|
|||||||
| هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى:﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾[آل عمران: 81 - 83]. 1- إثبات أخذ الله الميثاق على النبيين بأن يؤمن كلٌّ منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وينصره إن بُعِثَ في زمانه، وأن يصدِّق بعضهم بعضًا، وينصر بعضهم بعضًا، ويأخذوا ذلك على أقوامهم وأتباعهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية. 2- امتنان الله - عز وجل - على الأنبياء عليهم السلام بما أعطاهم من الكتاب والحكمة، وتذكيرهم بذلك؛ ليؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وينصروه، وليؤمن بعضهم ببعض، ويصدق بعضهم بعضًا؛ إذ الواجب عليهم أعظمُ من غيرهم؛ لأن الواجب على قدر النعمة، ويتفرَّع على هذا أن المنة على العلماء أعظمُ من المنة على غيرهم؛ لأنهم ورثة الأنبياء، ولهذا فالواجبُ عليهم من القيام بأمر الله، وبيان الحق، والدعوة إلى الله أعظم من الواجب على غيرهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾ [آل عمران: 187]. 3- أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مُكلَّفون متعبَّدون كغيرهم من البشر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ ﴾ الآية. 4- فضيلة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء عليهم السلام؛ لأن الله - عز وجل - أخذ عليهم جميعًا الميثاق بالإيمان به، ونُصرته؛ فهو سيد الأنبياء وإمامهم، ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس، وهو صاحب الشفاعة العُظمى، والمقام المحمود يوم القيام للفصل بين الخلائق. 5- تحذير أهل الكتاب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم ومخالفته، والكفر بما جاء به، بتذكيرهم بهذا الميثاق. 6- تذكير النبي صلى الله عليه وسلم وأمته بهذا الميثاق، والذي أخذه الله على الأنبياء بالإيمان به ونُصرته تشريفًا وتكريمًا له ولأمته. 7- تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم لما مع الأنبياء من قبله؛ لاشتمال ما جاء به من الوحي على بيان صدق ما معهم، ولأن بَعثته صلى الله عليه وسلم مِصداق لما أخبرت به كتبهم، وتصديق بعضهم بعضًا؛ لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ ﴾. 8- فضل ما بُعِثَ به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من دين الإسلام على جميع الأديان؛ لأنه المصدِّق لها، والشاهد والمهيمن عليها، المشتمل على جميع أصول الشرائع السابقة. 9- تقرير الأنبياء بما أخذ الله عليهم من ميثاق، وإقرارهم جميعًا بذلك، وإشهادهم على أنفسهم وعلى أممهم، وشهادة الله تعالى عليهم بذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ الآية. 10- أن ما أخذ الله من الميثاق على الأنبياء من الإيمان به صلى الله عليه وسلم ونصرته وتصديق بعضهم بعضًا، هو ميثاق على أقوامهم وأتباعهم؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ ﴾؛ أي: فمن تولى من أقوام الأنبياء وأتباعهم بعد أخذ الميثاق على أنبيائهم، ولا يدخل في هذا التحذير الأنبياء؛ لأنهم أقرُّوا بهذا الميثاق، والتزموا به، وشهدوا بذلك على أنفسهم وعلى أقوامهم. 11- أن مَن تولى من أتباع الأنبياء عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ونصرته وغيره من الأنبياء، فهو من الفاسقين الخارجين عن الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾، والمراد بالفسق هنا الكفر المخرج من الملة. 12- أن مَن تولى قبل البيان وقيام الحُجة لا يُحكم عليه بالفسق ولا يُؤاخذ؛ لقوله تعالى: ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾. 13- التحذير من التولِّي والإعراض عن الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، وعن اتباعه ومناصرته في دعوته باللسان والأبدان، وأن ذلك فسق وكفرٌ؛ عن عبد الله بن ثابت قال: «جاء عمر بن الحطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني مررت بأخٍ لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة، ألا أعرضها عليك؟ فقال: فتغيَّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عبدالله بن ثابت: ألا ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا. قال: فَسُرِّيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «والذي نفس محمدٍ بيده، لو أصبح فيكم موسى عليه السلام ثم اتَّبعتموه وتركتموني لضللتُم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين»[1]. وعن جابر- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلُّوا، فإنكم إما أن تصدِّقوا بباطل، أو تكذِّبوا بحقٍّ، فإنه لو كان موسى حيًّا بين أظهركم ما حلَّ له إلا أن يتبعني»[2]. 14- الإنكار الشديد على من يبتغي غير دين الله وشرعه وحكمه من أهل الكتاب وغيرهم، مع أن الملك والأمر كله لله؛ لقوله تعالى: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 50]. 15- تعظيم الله لنفسه بكمال ربوبيته وعموم ملكه وسلطانه، واستسلام جميع مَن في السماوات والأرض له طوعًا وكرهًا، وتعظيمًا لدينه؛ لقوله تعالى: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ﴾ الآية، فأضاف الدين إليه اهتمامًا به وتعظيمًا له. 16- أن مرجع كل مَن في السماوات والأرض إلى الله تعالى، فإليه إيابهم وعليه حسابهم، والحكم والفصل بينهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾، فله استسلَم وانقاد جميع مَن في السماوات والأرض في الدنيا، وإليه رجوعُهم جميعًا في الآخرة. 17- الوعيد والتهديد لمن يبغون غير دين الله من أهل الكتاب وغيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾. 18- فضل الله تعالى وحكمه بين الخلق، ومجازاة أهل التكليف منهم بما عمِلوا، والوعد لمن آمَن بالله، والوعيد لمن كفر بالله؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾. [1] أخرجه أحمد (4/ 265). [2] أخرجه أحمد (3/ 387)، وذكره ابن كثير في تفسيره (2/ 56)، ونسَبه إلى الحافظ أبي بكر.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ﴿ قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ * كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 84 - 92]. قوله تعالى: ﴿ قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾. ذكر عز وجل في الآيات السابقة أخذه ميثاق الأنبياء بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ونُصرته هم وأممهم، وأنكر على من يبغون غير دين الله، ثم مقابل ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس من أهل الكتاب وغيرهم: ﴿ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﴾ الآية. فكما أخذ ميثاق النبيين وأممهم بالإيمان به وبرسالته، كذلك أمره صلى الله عليه وسلم أن يخبر الناس بإيمانه هو وأمته بما أنزل على النبيين قبله، وأن يقول لمن ابتغوا غير دين الله وغيرهم ﴿ آمَنَّا بِاللَّهِ ﴾ الآية، وهذه الآية شعار الإسلام. قوله: ﴿ قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ ﴾: الخطاب والأمر للنبي صلى الله عليه وسلم وهو أمر له ولأمته، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا ﴾ [البقرة: 136]. ولهذا جمع الضمير في قوله: ﴿ قُلْ آمَنَّا ﴾، وقوله: ﴿ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا ﴾، وقوله: ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾. والإيمان بالله يتضمن التصديق والإقرار بوجوده، وبربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. ﴿ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا ﴾ الواو: عاطفة، و«ما»: موصولة، أي: وآمنا بالذي أُنزِل علينا من الوحي، أي: بالقرآن والسنة؛ لأن كلًّا منها وحي مُنَزَّل من عند الله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 4]، وقال تعالى: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ [النساء: 113]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ ﴾ [البقرة: 231]. وقال هنا: ﴿ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ الآية، وقال في آية البقرة: ﴿ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ [البقرة: 136]، فباعتبار مبدأ الإنزال عُدي بـ«على»؛ لأنه من أعلى ومن فوق، وباعتبار انتهاء الإنزال إلى المنزَّل عليه عُدي بـ«إلى». وقدَّم الأمر بالإيمان بالمنزل على هذه الأمة في الآيتين تعظيمًا له واعتناءً به. ﴿ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ أي: وآمنا بالذي أُنزِل على إبراهيم عليه السلام - وهو أبو الأنبياء - من الصحف؛ كما قال تعالى: ﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ [النجم: 36، 37]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴾ [الأعلى: 18، 19]. ﴿ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ ﴾؛ أي: وآمنا بالذي أنزل على إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وهؤلاء وإن لم تصل إلينا كتبهم، فنؤمن بأن الله أنزل عليهم؛ لأن الله أخبرنا بذلك. ﴿ وَإِسْمَاعِيلَ ﴾: هو إسماعيل بن إبراهيم - عليهما السلام- وهو الابن الأول لإبراهيم، وهو الذي ابتلى الله إبراهيم بالأمر بذبحه فاستسلما معًا لأمر الله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُسَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ *وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ *إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ [الصافات:102-107]. وهو أبو العرب وجد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم سيد الخلق وأفضل الرسل - عليهم السلام، فقدَّم ذِكر «إسماعيل» لسبقة زمنًا وفضلًا، فهو أكبر من «إسحاق» وهو أفضل منه؛ لأنه أب لأفضل الرسل وسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم. ﴿ وَإِسْحَاقَ ﴾: هو إسحاق بن إبراهيم الابن الثاني لإبراهيم - عليهما السلام - ومن فضله أن جل الأنبياء بعده من ذريته. ﴿ وَيَعْقُوبَ ﴾: هو يعقوب بن إسحاق - عليهما السلام - ويلقَّب «إسرائيل»، ومعناه «عبد الله»، وهو الذي يُنسب إليه بنو إسرائيل. ﴿ وَالْأَسْبَاطِ ﴾: جمع سِبط، وأصل السبط في اللغة ابن البنت، ولهذا يقال للحسن والحسين - رضي الله عنهما - سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قيل: المراد بـ «الأسباط» أحفاد إبراهيم أبناء ابنه يعقوب الاثنا عشر؛ كما في قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾ [يوسف: 4]. وعلى هذا يكون أولاد يعقوب كلهم أنبياء، وقد قال تعالى عن يوسف عليه السلام: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ ﴾ [غافر: 34]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴾ [النساء: 163]، وقال تعالى: ﴿ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 140]. وقيل: المراد بـ «الأسباط» بطون بني إسرائيل الذين فيهم الأنبياء، فيكون التقدير: وما أنزل على أنبياء الأسباط؛ قال تعالى: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ﴾ [الأعراف: 160]. وخصَّ هؤلاء المذكورين؛ لأن أهل الكتاب يعترفون بنبوتهم وكتبهم. ﴿ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى ﴾؛ أي: وآمنا بالذي أوتيَ موسى وعيسى، أي: بالذي أنزل إليهما من الوحي والآيات الشرعية في التوراة والإنجيل، ومن الآيات الكونية التي أُعطيها كل منهما. ولعل السبب في التعبير بقوله: ﴿ وَمَا أُوتِيَ ﴾ بدل، «وما أنزل» للإشارة إلى الآيات الكونية التي أعطاها الله كلًّا منهما، والتي بقي ذكرها إلى نزول القرآن؛ لأن موسى وعيسى- عليهما السلام - أُعطيا الكثير من الآيات الكونية؛ لأن موسى بعث في وقت قد انتشر فيه السحر، وعيسى قد بعث في وقت قد ظهر فيه الطب، فأُعطي كلٌّ منهما من الآيات ما يناسب ما ظهر في عهده. ﴿ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾: معطوف على «موسى وعيسى»، أي: وآمنا بما أوتي النبيون من ربهم من الآيات الشرعية والكونية؛ كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ [البقرة: 136]؛ أي: وآمنا بما أوتي جميع النبيين والرسل من الكتب والمعجزات؛ كما قال تعالى: ﴿ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [آل عمران: 119]. ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ﴾: الجملة الحالية؛ أي: حال كوننا لا نفرق بين أحد منهم في الإيمان، أي: لا نفرِّق بين أحدٍ منهم والآخر، بأن نؤمن ببعض ونكفر ببعض، كما هو حال اليهود والنصارى، بل نؤمن بهم جميعًا على السواء، إيمانًا مجملًا؛ كما أخبر القرآن والسنة عنهم. ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾: الجملة في محل نصب معطوفة على جملة الحال قبلها، أي: ونحن له، أي: لله وحده مستسلمون، منقادون ظاهرًا وباطنًا، بقلوبنا وألسنتنا وجوارحنا. وقدَّم المتعلِّق (له) على المتعلَّق به وهو (مسلمون) للدلالة على الحصر، أي: مستسلمون له وحده دون سواه، وهنا انتهت المجادلة مع نصارى نجران. قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾. قوله: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ ﴾ الواو: استئنافية، و«من»: شرطية، و«يبتغ»: فعل الشرط مجزوم بحذف حرف العلة الياء، أي: ومن يطلب ويريد ﴿ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا ﴾ «غير»: مفعول ﴿ يَبْتَغِ ﴾، و﴿ دِينًا ﴾: تمييز أو مفعول ثانٍ لـ«يبتغ» أي: دينًا يدين لله تعالى به، ويعمل به، ويجازى عليه، ويُدان به، كما قال تعالى: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ [الكافرون: 6]؛ أي: لكم دينكم الذي تدينون به، وعملكم الذي تعملون به، وليَ ديني الذي أدين به وأعمل به. ﴿ الْإِسْلَامِ ﴾: معناه العام: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، وهذا يطلق على جميع الأديان، فكل من انقاد لما جاءت به رسل الله فهو مسلم. ومعناه الخاص: ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الدين والشرع – وهو المراد هنا - وهو ينتظم المعنى الأول، أي: ومن يبتغ غير الإسلام دينًا بعد مجيء الإسلام. قال تعالى: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ [آل عمران: 19]، وقال تعالى: ﴿ وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]. ﴿ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾: جواب الشرط «مَنْ»، والفاء: رابطة لجواب الشرط، أي: فلن يقبل منه ذلك الدين؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»[1]، أي: مردود غير صحيح، فلا يقبله الله تعالى منه، ولا يُقره رسوله صلى الله عليه وسلم ولا المؤمنون، ولا يُثاب عليه، ولهذا قال: ﴿ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ الواو: عاطفة، أو حالية، وأصل الخسران ذهاب رأس المال، أي: وهو في الدار الآخرة من الخاسرين، الذين خسروا دينهم ودنياهم وأخراهم وخسروا أنفسهم وأهليهم وأموالهم، وخسروا كل شيء، وحرموا من الثواب وأُركِسوا في العذاب. خسروا دينهم؛ لأنهم دانوا بغير الإسلام، وخسروا دنياهم؛ لأنهم لم يعملوا فيها ما يقربهم إلى الله تعالى، وخسروا أنفسهم فضاعت أعمارهم وحياتهم سدًى، وخسروا أموالهم فلم يقدموا منها ما ينفعهم في الآخرة، وخسِروا أهليهم، فحيلَ بينهم وبينهم في الآخرة، وتلك والله الخسارة الكبرى والمصيبة العظمى؛ قال تعالى: وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ، وقال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [المائدة: 5]، وقال تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾ [الفرقان: 23]، وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ﴾ [التغابن: 9]. قولة تعالى: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾. سبب النزول: عن ابن عباس- رضي الله عنهما - قال: «كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم ندم، فأرسل إلى قومه: «سلوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة؟»، فجاء قومه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالو: إن فلانًا قد ندم، وإنه أمرنا أن نسألك هل له من توبة؟ فنزلت: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 86 - 89]، فأرسل إليه، فأسلَم»[2]. وذهب بعض المفسرين إلى أنها نزلت في أهل الكتاب، آمنوا برسلهم، ثم كفروا فعبدوا غير الله، وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وشهدوا أنه حق قبل مبعثه وبعده، بما في كتبهم من البشارة به؛ كما قال عيسى عليه السلام: ﴿ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾ [الصف: 6]، وبما عندهم من المعرفة به؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 146]، وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنعام: 20]، ثم كفروا به حسدًا منهم وعنادًا. والآية أعمُّ من هذا كله، فتشمل كل من كفر بعد الإيمان، وبعد قيام الحجة عليه، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قوله: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ﴾ «كيف»: اسم استفهام ومعناه هنا: الاستبعاد، والمراد بالهداية في قوله: ﴿ يَهْدِي اللَّهُ ﴾: هداية التوفيق، أي: يبعد أن يوفق الله للهدى قومًا كفروا بعد إيمانهم من العرب وأهل الكتاب وغيرهم، أي: ارتدوا ورجعوا إلى الكفر بعد أن آمنوا، وكيف يستحق من هذه صفته أن يهديه الله، أو كيف يتوقع أن يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم. ويُحتمل كون الاستفهام للإنكار والنفي؛ كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ [النساء: 168، 169]؛ وذلك لأن مَن آمَن وعرَف الحق ثم ارتد عنه أعظم ذنبًا وكفرًا ممن لم يعرف الحق وبقي على كفره ولم يدخل في الإيمان. فمن عرَف الحق وتركه يُعاقب بالانتكاس وانقلاب القلب وزيغه؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ [الصف: 5]. والكفر بعد الإيمان وبعد معرفة الحق علامة على عدم تمكن الإيمان، فإن من ذاق حلاوة الإيمان يبعد أن يعود إلى الكفر؛ كما في حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «ثلاث مَن كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف في النار»[3]. ﴿ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ ﴾: الجملة في محل نصب عطفًا على جملة ﴿ كَفَرُوا ﴾، أي: كيف يهديهم بعد اجتماع الأمرين الكفر والشهادة بصدق الرسول. ويجوز أن تكون الجملة في محل نصب على الحال، أي: والحال أنهم قد شهدوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم حق، والواو في شهدوا تعود لمن كفروا. والمراد بـ«الرسول»: محمد صلى الله عليه وسلم، و( أل ) فيه للعهد الذهني؛ لأنه صلى الله عليه وسلم معهود في الأذهان بعد بعثته ونزول القرآن عليه؛ أي: شهدوا أن الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم حق ثابت، صادق فيما أخبر به، عادل فيما حكم به، لاشك في رسالته. ﴿ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾: معطوف على: ﴿ وَشَهِدُوا ﴾، ولم يؤنث الفعل، فلم يقل: «وجاءتهم»؛ لأن التأنيث في ﴿ الْبَيِّنَاتُ ﴾ غير حقيقي، وفصل بينه وبين الفعل بالمفعول «هم» ويجوز تأنيثه، كما في قوله تعالى: ﴿ جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾ [البقرة: 213]؛ أي: وجاءهم الآيات البينات في القرآن الكريم والكتب السابقة، واكتفى بذكر الصفة وهي «البينات» دون الموصوف وهي «الآيات»؛ لأن المهم في الآيات كونها بيِّنات مُبيَّنات مُبيِّنات للحق من الباطل، والهدى من الضلال. والمعنى: وجاءهم الآيات البينات الواضحات، والحجج والبراهين القاطعات، على أن الرسول صلى الله عليه وسلم حق، وما جاء به حق وصدق وعدل؛ كما قال تعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [الأنعام: 115]؛ أي: صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام. ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾: الجملة استئنافية، وهي كالتعليل لما قبلها، فاستبعد هداية من كفروا بعد إيمانهم وشهادتهم أن الرسول حقٌّ، وبعد مجيء البينات إليهم؛ لأنهم ظالمون: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾؛ أي: والله لا يوفق القوم الظالمين. و﴿ الظَّالِمِينَ ﴾: جمع «ظالم»، والظلم: النقص؛ كمال قال تعالى: ﴿ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ﴾ [الكهف: 33]، وهو وضع الشيء في غير موضعه على سبيل العدوان. وهو إما تفريط في واجب، أو انتهاك لمحرم عمدًا، فهؤلاء ظلموا باختيارهم الكفر، ووضعه مكان الإيمان بعد تبيُّن الحق لهم، وظلموا أنفسهم فنقصوها حقها، وعرَّضوها للعذاب ودسَّوها؛ كما قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 9، 10]. يتبع
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قول الله تعالى: ﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ... ﴾ قول الله تعالى: ﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [آل عمران: 93 - 95]. قوله تعالى: ﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾. في هذه الآية وما بعدها ما يقوي دخولَ أهل الكتاب في قوله تعالى فيما سبق: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ﴾ [آل عمران: 86]. وفيها ردٌّ على اليهود في إبطالهم النسخَ، وإنكارهم نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، بدعوى أنه لا يمكن أن يأتي نبي يخالف النبي الذي قبله، والشرائع لا تتبدَّل؛ لأنها من عند الله. قوله: ﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾: «كل» للتنصيص على العموم، و«الطعام» كل ما يُطعَم ويُؤكَل، وقد يُطلق على ما يُشرب. ﴿ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾؛ أي: حلالًا لبني إسرائيل، سواء كان نباتًا أو حيوانًا، أو غير ذلك. و﴿ إِسْرَائِيلَ ﴾: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام، ومعنى ﴿ إِسْرَائِيلَ ﴾ عبدالله، وبنوه هم الأسباط الاثنا عشر، وما تناسل منهم. ﴿ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ ﴾ ﴿ إِلَّا ﴾: أداة الاستثناء، والاستثناء هنا متصل، و﴿ ما ﴾: موصولة، أي: إلا الذي حرَّم إسرائيل على نفسه. قيل: كان حرَّم على نفسه عِرق النَّسَا الذي على الفخذ، وقيل: حرَّم لحوم الإبل وألبانها، وقيل غير ذلك. قيل: كان ذلك بوحي من الله تعالى، وقيل: كان اجتهادًا من يعقوب نذر تحريم ذلك على نفسه تقربًا إلى الله تعالى، وقيل: نهاه الأطباء عن ذلك، وتبِعه بنوه في تحريم ذلك. ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بتخفيف الزاي مع سكون النون: «تُنْزَل»، وقرأ الباقون بتشديد الزاي وفتح النون: ﴿ تُنَزَّلَ ﴾؛ أي: من قبل نزول التوراة على موسى - عليه السلام - وبين يعقوب وموسى مُددٌ طويلة، ثم بعد نزول التوراة جاء فيها تحريم أشياء كثيرة مما كان حلالًا قبل نزولها، وهم يعلمون ذلك، وهذا هو النسخ بعينه، فلا ضيرَ أن يأتي في شريعة عيسى وفي شريعة محمد عليهما الصلاة والسلام ما يُنسَخ بعضُ ما جاء في التوراة؛ كما قال عيسى عليه السلام: ﴿ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾ [آل عمران: 50]. ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا ﴾ الأمر في قوله: ﴿ قُلْ ﴾ للنبي صلى الله عليه وسلم، والخطاب في: ﴿ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا ﴾ لليهود وفيه تحدٍّ لهم؛ أي: فهاتوا التوراة فاقرَؤوها أنتم بأنفسكم؛ لتعلموا صدقَ ما أخبر به القرآن من أن كل الطعام كان حلًّا لبني إسرائيل إلا ما حرَّم إسرائيل على نفسه، ثم حُرِّم في التوراة أشياء كثيرة، وهذا هو النسخ، وبهذا تعلموا صحة ما جئتُ به من الشرع الناسخ للتوراة وغيرها. ﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ﴿ إِنْ ﴾: شرطية، و﴿ كُنْتُمْ ﴾: فعل الشرط، وجوابه محذوف يدل عليه ما سبق؛ أي: إن كنتم صادقين، فأتُوا بالتوراة فاتلوها؛ أي: إن كنتم صادقين في دعواكم إبطال النسخ في الشرائع، وأن ما كان محرمًا في التوراة كان محرمًا قبل نزول التوراة؛ قال ابن القيم[1]: «هل تجدون فيها أن إسرائيل حرَّم على نفسه ما حرَّمته التوراة عليكم؟ أم تجدون فيها تحريم ما خصَّه بالتحريم، وهي لحوم الإبل وألبانها خاصة، وإذا كان إنما حرَّم هذا وحده، وكان ما سواه حلالًا له ولبنيه، وقد حرَّمت التوراة كثيرًا منه ظهر كذبكم وافتراؤكم في إنكار نسخ الشرائع والحجر على الله تعالى في نسخها». ومع تحديهم بهذا، فإنهم لم يجرؤوا على الإتيان بالتوراة، بل بهتوا وانقلبوا صاغرين. قوله تعالى: ﴿ فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾. قوله: ﴿ فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾: الفاء: عاطفة، و«من»: شرطية تفيد العموم، و«افترى»: فعل الشرط، وجوابه: ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾. والافتراء: الاختلاق والتقوُّل بغير حقٍّ، أي: أن ينسب للشخص ما لم يقله. و«الكذب»: الإخبار بخلاف الواقع، ضد الصدق، فإن كان مخالفًا للواقع والاعتقاد المخبِر، فهو أشد ذنبًا وإثمًا. والمعنى: فمن اختلق وتقوَّل على الله الكذب، بأن قال على الله ما ليس بحق، من أهل الكتاب أو غيرهم، فادَّعى أن ما حرِّم في التوراة كان محرمًا قبل ذلك، وأنكر نبوة عيسى عليه السلام، ونسَخ ما جاء به لبعض ما جاء في التوراة، وأنكر نَسخ شريعة محمد صلى الله عليه وسلم لشريعة موسى عليه السلام، ولجميع الشرائع قبلها، أو نفى أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم على ملة إبراهيم وشريعته. ﴿ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾؛ أي: من بعد ذلك البيان، وأشار إليه بإشارة البعيد تعظيمًا له، أي من بعد بيانه - عز وجل - أن كل الطعام كان حلالًا لبني إسرائيل إلا ما حرَّم إسرائيل على نفسه، حتى نزلت التوراة فحرِّمت فيها أشياءُ كثيرة مما كان قبل ذلك حلالًا؛ مما يدل على وقوع النسخ في الشرائع. ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾: جواب الشرط، ورُبط بالفاء؛ لأنه جملة اسمية، وقد أكِّد، وحُصر وصف الظلم فيهم بكون الجملة اسمية معرَّفةَ الطرفين، وبضمير الفصل «هم». أي: فأولئك المفترون هم الذين بلغوا الغاية في الظلم، بوضع الافتراء والكذب مكان الصدق، وردِّهم الحقَّ الذي يعلمونه بدل قَبوله، ونقص أنفسهم حقَّها بهذا المسلك، وجمعهم باعتبار معنى «من»، وأشار إليهم بإشارة البعيد تحقيرًا لهم. قوله تعالى: ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾. قوله: ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ﴾: الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: قل يا محمد لأهل الكتاب وغيرهم: صدق الله تعالى فيما أخبر به أن كل الطعام كان حلًّا لبني إسرائيل إلا ما حرَّم إسرائيل على نفسه قبل نزول التوراة، وفي كل ما أخبر به، وفي كل ما قاله أو شرعه، فلا أحد أصدق من الله قيلًا، ولا أحد أصدق من الله حديثًا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ﴾ [النساء: 122] وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴾ [النساء: 87]، وقال تعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ﴾ [الأنعام: 115]؛ أي: صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام. ﴿ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ ﴾: الفاء: عاطفة؛ لربط السبب بالمسبب، و«اتبعوا»: معطوفة على صدق، فهي من جملة مَقول القول، أي: وقل: فاتِّبعوا ملة إبراهيم؛ كما قال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [النحل: 123]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الأنعام: 161]. و«الملة» هي: الدين والشريعة، و«ملة إبراهيم»: ما كان عليه من إخلاص التوحيد والبراءة من الشرك؛ كما قال تعالى عنه: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الزخرف: 26 - 28]، وقال تعالى: ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الأنعام: 79]. وهي الحنيفية السمحة التي بُعث بها نبينا محمد، ولهذا قال: ﴿ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾: هذا بيان لملة إبراهيم. ﴿ حَنِيفًا ﴾: حال، و«الحنف» الميل؛ أي: مائلًا عن الشرك والأديان الباطلة إلى التوحيد ودين الحق، مستقيمًا على شرع الله تعالى. ﴿ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾: الجملة في محل نصب معطوفة على الحال «حنيفًا»؛ أي: وما كان من المشركين بالله الذين يعبدون الأصنام، ويدخلون الشرك في عباداتهم. وفي هذا تأكيد لقوله: ﴿ حَنِيفًا ﴾؛ أي: بل كان موحدًا مخلصًا لله تعالى، ولهذا يسمى «إمام الحنفاء». والشرك: دعوة وعبادة غير الله، وتسويته بالله فيما هو من خصائص الله؛ كما قال المشركون: ﴿ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الشعراء: 97، 98]. [1] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 501-502).
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى: ﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [آل عمران: 92 - 95]. 1- إباحة كل الأطعمة لبني إسرائيل من الحيوان وغيره، قبل نزول التوراة، إلا ما حرَّمه إسرائيل على نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ﴾. 2- إن لله تعالى يُحل ما يشاء ويحرِّم ما يشاء؛ لقوله تعالى: ﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ الآية. 3- توسيع الله تعالى على بني إسرائيل قبل بَغْيهم، بإحلال كل الطعام لهم، وكانوا على شريعة إبراهيم عليه السلام، فلم يكن محرمًا عليهم سوى ما حرَّمه إسرائيل على نفسه. 4- أن ما حرَّمه إسرائيل على نفسه حرَّمه بنوه وأحفاده من بعده حتى نزول التوراة. 5- إثبات نزول التوراة من عند الله، وإثبات علوِّه - عز وجل - على خلقه بذاته وصفاته؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ﴾. 6- تبكيت اليهود والإشارة إلى أنهم سبب ما جاء من تحريم كثيرٍ من الأشياء عليهم في التوراة، وذلك بسبب بغْيهم كما ذكر الله تعالى. 7- إفحام اليهود وإقامة الحجة عليهم من كتابهم التوراة على جواز النسخ عقلًا وحصوله شرعًا؛ حيث نسَخت التوراة بعضَ الأحكام قبلها؛ من إحلال كل الطعام لبني إسرائيل إلا ما حرَّم إسرائيل على نفسه، فحرَّمت عليهم أشياء كثيرة بسبب بغيهم؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ [الأنعام: 146]. قال ابن القيم[1]: ومعلوم أن بني إسرائيل كانوا على شريعة أبيهم إسرائيل وملته، وأن الذي كان لهم حلالًا إنما هو بإحلال الله تعالى لهم على لسان إسرائيل والأنبياء بعده إلى حين نزول التوراة، ثم جاءت التوراة بتحريم كثير من المآكل عليهم التي كانت حلًا لبني إسرائيل، وهذا مُحض النسخ». وقال ابن كثير[2]: «شرع في الرد على اليهود - قبَّحهم الله - وبيان أن النسخ الذي أنكروا وقوعه وجوازه قد وقَع، فإن الله - عز وجل - قد نص في كتابه التوراة أن نوحًا عليه السلام لما خرج من السفينة أباح الله له جميع دواب الأرض يأكل منها، ثم بعد هذا حرَّم إسرائيل على نفسه لحمان الإبل وألبانها، فاتَّبعه بنوه في ذلك، وجاءت التوراة بتحريم ذلك، وأشياء أُخر، زيادة على ذلك، وكان الله - عز وجل - قد أذن لآدم في تزويج بناته من بنيه، وقد حرَّم ذلك بعد ذلك، وكان التسري على الزوجة مباحًا في شريعة إبراهيم، وقد فعله إبراهيم في هاجر لما تسرى بها على سارة، وقد حرِّم مثل هذا في التوراة عليهم، وكذلك كان الجمع بين الأختين شائعًا، وقد فعله يعقوب عليه السلام جمع بين الأختين، ثم حرِّم ذلك عليهم في التوراة. وهذا كله منصوص عليه في التوراة عندهم، فهذا هو النسخ بعينه، فكذلك ما شرعه الله للمسيح عليه السلام في إحلاله بعض ما حرِّم في التوراة، فما بالهم لم يتبعوه؟ بل كذَّبوه وخالفوه، وكذلك ما بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم من الدين القويم وملة إبراهيم، فما لهم لا يؤمنون؟». 8- الرد على اليهود في إنكارهم نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، بناءً على إنكارهم النسخ، بدعوى أنه لا يمكن أن يأتي نبي بخلاف ما جاء به الذي قبله. 9- أن اليهود ليسوا على ملة إبراهيم؛ لأن ملة إبراهيم لم يُحرَّم فيها شيءٌ من الأطعمة، بينما حرَّم على اليهود أشياء كثيرة في التوراة. 10- بلوغ الذين يفترون على الله الكذب ويردون الحق، وينكرونه غاية الظلم؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾، فأكد الظلم وحصره فيهم لبلوغهم من الظلم غايته. 11- جرأة المكذبين من أهل الكتاب وغيرهم على افتراء الكذب على الله تعالى، ومن اجترأ على الكذب على الله، فجرأتُه على الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى سائر الناس، من باب أَولى. 12- أن الحجة لا تقوم على العباد إلا بعد البيان والعلم؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾. 13- وجوب تصديق الله، وإظهار القول بذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ﴾، فأقواله - عز وجل - وأخباره صدقٌ، وأحكامه عدل وحقٌّ، وفي هذا أيضًا تعريضٌ بكذب أهل الكتاب. 14- وجوب اتباع ملة إبراهيم عليه السلام، وإخلاص التوحيد لله تعالى، والبراءة من الشرك؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: اتبعوا ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد والبراءة من الشرك وأهله، وعلى هذا الأصل اتفقت جميع الشرائع؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25]، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [النحل: 36]، أما من حيث فروع الشرائع، فقد جعل الله لكل نبي شرعة ومنهاجًا؛ كما قال تعالى: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ [المائدة: 48]. 15- فضيلة إبراهيم عليه السلام؛ لأن الله - عز وجل - أمرنا باتباعه وأثنى عليه، وجعله إمامًا وقدوة في إخلاص التوحيد لله تعالى والبراءة من الشرك وأهله؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [النحل: 120 - 123]. 16- فضل التوحيد، وأنه سبب النجاة، وخطر الشرك؛ لأنه سبب الهلاك، مما يوجب على العبد صيانةُ جناب التوحيد، والحذر من الشرك. [1] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 501). [2] في «تفسيره» (2/ 62-63).
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائــد وأحكــام من قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ... ﴾ من قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [آل عمران: 98 - 101]. 1- أمْر الله - عز وجل - لنبيه صلى الله عليه وسلم بتوبيخ أهل الكتاب على كفرهم بآيات الله؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾. 2- وجوب الإيمان بآيات الله - عز وجل - الكونية والشرعية؛ لأن الله - عز وجل - أمره صلى الله عليه وسلم بتوبيخ من أنكروها. 3- إثبات شهادة الله - عز وجل - واطلاعه التام، على ما يعمله أهل الكتاب وغيرهم من الكفر بآيات الله وتكذيبها ومخالفتها، وغير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ﴾. 4- تهديد من يكفر بآيات الله ويكذِّبها ويخالفها من أهل الكتاب وغيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ﴾، فهو - عز وجل - شهيد على أعمالهم يحصيها عليهم وسيُحاسبهم ويُجازيهم عليها. 5- توبيخ أهل الكتاب على صدهم عن سبيل الله ودينه مَن آمَن به، ومن أراد الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ ﴾. 6- أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو دين الله وصراطه الذي يجب اتباعه، لهذا سماه - عز وجل - سبيله؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾ [الشورى: 52، 53]. 7- إرادة أهل الكتاب سلوكَ الناس الطريقَ العِوَج، وهو ما هم عليه من الباطل والمخالفة للحق والعدول عن سبيل الله؛ لقوله تعالى: ﴿ تَبْغُونَهَا عِوَجًا ﴾. وهكذا يريد كل دعاة الباطل؛ كما قال تعالى: ﴿ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 27]. 8- أن كل من سعى في صد الناس عن دين الله، وأراد الطريق العِوَج من دعاة التغريب وغيرهم، ففيه شبه من اليهود والنصارى؛ لأن هذا مسلكهم. 9- أن إخراج من دخل في دين الله وحمْله على الارتداد، أعظمُ وأشدُّ مِن منْع مَن أراد الدخول فيه، كما أنه سببٌ للمنع من الدخول فيه، لهذا خصَّه - عز وجل - بالذكر، فقال: ﴿ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ ﴾. 10- شهادة أهل الكتاب على أنفسهم أنهم يَصُدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجًا، وأنه صلى الله عليه وسلم يدعو إلى سبيل الله ودينه الحق؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ ﴾، وإنما منَعهم من اتباعه صلى الله عليه وسلم الاستكبار والحسدُ. 11- كان الواجب على أهل الكتاب عدمَ الصد عن سبيل الله، وعدم ابتغاء العوج؛ لأنهم يعلمون أنهم على الباطل، وأنه صلى الله عليه وسلم على الطريق الحق. 12- إثبات كمال رقابة الله عز وجل على أعمال أهل الكتاب وغيرهم، وأنه ليس بغافلٍ عما يعملون، وفي هذا وعيدٌ وتهديد لهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾. 13- تصدير الخطاب للمؤمنين بالنداء للتنبيه والعناية والاهتمام، ونداؤهم بوصف الإيمان؛ تشريفًا وتكريمًا لهم، وحثًّا على الاتصاف بهذا الوصف، وأن امتثال ما بعده وهو عدم طاعة أهل الكتاب من مقتضيات الإيمان، وعدم ذلك نقص في الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾. 14- تحذير المؤمنين من طاعة دعاة الكفر، من أهل الكتاب، وغيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾. فلا يجوز الاغترار بما يبدونه من الصداقة والمودة، فهم أعداء مهما أظهروا من ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [المائدة: 51]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ [الممتحنة: 1]. 15- حرص الكفار من أهل الكتاب وغيرهم على رد المسلمين عن دينهم إلى ما هم عليه من الكفر، وأنهم لا يقنعون منهم بدون ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ [البقرة: 120]، وقال تعالى: ﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ [النساء: 89]، وقال تعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 109]. ولأجل ذلك تجدهم يسعون بشتى الوسائل لإفساد عقائد وأخلاق المسلمين، ويَدسون السم في الدسم، فيدعون إلى إخراج المرأة من بيتها وسفورها باسم تحرير المرأة والدفاع عن حقوقها، ويدعون إلى مصادرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باسم الحرية وعدم التدخل في شؤون الآخرين، ويزيِّنون للناس الربا والقمار والمكاسب الخبيثة بدعوى حرية الكسب وتنمية المال ونحو ذلك. ويدعون إلى تعطيل الحدود في الإسلام، ويَصِمُونها بالوحشية كقتل القاتل، ورجم الزاني أو جلده، وقطع يد السارق، وجلد القاذف وشارب الخمر بدعوى الدفاع عن حقوق الإنسان، وكأنهم أرحم بالإنسان من خالقه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا. يرحمون المجرمين، ولا يرحمون المجتمع بأسْره من شرور المجرمين، وصدق الله العظيم: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 50]. 16- أن السبب في تسلُّط الكفار من أهل الكتاب وغيرهم على المؤمنين، هو إيمانهم بالله وشرعه؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [البروج: 8]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ﴾ [البقرة: 217]. 17- أن من أهل الكتاب من آمَن فلا يسعى في رد المسلمين إلى الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ الآية، ومفهوم هذا أن فريقًا منهم ليسوا كذلك. 18- استبعاد كفر المؤمنين، وآيات الله تُتلى عليهم، ورسوله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾، والتعجيب والتحذير من أن يحصل شيء من ذلك، والتوبيخ لمن فعله؛ لأن الحجة عليه أقوم، وذنبه أعظم - وحاشاهم رضي الله عنهم من ذلك - وإنما سيقت الآيات لتيئيس كفار أهل الكتاب من ارتداد المؤمنين؛ ولهذا لم تقع الردة إلا بعد موته صلى الله عليه وسلم من بعض الأعراب، وممن لم يتمكن الإيمان من قلوبهم. 19- أن القرآن الكريم هو آيات الله الدالة على كماله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وعلى صدق مَن جاء به مِن عند الله - عز وجل - المعجز بأقصر سورة منه؛ لقوله تعالى: ﴿ آيَاتُ اللَّهِ ﴾. 20- أن من بلغه القرآن قامت عليه الحجة، سواء تلاه عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، أو غيره؛ لقوله تعالى: ﴿ تُتْلَى ﴾؛ أي: يتلوها الرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره، ممن يبلغ عنه. 21- إثبات رسالته صلى الله عليه وسلم، وتشريفه وتكريمه بإضافته إليه - عز وجل - في قوله تعالى: ﴿ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾. 22- أن في كتاب الله - عز وجل - وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم العصمةَ بإذن الله لمن تمسك بهما من الكفر والضلال. 23- أن من اعتصم بالله - عز وجل - عبادة له وتمسكًا بحبْله، واستعانة به وتوكلًا عليه، فقد كُتبت له الهداية إلى الصراط المستقيم أزلًا في اللوح المحفوظ، وعملًا في هذه الحياة، أُرشد إلى الحق، ووفِّق إليه، وفيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. 24- الحث على الاعتصام بالله؛ عبادة له وتوكلًا عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. 25- في تنكير «صراط» في قوله: ﴿ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ تعظيم له؛ لأنه صراط الله المؤدي إلى الله - عز وجل - ومرضاته، وإلى السعادة في الدنيا والآخرة؛ ولهذا وصفه بأنه ﴿ مُسْتَقِيمٍ ﴾؛ أي: معتدل لا عوج فيه؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: 153].
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ... ﴾ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: 102 - 105]. 1- تصدير خطاب المؤمنين بالنداء، للتنبيه والعناية والاهتمام، ونداؤهم بوصف الإيمان؛ تشريفًا وتكريمًا لهم، وحثًّا على الاتصاف بهذا الوصف، وأن امتثال ما بعده: من الأمر بتقوى الله حق تقاته، والثبات على الإسلام إلى الموت والاعتصام بحبل الله، وعدم التفرق والاختلاف من مقتضيات الإيمان، وأن عدم ذلك نقص في الإيمان. 2- وجوب تقوى الله - عز وجل - حق تقواه، بقدر الاستطاعة والجهد؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: 16]. 3- لا غضاضة في أمر المؤمنين بتقوى الله - عز وجل - فقد أمر الله بها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. 4- وجوب المبادرة إلى الإسلام، ولزومه، والثبات عليه، إلى الممات؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. 5- أن المدار على الخاتمة، وما يموت عليه الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾، لكن جرت العادة بفضل الله - عز وجل - أن من عاش على الإسلام، فإنه يحفظه الله، حتى يتوفاه على الإسلام، وهذا أمر مشاهد وواقع، حتى إن أناسًا صدقوا في طلب أن يموتوا شهداءَ، فرزقهم الله الشهادة، وأناسًا صدقوا مع الله في طلب الموت سُجدًا وصوامًا، ونحو ذلك، فتوفاهم الله على ذلك. 6- وجوب الاعتصام بشرع الله، والتمسك به؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ ﴾. 7- وجوب الاجتماع على شرع الله، والتحاكم إليه، وتحريم التفرق شيعًا وأحزابًا وجماعات؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. 8- أن في تمسُّك الأمة بشرع الله، واجتماعها عليه، عصمة لها وقوة في داخلها، وأمام أعدائها وغيرهم، وفي تهاونها في التمسك بشرع الله وتفرُّقها، ضعفها وتخلفها، وتسلط الأعداء عليها؛ كما هو حال الأمة اليوم. 9- وجوب ذكر نعم الله بالثناء عليه بها باللسان، وتذكرها بالقلب، وشكرها بالجوارح، ومن أعظمها نعمة الإسلام والإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. 10- أن من أكبر نعم الله - عز وجل - وأعظمها على المؤمنين تأليفه - عز وجل - بين قلوبهم بالإيمان- بعد أن كانوا أعداءً قبل ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ﴾. وهي نعمة من الله - عز وجل - ومنة على الصحابة - رضي الله عنهم - على وجه الخصوص، وعلى من يأتي بعدهم من المؤمنين إلى يوم القيامة على وجه العموم. 11- أن تذكر المنعم عليه لحاله قبل النعمة، من فرقة، أو مرضٍ، أو فقر، أو فِقدان أمن، أو غير ذلك، من أسباب شكر النعمة، وقد قيل: «الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى». 12- أن ثمرة التأليف بين القلوب تحقيق الأخوة الإيمانية بين المؤمنين التي تتلاشى أمامها جميع روابط النسب والعرق والوطن، والقوميات، والحزبيات، وغيرها؛ لقوله تعالى: ﴿ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾. 13- أن التفرق والتشتت نقمة، وعلامة على سلب النعمة، يجب الحذر منه. 14- نعمة الله - عز وجل - ومنته على المؤمنين السابق منهم واللاحق، بإنقاذهم بالإيمان من النار؛ لقوله تعالى: ﴿ وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ﴾. 15- إثبات النار، وأنها موجودة الآن معدة للكافرين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ﴾؛ أي: وكنتم على طرف حفرة من النار، تكادون تسقطون فيها، بسبب الكفر والشرك، فأنقذكم منها بالإيمان. 16- تبيين الله - عز وجل - آياته الشرعية والكونية لنا أتم بيان، إقامة للحجة على الخلق؛ لقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، ولهذا قال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ [القيامة: 16 - 19]، والآيات في بيانه عز وجل لآياته وتفصيلها كثيرة جدًّا. وفي هذا ردٌّ على أهل التحريف والتأويل المذموم الذين يقولون: المراد بالآيات خلاف ما يظهر منها، فهم بهذا يزعمون أن الله لم يبينها، وأنهم أعلم بالمراد بها منه تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا. 17- أن الحكمة والعلة في بيانه - عز وجل - آياته للناس؛ لأجل أن يهتدوا؛ لقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾. 18- إثبات الحكمة والعلة في أفعال الله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وفي هذا ردٌّ على من ينفي من أهل البدع حكمته - عز وجل - في أفعاله. 19- رحمة الله - عز وجل - بالناس ومحبته لهدايتهم، ولهذا بيَّن لهم آياته لأجل أن يهتدوا، ولذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب، كما قال عز وجل مخاطبًا لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]. 20- وجوب الدعوة إلى الإسلام وشرائعه العظام؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾، وهو فرض كفاية؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْكُمْ ﴾، و«من» للتبعيض. ويحتمل كون «من» لبيان الجنس، فتكون الدعوة واجبة على الأمة كلها؛ أي: ولتكونوا أمة داعية إلى الخير. وذلك حسب معرفة الإنسان وقدرته؛ لأن هناك من الأمور ما يمكن أن يدعو له كل مسلم، وهناك منها ما يحتاج إلى أهل العلم. وينبغي أن تكون الدعوة إلى الخير بالحكمة وبالموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، مع الإخلاص، والحذر من الانتصار للنفس، ونحو ذلك. ويجب على الداعية إلى الخير أن يكون عالمًا بما يدعو إليه شرعًا، ولا يكفي مجرد حسن النية والقصد، فإن الشيطان قد يأمر بسبعين بابًا من الخير؛ ليصل إلى باب من الشر أعظم من ذلك الخير. قال عبدالله بن مسعود- رضي الله عنه-: «ليس كل مريد للخير يصيبه»، وقد قيل: وقد يأمر الشيطان بالخير قاصدًا ![]() وصولًا إلى باب من الشر أعظم[1] ![]() ![]() ![]() ولهذا فإن ما يُرفع من شعار «كن داعيًا»، ينبغي ألا يكون على إطلاقه، فيدخل في الدعوة من لا يحسنها، ولا يصلح لها، فيكون ضرره أكبر من نفعه. 21- الترغيب في كل ما هو خير؛ قولًا أو فعلًا أو بذلًا؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَى الخَيْرِ﴾، وذلك يشمل خير الدين والدنيا. 22- وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾، وهو فرض كفاية؛ لقوله: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾، وقد يجب على جميع الأمة إذا لم يستطعه بعضها. عن حذيفة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدعنه، فلا يستجيب لكم»[2]. وعن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»[3]. فالإنكار باليد يكون لولي الأمر، ولأهل الحسبة الذين ولاهم، ولمن له ولاية من الرجال والنساء، على من تحت ولايته؛ كالأب والأم، وولي اليتيم ونحوهم. والإنكار باللسان لكل من قدر عليه وأحسَنه، والإنكار بالقلب لا يعذر في تركه أحد. ويشترط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أولًا: العلم الشرعي بما يأمر به الإنسان أو ينهى عنه، بحيث يعلم أن هذا الأمر مما أمر الله به، أو مما نهى الله عنه، فإن كان يجهل ذلك وجب عليه ترك الأمر والنهي، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 33]. ثانيًا: أن يكون على بيِّنة من حال المأمور والمنهي بأنه ترك هذا المعروف، أو ارتكب هذا المنهي، فإن كان لا يدري، أو يشك في ذلك، أو قيل له ذلك ونحو ذلك، فلا يجوز له الدخول في ذلك؛ لما يترتب عليه من مفاسد، وقد قال الله - عز وجل -: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36]، وقال عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [الحجرات: 6]. ثالثًا: أن يكون الأمر والنهي بالحكمة، بأن لا يؤدي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى منكر أعظم من ذلك. قال تعالى: ﴿ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ [الأنعام: 108]. وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آداب من أهمها: ألا يخالف فعل الآمر والناهي قوله، بأن يأمر بالمعروف وهو لا يفعله، أو ينهى عن المنكر وهو يفعله؛ قال تعالى موبخًا من يفعل ذلك: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 44]. وفي حديث أسامة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يُؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور فيها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: مالك، يا فلان، ألم تك تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمركم بالمعروف، ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه»[4]. قال الشاعر: يا أيها الرجل المعلم غيره ![]() هلاّ لنفسك كان ذا التعليم ![]() تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا ![]() كيما يَصح به وأنت سقيم ![]() ونراك تُصلح بالرشاد عقولنا ![]() أبدًا وأنت من الرَّشاد عديم ![]() فابدأ بنفسك فانهها عن غيها ![]() فإذا انتهتْ عنه فأنت حكيمُ ![]() فهناك يُقبل ما تقول ويُقتدى ![]() بالعلم منك ويَنفع التعليم ![]() لا تنهَ عن خُلق وتأتي مثله ![]() عارٌ عليك إذا فعلت عظيم[5] ![]() وامتثال الإنسان لما يأمر به، واجتنابه لما ينهى عنه من أعظم أسباب القبول لأمره ونهيه عند الناس، لكنه ليس شرطًا في الأمر والنهي لانفكاك الجهة، فعليه أن يأمر نفسه وينهاها، ويبدأ بها، فإن لم يأمر نفسه ولم ينهها، فلا يبرر له ذلك ترك أمر غيره ونهيه، فهو يحاسب على الأمرين، ولهذا قال تعالى عن بني إسرائيل: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ [المائدة: 79]، وهذا يقتضي اشتراكهم في الفعل، وذمهم على ترك التناهي. وكما قيل: إذا لم يَعظ في الناس من هو مذنب ![]() فمن يَعظ العاصين بعد محمد ![]() ![]() ![]() ومن آداب الأمر والنهي: القول اللين؛ كما قال عز وجل لموسى وهارون، وقد أرسلهما إلى أعتى الخلق، فرعون الذي ادَّعى الربوبية والألوهية: ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه: 43، 44]. وقال الله - عز وجل - لسيد الخلق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159]. فليت كثيرًا ممن يتولون الأمر والنهي والدعوة والتوجيه، ينتبهون لهذا، ويتفطنون له، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما كان العنف في شيء إلا شانه»[6]، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله رفيق يُحب الرِّفق في الأمر كله، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف»[7]. ومن آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: توطين النفس على الأذى في سبيل ذلك، والصبر عليه؛ كما قال تعالى حكاية عن لقمان أنه قال لابنه وهو يعظه: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [لقمان: 17]، وقال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ﴾ [العنكبوت: 10]. 23- عِظم مكانة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لهذا خصهما الله بالذكر وقرن بينهما في الآية. 24- أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من أعظم الدعاء إلى الخير، ولهذا عطف عليه من عطف الخاص على العام. 25- وعد الله عز وجل الذي لا يتخلف للدعاة إلى الخير، والآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر بالفلاح، وتأكيد ذلك لهم، بل وحصره فيهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾. وهذا يدل على فضل الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكفى ذلك شرفًا أنه طريق الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام. 26- نهي المؤمنين عن التفرق والاختلاف، كما فعل أهل الكتاب من بعد ما جاءهم البينات؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾؛ كما قال عز وجل عنهم: ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ﴾ [الحشر: 14]. 27- أن ترك الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم أسباب التفرق والاختلاف؛ لأن الله أعقب الأمر بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بالنهي عن التفرق والاختلاف. 28- ذم أهل الكتاب الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، وقامت عليهم الحجة. 29- إذا كان التفرق والاختلاف قد يُبرر قبل مجيء البينات، فإن التفرق والاختلاف بعد مجيء البينات، وظهور الحق، أمر لا مبرر له، ولا يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾. 30- بيان الحق في هذه الشريعة الكاملة أتمَّ بيان، في كتاب الله - عز وجل - وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مما لا عذر فيه في التفرق والاختلاف. 31- الوعيد الشديد للذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾. 32- أن مَن سلكَ مسالكَ أهلِ الكتاب وسَننهم السيئة من هذه الأمة، فمصيره مصيرهم. [1] هذا البيت من قصيدة لي. [2] أخرجه الترمذي في الفتن (2169)، وأحمد (5/ 388). [3] أخرجه مسلم في الإيمان (49)، وأبو داود في الصلاة (1140)، والنسائي في الإيمان وشرائعه (5008)، والترمذي في الفتن (2172)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (1275). [4] أخرجه البخاري في بدء الخلق - صفة النار وأنها مخلوقة (3267)، ومسلم في الزهد والرقائق (2989). [5] الأبيات لأبي الأسود الدؤلي؛ انظر: «ديوانه» (ص404). [6] أخرجه مسلم في البر (2594)، من حديث عائشة رضي الله عنها. [7] أخرجه البخاري في الاستئذان (6356)، ومسلم في البر (2593)، من حديث عائشة - رضي الله عنها، وأخرجه أبو داود في الأدب (4807)، وأحمد (4/ 87)، من حديث عبدالله بن مغفل رضي الله عنه.
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ * وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾[آل عمران: 106 - 109]. قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾. نهى الله تعالى هذه الأمة أن يكونوا كالذين تفرَّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، وتوعَّدهم بالعذاب العظيم، ثم أتْبعه ببيان متى يكون ذلك وحال الناس فيه، وذكر شيء من جزائهم. قوله: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ ﴾ «يوم»: ظرف زمان منصوب متعلق بالخبر المحذوف للعذاب في قوله: ﴿ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: 105]؛ أي: استقر لهم عذاب عظيم يوم تبيضُّ وجوه، أو بمضمر تدل عليه الجملة، أي: يُعذَّبون يوم تبيض وجوه، أو بمحذوف تقديره: «اذكر»؛ أي: اذكر يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. والمراد به يوم القيامة، وعرَّفه بما يحصل فيه من بياض وجوه، وسواد وجوه؛ تعظيمًا له وتهويلًا، وترغيبًا وتشويقًا، وترهيبًا وتخويفًا. ومعنى ﴿ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ ﴾؛ أي: تكون بيضاء تعلوها النضارة والنور، وهي وجوه المؤمنين السعداء؛ كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22، 23]، وقال تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ﴾ [عبس: 38، 39]، وقال تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: 24]. وقال صلى الله عليه وسلم: «لكم سيما ليست لأحد من الأمم، تَردون عليَّ غرًّا محجلين من أثر الوضوء»[1]. فوجوههم بيضاء مسفرة مستنيرة، بسبب ما يُقابَلون به من التهنئة والبشارة بالجنات، وما فيها من ألوان النعيم، وما هم فيه من الفرح والسرور والأمن؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82]. وقدَّم ذكر بياض وجوه؛ لأن رحمة الله تعالى تسبق غضبه. ﴿ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾؛ أي: تكون سوداءَ مظلمة، وهي وجوه الأشقياء من الكفرة وأهل الأهواء والبدع والمعاصي؛ كما قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾ [الزمر: 60]، وقال تعالى: ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ﴾ [عبس: 40 - 42]. وذلك لما في قلوبهم من الغم والهم وشدة الخوف، وما يُلاقون من التوبيخ والتقريع، ولما يترقَّبون ويتوقَّعون من حلول النقمة والعذاب الأليم عليهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴾ [القيامة: 24، 25]. ولا تنافي بين قوله: ﴿ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾، وقوله: ﴿ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ﴾، وبين قوله تعالى: ﴿ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ﴾ [طه: 102]، لاختلاف الأحوال والأوقات، ففي بعضها يكونون زرقًا، وفي بعضها يكونون سودًا. وأيضًا فقد قال بعض المفسرين في قوله: ﴿ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ﴾؛ أي زُرق العيون، وهذا لا ينافى سواد الوجوه. وقيل: المراد بالسواد ما يجمع الزُّرقة والسواد، فيكون المعنى واحدًا، وقيل غير ذلك. ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ ﴾: الفاء عاطفة للتفريع، و«أما» للتفصيل، وبدأ بذكر الذين اسودَّت وجوههم في هذا التفصيل، بينما أخَّرهم فيما قبل، وهذا من باب اللف والنشر، فبدأ هنا بحال الذين اسودَّت وجوههم لمجاورته: ﴿ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾، وتعجيلًا بذكر مساءتهم، وليكون الاختتام بالحال الحسن كما ابتُدئ بالوصف الحسن. ﴿ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾: الاستفهام للإنكار عليهم والتوبيخ لهم، والتعجب من حالهم، أي: فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم، وجواب «أما» لابد فيه من الفاء، فلما سقط الجواب سقطت الفاء معه، وجاز ترك الجواب لدلالة السياق عليه. وأُبهم القائل؛ للتهويل، وليعم كل قائل، فيحتمل أن القائل لهم ذلك هو الله تعالى، أو الملائكة، أو أهل المحشر، أو الرسول صلى الله عليه وسلم. وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: «ليَردن عليَّ أقوام أعرفهم ثم يختلجون دوني، فأقول يا رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ماأحدثوا بعدك»[2]. واختلف في المعنِيِّين بقوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾، فقيل: هم أهل الكتاب، آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل بَعثته، فلما بُعث كفروا به، وقيل: هم أهل الأهواء والبدع، وقيل: هم المنافقون، آمنوا بالظاهر، وكفروا بالباطن. والظاهر أن الوصف بسواد الوجوه والتوبيخ بقوله: ﴿ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾: يعم جميع الكفار، كما أن الوصف ببياض الوجوه، وحصول الرحمة، ودخول الجنة، يعم جميع المؤمنين. وقد يحمل الإيمان في قوله: ﴿ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ في حق البعض أنهم آمنوا ثم ارتدُّوا وكفروا، أو غير ذلك. وقد يحمل في حق الجميع على الفطرة؛ لأن الإيمان في الأصل هو دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها؛ كما قال عز وجل في الحديث القدسي: «إني خلقت عبادي حنفاءَ كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتْهم عن دينهم»[3]. وقال صلى الله عليه وسلم: «ما من مولودٍ إلا يولَد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه، أو ينصِّرانه، أو يمجِّسانه»[4]. ﴿ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾؛ أي: ويقال لهم: ﴿ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾. ومعنى ﴿ فَذُوقُوا الْعَذَابَ ﴾؛ أي: قاسوا العذاب وتجرَّعوه وأحسُّوا به، و«العذاب»: العقوبة والنكال، والأمر للإهانة. فجمع لهم بين العذاب المعنوي المؤلم للقلب، بالتقريع والتوبيخ والتنديم والإهانة، وبين العذاب الحسي المؤلم للبدن، والعذاب المعنوي لا يقل عن العذاب الحسي، بل هو أشد منه. ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾: الباء للسببية، و«ما» مصدرية، أي: بسبب كفركم وعدم إيمانكم. قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾. كما بدأ بذكر بياض وجوه المؤمنين ختَم بالكلام على حُسن حالهم، فقال: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ ﴾: الواو: عاطفة، و«أما» تفصيلية كسابقتها؛ أي: وأما الذين ابيضَّت وجوههم، وهم المؤمنون. ﴿ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾: الفاء واقعة في جواب «أما»، و«في» للظرفية، والمراد برحمة الله تعالى هنا رحمته المخلوقة، وهي الجنة؛ كما قال عز وجل في الحديث القدسي للجنة: «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي»[5]. فسمى «الجنة» رحمته؛ لأنه - عز وجل - يرحَم بها من يشاء، ولأنهم لا يدخلونها إلا برحمته؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «لن يُدخل أحدًا عملُه الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمَّدني الله بفضل ورحمة»[6]. ﴿ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾؛ أي: هم ماكثون فيها مقيمون مكثًا أبديًّا، وإقامة دائمة؛ لأن الجنة لا تَفنى ولا يَفنى نعيمُها، ولا أهلها يخرجون منها؛ كما قال تعالى: ﴿ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾ [الحجر: 48]. قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ ﴾؛ كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [البقرة: 252]. قوله: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ ﴾: الإشارة لما سبق من الآيات، وبخاصة من الآيات من بعد قوله: ﴿ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: 58]، وقد تكون الإشارة للقرآن كله، ويقوي هذا كونها جاءت بصيغة البعد «تلك». و«آيات» جمع آية، وهي العلامة، والمراد بها هنا: آيات الله الشرعية؛ آيات القرآن الكريم، وسُمِّي القرآن الكريم آيات الله؛ لما فيه من الإعجاز في ألفاظه ومعانيه وأحكامه وأخباره، وكونه صالحًا لكل زمان ولكل مكان، ولكل أمة، دالًّا على كمال الخالق - عز وجل - في ذاته وأسمائه وصفاته، واستحقاقه العبادة وحده دون سواه، وعلى صدق من جاء به، ولما فيه من صفات الخلود والشمول والكمال، وقال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]، وقال تعالى: ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [الأنعام: 38]، وقال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ [المائدة: 3]، وقال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82]. ﴿ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ ﴾؛ أي: نقرؤها عليك بواسطة جبريل عليه السلام؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴾ [الشعراء: 192 - 194]، وقال تعالى: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ [القيامة: 16 - 19]؛ أي: إذا قرأه جبريل عليه السلام، فاتَّبع قراءته. ﴿ بالحقِّ ﴾: حال؛ أي: نتلوها عليك حال كونها متلبسة بالحق، والحق الأمر الثابت، فهي بنفسها حق؛ كما قال تعالى: ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ [فصلت: 42]. وطريق وصولها حقٌّ، وسندها أصحُّ الأسانيد وأعلاها، نزلت من عند الله - عز وجل - بواسطة جبريل الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴾ [الشعراء: 192 - 194]. وهي أيضًا مشتملة على الحق، أخبارها صدق وأحكامها عدل؛ كما قال تعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ﴾ [الأنعام: 115]؛ أي: صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام. ﴿ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ ﴾: لما ذكر عز وجل انقسام الناس إلى قسمين: قسم تبيض وجوههم، وقسم تسود وجوههم، وما لكل منهم من الجزاء - أتْبع ذلك بنفي أن يريد ظلمًا للعالمين، في إشارة إلى أن كلًّا منهما جُوزي بما عمِل من غير ظلم بزيادة في عذاب مذنب، أو نقصٍ من ثواب محسن؛ أي: لا يريد كونًا؛ أي: لا يشاء. والواو في قوله ﴿ وَمَا ﴾: استئنافية، و«ما»: نافية عاملة عمل «ليس»، ولفظ الجلالة اسمها، وجملة ﴿ يُريد ﴾ في محل نصب خبرها، و﴿ ظُلمًا ﴾ مفعول لـ«يريد»، وهي نكرة في سياق النفي تدل على انتفاء جنس الظلم أن تتعلق به إرادة الله تعالى، و«العالمين» كل ما سوى الله تعالى. فنفى عز وجل أن يريد ظلمًا للعالمين، بأن يعذِّب أحدًا منهم بغير ذنب، أو يزيد في عقابه، أو يَضيع عنده ثوابُ أحد أو يَنقُص؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [آل عمران: 182]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [يونس: 44]. قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾. نفى عز وجل أن يريد ظلمًا للعالمين، ثم أيَّد هذا النفي وقوَّاه ببيان أن له ما في السماوات والأرض، وإليه مرجعُ الأمور كلها، فليس هناك ما يدعوه للظلم؛ لأنه سبحانه وتعالى ذو الكمال في ذاته وصفاته، وفي ملكه وسلطانه وغناه، وفي قدرته على كل شيء. والظالم إنما يظلم غيره؛ ليُكمل نقصًا في نفسه، أو ليزداد عزًّا أو سلطانًا أو ملكًا. قوله: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ الواو: عاطفة، ولفظ الجلالة «الله» متعلق بمحذوف خبر مقدم، و«ما»: اسم موصول يفيد العموم بمعنى «الذي» في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾: معطوف على ما قبله، وجاء التعبير بـ«ما» في الموضعين بدل «من» تغليبًا للعالم على غير العالم. وقدِّم الخبر لإفادة الحصر، أي: ولله وحدَه كل الذي في السماوات والذي في الأرض؛ خلقًا وملكًا. ﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ بيَّن - عز وجل - أن له ما في السماوات والأرض خلقًا وملكًا، ثم بيَّن أن مرجع الأمور كلها إليه تدبيرًا وتصريفًا. وقدِّم الخبر هنا أيضًا لإفادة الحصر، أي: وإلى الله تعالى وحده وإلى حكمه وقضائه ترجع الأمور كلها؛ أي: إليه وحده تصير وتعود جميع الأمور والشؤون؛ كما قال تعالى: ﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾ [الشورى: 53]. وأظهر في الجمل الثلاث بذكر لفظ الجلالة «الله» دون الإضمار؛ تعظيمًا لله - عز وجل - ولتكون كل جملة منها مستقلة الدلالة بنفسها. [1] أخرجه البخاري في الطهارة (136)، ومسلم في الطهارة (247)، وابن ماجه في الزهد (4282)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [2] أخرجه البخاري في الرقاق (6582)، ومسلم في الفضائل (2304)، والنسائي في الافتتاح (904)، من حديث أنس رضي الله عنه. [3] أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها (2865)، من حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه. [4] أخرجه البخاري في الجنائز (1358)، ومسلم في القدر (2658)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [5] أخرجه البخاري في التفسير- باب قوله: ﴿ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ﴾ [ق: 30] (4850)، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها- النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (2846)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [6] أخرجه البخاري في المرض (5673)، ومسلم في صفة القيامة (2816)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ... ﴾ فوائد وأحكام من قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ * وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ [آل عمران: 106 - 109]. 1- إثبات البعث والجزاء، والحث على تذكُّره والتذكير به، وأحوال الناس فيه ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ ﴾ الآية. 2- انقسام الناس يوم القيامة إلى فريقين، فريق تبيض وجوههم، وفريق تسود وجوههم؛ لقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾. 3- أن الوجه مرآة يظهر عليها أثرُ الحالة التي فيها الإنسان من فرح واستبشار، أو خوف وقلق واضطرابٍ؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [النحل: 58]، وفي الحديث: «أنه صلى الله عليه وسلم إذا سُرَّ استنار وجهه كأنه قطعةُ قمر»[1]. 4- أن الذين تسود وجوههم يوم القيامة هم الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾ [يس: 59]. 5- أن الأصل في العباد الإيمان، فهو دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وأن الكفر طارئ عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾. 6- شدة عذاب الكفار، وأنه يجمع لهم بين التقريع والتوبيخ والعذاب المعنوي القلبي، وبين العذاب الحسي البدني؛ لقوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾. 7- إثبات الأسباب وتأثيرها في مسبباتها بأمر الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾. 8- التحذير من الكفر؛ لأن الله رتَّب عليه اسودادَ الوجوه والعذاب والنكال المعنوي والحسي، القلبي والبدني. 9- أن الذين تبيضُّ وجوههم يوم القيامة هم المؤمنون؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾، وهذا إنما يكون لأهل الإيمان. 10- أن الجنة رحمة الله تعالى يرحم بها من يشاء؛ لقوله تعالى: ﴿ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾. 11- إثبات خلود أهل الجنة في رحمته - عز وجل - وجنته خلودًا أبديًّا لا يحول ولا يزول؛ لقوله تعالى: ﴿ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾، فالجنة لا تفنى ولا يفنى نعيمها ولا أهلها. 12- الترغيب في الإيمان لما رتَّب الله عليه من بياض الوجوه ورحمته - عز وجل - والخلود في جنته. 13- تعظيم آيات الله الشرعية، آيات القرآن الكريم؛ لأن الله أشار إليها بإشارة البعيد تعظيمًا لها؛ لقوله تعالى: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ ﴾. 14- دلالة القرآن الكريم بإعجازه في ألفاظه ومعانيه وأحكامه وأخباره - على أنه من عند الله - عز وجل - ذي الكمال في ذاته وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، المستحق للعبادة دون سواه؛ لهذا سمي القرآن الكريم آيات الله. 15- نزول القرآن الكريم وتلاوته على الرسول صلى الله عليه وسلم بالحق، فهو حق ثابت، وطريق وصوله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم حق، وهو مشتمل على الحق، أخباره صدق وأحكامه عدل؛ لقوله تعالى: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ﴾. 16- إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وتشريفه وتكريمه بخطاب الله تعالى له؛ لقوله تعالى: ﴿ عَلَيْكَ ﴾. 17- نفي إرادة الظلم عن الله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ ﴾، ونفي إرادته - عز وجل - للظلم لا يدل على استحالة ذلك في حقه، كما يزعم المعتزلة، بل لو شاء إرادة ذلك لفعل، لكنه تعالى لا يريد الظلم، وقد حرمه على نفسه. 18- إثبات الإرادة لله تعالى لمفهوم قوله: ﴿ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ ﴾، فمفهوم هذا أنه - عز وجل - يريد العدل فيهم. 19- نفي الظلم عن الله عز وجل؛ لأنه إذا انتفى عنه إرادة الظلم، فانتفاء الظلم عنه من باب أَولى. 20- إثبات كمال عدل الله تعالى؛ لأن نفي إرادة الظلم عنه من الصفات السلبية التي تدل على كمال ضدها، وهو عدله في جميع أحكامه الشرعية والجزائية والكونية. 21- عموم ملك الله عز وجل، وأن كل ما في السماوات وما في الأرض له وحده؛ خلقًا وملكًا وتدبيرًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾. 22- أن مرجع الأمور كلها ومصيرها إلى الله تعالى وحده، وإلى حكمه وقضائه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾. 23- أنه ليس ثمة ما يدعو لإرادته تعالى للظلم، وذلك لعصمته - عز وجل - وكماله، وتمام عزته وسلطانه، وعموم مُلكه وسَعته. [1] أخرجه البخاري في المناقب (3556)، ومسلم في التوبة (2769)، والترمذي في التفسير (3102)، من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه.
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى:﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ...﴾ قوله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ * لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ * ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 110 - 112]. 1- شهادة الله تعالى لهذه الأمة بأنها خير الأمم؛ لقوله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ الآية. ولا تعارض بين هذا وبين قوله تعالى في بني إسرائيل: ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [البقرة: 47]؛ لأن المراد به عالمو زمانهم، يقوي هذا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه: «أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله»[1]. وقوله صلى الله عليه وسلم: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أعطوا الكتاب من قبلنا»[2]. وهذا مما خص الله تعالى به هذه الأمة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «وجعلت أمتي خير الأمم»[3]. عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفًا، أو سبعمائة ألف، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر»[4]. 2- أن سبب خيرية هذه الأمة على غيرها من الأمم كونها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، وبهذا امتازت هذه الأمة وتميزت عن سائر الأمم؛ لقوله تعالى: ﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه ﴾، فمتى تخلت الأمة عن القيام بهذه الشعيرة، فإنها لا تستحق هذه الخيرية، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «من سره أن يكون من تلكم الأمة، فليؤدِّ شرط الله منها»[5]. 3- التعريض بما عليه أهل الكتاب من عدم التناهي عن المنكر، كما قال تعالى عنهم: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [المائدة: 78، 79]. بل ومن عدم الإيمان بالله حقًا وبما أوجب الإيمان به؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ [النساء: 150، 151]. 4- أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعظم مكانتهما في الإسلام؛ لأن الله رتَّب الخيرية على القيام بهما مع الإيمان بالله. ولهذا عدَّ بعض أهل العلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الركن السادس من أركان الإسلام. 5- أنه كلما قامت الأمة بهذا الواجب العظيم؛ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كثُر فيها الخير والصلاح، وظهر فيها الحق، وبإضاعة هذا الواجب يكثر الشر، وينتشر الفساد، ويعلو صوت الباطل، كما هو الحال في كثير من البلاد الإسلامية، ولن يعود للأمة مجدها وعزها وسؤددها وكرامتها، ولن تحقق خيريَّتها إلا بالقيام بهذه الشعيرة العظيمة، فهي صمام أمان للأمة. 6- إثبات التفاضل بين العمال، وتفاضل العمال بتفاضل الأعمال؛ لقوله تعالى: ﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾، وفي هذا دليل على زيادة الإيمان ونقصانه؛ كما هو مذهب أهل السنة والجماعة. 7- أن الإيمان بالله شرط لصحة وقبول جميع الأعمال من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾. 8- البشارة ببقاء هذه الشعيرة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإيمان بالله في هذه الأمة؛ لقوله تعالى: ﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾، وكما قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك»[6]. 9- التنديد بمسلك أهل الكتاب باختيار الكفر بدل الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾. 10- أن أهل الكتاب منهم المؤمنون، وأكثرهم الفاسقون؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾. 11- عدم الاغترار بما عليه أكثر الخلق، فأكثرهم ليسوا على الحق والإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾. 12- أن أهل الكتاب لن يضروا المسلمين في قتال أو غلبة ونحو ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ﴾، وهذا وعد من الله - عز وجل - لا يتخلف مع تحقيق الإيمان والقيام بأمر الله تعالى من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من واجبات الدين، فإن فرَّطت الأمة في ذلك - كما هو حال المسلمين اليوم - فليس بين الله وبين أحد من خلقه نسب. 13- أن أهل الكتاب قد يستطيعون أذى المؤمنين بالاستهزاء بهم وبدينهم وبرسولهم؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَذًى﴾؛ أي: لكن يؤذونكم أذى بالاستهزاء ونحوه. وقد كان اليهود ينادون الرسول صلى الله عليه وسلم بقولهم: «راعنا» ويورون بوصفه صلى الله عليه وسلم بالرعونة، فنهى الله - عز وجل - المؤمنين عن هذه الكلمة بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 104]، وكانوا يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بقولهم: «السام عليكم»[7] أي: الموت. 14- أن أهل الكتاب لو قاتلوا المسلمين، لولَّوا أدبارهم المسلمين فارين منهزمين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ﴾ لما هم عليه من الخوف والجبن وفي الإخبار بهذا تقوية للمسلمين وتثبيت لهم. وهذا مرهون بصدق المسلمين مع الله وتمسكهم حقًّا بدينهم، وإعداد القوة مما يجعل لهم القوة والهيبة في نفوس أعدائهم؛ كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث: «نُصرت بالرعب مسيرة شهر»[8]. وما حصل من استئساد لليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر، ليس لشجاعة فيهم، وإنما سبب ذلك تخلي المسلمين عن الأسباب التي رتب الله النصر عليها، من التمسك حقًّا بدينهم، وإعداد القوة، ففقدوا القوتين القوة المعنوية بعدم التمسك بدينهم، والقوة المادية بعدم إعداد العدة والعتاد، وبهذا خلا الجو لغيرهم واستأسد الفأر، وكما قيل: خلا لك الجو فبيضي واصفري ![]() ونقِّري ما شئت أن تنقِّري[9] ![]() ![]() ![]() والله - عز وجل - لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد: 11]. 15- أن أهل الكتاب لا ينصرون على أهل الإيمان سواء قاتلوهم أم لم يقاتلوهم؟ لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ﴾. وهذا وذاك والذي قبلهما، أعني عدم نصرة أهل الكتاب، وتوليتهم الأدبار، وعدم ضررهم المؤمنين إلا أذى كل هذا مشروط باجتماع القوتين المعنوية والمادية عند المسلمين؛ المعنوية بتمسكهم بدينهم عقيدة وقولًا وعملًا، والمادية بإعداد العدة والعتاد؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: 60]. 16- ضرب الذلة على أهل الكتاب وبخاصة اليهود وملازمتها لهم، وعدم انفكاكها عنهم، حتى ولو صار لهم بعض الظهور، فإنهم أذلاء مهزومون من الداخل؛ لقوله تعالى: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا ﴾، فحالهم كحال الذي يصيح ويصرخ وهو الأعلى، فقيل: كيف تصرخ وأنت الأعلى؟ فقال: أخاف أن يقلب بي. 17- أن الذلة لا ترتفع عن أهل الكتاب إلا بحبل من الله، أي: إلا بعهد من الله بأن يسلموا، أو يدفعوا الجزية، فيكونوا أهل ذمة، تحفظ لهم بذلك حقوقهم وكرامتهم، أو بحبل من الناس كالعهد أو الأمان بينهم وبين المسلمين، ونحو ذلك. 18- غضب الله على أهل الكتاب وبخاصة اليهود؛ لقوله تعالى: ﴿ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ﴾. 19- إثبات صفة الغضب لله تعالى على ما يليق به، وهو من الصفات الفعلية الاختيارية المتعلقة بمشيئته عز وجل، وهو صفة كمال لله تعالى عند حصول سببه، كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ [الزخرف: 55]. 20- ضرب المسكنة على أهل الكتاب، فهم فقراء النفوس والقلوب، حتى ولو كانوا من أكثر الناس مالًا وثروة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ﴾، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس»[10]. 21- الدلالة على نبوته صلى الله عليه وسلم وصدق ما جاء به من الإخبار بالغيب الذي وقع من ضرب الذلة والمسكنة على اليهود، وغير ذلك. 22- أن السبب في ضرب الذلة على أهل الكتاب، وغضب الله عليهم، وضرب المسكنة عليهم، هو كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق، وعصيانهم واعتداؤهم؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾. 23- إثبات العلة والحكمة في أفعال الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾. 24- أن قتل الأنبياء لا يمكن أن يكون بحق؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾. 25- التشنيع على أهل الكتاب وبيان شدة عتوهم وطغيانهم؛ حيث جمعوا بين الكفر بآيات الله وقتل الأنبياء بغير حق، وبين العصيان والعدوان، بين معصية الله تعالى بالكفر، والاعتداء بقتل الأنبياء بغير حق. 26- أن المعاصي يجر بعضها بعضًا؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾. 27- ربط الأشياء بأسبابها والعقوبات بموجباتها وبيان عدل الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا ﴾. 28- التحذير من مسالك أهل الكتاب من الكفر بآيات الله والعصيان والاعتداء ونحو ذلك. [1] أخرجه الترمذي في التفسير- سورة آل عمران- (3001)، وابن ماجه في الزهد- صفة محمد صلى الله عليه وسلم (4288)، وأحمد (1/ 126، 4/ 447)، وقال الترمذي: «حديث حسن»، وقال ابن كثير في «تفسيره» (2/ 78): «وهو حديث مشهور، وقد حسَّنه الترمذي، ويروى من حديث معاذ بن جبل، وأبي سعيد، ونحوه». [2] أخرجه البخاري في الجمعة (876)، ومسلم في الجمعة (855)، والنسائي في الجمعة (1367)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [3] أخرجه أحمد (1/ 98)، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. [4] أخرجه البخاري في بدء الخلق (3247)، ومسلم في الإيمان (373)، من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه. [5] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (5/ 673). [6] سبق تخريجه قريبًا. [7] سبق تخريجه. [8] أخرجه البخاري في التيمم (335)، ومسلم في المساجد (521)، والنسائي في الغسل والتيمم (432)، من حديث جابر رضي الله عنه. [9] البيت لطرفة بن العبد؛ انظر: «ديوانه» (ص46). [10] أخرجه البخاري في الرقاق (6446)، ومسلم في الزكاة (1051)، والترمذي في الزهد (2373)، وابن ماجه في الزهد (4137)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ... ﴾ تفسير قوله تعالى: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 113 - 115]. قوله تعالى: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾. ذكر الله - عز وجل - في الآيات السابقة أن أكثر أهل الكتاب فاسقون، وضرب الذلة والمسكنة والغضب عليهم بسبب كفرهم وقتْلهم الأنبياءَ بغير حقٍّ، وعصيانهم واعتدائهم، ثم أتبع ذلك ببيان أن أهل الكتاب ليسوا سواءً، فمنهم أمة مؤمنة قائمة على أمر الله، وفيه تأكيد لقوله تعالى في ذلك: ﴿ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران: 110]. عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «لما أسلم عبد الله ابن سلام، وثعلبة بن سَعْيَة، وأسيد بن سَعْيَة، وأسد بن عبيد، ومن أسلم من يهود معهم، فآمنوا وصدَّقوا، ورغبوا في الإسلام، وتنحَّوا فيه[1]، قالت أحبار يهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد ولا اتَّبعه إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم، وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [آل عمران: 113، 114]»[2]. قوله: ﴿ ليسوا ﴾ الضمير يعود إلى أهل الكتاب، والمراد بهم الموجودون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والواو: اسم ليس. ﴿ سواء ﴾: خبرها، و«سواء» بمعنى متساوين؛ أي: ليسوا على حد سواء؛ كلهم فاسقون وكفار، بل منهم المؤمنون؛ كما قال تعالى قبل هذا: ﴿ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: 110]، ولهذا قال تعالى هنا: ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾، وفي هذا إنصاف لهم، واحتراز من أن يظن أن أهل الكتاب كلهم على غير الإيمان. وقوله: ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾: جملة مستأنفة، وهو وما بعده بيان لقوله: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً ﴾. وأظهر هنا في مقام الإضمار، فلم يقل: «منهم» بل قال: ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾- والله أعلم - لطول الفصل بين الظاهر الذي ترجع إليه الضمائر، أو لاستئناف الجملة، ولتكون الجملة مستقلة بنفسها ومعناها، ولتشريف هذه الأمة من أهل الكتاب. و﴿ من أهل ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، و﴿ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾: اليهود والنصارى. ﴿ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾: ﴿ أُمَّةٌ ﴾: مبتدأ مؤخر، وجاز الابتداء بها وهي نكرة لوصفها بـ﴿ قَائِمَةٌ ﴾. و﴿ أُمَّةٌ ﴾؛ أي: طائفة وجماعة. ﴿ قَائِمَةٌ ﴾؛ أي: ثابتة على الحق، مستقيمة على طاعة الله تعالى قائمة بأمره؛ كما قال تعالى: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [هود: 112]، وقال تعالى: ﴿ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُم ﴾ [الشورى: 15]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [فصلت: 30]. وقال صلى الله عليه وسلم: «قل آمنت بالله ثم استقم»[3]، وقال عليه الصلاة والسلام: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها؛ كمثل قوم استهموا على سفينة»[4]. ﴿ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ ﴾ الجملة في محل رفع صفة ثانية لـ«أمة»، ويجوز كونها في محل نصب على الحال والتعبير بالمضارع في «يتلون»، وفي الأفعال بعده للدلالة تجدد هذه الأفعال منهم. والمراد بـ﴿ آيَاتِ اللَّهِ ﴾ آياته الشرعية «القرآن الكريم». وتلاوتها تكون بقراءتها قراءة لفظية - مع تدبر معانيها، وتكون باتباعها والعمل بأحكامها - وكل منهما مراد هنا، فالمعنى: يقرؤون آيات الله الشرعية ويعملون بما فيها. ﴿ آنَاءَ اللَّيْلِ ﴾؛ أي: أوقات الليل وساعاته، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ﴾ [الأحزاب: 53]؛ أي: غير منتظرين وقت نضجه. ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾: الجملة مستأنفة؛ أي: وهم يسجدون لله ويصلون، ويحتمل كونها في محل نصب على الحال من الواو في قوله: ﴿ يَتْلُونَ ﴾؛ أي: يتلون آيات الله وهم ساجدون؛ أي: وهم يصلون. والسجود يطلق على السجود على الأعظم السبعة؛ كما في الحديث: «أُمرت أن أسجد على سبعة أعظم»[5]. كما يطلق السجود على الصلاة كلها، وإنما خُصَّ السجود بالذكر أو أطلق على الصلاة كلها؛ لأنه أفضل حالات الصلاة، فهو أفضل من القيام، ومن الركوع؛ لأنه أدل على كمال الخضوع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد»[6]، وقوله صلى الله عليه وسلم لربيعة الأسلمي لما سأله مرافقته في الجنة، قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود»[7]. فوصفهم في هذه الآية بتلاوة آيات الله، وهي أفضل الذكر، وبالسجود وهو أفضل الحالات؛ الصلاة، والسجود فيها؛ أي: جمعوا بين أفضل القول وهو تلاوة القرآن، وأفضل الفعل وهو السجود لله تعالى. قوله تعالى: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾. قوله: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾: الكلام مستأنف، وقدم ذكر تلاوة آيات الله والسجود على الإيمان بالله واليوم الآخر، والله أعلم؛ لأن تلاوة آيات الله سبب للإيمان به وباليوم الآخر، والثبات على ذلك. ﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾: الجملة مستأنفة، ويجوز أن تكون صفة لـ«أمة» وأن تكون حالًا؛ كما قال تعالى قبل هذا: ﴿ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران: 110]؛ أي: يصدقون بوجود الله تعالى وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. ﴿ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾: معطوف على ما قبله؛ أي: ويصدقون باليوم الآخر، وهو يوم القيامة، وما يقع فيه من الأهوال والحساب والجزاء والجنة والنار، وغير ذلك، وسُمي بـ«اليوم الآخر»؛ لأنه لا يوم بعده، فآخر ليلة من الدنيا صبيحتها يوم القيامة. ويَقرن عز وجل في القرآن الكريم الإيمان باليوم الآخر كثيرًا بالإيمان به - سبحانه وتعالى - لأن الإيمان باليوم الآخر من أعظم ما يَحمل ويُحفز على العمل؛ حيث فيه الحساب والجزاء على الأعمال. ﴿ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ معطوف على قوله: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾، وخُص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالذكر لعِظَم مكانته في الإسلام، ومقابلة لوصف المؤمنين به في قوله قبل هذا: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: 110]، فوصف به أهل الكتاب؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ [الأعراف: 159]. ﴿ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ﴾: معطوف على ما قبله، من عطف العام على الخاص، وعُدي الفعل «يسارعون» بـ«في» دون «إلى»؛ ليتضمن ذلك المسارعة إلى الخيرات، والمسارعة في الخيرات أثناء القيام بها، فهم يفعلون الخيرات ويبادرون إلى فعلها وفي فعلها ويكملونها. و﴿ الخيرات ﴾: جمع «خيرة» أو «خير»، وهي كل ما يقرِّب إلى الله تعالى من فعل الواجبات والمندوبات؛ من الصلاة والزكاة والصيام والحج، وبر الوالدين والدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدقات والإحسان إلى الغير قولًا وفعلًا وبذلًا، وغير ذلك. ﴿ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾: الإشارة للأمة من أهل الكتاب القائمة بأمر الله تعالى الموصوفة بالصفات المذكورة، وأشار إليهم بإشارة البعيد «أولئك» تعظيمًا لشأنهم ورفعة لمنزلتهم، و«من» في قوله: ﴿ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾: تبعيضية، و﴿ الصَّالِحِينَ ﴾ جمع «صالح»، والصلاح ما توفر فيه الشرطان: الإخلاص لله تعالى، ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ كما قال تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 110]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ [النساء: 125]. قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾. قوله:﴿ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾: قرأ حمزة والكسائي وحفص وخلف بياء الغيبة: ﴿ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾، وقرأ الباقون بتاء الخطاب على الالتفات «وما تفعلوا من خير فلن تكفروه». والواو في قوله: ﴿ وَمَا يَفْعَلُوا ﴾: عاطفة، و«ما»: شرطية، و﴿ يَفْعَلُوا ﴾: فعل الشرط، و«مِن» في قوله: ﴿ مِنْ خَيْرٍ ﴾ بيانية فيها بيان الإبهام في اسم الشرط «ما»، أي: ﴿ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ ﴾؛ أي: أيّ خير كان، قليلًا كان أو كثيرًا، وأيًّا كان نوعه وكيفه وكمه. ﴿ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾: جملة جواب الشرط، وربط بالفاء لاقترانه بـ(لن). والمعنى: فلن يجحد ويستر ذلك الخير، أي: فلن يُحرموا ثوابه، ولن يضيع عند الله عز وجل، بل سيُجازون ويشكرون عليه، والكفر ضد الشكر؛ كما قال تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ [البقرة: 152]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾ [الإسراء: 19]. ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾؛ أي: والله ذو علم بالمتقين الذين اتقوا الله بفعل الخيرات وترك المحرمات، رجاء في ثوابه وخوفًا من عقابه. وفي ختم الآية بهذا تأكيد لقوله قبله: ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ ﴾الآية، ولقوله: ﴿ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾، وفيه وصف لهم بالمتقين وهو مسك ختام أوصافهم، ووعد لهم بالجزاء والثواب؛ كما قال تعالى في آخر السورة: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [آل عمران: 99]. [1] أي: توجهوا له، وصاروا في ناحيته وقصدوه. [2] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (5/ 691)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (3/ 737)، وانظر: «السيرة النبوية» لابن هشام (1/ 557). [3] أخرجه مسلم في الإيمان (38)، والترمذي في الزهد (2410)، وابن ماجه في الفتن (3972)، من حديث سفيان بن عبدالله الثقفي رضي الله عنه. [4] أخرجه البخاري في الشركة (2493)، والترمذي في الفتن (2173)، من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه. [5] أخرجه البخاري في الأذان (810)، ومسلم في الصلاة (490)، والنسائي في التطبيق (1097)، والترمذي في الصلاة (273)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (883)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. [6] أخرجه مسلم في الصلاة (482)، وأبو داود في الصلاة (875)، والنسائي في التطبيق (1137)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [7] أخرجه مسلم في الصلاة (489)، وأبو داود في الصلاة (1320)، والنسائي في التطبيق (1138)، من حديث ربيعة بن كعب رضي الله عنه.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |