|
|||||||
| رمضانيات ملف خاص بشهر رمضان المبارك / كيف نستعد / احكام / مسابقات |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
بِـسْـمِ اللَّهِ الـرَّحْـمَـنِ الـرَّحِـيـمِ الـسَّلَـامُ عَـلَـيْـكُـمْ وَرَحْـمَـةُ اللَّهِ وَبَـرَكَـاتُـهُ (19) رَمَضَانْ شَهَر العِفَة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فإن رمضانَ شهرُ العفَّة، وشهرُ شرفِ النفس وزكائها؛ ذلكم أن الصائم يدع طعامَه، وشرابَه، وشهوتَه لله -عز وجل- ويداومُ على هذا الصنيع شهراً كاملاً؛ فيحصل له بذلك حبسُ النفس عن شهواتها، وفطامها عن مألوفاتها، وتعديلُ قوَّتِها الشهوانيةِ؛ لتستعدَّ لطلب ما فيه سعادتُها، ونعيمُها، وقبولُ ما تزكو به في حياتِها الأبدية؛ فالصيامُ لجامُ المتقين، وجُنَّةُ المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين. والصيامُ يقوي الإرادةَ، ويدرِّب الصائمَ على أن يمتنع باختياره عن شهواته، ولذةِ حيوانيته؛ فَيصِل بذلك إلى حالةٍ نفسية بالغةِ السُّمُو، ويروِّض نفسه رياضةً عمليةً على معالي الأمور، ومكارم الأخلاق. وما أشدَّ حاجةَ النفوس إلى أن تروَّض على خلق العفة، ومِنَ العِفَّة ألا يكون الإنسان عبداً لشهواته، مسترسلاً مع كافة رغباته؛ فالنفس طلعة لا تقف عند حد. ومَنْ يطعمُ النفسَ ما تشتهي *** كمن يُطْعِمُ النارَ جزلَ الحطبْ ولا يكون من وراء اتباع كافة الشهوات إلا إذلالُ النفس، وموتُ الشرف، والضعة والتسفّل. وإن من عجائب حكمة الله، أن جعل مع الفضيلة ثوابَها من الصحة، والنشاط، وحُسن الأحدوثة. وجعل مع الرذيلة عقابَها من المرض، والحِطَّة، وسوء السمعة. ولو لم يأتِ من فضائل العفة، إلا أن يسلمَ الإنسانُ من شرور الفواحش، وينأى بنفسه عن أضرارها المتنوعة، كيف وقد قال الله - عز وجل -:(وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ). ولا ريب أن أعظمَ الفواحش فاحشتا اللواط، والزنا، قال ابن القيم -رحمه الله- متحدثاً عن تلك الفاحشتين: "فليس في الذنوب أفسدُ للقلب والدين، من هاتين الفاحشتين، ولهما خاصِّ-يَّةٌ في تبعيد القلب من الله؛ فإنهما من أعظم الخبائث، فإذا انصبغ القلبُ بهما بَعُد ممن هو طيب، لا يصعدُ إليه إلا طيب، وكلما ازداد خبثاً ازداد من الله بعداً". وقال-رحمه الله- مبيناً أضرار اللواط: "فإنه يحدث الهمَّ، والغمَّ، والنفرةَ، عن الفاعل والمفعول. وأيضاًَ؛ فإنه يسوَّد الوجه، ويظلم الصدرَ، ويطمس نورَ القلب، ويكسو الوجه وحشةً تصير كالسيماء، يعرفها من له أدنى فِراسة. وأيضاً؛ فإنه يوجب النُّفْرةَ، والتباغضَ الشديدَ، والتقاطع بين الفاعل والمفعول ولابد. وأيضاً؛ فإنه يفسد حالَ الفاعلِ والمفعولِ فساداً لا يكاد يُرجى بعده صلاح؛ إلا أن يشاء الله بالتوبة النصوح. وأيضاًَ؛ فإنه يَذْهَبُ بالمحاسن منهما، ويكسوهما ضدَّها، كما يذهب بالمودة بينهما، ويبدلُهما بها تباغضاً، وتلاعناً. وأيضاً؛ فإنه من أكبر زوال النعم، وحلول النِّقم؛ فإنه يوجب اللعن، والمقت من الله، وإعراضَه عن فاعله، وعدمَ نظره إليه؛ فأيُّ خيرٍ يرجوه بعد هذا؟ وأي شرِّ يأمنه؟ وكيف حياةُ عبدٍ حلَّت عليه لعنةُ اللهِ ومقتُه؟ وأعرض عنه بوجهه، ولم ينظر إليه؟!. وأيضاً؛ فإنه يذهب بالحياء جملةً، والحياءُ هو حياةُ القلوبِ؛ فإن فَقَدها القلبُ استحسن القبيحَ، واستقبح الحسنَ، وحينئذٍ فقد استحكم فساده". إلى أن قال -رحمه الله- متحدثاً عن أضرار اللواط: "وأيضاً؛ فإنه يورث من الوقاحة، والجرأة، ما لا يورثه سواه. وأيضاً فإنه يورث من المهانة، والسِّفال والحقارة ِما لا يورثه غيره. وأيضاً فإنه يكسو العبدَ حُلَّةَ المقت، والبغضاءِ، وازدراءِ الناس،واحتقارِهم إياه، واستصغارهم له -ما هو مشاهد بالحس". ا-ه-. ولقد أثبتت الدراساتُ الطبية الحديثة؛ أن لهذه الفعلة أضراراً كبيرة، على نفوس مرتكبيها، وعقولهم، وأبدانهم. فمن أضرارها: التأثير على الأعصاب،والمخ، وأعضاء التناسل، والدوسنتاريا، والتهابُ الكبد الفيروسي،بل كثيراً ما يؤدي إلى أمراض الشذوذ الخطيرة: كالزهري، والسيلان، والهربس، والإيدز. بل إنه على رأس الأسباب المؤدية لتلك الأمراض. وأكثر هذه الأضرار، يشترك فيها الزنا مع اللواط، ثم إن الزنا يجمع خلال الشر كلَّها، من قلة الدين،، وذهاب الورع، وفساد المروءة، وقلة الغيرة، ووأد الفضيلة؛ فالزنا سبب للفقر، ولذهاب حرمة فاعله وسقوطه من عين الله، وأعين عباده، والزنا يسلب صاحبَه اسمَ البرِّ، والعفيفِ، والعدلِ، ويعطيه اسمَ الفاجرِ، والفاسق، والزاني، والخائن. ومن أضرار الزنا: الوحشةُ التي تُوضع في قلب الزاني، وهي نظيرُ الوحشةِ التي تعلو وجهَه؛ فالعفيفُ على وجهه حلاوةٌ، وفي قلبه أنسٌ، ومَنْ جالسه استأنس به، والزاني بالعكس من ذلك تماما ً. ولو علم الفاجر ما في العفاف من اللذة، والسرور، وانشراح الصدر، وطيب العيش لرأى أن ما فاته أضعافُ أضعافِ ما حصل له. والزنا يجرئ على قطيعة الرحم،وعقوق الوالدين،وكسبِ الحرام، وظلمِ الخلق، وإضاعةِ المال، والأهل، والعيال. والزنا يَذْهَبُ بكرامة الفتاة، ويكسوها عاراً لا يقف عندها، بل يتعداها إلى أسرتها؛ حيث تدخل العار على أهلها، وزوجها، وأقاربها، وتنكِّس به رؤوسهم بين الخلائق. وإذا حملت المرأةُ من الزنا، فقتلت ولدَها جمعت بين الزنا والقتل، وإذا حملته على الزوج أدخلت على أهلها وأهله أجنبياً ليس منهم، فورثهم ورآهم، وخلا بهم، وانتسب إليهم. والزنا جنايةٌ على الولد، فإن الزاني يَبْذِرُ نطفته على وجه يجعل النسمةَ المخلَّقةَ منها مقطوعةَ النسبِ إلى الآباء، فكان الزنا سبباً لوجود الولد عارياً من الروابط التي تربطه بأدنى قربى يأخذون بساعده إذا زلَّت به نَعْلُه. وفي الزنا جنايةٌ على الولد، وتعريضٌ له لأن يعيش وضيعاً بين الأمة، مدحوراً من كل جانب، فما ذنب هذا المسكين، وأي قلب يحتمل ذلك المصير. أيها الصوام: هذا نزرٌ يسير من أضرار الفواحش، ومن خلال ذلك يتبين لنا مدى ما يصل إليه الإنسان إذا هو فارق العفةَ، واتبع هواه بغير هدى من الله، وهكذا يتبين لنا أثر الصوم في تنمية خلق العفة. اللهم إنا نسألك الهدى، والتقى، والعفاف، والغنى. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
بِـسْـمِ اللَّهِ الـرَّحْـمَـنِ الـرَّحِـيـمِ الـسَّلَـامُ عَـلَـيْـكُـمْ وَرَحْـمَـةُ اللَّهِ وَبَـرَكَـاتُـهُ (21) لَيلَةُ القَدْرِ االحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فإن ليلةَ القدرِ ليلةٌ كثيرة ُالخيرِ، شريفةُ القدرِ، عميمةُ الفضلِ، متنوِّعةُ البركات. فمن بركاتها أنها أفضل من ألف شهر، قال الله _عز وجل_: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) (القدر:3) . أي أفضل من ثلاث وثمانين سنة، وأربعة أشهر. ومن بركاتها أن القرآن العظيم أنزل فيها قال _عز وجل_: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) (الدخان:3) . ومن بركاتها أن من قامها إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدَّم من ذنبه، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. هذه بعضُ بركاتِ تلك الليلة، وهي غيض من فيض من البركات التي خصَّ الله بها هذه الأمة، فهي أمةٌ مباركةٌ، وكتابُها كتابٌ مباركٌ، ونبيها نبيٌّ مبارك. والبركات التي أفاضها الله على هذه الأمة ببركة نبيها لا تعد ولا تحصى. ومن ذلك أنه قد بورك لهذه الأمة في بكورها، وبورك لها في أعمالها، وعلومها؛ فهي خير الأمم، وأكرمها على الله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فكل من استقرأ أحوال العالم وجد المسلمين أحدَّ وأسدَّ عقلاً، وأنهم ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعافَ ما يناله غيرهم في قرون وأجيال) وقال في موضع آخر: (فهدى الله الناس ببركة نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من البيِّنات والهدى هدايةً جلَّت عن وصف الواصفين، وفاقت معرفة العارفين، حتى حصل لأمته -المؤمنين عموماً، ولأهل العلم منهم خصوصاً- من العلم النافع، والعمل الصالح، والأخلاق العظيمة، والسنن المستقيمة ما لو جُمِعَتْ حكمةُ سائرِ الأمم علماً وعملاً، الخالصةُ من كلِّ شوبٍ إلى الحكمة التي بعث بها _ لتَفَاوَتا تَفَاوُتاً يمنع معرفةَ قَدْرِ النسبة بينهما؛ فلله الحمد كما يحب ربنا ويرضى، ودلائل هذا وشواهده ليس هذا موضعها) انتهى كلامه. والدرس المستفاد _معاشر الصائمين_ من هذا المعنى أن نتعرَّض لتلك النفحات، وأن نلتمس تلك البركات، وذلك بالإيمان، والعمل الصالح، والإخلاص، واتباع السنَّة، واحتساب الأجر، والبعد عن المعاصي. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
بِـسْـمِ اللَّهِ الـرَّحْـمَـنِ الـرَّحِـيـمِ الـسَّلَـامُ عَـلَـيْـكُـمْ وَرَحْـمَـةُ اللَّهِ وَبَـرَكَـاتُـهُ (23) رَمَضَانْ شَهر الدُعَاء الحمد لله مجيب الدعوات وكاشف الكربات، والصلاة والسلام على أزكى البريات، أما بعد: فإن شأنَ الدعاءِ عظيم، ونفْعَهُ عميم، ومكانتَه عاليةٌ في الدين، فما استُجْلِبت النعمُ بمثله ولا استُدْفِعت النِّقَمُ بمثله، ذلك أنه يتضمَّن توحيد الله، وإفراده بالعبادة دون من سواه، وهذا رأس الأمر، وأصل الدين. وإن شهرَ رمضانَ لفرصةٌ سانحة، ومناسبة كريمة مباركة يتقرَّب فيها العبد إلى ربه بسائر القربات، وعلى رأسها الدعاء؛ ذلكم أن مواطن الدعاء، ومظانَّ الإجابة تكثر في هذا الشهر؛ فلا غَرْوَ أن يُكْثِر المسلمون فيه من الدعاء. ولعل هذا هو السر في ختم آيات الصيام بالحثّ على الدعاء، حيث يقـول ربنـا_عز وجل_: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة: 186) . وإليكم _معاشر الصائمين_ هذه الوقفات اليسيرة مع مفهوم الدعاء، وفضله. أيها الصائمون: الدعاء هو أن يطلبَ الداعي ما ينفعُه وما يكشف ضُرَّه؛ وحقيقته إظهار الافتقار إلى الله، والتبرؤ من الحول والقوة، وهو سمةُ العبوديةِ، واستشعارُ الذلةِ البشرية، وفيه معنى الثناءِ على الله _عز وجل_ وإضافةِ الجود والكرم إليه. أما فضائلُ الدعاءِ، وثمراتُه، وأسرارُه فلا تكاد تحصر فالدعاءُ طاعةٌ لله، وامتثال لأمره، قال الله _عز وجل_: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)(غافر: من الآية60). والدعاء عبادة، قال النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء هو العبادة) .رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، ورواه ابن ماجة، وصححه الألباني. والدعاء سلامة من الكبر: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر:60) . والدعاءُ أكرمُ شيءٍ على الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس شيءٌ أكرم على الله _عز وجل_ من الدعـاء). رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد، وابن ماجة، والترمذي والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي. والدعاء سبب لدفع غضب الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم من لم يسألِ اللهَ يَغْضَبْ عليه). أخرجه أحمدُ، والترمذيُّ، وابن ماجةَ، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني. والدعاء سبب لانشراح الصدر، وتفريج الهم، وزوال الغم، وتيسير الأمور، ولقد أحسن من قال: وإني لأدعو اللهَ والأمرُ ضيّقٌ *** عليَّ فما ينفك أن يتفرّجا وربَّ فتىً ضاقتْ عليه وجوهُهُ *** أصاب له في دعوة الله مَخْرَجا والدعاء دليل على التوكُّل على الله، فسرُّ التوكلِ وحقيقتُه هو اعتمادُ القلبِ على الله، وفعلُ الأسباب المأذون بها، وأعظمُ ما يتجلَّى هذا المعنى حالَ الدعاء؛ ذلك أن الداعيَ مستعينٌ بالله، مفوضٌ أمرَهُ إليه وحده. والدعاء وسيلة لكِبَرِ النفس، وعلو الهمة؛ ذلك أن الداعيَ يأوي إلى ركن شديدٍ ينـزل به حاجاتِه، ويستعين به في كافّة أموره؛ وبهذا يتخلص مـن أَسْر الخلق، ورقِّهم، ومنَّتِهِم، ويقطعُ الطمعَ عما في أيديهم، وهذا هو عين عِزِّهِ، وفلاحِه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وكلّما قوي طمع العبد في فضل الله، ورحمته، لقضاء حاجته ودفع ضرورته؛ قويت عبوديتُه له، وحريته مما سواه؛ فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديتَه له فَيأْسُهُ منه يوجب غنى قلبه)ا_هـ. والدعاء سلامة من العجز، ودليل على الكَياسة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أعجز الناس من عجز من الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام). رواه ابن حبان، وصححه الألباني. ومن فضائل الدعاء: أن ثمرته مضمونة _بإذن الله_ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل، أو كفّ عنه من سوء مثلَه؛ ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم). رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني. وقال صلى الله عليه وسلم: (ما من مؤمنٍ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لله يسأله مسألةً إلا أعطاه الله إياها، إما عجّلها له في الدنيا، وإما ذخرها له في الآخرة، ما لم يعجل). قالوا: يا رسول الله وما عَجَلَتُه؟ قال: (يقـول: دعوت ودعوت ولا أراه يُستجاب لي). أخرجه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني. ففي الحديثين السابقين وما في معناهما؛ دليل على أن دعاء المسلم لا يُهمل، بل يُعطى ما سأله إما مُعجلاً، وإما مُؤجلاً. قال ابن حجر رحمه الله: (كلُّ داعٍ يُستجاب له، لكن تتنوع الإجابة؛ فتارةً تقع بعين ما دعا به، وتارةً بعِوَضِه). ا_هـ. قال بعضهم في وصف دعوة: وربَّ ظلومٍ قد كُفِيتُ بحربهِ *** فَأَوقعَه المقدورُ أيَّ وقوعِ فَما كان ليْ الإسلامُ إلا تَعَبُّداً *** وأدعـيةً لا تُتَّقى بدروعِ وحسبك أن ينجو الظلومُ وَخَلْفَهُ *** سهامُ دعاءٍ من قِسِيِّ ركوعِ مُرَيَّشةً بالهدب من كل ساهرٍ *** ومنهلةً أطرافها بدموعِ ويقول: أتهزأُ بالدعاء وتزدريه *** وما تدري بما صنع الدعاءُ سهامُ الليلِ لا تخطي ولكن *** لها أَمَدٌ وللأمدِ انقضاءُ شروطِ الدعاءِ : أيها الصائمون الكرام: للدعاء شروطٌ عديدةٌ لابد من توافرها؛ كي يكون الدعاء مستجاباً مقبولاً عند الله. فمن أهم تلك الشروط: أن يكون الداعي عالماً بأن الله وحده هو القادر على إجابة الدعاء، وألا يدعو إلا الله وحده؛ لأن دعاء غير الله شرك، وأن يتوسّل إلى الله بأحد أنواع التوسُّل المشروعة كالتوسُّل إلى الله باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته، أو أن يتوسَّل بصالح الأعمال، أو بدعاء رجل صالح حيٍّ حاضر قادر. ومن شروط الدعاء: تجنبُ الاستعجال، والدعاءُ بالخير، وحسنُ الظنِّ بالله، وحضورُ القلب، وإطابةُ المأكل، وتجنُّبُ الاعتداءِ، هذه هي شروط الدعاء على سبيل الإيجاز. آداب الدعاء: وهناك آداب يحسن توافرها: كي يكون الدعاء كاملاً، ومنها الثناءُ على الله قبل الدعـاء، والصلاة ُعلى النبي صلى الله عليه وسلم والإقرارُ بالذنب، والاعترافُ بالخطيئة، والتضرعُ، والخشوعُ، والرغبةُ، والرهبةُ، والجزمُ في الدعاءِ، والعزمُ في المسألة، والإلحاحُ بالدعاء، والدعاءُ في كل الأحوال، والدعاءُ ثلاثاً، واستقبالُ القبلة، ورفعُ الأيدي، والسواكُ، والوضوءُ، واختيارُ الاسم المناسبِ أو الصفةِ المناسبةِ كأن يقول: يا رحمن ارحمني، برحمتك أستغيث. ومن آداب الدعاء: خفضُ الصوتِ، وأن يتخيَّر الداعي جوامعَ الدعاء، ومحاسنَ الكلامِ، وأن يتجنَّب التكلُّفَ، والسَجْعَ، وأن يبدأ الداعي بنفسه، وأن يدعو لإخوانه المسلمين. هذه بعض آداب الدعاء على سبيل الإجمال، والأدلة على ذلك مبسوطة في الكتاب والسنة، والمجال لا يتَّسع للتفصيل؛ فالإتيان بشروط الدعاء وآدابه من أعظم الأسباب الجالبة لإجابة الدعاء. ومن الأسباب _أيضاً_: الإخلاص لله حالَ الدعاء،وقُوة ُالرجاء،وشدَّةُ التحرّي، وانتظارُ الفَرَجِ، والتوبةُ، وردُّ المظالمِ، والسلامةُ من الغفلة، وكثرةُ الأعمالِ الصالحةِ، والأمرُ بالمعروفِ، والنهيُ عن المنكر، والتقرُّبُ إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، وبِرُّ الوالدين، واغتنامُ الفُرصِ، وذلك بتحري أوقات الإجابة، واغتنامُ الأحوال، والأوضاع، والأماكن التي هي مظانُّ إجابة الدعاء. مسألة تأَخّر الإجابة، والحِكَم من وراء ذلك: أيها الصائمون الكرام: إن من البلاء على المؤمن أن يدعو فلا يُجاب؛ فيكرَّر الدعاء، ويلحَّ فيه، وتطولَ المدة فلا يرى أثراً للإجابة. ومن هنا يجد الشيطان فرصته؛ فيبدأ بالوسوسة للمؤمن، وإيقاعه في الاعتراض على حكم الله، وإساءته الظن به _عز وجل_. فعلى من وقعت له تلك الحال ألا يلتفت إلى ما يلقيه الشيطان؛ ذلك أن تأخر الإجابة مع المبالغة في الدعاء يحمل في طيّاته حِكَماً باهرةً، وأسراراً بديعةً، وفوائدَ جمةً، لو تدبرها الداعي لما دار في خَلَدِه تضجُّر من تأخر الإجابة. ومن تلك الحِكَم والأسرار والفوائد التي يحسن بالداعي أن يتدبرها، ويجمل به أن يستحضرها ما يلي: أولاً: أن تأخر الإجابة من البلاء، كما أن سرعة الإجابة من البلاء _أيضاً_ قـال _عز وجل_: ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)(الأنبياء: من الآية35). فالابتلاء بالخير يحتاجُ إلى شكر، والابتلاءُ بالشر يحتاج إلى صبر؛ فإياك أن تستطيل البلاء، وَتَضْجَرَ من كثرة الدعاء؛ فإنك ممتحنٌ بالبلاء متعبَّدٌ بالصبر والدعاء؛ فلا تيأسنّ من رَوْح الله وإن طال البلاء. قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: (أصبحت ومالي سرورٌ إلا في انتظارِ مواقعِ القدرِ، إن تكنِ السراءُ، فعندي الشكرُ، وإن تكن الضراءُ فعندي الصبرُ). ثانياً: من حكم تأخر إجابة الدعاء: أن يستحضر الإنسان أن الله هو مالك الملك، فله التصرُّف المطلق، بالعطاء والمنع؛ فلا رادّ لفضله، ولا مُعقّب لحكمه، ولا اعتراض على عطائه ومنعه، إن أعطى فبفضل،وإن منع فبعدل؛ فلا حقّ _إذاً_ للمخلوق المربوب على الخالق الرب_عز وجل_. ثالثاً: أن الله _عز وجل_ له الحكمة البالغة؛ فلا يعطي إلا لحكمة، ولا يمنع إلا لحكمة، وقد يرى الإنسان أن في ذلك الشيء مصلحةً ظاهرةً؛ ولكن الحكمةَ لا تقتضيه، فقد يخفى في الحكمة فيما يفعله الطبيب من أشياء تؤذي في الظاهر ويُقْصَد بها المصلحة، فلعل هذا من ذاك،بل أعظم؛ فقد يكون تأخرُ الإجابة، أو منعُها هو عينَ المصلحةِ. رابعاً: قد يكون في تحقُّق المطلوب زيادةٌ في الشر، فربما تحقق للداعي مطلوبُه، وأجيب له سؤلُه؛ فكان ذلك سبباً في زيادةِ إثمٍ، أو تأخيرٍ عن مرتبةٍ، أو كان ذلك حاملا ً على الأشَر والبَطر، فكان التأخير أو المنع أصلح. وقد روي عن بعض السلف أنه كان يسأل الغزو؛ فهتف به هاتف: إنك إن غزوت أُسرت، وإن أُسرت تنصّرت. قال ابن القيم رحمه الله: (فقضاؤه لعبده المؤمن عطاءٌ، وإن كان في صورة المنع، ونِعْمَةٌ وإن كان في صورة محنة، وبلاؤه عافية، وإن كان في صورة بلية. وَلَكنْ لجهل العبدِ، وظلمِه لا يَعُدُّ العطاءَ والنعمةَ والعافيةَ إلا ما التذّ به في العاجل، وكان ملائماً لطبعه. ولو رزق من المعرفة حظاً وافراً؛ لعد المنعَ نعمةً والبلاءَ رَحمةً، وتلذّذ بالبلاء أكثرَ من لذته بالعافية، وتلذّذ بالفقر أكثرَ من لذته بالغنى، وكان في حال الِقلّةِ أعظمَ شكراً من حال الكثرة. )ا_هـ. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: (ولهذا من لطف الله _عز وجل_ لعبده أنه ربما طمحت نفسُه لسبب من الأسباب الدنيوية التي يظُن بها إدراكَ بُغْيتِهِ، فيعلـم أنها تضرّه، وتصدّه عما ينفعه؛ فيحول بينه وبينها، فيظل العبد كارهاً، ولم يَدْرِ أن ربه قد لَطَفَ به؛حيث أبقى له الأمر النافع، وصرف عنه الأمر الضار). خامساً: الدخول في زمرة المحبوبين لله _عز وجل_ فالذين يدعون ربهم، ويُبْتَلَون بتأخر الإجابة عنهم _يدخلون في زمرة المحبوبين المشرَّفين بمحبة الله؛ فهو _عز وجل_ إذا أحبَّ قوماً ابتلاهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم إن عِظمَ الجزاءِ مع عِظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السَّخطْ) أخرجه الترمذي وابن ماجة، وحسنه الترمذي والألباني. سادساً: أن اختيارَ اللهِ للعبد خيرٌ من اختيار العبد لنفسه، وهذا سر بديع يحسن بالعبد أن يتفطَّن له حال دعائه لربه؛ فهذا يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات، ويُفْرِغُ قَلْبَهُ من التقديرات، والتدبيرات التي يصعد منها في عَقَبَة، وينـزل في أخرى. وإذا فوّض العبد أمره إلى ربه،ورضي بما يختاره له_أمدّه الله بالقوة، والعزيمة، والصبـر،وصرف عنه الآفات التي هي عرضةُ اختيارِ العبدِ لنفسه، وأراه من حسن العاقبة ما لم يكن ليصلَ إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه. سابعاً: أن المكروه قد يأتي بالمحبوب، والعكس بالعكس؛ بل إن عامةَ مصالحِ النفوس في مكروهاتها، كما أن عامَّةَ مضارِّها وأسباب هلكتها في محبوباتها قال _عز وجل_: ( فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً)(النساء: من الآية19). قال سفيان بن عيينة رحمه الله: (ما يكرهُ العبدُ خيرٌ له مما يحب؛ لأن ما يكرهه يُهَيِّجُه للدعاء، وما يحبه يلهيه). ثامناً: أن تأخر الإجابة سببٌ لِتَفَقُّدِ العبد لنفسه؛ فقد يكون امتناعُ الإجابة أو تأخرها لآفة في الداعي؛ فربما كان في مطعومه شبهةٌ، أو كان في قلبه وقتَ الدعاء غفلةٌ، أو كان متلبساً بذنوب مانعةٍ؛ وبهذا ينبعث إلى المحاسبة، والتوبة، ولو عُجِّلَت له الإجابةُ لفاتته هذه الفائدة. تاسعاً: قد تكون الدعوةُ مستجابةً دون علم الداعي؛ لأن ثمرة الدعاء مضمونة _بإذن الله_ قال النبي صلى الله عليه وسلم ما من مسلم يدعو، ليس بإثم ولا بقطيعة رحم؛ إلا أعطاه الله إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها) قيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذاً نكثر؟ قال: (الله أكثر) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني. إذا تقرر هذا؛ فكيف يستبطئ الداعي الإجابة طالما أن الثمرةَ مضمونةٌ، ولماذا لا يحسنُ العبدُ ظنَّه بربه ويقول: لعله استُجِيب لي، وآتاني ربي إحدى هذه الثلاثِ من حيثُ لا أعلم؟!. عاشراً: التمتُّع بطول المناجاة، فكلما تأخرت الإجابة طالت المناجاة، وحصلت اللذة، وزاد القرب، ولو عجلت الإجابة لربما فاتت تلك الثمرة. قال سفيان الثوري رحمه الله: (لقد أنعم الله على عبد في حاجة أكثرَ من تضرعه إليه فيها). حاديَ عَشَرَ: تكميلُ مراتب العبودية؛ فالله _عز وجل_ يحب أولياءه، ويريد أن يكمل لهم مراتب العبودية؛ فيبتليهم بأنواع من البلاء، ومنها تأخر إجابة الدعاء؛ كي يترقّوا في مدارج الكمال، ومراتب العبودية. ومن تلك العبوديات العظيمة التي تحصل من جرّاء تأخر إجابة الدعاء_انتظار الفرج، وقوة ُالرجاء، وحصولُ الاضطرار،والافتقارُ إلى الله، والانكسارُ بين يدي جبار السماوات والأرض، ومجاهدةُ الشيطان ومراغمُته. أيها الصائمون: هذه بعض الوقفات اليسيرة مع مفهوم الدعاء، وفضله، وثمراتُه، وأسرارُه ،وبعض الحكمِ والأسرار والفوائدِ المتلمَّسةِ من جرّاء تأخر إجابة الدعاء؛ فحريٌّ بالعبد أن يكثر من دعاء الله، وبعد ذلك يدعُ التقديراتِ، والتدبيراتِ للعليم الحكيم. اللهم يسرنا لليسرى، وجنبنا العسرى، اللهم اختم بالصالحات أعمالنا، واقرن بالعافية غدوَّنا وآصالنا، اللهم انصر المجاهدين، وفرِّج هم المهمومين، ونفِّسْ كربَ المكروبين من المسلمين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلِّ اللهم وسلّم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
بِـسْـمِ اللَّهِ الـرَّحْـمَـنِ الـرَّحِـيـمِ الـسَّلَـامُ عَـلَـيْـكُـمْ وَرَحْـمَـةُ اللَّهِ وَبَـرَكَـاتُـهُ وَدَاعـَــاً شَهــْـر التوبــَـة(29) صفة الصالحين و عباد الله المتقين الحزن و الأسى على تصرم الأيام الشريفة، و الليالي الفاضلة، كليالي رمضان، و هذه صفة السلف الصالح و صدر هذه الأمة رحمهم الله تعالى، فلقد يحزنون لانصراف رمضان، و مع ذلك يدأبون في ذكره، فيدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم، ثم يدعونه ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، فتكون سنتهم كلها في ذكر هذا الشهر، فهو دليل على عظم موقعه في نفوسهم، و يقول قائلهم: سلام من الرحمن كـل أوان على خير شهر قد مضى و زمان سلام على شهر الصيام فإنه أمان من الرحمن كل أمـــان لئن فنيت أيامك الغر بغـتة فما الحزن من قلبي عليك بفـان لقد ذهبت أيامه و ما أطعتم. و كتبت عليكم فيه آثامه و ما أضعتم. و كأنكم بالمشمرين و قد وصلوا و انقطعتم. أترى ما هذا التوبيخ لكم؟ أو ما سمعتم قلوب المتقين إلى هذا الشهر تحن؟ و من ألم فراقه تئن؟ كيف لا تجرى للمؤمن على فراقه دموع؟ و هو لا يدري هل بقي له في عمره إليه رجوع. تذكر أياماً مضت و ليالياً خلت فجرت من ذكرهن دموع أين حرق المجتهدين في نهاره؟ أين قلق المتهجدين في أسحاره؟ فكيف حال من خسر في أيامه و لياليه؟ ماذا ينفع المفرط فيه بكاؤه و قد عظمت فيه مصيبته و جل عزاؤه؟ كم نصح المسكين فما قبل النصح؟ كم دعى إلى المصالحة فما أجاب إلى الصلح؟ كم شاهد الواصلين فيه و هو متباعد؟ كم مرت به زمر السائرين و هو قاعد؟ حتى إذا ضاع الوقت و خاف المقت ندم على التفريط حين لا ينفع الندم. و طلب الاستدراك في وقت العدم. دموع المحبين تدفق. قلوبهم من ألم الفراق تشقق. عسى وقفة للوداع تطفي من نار الشوق ما أحرق. عسى توبة ساعة و إقلاع ترفوا من الصيام ما تخرق. عسى منقطع عن ركب المقبولين يلحق. عسى أسير الأوزار يطلق. عسى من استوجب النار يعتق. لا شك أن شهر رمضان أفضل الشهور، فقد رفع الله قدره و شرفه على غيره، و جعله موسماً للخيرات، و جعل صيامه و قيامه سبباً لمغفرة الذنوب و عتق الرقاب من النار. فتح فيه أبوابه للطالبين، و رغب في ثوابه المتقين. فالظافر من اغتنم أوقاته، و استغل ساعاته، و الخاسر من فرط في أيامه حتى فاته. جعله الله مطهراً من الذنوب و ساتراً للعيوب و عامراً للقلوب. فيه تعمر المساجد بالقرآن و الذكر و الدعاء و التهجد. و تشرق فيها الأنوار و تستنير القلوب. فهو شهر البركات و الخيرات. شهر إجابة الدعوات. شهر إغاثة اللهفات. شهر الإفاضات و النفحات. شهر إعتاق الرقاب الموبقات. فيه تكثر الصدقات و تتضاعف النفقات و يجود المسلم بما يمكنه من العطايا و الهبات. ترفع فيه الدرجات، و تقال فيه العثرات، و تسكب فيه العبرات، فبعده تنقطع هذه الحسنات. فمن قبله الله فهو من أهل الكرامات و أعالي الدرجات في نعيم الجنات، و من رُدَّ عليه عمله فهو من أهل الحسرات لما فاته من الخيرات. فلا أوحش الله منك يا شهر الصيام و القيام. و لا أوحش الله منك يا شهر التجاوز عن الذنوب العظام. و لا أوحش الله منك يا شهر التراويح. و لا أوحش الله منك يا شهر الذكر و التسبيح. و لا أوحش الله منك يا شهر المصابيح. و لا أوحش الله منك يا شهر التجارات المرابيح. و لا أوحش الله منك يا شهراً يترك فيه كل قبيح. فيا ليت شعري من المقبول منا فنهنيه، و من المردود منا فنعزيه. فيا أيها المقبول هنيئاً لك، و يا أيها المردود جبر الله مصيبتك. عباد الله: حافظوا على عبادة ربكم بعد هذا الشهر، و إياكم أن تعودوا لما كنتم فيه من الذنوب و الخطايا، فإن رب الشهرين واحد، و هو الذي كلفكم و أمركم و نهاكم، فإياكم أن تعودوا لما مضى من التفريط و الإهمال، حتى يمحوا الله عنكم السيئات و يقبل منكم الحسنات، و أكثروا من دعاء الله تعالى و التضرع بين يديه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
بِـسْـمِ اللَّهِ الـرَّحْـمَـنِ الـرَّحِـيـمِ الـسَّلَـامُ عَـلَـيْـكُـمْ وَرَحْـمَـةُ اللَّهِ وَبَـرَكَـاتُـهُ (12) آثارُ الصَومْ وأسْرَارُه الحمدُ للهِ المُوفِقِ المُعِينِ، إياهُ نعبدُ وإياهُ نستعينُ، منجزِ الوعدِ بالنصرِ لعبادهِ المؤمنين، منزلِ السكينةِ على الصابرين المخلصين، والصلاة والسلام على رسوله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لآثارهم في نُصْرَة الدين إلى يوم الدين، أما بعد: فإن لكل عبادة في الإسلام حِكمة ً أو حِكَماً يظهر بعضها بالنص عليه، أو بأدنى عملٍ عقلي، وقد يخفي بعضُها إلا على المتأملين المتعمقين في التفكر والتدبر، والموفقين في الاستجلاء، والاستنباط. والحكمةُ الجامعةُ في العباداتِ كلِّها هي تزكيةُ النفوسِ، وتطهيرُها من النقائص، وتصفيتُها من الكُدُراتِ وإعدادُها للكمال الإنساني، وتقريبُها للملأ الأعلى، وتلطيفُ كثافَتِها الحيوانيةِ اللازمةِ لها من أصل الجِبِلَّة، وتغذيتُها بالمعاني السماوية الطاهرة؛ فالإسلام ينظر للإنسان على أنه كائنٌ وسطٌ ذو قابليةٍ للصفاء الملكي، والكدرِ الحيواني، وذو تركيبٍ يَجْمَعُ حَمَأ الأرضِ، وإشراقَ السماء، وقد أوتي العقل والإرادة والتمييز؛ ليسعد في الحياتين المنظورة والمذخورة، أو يشقى بهما. ولكل عبادة في الإسلام تُؤدَّى على وجهِها المشروعِ، أو بمعناها الحقيقي آثارٌ في النفوس، تختلف باختلاف العابدين في صدق التوجه، واستجماع الخواطر، واستحضار العلاقة بالمعبود. والعباداتُ إذا لم تعطِ آثارَها في أعمالِ الإنسان الظاهرة فهي عبادة مدخولة أو جسم بلا روح. . . وما قست قلوبُ المسلمين،ولا تقاعسوا عن أداء واجبهم، فكانوا عرضة لغزو أعدائهم في شتى الميادين - إلا بسبب بعدهم عن هِدَاية دينهم، وقلةِ تأثرهم بما يكررون قَوْلَه وفِعْلَه من أركان الإسلام، وشعائره، مما جعلها عند كثير منهم بمثابة العادات. ولو أنهم تأثروا بما يقولون ويفعلون تأثراً صحيحاً لتغير وجه الأرض، ولملأوها بجمال الحق بدلاً من شغب الباطل. هذا وإن للصوم حكماً باهرة وأسراراً بديعة، وآثاراً عظيمة على الفرد والجماعة. وقد كان يكفي في الحث على الصيام، والدعوة إليه أن يقال للمسلم: إن الله يأمرك بالصيام دون ذكرٍ لفوائد الصيام، وآثاره، وحكمه، وأسراره؛ ذلك أن الصومَ تشريعٌ ربانيٌّ إلهيٌّ، صادرٌ عن الرب بمقتضى ربوبيته، وألوهيته، فله-عز وجل-أن يكلِّفَ عباده بما شاء، وعليهم طاعةُ أمرِه، واجتنابُ نهيِه. وَلَكنَّ الحاجةَ تدعو إلى بيان بعض الأسرار، والحِكَم، والفوائد و الآثار التي ينطوي عليها شهر الصوم؛ذلك أن الله-عز وجل-علمنا في آيات كثيرة من كتابه المبين أسرارَ تشريعه،وفوائدَه؛شحذاً للأذهان أن تفكر وتعمل، وإيماءاً إلى أن هذا التشريعَ الإلهيَّ الخالدَ لم يقم إلا على ما يحقق للناس مصلحة، أو يدفع عنهم ضرراً، وليزداد إقبال النفوس على الدين قوة إلى قوة. . . انظروا إلى قوله - تعالى - حين يعلمنا آداب الاستئذان في البيوت كيف يختم ذلك بقوله:(هُوَ أَزْكَى لَكُمْ). بل إن الله - تعالى - حين أمرنا بالصيام ذَكَرَ حكمتَهُ وفائدتَه الجامعةَ بكلمة واحدة من كلامه المعجز، فقال-عز وجل-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) البقرة 183. فالتقوىهي الحكمة الجامعة من تشريع الصيام. بل انظروا إلى قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-عن آداب الصائم: "إنما الصوم جنة - أي وقاية - فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، ولا يجهل"الحديث متفق عليه. فقد قدم الحكمة من الصيام ثم بين آدابه؛ ليكون أوقع في النفس، وأعمق أثراً. وما دام الإسلام لا يتنكَّر للعقل، ولا يخاطب الناس إلا بما يتفق مع التفكير السليم، والمنطق القويم ولا يأمر من التشريع بشيء إلا إذا كانت المصلحة تحتِّم العمل به أو تركه-لم يكن علينا من حرجٍ حين ننظرُ في أسرار التشريع وبيان فوائده. . . وما برح الناسُ في كل عصر يرون من فوائد التشريع ما يتفق مع تفكيرهم، ومصالحهم. وهذا دليل على أن وراء هذا التشريع رباً حكيماً، أحسن كل شيء خَلْقَهُ ثم هدى. فإذا وفَّقَ الله في مثل هذه الأحاديث أن تُشرح صدور المؤمنين لفريضة الصيام، ويُبَيَّن لهم شيء من حكم الصيام وأسراره وآثاره كان ذلك سبباً كبيراً لأن يُؤتَى بالصيام على وجهه الأكمل. . . معاشر الصائمين ينفرد الصوم من بين العبادات بأنه قمعٌ للغرائز عن الاسترسال في الشهوات، التي هي أصل البلاء على الروح والبدن، وفطمٌ لأمهات الجوارح عن أمهات الملذات. ولا مؤدِّبَ للإنسان كالكبح لضراوة الغرائز فيه، والحدِّ من سلطان الشهوات عليه. بل هو في الحقيقة نصرٌ له على هذه العوامل التي تُدَسِّي نفسه، وتبعده عن الكمال. وكما يحسن في عُرْف التربية أن يؤخذ الصغيرُ بالشدة في بعض الأحيان، وأن يعاقب بالحرمان من بعض ما تمليه إليه نفسه-فإنه يجب في التربية الدينية للكبار المكلفين أن يؤخذوا بالشدة في أحيان متقاربة كمواقيت الصلاة (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ). أو متباعدة كشهر رمضان، فإنه لا يأتي إلا بعد أحد عشر شهراً كلها انطلاق في الشهوات، وإمعانُ فيها، واسترسال مع دواعيها. وإن شهراً في التقييد الجزئي بعد أحد عشر شهراً من الانطلاق الكلي لقليل، وإن جزءاً من اثني عشر جزءاً في حكم المقارنات النسبيبة - ليسير. ولكنه يسر الإسلام الذي ليس بعده يسر، وسماحته التي ما بعدها سماحة. إن في الصوم جوعاً للبطن، وشبعاً للروح، وإضواءاً للجسم، وتقوية للقلب، وهبوطاً باللذة، وسمواً بالنَّفْس. في الصوم يجِدُ المؤمنُ فراغاً لمناجاة ربه، والاتصال به، والإقبال عليه، والأنس بذكره، وتلاوة كتابه. هذه بعضُ أسرارِ الصومِ وآثارِه، وهذا هو ماكان يفهمه السلفُ الصالحُ من معاني الصوم، وبذلك كانوا معجزة الإسلام في الثبات على الحق، والدعوة إليه، والتخلق به، فلم تر الإنسانية من يضاهيهم بسمو أنفسهم، ونبل غاياتهم، وبعد هممهم، وإشراقةِ أرواحهم، وهدايةِ قلوبهم، وحسنِ أخلاقهم. . . . أفليست الإنسانية اليوم بأمسِّ الحاجة إلى مثل ذلك الجيل أو ما يقاربه؟ بل أليست مجتمعات المسلمين بحاجة إلى مثل تلك النفوس؟ بلى ثم بلى ثم بلى. اللهم أفِضْ علينا من جودك وكرمك، ولا تحرمنا بركاتِ هذا الشهرِ الكريم، واجعل لنا منه أوفر الحظ والنصيب، واجعلنا ممن صامه وقامه إيماناً واحتساباً. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
بِـسْـمِ اللَّهِ الـرَّحْـمَـنِ الـرَّحِـيـمِ الـسَّلَـامُ عَـلَـيْـكُـمْ وَرَحْـمَـةُ اللَّهِ وَبَـرَكَـاتُـهُ (14) رَمَضَانْ وحُقُوقْ الجِيرَانْ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله،أما بعد: فإن رمضانَ شهرُ الترابط، وشهرُ التواصي، وشهرُ التقارب، وشهر المودّات. والحديث اليوم سيدور حول معنى من هذه المعاني، ألا وهو حق الجار؛ فلقد أوصى الإسلام بالجار، وأعلى من قدره؛ حيث قرن الله حق الجار بعبادته _عز وجل_ وبالإحسان إلى الوالدين، واليتامى، والأرحام. قال الله_عز وجل_: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ )(النساء: من الآية36). أما السنَّةُ النبويةُ فقد استفاضت نصوصُها في بيان رعاية حقوقِ الجارِ، والوصايةِ به، وصيانةِ عرضه، والحفاظ على شرفه، وستر عورته، وسدّ خلَّته، وغضِّ البصر عن محارمه، والبعد عن كل ما يريبه، ويسيء إليه. ومن أجلِّ تلك النصوص وأعظمها ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة وابن عمر_رضي الله عنهم_أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مازال جبريل يوصني بالجار حتى ظننت أنه سيوَرِّثه). أي: ظننت أنه سَيبْلُغني عن الله الأمرُ بتوريث الجارِ الجارَ. . . أيها الصائم الكريم: الجار في الاصطلاح الشرعي هو من جاورك جواراً شرعياً، سواء كان مسلماً أو كافراً، براً أو فاجراً، صديقاً أو عدواً، محسناً أو مسيئاً، نافعاً أو ضاراً، قريباً أو أجنبياً، غريباً أو بلدياً. وله مراتب بعضها أعلى من بعض، تزيد وتنقص بحسب قربه وقرابته، ودينه وتقواه، ونحو ذلك؛ فيعطى بحسب حاله وما يستحق. أما حدّ الجوار؛ فقد اختلفت عباراتُ أهل العلم في حدِّ الجوار المعتبر شرعاً، والأقـرب _والله أعلم_ أن حدَّ الجوار يُرجع فيه إلى عُرْفِ الناس؛ فما عُلِمَ عُرْفاً أنه جارٌ فهو جار. ولا ريب أن الجوارَ في المسكن هو أجل صور الجوار وأوضحُها، ولكنَّ مفهومَّ الجار والجوار لا يقتصر على ذلك فحسب، بل هو أعمُّ من ذلك وأشمل؛ فالجار معتبرٌ في المتجر، والسوق، والمزرعة، والمكتب، ومقعد الدرس. ومفهومُ الجارِ يشمل الرفيقَ في السفر؛ فإنه مجاورٌ لصاحبه مكاناً وبدناً، والزوجةُ كذلك تسمى جارةً، وكذلك مفهومُ الجوارِ يشمل الجوارَ بين المدن، والدول، والممالك، فلكل منهما حق على الآخر. . . أيها الصائمون الكرام: حقوق الجار على وجه التفصيل كثيرة جداً، أما أصولها فتكاد ترجع إلى أربعـة حقوق. أولها: كف الأذى: فالأذى على كل أحد بغير حق محرم، وأذية الجار أشد تحريما ً. جاء في صحيح البخاري عن أبي شريح رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن قيل: من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمـن جاره بوائقـه). وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره). وفي مسند الإمام أحمد، والأدب المفرد للبخاري، وعند الحاكم وصحَّحه، ووافقه الذهبي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله إن فلانةً تصلي الليل، وتصوم النهار، وفي لسانها شيء تؤذي جيرانها سليطة، قال: (لا خير فيها هي في النار). وقيل له: إن فلانةً تصلي المكتوبة، وتصوم رمضان، وتتصدق بالأثوار(وهي القطع الكبيرة من الأقط وهو اللبن الجامد المستحجر) وليس لها شيء غيره، ولا تؤذي جيرانـها، قال: (هي في الجنة). ولفظ الإمام أحمد:(لا تؤذي بلسانها جيرانـها). بل لقد جاء الخبر بلعن من يؤذي جاره، ففي حديث أبي جُحيفة رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو جاره فقال له: (اطرح متاعك في الطريق). قال: فجعل الناس يمرون به فيلعنونه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما لقيتُ من الناس؟ قال: وما لقيتَ منهم، قال: يلعنوني، قال: فقد لعنك الله قبل الناس قال: يا رسول الله فإني لا أعود). أخرجه البخاري في الأدب المفرد،والبزار، والحاكم، وصححه، ووافقه الذهبي. قال علي بن أبي طالب للعباس _رضي الله عنهما_: (ما بقي من كرمِ إخوانك؟ قال الإفضالُ إلى الإخوان، وتركُ أذى الجيران). فانظر كيفَ عدَّ العباسُ رضي الله عنه تركَ أذى الجيران من الكرم. ولقد كان العرب يتمدحون بكف الأذى عن الجار، قال هُدْبَةُ بنُ الخَشْرم: ولا نَخْذِلُ المولى ولا نرفع العصا *** عليه ولا نزجي إلى الجار عقربا وقال لبيد: وإن هوانَ الجارِ للجار مؤلمٌ *** وفاقرةٌ تأوي إليها الفواقر . . الثاني من حقوق الجار: حماية الجار: فمما ينبه لشرف همّة الرجل نهوضُه لإنقاذ جاره من بلاءٍ يُنال به في عرضه، أو بدنه أو ماله، أو نحو ذلك. ولقد كانت حمايةُ الجار من أشهر مفاخر العرب التي ملأت أشعارهم، قال عنترة: وإني لأحمي الجارَ من كل ذلّة *** وأفرحُ بالضيف المقيم وأَبْهَجُ وقالت الخنساءُ تمدح أخاها بحمايته جارَه: وجارُكَ مَحْفُوظٌ منيعٌ بنجوة *** من الضيم لا يُؤذى ولا يتذللُ بل لقد غالى العرب، وبالغوا في المحاماة عن الجار؛ إذ لم تتوقَّف محاماتُهم عن الجار الإنسان، بل لقد تعدّوا ذلك؛ فأجاروا ما ليس بإنسان إذا نـزل حول بيوتهم حتى ولو كان لا يعقل ولا يستجير؛ مبالغةً في الكرامة والعزَّة، وتحدياً لأن يَخْفِرُ الجوارَ أحدٌ، مثل ما فعل مدلجُ بنُ سويدٍ الطائيُّ،الذي نـزل الجرادُ حول خبائه؛ فمنع أن يصيدَه أحدٌ حتى طار وبَعُدَ عنه. وكان كليبٌ يجير الصيدَ، فلا يَعْرِضُ له أحدٌ. . . الثالثُ من حقوق الجار: الإحسانُ إليه؛ فذلك دليل الفضل، وبرهان الإيمان، وعنوان الصدق. جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره) الحديث، ولمسلم_أيضاً_: (فليحسن إلى جاره). ومن ضروب الإحسان إلى الجار تعزيته عند المصيبة،وتهنئته عند الفرح، وعيادته عند المرض، وبداءته بالسلام، وطلاقة الوجه عند لقائه، وإرشاده إلى ما ينفعه في دينه ودنياه، ومواصلته بالمستطاع من ضروب الإحسان. . . الرابع: من حقوق الجار احتمال أذاه: وذلك بأن يغضيَ عن هفواته، ويتلقى بالصفح كثيراً من زلاته، ولا سيِّما إساءةً صدرت من غير قصد، أو إساءةً ندم عليها، وجاء معتذراً منها؛ فاحتمالُ أذى الجارِ ومقابلةُ إساءتِه بالإحسان من أرفع الأخلاق، وأعلى الشيم. ولقد فقه السلف هذا المعنى، وعملوا به، روى المرّوذي عن الحسن: ليس حسنُ الجوارِ كفَّ الأذى، حسنُ الجوارِ الصبرُ على الأذى. هذه هي الأصولُ الأربعةُ التي عليها مدارُ حقوقِ الجارِ، ومع عظم ذلك الحقِّ إلا أن هناك تقصيراً كبيراً في حقِّ الجار من كثيرٍ من ا لناس. فمن صورِ ذلك التقصير مضايقةُ الجارِ، وحسدُه، واحتقارُه، وكشفُ أسراره، وتتبعُ عثراته، والفرحُ بزلاته. ومن ذلك: إيذاؤه بالجلبة، ورفعُ الأصوات، وتأجيرُ مَنْ لا يرغب الجيران في إسكانه. ومن صور التقصير في حق الجار: خيانتُه، والغدرُ به، وقلةُ الإحسان إليه، وتركُ النهوضِ لحمايته، وقلةُ الحرص على التعرُّف على الجيران، وقلةُ التفقُّد لأحوالهم. ومن ذلك: قلّةُ التهادي بين الجيران، والتكبُّرُ عن قبول هداياهم، ومنعُهم ما يحتاجون إليه من الأدوات اليسيرة، وقلةُ الاهتمام بإعادة المعار من الجيران إليهم. ومن صور التقصير في حق الجيران: تركُ الإجابةِ لدعوتهم، وقلَّةُ المبالاة بدعوتهم إلى الولائم والمناسبات،وقلَّةُ المناصحة لهم، وقلةُ التعاون معهم على البر والتقوى. ومن ذلك: كثرةُ الخصومةِ معهم، والتهاجرُ، والتدابرُ عند أدنى سبب، وقلةُ الحرص على إصلاح ذات البين إذا فسدت بين الجيران. ومن صور التقصير في حق الجار: تركُ الإحسان إلى الجار الغريب، وقلّةُ العناية باختيار الجار الصالح، والتفريطُ به، وقلّةُ الوفاء للجيران بعد الرحيل عنهم. وخلاصة القول: إن انتظام رابطة الجوار أكبر شاهد على رقي المجتمع، وسمو آدابه، والعكس بالعكس، وبإصلاح تلك الرابطة تطوى عند المحاكم قضايا كثيرة لا منشأ لها إلا عدم رعاية حق الجار. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
بِـسْـمِ اللَّهِ الـرَّحْـمَـنِ الـرَّحِـيـمِ الـسَّلَـامُ عَـلَـيْـكُـمْ وَرَحْـمَـةُ اللَّهِ وَبَـرَكَـاتُـهُ (15) رَمَضَانْ و غَضْ البَصَر الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله صحبه ومن والاه، أما بعد: فقد جاء في صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:(من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضُّ للبصر، وأحصنُ للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء). قال ابن حجر في شرح الحديث:(الوجاء: رضُّ الخصيتين، وقيل: رضُّ عُروقِهما، ومن يُفعَل به ذلك تنقطع شهوته، ومقتضاه أن الصومَ قامعٌ للشهوة).انتهى كلامه. معاشر الصائمين: في هذا الحديث إشارة إلى فائدة كبرى من فوائد الصوم، ألا وهي غض البصر، وإحصان الفرج. فالصائم ينال هذه الفضيلة، ويسلم من معاطب إطلاق البصر وآفاته؛ فالعين مرآةُ القلب، وإذا أطلق الإنسان بصرَه أطلق القلبُ شهوتَه، ومن أطلق بصرَه دامت حسرتُه؛ فأضرُّ شيٍء على القلب إرسالُ البصر؛ فإنه يريد ما يشتدُ إليه طلبُه، ولا صبر له عنه، ولا سبيل إلى الوصول إليه، وذلك غايةُ ألمه وعذابه. ثم إن النظرةَ سهمٌ مسمومٌ من سهام إبليس _كما جاء في الحديث_ وشأنُ السهمِ أن يسريَ في القلب؛ فيعملَ فيه عملَ السمِّ الذي يُسقاه المسموم، فإن بادر، واستفرغه وإلا قتله ولابد. وكذلك النظرةُ؛ فإنها تفعل في القلب ما يفعله السهمُ في الرَّميَّة، فإن لم تقتله جرحته. والنظرةُبمنزلة الشرارة تُرمى في الحشيش اليابس، فإن لم تحرقْه كلَّه أحرقت بعضه كما قيل: كلُّ الحوادثِ مبداها من النظر *** ومعظمُ النارِ من مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ كم نظرةٍ فتكت في قلب صاحبها *** فتكَ السهام بلا قوسٍ ولا وتر والمرءُ مادام ذا عينٍ يقلبها *** في أعين الغيد موقوفٌ على الخطر يسرُّ مُقْلَتَهُ ما ضرَّ مهجتَه *** لا مرحباً بسرور عاد بالضرر والناظر يرمي من نظره بسهامٍ غَرضُها قلبه وهو لا يشعر، قال المتنبي: وأنا الذي اجتلب المنيةَ طرفُهُ *** فَمَنِ المطالبُ والقتيلُ القاتلُ قال ابن القيم رحمه الله: (ولما كان النظرُ أقربَ الوسائلِ إلى المحرم اقتضت الشريعةُ تحريمَه، وأباحتْه في موضع الحاجة. وهذا شأن كلِّ ما حُرِّم تحريم الوسائل؛ فإنه يباح للمصلحة الراجحة). قال جرير بن عبد الله رضي الله عنه: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرفَ بصري). قال ابن القيم رحمه الله: (ونظرُ الفجأةِ هي النظرة الأولى، التي تقع بغير قصد؛ فما لم يتعمدْه القلبُ لا يعاقب عليه، فإذا نظر الثانيةَ تَعَمُّداً أثِم؛ فأمره النبي صلى الله عليه وسلم عند نظرة الفجأة أن يصرفَ بصرَه، ولا يستديم النظر، فإنَّ استدامته كتكريره). معاشر الصائمين: ما أحوجنا إلى غضِّ البصر،وإلى ما يذكرنا به، خصوصاً في هذه الأزمنة، التي كثرت فيها الفتن، وتنوعت؛ حيث التبرجُ والسفورُ، والمجلاتُ الهابطةُ،والأفلام الخليعة، والقنوات الفضائية التي تغري بالرذيلة، وتزري بالفضيلة. فغض البصر _بإذن الله_ أمانٌ من الفتنة، وسبيلٌ إلى الراحة والسلامة؛ فإذا غض العبدُ بصره غضَّ القلب شهوتَه وإرادته. قال_تعالى_:(قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ)(النور: من الآية30). قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فجعل _سبحانه_ غضَّ البصر، وحفظَ الفرج هو أقوى تزكيةٍ للنفوس. وزكاةُ النفوسِ تتضمن زوالَ جميعِ الشرورِ من الفواحش، والظلم، والشرك، والكذب، وغير ذلك). وقال ابن الجو زي رحمه الله: (والو اجب على من وقع بصرُه على مُسْتَحسنٍ، فوجد لذةَ تلك النظرةِ في قلبه أن يصرفَ بصرَه؛ فمتى ما تَثَّبَت في تلك النظرة أو عاود وقع في اللوم شرعاً وعقلاً. فإن قيل: فإن وقع العشقُ بأول نظرةٍ فأي لومٍ على الناظر؟ فالجواب: أنه إذا كانت النظرةُ لمحةً لم تَكَدْ توجبُ عِشقاً،إنما يوجبه جمودُ العين على المنظور بقدر ما تَثْبُتُ فيه، وذلك ممنوع منه. ولو قَدَّرنا وجودَه باللمحة، فأثَّر محبةً سَهُلَ قمْعُ ما حصل). إلى أن قال رحمه الله: فإن قيل: فما علاج العشق إذا وقع بأول لمحة؟ قيل: علاجهُ الإعراضُ عن النظر؛ فإن النظرةَ مثلُ الحبةِ تُلْقَى في الأرض؛ فإذا لم يُلتَفَتْ إليها يَبَستْ، وإن سقيت نَبَتَتْ؛ فكذلك النظرةُ إذا أُلحقت بمثلها). وقال: (فإن جرى تفريطٌ باتْباعِ نظرةٍ لنظرةٍ فإن الثانية هي التي تُخاف وتُحذر؛ فلا ينبغي أن تُحْقَر هذه النظرةُ؛ فربما أورثت صبابةً، صبَّت دمَ الصبِّ). وقال ابن القيم : (فعلى العاقلِ ألا يُحَكِّم على نفسه عشقَ الصور؛ لئلا يؤدِّيَه ذلك إلى هذه المفاسد، أو أكثرِها، أو بعضِها؛ فمن فعل ذلك فهو المفرِّط بنفسه، المُضِرُّ بها؛ فإذا هلكت فهو الذي أهلكها؛ فلولا تكرارُه النظرَ إلى وجه معشوقه، وطمُعه في وصاله لم يتمكَّنْ عِشْقُه من قلبه) ا_هـ اللهم إنَّا نسألك الهدى، والتقى، والعفاف، والغنى، وللحديث صلة _إن شاء الله_ وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
بِـسْـمِ اللَّهِ الـرَّحْـمَـنِ الـرَّحِـيـمِ الـسَّلَـامُ عَـلَـيْـكُـمْ وَرَحْـمَـةُ اللَّهِ وَبَـرَكَـاتُـهُ (16) فإنَه أغَضُّ للبَصَر الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فقد كان الحديث بالأمس يدور حول أثرِ الصيام في غضِّ البصر، وذلك انطلاقاً من قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء).وقد جاء في الحديث الماضي ذكرٌ لأضرار إطلاق البصر، والحديث ههنا إكمال لما مضى، وبيان لفوائد غض ّالبصر. معاشرَ الصائمين قد يقول بعض الناس: إذا نظرتُ نظرةً، فاشتدَّ تعلقي بمن نظرتُ إليه؛ فهل لي أن أكررَ النظرَ، لعلي أراه دون ما في نفسي، فَأَسْلوَ عنه؟ والجواب: أن ذلك من تلبيس الشيطان، ولا يجوز فعلُه لأوجهٍ عديدةٍ ذكرها ابن الجوزي، وابن القيم _رحمهما الله_ ومن تلك الأوجه ما يلي: أولاً: أن الله _سبحانه_ أمر بغضِّ البصر، ولم يجعلْ شفاءَ القلبِ فيما حرَّمه على العبد. الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن نظر الفجأة،ِ وقد علم أنَّه قد يؤثر في القلب، فـأمر بمداواته بصرف البصر، لا بتكرار النظر. الثالث: أنه صرح بأن الأولى له،وليست له الثانية،ومحالٌ أن يكون داؤه مما هو له، ودواؤه فيما ليس له. الرابع: أن الظاهرَ أن الأمرَ كما رآه في أول مرة؛ فلا تحَسُنُ المخاطرةُ بالإعادة. الخامس: أنه ربما رأى ما هو فوق الذي في نفسه؛ فزاد عذابُه. السادس: أن إبليس عند قصده للنظرة الثانية، يقوم في ركائبه، فيزيِّن له ما ليس بحسن؛ لتتمَّ البلية. السابع: أنه لا يعان على مطلوبه، إذا أعرض عن امتثال أمر الشرع، وتداوى بما حرمه عليه، بل هو جديرٌ أن تتخلَّف عنه المعونة. الثامن: أن النظرةَ الأولى سهمٌ مسمومٌ من سهامِ إبليس،ومعلومٌ أن الثانية أشدُّ سُمَّاً؛ فكيف يتداوى من السم بالسم؟! التاسع: أن صاحبَ هذا المقام في مقام معاملة الحق _عز وجل_ في ترك محبوب _كما زعم_ وهو يريد بالنظرة الثانية أن يتبينَ حالَ المنظور إليه؛ فإن لم يكن مرضياً تَرَكَهُ؛ فإذاً يكون تَرْكُهُ لأنه لا يلائم غرضه، لا لله _تعالى_ فأين معاملة الله _تعالى_ بترك المحبوب لأجله؟ وبهذه الأوجه وغيرها مما لم يذكر يتبينُ لنا خطورةُ إطلاقِ البصر، وإتْبَاعُ النظرةِ النظرة. معاشر الصائمين: لغضِّ البصر فوائدُ عظيمةٌ، لو استحضرها العاقل لقادته إلى غض البصر، ولمنعته من الاسترسال فيه، ومن تلك الفوائد ما يلي: الفائدة الأولى: تخليص القلب من ألم الحسرة. الفائدة الثانية: أنه يورثُ القلبَ نوراً وإشراقاً، يَظْهرُ في العين، وفي الوجه، وفي الجوارح. الفائدة الثالثة: أن غضَّ البصر يورثُ صحةَ الفِرَاسَة؛ فإنها من النور، وثمراته، وإذا استنار القلبُ صحَّت الفِراسةُ؛لأنه يصير بمنزلة المرآةِ المجلوَّةِ تظهر فيها المعلوماتُ كما هي، والنظرُ بمنزلة التنفُّس فيها؛ فإذا أطلق العبد نظره تنفَّست نفسُه الصُّعَداءُ في مرآة قلبه، فطمست نورها كما قيل: مرآةُ قلبِكَ لا تُريكَ صلاحَهُ *** والنَّفسُ فيها دائماً تتنفسُ والله _عز وجل_ يجازي العبدَ على عمله بما هو من جنسه، فمن غضَّ بصرَه عن المحارم عوَّضه الله إطلاقَ بصيرتِه؛ فلما حبس بصرَه لله أطلق اللهُ نور بصيرتِه، ومن أطلق بصره في المحارم حبس الله عنه بصيرتَه. الفائدة الرابعة من فوائد غض البصر: أنه يفتحُ للعبد طرقَ العلمِ ويسهلُ عليه أسبابَه، وذلك بسب نور القلب؛ فإنه إذا استنار ظهرت فيه حقائقُ المعلومات، وانكشفتْ له بسرعة، ونفذَ من بعضها إلى بعض. ومن أرسلَ بصَره تكدَّر عليه قلبه، وأظلم، وانسدَّ عليه بابُ العلم وطرقُه. الفائدة الخامسة: أن غضَّ البصر يورث القلبَ سروراً، وفرحاً، وانشراحاً، أعظم من اللذة والسرور الحاصلِ بالنظر؛ وذلك لقهره عدوَّه بمخالفته، ومخالفة نفسه، وهواه. ثم إنه لما كفَّ لذَّتَهُ، وحبسَ شهوتَه لله وفيها مسرةُ نفسه الأمارةِ بالسوء أعاضه الله مَسَرَّةً، ولذةً أكملَ منها، كما قال بعضهم: والله لَلَذَّةُ العفةِ أعظمُ من لذة الذنب. ولا ريب أن النفس إذا خالفت هواها أعقبها ذلك فرحاً، وسروراً، ولذّةً أكملَ من لذّة الهوى بما لا نسبة بينهما، وههنا يمتاز العقل من الهوى. الفائدة السادسة: أن غضَّ البصر يُخَلِّص القلب من أسر الشهوة؛ فإن الأسير هو أسيرُ شهوته وهواه. الفائدة السابعة: أن غضَّ البصر يسد عنه باباً من أبواب جهنم؛ فإن النظرة باب الشهوة الحاملة على مواقعة الإثم. الفائدة الثامنة: أن غضَّ البصر يقوي العقلَ، ويزيده ويثبِّته؛ فإن إطلاق البصر وإرسالَه لا يحصل إلا من خِفة العقل، وطيشِه، وعدمِ ملاحظته للعواقب. الفائدة التاسعة: أنه يُخَلِّصُ القلب من سُكْرِ الشهوة، ورقدةِ الغفلة. وبالجملة ففوائدُ غضِّ البصر، وآفاتُ إرسالِه أضعافُ أضعاف ما ذكر؛ فعلى من يريد السلامة لنفسه أن يغضَّ طرفَه عما تشتهيه نفسُه من الحرام، وليكن له في ذلك الغض نيةٌ يحتسب بها الأجرَ، ويكتسب الفضلَ، ويدخل في جملة مَنْ نهى النفسَ عن الهوى. . وهكذا معاشر الصائمين: يتبيَّن لنا أثرُ الصيامِ في غضِّ البصر، ويتّضح لنا آثار إرسالِ البصر، وثمراتُ غَضِّه. وإذا استفاد الصائم هذا الدرس من صيامه بعثه ذلك إلى غضِّ بصره،واستحضار مشاهدة الرب _عز وجل_ له؛ فينال بذلك فوائدَ غضِّ البصر، ويدخل في زمرة المحسنين الذين يعبدون الله كـأنهم يرونه، فإن لم يكونوا يرونه فإنه يراهم. اللهم اجعلنا ممن خافك، واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين. وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد.
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
|
بِـسْـمِ اللَّهِ الـرَّحْـمَـنِ الـرَّحِـيـمِ الـسَّلَـامُ عَـلَـيْـكُـمْ وَرَحْـمَـةُ اللَّهِ وَبَـرَكَـاتُـهُ (18) فِيْ السِحُورِ بَرَكَة الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فقد جاء في الحديث المتَّفقِ عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تسحروا؛ فإن في السحور بركة). ففي هذا الحديث أمرٌ بالتسحر، وهو الأكل والشرب وقت السحر؛ استعداداً للصيام، وذكرٌ للحكمة من ذلك وهي حلولُ البركة. والبركة _معاشر الصائمين_ هي نزولُ الخيرِ الإلهي في الشيء، وثبوتُه فيه. والبركة كذلك تعني الزيادة في الخير والأجر، وكلِّ ما يحتاجه العبد من منافع الدنيا والآخرة. والبركةُ إنما تكون من الله،ولا تنال إلا بطاعته _عز وجل_. ومما يلحظ على بعض الصائمين أنه لا يأبه بوجبة السحور، ولا بتأخيرها؛ فربما تركها البتّة، وربما تناول الطعام في منتصف الليل، أو قبل أن ينام، إما لخوفه من عدم القيام، أو لرغبته في النوم فتر ة أطول، أو لقلة مبالا ته بالسحور وبركاته، أو لجهله بذلك. وهذا خلل ينبغي للصائم تلافيه؛ لما فيه من مخالفة السنة، وحرمان بركات السحور. فَحَرِيٌّ بالصائم أن يتسحَّر، وأن يؤخر سحوره إلى ما قبيل الفجر، ولو كان السحور قليلاً؛ لما في ذلك من الخيرات والبركات العظيمة. من بركات السحور من ذلك أنه استجابة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث قال في الحديث المتَّفق عليه:(تسحروا؛ فإن في السحور بركة). وكفى بذلك فضلاً وشرفاً، قال الله _تعالى_ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)(النساء: من الآية80).وقال: ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)(الأحزاب: من الآية71). ومن بركاته أنه شعار المسلمين، وأن فيه مخالفةً لأهل الكتاب،قال النبيصلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلةُ السحر). ومن ذلك حصولُ الخيريةِ، والمحافظةُ عليها؛ فعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور) رواه البخاري ومسلم. ومن بركات السحور أن فيه تقويةً على الطاعة، وإعانةً على العبادة، وزيادةً في النشاط والعمل؛ ذلكم أن الجائعَ الظامئَ يعتريه الفتور، ويَدِبُّ إليه الكسل. ومن بركات السحور حصولُ الصلاةِ من الله وملائكته على المتسحِّرين، فعن ابن عمر _رضي الله عنهما_ مرفوعاً: (إن الله وملائكته يصلون على المتسحِّرين) رواه ابن حبان، والطبراني في الأوسط، وحسنه الألباني. ومن بركات السحور أن فيه مدافعةً لسوء الخلق الذي قد ينشأ عن الجوع. ومن بركاته أن وقت السحور وقت مبارك؛ فهو وقت النزول الإلهي _كما يليق بجلال الله وعظمته_ قال النبي صلى الله عليه وسلم:(ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر؛ فيقول: من يدعوني فأستجيبَ له، من يسألني فأعطيَه، من يستغفرُني فأغفرَ له) رواه البخاري . ومن ذلك أن وقتَ السحرِ من أفضل أوقات الاستغفار إن لم يكن أفضلَها، كيف وقد أثنى الله _عز وجل_ على المستغفرين في ذلك الوقت بقوله: ( وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ)(آل عمران: من الآية17) . وقوله: (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الذاريات:18) . فالقيام للسحور سببٌ لإدراك هذه الفضيلة، ونيلِ بركات الاستغفار المتعدِّدة. ومن بركات السحور أنه أضمن لإجابة المؤذن بصلاة الفجر؛ ولا يخفى ما في ذلك من الأجر، وأنه أضمن لإدراك صلاة الفجر في وقتها مع الجماعة. ومن بركات السحور أن تناولَه _في حد ذاته_ عبادةٌ إذا نَوَى بها التَقَوِّيَ على طاعة الله، والمتابعةَ للرسول صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك أن الصائم إذا تسحَّر لا يملُّ إعادة الصيام، بل يشتاق إليه، خلافاً لمن لا يتسحَّر؛ فإنه يجد حرجاً ومشقةً يُثْقِلان عليه العودة إليه. ومن بركات السحور أن الله _سبحانه_ يطرحُ الخيرَ في عمل المتسحِّر؛ فحريٌ به أن يوفَّق لأعمال صالحة في ذلك اليوم؛ فيجد انبعاثاً لأداء الفرائض، والنوافل، والإتيان بالأذكار، والقيام بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونحو ذلك. بخلاف ما إذا ترك السحور؛ فإن الصيام قد يثقله عن الأعمال الصالحة. وبالجملة فإن بركاتِ السحورِ كثيرةٌ، ولا يمكن الإتيانُ عليها أو حصرُها؛ فلله في شرعه حكمٌ وأسرار تحار فيها العقول، وقد لا تحيط منها إلا بأقل القليل؛ فحريٌ بنا أن نستحضر هذه المعاني العظيمة، وأن نُذَكِّرَ إخواننا بها، والله المستعان، وعليه التكلان، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
|
بِـسْـمِ اللَّهِ الـرَّحْـمَـنِ الـرَّحِـيـمِ الـسَّلَـامُ عَـلَـيْـكُـمْ وَرَحْـمَـةُ اللَّهِ وَبَـرَكَـاتُـهُ (20) رَمَضَانْ شَهَر الحِلْم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فلا ريب أن للصوم أثراً في اكتساب الحلم، ولا ريب أن للحلم فضائلَ عديدةً، والحديث ههنا تبيان لبعض فضائل الحلم. معاشر الصائمين: من فضائل الحلم أنك ترى الناسَ في جانب الحليم متى كان خصمُه أو مناظره ينحدر في جهالة، ولا يندى جبينه أن يقول سوءاً. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (حلمُك على السفيه يكثر أنصارَك عليه). قال الحكيم العربي: والحلمُ أعظمُ ناصرٍ تَدْعُونه *** فالزمْهُ يَكْفِكَ قلةَ الأنصار ومن فضل الحلم أن رئاسةَ الناسِ -صغيرةً كانت أم كبيرة- لا ينتظم أمرُها إلا أن يكون الرئيس راسخاً في خلق الحلم. قال معاوية رضي الله عنه لعرابةَ الأوسيِّ: بم سُدْتَ قومك حتى قال فيك الشماخ: رأيت عرابةَ الأوسيَّ يسمو *** إلى الخيرات منقطعَ القرينِ إذا ما رايةٌ رُفعت لِمَجدٍ *** تلقَّاها عرابةُ باليمينِ قال عرابةُ: غيري أولى مني بذلك يا أمير المؤمنين. قال معاوية: عزمتُ عليك لَتُخبرَنِّي. قال عرابة: يا أمير المؤمنين! كنت أحلِم على جاهلهم، وأعطي سائلهم، وأسعى في قضاء حوائجهم. وما ذلك _ أيها الصائمون_ إلا أن الناس يكرهون جافي الطبع، ولا يجتمعون حولَ مَنْ يأخذه الغضبُ لأدنى هفوة، إلا أن يساقوا إليه سوقاً. والرئيس بحق هو مَنْ يملك القلوب قبل أن يبسط سلطانه على الرقاب. ولقد امتن ربنا _جل وعلا_ على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بأن جبله على هذه السيرة الحميدة، وأنْ جَنَّبه الغلظةَ والفظاظة، فقال _ عز وجل_ : (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (آل عمران: من الآية159). ولقد كانت سيرةُ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حافلةً بهذا الخلق الكريم؛ فلقد كان يلاقي الإساءة بالإحسان، ويدفع بالحسنة السيئة، ويقابل الغِلظَ بالرفق؛ فهذه السيرةُ ترشدُ رئيسَ القومِ، والداعيةَ، والعالمَ، والمعلمَ أن يوسِّع صدرَه لمن يناقشه أو يجادله ولو صاغ أقواله في غلظة وجفاء؛ فسيرته _ عليه الصلاة والسلام _ هي التي علَّمت معاوية رضي الله عنه أن يقول: (والله لا أحْمِلُ سيفي على مَنْ لا سيفَ له؛ فإن لم يكن لأحدكم سوى كلمةٍ يقولها ليستشفيَ بها فإني أجعل لها ذلك دبر أذني، وتحت قدمي). ويقول رضي الله عنه: (لا أحمل سيفي ما كفاني سوطي، ولا أحمل سوطي ما كفاني مقولي). وإليكم _معاشر الصائمين_ هذه القصةَ العجيبةَ من سيرة معاوية رضي الله عنه. قال رجل من قريش: ما أظن معاويةُ أغضبه شيءٌ قطُّ. فقال بعضهم: إذا ذُكرَت أُمُّه غضب. فقال مالك بن أسماء المنى القرشي: أنا أغضبه إن جعلتم لي جعلاً، ففعلوا، فأتاه في الموسم، فقال له: يا أمير المؤمنين إن عينيكَ لتشبهانِ عيني أمِّك. قال معاوية: نعم كانتا عينين طالما أعجبتا أبا سفيان! ثم دعا مولاه شقران فقال له: أَعْدِدْ لأسماء المنى ديةَ ابنها؛ فإني قد قتلته وهو لا يدري. فرجع مالكُ بنُ أسماءِ المنى وأخذ الجعلَ، فقيل له: إن أتيت عمر بن الزبير فقلت له مثل ما قلت لمعاوية أعطيناك كذا وكذا. فأتاه فقال له ذلك، فأمر بضربه حتى مات. فبلغ ذلك معاوية، فقال: أنا والله قتلته، وبعث إلى أمه بديته، وأنشأ يقول: ألا قل لأسماء المنى أمِّ مالكٍ *** فإني لَعَمْرُو الله أهلكت مالكا قال ابن الأثير رحمه الله متحدثاً عن صلاح الدين الأيوبي: (وكان _رحمه الله_ حليماً، حسن الأخلاق،صبوراً على ما يكره، كثير التغاضي عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره، ولا يُعَلِمُهُ بذلك، ولا يتغير عليه. وبلغني أنه كان جالساً وعنده جماعة،فرمى بعض المماليك بعضاً بسر موزة _أي بنعل_ فأخطأته، ووصلت إلى صلاح الدين، فأخطأته ووقعت بالقرب منه، فالتفت إلى الجهة الأخرى يكلم جليسه؛ ليتغافل عنها). معاشر الصائمين: قد يقطع الحلم شَرَّاً عظيماً لو لم يقابل بالحلم لتمادى وعظم. قال أيوب: (حلمُ ساعةٍ يدفع شراً كبيراً). وقال الأحنف: (ربَّ غيظٍ تَجَرَّعْتُه، مخافةَ ما هو شرٌّ منه). بل قد يضع الحلمُ مكان الضغينة مودة؛ ذلكم أن الفضيلةَ محبوبةٌ في نفسها، وتدعو إلى إجلال مَنْ يتمسَّك بها. وكثيراً ما يكون الصفح عن المسيء دواءً لسوء خلقه، وتقويماً لعوجه، فيعود الجفاء إلى ألفة، والمناواة إلى مسالمة. أما التسرُّع في دفع السيئة بمثلها أو أشدَّ دونما نظرٍ إلى الأثر السيئ _فذلك دليلُ ضيقِ الصدرِ، والعجزِ عن كبح جماح الغضب. وإنما يتفاضل الناس في السيادة على قدر تدبُّرهم للعواقب، وإسكاتهم للغضب إذا طغى. ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت: 34-35) أيها الصائمون الكرام! ومن فوائد الحلم: السلامة من تشوش القلب، ومرض البدن، وسائر المشكلات الناجمة عن الغضب. أما أعظم فوائده فهي الفوزُ برضا الخالق _جل وعلا_ فإنه قد دعا إليه في آيات كثيرة، قال _تعالى_: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران:134) . وأثنى على عباده المؤمنين بقوله وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً)(الفرقان: من الآية63).أيها الصائم الكريم! تذكَّر أنك تتفيَّأُ في ظلال دين قويم، وتعيش في أيام شهر مبارك كريم؛ فإذا سابَّك أحدٌ أو شاتمك فقل: (إني امرؤ صائم). وبذلك ترضي ربك، وتحافظ على صومك، وتسلم من سماع ما يسوؤك. وإذا لزمت هذه السيرة الرضية في شهرك هذا، كان ذلك دافعاً لك أن تلزم الحلم في بقية عمرك، (وإنما الحلم بالتحلُّم، وإنما العلم بالتعلُّم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه). وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |