أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد - الصفحة 8 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         سحور 7 رمضان.. طريقة عمل الفطير السريع بالجبنة في الطاسة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          يهدى للتى هي أقوم || الشيخ مصطفى العدوي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 4 - عددالزوار : 59 )           »          هذا زوجي فضيلة الشيخ سعد عرفات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 5 - عددالزوار : 56 )           »          قصة آية الشيخ د أحمد جلال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 6 - عددالزوار : 80 )           »          لطائف مع فضيلة الشيخ الدكتورمحمد حسان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 5 - عددالزوار : 65 )           »          تقنية جديدة من ميتا لدبلجة الفيديوهات مع مزامنة حركة الشفاه تلقائيًا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          ذكاء اصطناعى يتنصت على المكالمات عبر الرادار على بعد 3 أمتار فقط (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          تطبيق Notion Mail متوفر الآن على نظام iOS.. يدعم أكثر من 18 لغة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          جوجل تكشف عن ميزة الترجمة الجديدة لهواتف بيكسل.. تعرف عليها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          جوجل تحدث كروم على أندرويد.. تعرف على أبرز مميزاته (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 23-11-2023, 10:39 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,458
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد

الصحيح من الأثر في خطب المنبر – الجزء الثاني (PDF)
أبو عبدالله فيصل بن عبده قائد الحاشدي
لا اله الا اللله

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 05-12-2021, 07:03 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,458
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد

الوعظ والإرشاد
هبة حلمي الجابري


الوعظ لغة: النصح بالترغيب، أو الترهيب، أو بهما معًا؛ ليلين قلب الإنسان.

وفي الاصطلاح: القول الحق الذي يلين القلوب، ويؤثر في النفوس، ويكبح جماح النفوس المتمردة، ويزيد النفوس المهذبة إيمانًا وهداية.



والموعظة الحسنة مظهر من مظاهر الحكمة، وجزء منها، ولها شروط لا بد منها، وهي:

1- أن تكون صادرة عن إخلاص.



2- أن يكون لها مقتضى يقتضيها من حال المدعو؛ لا أن تكون مجرد حب للقول، وتظاهر بالفصاحة والحكمة دون داع .



3- أن يصاحبها إقناع المدعو بأنها صادرة عن روح الإخاء، وحب الخير له قبل كل شيء.



4- إذا كانت الدعوة خاصة بفرد أو أفراد معينين، فيحسُن أن تكون بعيدة عن التشهير والتجريح الذي يُثير الشر أكثر مما ينشر من الخير .



5- أن تكون القدوة بالداعي أحد عناصرها، فإن العظة بالقدوة من أنجح أساليب الوعظ.



ومن هنا فالموعظة الحسنة هي الكلمة الطيبة، التي تخرج من فم الداعية بإخلاص لتصل إلى عقول الناس، فيجدون فيها الخير والسعادة، ويحسون من خلال كلمته أنه صادق وحريص على جلب الخير لهم، ودفع الشر عنهم .



متى تكون الموعظة مؤثرة:

حتى تكون الموعظة الحسنة مؤثرة في نفس المدعوين لا بد أن يكون فيها ما يلي:

1- أن تكون ذا موضوع؛ فتتحدث عن أمر معين، ويكون لها هدف يريد أن يصل الداعية إليه من خلالها.



2- أن يدعمها الواعظ بالحجة النقلية من القرآن والسنة، والحجة العقلية التي يقتنع بها السامع مع التلطُّف في القول، والرفق في المعاملة.



3- العلم بالكتاب والسنة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم والسلف الصالح، وبالقدر الكافي من الأحكام الشرعية، ثم العمل بذلك كله، فرُبَّ حالٍ أبلغ في التأثير من ألف مقال.



4- أن يتجمَّل الواعظ بالعِفَّة واليأس مما في أيدي الناس.



5- أن يعالج الواعظ بالموعظة واقعًا يعيش فيه الناس، وأن يجعل منها توجيهًا يُصلِح شأنهم جميعًا.



6- أن يحسن الواعظ عرض موعظته، بأن يُقسِّمها إلى أجزاء متصلة، ثم يصوغها بأسلوب جميل سهل.



7- أن يتخلَّق الواعظ بما يقول مظهرًا ومخبرًا، فبمقدار إخلاصه في القول والعمل ينتفع سامعوه .



8- أن يهتم بحسن مظهره.



9- أن يكون الواعظ مُلِمًّا بثروة كلامية يختار منها أفضل الأساليب التي يمتلك بها قلوب السامعين من جمال التصوير، وطرافة المعنى، وحداثة الموضوعات، مع ضرورة الإجادة في الإلقاء.



10- أن يعلم الواعظ أحوال الناس من حيث الطباع والتاريخ والأخلاق، مع الإلمام بقدر المستطاع ببعض الدراسات في علم النفس وعلم الاجتماع والتعرُّف على لغة القوم؛ قال عز وجل: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ [إبراهيم: 4].



11- أن يكون ذا فراسة، يتعرف حال سامعيه، ويعاملهم بما يناسبهم ويؤثر فيهم.



ومع ما للوعظ والإرشاد من فائدة عظيمة، وأثر طيب ظاهر في تهذيب النفوس وسعادة البشرية؛ لكن أنكره جماعة من المتشائمين، وقالوا عن الوعظ: إنه عبث؛ لأن الأخلاق مبنية على غرائز لا تتحوَّل، وطِباع لا تتبدَّل! وقال بعض الفلاسفة عن الوعظ والإرشاد: إنه لا قيمة له؛ حيث إن الناس يولدون أخيارًا أو أشرارًا، وأن الحسن والقبيح شيء طبيعي في الإنسان، وأن الشعور بالمسؤولية ليس إلا نوعًا من الخداع .



فهل كلامهم صحيح؟ بالطبع غير صحيح؛ وللرد على هذه الآراء:

لو نظرنا نظرة فاحصة لهذه الآراء السابقة، لوجدنا أنها لا تقوم على أساس، وباطلة في دعواها ومنقوضة بالشرع والعقل والتجربة والملاحظة:

أما الشرع: فإن الله عز وجل يقول: ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ [البلد: 10]؛ أي: عرفناه طريق الخير والشر، ويقول تعالى: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ [الإنسان: 3]؛ أي: بينَّاه له، ووضَّحناه، وبصَّرناه به، ويقول عز من قائل: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾ [الشمس: 7]، قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ [الشمس: 8]؛ أي: بيَّن لها طريق الخير والشر.



وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من مولودٍ إلَّا يولَدُ على الفطرةِ، فأبواهُ يُهَوِّدانِهِ وينصِّرانِهِ ويمجِّسانِهِ، كما تُنتَجُ البَهيمةُ بَهيمةً جَمْعاءَ، هل تُحسُّونَ فيها من جدعاءَ؟))؛ رواه مسلم. [وجمعاء؛ يعني: سالمة من العيوب، وجدعاء: مقطوعة الأذن] .



أما من ناحية العقل: فإن الله تبارك وتعالى أنزل الكتب، وأرسل الرسل من أجل إصلاح الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة، ورسالة الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم كانت وعظًا وإرشادًا وتوجيهًا إلى طريق الهداية، كانوا بالوعظ ينبهون القلوب من غفلتها، ويضيئون النفوس بضياء الحق، ويبعدونها عن الرذائل، ويبصرون أتباعهم بما ينفعهم من أمور دينهم ودنياهم.



فالإنسان خُلِق مستعدًّا للخير والشر، فإن تيسَّرت له التربية الصالحة والبيئة الصالحة نشأ على الإيمان الخالص والأخلاق الفاضلة، وحب الخير والفضيلة، وأما إذا كان العكس، فلم تتيسَّر له التربية الصالحة والبيئة الصالحة، فإنه ينشأ على الكفر والأخلاق المنحلَّة وحب الشرِّ والرذيلة.



ومن هنا فالوعظ والإرشاد له أثر كبير في هداية النفس الإنسانية، والأخذ بها إلى الصراط المستقيم، وصيانة القلوب من المخاطر، وتهذيب النفوس، واستنارة البصائر بنور الطاعة.



أما من ناحية التجربة والملاحظة: من الملاحظ في عالم الإنسان أن إنسانًا ما عاش طويلًا في بيئة الضلال والفساد، وبلغ فيه الإجرام والشقاء كل مبلغ، وقد أذاق المجتمع من وبال شروره وآثامه، وإذا برفيق صالح، أو مُربٍّ مؤثِّر، وداعية مخلص، نقله من الشقاء إلى السعادة، ومن بيئة الإجرام إلى عالم الكرام البررة، فيصبح بعد هذا الشقاء الطويل من كبار الأتقياء.



والدليل على ذلك ما رواه أَبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: لا أُحَدِّثُكُمْ إِلا مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي ((إِنَّ عَبْدًا قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، ثُمَّ عَرَضَتْ لَهُ التَّوْبَةُ، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ قَتَلْتُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: بَعْدَ قَتْلِ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ! قَالَ: فَانْتَضَى سَيْفَهُ، فَقَتَلَهُ بِهِ، فَأَكْمَلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ عَرَضَتْ لَهُ التَّوْبَةُ، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ قَتَلْتُ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ، اخْرُجْ مِنَ الْقَرْيَةِ الْخَبِيثَةِ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ، قَرْيَةِ كَذَا وَكَذَا فَاعْبُدْ رَبَّكَ فِيهَا، قَالَ: فَخَرَجَ يُرِيدُ الْقَرْيَةَ الصَّالِحَةَ، فَعَرَضَ لَهُ أَجَلُهُ فِي الطَّرِيقِ، قَالَ: فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلائِكَةُ الْعَذَابِ، قَالَ: فَقَالَ إِبْلِيسُ: أَنَا أَوْلَى بِهِ، إِنَّهُ لَمْ يَعْصِنِي سَاعَةً قَطُّ، قَالَ: فَقَالَتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: إِنَّهُ خَرَجَ تَائِبًا))؛ رواه مسلم.



فالرجل عاش في بيئة كلها فساد، وإذا بهذا الواعظ يأخذ بيده من هذا الوباء الذي يعيش فيه، وينقله إلى بيئة العبادة والتقوى، وما ذلك إلا بالموعظة الحسنة التي قدمها له، وعرَّفَه بأن أرضه أرض سوء وفساد، فلا يرجع إليها مرة أخرى.



ولننظر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه كيف كان قبل الإسلام؟! وكيف أصبح بعده؟! وما كان هذا إلا بعظة عابرة غير مقصودة وقعت في قلبه، فحوَّلته من الشدة إلى الرقة والرأفة والعطف.



وإذا نظرنا إلى عالم الحيوان نجد أن الإنسان بخبرته غيَّرَ كثيرًا من طباع الحيوانات من النفور إلى الأُلفة، ومن الصعوبة إلى الانقياد، ومن الاعوجاج إلى الاعتدال، فما بالك بالإنسان وهو أسلس قيادة وأعظم مرونة؟



روى مسلمٌ عن معاوية بن الحكم السلمي قال: بينما أنا أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجلٌ من القوم فقلت: يرحمك الله - وهو في الصلاة - قال: فرماني القوم بأبصارهم - جعل المصلون ينظرون إليه بطرف عيونهم - فقلت: وا ثكلَ أمِّياه! ما شأنكم تنظرون إليَّ - وهو في الصلاة - قال: فجعلوا يضربون أيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكنت - يعني: عجبتُ لماذا يصمتونني؟! هل هناك مشكلة في الصلاة؟ - فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - أنهى صلاته - فبأبي وأمي ما رأيت معلمًا قبله، ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما نهرني، ولا ضربني، ولا شتمني؛ لكنه قال: ((إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّا؛سِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ)).




وجاء في كتاب (العقد الفريد) قال رجل للرشيد: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أنصحك بعظةٍ فيها الغلظة فاحتملها - احتمل النصيحة؛ لأنني سأشدد عليك - فقال له الرشيد: كلا، لا تنصحني، إن الله أمر من هو خيرٌ منك بإلانة القول لمن هو شرٌّ مني، فقال لنبيه موسى عليه السلام إذ أرسله إلى فرعون: ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه: 44].




فهل عرفت لماذا نجحت النصيحة الأولى، ولم تنجح الثانية؟ لماذا آتت النصيحة الأولى أُكلها، ولم تؤتِ النصيحة الثانية أُكلها؟





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 05-12-2021, 07:06 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,458
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد

الخلاف وآدابه
الشيخ د. عبد الله بن محمد الجرفالي




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، أما بعد:
فهذه مذكرة مختصرة تتحدث عن موضوع في غاية الأهمية وهو (الخلاف وآدابه).
وقد جمعتها على عجل في قرابة سبع ساعات؛ ليتم تدارسها في دورة علمية أُقيمت في مكة المكرمة من 21/ 10/ 1439 - 22/ 10/ 1439هـ، ما بين صلاتي العصر والعشاء.

أسأل الله أن يبارك فيها وينفع بها.

أولًا: تعريف الخلاف، وفيمَ يكون؟
الخلاف والاختلاف والمخالفة في اللغة بمعنًى واحد.

قال في المصباح المنير: "خالفته مخالفة وخلافًا، وتخالف القوم واختلفوا: إذا ذهب كل واحدٍ إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر، وهو ضد الاتفاق".

ولا يختلف المعنى الشرعي للخلاف عن المعنى اللغوي، إلا أنه مقصور على الاختلاف في المسائل الشرعية، فالعلاقة بين المعنيين هي علاقة عموم وخصوص مطلق، ذلك أن علماء الشريعة يطلقون الخلاف على المسائل الشرعية التي لم يجمع عليها، فالخلاف ضد الإجماع[1].

ونعني بالخلاف هنا ما هو أشمل من الخلاف في المسائل الفقهية الاجتهادية، فيدخل في ذلك المخالفة في المسائل الاعتقادية؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ [آل عمران: 105].

فمن أمثلة الخلاف في العقيدة:
أ- ما يكون من المخالفة بين المسلمين والكافرين:
فالكفار باختلاف مِللهم ونِحلهم واعتقاداتهم، يختلفون مع المسلمين في أصل الأصول، إما في وجود الله سبحانه، أو باعتقاد وجوده، لكنهم يشركون معه غيره.

ب- ما يكون من خلاف أهل الأهواء والبدع لأهل السنة؛ كخلاف الخوارج، والمعتزلة، والرافضة، فهذان الخلافان ينظر لهما من جهتين:
من جهة خلاف المسلمين للكافرين، فهو خلاف سائغ مقبول، في أعلى درجات القبول، بل هو من الخلاف الواجب على المسلمين، وكذلك خلاف أهل السنة لأهل البدع فهو كذلك.

من جهة خلاف الكافرين للمسلمين، فهو خلاف غير سائغ مردود، في أقوى درجات الرد، بل يجب على الكافرين أن يوحِّدوا الله ويعبدوه، وأن يكونوا مع المسلمين، وكذلك الواجب على أهل الأهواء والبدع ترك ما هم عليه واتباع أهل السنة، وخلافهم لأهل السنة مردود غير مقبول ولا عذر لهم فيه.

ثانيًا: أنواع الخلاف وأمثلة عليه:
ينقسم الخلاف إلى قسمين رئيسين:
الأول: الخلاف السائغ (المحمود).
وهو الاختلاف في المسائل الظنية، وهذا كثير جدًّا، يظهر ذلك جليًّا لمن تتبع خلاف الفقهاء في مسائل الفقه من كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الإقرار، ومن أمثلته: الاختلاف في أقسام المياه، ونجاسة الكلب، ومدة المسح على الخفين، وأمد الحيض، والقنوت في صلاة الفجر، ورفع اليدين في الصلاة، وصلاة ذوات الأسباب في أوقات النهي، وما يجب تغطيته من المرأة، ووقوع طلاق الثلاث واحدة... إلخ.

فمثل هذه المسائل يسوغ فيها الخلاف إذا لم يكن عن تعصُّب وهوى، وإنما عن اجتهاد وتحرٍّ، لِما ثبت في الصحيحين من قوله عليه الصلاة والسلام: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحد"، وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة رضوان الله عليهم على اختلافهم في الاجتهاد في صلاة العصر في غزوة بني قريظة، والحديث في الصحيحين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ما تنازعوا فيه مما أقروا عليه، وساغ لهم العمل به من اجتهاد العلماء والمشايخ والأمراء والملوك، كاجتهاد الصحابة في قطع اللينة وتركها، واجتهادهم في صلاة العصر لما بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة، وأمرهم ألا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، فصلى قوم في الطريق في الوقت، وقالوا: إنما أراد التعجل لا تفويت الصلاة، وأخرها قوم إلى أن وصلوا وصلوها بعد الوقت؛ تمسكًا بظاهر لفظ العموم، فلم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم واحدة من الطائفتين، وقد اتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم؛ كمسائل في العبادات، والمناكح، والمواريث، والعطاء، والسياسة، وغير ذلك.

وحكم عمر أول عام في الفريضة الحمارية بعدم التشريك، وفي العام الثاني بالتشريك في واقعة مثل الأولى، ولما سئل عن ذلك قال: تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي، وهم الأئمة الذين ثبت بالنصوص أنهم لا يجتمعون على باطل ولا ضلالة، ودل الكتاب والسنة على وجوب متابعتهم، وتنازعوا في مسائل علمية اعتقادية؛ كسماع الميت صوت الحي، وتعذيب الميت ببكاء أهله، ورؤية محمد صلى الله عليه وسلمربه قبل الموت، مع بقاء الجماعة والألفة، ومذهب أهل السنة والجماعة أنه لا إثم على من اجتهد وإن أخطأ"[2].

الثاني: الخلاف غير السائغ (المذموم):
وهو عكس الخلاف المحمود، وذكر بعض أهل العلم أنه يكون في حالات أربع رئيسة.
الحالة الأولى: الاختلاف في مسائل العقيدة المتفق عليها عند أهل السنة والجماعة، وهذا اختلاف مذموم؛ لأن العقيدة ثابتة بنصوص قطعية في الكتاب والسنة، وقد أجمع عليها الصحابة، فلا يصح أن يكون فيها اختلاف بين المسلمين.

الحالة الثانية: الاختلاف في الأدلة القطعية:
والمقصود بها المسائل التي تكون قطعية الثبوت وقطعية الدلالة؛ مثل: وجوب الصلاة والصيام والزكاة، وقطع يد السارق، ورجم الزاني، وتحريم الخمر...إلخ.

فالاختلاف في هذه المسائل غير سائغ؛ لأنه لو قبل الخلاف فيها لما بقِي شيء من مسائل الدين إلا وأصبح قابلًا للأخذ والرد.

الحالة الثالثة: الاختلاف الناشئ عن تعصبٍ أو هوى لا عن حجةٍ وبرهان:
فقد ذم الله تعالى الذين يجادلون في آياته بغير حجة ولا برهان، فقال سبحانه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ [غافر: 56].

الحالة الرابعة: مخالفة ما أجمعت عليه الأمة[3]:
ففي هذه الحالات الأربع يكون الاختلاف مذمومًا، وهو ما يطلق عليه الشارع الافتراق، كما في حديث الافتراق المشهور الذي رواه عوف بن مالك رضي الله عنه وغيره من الصحابة قال: قال صلى الله عليه وسلم: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وإحدى وسبعون فرقة في النار، والذي نفسي بيده لتفترقنَّ هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قيل: مَن هم يا رسول الله، قال: الجماعة"[4]، وفي رواية قال: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي"، وفي رواية قال: "هم السواد الأعظم".

ثالثًا: أسباب الخلاف:
أسباب الخلاف كثيرة جدًّا، منها ما يكون للهوى، ومنها ما يكون لأجل حظوظ النفس، ومنها ما يكون لأجل قلة العلم وعدم الاطلاع، ومن تلك الأسباب:
1 ــ اتباع الهوى:
فصاحب الهوى يصعب إقناعه، واتباع الهوى على صنفين:
الأول: الكفرة المردة الجحدة الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [البقرة: 89].
وقال سبحانه وتعالى عنهم: ﴿ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: 33].

والصنف الثاني: المبتدعة المنحرفة عن طريق السلف، وفَهمهم في تطبيق السنة, فهؤلاء ابتدعوا في دين الله تعالى ما لم يأذن به الله، ولم يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخلاف مع هؤلاء خلاف صعب للغاية؛ لأنهم يرون أنهم على حق، وخلافهم مبني على الهوى.

2- أن يكون الدليل لم يبلغ هذا المخالف:
وهذا السبب ليس خاصًّا فيمن بعد الصحابة، بل يكون في الصحابة ومَن بعدهم.

ومن أمثلة ما وقع بين الصحابة من هذا النوع:
الأول: ما ثبت في صحيح البخاري وغيره حينما سافر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام، وفي أثناء الطريق ذُكر له أن فيها وباءً وهو الطاعون، فوقف وجعل يستشير الصحابة رضي الله عنهم، فاستشار المهاجرين والأنصار واختلفوا في ذلك على رأيين.

وكان الأرجح القول بالرجوع، وفي أثناء هذه المداولة والمشاورة جاء عبدالرحمن بن عوف، وكان غائبًا في حاجة له، فقال: إن عندي من ذلك عِلمًا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه، وإن وقع وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارًامنه"، فكان هذا الحكم خافيًا على كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، حتى جاء عبدالرحمن فأخبرهم بهذا الحديث.

مثال آخر: كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعبدالله بن عباس رضي الله عنهما، يريان أن الحامل إذا مات عنها زوجها تعتدُّ بأطول الأجلين، من أربعة أشهر وعشر أو وضع الحمل، فإذا وضعت الحمل قبل أربعة أشهر وعشر، لم تنقض العدة عندهما، وبقيت حتى تنقضي أربعة أشهر وعشر، وإذا انقضت أربعة أشهر وعشر من قبل أن تضع الحمل، بقيت في عدتها حتى تضع الحمل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: 4]، ويقول: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة: 234].

وبين الآيتين عموم وخصوص، وطريق الجمع بين ما بينهما عموم وخصوص أن يؤخذ بالصورة التي تجمعهما، ولا طريق إلى ذلك إلا ما سلكه علي وابن عباس رضي الله عنهما، ولكن السُّنَّة فوق ذلك، فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سبيعة الأسلمية أنها نفست بعد موت زوجها بليال، فأذن لها رسول الله أن تتزوج، ومعنى ذلك أننا نأخذ بآية سورة الطلاق، وهي عموم قوله تعالى: ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ.

واليقين أن هذا الحديث لو بلغ عليًّا وابن عباس لأخذا به قطعًا، ولم يذهبا إلى رأيهما.

3- أن يكون الحديث قد بلغ الرجل ولكنه لم يثق بناقله:

ومن أمثلة ذلك ما ثبت في قصة فاطمة بنت قيس رضي الله عنها عندما طلَّقها زوجها آخر ثلاث تطليقات، فأرسل إليها وكيله بشعير نفقة لها مدة العدة، ولكنها سخطت الشعير، وأبت أن تأخذه، فارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرها النبي أنه لا نفقة لها ولا سكنى؛ وذلك لأنه أبانها، والمبانة ليس لها نفقة ولا سكنى على زوجها إلا أن تكون حاملًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: 6].

لكن عمر رضي الله عنه خفيت عليه هذه السُّنَّة، فرأى أن لها النفقة والسكنى، وردَّ حديث فاطمة باحتمال أنها قد نسيت، فقال: أنترك قول ربنا لقول امرأة لا ندري أذكرت أم نسيت؟!

وهذا معناه أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لم يطمئن إلى هذا الدليل، وهذا كما يقع لعمر ومن دونه من الصحابة ومن دونهم من التابعين، يقع أيضًا لمَن بعدهم من أتباع التابعين، وهكذا إلى يومنا هذا، بل إلى يوم القيامة، أن يكون الإنسان غير واثق من صحة الدليل.

4- أن يكون الحديث قد بلغه ولكنه نسيه:
من أمثلة ذلك ما ثبت في الصحيحين من قصة عمر بن الخطاب مع عمار بن ياسر رضي الله عنهما، حينما أرسلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة، فأجنبا جميعًا عمار وعمر.

أما عمار فاجتهد ورأى أن طهارة التراب كطهارة الماء، فتمرغ في الصعيد كما تمرغ الدابة، لأجل أن يشمل بدنه التراب، كما كان يجب أن يشمله الماء وصلَّى، أما عمر رضي الله عنه فلم يصل، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرشدهما إلى الصواب، وقال لعمار: "إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا"، وضرب بيديه الأرض مرة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه.

وكان عمار رضي الله عنه يحدث بهذا الحديث في خلافة عمر، وقبل ذلك، ولكن عمر دعاه ذات يوم وقال له: ما هذا الحديث الذي تحدث به؟ فأخبره وقال: أما تذكر حينما بعثنا رسول الله في حاجة فأجنبنا، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمرغت في الصعيد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما كان يكفيك أن تقول كذا وكذا"، ولكن عمر لم يذكر ذلك، وقال: اتق الله يا عمار، فقال له عمار: إن شئت بما جعل الله عليَّمن طاعتك ألا أُحدِّث به فعلت، فقال له عمر: نوليك ما توليت؛ يعني فحدِّث به الناس.

فعمر نسي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم جعل التيمم في حال الجنابة، كما هو في حال الحدث الأصغر، وقد تابع عمر على ذلك عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، وحصل بينه وبين أبي موسى رضي الله عنهما مناظرة في هذا الأمر، فأورد عليه قول عمار لعمر، فقال ابن مسعود: ألم تر أن عمر لم يقنع بقول عمار، فقال أبو موسى: دعنا من قول عمار، ما تقول في هذه الآية؟ - يعني آية المائدة - فلم يقل ابن مسعود شيئًا، ولكن لا شك أن الصواب مع الجماعة الذين يقولون أن الجُنُب يتيمم، كما أن المحدث حدثًا أصغر يتيمَّم.

والمقصود أن الإنسان قد ينسى فيخفى عليه الحكم الشرعي، فيقول قولًا يكون به معذورًا، لكن مَن علِم الدليل فليس بمعذور.
يتبع



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 05-12-2021, 07:06 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,458
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد


5- أن يكون بلَغه وفهم منه خلاف المراد:
ويُضرَب لذلك مثالان، الأول من الكتاب، والثاني من السُّنَّة:
فمن القرآن قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء: 43].

حيث اختلف العلماء رحمهم الله في معنى: ﴿ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ، ففهم بعضٌ منهم أن المراد مطلق اللمس، وفهم آخرون أن المراد به اللمس المثير للشهوة، وفهم آخرون أن المراد به الجِماع.

ومن تأمَّل الآية يجد أن الصواب مع مَن يرى أنه الجِماع؛ لأن الله تبارك وتعالى ذَكَرَ نوعين في طهارة الماء: طهارة الحدث الأصغر والأكبر، ففي الأصغر قوله: ﴿ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: 6]، وأما الأكبر فقوله: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة: 6]، وكان مقتضى البلاغة والبيان أن يُذكر أيضًا موجبًا الطهارتين في طهارة التيمم، فقوله تعالى: ﴿ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِط إشارة إلى موجب طهارة الحدث الأصغر، وقوله: ﴿ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ إشارة إلى موجب طهارة الحدث الأكبر.

ومن السُّنَّة: ما ثبت في الصحيحين عندما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة الأحزاب، ووضع عدَّة الحرب جاءه جبريل، فقال له: إنا لم نضع السلاح فاخرُج إلى بني قريظة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالخروج وقال: "لا يصلينَّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة".

وقد اختلف الصحابة في فَهم هذا الحديث، فمنهم مَن فهم أن مراد الرسول المبادرة إلى الخروج؛ حتى لا يأتي وقت العصر إلا وهم في بني قريظة، فلمَّا حان وقت العصر وهم في الطريق صلوها ولم يؤخروها إلى أن يخرج وقتها، ومنهم مَن فهم أن مراد رسول الله ألا يصلوا إلا إذا وصلوا إلى بني قريظة، فأخَّروها حتى وصلوا بني قريظة فأخرجوها عن وقتها، وإن كان الأقرب للصواب هم الذين صلوا الصلاة في وقتها؛ لأن النصوص في وجوب الصلاة في وقتها محكمة، وهذا نص مشتبه، وطريق العلم أن يحمل المتشابه على المحكم.

6- أن يكون قد بلغه الدليل لكنه منسوخ ولم يعلم بالناسخ:
ومثال ذلك: قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾ [البقرة: 240]، نسختها الآية وهي قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ [البقرة: 234].

وقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ [البقرة: 184]، نسختها الآية وهي قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ [البقرة: 185].

ومن السنة: نسخ وجوب الوضوء لكل صلاة، ونسخ التطبيق بين اليدين، ووضعهما بين الركبتين إلى وضعهما على الركبتين، وثبت في الصحيحين أن ابن مسعود رضي الله عنه لم يعلم بالنسخ، فكان يطبق يديه، فصلَّى إلى جانبه علقمة والأسود، فوضعا يديهما على ركبتيهما، ولكنه رضي الله عنه نهاهما عن ذلك وأمرهما بالتطبيق.

7- أن يعتقد أنه معارض بما هو أقوى منه من نص أو إجماع:
يمكن أن يمثل لذلك برأي ابن عباس رضي الله عنهما في رِبا الفضل؛ حيث ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنما الربا في النسيئة"، وثبت في صحيح مسلم من حديث عبادة بن الصامت وغيره: أن الربا يكون في النسيئة وفي الزيادة، وأجمع العلماء بعد ابن عباس على أن الربا قسمان: ربا فضل، وربا نسيئة، أما ابن عباس فبقي على رأيه بأن الربا يكون في النسيئة فقط، كما لو بعت صاعًا من القمح بصاعين يدًا بيد، فعند ابن عباس لا بأس بذلك؛ لأنه يرى أن الربا في النسيئة فقط، وإذا بعت دينارًا من الذهب بدينارين من الذهب يدًا بيد، فعنده ليس ربا، لكن إذا أخَّرت القبض ولم يعطك البدل، فقد وقع الربا، والصحيح أن الربا قسمان، فلا بد من المثلية والتقابض في المجلس إذا بادلت الشيء بجنسه، بشرط أن يكون مما يجري فيه الربا.

8- أن يأخذ العالم بحديث ضعيف أو يستدل استدلالًا ضعيفًا[5]:
وهذا أمثلته كثيرة جدًّا؛ كاختلاف العلماء في الدعاء عند الفراغ من قضاء الحاجة: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني"، وكاختلافهم في جلد الميتة إذا دبغ، ومدة المسح على الخفين، وفي صلاة التسبيح، والرمي قبل الزوال...إلخ.

رابعًا: آداب الخلاف:
هناك عدة آداب ينبغي مراعاتها عند الخلاف؛ منها:
1- الإخلاص لله والتجرد من الأهواء:
فأحيانًا ما تكون الخلافات بين الأفراد والفئات، ظاهرها أنها خلاف على مسائل علمية، أو قضايا فكرية، وباطنها حب الذات، واتباع للهوى.

2- التحرر من التعصب للأشخاص والمذاهب والطوائف:
فالتعصب يعمي البصر، ويطمس البصيرة.

3- الإنصاف والعدل: قال تعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة: 8].

4- الرجوع إلى الحق عند تبيُّن ذلك وثبوته:
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في كتابه إلى أبي موسى الأشعري: "ولا يمنعك قضاء قضيت فيه بالأمس، فراجعت فيه نفسك، فهُديت فيه إلى رشدك - أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم لا ينقضه شيء، وإن الرجوع في الحق خير من التمادي في الباطل".

وفي الحديث الصحيح عند أبي داود وغيره عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه".

وعند أحمد، والترمذي، وابن ماجه عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل"، ثم تلا: ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف: 58].

5- إحسان الظن بالآخرين.
6- الحوار بالتي هي أحسن، واختيار أرق التعبيرات وألطفها.
7- التركيز على الأصول قبل الفروع ونقاط الالتقاء والخلاف.

خامسًا: أمثلة على اختلاف السلف الصالح:
من ذلك ما روي أن علي بن أبي طالب رأى طلحة ملقًى في بعض الأودية، فنزل فمسح التراب عن وجهه، ثم قال: "عزيز علي أبا محمد أن أراك مجندلًا في الأودية، وتحت نجوم السماء، إلى الله أشكو عُجَري وبُجَري"[6].

وقد اختلفت عائشة رضي الله عنها مع ابن عباس رضي الله عنه في رؤية النبي لربه، وفي الرضاع فرأى ابن عباس أن الرضاع بعد السنتين لا يحرم، بينما رأت عائشة خلافه، ومع ذلك لم يمنعهما هذا الاختلاف من التواصل والتراحم، فقد روى البخاري عن القاسم بن محمد أن عائشة اشتكت فجاء ابن عباس فقال: "يا أم المؤمنين، تقدمين على فَرَط صدق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر"[7].


وقد تمثل السلف هذا الخُلق من بعدهم، فقد أخرج القاضي عياض قال الليث بن سعد: لقيت مالكًا في المدينة فقلت له: إني أراك تمسح العرق عن جبينك، قال: عرقت مع أبي حنيفة، إنه لفقيه يا مصري، ثم لقيت أبا حنيفة وقلت له: ما أحسن قول ذلك الرجل فيك، فقال أبو حنيفة: والله ما رأيت أسرع منه بجواب صادق، ونقد تام يعني مالكًا[8].

وعن الشَّافعي رضي الله عنه: "إذا جاءك الحديث عن مالك فَشُدَّ به يديك، وإذا جاء الأَثر فمالك النَّجْم، وعنه: مالك بن أنس معلمي وعنه أخذنا العلم"[9].



سادسًا: واجب العلماء والعامة عند ظهور الاختلاف:
الواجب على العلماء عند وجود الخلاف: أن يردوا العوام إلى الكتاب والسنة، وأن يتمسكوا بالدليل متى ما صحَّ، وكان في موضع النزاع، فرد الناس إلى الأدلة الشرعية نجاة المفتي والمستفتي، ودليل على الرسوخ في العلم، ولا يجوز الخروج عن دلالة النص الواضحة إلا بدليل، كنص يخصص عامًّا، أو يقيد مطلقًا، أو ينسخ آخر، وأما مراعاة المصالح والمفاسد، فمرد ذلك إلى الراسخين في العلم.

والواجب على عوام الناس: ألا يأخذوا دينَهم إلا عمن يُوثَق به ممَّن يدعو إلى الله على بصيرة، وليسمعوا لهم ويُطيعوا، إن أرادوا لأنفسهم الخيرَ والسعادة، وليعلموا أن العلماء في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، يهتدي بهم الحيران في الظَّلماء، وأن الحاجة إليهم أشد من الحاجة إلى الطعام والشراب، وأن طاعة أمرهم واجب؛ لقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: 59].


سابعًا: كيفية التعامل مع المخالف:
أولًا: المخالف خلافًا سائغًا.
1- لا يجوز الحط من قدره؛ لأنه مجتهد ينشد الحق فهو على خير.
2- لا تجعل المسائل المختلف فيها اختلافًا سائغًا سببًا للنزاع والفرقة، والولاء والبراء[10].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأما الاختلاف في الأحكام، فأكثر من أن ينضبط، ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة"[11].

ثانيًا: المخالف خلافًا غير سائغ، فهو على حالتين:
الأولى: أن يكون من أهل العلم المشهود لهم بالخير، واتباعه للسنة، يناصح، ولا تنشر زلته، ولا يقلد فيها، ويحذر منها نصحًا للأمة، ولا يعتد بقوله ذلك في الخلاف بين العلماء[12].

الثانية: أن يكون من أهل الأهواء والبدع، أو المتجاسرين على الفتيا، فيناصح، ويُبين أمره للناس، ويهجر، ويحذر منه، ويعزر من قبل الحاكم بما يراه مناسبًا[13].

ثامنًا: من أهم الكتب التي صنفت في فن الخلاف:
1- التعليقة لأبي زيد الدبوسي الحنفي.
2- عيون الأدلة لأبي القصار المالكي.
3- المنهاج في ترتيب الحجاج لأبي الوليد الباجي المالكي.
4- المآخذ للغزالي الشافعي.
5- رفع الملام عن الأئمة الأعلام لشيخ الإسلام ابن تيمية الحنبلي.
6- الخلاف بين العلماء لابن عثيمين.

وهناك كتب معاصرة في غاية الأهمية، ككتابي العصيمي والشبيلي المشار إليهما أعلاه.

[1] القاموس المحيط ص 1045، والمصباح المنير ص69، وأصول الفقه الإسلامي لوهبه الزحيلي ص 492، ومفردات ألفاظ القرآن ص294.

[2] مجموع الفتاوى 19/ 122.

[3] ينظر: الخلاف أنواعه وضوابطه للعصيمي ص 156 ــ 168، وفقه الخلاف وأثره، للشبيلي ص 4 ــ 12.

[4] رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي عن أكثر من خمسة عشر صحابيًّا بأسانيد بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف، ولذا عدَّه بعضهم من الأحاديث المتواترة.

[5] ينظر: رفع الملام عن الأئمة الأعلام لابن تيمية ص 11 ــ 52، والخلاف بين العلماء لابن عثيمين ص 9 ــ 27.

[6] سير أعلام النبلاء (1/ 36)، والبداية والنهاية لابن كثير (7/ 258).

[7] أخرجه البخاري برقم 3560.

[8] الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء لابن عبدالبر (ص16).

[9] عمدة القاري (1/ 149)، وترتيب المدارك (3/ 179).

[10] ينظر: الخلاف أنواعه وضوابطه للعصيمي ص 107 ــ 108.

[11] مجموع الفتاوى لابن تيمية (124/ 173 ــ 174).

[12] ينظر: الخلاف أنواعه وضوابطه للعصيمي ص 214 ــ 2120.

[13] ينظر: الخلاف أنواعه وضوابطه للعصيمي ص 177.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 29-01-2022, 07:14 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,458
الدولة : Egypt
افتراضي تحضير الخطبة بطريقة سهلة وسريعة وفعالة..

تحضير الخطبة بطريقة سهلة وسريعة وفعالة..
الشيخ عبدالله محمد الطوالة




الحمدُ للهِ كثيرًا كثيرًا، والصلاةُ والسلامُ على المبعوثِ بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا، أما بعد:
فلا شكَّ أنَّ الخطابةَ هي أهمُّ وأسرعُ وأقوى وسائلِ الدعوة، وأكثرها تأثيرًا في المدعوين؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت: 33]، ولقد اهتمَّ الإسلامُ بالجمعة وخُطبتِها غايةَ الاهتمام، فهيئَ لها مكانًا خاصًا، ورتَّبَ عليها من الثواب والعقاب، ما لم يُرتبهُ على غيرها من العبادات، فرغَّبَ كثيرًا في النظافةِ والتجمُّلِ والتطيُّبِ من أجلها، والتبكيرِ في الوقتِ عند الخروجِ لها، والدُّنوِ من الإمام، والإنصاتِ التَّام، وعدمِ مسِّ الحصى فضلًا عن الكلام.. وفي القرآن الكريمِ أمرٌ مؤكدٌ بالسعي إليها، وتركِ كلَّ ما يُشغِلُ عنها، ووعدٌ بالخير الوفيرِ لمن يحرِصُ عليها، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الجمعة: 9]، وفي الحديث الصحيح: "كان له بكل خطوةٍ (يعني للجمعة) عملُ سنةٍ أجرُ صيامِها وقيامِها".


والخطيبُ هو اللسانُ المعبرُ عن الدين والمجتمع، ولا يكادُ يُدانيهِ في ذلك أحد.. وخطبةُ الجمعةِ تُلامِسُ كُلَّ جوانبِ الحياةِ ومناشِطها، وتجولُ في أعماق الإنسانِ ووجدانهِ وعقلهِ، فتشكِّلُ قناعاتهِ، وتضبِطُ مشاعرهُ، وتهذِّبُ أخلاقهُ، وتصِلُهُ بالخالق العظيمِ.. كما أنَّها سلاحٌ فعَّالٌ في ردِّ كيدِ الأعداء، وتفنيدِ شُبهِ المظلين، قال تعالى: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ [الأنبياء: 18].


ألا أنَّ هناك ضعفًا ملحوظًا في الاداء الخطابي لدى كثيرٍ من الدعاةِ والوعاظِ والخطباءِ وفقهم الله.. بل إنَّ البعضَ فاقدٌ للكثير من المهاراتِ الأساسيةِ لفنونِ الإلقاءِ والتَّحضير..


وقد قدمتُ ما تيسرَ حولَ فنياتِ الإلقاءِ في مقال: (الصفاتِ الفنيةِ للإلقاء) وهو منشورٌ في جزئين.. وفي هذا المقالِ نفصِّلُ القولَ حولَ الإعداد والتَّحضير بإذن اللهِ.. ومنهُ تعالى نستمدُ العونَ والتَّسديد..


وقبلَ أن ندخلَ في التفاصيل لا بدَّ أن نُدركَ جيدًا: أهميةَ الإعدادِ والتَّحضير..

فعندما يستشعرُ الخطيبُ أنَّ أُناسًا فرَّغوا أنفسهُم من أجله، وجاؤهُ مُتطهرينَ مُتطيبين، مُنصتينَ مُتأدبين، فلا أقلَّ من أن يحترمَ حضورهم، ويُقدِّرَ سعيهم، وأن لا يُسمعهم من الكلام إلا الفائقَ الرَّصِين، والجيدَ المتين..


وما لم يكن الخطيبُ شديدَ القناعةِ بأهمية ما يفعل، قويٌّ الشُعورٌ بالمسؤولية، موطِنًا نفسهُ على الصبر وتحمُلِ الأذى، يملكُ رغبةً صادقةً في خِدمة دينهِ، وتبليغِ دعوته، حريصًا على هدايةِ الناسِ ونفعِهم، فيتفاعلَ بقوةٍ مع موضوعه، ويُلمَّ بكُلِّ جُزئياتهِ وفُروعهِ، ويُعطيهِ ما يلزم من جُهدٍ ووقتٍ وتركيز، حتى يفرغَ من إعداده وطباعتهِ، وإلَّا فلا يمكنُ لهُ أن ينجحَ بالشكل المأمول..

وأولُ خُطواتِ التَّحضِيرِ الجيَّد هي: حُسنُ اختيارِ الموضوع:
فحُسنُ اختيارِ الخطيبِ لموضوعه، مظنَّةٌ من فقههِ، وعلامةٌ على خِبرتهِ وعلوِ كعبِه، ودليلٌ على عُمقِ معرفتهِ بما يُناسبُ المدعوين.. ولأنَّ بعضَ المواضيعِ أهمُّ من بعضها، بل إنَّ بعضَ المواضيعِ لا يصلحُ طرحهُ على المنبرِ أصلًا.. لذا فإنَّ اختيارَ الموضوعِ هو روحُ الخطبةِ وسِرُّ نجاحِها.. وبناءً عليهِ يزيدُ أو يقِلُ أثرها، ومدى الاستفادةِ منها، فعلى الخطيبِ أن يستعينَ بالله تبارك وتعالى، ويسأَلهُ التوفيقَ والسَّداد لحُسنِ اختيارِ الموضوعِ أولًا..


ثمَّ عليه أن يُراعي الأمورَ التالية:-
1- وحدةُ الموضوع: أي أن تكونَ جميعُ العناصرِ والأفكارِ تدورُ حولَ غرضٍ واحدٍ..
2- أن يخدمَ الموضوعُ هدفًا مُهمًَّا من أهداف الدِّين، وأن يكونَ عامَّ النفعِ لجميع السامعين..
3- أن يكونَ الموضوعُ مُشوقًا جذابًا.. يرتبطُ بحياة النَاس، ويحقِّقُ تطلُعاتهم، ويُعالجُ القضايا التي تهمُهم وتُلامِسُ احتياجاتهم.. وهذا يتطلبُ من الخطيب أن يكونَ مُلمًّا بأحوال المخاطبين، خبيرًا بواقِعهم، دارِسًا لبيئتهم..
4- أن يكونَ الموضوعُ مُناسبًا لمستوى عُقولِ المخاطبين وثقافتِهم.. ففي صحيح مسلمٍ عن ابن مسعود t أنه قال: "ما أنتَ بمحدثٍ قومًا حديثًا لا تبلُغهُ عُقولُهم إلا كان لبعضِهم فتنة"..
5- أن يكونَ الموضوعُ محلَّ اتفاقٍ بين أهلِ العلم، فيتجنَّبُ مسائلَ النزاعِ ومواضيعَ الخلافِ، فإنَّ منبرَ الجمعةِ يجمعُ ولا يُفرق، ويُسكِّنُ ولا يُنفِر..
6- أن يتوافقَ الموضوعُ مع أهدافِ الخطيب، فذلك أدعى لتفاعلِه مع الموضوعِ بشكلٍ أكبر..
7- أن يتمَّ اختيارُ الموضوعِ قبلَ فترةٍ كافيةٍ من إلقاءه، (ليتسنى تحضيرهُ بشكلٍ جيد)..
8- أن تكونَ المعلوماتُ اللازمةُ للموضوع مُتوفرةً، ويمكنُ الحصولُ عليها..
9- بعضُ المواضيعِ الطارئةِ تفرضُ نفسها، كحدثٍ خطيرٍ، أو خطبٍ عاجِل، وحينها فلا ينبغي تأخيرُ البيانِ عن وقته..
10- أنَّ يتجنبَ التِّكرارَ الممِل، فيُجدِّدَ المواضِيعَ، ويُنوِّعَ في الطَّرح، وحتى إن اضطُرَ لتكرار موضوعٍ ما، فينبغي أن يُعالجهُ بطريقةٍ جديدة..


الخطوةُ الثانية: جمع المعلومات..
فبعدَ أن يستقرَ الخطيبُ على موضوعٍ معين، فإنَّ عليه أن يقومَ بجمع أكبرِ قدرٍ ممكنٍ من المعلومات عن الموضوع..


وتعتبرُ محركاتُ البحثِ على الإنترنت هي أسهلُ وأفضلُ وأسرعُ وسيلةٍ لذلك.. إذ أنها تُوصِلُ الباحثَ لكلِّ ما يحتاجهُ من معلوماتٍ بشكلٍ دقيقٍ، وبكمياتٍ هائلةٍ، وفي غضونِ ثوانٍ معدودة، وبدونِ مقابل، كما أنها (في الغالب) توفرُ عليه عناء النَّسخِ والكتابة..


وحيثُ أنَّ هناك الكثيرَ والكثير من المواقع المتخصصةِ التي تحتوي على مئات الآلافِ من الكتب، وعشراتِ الآلافِ من الدروس العلميةِ والخطب، والتي سيجدُ الباحثُ فيها بُغيتهُ وزيادة.. فإنَّ على الخطباء وطلبةِ العلمِ أن يعرفوا قيمةَ هذه النِّعمةِ العظيمةِ، والوسيلةِ السَّهلةِ المتاحةِ للجميع، وأن يُحسنوا استثمارَ وتوظيفَ هذه الكنوزِ العلميةِ الهائلة، وأن يتعلموا (بإتقان) كيفيةَ الوصولِ إلى المعلومات المنشودةِ بكلِّ دقةٍ، وذلك من خلال اتقانِ مهارةِ بناءِ السؤالِ المناسبِ..


فكلَّما كان بناءُ السؤالِ مُتقنًا، فإنَّ نتائجَ البحثِ ستكونُ أكثرَ دِقةً وملائمةً..


إذا عُلم هذا، فإن هناك العديدَ من محركات البحثِ المتنوعة، لكن أفضلها وأقواها هو: google


أخي الخطيب: لنفترض أنك تُعِدُ خطبةً عن الزكاة مثلًا..


فاكتب التالي في محرك البحث: خطبة عن الزكاة، وستخرج لك النتائج على شكل قائمةٍ طويلةٍ بالـ(روابط) وأسماءِ المواقعِ التي تطابقُ بحثك..


اختر الاسمَ الأوفقَ لموضوعِك، ثم قُم بالنقر عليهِ وفتحهِ، وأقرأ محتوياتهِ قراءةً سريعةً، فإن أعجبك شيءٌ من الفقرات فقم بتحديده وقصِّةِ، ثم قم بلصقة في وثيقة وورد (WORD) خاصةٍ، سمِّها مثلًا: سجل خطبة الزكاة.. وأجمع في هذه الوثيقةِ كُلَّ ما يُعجبُك من النَّصوص التي مررتَ عليها في بحثِك وقراءاتِك عن الزكاة.. ولا تنسَ أن تضعَ مع كُلِّ نصٍ تنقُله، شيئًا يُميزهُ، كاسم صاحبِ الموضوع، أو اسم الموقع، أو عنوانًا مناسبًا يدل عليه، (فربما تحتاجُ لأن تعودَ لمصدر المعلومة).. ولا تنسَ كذلك أن تفصِلَ بين كلِّ نصٍ وآخرَ بترك سطرينِ فارغين..


وإذا كان لديك موقعٌ مُعينٌ تُفضلُ أن تُكثِّفَ البحثَ فيه.. كموقع الألوكةِ، أو المنبِر، أو ملتقى الخطباءِ، أو صيدُ الفوائدِ... إلخ، فاكتب اسمَ الموقعِ بعد اسمِ الموضوع.


هكذا مثلًا: خطبة عن الزكاة الألوكة.


وللبحث بشكلٍ أدق، أكتب اسمَ الموضوعِ أو كلماتِ البحثِ بين قوسي اقتباس:


هكذا: خطبة عن " الزكاة "..


وإذا كان لديك أكثرُ من كلمة بحثٍ مفتاحيةٍ فضع بينها علامة +
هكذا مثلًا: خطبة عن "فضل الزكاة" + "حكم الزكاة" + "شروط الزكاة".


كما يمكنك تحديدُ أسئلةِ بحثٍ أدق، باستخدام ما يناسبُ موضوعك من القائمة التالية:
ما تعريف الزكاة
ما أهداف...
ما أهمية...
ما حُكم...
ما خصائص...
آيات وأحاديث عن...
قصة عن...
أخبار عن...
إحصائيات عن...
فتاوى عن...


وإذا كنت تُريدُ التَّأكدَ من صحة المعلومةِ، أو البحثِ في المواقع العلميةِ الموثوقة، ومراكزِ الابحاثِ المعتمدة، أو في الرسائل الأكاديميةِ والمقالاتِ الموثَّقةِ، فاستخدم (موقع الباحث العلمي) scholar.google.com أو أمثالهِ من محركات البحثِ المتخصصة..


استمرَ في عملية البحثِ والقراءةِ والقصِّ واللصقِ حتى يتكونَ لديك في (سجل خطبة الزكاة) ما لا يقلُ عن عشرين صفحةً A4 متنوعةً الأفكارِ والعناصرِ والمعلوماتِ كُلها عن الزكاة، (لكنها بالطبع غير مُرتبة)..


وفيما يتعلقُ بالمقدمات والخواتيم، فاقترحُ عليك أن تُنشئَ لها وثيقةً خاصةً سمِّها مثلًا: مقدمات وخواتيم خطبة الزكاة.. وانقل فيها ما يروق لك من المقدمات والخواتيم: (صفحتين أو ثلاث من المقدمات المختلفة، ومثلها أو أقل للخواتيم)..


وفيما يتعلقُ بالحِكم والأمثالِ والأشعارِ، وأقوالِ العلماءِ والخبراءِ، والأقوالِ الجميلةِ التي تمرُّ عليها وتُعجبك، ولها علاقةٌ بالموضوع، فإني اقترحُ عليك أن تضعها في وثيقةٍ خاصةٍ سمِّها مثلًا: أقوال وحكم خطبة الزكاة.. (سأخبرك لاحقًا متى تستخدِمها)..


وللحصول على المزيد من الحِكمِ والأقوالِ الجميلةِ، عُد لمحرك البحثِ وأكتب مثلًا: حِكم عن الزكاة، أو أقوال جميلة عن الزكاة، أو أشعار عن الزكاة، أو أمثال عن الزكاة، ونحو ذلك من أسئلة البحث..


الخطوةُ الثالثةُ: الاختيار والتصفية:
فبعد أن تشعرَ بالرضا عمَّ جمعتهُ من معلوماتٍ (للملفات الثلاثة)، عُد إلى وثيقتك الأولى: (سجل خطبة الزكاة)، واقرأهُ من البدايةِ قراءةً مُتأنية، بغرضِ اختيارِ أفضلِ وأنسبِ ما فيه من مقاطعَ وفقرات (الخلاصة)، وانقلِها إلى وثيقةٍ أخرى جديدةٍ سمِّها مثلًا: وثيقة خطبة الزكاة على ألا يزيدَ عددُ صفحاتِ هذه الوثيقةِ الجديدةِ عن عشرِ صفحاتٍ (A4 مقاس الخط 20)..
وبعد ذلك قم بإغلاق الوثيقة الأولى: (سجل خطبة الزكاة) فقد انتهى دورها..


الخطوةُ الرابعةُ: الخلاصة المبدئية:
وذلك بدمجِ واختصارِ وتصفيةِ نصوصِ وفقرات: (وثيقة خطبة الزكاة)، مع تنسيقِ وتعديلِ وإعادةِ صياغةِ ما يحتاجُ إلى أيٍّ من ذلك، للخروج بخلاصةٍ مبدئيةٍ للموضوع، وبحيثُ لا يزيدُ الطولُ النهائي للوثيقةِ عن خمسِ صفحات A4، وبحيث يكونُ كل عُنصرٍ من العناصر في مقطعٍ وحدَه، (يُفضلُ أن لا يزيدَ طولُ العنصر كاملًا عن صفحة)..


الخطوةُ الخامسةُ: ترتيبُ العناصرِ:
قم بترتيب العناصر المتبقية في (وثيقة خطبة الزكاة) ترتيبًا منطقيًّا مناسبًا، فهذا سيساعد السامع على فهم ومتابعة الموضوع بسهولة، (يمكنك أن تكتفي بوضع رقمٍ يدلُ على ترتيب العُنصرِ، ولا حاجةَ لنقله من مكانه)..


الخطوةُ السادسةُ: بناءُ المقدمةٍ والخاتمة، فالمقدمةُ القويةُ مهمَّةٌ جدًا.. حيثُ أنَّ السامِعَ في أولِ الأمرِ مُتحفزٌ للنقد ومتهيئٌ للحُكم على ما يسمع، فإذا ما بهَرهُ الخطيبُ ببراعة استهلالهِ، وروعةِ بيانه، وكانت مُقدِمَتهُ قويةً مُحكَمةَ.. فإنَّ السامعَ سيتشوقُ لمتابعة بقيةِ الموضوع، ممَّا يمكنُ الخطيبَ من الاستمرار بكلِّ ثقةٍ وثبات..


وعادةً ما تشتملُ المقدمةُ على الأركان الشرعيةِ الأربعةِ للخطبة وهي: حمدُ اللهِ والثناءِ عليه، وشهادةُ التوحيد، والصلاةُ على النبي ﷺ، والوصيةُ بتقوى اللهِ جلَّ وعلا مع آيةٍ من كتاب الله تبارك وتعالى، ومن الأفضل أن يلي ذلك مدخلٌ تشويقيٌ للموضوع، (انظر مقال: مواصفات المقدمة الجيدة وأساليب الدخول للموضوع)..


وامَّا (الخاتمة) وهي آخرُ ما يُسمعُ من كلام الخطيب، فميزتها أنَّ لها الأثرُ الباقي، وأنَّها تُعطي الخطيبَ فرصةً أخرى لتعزيز ما طرحهُ من أفكارٍ رئيسيةٍ طوالَ الخطبةِ، ولذلك يُنصحُ أن تكونَ الخاتمةُ بألفاظٍ جديدةٍ بليغةٍ، تُلخِصُ العناصرَ بإيجازٍ، مع إعادةٍ مُركزةٍ وقويةٍ للتوجيهات والتوصِيات، مع الحثُ والتَّحفيزُ على تبني هذه التوجيهاتِ والعملِ بها..


وأمَّا الجزءُ الأخيرُ من الخاتمة، فيشتمِلُ على ما يُوحي بقرب النهايةِ، من وصايا مُكرَّرةٍ، وأدعيةٍ جامِعةٍ، وثناءٍ على الله بما هو اهلُهُ، وصلاةٍ على المصطفى ﷺ.. إلخ.


ولبناء المقدمة والخاتمة، فعليك أن تصنعَ بوثيقة: (مقدمات وخواتيم خطبة الزكاة) التي جمعتها، ما فعلته بـ(وثيقة خطبة الزكاة) من دمجٍ وتنسيقٍ وتعديلٍ وإعادةِ صياغةِ، بحيثُ تحصلُ في النهاية على مقدمتينِ وخاتمتينِ مُناسبتينِ للموضوع، المقدمةُ الأولى للخطبة الأولى (ليكن طولها نصفَ صحفةٍ تقريبًا)، والأخرى كمقدمةٍ للخطبة الثانية، (لتكن ربعَ صفحةٍ تقريبًا)، والخاتمةُ الأولى للخطبة الأولى (لتكن ربعَ صفحةٍ تقريبًا)، والخاتمةُ الثانيةُ مع الدعاء (لتكن نصفَ صفحةٍ تقريبًا).


الخطوةُ السابعةُ: افتح وثيقةً ثالثةً سمِّها بالاسم النَّهائي للخطبة مثلًا: (خطبة الزكاة)، وقُمْ بنقل المقدمةِ الأولى، ثم أنقل ثلثي النَّصوصُ والفقرات (حسبَ الترتيب الذي حدَّدته ورقمته)، ثمَّ الخاتمةُ الأولى، ثمَّ المقدمةُ الثانية، ثمَّ بقيةُ الفقرات، ثم الخاتمةُ الثانيةُ مع الدعاءِ..


ما ستحصلُ عليه هي خطبةٌ ابتدائية.. لا تزالُ بحاجةٍ إلى الكثير من التعديلات.. مثلًا قد تحتاجُ إلى تفسير بعضِ الآياتِ، وقد تحتاجُ إلى معرفة درجةِ صحةِ بعضِ الأحاديثِ أو شرحِ معناها..


وهنا عليك الرجوعُ إلى محرك البحثِ، وكتابةُ كلمةِ: (تفسير) ثمَّ الآيةُ التي ترغبُ في الحصولِ على تفسيرها.. أو كلمة (تخريج) ثم الحديثُ الذي ترغبُ في معرفة درجةِ صحتهِ.. أو كلمة: (شرح) ثمَّ نصُّ الحديثِ المرادِ معرفةُ شرحهِ..


هكذا مثلًا: تفسير ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا

أو هكذا مثلًا: تخريج (الزكاة قنطرة الإسلام)، أو هكذا مثلًا: شرح حديث (ما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين).


الخطوةُ الثامنةُ: الاستفادةُ من الحكم والأمثال والتي جمعتها، عُد لوثيقة: (أقوال وحِكم الزكاة).. واختر (قص) منها ما يروقك، وما يصلُحُ للاستشهاد وترى أنه سيُثري الموضوع، ويزيدهُ قوةً وتميزًا.. ثم ضعهُ (لصق) في الأماكن المناسبةِ من وثيقة الخطبةِ النهائية..


الخطوةُ التاسعةُ: المراجعةُ الشاملة.. حيثُ ينبغي لك أن تُعيدَ قراءةَ الموضوعِ كاملًا ما لا يقلُ عن خمسِ مراتٍ، وذلك لتصحيح الأخطاء، وتحسينُ صياغةِ الفقرات الركيكة، ونقلِ ما يحسُنُ نقلُهُ إلى مكانٍ أنسب، واختصارِ ما يمكنُ اختصارهُ ليكونَ الطولُ الكلي للخطبتين مناسبًا، والتأكدُ من أن الانتقالِ بين الفقرات والعناصرِ يتمُّ بشكلٍ سلسٍ ومُتناغِم.. وكذلك لوضع الفواصِلِ وعلاماتِ الترقيمِ المناسبة، وتشكِيلِ ما يحتاجُ إلى تشكيل.. الخ


الخطوةُ العاشرة: التنسيقُ للطباعة..
إذا لم تكن متعودًا على طريقةٍ مُعينةٍ في تنسيق طباعةِ الخطبة، فإني اقترحُ عليك التالي:
من الأنسب أن يكونَ ورقُ الخطبةِ صغيرًا قدر الإمكان (نصف ورقة A4 بالعرض).. ويمكنُ فعلُ ذلك من خلال الطباعةِ بالعرض (عمودين) ثم قطعِ كُلِّ ورقةٍ لنصفين.. وذلك على النحو التالي:
اختر نوعًا من الخطوط ترتاحُ لقراءتهِ.. واختر مقاسًا للخط يُسهِّلُ عليك القراءةَ بوضوحٍ.. مثلًا: خط (ترادشينال) مقاس 22..
تحكَّم في حجم الهوامشِ واجعلهُ صغيرًا (توفيرًا للورق).. اذهب إلى (تخطيط الصفحة) ثم إلى (هوامش مخصصة) واجعل جميعَ الهوامشِ الأربعةِ بمقاس: 2 سم
للتأكد أنَّ حجم الورقةِ هو A4.. اذهب لـ (تخطيط الصفحة) ثم (الحجم) ثم A4..
لجعل اتجاه الورقة بالعرض.. اذهب لـ (تخطيط الصفحة) ثمَّ اختر (الاتجاه) ثمَّ اختر الخيار الثاني
لجعل عمودين في الصفحة الواحدة.. اذهب لـ (تخطيط الصفحة) ثم اختر (الأعمدة) ثمَّ اختر الخيار الثاني (اثنان)..
لجعل المسافات بين الاسطر والفقرات متساوية.. اذهب لـ (تخطيط الصفحة) ثم (تباعد) ثم اجعلها كلها قبل: وبعد: ( 0 نقطة)..
أخيرًا تأكد من شكل الوثيقة وكيف ستبدو قبل طباعتها، من خلال خيار: (معاينة قبل الطباعة).. ثم اطبع على بركة الله..
اخواني الكرام: أتمنى أن أكونَ قد قدمت لكم تجربةً نافعةً، وطريقةً سهلةً فعَّالةً لتحضير الخطبة أو غيرها من المواضيع والمقالات، وبالله التوفيق..
﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾..



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 04-02-2022, 07:30 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,458
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد

مواصفات التعبير الخطابي الجيد..
الشيخ عبدالله محمد الطوالة




يقصد بالتعبير الخطابي: طرق وأساليب الإنشاء والبيان التي يستخدمها الخطيب في بناء خطبته، فما مواصفات التعبير الخطابي الجيد؟
بداية، فالأسلوب الخطابي يعتمد في استمالة الجمهور على أمرين: الإقناع، والإثارة.

فـ(الإقناع): مخاطبة العقل من خلال الشواهد والأدلة، والبراهين العقلية والمنطقية.

و(الإثارة): هي تحريك العواطف والمشاعر وتحفيز الهمم، والنهوض بالعزائم، وذلك بالبيان القوي والأسلوب البليغ.

والخطابة هي مزيج من النوعين، يستهدف إقناع العقل وإثارة العاطفة، لينفذ منهما إلى الإرادة؛ فيدفع بها نحو تغيير السلوك إلى الأفضل والأكمل (أخذًا أو تركًا).

وفيما يتعلق بالمدخل الأول: الإقناع، فالمقصود به استخدام الأدلة والشواهد والبراهين الممكنة؛ لتغيير موقف السامعين تجاه أمر ما، وله طرق وأساليب متنوعة، كما أن هناك أنواعًا مختلفةً من الشواهد والأدلة والبراهين؛ ومنها: الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وآثار وأخبار السلف الصالح، والإجماع والقياس، والمقارنات، والعرف والعادات والذوق العام، والبراهين العقلية والمنطقية، والمصالح المرسلة، والقصص والحكم، والأمثال والأشعار، والإحصائيات، والأبحاث والدراسات، وأقوال المتخصصين والخبراء، وغيرها.

وأما أساليب الإقناع والمنطق، فكثيرة؛ ومنها:
الاستدلال المباشر (بالآية أو الحديث أو غيرهما)، وبيان الحكمة والعلة، والبرهان العقلي والمنطقي، والمقابلة والمقارنة، والقياس والتشبيه، والتفنيد وإزالة الشبهة، وغيرها من أساليب الإقناع.

وعلى الخطيب أن يدعم عناصره ويؤيدها بما يكفي من الأدلة والشواهد والبراهين، ولْيحرِصْ أن تكون هذه الأدلة والشواهد هي:
1 - الأنسب للموضوع وأهدافه.
2- الأقوى من حيث الدلالة والصحة.
3 - الأقرب والأسهل للفهم والاستيعاب من قِبل السامعين.
4 - التنويع قدر الإمكان.

وفيما يتعلق بأساليب الإثارة والبيان:
فهي الأساليب البلاغية التي تجعل الكلام سهلًا واضحًا، وفي نفس الوقت قويًّا مؤثرًا، يهز الوجدان، ويحرك المشاعر، وإن من البيان لَسحرًا.

والكلام البليغ: هو الكلام الذي بلغ الغاية والروعة في التعبير عن المراد، وجمع بين اللفظ الفصيح، والمعنى المليح.

إنه مزيج من المعاني التصويرية الجامعة، والألفاظ الجميلة الرائعة، يُركَّب في قالب بياني محبوك من الأساليب البديعية الماتعة، بعيدًا عن التكلف والأخطاء اللغوية الشائعة.

أما أهم مواصفات التعبير الخطابي الجيد، فكما يلي:
1- الوضوح: فيحرص الخطيب على أن يكون كلامه واضحًا سهلَ الفهم من أول مرة، فمستمع الخطبة ليس له إلا فرصة واحدة لسماع الكلام، ولا يمكنه طلب الإعادة ليفهم ما غمض عليه؛ ولذا فعلى الخطيب أن يختار الكلمات الواضحة، والتعابير السهلة المباشرة التي لا تحتمل إلا معنًى واحدًا، وإلا كان سببًا في أن يفقد المستمع تركيزه وانتباهه؛ بسبب غموض بعض كلامه.

وليس المقصود أن يكون المعنى مبتذلًا سطحيًّا ركيكًا، بل المقصود ألَّا يكون المعنى صعبًا مبهمًا يَحارُ السامع في فهمه وتفسيره.

2- سهولة النطق: أي: كَون ألفاظ وتراكيب الخطبة سلسلة النطق، متناغمة الحروف، واضحة المخارج، مستعذبة في السمع، فبعض الكلمات قد يصعب نطقها، وذلك حين يتجاور حرفان لهما نفس المخرج، فقد تتداخل الحروف، وقد يتغير النطق الصحيح، مما قد يسبب حرجًا للخطيب أثناء الإلقاء، كما أن مثل هذه الكلمات والتعابير الصعبة يثقل وقعها على السامع، ولا تستسيغها أذنه، وتنفر منها نفسه؛ ولذا ينبغي على الخطيب أن يتجنبها.

3- قِصر الجمل والتراكيب: فالتعبير الخطابي يتميز بقصر الجمل والعبارات؛ حيث إنها أسهل في الفهم والاستيعاب من قِبل المستمعين، وهي كذلك أسهل على الخطيب في الإلقاء، كما أنها تعطيه الفرصة الكافية للتحكم في طريقة الإلقاء، وتطبيق ما يريد من مهارات التلوين الصوتي، وزيادة النبرة، دون أن يشعر بالإجهاد أو انقطاع النفس، بعكس الجمل الطويلة التي تستهلك نفسه وتجهده، ولا تمكنه من تلوين صوته بالشكل الفعَّال، كما أن الجمل القصيرة عادةً ما تكون أكثر بلاغةً، وأقوى تعبيرًا من الجمل الطويلة؛ ومن أقوال العرب المشهورة: البلاغة الإيجاز.

4- تناسب الألفاظ والتراكيب مع نوعية الموضوع: فاللغة العربية تمتاز بكثرة المترادفات، وهي الكلمات المختلفة حروفًا المتشابهة معنًى، فعلى الخطيب أن يحسن اختيار ألفاظه وتراكيبه اللغوية بما يتناسب مع نوعية موضوعه جزالةً وفخامةً، أو رقةً وعذوبةً، والمقصود أنه كما يعتني الخطيب باختيار المعنى والفكرة المناسبة، فكذلك عليه أن يعتني باللفظ والتركيب المناسب لنوعية الموضوع الذي يعالجه، فالمواضيع الحماسية كالمعارك والرد على الأعداء، وأهوال القيامة، ونحوها - ينتقي لها الألفاظ الفخمة الضخمة، القوية في معناها، الجزلة في مبناها، فلو كان الموضوع عن الجهاد مثلًا، فستكون الألفاظ على النحو الآتي: النقع، الوطيس، صلصلة، حمحمة، الكماة، القراع، الكر والفر؛ إلخ، وعند المواضيع الهادئة كالرحمة والمحبة، والجنة والتوبة، ونحوها يختار الألفاظ الشائقة الرائقة، ذات الإيقاع المشرق الرقيق، فلو كان الحديث عن الإيمان مثلًا، فستكون الكلمات على النحو الآتي: حلاوة، طلاوة، بُحْبُوحة، الأنس، نفحات، نسائم؛ إلخ، وهكذا، وعلى هذا يُقاس، فللفرح إيقاع، وللحزن إيقاع، وللترغيب إيقاع، وللترغيب إيقاع، والخلاصة أنَّ لاختيار الألفاظ المناسبة (حسب نوع السياق) دورًا مهمًّا في زيادة قوة المعنى، وروعة التأثير أثناء الإلقاء؛ فتأمل.

5- تنوع الأساليب البيانية والبلاغية: فالأساليب البيانية والبلاغية في اللغة العربية كثيرة ومتنوعة جدًّا، ومن سمات الخطبة الناجحة أن يتلون أسلوب بيانها، وأن تتنوع ضروب التعبير فيها، فمن آية إلى حديث، ومن أثر إلى خبر، ومن قصة إلى حوار، ومن نداء إلى تكرار، ومن قَسَم إلى استنكار، ومن أمر إلى نهي، ومن تعجب إلى استفهام، ومن تشبيه إلى كناية، ومن مجاز إلى استعارة، ومن جناس إلى طباق، ومن سجع إلى تورية، إلى غير ذلك من أساليب البلاغة والبيان، فعلى الخطيب أن يحسن توظيف هذه الأساليب ليجعل السامعين ينجذبون لسماعه، ويستمتعون بروعة بيانه.

يقول الشيخ عايض القرني: "الخطيب الملهم يكتب على صفحات القلوب رسائل من التأثير، ويرسم في العقول صورًا من براعة التعبير، ويبني في النفوس صروحًا من روائع التصوير"، إلى أن يقول: "لأن الخطيب يُقبِل ومعه الآية الآمرة، والموعظة الزاجرة، والقصة النادرة، والحجة الباهرة، والقافية الساحرة، فتعيش معه في دنيا من الصور والألوان، وفي عالم من المشاهد والبيان، كأنك في إيوان أو بستان أو ديوان"؛ [انتهى].

وإذا أراد الخطيب أن يرتقي بأسلوب بيانه، ويقوي تعبير خطابه، فعليه أن يهتم كثيرًا بالأساليب البيانية والبلاغية، والمحسنات البديعية، وذلك بإدمان المطالعة في كتب البلاغة والأدب، ومتابعة كل ما يمتُّ لذلك بصلة أو نسب، ككتب السير والقصص والخطب، وعليه بكثرة المران والتدرب الجاد، كتابةً وتأليفًا، وقراءةً وتحديثًا.

نسأل الله أن يجعل كل أعمالنا صالحة، وأن يجعلها لوجهه الكريم خالصة، وألَّا يجعل لأحد غيره فيها شيئًا؛ ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الصافات: 180 - 182].



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 25-05-2022, 06:40 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,458
الدولة : Egypt
افتراضي مقدمة في فن الإلقاء والخطابة

مقدمة في فن الإلقاء والخطابة
الشيخ عبدالله محمد الطوالة



الحمد لله كثيرًا، والصلاة والسلام على المبعوث بالحق بشيرًا ونذيرًا؛ أما بعد:
فإن الإلقاء والخطابة هي أهم وأسرع وأقوى وسائل الدعوة، وأكثرها تأثيرًا، وهل بغير الكلمة الخطابية تلين القلوب، وتستقيم النفوس، وتصلح المجتمعات، ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [فصلت: 33].

لذلك فقد اعتنى علماء الإسلام قديمًا وحديثًا بهذا الفن وأولوه عنايةً خاصة، كيف لا ومعجزة الإسلام الكبرى، إنما هي قرآن يتلى، وبيان يلقى؛ قال جل وعلا: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [العنكبوت: 51].

ولا شك أن من يملك ناصية الكلمة، فهو يملك أقوى أدوات التأثير والتغيير، فقد كان للكلمة ولا يزال أثرها الكبير، ودورها الفعال في كل عمليات التطور الإنساني على مر العصور وتعاقب الأجيال، وعلى تغير الظروف وتنوع الأحوال، بل إن الكلمة إذا ما ركزت بعناية، واستثمرت بفعالية، فليس على وجه الأرض أقوى تأثيرًا منها، فهي القوة العجيبة المسؤولة عن كل حركات البناء والهدم في التاريخ، ولو تأملت مليًّا فستجد أن الكتب المنزلة كلمة، ورسالة الأنبياء والمرسلين كلمة، ونتاج المؤلفين كلمة، وخطب القادة والأئمة كلمة، ومواعظ الدعاة والمرشدين كلمة، وتوجيهات المصلحين والمربين كلمة، ودروس المعلمين والمحاضرين كلمة، وبيان الأدباء والشعراء كلمة، بل إن شهادة التوحيد كلمة، والنداء للصلاة كلمة، وحكم الولاة والقضاة كلمة، وشهادة الشهود كلمة، واستحلال الفروج بكلمة، والحرب مبدأها كلام؛ ولأمر ما قال موسى عليه السلام داعيًا: ﴿ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴾ [طه: 27، 28].

والكلمة الطيبة صدقة جارية، تهدي العقول، وتنير القلوب، وتزكي النفوس، وتسمو بالأرواح، تأمل: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الجمعة: 2].

والكلمة الطيبة إذا أُحسن توظيفها جاءت بالمدهش العجيب: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [إبراهيم: 24، 25].

واهتمام العرب بالخطابة وتوظيفهم لها قديم قبل الإسلام، حتى إن كل قبيلة كانت تنتخب من أفذاذها شاعرًا وخطيبًا، يفاخرون باسمها، ويدافعون عن شرفها ومكانتها، ويقومون بمهام الإصلاح بين المتنازعين، والوفادة على الملوك والسلاطين، ومراسم التهنئة والتعزية، كما أن لهم عند الحروب والغارات صولات وجولات.

فلا عجب أن يوظف الإسلام الكلمة الطيبة أحسن توظيف، وأن يهتم بها غاية الاهتمام، حتى إنه جعلها فريضةً أسبوعية، وعبادةً مرعية، ومعلمًا بارزًا من معالم الشريعة الإسلامية، ومظهرًا رائعًا من أجمل وأجل مظاهر توحد الأمة المحمدية، كما أن من دلائل اهتمام الإسلام بها، أنه رغب كثيرًا في النظافة والتجمل والتطيب من أجلها، وحث على التبكير في الوقت عند الخروج لها، وعلى الدنو من الإمام، والإنصات التام، وعدم مس الحصى فضلًا عن الكلام، ثم رتب عليها من الثواب والعقاب، ترغيبًا وترهيبًا، ما لم يرتبه على عبادة غيرها، فجعل الخطوة الواحدة إليها تعدل عمل سنة كاملة صيامها وقيامها، كما أن في القرآن الكريم أمر مؤكد بالسعي إليها، وترك كل ما يشغل عنها، ووعد بالخير الوفير لمن يحرص عليها؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الجمعة: 9].

كما أن رسول الإسلام عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، عرف قيمتها، واهتم بها، وأحسن توظيفها، واتخذ المنبر من أجلها، وأكثر من استخدامها، وكانت هي وظيفته الأولى هو ومن بعده من الخلفاء والعلماء والقادة والمصلحين، وكانت هي أقوى ما استخدموه لقيادة أممهم إلى حياة البر والكرامة، والتقوى والاستقامة.

ومن ثم فقد قامت خطبة الجمعة بدور حيوي كبير في المسيرة الإسلامية الطويلة، فمن خلالها نشرت تعاليم الشريعة، ورسخت مبادئ العقيدة، وحُوربت البدع والمنكرات، وزُكيت الأخلاق والسلوكيات، ومن خلالها شُخصت أوضاع المجتمعات، وبُث الوعي الصحيح، وعُولجت المشكلات.

وهكذا فقد كان الخطيب الفذ ولا يزال هو خير من يعبر عن الدين والدنيا، ويجول في كل شؤون الإنسان وشجونه، يقنع العقول، ويحرك المشاعر، ويشكل القناعات، ويرفع الهمم، ويربط الناس بخالقهم العظيم، ويدافع عن حقوق المظلومين، ويرد شبه الأعداء والمظلين، ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ﴾ [الأنبياء: 18].

وها هي المساجد العامرة، ذات المنابر المؤثرة، لا تزال تستقبل أفواج التائبين، ومواكب العائدين، وما تزال أصوات الخطباء الأفذاذ تصدح عاليًا في كل جمعة، تنير الطريق للسائرين، وتروي عطش الظامئين.

أما وقد وصلنا اليوم لما وصلنا إليه، وأصبح الواقع غير ما كنا عليه، وتراجع المسلمون إلى مؤخرة الركب، وأمسى العالم كله أسيرًا لتيار إعلامي عالمي موجه، ذي إمكانيات ضخمة هائلة، وقنوات متخصصة مؤثرة، وبرامج فاتنة آسرة، فيها من بهرج العرض، وجمال الإخراج، وزخرف القول، ما يجعل المتابعين يتناولون السم يحسبونه عسلًا، ويقتنون الخزف يظنونه ذهبًا، وبذلك استحوذوا على الكثير من أوقاتهم واهتماماتهم، وغيروا الكثير من قناعاتهم ومسلماتهم.

إلا أنه وبالرغم من كل ذلك، فلا يزال الخطيب المسلم هو فرس الرهان، وفارس الميدان، خصوصًا إذا علمنا أن أعداد المنابر في عالمنا الإسلامي الكبير كثيرة جدًّا، وأن الذين يستمعون لها باهتمام وإنصات يتزايدون بشكل مضطرد، ولله الحمد والمنة، لكن الذي يضعف الكفة، أن أكثر خطبائنا الكرام - مع شديد الأسف - بعيدون عن القيام بأدوارهم الدعوية، مفتقدون للكثير من المهارات الأساسية، فالبعض يبالغ في هدوئه، فتأتي كلماته جافةً باردة، تموت قبل أن تصل، والبعض الآخر جامدون تقليديون، خطبهم مكررة، وكلماتهم مجملة، لا توقظ غافلًا، ولا تحرك ساكنًا.

يقول الشيخ عائض القرني: "رأيت على المنابر من يقرأ علينا صحفًا اكتتبها فهي تلقى عليه بكرةً وأصيلًا، يسردها سردًا بلا تأثير ولا جاذبية، ولا أداء ولا حرارة، ورأيت من يغطي وجهه بأوراقه، فهو محجوب عن الناس طيلة الخطبة، وهناك من يخطب فيتلعثم ويرتبك من شدة الخوف، نعم، هناك من يحسن الإلقاء والأداء، ولكنه ضحل المادة، بخيل المحصول والعطاء، فكأنه ما قال شيئًا، وهناك صاحب الحجة والبرهان، الحافظ المطلع، لكنه بارد رتيب، في صوته خيوط النعاس، ومقدمات الكرى"[1].

فلا بد إذًا من تطوير وتحسين أساليب خطبائنا الكرام، لا بد من تميز الخطيب وقوته، وإتقانه لدوره ومهمته، لنضمن لهذه الدعوة المباركة مكانًا عليًّا، وقبولًا حسنًا، ونضمن لهذا المنبر الهام تأثيرًا قويًّا، وتفاعلًا مثمرًا مرضيًا، ولن يتأتى ذلك إلا بأمرين أساسين:
الأول: دراسة وفهم أصول وقواعد فنون الخطابة نظريًّا.
الثاني وهو الأهم: التدرب الجاد (المنظم) لاحتراف أساليبه وإتقان مهاراته عمليًّا.

وحيث إن هذا المقال بمثابة مقدمة في فن الإلقاء والخطابة فسأكتفي بإيراد تعريف الخطابة مع شرح مختصر، ثم أذكر أهداف الخطابة في الإسلام ومميزاتها وأسباب رقيها، وسيأتي الحديث عن بقية فنون الخطابة ومهاراتها تباعًا في مقالات أخرى بإذن الله وتوفيقه.

الخطابة إذًا: هي فن مشافهة الجمهور لاستمالته للمأمول.

وحين نتأمل هذا التعريف المختصر يتبين أنه مكون من خمسة عناصر، يمكن شرحها على النحو التالي:
الأول: أنه فن؛ أي: إنه علم له أصول وقواعد نظرية، لا بد من دراستها وتعلمها، وله مهارات عملية لا بد من مواصلة التدرب عليها قدرًا كافيًا حتى يتقنها.

الثاني: المشافهة، وهو توجيه الكلام من شخص واحد لمجموعة من السامعين، مباشرةً وبدون حوائل.

الثالث: الجمهور، ويشمل كافة قطاعات وشرائح المجتمع (العالم والجاهل، الكبير والصغير، الموافق والمخالف؛ إلخ).

الرابع: الاستمالة، وهي استجابة المتلقي عمليًّا لتوجيهات الخطبة، من خلال اقتناع العقل بالأدلة والبراهين، وتأثر الوجدان بالبيان البليغ.

الخامس: المأمول، وهي أهداف الخطيب الخاصة والعامة، التي يريد من السامعين أن يقتنعوا بها ويطبقوها عمليًّا.

إذًا ففن الخطابة علم جليل، وفن جميل، ينير الطريق للراغبين، ويوضح السبيل للسالكين، ولكنه لا يضمن لمن أراد تعلمه أن يتقن مهاراته ما لم يتدرب على تلك المهارات ويطبقها بالقدر الكافي، تمامًا كفن التجويد الذي يبين لك كيف تقرأ القرآن الكريم بطريقة صحيحة، لكنه لا يضمن لك أن تتقن مهارة التلاوة ما لم تتدرب عليها بنفسك، وبدرجة كافية، كما قال الناظم:
وليس بين أخذه وتركه
إلا رياضة امرئ بفكه




وإذا كان الشيء يستمد أهميته من أهدافه،فإن أهداف الخطابة في الإسلام عظيمة وجليلة؛ ومنها ما يلي:
1- تبليغ دعوة الله عز وجل، ونشر العلم الصحيح.
2- تربية المجتمع على الأخلاق والفضائل، ونهيه عن الشرور والرذائل.
3- رفع المستوى العلمي والثقافي والفكري والأدبي للسامع والخطيب.
4- تقوية وبناء الروابط الأخوية بين المسلمين.
5- رد شبهات الأعداء، والذب عن جناب الدين وأحكامه وعلمائه ورموزه.
6- ترقيق القلوب بالترغيب والترهيب، والتذكير بعظمة علام الغيوب.

كما أن للخطابة في الإسلام مميزات عظيمة؛ من أبرزها ما يلي:
1- وجوب أداء خطبة وصلاة الجمعة في كل حي أو بلدة من بلاد الإسلام.
2- تكرارها دوريًّا (أسبوعيًّا أو سنويًّا).
3- تهيئة المكان والجو المناسب للإلقاء والإنصات (المسجد).
4- التفرغ التام لها من جميع الأشغال والأعمال.
5- الاستعداد الخاص لها بالنظافة والتجمل والتطيب.
6- كونها عبادة جليلة، وشعيرة عظيمة، ومعلمًا بارزًا من معالم الشريعة.
7- كونها من أنجح وسائل الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
8- نقل هموم وآلام الجسد الواحد من مكان لآخر للتلاحم والتعاون.
9- إثراء المكتبة الإسلامية، والمواقع المتخصصة بالعلوم النافعة والخطب المؤثرة، لنشرها على أوسع نطاق.

أما أسباب رقي الخطابة في الإسلام: فيمكن إجمالها في النقاط التالية:
1- قوة الاستشهاد بآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة.
2- بروز كوكبة من الخطباء الأفذاذ، على رأسهم سيد الفصحاء وأخطب الخطباء عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.
3- كثرة المحافل الخطابية وتكررها دوريًّا (كالجمعة والأعياد والجهاد وغيرها).
4- ارتفاع شأن الخطيب وعلو منزلته في المجتمع المسلم.
5- استخدام الخطابة من قبل الخلفاء والأمراء والعلماء لقيادة الشعوب وتأليف القلوب وإصلاح الأوضاع.
6- وجود إرث كبير من الثروة الخطابية والكنوز البيانية مما يساعد المبتدئين على الانطلاق بقوة.
7- شمولية الخطب لكل مناحي الحياة وشؤونها.

نسأل الله تعالى أن يوفق الجميع للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يبارك في الجهود وينفع بها،
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

[1] إلى الخطباء، عائض القرني، ص 5.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 01-07-2022, 12:36 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,458
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد

مميزات الخطيب الناجح (1/2)



الخطابة فنٌّ قديم، نشأ قبل الإسلام، ولها من التأثير ما هو أقوى من تأثير الكلمة المقروءة، وقد كان النَّاس في الجاهليَّة يتجمَّعون في سوق عكاظ، ويتبارى الشعَراء والوعاظ في إلقاء ما عندهم من شعرٍ ونثرٍ، ولَمَّا جاء الإسلام زادَها جمالاً، واشترط لها شروطًا، وأوجب حضورها على كل مسلم مكلَّف، وألزم المسلمين بالإنصات لها، واشترط لها الوقت، إلى غير ذلك من أمور موجودة في كتب الفقه[1].

ولما كانت الخطابة بهذه المثابة والأهمية، فإن ثمَّة ملاحظاتٍ يجب على الواعظ ملاحظتُها في حال خطبتِه؛ ليصل إلى ما يصبو إليه، وهي ما يأتي:
أولاً: الإكثار من الآيات القرآنية؛ ففيها الوعْظ والشِّفاء، ثم الاستدلال بالمأثور من الأحاديث الصحيحة، وتجنُّب الأحاديث المَوْضُوعة، ففي دواوين المسلمين مثل: "صحيح البخاري"، و"مسلم"، و"الترمذي"، و"النسائي"، وغيرهم، المرغِّبة في الجنة، والمخوِّفة من النار - ما يغني عن رواية الأحاديث الموضوعة، ولقول سيِّدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - : «مَن كذب علي متعمدًا، فلْيَتَبَوَّأ مقْعده من النار» [2].

ثانيًا: الاستعانة بالقصص الواردة في القرآن والسنَّة وربطها بالواقع؛ مثل: قصَّة إبراهيم الخليل مع أبيه، وقصَّة أصحاب الكهف وما فيها من العبر والعظات، وفي الحديث: مثل قصَّة الذي قَتَل مائة نفس في باب التوبة، وغيرها من القصص، ولا بأس من الاستعانة بضرْب الأمثال وتصوير المعاني بأشياء محسوسة من الواقع من أجل تقريب المعاني إلى الأذهان؛ مثل: تمثيل رحمة الله بالعبد، وأنه - سبحانه - أرْحَم منَ الوالدة على ولدها[3]؛ ولذلك دعاه للتوبة وقبلها منه، وأنه لو شاء أخذه بذنبه، وعجَّل له العقوبة في الدنيا، ولكنه - سبحانه - يمهل ولا يهمل.

ثالثًا: عدم إطالة الخطبة؛ لأنها تورِث المَلَل والسآمَة، وإطالة الخطبة في الغالب تنشأ مِن أمرَيْن:
الأول: إعجاب الخطيب بنفسه، وأنه قد أضاف شيئًا إلى معلوماتهم.

والثاني: السهْو والنِّسيان، ولكن يجب أن نذكِّر بأنَّ الأمَّة الإسلامية قد طالتْ مِحنتها، وحاجتها إلى كلام قليل مؤثِّر أعظم من حاجتها إلى الكلام الطَّويل، وليس هناك أعظم مَوْعِظة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد أوتيَ جوامع الكلم، ورغْم ذلك فقد ثبت عنْه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: «إنَّ طول صلاة الرَّجل وقصر خطبته مئنَّة من فقهه» [4]، وفي الحديث: "وعظنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يومًا بعد صلاة الغداة موعِظة بليغة، ذرفت منها العُيون ووجلت منها القُلوب، فقال رجل: إنَّ هذه موعِظة مودِّع ......."[5].

والبلاغة - كما قال العُلماء -:
هي التوصُّل إلى إفهام المعاني المقصودة وإيصالها إلى قلوب السَّامعين، بأحسن صورة من الألْفاظ الدالَّة عليْها، وأفصحها وأجلّها لدى الأسماع، وأوْقعها في القلوب، ولكن ترى ما هي الموْعظة البليغة القصيرة التي أثَّرت في قلوب الصَّحابة، فذرفت لها عيونُهم ووجلت لها قلوبهم؟ لقد قال لهم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «أُوصيكم بتقْوى الله والسَّمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًّا، فإنَّه مَن يعِش منكم بعدي فسيرى اختِلافًا، فعليْكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الرَّاشدين المهديِّين من بعدي، تَمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنَّواجذ، وإيَّاكم ومحْدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعة وكلَّ بدعة ضلالة» [6].

لقد دلَّت موْعِظة رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - على شيءٍ أقره العلم النفسي الحديث، وهي أنَّ الطَّاقة الذهنيَّة للإنسان محْدودة، لا يمكن في العادة أن تُتابع الكلام بانتباه طويل لأكثر من 15 دقيقة، وبعدها تُصاب بالشُّرود والتَّعب، ويتمنَّى المستمع حينئذٍ أن يستريح ذهنُه حتَّى يجد أمرًا، أو مشوقًا آخَر.

فينبغي أن يكون كلام الخطيب جامعًا موجزًا، صادرًا من قلْب صادق، وتفكيرٍ هادئ، وألا يحول بيْنه وبين المستمِعين أي حائل نفسي سوى مراقبة الله والخوف منه؛ ولهذا ينبغي عليه قبل الشُّروع في الخطبة وارْتقاء المنبر تصفية نفسِه ممَّا علق بها من شوائب وأكْدار، وتَهذيبها من العلائق، والدُّعاء بصدقٍ أن يوفِّقه الله في وعْظِه، وأن يسدِّد كلامه، وأن يكون له وقْع طيب في الأسماع والقلوب.

رابعًا: من المستحْسن أن تبدأ الخُطبة بما يجلب انتِباه السَّامعين، من حادثٍ مهمٍّ وخبر ذي فائدة، ثمَّ يرْبطه بمعاني القرآن والسُّنن الكونيَّة، ثمَّ على الخطيب بعد ذلك أن يَمضي مسترْسِلاً في وعْظه، ويقرن بين التَّبشير والإنذار، ويتخيَّر من الحوادث ما يكون محْور وعظِه، ومدار خطبته، ثمَّ يخرج بعد ذلك العرض بحلٍّ شرْعي ممَّا استجدَّ من حوادث، وما حلَّ بالمسلمين من ضِيقٍ وبلاء، ويذكِّرهم دائمًا بأنَّ المخرج من ذلك كلِّه هو طاعة الله وطاعة رسولِه وأولي الأمر، فهو سببٌ لسَعادة الدُّنيا والآخرة.

خامسًا: من المهمِّ جدًّا أن يكون موضوعُ الخُطبة واضحًا في ذهن الخطيب، وأن تكون المادَّة العلميَّة التي يُراد طرْحها وتعْريف النَّاس بها حاضرةً في الذِّهن قبل الشُّروع في الخطبة، ويُمكن اتِّخاذ الوسائل والتَّدابير لذلك، مثل تدْوين رُؤوس المسائل والخطوط العامَّة في "ورقة صغيرة" يرْجع إليْها عند الحاجة؛ حتَّى لا يتحرَّج فيخْلط بعدها في كلامه، أو يستطْرِد في أمرٍ لا علاقةَ له بصلب الموضوع، فيفقد هيْبته في القلوب.

سادسًا: على الخطيب أن يَحذر من ذِكْر ما يُساء فهمه من الآيات والأحاديث، دون أن يُلْقِي عليْها الضَّوء من شرْحٍ أو تعْليق ليزول[7] الإشْكال، مثْل ذِكْر الأحاديث الَّتي فيها أنَّ الله أدْخل الجنَّة مَن سقى الكلْب[8] - وكان صاحب معصية كبيرة - فغفر له، فيظن الظَّانُّ أنَّ مجرَّد هذا العمل يدخِل الجنة دون توبة أو رجوع إلى الله.

سابعًا: هناك أمور ينبغي على الخطيب الانتِباه إليها، وهي إن كانت بسيطة لكنَّها هامَّة تجعل الخطيب يَملك زمام الأمور، ويأخُذ بناصية المواقف، وتَمنحه قوَّة الشَّخصية:
مثل هندسة الصَّوت، فلا يرفع صوته لغير حاجه، ولا يكون بطيئًا فتملّه الأسْماع.

ومنها أيضًا عدَم الإكثار من الإشارة بدون سببٍ، فيكون حالُه كالممثِّل على خشبة المسرح، بل يتمَّ توزيع ذلك باعتِدال تامٍّ أمام الحاضرين.

ومنها الالتفات المعقول، فلا يشير إلى أحد بعينه أو طائفةٍ من النَّاس وهو يتكلَّم مثلاً عن المنافقين أو الكافرين؛ لئلاَّ يقع في سوء الظَّنّ.

وهناك أمور تتعلَّق بالخطيب نفسه وما ينبغي أن يكون عليه من صفات وأخلاق، نشير إليها بإيجاز، ومنْها:
• أن يدْعو بالحِكْمة والموعظة الحسنة، ويتسلَّل إلى قلوب الحاضرين، فيصِل إلى ما يُنْكِرون من حيث لا يشْعرون، فيشتدّ في مواضع الشدَّة، ويلين في مواضع اللين.

• أن يكون الخطيب عالمًا بسائر الأحكام الشرعيَّة، ومسائل الخلاف ومدارك العلماء، ومن أين أخذوا؛ ليتمكَّن من الإجابة على أسئِلة النَّاس على بيِّنة، خاصَّة في مسائل العبادات والمعاملات.

• أن تكون له مهابةٌ في القلوب، فيستعمل خلق الورَع والخوف من الله كما هو دأب أوْلياء الله الصَّالِحين، فلا يرتكِب كبيرةً أو يصرّ على صغيرة؛ حتَّى تعظِّمه النفوس وتنقاد إلى سماعِه الأبدان.

• أن تكون له معرفة قويَّة باللُّغة العربيَّة، مثل علم الإعراب، وعلم الأساليب (المعاني والبيان والبديع)، وهذا يَحصُل بِممارسة الكلام البليغ ومزاولتِه؛ حتَّى تكون له ملَكة على تأليف الكلام وإنشائه، فيعبِّر عن المعاني العديدة بألْفاظ وجيزة.

لقد كانت عمليَّة الخطابة عند فقهائِنا الأجلاَّء تسدُّ أكثر الثَّغرات في المجتمع المسلم، وتُعالج معظم الانحِرافات العقديَّة والاجتِماعيَّة، بفضل ما كان عليه علماؤُنا من خلُق ودين وورَع، ولما كان الخطيب نفسه يتمتَّع به من شخصيَّة مؤثِّرة في قلوب مَن يُخاطِبهم.

مقترحات وتوصيات:
في بلاد الإسلام - ولله المنُّ والفضل - آلافُ المساجد يَحضُرها كمٌّ هائل من المصلِّين، فلو فكَّرت وزارات الأوْقاف في تلك البلاد في تهْيئة كادر من الخُطباء والوعَّاظ، تتوفَّر فيهم الصِّفات المؤهّلة لشغل تلك الوظيفة الهامَّة، وبعد تفكيرٍ رأيتُ أنَّ أسلم طريق، وأنْجح وسيلة في تكوين الخُطَباء هي اتِّباع ما يلي:
أوَّلاً: أن تقوم تلك الهيْئات الرَّسميَّة بتربية الخطيب، من خِلال حثِّ الخطباء على إتقان القرآن على يدِ مقْرئ متْقن، وبعد تحصيل العلوم الأوَّلية التي تنمِّي الموهبة، وتنشط العقل، وتفتق الذِّهن.

ثانيًا: توجيه الخُطباء إلى قراءة ما يتعلَّق بكتُب الأدَب - وخاصَّةً الشعرَ والنثر - وإجادة الخط العربي؛ لما لذلك من أهمية في شخصيَّة الخطيب وتأثيره على المستمعين.

ثالثًا: الاهتِمام بقواعد اللُّغة العربيَّة من النَّحو مع التَّطبيق العملي لآيات القرآن؛ إذْ لا يحسُن بالخطيب أن تظهَر منه أخطاء لغويَّة وهو يعتلي المنبر ويوجِّه النَّاس.

رابعًا: أن يطلب من الخطيب أن يُكْثِر من تِلاوة القرآن، مع الاستِعانة بفهْم القرآن وتدبُّر معانيه، ومِن خلال قراءة كتُب التَّفسير المعتمَدة، ثمَّ يعوَّد على الاستقلالية في الفهْم والتَّصوُّر المبني على الكِتاب والسنَّة؛ من أجل تقْريب معاني القرآن إلى أذْهان النَّاس وبأسلوب العصر.

خامسًا: على الخطيبِ أن يُضيف إلى رصيدِه المعرفة التَّامَّة بسيرة الرَّسول الأعظم وسنَّته القوليَّة والفعليَّة، وذلك من خِلال قراءة ما يتعلَّق بكتُب السِّيرة، ومِن أعظمِها نفعًا كتاب "زاد المعاد في هدي خير العباد" لابن القيم - رحِمه الله تعالى - ودراسة ما يتعلَّق بمصطَلح الحديث؛ ليتمكَّن من معرفة صحَّة الحديث، مع دِراسة فقْه الحديث من كتاب "بلوغ المرام شرح أحاديث الأحكام"؛ ليتمكَّن من الإجابة على الأسئِلة التي تعرض عليه.

سادسًا: دِراسة أحوال البشر، فقد بيَّن الله في كِتابه كثيرًا من أحْوال الخلق وطبائِعهم، والسُّنن الربَّانيَّة في البشَر وتقلُّبات الأحوال، يقول محمَّد رشيد رضا: "فلا بدَّ للنَّاظر في هذا الكتاب – أي: القرآن - من النَّظر في أحوال البشَر في أطوارهم وأدْوارهم، وما ينشأ من اختِلاف أحْوالهم من ضعف وقوَّة، وعزَّة وذُل، وعلم وجهْل، وإيمان وكفر"[9]، كلُّ ذلك من أجل أن يتمكَّن الخطيب من اقْتِلاع الأمراض القلبيَّة والاجتِماعية من نفوس المجتمع، ولا بأس مع ذلك من أن يتعلَّم بعض الظَّواهر الكونيَّة[10]، وذلك بدِراسة العلوم الَّتي تبصِّره بنظام الكوْن وسنته، فيستدلُّ بآيات القرآن على وحدانيَّة الله وربوبيَّته للخلق.

سابعًا: إعداد خُطباء مهمَّتهم تذكير النَّاس في الميادين العامَّة والمتنزهات الجامعة؛ لأنَّ قصر الخطبة على أيَّام الجمع يكون قليلَ الفائدة، وقد كان من هدْي الرَّسول - صلَّى الله عليْه وسلَّم - أن يخطب في غير أيَّام الجمع ما دعت إليْه الحاجة، أو حصول أمرٍ مهمّ يُحب التَّنبيه إليْه أو التَّحذير منْه.

ثامنًا: أن تقومَ تلك الهيْئات بِمتابعة الخُطَباء في مساجِدِهم، والاستِماع إلى شكْواهم، والاستِماع إلى مواعظِهم والتنبُّه لأخطائهم، ويؤمروا ألاَّ يتكلَّموا بِما يعلو أذهان النَّاس، أو لا يناسب مستوياتِهم وواقعهم، فالخُطبة إنَّما شرعتْ لتذكير النَّاس بشؤون المعاد والآخِرة، ولا بأس من التطرُّق إلى مواضيع تخصُّ حياة النَّاس العمليَّة والمعيشيَّة، ومعالجتها على ضوْء القرآن والسنَّة.

[1] انظر: "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" جزء 2 ص561، وما بعدها.
[2] صحيح رواه البخاري (1291)، ومسلم (4)، وروي الحديث بغير هذا اللفظ، انظر رقم: 2142 في صحيح الجامع.
[3] المصدر: "مجموع الفتاوى"، الصفحة أو الرقم: 16/ 299، والحديث: صحيح.
[4] الحديث رواه عمار بن ياسر، المحدث: مسلم، المصدر: المسند الصحيح، الصفحة أو الرقم: 869.
[5] الترمذي، المصدر: سنن الترمذي، الصفحة أو الرقم: 2676 والحديث: حسن صحيح.
[6] المرجع السابق.
[7] استفدت بعض الشيء من كتاب "أصول الدعوة" للدكتور عبدالكريم زيدان، ص471، في النقاط الأخيرة الخامسة والسادسة.
[8] البخاري، المصدر: "الجامع الصحيح"، الصفحة أو الرقم: 3467 الحديث: [صحيح].
[9] تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا:ج 1-ص 23.
[10] مثل قراءة كتاب توحيد الخالق للشيخ الزنداني بأجزائه الثَّلاثة.

______________________________________
الكاتب: مرشد الحيالي










__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 02-12-2022, 02:38 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,458
الدولة : Egypt
افتراضي طريقة إعداد خطبة الجمعة مع وصايا للخطباء

طريقة إعداد خطبة الجمعة مع وصايا للخطباء
الشيخ صلاح نجيب الدق


﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [فاطر: 1، 2]، والصلاة والسلام على نبينا محمد، الذي أرسله ربه شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا؛ أما بعد:
فإن إعداد خطبة الجمعة من الأمور المهمة للخطيب الذي يصعد المنابر في كل أسبوع؛ ولذلك اجتهدت في جمعِ بعضِ الوصايا والأمور المهمة التي ينبغي على الخطباء مراعاتها عند إعداد خطبة الجمعة، وإلقائها على الناس، فأقول وبالله سبحانه وتعالى التوفيق:
الحكمة من خطبة الجمعة والعيدين
الله سبحانه وتعالى شرع خطبة الجمعة والعيدين لحِكَمٍ عظيمة، ونستطيع أن نوجزها في الأمور الآتية:
(1) تصحيح عقيدة الناس.


(2) تذكير الناس بالـجنة والنار، ولقاء الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، ومحاسبته لهم على ما قدَّموا من أعمال.


(3) تعليم المسلمين أمور دينهم ومعرفة الحلال والحرام.


(4) ترغيب المسلمين فيما عند الله تعالى من النعيم المقيم، وحثهم على الزهد في الدنيا والإكثار من ذكر الله سبحانه، لتكون القلوب حية دائمًا، وقريبة من خالقها ورازقها سبحانه وتعالى.


(5) اجتماع المسلمين والتأليف بين قلوبهم، ومساعدة بعضهم لبعض في أمور الدين والدنيا.


وصايا للخطباء الكِرام:
تعتبر خطبة يوم الجمعة درسًا أسبوعيًّا لترسيخ العقيدة الصحيحة في قلوب المسلمين، وتهذيب أخلاقهم، وتحذيرهم من المنكرات؛ ولذلك ينبغي على الخطباء الكرام عند إعداد خطبة الجمعة وإلقائها مراعاة الأمور التالية:
(1) إخلاص العمل لله سبحانه وتعالى.
قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ [البينة: 5].

روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه))؛ [مسلم، حديث: 2985].

روى الشيخانعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى))؛ [البخاري، حديث: 1، مسلم، حديث: 1907].

(2) التوسل إلى الله تعالى بالدعاء للتوفيق في إعداد الخطبة.
قال سبحانه: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ [غافر: 60].

(3) الدعوة إلى الله تعالى شرف كبير، فيجب على الخطيب أن يشكر الله تعالى الذي جعله ينال هذا الشرف، وهذه المنزلة العالية.

(4) معرفة فضل وثواب الدعوة إلى الله تعالى.
قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [فصلت: 33].

روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((من دعا إلى هدًى، كان له من الأجر مثل أجور من تبِعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا))؛ [مسلم، حديث: 2674].

روى الشيخان عن سهل بن سعد رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لعلي بن أبي طالب يوم خيبر: ((والله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا، خيرٌ لك من أن يكون لك حـُمْـرُ النَّعَم))؛ [البخاري، حديث: 4210، مسلم، حديث: 2406].

قوله: ((حـمـر النعم))؛ أي: الإبل العظيمة، وهي أعزها وأنْفَسُها عند العرب؛ [مرقاة المفاتيح، علي الهروي، ج: 9، ص: 3934].

(5) يجب على الخطيب أن يتذكر أن الله سبحانه وتعالى سوف يسأله عن أقواله وأفعاله يوم القيامة.
قال الله تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18]؛ قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "قوله: ﴿ مَا يَلْفِظُ ﴾؛ أي: ابن آدم، ﴿ مِنْ قَوْلٍ ﴾؛ أي: ما يتكلم بكلمة، ﴿ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾؛ أي: إلا ولها من يراقبها معتد لذلك يكتبها، لا يترك كلمةً ولا حركةً؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الانفطار: 10 - 12]؛ [تفسير ابن كثير، ج: 7، ص: 398].

(6) ينبغي على الخطيب الكريم الاقتداءُ بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم بقدر استطاعته، ولا يكلف الله سبحانه وتعالى نفسًا إلا وسعها.
قال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 31].

وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].

وقال سبحانه: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ [الأحزاب: 36].

وقال جل شانه: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الحشر: 7].

(7) ضرورة عدم مخالفة قول الخطيب لفعله؛ لأن ذلك له أثـــر كبير في قلوب الناس.
قال الله تعالى: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 44].

وقال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 2، 3].

روى الشيخان عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يُجاء بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون: أي فلان، ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه))؛ [البخاري، حديث 3267، مسلم، حديث 2989].

روى مسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يُستجاب لها))؛ [مسلم، حديث 2722].

قال الإمام محمد بن شهاب الزهري رحمه الله: "لا يرضين الناس قول عالم لا يعمل، ولا عامل لا يعلم"؛ [اقتضاء العلم العمل، للخطيب البغدادي، ص: 166].

قال الإمام مالك بن دينار رحمه الله: "العالـم الذي لا يعمل بعلمه بمنزلة الصفا - الـحجر الأملس - إذا وقع عليه القَطْرُ زلِق عنه"؛ [اقتضاء العلم العمل، للخطيب البغدادي، ص: 192].

طريقة إعداد الخطبة:
نستطيع أن نوجز خطوات إعداد خطبة الجمعة في الأمور الآتية:
(1) حسن اختيار موضوع الـخطبة؛ بحيث يتناسب مع أحوال الناس، والقضايا المعاصرة التي تهمُّهم.

(2) تقسيم الـخطبة إلى عناصر.

(3) الاهتمام بذكر الأدلة على من القرآن الكريم، والسنة الصحيحة، وأقوال سلفنا الصالح، واجتناب الأحاديث الضعيفة والموضوعة.

(4) الاهتمام باستخدام اللغة العربية السهلة التي تتناسب مع أفهام الناس.

(5) كتابة مصادر إعداد الـخطبة وخاصة الأمور الفقهية، فربما يحتاج إليها.

(6) يستطيع الخطيب كتابة عناصر الـخطبة بإيجاز في ورقة صغيرة، ويحملها معه؛ لكي يتذكرها إذا نسِيَ منها شيئًا.

(7) ضرورة اهتمام الخطيب بمظهره الشخصي، مع حرصه على ارتداء أفضل ثيابه.

(8) يحرص على الذهاب إلى المسجد مبكرًا، وخاصة إذا كان المسجد بعيدًا عنه، ولكي يتمكن من مراجعة الـخطبة مرة أخرى.

(9) اختيار مقدمة قصيرة ومناسبة لموضوع الـخطبة؛ مراعاةً للوقت.

(10) يبدأ الخطيب خطبته بالحديث عن العناصر المهمة، ويراعي إعطاء كل عنصر الوقت المناسب له.

(11) استخدام الحكمة والموعظة الحسنة عند إرشاد الناس ونصحهم.

قال تعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [النحل: 125].

وقال سبحانه: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159].

روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه))؛ [مسلم، حديث 2594].

(12) يجب أن يكون الخطيب متواضعًا مع الناس، ويعلم أنه قد يكون بين المستمعين لخطبته مَن هو أكثر منه علمًا.

(13) الاهتمام برفع صوته، وخاصة عند الرغبة في تأكيد أمر معيـن، وتنبيه الناس له.

(14) بيان معاني الكلمات الصعبة الموجود في الآيات أو الأحاديث النبوية الشريفة.

(15) الاهتمام بنسبة الأقوال المأثورة إلى أصحابها؛ لأن هذا يؤدي إلى زيادة الثقة في كلام الخطيب.

(16) الاهتمام بتصحيح أمور العقيدة أثناء إلقاء الـخطبة.

(17) عدم إثارة الأمور الفقهية الخلافية على المنبر؛ حتى لا تحدث فتنة بين الناس.

(18) عدم التكلف عند أداء الخطبة، واجتناب السرعة عند الكلام.

روى الترمذي عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة الثرثارون والـمتشدِّقون والـمُتَفَيْهِقُون، قالوا: يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والـمتشدقون، فما الـمتفيهقون؟ قال: الـمتكبرون))؛ [حديث صحيح، صحيح الترمذي، للألباني، حديث 1642].

قوله: (الثرثارون): الثرثار: هو الكثير الكلام بتكلُّفٍ.

قوله: (والـمتشدقون): الـمتشدق هو: الذي يتكلم بملء فمه تفاصحًا وتفخمًا وتعظيمًا لكلامه.

قوله: (الـمتفيهقون): الـمتفيهق: هو الإنسان الذي يملأ فمه بالكلام، ويتوسع فيه؛ تكثرًا وارتفاعًا، وتكبرًا وإظهارًا لفضله على غيره من الناس؛ [عون المعبود، محمد أشرف آبادي، ج: 13، ص: 91].

قال الإمام النووي رحمه الله: "يكره التفاخر في الكلام بالتشدُّق، وتكلف السجع والفصاحة، والتصنع بالـمقدمات التي يعتادها الـمتفاصحون من زخارف القول، فكل ذلك من التكلف الـمذموم، وكذلك التحري في دقائق الإعراب، ووحشي اللغة في حال مخاطبة العوام، بل ينبغي أن يقصد في مخاطبته إياهم لفظًا يفهمونه فهمًا جليًّا، ولا يدخل في الذم تحسين القادر للخطب والمواعظ، إذا لم يكن فيها إفراط وإغراب؛ لأن المقصود منها تهييج القلوب إلى طاعة الله تعالى، ولحسن اللفظ في هذا أثر ظاهر؛ [مرقاة المفاتيح، علي الهروي، ج: 7، ص: 3019].

(19) استخدام القصص الصحيحة من حياة الأنبياء والصالحين والدروس المستفادة منها؛ لأن الأسلوب القصصي في الخطبة له تأثير كبير على الناس.

(20) الحرص على عدم ذكر أحدٍ بعينه من أصحاب المعاصي، وأن يجعل النصيحة عامة.

روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، فاشتد قوله في ذلك، حتى قال: لينتهنَّ عن ذلك، أو لتخطفن أبصارهم))؛ [البخاري، حديث: 750].

(21) عدم إطالة وقت الـخطبة؛ حتى لا يمل الناس.

(22) إذا أراد الخطيب توضيح بعض الأمور بالتفصيل، فينبغي عليه أن يجعل ذلك بعد الصلاة مع مراعاة عدم إطالة الدرس؛ لأن كثرة الكلام ينسي بعضه بعضًا.

روى مسلم عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئِنَّةٌ - علامة - من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصروا الـخطبة، وإن من البيان سحرًا))؛ [مسلم، حديث: 896].

أسأل الله تعالى بأسمائه الـحسنى وصفاته العلا أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجعله ذخرًا لي عنده يوم القيامة: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88، 89]، كما أسأله سبحانه أن ينفع به طلاب العلم الكـــــرام، وآخــر دعوانا أن الـحمد لله رب العالمين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه، والتابعين لـهم بإحسان إلى يوم الدين.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 17-02-2023, 07:08 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,458
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد

كيف تخاطب جمعا من الناس دون خوف؟

أسامة طبش



لا بدَّ خلال مسيرة حياتنا أن نُوضع في مواقف نخاطب فيها غيرنا، فتكون الأعين مركزة علينا ونستأثر بالاهتمام، ما يُولِّد لدينا شعورًا بالقلق والتوجس، تزداد وتيرته باقتراب الموعد، فنرتبك لتَضيع فرص سانحة، كنا مؤهلين لاقتناصها لولا هذا العائق العارض، وسنَقترح عبر هذا الموضوع حلولًا جالبة للسكينة والطمأنينة، لأن الأمر يتعلق في جانبه الأكبر بالأحاسيس والمشاعر:



تَمكَّن جيدًا من الموضوع الذي ستعرضه، وادرسه وتابع تفاصيله، وتَوقَّع الأسئلة التي ترِد بشأنه، حتى تكتسب سرعة البديهة، فتتعامل معها بالشكل الأمثل.




رَدِّد بصوت جهوري النص الذي ستُلقيه، ودَرِّب نفسك على فترات التوقف، ثم واصل الكلام، وكأنك تُحاكي الموقف الحاسم الذي ستَعيشه.





اختر مجموعة من الأشخاص الذين لك علاقة وطيدة بهم، وخُض هذه التجربة معهم، فلن تُحسَّ بالإحراج، فتكون قد خَطوتَ خُطوة في سبيل التحضير.





تَكلَّم بحماس، وانقل هذا الإحساس إلى الآخرين، فأبرز وسيلة لإثارة اهتمامهم، طاقتك ورغبتك في تحفيزهم، ولذلك أَثَرٌ عليهم، ما سيُحرِّرك من قيود خوفك.





خُذ بين الفينة والأخرى نفسًا عميقًا، وتَذكَّر الأشياء الإيجابية، والمواقف التي خُضتها فنجحت فيها، هذا ما سيُقلِّل منسوب التوجس لديك.





اربط علاقات حبيَّة مع من تتواصل معهم، ولو بالمزاح والبسمة، وامنحهم الانطباع بأن يَتقبَّلوا هفواتك، فهم يعلمون أن الموقف الذي وُضعت فيه صعب على غالبيتهم.





خاطبهم ونظرك يجول عبر أرجاء القاعة، واستعمل الإيماءات، أَتذكَّر موقفًا خَبرْتُه، حيث انتابني القلق في البداية، لكنني بادرت وبدأت بالحديث، وأنا أنظر إلى الحضور كيف هي آذانهم صاغية، فأحسست بالنشوة وازدادت ثقتي بنفسي، وفي آخر الكلمة، أُعجبوا بطريقة الإلقاء، حيث نجحت في احتوائهم.








هذه المواقف غير سهلة على أغلبنا لأنها تُثير الحرج، والقلق بشأنها معقول، إنما يجب أن لا يكون عائقًا يحول دون الوصول إلى الأهداف، بالأخص وأنها مطلوبة في مجال العمل، والمقابلات التي تُجرى قبل التوظيف، فالتدرب على حلول التغلب على صعوباتها سبيلٌ إلى النجاح.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 219.46 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 213.57 كيلو بايت... تم توفير 5.89 كيلو بايت...بمعدل (2.68%)]