿ يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ ﴾: قرأ أبو جعفر: «يُلوُّون» بالتشديد مع ضم الياء؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ [المنافقون: 5]، وقرأ الباقون بالتخفيف مع فتح الياء ﴿ يَلْوُونَ ﴾. و«اللي»: الفتل، ومنه يُقال: لويت يد فلان، أي: فتلتها، ولويت الغريم، إذا مطلته. وفي الحديث: «مَطلُ الغني ظلمٌ»[9]. والمعنى: يُحرِّفون بألسنتهم الكتاب تحريفًا لفظيًا وتحريفًا معنويًا، كما قال تعالى: ﴿ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ [النساء: 46]، وقال تعالى: ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ﴾ [المائدة: 41]، وقال تعالى: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 75]. تحريفًا لفظيًّا بزيادة أو نقصان في حروفه وكلماته، والإتيان بكلام من عندهم ونسبته إلى كتاب الله تعالى، كما فعل ابن صوريا حيث زعم أن حكم الزاني في التوراة أن يحمم وجهه، ونفى أن يكون فيها الرجم[10] إلى غير ذلك من أنواع التبديل والتغيير. أو بتحريف الكلم بلفظه بالتحريف في الحركات كما حرف المبتدعة قوله تعالى: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾ [النساء: 164]، بنصب لفظ الجلالة ليكون التكليم من موسى- عليه السلام- ومن التحريف اللفظي قولهم: «السام عليكم»[11] بدل «السلام» يعنون: الموت لكم. وتحريفًا معنويًّا بتأويل الكتاب على غير تأويله كما في تأويلهم في كلامهم «راعنا» بجعلها من الرعونة؛ ليسبوا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا نهى الله تعالى المؤمنين عن قولها، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 104]، ومن ذلك تحريف أهل البدع ﴿ استوى ﴾ بمعنى «استولى» ونحو ذلك. ﴿ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ ﴾: اللام للتعليل، والخطاب في ﴿ لِتَحْسَبُوهُ ﴾ للمسلمين، والضمير (الهاء) يعود إلى ما حصل به اللي من الكتاب. أي: يلوون ألسنتهم بالكتاب بقصد منهم، لتظنوه أيها المسلمون من الكتاب الذي أنزله الله، أي: من «التوراة» أو «الإنجيل»؛ بقصد التلبيس على المسلمين، وتشكيكهم في القرآن الكريم. وقيل: يحتمل كون اللام للعاقبة، أي: لتكون العاقبة والنهاية أن تظنوه من الكتاب، والأول أولى. ﴿ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ الواو: حالية، و«ما»: نافية، أي: والحال أنه ليس من الكتاب، أي: ليس هذا الذي لووا به ألسنتهم من الكتاب، لا من التوراة ولا من الإنجيل، بل هو من ليِّهم وتحريفهم ألفاظ الكتاب ومعانيه بألسنتهم. ﴿ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾؛ أي: ويقول هؤلاء الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب، ﴿ هو ﴾ أي: ما لووا به ألسنتهم، ﴿ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أي: مُنزَّل من عند الله، فلا يكتفون بِليّ ألسنتهم به؛ ليظن أنه من الكتاب، بل يقولون صراحةً هو من عند الله، وفى هذا تشنيع عليهم. ﴿ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أي: والحال أنه ليس من عند الله، أي: ليس هو نازلًا من عند الله تعالى. وأظهر في مقام الإضمار في الموضعين، فلم يقل في الموضع الأول: «وما هو منه» ولم يقل هنا: «وما هو من عنده»؛ لتأكيد نفي أن يكون ما لووا به ألسنتهم من الكتاب هو من عند الله، والتشنيع عليهم، ولتهويل ما أقدموا عليه، والعناية والاهتمام كما قيل: لا أرى الموت يسبق الموت شيء ![]() قهر الموت ذا الغنى والفقيرا[12] ![]() ![]() ![]() وقال الآخر: وَلما رَأَيْت الشيب لَاحَ بياضه ![]() بمفرق رَأْسِي قلت للشيب مرْحَبَا[13] ![]() ![]() ![]() ﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾: الجملة معطوفة على قوله: ﴿ يَلْوُونَ﴾. أي: في نسبتهم ذلك إلى الله تعالى تعريضًا وتصريحًا، وجاء التعبير بالمضارع في ﴿ يَلْوُونَ ﴾ و﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ للدلالة على التجدد وأن هذا دأبهم، أي: ويفترون على الله الكذب في ليِّ ألسنتهم بالكتاب، ونسبتهم ذلك إلى الله تعالى؛ كما في قولهم: ﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ [آل عمران: 181]، وقولهم: ﴿ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ [المائدة: 64]. وكما في قولهم: «استراح يوم السبت». ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾: الجملة حالية، أي: والحال أنهم يعلمون، أي: يعلمون أنهم كاذبون على الله، فهم يكذبون ويفترون على الله عن عمد، وهذا أشد ممن قال الكذب وهو لا يعلم أنه كذب. قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾. بيَّن عز وجل في الآية السابقة كذبَ أهل الكتاب وافتراءهم على الله تعالى ونفى ذلك وأبطله، ثم أتبع ذلك بذكر افترائهم على رسله ونفى ذلك وأبطله ومن ذلك زعم النصارى أن عيسى - عليه السلام - أمرهم بعبادته من دون الله. عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرِّبِّيس: أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ أو كما قال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «معاذ الله أن نعبد غير الله، أو أن نأمر بعبادة غيره، ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني»، أو كما قال، فأنزل الله - عز وجل - في ذلك من قولهم: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾»[14]. قوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾. ﴿مَا﴾: نافية، أي: ما كان جائزًا شرعًا وقدرًا لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس هذه المقالة الشركية، أي: أن هذا ممتنع ومستحيل كل الاستحالة. ﴿ لِبَشَرٍ ﴾ أي: ما كان لواحد من البشر، و«البشر» هم بنو آدم، وسُمِّيَ الإنسان بشرًا؛ لأن بشرته ظاهرة ليس عليها شعر ولا صوف ولا وبر ولا ريش ولا زعانف، وقيل: لظهور أثر البشارة عليه إذا أخبر بما يسره، وقيل: لهذا ولهذا. ﴿ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّه الْكِتَابَ ﴾ أي: أن يعطيه الله الكتاب شرعًا وقدرًا، و(أل) في «الكتاب» للجنس، أي: جنس الكتاب، أي: أن ينزل عليه الكتاب. ﴿ وَالْحكْمَ ﴾؛ أي: والحكم الشرعي بين الناس بما أنزل من الكتاب والوحي؛ كما قال تعالى مخاطبًا النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ﴾ [المائدة: 49]. ﴿ وَالنُّبُوَّةَ ﴾؛ أي: الإنباء والإخبار بالوحي، وهي مأخوذة من «النبأ» وهو الخبر، ومن «النَّبْوة» وهى المكان المرتفع، فالأنبياء مُخبَرون من الله ومُخبِرون لأقوامهم، وهم ذوو مكانة رفيعة ومنزلة عالية عند الله وعند المؤمنين. وهذا يدل على أن المراد بقوله: ﴿ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ ﴾؛ أي أن يعطيه الله الكتاب، وينبأ ويرسل به إلى الناس. وليس المراد به المرسل إليهم؛ كما في قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 146]. ﴿ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ ﴾: معطوف على «يؤتيه». ﴿ ثُمَّ ﴾: عاطفة، أي: ثم بعد ما يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة يقول للناس. ﴿ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾، هذا هو المستحيل والممتنع شرعًا وقدرًا، والذي ينصب عليه النفي، في قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ ﴾. ومعنى: ﴿ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ أي: اعبدوني من دون الله، أي: مع الله أو اعبدوني ولا تعبدوا الله. وكل مَن عَبد غير الله فهو مُشرِك، سواء أفرد هذا المعبود بالعبادة ولم يعبد الله، أو عبد هذا المعبود مع الله؛ لأن مَن عبد مع الله غيره فهو لم يعبد الله؛ لأن عبادته لله مع غيره كلا عبادة، وسواء أشرك مع الله غيره في العبادة، أو في الطاعة، أو فيهما معًا، كما جاء في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه»[15]. وعبادة الأنبياء وإشراكهم مع الله إنما ابتدعها أهل الكفر والشرك من أممهم؛ كما قال الله تعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة: 31]. ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ﴾ الواو: عاطفة، و«لكن»: حرف استدراك، أي: ولكن يقول: ﴿ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ﴾؛ أي: كونوا شرعًا. ﴿ رَبَّانِيِّينَ ﴾: جمع «رباني» نسبةً إلى «الرب» - عز وجل - وطاعته، والتربي بشرعه، امتثالًا لأمره، واجتنابًا لنهيه، وتربية الناس على ذلك، وتعليمهم الخير مما يصلح دينهم ودنياهم وأُخراهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾ [آل عمران: 146]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [المائدة: 44]. أي: ويحكم بها الربانيون الذين، أطاعوا الله - عز وجل - وتربُّوا على عبادته وطاعته، وعملوا على تربية الناس على ذلك. فالمعنى: ﴿ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ﴾ أي: متعبدين للرب - عز وجل - مخلصين له متربين بشرعه ومربين الناس عليه. ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ ﴾: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم ﴿ تُعَلِّمُونَ ﴾ بضم التاء وفتح العين وكسر اللام مع تشديدها، أي: تُعَلِّمون الناس الكتاب، أي: تُفَهِّمونهم معناه، وقرأ الباقون «تَعْلَمون» بفتح التاء وإسكان العين وفتح اللام مع التخفيف، أي: تَعْلَمون بأنفسكم الكتاب، أي: تفهمون معناه. والباء في قوله: ﴿ بما ﴾: للسببية، و«ما» مصدرية. والمراد بــ«الكتاب»: التوراة والإنجيل، أي: بسبب كونكم تعلمون الكتاب وتفهمون معانيه وتُعَلِّمونه للناس؛ لأن الذي يُعَلِّم ويُفَهِّم الناس ينبغي أن يكون ربانيًّا يقرن في تعليمه للناس بين التعليم، والتربية على العمل بالعلم، كما كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته مع أصحابه، وهدي الخلفاء الراشدين من بعده. عن عمرو بن سلمة - رضي الله عنه - قال: «كنت غلامًا في حِجر النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصفحة، فأمسك صلى الله عليه وسلم بيدي، وقال: «يا غلام، سَمِّ الله، وكُل بيمينك، وكُل مما يليك»، فما زالت تلك طعمتي بعد»[16]. وعن كلدة بن حنبل - رضي الله عنه - قال: «دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ولم أُسَلِّم، ولم أستأذن، فقال «ارجع، فقُل: السلام عليكم. أأدخل؟!» فرجعت، فقلت: السلام عليكم. أأدخل؟، فأذن لي»[17]. والجمع بين التعليم والتربية على العمل بالعلم وممارسته وتطبيقه هو المنهج الصحيح في التعليم؛ لأن ثمرة العلم هي العمل به، وما فائدة علم يجمع في الأذهان ولا تظهر ثمرته وأثره على الجوارح والأبدان؟! ولهذا جاء الوعيد الشديد لمن تعلم القرآن والعلم ولم يعمل به، كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في أول من تسعر بهم النار، قال صلى الله عليه وسلم: «ورجل تعلم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن فأتي به فَعرَّفة نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلَّمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلَّمت العلم ليُقال: عالِم، وقرأت القرآن ليُقال: هو قارئ، فقد قيل. ثم أمر به، فسُحِبَ على وجهه حتى أُلقيَ في النار»[18]. وعالم بعلمه لم يعلمن ![]() معذب من قبل عباد الوثن[19] ![]() ![]() ![]() وكثير ممن يتولون التعليم في مراحله المختلفة لا تظهر عليهم آثار التربي بالعلم، ولا يربون الناس عليه؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وكيف لمن لم يُرَبِّ نفسه بالعلم - إن كان عنده علم- أن يربي الناس عليه؟! وكما قال أحمد شوقي: وإذا المُعلِّم ساء لحظ بصيرة ![]() جاءت على يده البصائر حولا[20] ![]() ![]() ![]() ومع أن المؤسسات التعليمية في كثير من البلاد العربية والإسلامية وغيرها تتقمص مُسَمَّى التربية والتعليم إلا أن الملاحظ وجود الانفصام بين التعليم والتربية، فالموجود في كثير من هذه المؤسسات هو التعليم النظري مع ضعف فيه دون التربية، وهذا بلا شك ناقوس الخطر. ﴿ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾: معطوفة على الجملة قبلها، والباء: سببية، و«ما»: مصدرية، أي: وبسبب كونكم تدرسون الكتاب، أي: تقرؤونه وتتلونه، كما في الحديث: «وما اجتمع قوم في بيتٍ من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشِيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده»[21]. والمعنى: كونوا ربانيين بسبب كونكم تعلمون وتفهمون معانيه، وتُعلِّمونه للناس وبسبب كونكم تَدْرُسون الكتاب وتكررون قراءته وتُدَرِّسونه. قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. نفى في الآية السابقة أن يكون لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة، فيدعو الناس لعبادته من دون الله، ثم أتبع ذلك بنفي أن يدعوهم إلى اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا؛ لأن هذا وذاك أمر بالكفر. قوله: ﴿ وَلَا يَأْمُرَكُمْ ﴾: قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة وخلف ويعقوب بنصب الراء ﴿ وَلَا يَأْمُرَكُمْ ﴾ عطفًا على ﴿ يَقُولَ ﴾، و«لا»: زائدة من حيث الإعراب مؤكدة لمعنى النفي في قوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ ﴾ وفاعل ﴿ يَأْمُرَكُمْ ﴾: ضمير يعود إلى «بشر»، أي: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يأمر الناس بأن يكونوا عبادًا له، ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا. وقرأ الباقون: «ولا يأمُرُكم» بضم الراء على الاستئناف، وقرأها أبو عمرو على أصله من جواز تسكين الراء والاختلاس: «ولا يأمرْكم». وضمير الفاعل في «يأمركم» على هاتين القراءتين يجوز أن يعود إلى الله تعالى، ويجوز أن يعود إلى «بشر» في قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ ﴾. والمعنى: ما كان له أن يقول: اعبدوني من دون الله، وما كان له أن يأمُركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا، أي: إن هذا وهذا مستحيل أن يقوله أو يأمر به من أعطاه الله الكتاب والحكم والنبوة. ﴿ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ﴾: أي: أن تجعلوا وتصيروا الملائكة والنبيين أربابًا، و«تتخذوا» ينصب مفعولين: الأول هنا: «الملائكة والنبيين»، والثاني: «أربابًا». و﴿ أَرْبَابًا ﴾: جمع رب، أي: معبودين وآلهة تُعبد من دون الله؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾ [يوسف: 39]، وقال تعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة: 31]. ﴿ أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ ﴾: قرأ أبو عمرو: «أيأمرْكم» بتسكين الراء واختلاسها، وقرأ الباقون بضمها ﴿ أَيَأْمُرُكُمْ ﴾. والاستفهام للإنكار والنفي، أي: لا يمكن أن يأمركم بالكفر بعبادته من دون الله، أو اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا. ﴿ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ أي: بعد أن تقرر وثبت أنكم مسلمون، أي: بعد أن تقرر وثبت إسلامكم، فالله - عز وجل - لا يأمر بذلك وكذا أنبياؤه عليهم السلام؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25]، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [النحل: 36]، وقال تعالى: ﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾ [الزخرف: 45]. [1] أخرجه أبو داود في البيوع (3535)، والترمذي في البيوع (1264)، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وقال الترمذي: «حديث حسن غريب». [2] أخرجه البخاري في الصوم (1913)، ومسلم في الصيام (1080)، وأبو داود في الصوم (2319)، والنسائي في الصيام (2140)، من حديث عمر رضي الله عنه. [3] أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء (3329)، من حديث أنس رضي الله عنه. [4] أخرجه البخاري في الخصومات (2417)، ومسلم في الإيمان (138)، وأبو داود في الأيمان والنذور (3243)، والترمذي في أبواب البيوع (1269)، وابن ماجه في الأحكام (2322)، والواحدي في أسباب النزول ص(72-73). [5] أخرجه البخاري في البيوع (2088)، وفي التفسير (4276)، والواحدي في أسباب النزول ص(73). [6] أي: ستره ورحمته. [7] أخرجه البخاري في المظالم والغصب (2441)، ومسلم في التوبة (2728)، وابن ماجه في المقدمة (183). [8] أخرجه مسلم في الإيمان (181). [9] أخرجه البخاري في الحوالات (2287)، ومسلم في المساقاة (1564)، وأبو داود في البيوع (3345)، والنسائي في البيوع (4688)، والترمذي في البيوع (1308)، وابن ماجه في الأحكام (2404 )، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [10] أخرجه البخاري في التفسير (4556)، ومسلم في الحدود (1699)، وأبو داود في الحدود (4446)، وابن ماجه في الحدود (2556 )، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. [11] أخرجه البخاري في الأدب (6024)، ومسلم في السلام (2165)، والترمذي في الاستئذان (2701)، وابن ماجه في الأدب (3698)، من حديث عائشة رضي الله عنها. [12] البيت لعدي بن زيد؛ انظر: «ديوانه» (ص65). [13] البيت ليحيى بن زياد؛ انظر: «ديوان الحماسة» (ص784). [14] أخرجه ابن إسحاق؛ انظر: «السيرة النبوية» لابن هشام (1/554)، وأخرجه الطبري في «جامع البيان» (5/524)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (2/693). [15] أخرجه مسلم في الزهد والرقائق - من أشرك في عمله غير الله (2985)، وابن ماجه في الزهد (4202)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [16] أخرجه البخاري في الأطعمة (5376)، ومسلم في الأشربة (2022)، وأبو داود في الأطعمة (3777). [17] أخرجه الترمذي في الاستئذان (2710)، وأخرجه أبو داود مختصرًا في الأدب ( 5176). [18] أخرجه مسلم في الإمارة (1905)، والنسائي في الجهاد ( 3137). [19] البيت لابن رسلان؛ انظر: «غاية البيان» (ص4). [20] انظر: «الشوقيات» (2/76). [21] أخرجه مسلم في الذكر والدعاء (3699)، وأبو داود في الصلاة (1455)، والترمذي في القراءات (2945)، وابن ماجه في المقدمة (225 )، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |