من مشاهير علماء المسلمين .. - الصفحة 8 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         سِيَرِ أعلام المحدثين من الصحابة والتابعين .....يوميا فى رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 6 - عددالزوار : 326 )           »          كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 6 - عددالزوار : 271 )           »          نصائح ومواعظ للاسرة المسلمة______ يوميا فى رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 6 - عددالزوار : 207 )           »          فوائد الصيام.. كيف تنعش صحتك لشهر كامل؟ يوميا فى رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 6 - عددالزوار : 319 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5189 - عددالزوار : 2499350 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4784 - عددالزوار : 1835467 )           »          سحور 7 رمضان.. طريقة عمل الفطير السريع بالجبنة في الطاسة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          يهدى للتى هي أقوم || الشيخ مصطفى العدوي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 4 - عددالزوار : 74 )           »          هذا زوجي فضيلة الشيخ سعد عرفات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 5 - عددالزوار : 71 )           »          قصة آية الشيخ د أحمد جلال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 6 - عددالزوار : 90 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العام > الملتقى العام > ملتقى أعلام وشخصيات
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى أعلام وشخصيات ملتقى يختص بعرض السير التاريخية للشخصيات الاسلامية والعربية والعالمية من مفكرين وأدباء وسياسيين بارزين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 09-08-2022, 03:41 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,462
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

فضل الحضارة الإسلامية على العلوم الطبية

د . هناء إسماعيل





عندما جاء الإسلام اهتم العرب منذ فجره بشتى ضروب المعرفة والعلوم، وصاحب الانتصارات الحربية الرائعة، تقدم الثقافة وازدهار الفكر على صعيد جميع العلوم والمعارف النظرية التطبيقية بالإضافة إلى مختلف الفنون والصناعات.
وكان الاهتمام الكبير الذي أولته الدولة الإسلامية بالعلم والعلماء عاملاً هيأ الظروف الملائمة لانتشار التعليم، فما لبثت العلوم والطب أن اكتسيا ثوبًا جديدًا، بل نفخت فيهما الروح من جديد. فلقد شجع نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم نفسه دراسة الطب وقال: "تداووا فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهِرَم"[رواه أبو داود].
حافظ العلماء المسلمون على تراث المعرفة الإغريقية فاحترموه وقدروه ونهضوا به وطوروه، وكان ذلك إسهامًا عظيمًا في تقدم الطب، فقد ترجم المسلمون إلى العربية مؤلفات جالين وغيره، ووزعوها على المراكز العلمية في مختلف أنحاء الدولة الإسلامية، فكان لهذا العمل العظيم والجليل فوائده العلمية الكبيرة والجمة.
وقد أسهم ولاة المسلمين كذلك في نهضة علم المعالجة بالعقاقير، بل يعتقد الكثيرون أن الكلمة الإنجليزية Drug المرادفة للعقار الطبي، مشتقة من أصل عربي، كما هو الحال في آلاف المصطلحات الأخرى.
كذلك أنشأ الولاة المسلمون المستشفيات التعليمية الكبيرة والمستوصفات العامة في سائر أنحاء الدولة الإسلامية.
ومن حسن حظ العلوم الطبية أنها حظيت بالنصيب الأوفى بفضل هذا التشجيع المعنوي والمادي من الخلفاء وأولي الأمر والثراء، لاسيما خلال الحقبة الواقعة بين الأعوام 800 – 1200م.
وهذا الازدهار شمل جميع الدول الإسلامية من الشرق في الشام إلى الغرب في الأندلس، وكان لمصر الإسلامية النصيب الأكبر في هذا التقدم الحضاري، فقد أعطت لدنيا العلوم الطبية الكثير، واعتبرت أحد ينابيع الفكر العربي.. فقد أعطت ما لم تعطه الولايات الإسلامية الأخرى حضارة وعلمًا وفنًّا وفكرًا وابتكارًا، فبعد أن من الله عليها بالفتح الإسلامي سنة 21هـ في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، التقت حضارة العرب القادمين من شبه الجزيرة العربية بحضارة الفراعنة التي تسلمها أبناء النيل، وقد عكس المسلمون ضوء الشمس الغاربة للحضارات الفرعونية واليونانية، وكان لهم فضل الحفاظ على العلوم الطبية؛ لأن الرومان لم يحسنوا القيام على هذا التراث، بينما العرب المسلمون تسلموه وأتقنوه وأبدعوا فيه وأضافوا إليه.
كان هذا الالتقاء الحضاري نتيجة مباشرة في دفع عجلة التقدم في شتى ميادين العلوم والمعرفة والصناعات والنظم الإدارية، كما صاحب الفتوح الإسلامية إنشاء المدارس، ومن أروع مظاهر الحضارة الإسلامية مدارس الطب، فمنذ قيام الدولة الإسلامية كانت المساجد معاهد عامة لتعليم الشريعة فضلاً عن أنها دور للعبادة، وكان أول معهد هو الذي أنشأه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في مسجد المدينة، بعد هجرته في السنة الأولى.
وبمرور الزمن أصبحت المساجد كلها جامعات إسلامية، وصار اسم المسجد "جامع"، واليوم نحن نسمي مؤسستنا العلمية الكبيرة الشاملة بمؤنث "جامع" أي "جامعة"، وأصبح يدرس فيها مختلف علوم الدنيا والدين .
واشتهر عمر بن منصور البهابري، ومحمد بن عبد الله المصري، بتدريس الطب في الجامع الطولوني الذي أنشاه أحمد بن طولون، مؤسس الدولة الطولونية في مصر في خلال القرن الثالث الهجري، كما اشتهر عبد اللطيف البغدادي الذي كان يدرس الطب في الجامع الأزهر (وقد أنشأ في زمن المعز لدين الله الفاطمي، مؤسس الدولة الفاطمية في مصر، خلال القرن الرابع الهجري).
كما أُنشئت بيوت الحكمة (أي خزائن الكتب) لجمع الكتب من مختلف العلوم لحفظها وترجمتها، وكانت أول دار حكمة هي دار الحكمة القياسية، التي أنشئت في زمن هارون الرشيد (القرن الثاني الهجري)، وجمع له البرامكة كتب الهند القيمة، وكتب فارس، واليونان، ونشطت حركة الترجمة، وفي عصر المأمون في أول القرن الثالث الهجري، فأصبحت دار الحكمة أكاديمية للبحث العلمي في مختلف العلوم، وخصوصًا العلوم الطبية، وأضاف العرب علومهم إلى ما ترجموه من علوم الأمم الأخرى.
ولما انتشرت العلوم وازدادت المؤلفات، وبلغ شغف الناس بالعلوم مبلغًا كبيرًا لم تعد دور الحكمة تفي بالغرض، فأنشئت دور العلوم لتلقى فيها المحاضرات، وأولها دار علم الموصلي (في القرن الثالث الهجري).
ثم ظهرت المدارس التي أنشئت عن طريق الأساتذة والأثرياء، وابتدأت بدار يجتمع فيها الأستاذ مع طلابه، وأقدم مدرسة هي مدرسة أبي بكر بن فورك الأصبهاني (القرن الخامس الهجري) في نيسابور، وكانت تدرس فيها مختلف العلوم، ثم أصبحت تلك المدارس "حكومية"، وأول مدرسة حكومية هي المدرسة النظامية التي أنشأها نظام الملك (في القرن الخامس في بغداد وخراسان).
وهنا تجدر الإشارة إلى أن العرب المسلمين هم أول من جعل التدريس من واجبات الدولة، وأول من عرفوا تأميم الطب والعلاج.
ويعد الرازي واحدًا من أشهر الأطباء المسلمين، فقد ألف في القرن العاشر الهجري أكثر من ثلاثمائة كتاب في الطب، كما وضع موسوعة طبية كاملة، واشتهر كذلك الطبيب المسلم ابن سينا، حتى أصبح كتابه "القانون في الطب" واحدًا من أهم المراجع الدراسية في المدارس الطبية خلال العصور الوسطى، واشتهر طبيب مسلم آخر في قرطبة وهو الزهراوي، الذي كتب في القرن العاشر كتابًا يستعرض فيه بالتفصيل كل المعارف الطبية في زمنه، كما ألف كتابًا مصورًا في الجراحة يعتبر الأول من نوعه في تاريخ الطب، وضمنه صورًا للأدوات التي تستخدم في علوم الجراحة.
ومن أمثلة دور العلم الطبية (دار ابن سينا)، فكان يجتمع فيها طلبة العلم، منهم من يقرأ في كتاب القانون، وآخر يقرأ في طرق الشفاء، وكان التدريس يتم ليلاً لعدم وجود فراغ خلال النهار بسبب خدمة السلطان والأمراء، ومن أهم المدارس الطبية أيضًا المدرسة الدخوارية بالشام، التي أنشأها أبو محمد بن علي بن حامد المعروف بالدخوار، وكان كحالاً (أي طبيبًا للعيون)، وتتلمذ على يديه كثير من أطباء دمشق، وكان أستاذًا ببيمارستان النوري الكبير، ثم بعد وفاته أوقفت داره وجعلت مدرسة للطب، وكذلك المدرسة الدينسرية التي أنشأها عماد الدين الدينسري، ولكن دور العلم والمدارس الطبية لم تف بالغرض المطلوب؛ لأن الطب من العلوم التجريبية التي لا تصلح لها هذه المعاهد، فكان لابد من الدراسة العملية، ولذلك ظلت البيمارستانات هي كليات الطب المفضلة لتدريس المقررات للطالب، حيث إنها مكان تتوافر فيه الحالات المرضية وطرق العلاج.
والبيمارستان هي كلمة فارسية تتكون من شقين "بيمار" بمعنى المرض، و"ستان" بمعنى مكان، أي أن معناها مجتمعة "مكان المرض" ثم حورت في العصور الحديثة إلى كلمة مارستان، أصبحت لفترة طويلة تطلق على دور العلاج العقلي، حتى صارت التعبير العامي لهذا النوع من المستشفيات.
بذلك أنشئت المدارس الطبية العلمية، أو البيمارستانات التعليمية، وأهمها البيمارستان المقتدري في القرن الرابع الهجري في بغداد، وقد هدمه المغول، والبيمارستان النوري الكبير في دمشق (في القرن السادس الهجري) ، والبيمارستان العضدي في بغداد، والمنصوري بالقاهرة، الذي أنشأه المنصور سيف الدين قلاوون، (في القرن السابع الهجري)، وكان يشرف على البيمارستان ويدرس الطب فيه علماء شهد لهم التاريخ؛ ففي البيمارستان العضدي كان ابن بطلان، وابن التلميذ، وسنان بن قرة ، وفي المقتدري كان الواسطي. وفي النوري: ابن الدخوار، وابن النفيس، وابن أبي أصيبعة.
أما بيمارستان قلاوون في القاهرة فكان أعظم مستشفى، وكلية طبية في تاريخ مصر خلال العصور الوسطى، وكان يشرف على رئاسته كبير أطباء، وهو ما يقابل اليوم عندنا "عميد كلية الطب"، وكان يتم اختياره من كبار الأطباء، وأحسنهم سمعة وعلمًا، وكان الإشراف على البيمارستان يعتبر من وظائف الدولة المهمة ولرئيسه حق مقابلة السلطان في أي وقت، كما كان للبيمارستان قسمان: قسم للرجال، وآخر للنساء، وكل قسم من الأقسام الداخلية يشمل تخصصات عدة مثل: طب العيون – الجراحة – الإسهال والحمى – الأمراض العقلية والنفسية...إلخ.
كما كان قسم خارجي يتردد عليه حوالي 4000 مريض يوميًا يصرف لهم أصناف جيدة من العلاج، وكان كل قسم يشرف عليه رئيس، وكان لرئيس الأطباء ورؤساء الفروع فقط الإذن بمزاولة فنون الطب لمن يرونه صالحًا من الطلاب الدارسين بالبيمارستان، وكان يعاون المدرسين أو الأساتذة طوائف المعيدين، فنظام المعيدين هو أصلاً من ابتكار التعليم الإسلامي، وكان للمعبد واجبات منها ما ذكره القلقشندي (إذا ألقى المدرس الدرس وانصرف أعاد الطلبة ما ألقاه المدرس ليفهموه ويحسنوه).
كان الالتحاق بالمدرسة الطبية أو البيمارستان سهلاً، إذ يذهب الطالب إلى حيث يجلس الأستاذ، ويستمع إليه، والطالب حر في اختيار مقررات الدراسة، بل ودراسة ما يرغب فيه وحرية التنقل من أستاذ إلى آخر، حتى تكون الدراسة على هواه، ولا تفرض عليه في هيئة برامج أو مقررات إجبارية، ولم يكن الأمر فوضى كما قد يتبادر إلى الذهن، ولكن كانت هناك كتب أساسية يجب أن يدرسها الطالب، ولا يمكنه الحصول على إجازته إذا لم يتقن هذه الكتب.
ولعل الكثيرين يعلمون أن هذا النظام انتهى من عندنا نحن مبدعيه، وانتقل إلى الدول المتقدمة على رأسها الولايات المتحدة وأوروبا، ومازال قائمًا ويطبق لديهم حتى اليوم، فالطالب الذي يدرس دراسات عليا أو عادية يختار أستاذه والمقررات أو البرامج التي سيدرسها بنفسه وبحرية كاملة، ولا تفرض عليه أو يفرض عليه أستاذه أو مشرفيه. ولكن من يعترف اليوم بهذا الإبداع العظيم للعرب، وفضل الحضارة الإسلامية على العلوم وطرق المناهج والتدريس؟
وتمر ستة قرون كاملة بعد هذا الإبداع الإسلامي، ونجد في عام 1537م طبيبًا بلجيكيًا، بل عالمًا من علماء جامعة لوفان، هو أندريه فيزالوس، يترجم الكتاب التاسع من كتب الرازي إلى اللغات الأوروبية، وما لبث فيزالوس أن عين أستاذًا للتشريح في جامعة بادوا، وفي عهده أدخلت كلية الطب في جامعة بادوا الأساليب الإسلامية الجديدة في ممارسة الطب، التي ما لبثت أن انتشرت في سائر أوروبا وأسهمت إسهامًا كبيرًا في تقدم الطب في أوروبا.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 17-08-2022, 05:20 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,462
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

مظاهر العناية بالصحة في تاريخ المسلمين


فاطمة حافظ

ينظر الإسلام إلى الصحة باعتبارها ضرورة إنسانية وحاجة أساسية وليست ترفا أو أمرا كماليا؛ فحياة الإنسان لها حرمتها وقداستها ولا يجوز التفريط فيها ولا إهدارها كما تدل على ذلك النصوص القطعية كقوله تعالى: { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} (المائدة: 32) ، وقول نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم: { من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا } (صحيح الترمذي )، وهذه النصوص وأمثالها تبرهن على حث المسلمين الاهتمام والعناية بالصحة ودعت إلى المحافظة عليها.
دستور الإسلام الوقائي

ينفرد الإسلام بين الشرائع بأن تعاليمه تشمل ما هو ديني من عقائد وشرائع وأحكام وما هو دنيوي من آداب تنظم عمل مجالات الاقتصاد والتجارة والصحة وغيرها، ويفترض الدكتور شوقي الفنجري في كتابه (الطب الوقائي في الإسلام) أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي جاء بما يسميه دستور أو بروتوكول الطب الوقائي وهو يحوي عددا من العناصر ومن أهمها:
  • صحة البيئة ونظافتها: وتشمل نظافة الأبدان والطعام والشراب والشوارع والطرقات وموارد المياه.
  • منع انتشار الأمراض المعدية: وتشمل عزل المريض والحجر الصحي وعدم الانتقال إلى المناطق المصابة بالوباء.
  • مكافحة الحيوانات والقوارض والحشرات الناقلة للأمراض، ومن ذلك أمره بإبادة الفئران والعقارب والكلاب العقورة والحشرات الضارة الناقلة للأمراض.
  • التغذية السليمة للأبدان: وتتفرع إلى أقسام ثلاثة هي؛ الحث على تناول الطعام الجيد المتضمن للعناصر الغذائية التي يحتاجها الجسم، ومنع الإسراف في الطعام وملء البطون حتى التخمة، وتحريم الضار من الطعام كالميتة ولحم الخنزير.
  • الاهتمام بالصحة النفسية والعقلية : وهي تعاليم الإسلام لمنع الإجهاد النفسي ومنها عدم الجزع عند المصيبة والتسليم بقضاء الله.
  • الاهتمام باللياقة البدنية، وذلك بالحث على النشاط البدني والدعوة إلى ممارسة الرياضات المفيدة وذم الخمول والتبطل.
  • رعاية المسنين والأطفال والنساء الحوامل: وذلك بالتخفيف عليهم وعدم تحميلهم ما لا يطيقون القيام به من أعباء. [1]
وقد أفلح المسلمون عبر تاريخهم في تحويل هذه التعاليم النظرية في صورة إجراءات عملية ملموسة، حيث اتجهت الدولة إلى تشييد (البيمارستانات) على اختلافها لعلاج المرضى، وتوسعت في عمليات شق الترع وتطهير مصادر المياه، وأقامت المحتسب ليراقب الأسواق ويتابع الإجراءات الصحية بها، وسنت التشريعات التي تكفل المحافظة على البيئة، وما إلى ذلك من إجراءات تكشف عن السياسة الصحية وهو ما نحاول بيانه في السطور التالية.
السياسة الصحية ودور الدولة في تطبيقها

شغل المسلمون في بدء ظهور الإسلام بفتح الممالك وتشييد بنيان الدولة، وما أن أدركوا بعضا من ذلك حتى أخذت ميولهم نحو العلم والتمدن تظهر منذ عهد الدولة الأموية رغم قرب عهدهم بالبداوة حيث تقدم خالد بن يزيد بن معاوية إلى المترجمين وطلب منهم ترجمة كتب الحكمة والطب والكيمياء من اليونانية إلى العربية، وجاء من بعده مروان بن الحكم وطلب من الحكيم سرجيس نقل كتب الطب اليونانية الشهيرة ثم جاء عمر بن عبد العزيز فوجدها في خزائن كتب بني أمية فأمر بأن توزع على الأطباء للعمل بما فيها.
وكذلك اتجه الخلفاء نحو تشييد البيمارستانات أو المستشفيات والإنفاق عليها وتوفير الأدوية لها، ومن أقدمها بيمارستان جنديسابور الذي شيد في عصر أبي جعفر المنصور وكان يترأسه جورجيس بن بختيشوع الذي ترجم جملة من الكتب الطبية بأمر من الخليفة المنصور، ثم كثرت بعد ذلك البيمارستانات وانتشرت في مصر والشام والعراق والحجاز، وكان يختار لها أمهر الأطباء ويجعلون للجميع رئيسا عاما (مديرا للأطباء)[2]، وقد تعددت أنواع البيمارستان وكان منها “البيمارستان النقال” وهو مستشفى متنقل مجهز بالأدوية والمعدات الطبية وكل ما يعين على مداوة المرضى، وكان ينقل من بلد إلى آخر من البلدان التي تخلو من بيمارستان ثابت أو التي يظهر بها وباء أو مرض معدي أو يصاحب الحجيج في رحلاتهم إلى الديار المقدسة، ومنها أيضا ” البيمارستان العسكري” وهو الذي يرافق الجند في ميادين القتال ويعمل به فريق من الأطباء والصيادلة والممرضين، كما كانت هناك بيمارستانات عمومية تعالج كافة الأمراض وأخرى تخصصية تعالج أمراضا بعينها كالأمراض المعدية التي كان يعزل بها المرضى عن الأصحاء، والأمراض العقلية وغير ذلك.
اقرأ أيضا :
العناية الطبية بالفقراء في الحضارة الإسلامية
الحسبة والصحة العمومية

وتعد الحسبة كذلك من الآليات التي لعبت دورا لا ينكر في حفظ الصحة العامة رغم أنها من الوظائف الدينية، ويكفى أن يطالع المرء بعضا مما نصت عليه كتب الحسبة[3] من الواجبات التي ينبغي أن يلتزم بها أرباب المهن والحرف وعلى الأخص المتعلقة بالمأكل والمشرب، وكذلك الضوابط الواجب اتباعها للحفاظ على البيئة من نظافة الشوارع والطرق، وتطهير موارد المياه والاهتمام بالحيوانات.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن المحتسب اضطلع بمهمة الإشراف على تطبيق السياسة الصحية وردع الخارجين عليها، ويمكن إيضاح الدور الكبير الذي لعبه المحتسب أو بالأحرى مؤسسة الحسبة في حفظ الصحة العامة من خلال العناصر التالية:
  • ضبط الممارسة الطبية: كان في طليعة مهام المحتسب إلزام الأطباء والمعالجين بضرورة تعلم أصول ومبادئ المهنة على يد الحكماء المعتمدين، وقراءة الكتب الطبية الشهيرة لابن سينا والرازي وحنين بن إسحاق، ومن لم يثبت تحصيله ما فيها كان يمنع من ممارسة المهنة حتى يحصل ما فيها، كما كان يتولى أخذ قسم أبوقراط من الأطباء قبيل مزاولة المهنة ومن خلاله يتعهد بعدم إعطاء المريض دواء ضارا أو مهلكا، وعدم إسقاط أجنة الحوامل، وعدم إفشاء أسرار المريض وغيرها من المبادئ الخلقية الرامية إلى وضع إطار أخلاقي لممارسة المهنة.
  • الحفاظ على البيئة ومنع التلوث: شملت مهام المحتسب المحافظة على البيئة نظيفة ومحاربة التلوث من خلال مكافحة طرح القمامة في الشوارع، ومنع وضع مخلفات في السبل والأنهار، أو ترك مياه الأمطار في الشوارع، كما كان من صلاحياته تنظيم الأسواق على نحو يحقق قواعد الصحة العامة كأن يمنع السماكين من وضع السمك في الحوانيت دون غطاء، كما كان يمنع القصابين من الذبح في الطريق حتى لا يتلوث بالدم والروث.
  • مراقبة الأطعمة وقدور الطعام: اهتم المحتسب بكل ما يقدم في الأسواق من طعام أو شراب، فكان يفحص كل ما يقدم من طعام يقدم في الأسواق، ويفتش هو ونوابه على المطاعم والحوانيت في جولات تفتيشية للتأكد من نظافة الأواني والقدور ومعاينة ما بها من مأكول أو مشروب، والتأكد من سلامتها وإعدام ما فسد منها، كما كان يتشدد مع الباعة الجائلين الذين يقطعون الشوارع لبيع الطعام المطبوخ ويبيعونه للمنازل، وكثيرا ما كان يطالبهم بغسلها بالماء الحار والصابون، وتغطيتها وحفظها من الذباب والهوام[4].
  • الإشراف على أرباب الحرف الغذائية: خضع كثير من أرباب الحرف المتصلة بحياة الإنسان إلى رقابة المحتسب، ويمكن أن نسوق بضع أمثلة لذلك من مثل الخبازين والطحانين الذين كانوا موضع عناية المحتسب لأن الغلال والحبوب أهم ما يقتات عليه الإنسان، فكان يصدر تعليماته إلى الطحانين بعدم خلط رديء الحنطة بجيدها، ولا جديدها بعتيقها، ويأمر الخبازين برفع سقاف المخابز لأجل التهوية، وأن يجعلوا بها مداخن لإخراج الدخان، وألزمهم باتباع قواعد النظافة بتنظيف الأفران وتغطية قدور العجن بأقمشة نظيفة، وعدم استخدام أقدامهم أو مرافقهم في العجن، وارتداء ملابس غير متسعة لئلا يتساقط العرق منهم أثناء العجن، وزيادة في التحرز طالبهم بوضع عصابة بيضاء على الجبين لامتصاص العرق، ويلزمهم بنخل الدقيق بمناخل ضيقة لحجب الشوائب، وضرورة ترك العجين مدة للاختمار قبل خبزه.
وكان بائعي اللبن أو من كان يطلق عليهم ” السمانين” ملزمين بغسل أوعيته جيدا بالماء والصابون وتغطيتها حتى وإن كانت فارغة حتى لا يأتيها حيوان أو تقربها الهوام، وكذلك يفعلون مع الأواني التي يقدم فيها اللبن إلى الزبائن ويتعين عليهم غسلها بالماء المطلق كل إناء على حدة، وأما من يخالف هذه التعليمات ويلوث اللبن فإنه يغرم ثمنه لمشتريه[5].
ومثلهم باعة الزيوت فقد حظر عليهم عصر السمسم لعمل السيرج قبيل غسل السمسم وتحميصه ودقه ثم طحنه، وعليهم غسل أرجلهم بالمحكة وارتداء ملابس ضيقة عند الوسط وتغطية وجوههم حتى لا يتطرق العرق إلى الزيت المستخرج.
ختاما يمكن القول إن المسلمين استنبطوا من النصوص والمبادئ الإسلامية المتعلقة بالصحة سياسات قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، وقد اضطلعت مؤسسة الدولة ومؤسسة الحسبة بمهمة تنفيذها.
الهوامش :

[1] شوقي أحمد الفنجري، الطب الوقائي في الإسلام: تعاليم الإسلام الطبية في ضوء العلم الحديث، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1991، ص 11-14.

[2] رفيق العظم، الأشباه والنظائر في قوانين حفظ الصحة في عصور المدنية الإسلامية وفي هذا العصر، دمشق: مجلة المجمع العلمي العربي، 1924، مج 4، ج 3، ص 100-103.

[3] من أشهر كتب الحسبة، المدخل لابن الحاج، ونهاية الرتبة في طلب الحسبة لابن بسام، ومعالم القربة في أحكام الحسبة لابن الأخوة.

[4] محمد جمعة عبد الهادي موسى، الحسبة على البيئة بمصر وبلاد الحرمين عصر سلاطين المماليك: دراسة مقارنة، عمان: دار أمجد للنشر والتوزيع، 2017، ص 140-149.


[5] ابن الحاج، المدخل، القاهرة: دار التراث، ج 4، ص 149.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 04-09-2022, 05:47 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,462
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

حنين بن إسحاق شيخ المترجمين وأحد مؤسسي الطب الإسلامي


نورالدين قلالة



حنين بن إسحاق مؤرخ ومترجم وأحد مؤسسي الطب الإسلامي، يعد من كبار المترجمين في العصر العباسي. كان بارعا في لغة اليونان وفي الترجمة عموما حتى لُقب بـ “شيخ المترجمين” لإتقانه عدة لغات كالسريانية والفارسية واليونانية. كما يشهد له بدور بارز في إزدهار اللغة العربية كلغة للعلم وكونه علاَّمة وقته في الطِب، ومُعرّب كتاب “إِقليدس” فضلا عن تأليفه العديد من الكتب القية التي لا زالات تُدرّس ليومنا هذا.
يعد حنين بن إسحاق أهم مترجم إلى العربية على مر العصور، وكان يجيد – بالإضافة للعربية- السريانية والفارسية واليونانية. قام بترجمة أعمال غالينوس وأبقراط وأرسطو والعهد القديم من اليونانية، وقد حفظت بعض ترجماته أعمال جالينوس وغيره من الضياع.
لا يمكن لأي طالب علم أو باحث متخصص أن ينكر جهود حنين بن إسحاق الشاقة في الترجمة، خاصة في جلب صفوة الأعمال والمعرفة الطبية اليونانية القديمة إلى الشعوب العربية والسيريانية، فقد جلب هذا المترجم العبقري والمؤرخ الفذ أسلوبا عمليا جعل من اللغة العربية لغة علم عالمية، من خلال ترجمته جميع المصطلحات الأجنبية في كتابته بمنتهى الحرص والدقة وعدم الاكتفاء بكتابتها ونسخها بحروف عربية.
من هو شيخ المترجمين حنين بن إسحاق؟

هو أبو زيد حنين بن إسحاق العبادي (عـُرف في اللاتينية بإسم Johannitius) ولد في الحيرة عام (194هـ = 810م)، لأب مسيحي يشتغل بالصيدلة والصيرفة. ويعتبر حنين بن إسحاق مؤرخ ومترجم من كبار المترجمين في العصر العباسي، وهو من الأطباء النقلة الذين نقلوا كتب الطب وغيره من اللسان اليوناني إلى اللسان العربي وذكر الذين نقلوا لهم، كان عالما باللغات الأربع غريبها ومستعملها العربية والسريانية واليونانية والفارسية ونقله في غاية من الجودة.
وقد جاء في كتاب “سير أعلام النبلاء” عن حنين بن إسحاق أنه “العِباديُّ النصرانِي علاَّمة وقته في الطِب، وكان بارعا في لغة اليونان. عرّب كتاب إِقليدس وله تصاننيف عدة. مات في صفر سنة ستين ومائتين. وكان ابنه إسحاق بن حنين من كبار الأطباء أيضا”.
عرف عن حنين بن إسحاق أن ترجمته للكتب من الإغريقية إلى العربية لا تحتاج أبدا إلى تصحيح، ولذلك لإتقانه اللغتين بدرجة كبيرة حتى لقب “بشيخ المترجمين”، وهو أحد مؤسسي الطب الإسلامي.
عينه الخليفة العباسي المأمون مسؤولا عن بيت الحكمة وديوان الترجمة، وكان يعطيه بعض الذهب مقابل ما يترجمه إلى العربية من الكتب. ورحل كثيرا إلى فارس وبلاد الروم وعاصر تسعة من الخلفاء، وله العديد من الكتب والمترجمات التى تزيد عن المائة، وأصبح المرجع الأكبر للمترجمين جميعا ورئيسا لطب العيون، حتى أصبحت مقالاته العشرة في العين، أقدم مؤلف على الطريقة العلمية في طب العيون وأقدم كتاب مدرسي منتظم عرفه تاريخ البحث العلمى في أمراض العين.
حياته العلمية وعلاقته بالخلفاء

عاصر حنين ابن إسحاق، بعد مقتل المتوكل على الله (232 ـ 247هـ) خمسة من الخلفاء العباسيين وتوفي أيام الخليفة المعتمد. وقد حاول في بداية حياته العلمية دراسة الطب في بغداد، أولا، على يد يوحنا ابن ماسويه، فلم يوفق بسبب موقف ابن ماسويه السلبي منه. فقد كان ابن ماسويه متعصباً لأهل الأهواز وكان يقلل من شأن أهل الحيرة، وربما نَفَرَ ابن ماسويه من كثرة أسئلة حُنين فانتهره فغادر حُنين بغداد إلى الأهواز ثم إلى الشام والإسكندرية وبلاد الروم، مصمماً أن يُتقِنَ اللغة الإغريقية وأن ينهي دراساته الطبية النظرية، وأن يبرهن على جدارته وأنه أهل لأن يتعلم الطب. وبذلك غاب عن بغداد بضع سنين ثم عاد إليها وقد بَرَعَ باللغة اليونانية، وصار قادراً على الترجمة منها بكفاية متميزة.
وفي بغداد اتصل بأبي عيسى جبرائيل بن بختيشوع، وبعد ذلك رغب إلى يوسف بن إبراهيم أن يُطْلِعَ ابن ماسويه على أنموذجٍ من ترجماته، ففعل ذلك، وكانت هذه الترجمات من الدقة بحيث أن ابن ماسويه كاد أن لا يصدق ما يرى ويسمع. ثم بعدها سأل يوسف بن إبراهيم أن يُصْلِحَ الأمر بينه وبين حُنين ففعل. وعادا إلى التصافي والتعاون، حتى إن ابن ماسويه أهدى إلى حُنين أحد أهم كتبه وهو “الفصول”.
أهم مترجمي بغداد ورئيس أطبائها

وصلت شهرة حنين بن إسحاق إلى الخليفة المأمون الذي طلب منه القيام بترجمة بعض النصوص اليونانية الهامة إلى العربية كما طلب إليه تصحيح بعض الترجمات القديمة وغدا حُنين من المقربين في بلاط المأمون وبلاط المعتصم بعد وفاة المأمون، وكان أيضاً على صداقة قوية بسلمويه بن بنان، رئيس أطباء بغداد، وكانت هذه الصداقة معيناً لحنين في بلاط الخلفاء العباسيين، فقد كان يحضر مجالس كبار العلماء الذين كانوا في بلاط الخليفة الواثق (227-232هـ).
استمر نجم حُنين في الصعود أيام المتوكل على الله (232 ـ 247هـ)، فصار من أهم مترجمي بغداد ورئيسا لأطبائها، إلا أنه عانى معاناة شديدة من مزاج الخليفة المتقلب، الذي نكبه مرتين: الأولى عندما رفض حُنين أن يصف للخليفة سُماً لقتل أحد أعدائه، وذلك بسبب رادع الدين لديه وأخلاق مهنة الطب عنده؛ والثانية عندما اتُهِمَ حُنين بالزندقة، ورضخ المتوكل لوشاية حُسَّاد حُنين من أطباء بغداد ودسائسهم؛ لكن المتوكل ما لبث أن أعاد الاعتبار لحنين واعتذر له، إلا أن مكتبة حُنين التي صُودِرَت في نكبته الثانية لم تعد إليه لأنها تفرقت وضاعت. وكانت هذه المكتبة تحتوي على أندر المخطوطات التي قام برحلاتٍ كثيرة وطويلة على مدى سنين يجمعها، من الجزيرة الفراتية والشام وفلسطين ومصر وبلاد الروم.
حنين بن إسحاق والطّب

خلال حياته كتب حنين بن إسحاق 116 كتابا في مختلف العلوم والطب، منها 21 كتابا في الطب. وقد شاركه في عمله في ترجمة الكتب الإغريقية ابنه إسحاق بن حنين، وكذلك ابن عمه “حبيش”، الذي كان يترجم الكتب السريانية إلى العربية ويلخصها، مما جعل العلماء والأطباء العرب في خلال مائة عام ملمون بجميع المعلومات في الطب الإغريقي، وأضافوا إليه الكثير بعد ممارستهم الطب وزادت خبرتهم في مجال تشخيص الأمراض التي لم تكن معروفة قبل ذلك الوقت. وأضافوا طرق علاج جديدة لمختلف الأمراض.
ومن أهم مؤلفاته كتاب “الأجلوكان في شفاء الأمراض”، وهو ملخص كتاب “جالينيوس”، بجانب خبرته في تشخيص وعلاج الأمراض. ويتكون الكتاب من جزئيين، وبه تفاصيل كاملة عن الحميات والأمراض الالتهابية المختلفة، بجانب وصف كامل لتحضير عدد 150 دواء.
تقنيات حنين بن إسحاق في الترجمة

كان حنين بن إسحاق على عكس المترجمين في الحقبة العباسية، فكان ضد ترجمة النص كلمة بكلمة، بل كان يحاول الحصول على المعنى من الموضوع والجمل بالكليه ثم يعيد كتابة المعلومات في مخطوطة أخرى باللغة السريانية أو العربية.
كما يجمع نصوصا من مجموعات مختلفة من كتب تدور حول موضوع ما، يعدلها ويحسّن معنى الموضوع، فساعدت طريقته خلال 100 سنة بجمع كل المعرفة اليونانية تقريبا في الطب.
كان تلامذته يبتعدون في ترجماتهم عن أسلوب النقل الحرفي وعن التقيد الألفاظ، ويحرصون على المعنى بأبسط الصور وأوضحها، لذلك نجحت ترجماتهم نجاحا ملفتا، وقد لاحظ حنين مدى افتقار اللغة العربية إلى المصطلحات العلمية والفلسفية التي تزخر بها اللغات الأخرى كاليونانية والسريانية والفارسية، فلجأ إلى أساليب عدة في وضع المصطلح العلمي بالعربية، كالاشتقاق والمجاز أو الافتراض. وحرص على اختيار المصطلحات الفنية المناسبة التي لم يتمكن التراجمة الأوائل من وضعها، وقام ُحنين بهذه المهمة وحيدا، وقد كتب المصطلحات التي استعملها دون الاستعانه بجهود اللغويين، فثبتها كل المؤلفين الذين جاؤوا بعده.
“أسئلة عن الطب” و”علم أمراض العيون”
مؤلفات حنين بن إسحاق كثيرة ولها دور رئيسي في تاريخ الطب، ومن المعروف أن حنين بن إسحاق لم يمتلك الوقت الكافي لممارسة التطبيب عمليا، في عيادة خاصة به.
وكتابه “أسئلة عن الطب” من الكتب المهمة في التدريس لطلبة الطب، ويعد دليلاً رائعاً للأطباء في بداية حياتهم المهنية. ومحتوياته في شكل أسئلة عن جوانب الطب ثم الإجابة عليها بطريقة واضحة كبداية لفهم المعلومات المعقدة بعد ذلك، أثناء الدراسة والممارسة.
ومن التخصصات الطبية التي أتقنها حنين بن إسحاق، علم أمراض العيون. ويعد كتابه بعنوان “عشرة وثائق في أمراض العيون”، مرجعا مهما في علم أمراض العيون. فهو يشرح فيه تكوين العين والأمراض التي تصيبها من التهابات وتقرحات بالقرنية وطرق علاجها بالدواء والعمليات الجراحية. ويبين هذا الكتاب خبرة حنين بن إسحاق ليس فقط كطبيب ماهر، ولكن أيضاً جراحاً بارعا.
مؤلفات وترجمات حنين بن إسحاق
لحنين بن إسحاق العديد من الكتب والترجمات، وقد نقل عنها المؤلفون أو اختصروها أو شرحوها، وأصبحت بفضل هذه الشروح مادة لتدريس طلبة الطب في مدارس دمشق، حتى القرن الثالث عشر الميلادي. ويوجد العديد من الكتب التي ألفها وترجمها حنين بن إسحاق تزيد على المائة كتاب.
ومن هذه المؤلفات والترجمات مايلي:
تاريخ العالم والمبدأ والأنبياء والملوك والأمم، إلى زمنه.
الفصول الأبقراطية، في الطب.
سلامان وأبسال: قصة مترجمة عن اليونانية.
القول في حفظ الأسنان واستصلاحها.
الضوء وحقيقته: رسالة كتبها بالسريانية وترجمها إلى العربية ابن هلال الصابئ.
حلية البرء: كتاب مما ترجمه عن جالينوس.
التشريح الكبير: عن جالينوس أيضاً.
المدخل إلى علم الروحانيات.
المسائل في الطب للمتعلمين.
المسائل في العين: كتاب على طريقة سؤال وجواب.
العشر مقالات في العين: وهو من أشهر كتبه الطبية.
الأدوية المفردة.
قوى الأغذية: ترجمه عن جالينوس.
تدبير الأصحاء: عن جالينوس أيضاً.
وفاته

بعد حياة حافلة بالإنجازات العلمية، توفى حنين بن إسحاق عام 873م، تاركاً حجر الأساس في تأسيس الطب الإسلامي، الذي أصبح بعد ذلك أساساً لقيام النهضة الطبية الأوروبية الحديثة.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 06-09-2022, 12:13 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,462
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

الفرق العلمية في الحضارة الإسلامية
د.راغب السرجاني



التقدم فى طب العيون
الفرق العلمية أساس جديد غيَّر به المسلمون من نمط وطريقة تفكير العلماء السابقين؛ فلأوَّل مرَّة في التاريخ يُكوِّن المسلمون فريقًا علميًّا متكاملاً، فيه أكثر من عالم في أكثر من مجال؛ ليُخرِجوا لنا في النهاية عملاً متكاملاً مفيدًا، لم يكن ليرى النور إلا باعتماده على أكثر من تخصُّص من العلوم.

أول فريق علمي في التاريخ:
ويُنسب إلى أبناء موسى بن شاكر(محمد والحسن وَأحمد) أنهم أوَّل وأشهر فريق علمي جماعي في التاريخ ؛ حيث كان محمد عالمًا في الهندسة، وأحمد عالمًا في الفلك، والحسن عالمًا في الميكانيكا، وقد ألَّفوا معًا كتاب (الحيل) الذي اتَّضحت فيه رُوح الفريق العلمي بشكل مباشر، وتجسَّد فيه مبدأ العمل الجماعي القائم على المشاركة والتعاون؛ فالكتاب من أوَّله إلى آخره ينطق بصيغة الجماعة.

ومن قبيل ذلك: "قال محمد والحسن وَأحمد: الشكل الأول، نريد أن نبيِّن كيف نعمل كأسًا يصبّ فيه مقدار من الشراب أو الماء، فإن زيد عليه زيادة بقدر مثقال من الشراب أو الماء خرج كل شيء فيه".
"ونريد أن نبيِّن كيف نعمل جرَّة لها بُزَال مفتوح، إذا صُبَّ فيها الماء لم يخرج من البُزَال شيء، فإذا انقطع الصب خرج الماء من البُزَال، فإذا أُعِيدَ الصبُّ انقطع أيضًا، وإن قطع الصبُّ خرج الماء، وهكذا لا يزال..".
"ونريد أن نبيِّن كيف نعمل فوَّارتين يفور من أحدهما شبه القناة ومن الآخر شبه السوسنة مدَّة من الزمان، ثم يتبادلان فيخرج من التي كانت تفور قناة سوسنة، ومن التي كانت تفور سوسنة قناة مقدار ذلك من الزمان، ولا يزال على هذا ما دام الماء ملصقًا فيها".

وغير ذلك كثير، مما يدل على نضج عقليَّة أولاد موسى بن شاكر كفريق علمي متكامل، كما تبرز أهمية وقيمة العمل الجماعي، أو فريق العمل في المجال العلمي.
ولا ريب أن هذا التكامل وذاك المزيج من مختلف التخصُّصات بين هؤلاء الإخوة قد أدَّى إلى الوصول إلى حقائق علميَّة كان من الصعب التوصُّل إليها إلاَّ باشتراك أكثر من عالم في أكثر من تخصُّص؛ وذلك مثل القياس الدقيق لقُطْر الأرض، أو صناعة الأَسْطُرْلاَب الضخم الذي يُمَكِّن من حساب حركة الأجرام بدقَّة كبيرة.



صورة البيمارستانات (المستشفيات الإسلامية)
على أن هذا الأمر لم يكن مقصورًا على هذا الفريق العلمي المتميِّز، بل تكرَّر في علوم كثيرة، ووجدنا تعاونًا لافتًا للنظر بين علماء الطبِّ و الصيدلة والنبات والحيوان، وكذلك بين علماء الجيولوجيا والجغرافيا والفَلَك، وهكذا.
وقد تجسَّد ذلك مع الرازي الطبيب المشهور بين تلامذته؛ فترى ابن النديم يصفه فيقول: "أوحد دهره، وفريد عصره, قد جمع المعرفة بعلوم القدماء وسِيَّما الطب , وكان ينتقل في البُلدان... وكان يجلس في مجلسه ودونه تلاميذه, ودونهم تلاميذهم, ودونهم تلاميذ أخر, وكان يجيء الرجل المريض فيصف ما يجد لأوَّل من تلقَّاه, فإن كان عندهم علم وإلاَّ تعدَّاهم إلى غيرهم, فإن أصابوا وإلاَّ تكلم الرازي في ذلك, وكان كريمًا متفضِّلاً بارًّا بالناس, وحَسَنَ الرأفة بالفقراء والأعِلاَّء (المرضى)، حتى كان يجري عليهم الجرايات الواسعة ويمرضهم".

فكان تلاميذ الرازي بمنزلة فرق علمية، كل فريق منهم يدلي برأيه ودلوه في المسألة المطروحة، حتى يصلون فيها إلى نتيجة، وعلى رأسهم جميعًا يجلس الرازي الذي يسمع ويتابع ويصوِّب، ثم يقف معهم في معضلات المسائل فيبسطها هو معهم!

على أن الأمر لم يكن مقتصرًا فقط على العلوم الحياتية، بل رأينا أيضًا الفِرَق العلمية في المجالات الشرعية؛ فرأينا المجامع الفقهية التي تجتمع لبحث قضية معينة مستعينة في ذلك بمجموعة كبيرة من العلماء في مجالات القرآن والحديث والفقه والعقيدة وغير ذلك؛ مما أثرى الحركة العلمية، وأدَّى إلى سرعة نضوجها.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 15-09-2022, 03:18 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,462
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

ماذا قدم العرب لعلم الصيدلة ؟


فاطمة حافظ


قبل التطرق لتاريخ العرب والصيدلة ، عرف الإنسان صناعة الدواء منذ وجد على سطح الأرض، إذ كان عليه أن يبحث عن طعامه وشرابه وأن يتطبب، وكان الطب والصيدلة متلازمان إذ كان الطبيب يفحص المريض ويشخص علته ثم يقوم بتحضير الدواء اللازم له، إلا أنه لوحظ في بعض الحضارات القديمة أن هناك فصلا بين العشاب وبين الطبيب كما هو الحال في مصر الفرعونية وبابل لكن الفصل لم يكن شائعا ولا معترفا به في العصور اللاحقة فلم تنفصل الصيدلة عن الطب إلا في العصور الحديثة.
العرب والصيدلة

لم يختلف الحال عند العرب قبل الإسلام الذين لم يعرفوا التخصيص وكان لديهم نوع خاص من الطب وصفه ابن خلدون بأنه مبني “على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص متوارثًا عن مشايخ الحي وعجائزه، وربما يصح منه البعض إلا أنه ليس على قانون طبيعي ولا على موافقة المزاج”، وظل الحال على ذلك حتى مفتتح العصر العباسي بفضل الاهتمام الذي لقيه إحياء العلوم من الخلفاء وتشجيعهم العلماء على التفنن في تحضير الأدوية وتجهيزها، وهو ما أزكى الاهتمام بالصيدلة ودراساتها فأنشئت المدارس لتعليم الصيدلة في بغداد والبصرة ودمشق والقاهرة والأندلس وطليطلة، وأنشئت البيمارستانات وكان بكل منها صيدلية يتولاها صيدني أو صيدلي، وكان بجانب إشرافه على تحضير الأدوية يقوم بتدريب الدارسين في مجال الدواء، وكانت هذه الصيدليات مملوءة بأنواع الأدوية والأشربة والمعاجين وموضوعة في أواني مرتبة وكانت تقدم للمرضى مجانا، وإلى جوار هذه الصيدليات العامة كان هناك صيدليات أقيمت خارج البيمارستانات وهي مملوكة لأفراد وكانت تقدم خدماتها بأجر.
ويذكر المؤرخون أنه منذ القرن الثالث كان هناك أشخاص متعلمون موثوق في كفايتهم صاروا مختصين بإعداد الأدوية وحصلوا على تراخيص تجيز لهم حق ممارسة المهنة، ويقص علينا القفطي في (أخبار الحكماء) أن يوحنا بن ماسويه الطبيب المعروف كان لديه في بيمارستان بغداد واحدا من هؤلاء التحق به وهو صبي ومكث به أربعين عاما حتى “عرف الأدواء داء فداء وما يعالج به أهل كل داء، وهو أعلم خلق الله بانتقاء الأدوية واختيار جيدها وتقى رديها”.
ويبدو أنه كان هناك إشراف حكومي على عمل الصيادلة، فقد سنت القوانين التي تٌنظم عملهم، فقد تعين في كل مدينة كبيرة (عريف) أو موظف كان بمثابة كبير للصيادلة، وكان يضطلع بمهمتين: الأولى تنفيذ القوانين التي تقضي ألا يمارس الشخص المهنة دون ترخيص رسمي أو دون قيد اسمه في سجلات الممارسين للمهنة أو دون اجتياز الاختبارات العلمية التي كان مبدأ تطبيقها في عهد المأمون، والثانية الإشراف على تحضير الأدوية داخل الصيدليات، والتأكد من نقاوة المستحضرات المستخدمة فيها، فإن لم يتمكن من ذلك حُملت إلى مجلسه في طبق ليتأكد من أنها أعدت بالكيفية الصحيحة، على نحو ما أشار ابن بسام في كتابه (نهاية الرتبة).
استنادا إلى هذا ذهب كثير من الدارسين إلى أن الحضارة العربية أسهمت بنصيب وافر في وضع قواعد علم الصيدلة، ويمكن تلخيص هذه الإسهامات في الآتي:
  • التمييز بين العاملين في المجال الطبي: فصل العرب بين عمل الطبيب وعمل الصيدلي، حيث حظرت القوانين المعمول بها ودساتير الأدوية على الطبيب امتلاك صيدلية أو بيع العقاقير والتكسب منها، وألزمت الصيدلي بعدم ممارسة الطب بأي صورة كانت، وكرس هذا التمييز لظهور التخصص العلمي الدقيق ومكن كل منهما من التمكن في مجاله.
  • وضع قواعد لممارسة المهنة: لم يقف تنظيم الصيدلة عند هذا الحد بل وضع العرب قواعد لتنظيم ممارسة المهنة من مثل: اشتراط كتابة الطبيب لتذكرة طبية مكتوب عليها الأدوية سميت في الشام (الدستور) وفي بلاد المغرب (النسخة) وفي العراق (الوصفة)، كما سنوا تشريعات تضمن مراقبة الصيدليات والأدوية المتداولة، حيث خضعت لرقابة المحتسب، وتم تسعير الدواء، وحظر بيع السموم والعقاقير الضارة.
  • العناية بالصيدلة الكيماوية: لعب الكيميائيون المسلمون كابن حيان والرازي دورا في تأسيس “الصيدلة الكيماوية” حيث أدخلوا الكيمياء وتطبيقاتها العملية في مجال الدواء ويعود لهم فضل إدخال كثير من العلاجات النباتية والمعدنية والحيوانية في الطب، ومن هذه العلاجات أمكن تحسين طعم الدواء وسرعة ذوبانه، وتغليف الأدوية وطلائها بالورق.
  • الاهتمام بالصيدلة النباتية: أسهم العرب كذلك في إرساء قواعد وأصول ما يسمى ب” الصيدلة النباتية” حيث كانوا يصفون النبات وصفا علميا دقيقا، كيف يؤخذ ومتى ومقاديره وكيف يتعاطى، كما أدخلوا نباتات لا حصر لها ضمن الاستخدام الطبي ولم يسبقهم لذلك أحد، ولذلك ذهب حاجي خليفة في (كشف الظنون) إلى أن علم النبات وثيق الصلة بعلم الصيدلة، وأن الفرق بينهما أن الأول نظري على حين أن الثاني عملي.
  • اعتماد التجربة: يمكن اعتبار قيام الصيادلة العرب بتجربة الدواء قبل وصفه أبرز إسهاماتهم في مجال الصيدلة، إذ قاموا بتجريب الدواء على الحيوان أولا لبيان نجاعته ثم تجريبه ثانية على بني الإنسان ومراقبة تأثيراته على المدى الطويل، وفي هذا الصدد يُذكر أن ابن سينا أشار في كتابه (القانون) إلى أن هناك طريقتين لمعرفة مفعول وتأثير الدواء: الأولى التجربة والثانية: القياس على هذه التجربة، وقد وضع شرائط لاختبار الأدوية لا مجال لذكرها لكنها تفيد أن علم الصيدلة بلغ أوج نضجه في العصر الإسلامي.
الصيادلة العرب ومصنفاتهم

شهدت الحضارة العربية عددا كبيرا من الأطباء والصيادلة الذين أخذت المصادر التاريخية وكتب التراجم تقص أخبارهم منذ القرن الثاني، ومن هؤلاء: الكندي و حنين بن إسحاق وعلي بن عباس المجوسي وعلي بن سهل بن ربن الطبري والرازي وابن سينا والزهراوي وابن البيطار وداود الأنطاكي وغيرهم كثير، ونورد فيما يلي طرفا من سيرة بعضهم مع الإشارة لأهم مصنفاتهم.
كامل الصناعة في الطب: المسمى بالمُلكي لواضعه علي بن عباس المجوسي، وهو مسلم من أصول زرادشتية، ولد في الثلث الأول من القرن الثالث في الأهواز بفارس، وعاش بعض الوقت في كنف البويهيين، وكان من أمهر أطباء زمانه، وقد حقق كتابه شهرة كبيرة وصار المرجع الأول في الصيدلة، إلا أنه بعد صدور كتاب (القانون) لابن سينا مال الناس إليه وتركوا الملكي، والكتاب يقع في جزئين، يضم الجزء الأول عشر مقالات تتناول الأمور الطبيعية أي الأعضاء والأجزاء التي يتكون منها الجسد، والأشياء التي ليست بطبيعية من مثل الهواء والرياضة والأشياء الخارجة عن الطبيعة كالأمراض والأعراض والأسباب المحفزة، وهو يسمي بالجزء النظري، وأما الجزء الثاني فيذكر فيه حفظ الصحة على الأصحاء، ومداواة المرضى التي تكون بالتدبير أو بالأدوية ويقال له الجزء العملي.
الاعتماد في الأدوية المفردة: وهو من تأليف أحمد بن الجزار القيرواني الذي ولد بأفريقية أو تونس أواخر القرن الثالث، شُغل بالطب ممارسة وتدريسا وتأليفا حيث جمع بين ممارسة الطب وتحضير الأدوية والتدريس للطلاب، وشاع عنه قيامه بجولات في الصحاري والبراري لانتقاء النباتات العشبية التي يستخدمها، وهو يشير في مقدمة كتابه إلى سبب تأليفه فيقول: “ما حملنا على العناية بتأليف كتاب أذكر فيه الأدوية التي عليها اعتماد الأطباء في معالجة الأدواء إلا الرغبة في طاعة الله، والحرص على مرضاته، والتقرب إليه بالمناصحة لأنهاء دولة الإمام التقي والخليفة المرضي القائم بأمر الله”، وأهمية الكتاب تكمن في أنه أول كتاب أُلف في العربية للأدوية المفردة، وهو موضوع لم يٌفرد بالتأليف قبل ابن الجزار إذ عد من مواضيع علم الطب الفرعية، وقد أشار المصنف إلى ذلك في مقدمة كتابه وذكر أنه بحث في مصنفات الأقدمين والمحدثين فلم يجد كتابا جامعا في هذا الباب العظيم المنفعة، ومن باب الأمانة ذكر أن كلا من دياسقوديس وجالينوس اليونانيين تناولاه من قبل إلا أن عملهما شابه التقصير من بضع أمور، فلم يتناولا طبائع الأدوية ولا كميتها وخواصها، ويبدو أن الكتاب حظي بتقدير إذ ترجم إلى اللاتينية والعبرية كما قام مؤلف مجهول بتلخيصه إلى العربية.
التصريف لمن عجز عن التأليف: وضعه أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي، ولد بالزهراء بالقرب من قرطبة بالأندلس في القرن الرابع وكان طبيبا وجراحا، وهو أشهر من ألف في الجراحة عند العرب وأول من استعمل ربط الشرايين لوقف النزيف، وأهم مصنفاته كتاب التصريف وقد ترجم إلى اللاتينية والعبرية، وهو يقع في ثلاثين مقالة ورغم أنه يصنف كأحد الكتب في الطب إلا أنه لا يضم سوى مقالتين افتتاحيتين في الجراحة أما باقي المقالات فهي تتعلق بالأدوية، وهو يفتتح بذكر أنواع الأدوية التي تعالج الأمراض المختلفة تباعا، ثم يتحدث عن صناعة المعاجين والمراهم والأدهان، ثم أطعمة المرضى مرتبة على الأمراض، ويختتم بذكر طبائع الأدوية وقواها وخصائصها، وفي إصلاحها وكيفية حرقها، وفي تسمية العقاقير باختلاف اللغات وبدائلها، وأعمار العقاقير المفردة والمركبة.
  • الجامع لمفردات الأغذية والأدوية: وهو من وضع ابن العطار الأندلسي إمام النباتيين وعلماء الأعشاب في عصر، ولد بالأندلس في الربع الأخير من القرن السادس، جاب الشرق بحثا عن النباتات النادرة ووصل مصر في عهد الكامل الأيوبي فالتحق بخدمته وصار رئيسا للعشابين، ولما مات دخل في خدمة ولده الصالح أيوب، ولابن العطار كتابان في الصيدلة: الأول كتاب المغني في الأدوية المفردة في العقاقير تناول فيه علاج الأعضاء عضوا عضوا خدمة للأطباء، والثاني الجامع لمفردات الأغذية والأدوية، وهو كتاب ذائع الصيت يقع في مقدمة وأربعة أقسام، ويعد من أشهر الكتب الصيدلانية حتى يومنا هذا، وهو عبارة عن مجموعة من العلاجات المستمدة من الحيوان والنبات والمعادن استمدها من مؤلفات اليونان والعرب وتجاربه وأبحاثه الخاصة، وبهذا المعنى يعد الكتاب سجلا للنباتات والعقاقير منذ أقدم العصور حتى عصر مؤلفه.
  • تذكرة أولي الألباب: (تذكرة الأنطاكي الطبية ) وهو من وضع داود الأنطاكي الملقب بجالينوس عصره، عاش في مدينة أنطاكية السورية خلال القرن العاشر، ويقع الكتاب في سبعمائة صفحة ويناهز عدد الأدوية المذكورة فيه نحو ألف وسبعمائة دواء، وقسمه صاحبه إلى مقدمة وأربعة أبواب، خص المقدمة بتعداد العلوم الواردة في الكتاب والطب ومكانته وما يلزم متعاطيه وممارسه، وتحدث في الباب الأول عن علم الصيدلة وقواعده، وفي الثاني عن أنواع الأدوية المفردة والمركبة وقوانينها من حيث السحق والغلي وما إلى ذلك، وفي الثالث ذكر أسماء المفردات والمركبات مرتبة حسب حروف المعجم، وفي الرابع الأمراض المختلفة وكيفية مداواتها.
وبالجملة أسهم الصيادلة العرب في إرساء قواعد علم الصيدلة على أسس علمية، واستطاعوا من خلال مصنفاتهم أن يحفظوا لنا التراث اليوناني وأن يضيفوا إليه ويتجاوزوه.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 15-10-2022, 03:56 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,462
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

علوم أخرى منسية في تراث المسلمين



إن في تراث المسلمين علوماً لم يولها الباحثون اهتماماً كافياً، إما لندرة مصادرها، أو لتفرق موضوعاتها في مراجع تراثية شتى يتعذر الحصول على أغلبها، أو لصعوبة مصطلحاتها التي تبدو لغير المتخصصين غريبة عما هو شائع في لغة العلوم العاصرة، أو لغياب المنهجية السليمة في التعامل مع التراث بصورة عامة، أو لكل هذه الأسباب مجتمعة وربما لأسباب أخرى غيرها.

وسوف نعرض للتعريف ببعض هذه العلوم المنسية، ونشير إلى أهم مصادرها التراثية، عسى أن تجد من بين أهل الاختصاص من يتناولها بمزيد من التحليل المنهجي الدقيق والدراسة العلمية المتانية.
علم الوراثة

يبدو للكثير ان علم الوراثة Genetics ماهو إلا علم حديث النشأة، ولد بين علوم الحياة الأساسية الكبري: كالفسيولوجيا Physiology، وعلم الخلايا Cytology، وبيولوجيا التناسل Re-productive Biology ، والهندسة الوراثية Genetic Engineering وعلم التحسين الوراثي Eugenics، وغيرها.
ويعزى المؤرخون نشأة علم الوراثة إلى الراهب النمساوي «مندل» الذي ابتكر أسسه وقوانينه، وينسبون تطوره إلى كوكبة من علماء البيولوجيا أمثال «دي فريز» و«باتيسون» و «مورجان» وغيرهم.
كان التاريخ الحقيقي لعلم الوراثة يشهد بما لا يدع مجالا للشك بان علماء الحضارة الإسلامية هم أول من استخدم مصطلح «القيافة»، وتحدثوا عن تحسين النسل والولد، وأشاروا في مؤلفاتهم إلى دور الفرسان العرب في مجال الانتقاء الوراثي Heredity Selection الذي مارسوه على الخيول العربي، وعنوا بدراسة ظاهرة «التهجين» Crossing في الانسان والحيوان والطيور، وفطنوا إلى حكمة التشريع الإسلامي في تحريم زواج الأقارب.
والأدلة الدامغة على هذه الحقيقة الناصعة عن دور علماء المسلمين في تأسيس علم الوراثة يمكن استخلاصها من أمهات الكتب التراثية للقزوني والجاحظ وشريف الدين الدمياطي وابن قيم الجوزية وابن الجزار القيرواني وغيرهم.
1- القيافة أساس علم الوراثة: ورد مصطلح «قيافة البشر» في كتب التراث الإسلامي لتفسيرالتشابه بين الخلف والسلف، فقد جاء في كتاب «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» للقزويني ما نصه: «القيافة على ضربين: قيلفة البشر، وقيافة الأثر فالاستدلال بهيئات الأعضاء على الانسان، وأما قيافة الأثر فالاستدلال بآثار الأقدام والخفاف والحوافر».
وقد اشتهر بقيافة البشر قوم من العرب يقال لهم «بنو مدلج» يعرض على أحدهم مولود في عشرين امرأة فيهن أمه يلحقه بها. وحكى بعض التجار قال: ورثت من أبي مملوكاً أسود شيخاً، فكنت في بعض أسفاري راكباً على بعير والمملوك يقوده، فاجتاز علينا رجل من بني مدلج أمعن فينا نظره، وقال: ما أشبه الراكب بالراجل، فوقع من قلبي من قوله ما وقع، حتى رجعت
إلى أي وأخبرتها بما قال المدلجي، فقالت: صدق والله المدلجي، إعلم يابني انه كان زوجي شيخاً كبيراً ذا مال لم يولد له ولد، فخشيت ان يفوت مله عنا بموته، فمكنت نفسي من هذا المملوك الأسود فحملت بك، ولولا ان هذا شئ ستعمه في الآخرة ما أخبرتك به في الدنيا.
2- علم الأجنة: تعرض ابن قيم الجوزية لقضية خلق الأجنة، حيث قرر في كتابه «تحفة المورود بأحكام المولود» ان أصل التشكيل الصحيح للكائن الحي ما هو إلا اتحاد نظف الذكر ببيضة الأنثى، واستشهد بقوله تعالى في كتابه العزيز: (بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة} (سورة الانعام:101). فالولد إذن لا يتكون إلا من الذكر وصاحبته. والحق ان الخالق العظيم العليم قد أخبر بهذه الحقيقة الهامة في مواضع كيرة من القران الكريم، وذكر «النطفة الأمشاج» كأساس لخلق الجنين، وكعامل وراثي ف عملية التكاثر البشري، فقال تعالى: { إنا خلقنا الانسان من نظفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً} (سورة الانسان:2).
والنطفة الأمشاج تتألف من اندماج بويضة الانثي وخلية الرجل (الحيوان المنوي)، ويسميها العلم الحديث «الزيجوت» Zygote، ويكون مقرها رحم المرأة، مصداقاً لقوله تعالى: {ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} (سورة المؤمنون:12) وقوله جل شانه: { ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى } (سورة الحج: 5).
وتظهر أهمية هذا التأصيل الإسلامي واضحة جلية إذا علمنا ان البشرة لم تعلم شيئاً عن النطفة الأمشاج (أو الزيجوت) المكونة من أخلاط الرجل والمرأة إلا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بعد ان توارت طرق التشخيص وتقنية المجاهر (الميكروسكوبات)
فقد تخب الغرب قروناً طويلة حيل موضوع تكوين الجنين، واعتقد البعض بان المولود الجديد ولد من بيضة الانثي فقط، بينما اعتقد آخرون بان الكائن الحي ينشأ ويتطور من الحيوان لمنوي فقط، بل ان أحدهم وهو «هارتسوكر» Hartsoeker عندما كان ينظر عبر المجهر إلى السائل المنوي للرجل تخيل انه يرى في رأس الحيوان المنوي كائناً صغيراً Homancules يذكر بالمظهر الخارجي للرجل وهذا الكائن الصغير الملتف ذو أعضاء قادرة على النمو في وجود الظروف الملائمة، و دور المرأة في تكوينه لا يعدو كونها حاضنة فقط
3- الوحدات الوراثية: ذكر ابن قيم الجوزية في كتابه «تحفة المورود بأحكام المولود» ان في نطفة الرجل «عناصر» مختلفة صغيرة جداً من أجزاء الجسم كله، وان في بذرة الأنثى مثل ذلك . وإذا علمنا ان ابن قيم الجزية عاش بين 691-751هـ أو 1291-1350م، فان كلامه هذا يعد أساساً لنشأة نظرية المورثات (أو الجينات Genes) التي قال بها علماء الوراثة حديثاً.
ففي عام 1860م تقريباً توصل «مندل»، من خلال أبحاثه على نبتة البازلاء، إلى نظرية تفسر الصفات الظاهرة في الكائنات الحية على أساس وجود «وحدات غامضة» تنتقل بين أجيال النوع الواحد، وتسبب الفروق الحادة في امتلاك صفات معينة. ذلك ان كون البازلاء طويلة أو قصيرة يتوقف على هذه الواحدات. فإذا خلطنا بين هاتين الصفتين من خلال تزاوج البازلاء، فان ظهور إحدى الصفتين بصورة غالبة يتوقف على سيادة إحدى الوحدتين، ويطلق على الصفة الغالبة باسم «الصفة السائدة» Dominant، أما الصفة غير الظاهرة فتسمى «الصفة المتنحية» Recessive. وهذا يعني إن الجيل الجديد من البازلاء لا يزال يحمل إحدى صفتي الأبوين أو كليهما على أساس ان هناك صفة ظاهرة وأخرى متنحية، ومن ثم فان الجيل الجديد يكون خليطاً من الاثنين.
وقد أطلق العلم المعاصر على هذه «العناصر» التي قال بها ابن قيم الجوزية، أو «الوحدات الغامضة» التي ذكرها مندل، اسم المورثات (أو الجينات Genes)، وأثبتت أجهزة الفحص الدقيقة ان هذه الموروثات تحملها أجسام برتينية دقيقة جداً (حوالي جزء من الملين من الملليمتر) تسمى الصبغيات (أو الكروموسومات Chromosomes) وقد تأكد مؤخراً ان هذه الكروموسومات والموروثات هي المسئولة عن الصفات والملامح التي تعطي الانسان صفته وشكله واستعداده كثير من الصفات البدنية النفسية والخلقية. فقد تبين ان صفات الرجل تتضامن عن طريق الصبغيات والموروثات الخاصة بها مع صفات الأنثى لتنتج جنيناً يجمع بين صفاتهما، وقد تتغلب صفة سائدة عند الأب فتظهر في الطفل، وأما الصفات المتنحية فتظهر حسب قوانين علمة معروفة تم اكتشافها في علم الوراثة الحديث، ويترتب عليها في بعض الأحيان ان يكون الشبه بين المولود ووالديه غر طاهر، بل ربما كون الشبه معدوماً بين الطفل ووالديه.
ومن المصطلحات العلمية الحديثة في هذا الشان صطلح «النزوع إلى الأصل في الصفات الوراثية» Atavism، ويمكن التدليل بما رواه الطبري في متابه «فردوس الحكمة» من ان امرأة ولدت بنتاً بيضاء من رجل حبشي، وأدركت ابنتها تلك وتزوجت من رجل أبيض فولدت ولداً أسود، لان الولد – كما يقول الطبري ـ نزع إلى لون الجد (أبي الأم).
بل ان الرسول الأمي العربي محمداً صلي الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، قال في الحديث الشريف: «تخيروا لنطفكم فان العرق دساس» (أخرجه ابن ماجه والحاكم)، وخير دليل نسوقه من قصة الرجل الذي جاء إلى الرسول صلي الله عليه وسلم شاكياً من ان امرأته ولدت غلاماً أسود، فقال له الرسول صل الله عليه سلم: هل لك إبل ؟ قال: نعم، قال: فما لونها ؟ قال: أسود، قال: هل منها من أورق ؟، قال: نعم، قال: فأنى له ذلك ؟ قال: عسى ان يكون نزعه عرق. قال: وهذا (يعني ولده) عسي ان يكون نزعه عرق. قال الرجل: فتقدم عجائز من بني عجل أخبرته انه كان لامرأة جدة سوداء. فسر ابن قيم الجوزية هذا الحديث تفسيراً علمياً على أساس انتقال ما أسماه «الأجزاء» من السلف البعيد إلى الخلف، وذلك قبل ان يأتي العلم بمصطلحات «الموروثات» و «النزوع إلى الأصل»،و«الصفات السائدة »، و«الصفات المتنحية» بزمن طويل.
4- التهجين وتحسين النسل: يزخر التراث العلمي الإسلامي بالعديد من الأمثلة على انماط التهجين المختلفة، فنجد الفزويني ـ على سبيل المثال ـ يشرح خصائص الحيوانات الهجينة بقوله:«ان الحيوانات المركبة تتولد بين حيوانين مختلفين في النوع ويكون شكلها عجيباً بين هذا وذاك.
فاعتبر حال البغل، فان ما من عضو منه إلا وهو دائر بين الحمار والفرس”
ويعلق الجاحظ على ظاهرة التهجين تعليقاً علمياً صحيحاً فيقول:«اننا وجدنا بعض النتاج المركب وبعض الفروع المستخرجة منه أعظم من الأصل” .
ويعترف العالم بإسهامات علماء المسلمين في مجال تحسين النسل عن طريق انتقاء صفات وراثية معينة، وهو ما يندرج اليوم تحت علم التحسين الوراثي (الأيوجينيا Eugenics). فقد كانوا يحرصون على أنساب الخيول العربية بحصر التزاوج فيما بينهما وبين أفراس أصيلة ذات صفات وراثية محددة، وتابعوا اصطفاء الصفات على الأنسال القادمة، ومنعوا أي تزاوجات عشوائية مع أفراد مغمورة أو وضيعة النسب. وكانهم بهذا التحديد يحصرون حدود الصفات الوراثية الممتازة كالرشاقة والجمال وضمور البطن والعدو السريع والحس المرهف، والذكاء المفرط والعرف الغزير المتدلي وصغر الآذان، وغيرها من الصفات المرغوبة في مجموعة معينة من الأفراس ما لبثت ان كبرت وزادت أعدادها مع مرور الزمن، بحيث شكلت نواة ممتازة لنشوء سلالة الخيول العربية التي عمت شهرتها العالم كله وكان لهذا التكوين الوراثي Genotype أكبر الأثر في لفت الانظار بعد ذلك إلى استيراد الخيول العربية ودخولها في التهجين مع سلالات أخرى لرفد مورثاتها بخصائصها الفذة.
من ناحية أخرى، كان الزواج بالأقارب شائعاً عند كثير من الأقوام والشعوب، ولما جاء الإسلام حرم زواج الأقارب الملتصقين لحكم نفسية واجتماعية وطبية ووراثية أوضح العلم الحديث جوانب كثيرة منها. قال تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم اللاتي وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي دخلتم بهن فان لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وان تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ان الله كان غفوراً رحيماً } (سورة النساء: 23)
وحبب الإسلام إلى المسلمين الزواج بالأباعد في النسب ، فرغبوا فيه، لانه انجب للولد وأبهى للخلقة، واتضح ذلك من أقوالهم المأثورة وأشعارهم المنظومة، منها قول شاعرهم:
تجاوزت بنت العم وهي حبيبة مخافة أن يضوي على سليليويتفق هذا المطلب الإسلامي في الحث على الزواج بالأباعد مع معطيات على الوراثة والتحسين الوراثي اتفاقاً كاملاً. وذلك ان استمرار تزاوج الذرية بالأقارب يفضي إلى إقلال درجة التناسل حتى قد تصل أخيراً إلى العقم، كما يؤدي إلى إضعاف السلالة، ويزيد من احتمال ظهور الصفات والأمراض الوراثية المتنحية التي يُحصي منها المتخصصون ما يزيد عن مائة مرض معروف، مثل: البرص الوراثي، والبول الأسود، وبعض الأمراض الشبكية، ومرض السكر، وارتفاع ضغط الدم، وغير ذلك من أمراض الجهاز العصبي وأمراض التخلف العقلي وكثير من العيوب الخلقية والخلقية.
وهكذا يتضح ان عدداً من المفاهيم الأساسية السليمة لمباحث الوراثة الحديثة يمكن التأصيل لها بالرجوع إلى التراث الإسلامي، حيث نجد الكثير مما يدحض زعم القائلين بان علم الوراثة بمباحثة المختلفة على غربي حديث النشأة وليست له أرومة تاريخية عند العرب أو غيرهم من الأمم.
علم المراعي

كان الانسان منذ القدم يهاجر من أرض إلى أرض بحثاً عن انسب الأماكن التي تصلح للرعي والزراعة والتجارة واستيفاء ما ينقصه من وسائل العيش وتهيئة ظروف الأمن والاستقرار.
ويسود الان اعتقاد خاطئ بان علم المراعي من العلوم الحديثة، ويعود المؤرخون بنشأته الأولى إلى أوائل القرن العشرين، حيث انشئت أول محطة لأبحاث المراعي في «سانتاريتا Santa Rita بالولايات المتحدة الأمريكية نحو عام1903 م في ولاية أريزونا، وينسبون الفضل في تأسيس هذا العلم إلى الأمريكي «آرثر سامبسون» A.W.Sampson الذي صنف كتاباً عام 1923 م عن «إدارة المراعى الطبيعية والأصطناعية» Range and Pasture Manage ثم أعاد كتابته من جديد في عام 1952م تحت عنوان «إدارة المراعي، أسس وتطبيقات» Range Management، Principles and Practice وفي عام 1947 تم تأسيس أول جمعية لإدارة المراعي الطبيعية في الولايات المتحدة الأمريكية، وظهرت أول مجلة لإدارة المراعي باسم Journal Of Range Management: وتوالى بعد ذلك ظهور الكثير من الأبحاث والنشرات والكتب العلمية التي تبحث في المجالات المتعددة لعلم المراعي الطبيعية وإدارتها، وزاد التوجه العالمي نحو الاهتمام بدراسة المناطق الرعوية والمحافظة عليها وإدارتها وتطويرها بعد تشكيل الهيئة الاستشارية الخاصة بأبحاث المناطق الجافة التابعة لمنظمة اليونسكو.
لكن الباحث المدقق في تراث المسلمين لا يجد صعوبة في تصحيح هذا الاعتقاد الخاطئ بان علم المراعي حديث النشأة، وذلك بإظهار حقيقة علمية تاريخية مؤداها ان أبا حنيفة الدينوري المتوفى عام 282هـ إلى 895 م قد سبق الأمريكي سامبسون بكتابه المعروف عن «النبات» باباً بعنوان «الرعي والمراعي» يقول في آخره، ملخصاً لما ورد فيه:«قد أتيت بما حضرني ذكره في وصف الرعي والمراعي وما يعرض لها من الآفات وحال السائمة فيها وما يعتريها من الأمراض على ما استحسنت وضعه في هذا الكتاب» .
وقد أوضح الدينوري بعض المصطلحات الرعوية البيئية الهامة مثل: الأرض الحمضية، أي كثيرة الحمض، و«الخلة» أي الأرض التي ليس فيها حمض وان لم يكن بها من شئ، و «السهب» أي الأرض الواسعة البعيدة التي لا نبات فيها، و«الصمان» أي الصحراء الحجرية الكلسية ذات القبعان، و «الحزن»، وهي الأرض البعيدة عن المياه ولا ترعاها الشاة ولا الحمر، فليس فيها دمن ولا أرواث.
وصنف الدينوري نباتات المراعي، استناداً إلى خبرة العرب الواسعة، على أساس الصفات المتعلقة بالطعم واللون والملمس والشكل الظاهر وموسم النمو، وغير ذلك من الصفات، فتحدث عن «مجموعة الحمض» التي تتميز بالطعم الحامض أو المالح، وهي التابعة «للفصيلة الرمرامية» Chenopodiaceae ، حسب التقسيم النباتي المعروف حالياً، ومن أمثلتها نباتات الرمث والغضي والحاذ. وتحدث عن «مجموعة الخلة» التي لا ملوحة فيها، مثل السبط، «ومجموعة العضاة» التي تضم الأشجار الشائكة، مثل الطلح والعرفط، و «مجموعة العض» التي تضم ما صغر من شجر الشوك، مثل القتاد،«مجموعة المرار» ومجموعة البقول ومجموعة الحرف، وأخيراً مجموعة الأرواث والدمن التي تضم النباتات السيئة في المرعى والمحبة للنتروجين، وهي من دلائل الرعي الجائر.
وعلى هذا الأساس قدم الدينوري تعريفاً محدداً للمرعى بقوله:«وقد بينت فيما مضي ان المرعي كله خلة وحمض، فالحمض ما كانت فيه ملوحة، والخلة ما لا ملوحة فيه، حلواً كان أو مراً، والعرب تسمى الأرض إذا لم يكن بها حمض خلة وان لم يكن بها حمض خلة وان لم يكن بها من النبات شئ».
وبذلك يكون المرعى عبارة عن مجموع النباتات التي تنمو طبيعية في منطقة معينة ولا تستخدم لأغراض أخرى غير الرعي.
كذلك أوضح الدينوري معرفة العرب لانواع المراعي المختلفة وتحديد درجة جودتها، وتأثير ذلك على الحيوانات الرعوية، فذكر «المرعى المرئي الناجع» أي الجيد، و«المرعى الخصبة»، أي متوسط الجودة، ليس بالخصب ولا بالجدب، و «المرعى الوبيل الموخم » ؟، أي المتدهور الخرب الذي تعرض عنه السائمة. وفطن العرب إلى العلاقة بين جودة المرعى وقربه من مصادر الماء أو بعده عنها، وطوروا اصطلاحات خاصة بذلك. فقد روى الدينوري عن ابن الأعرابي انه قال:«إذا ما كان حول الماء مكلئا قيل ماء قاصر، فان كان ما حوله قد أكل قيل ماء مدرع، لانه أبيض ما حوله بمنزلة الشاة الدرعاء، قال: وإذا بعد كلؤه بقدر ميلين أو ثلاثة فهو ماء مطل، فان كان مسيرة يوم أو يومين فهو مطلب إبل» .
ولم يفت الدينوري ان يدون في كتابه «النبات» ما يعكس إدراك الرعاة الواعي لقيمة النباتات الرعوية الغذائية واستجابة الحيوانات لها، فذكر ما قاله الأصمعي من ان الخلة هي خبز الإبل، والحمض أدمها، وأطيب الإبل لبناً ما أكل السعدان وروى عن أبي النصر قوله:«إذا أكلت الإبل الخلة صلُب لحمها واشتد طرفها.. وإذا أكلت الحمض اندلقت بطونها وكثرت أوبارها..» وقالوا عن السعدان: انه ناجع في المال، يطيب لحومه ويعزر ألبانه ويخثرها، وبه ضرب المثل فقيل: مرعى ولا كالسعدان.
ولفت الدينوري الانظار إلى أهمية مواسم الرعي وخصائص الدورات الرعوية، فقال:«إذا كان الربيع أحلت الغنم، وإحلالها ان تنزل ألبانها من غير ولاد بعد ان كانت انقطعت ويبست» وبين كيف كان الرعاة يلجأون إلى الانتقال من مكان لآخر طلباً للكلأ في الفصول المختلفة من العام.
أما عن إدارة المراعي وانشاء محميات بيئية كوسيلة من وسائل تطوير المناطق الرعوية، فنذكر المراجع ان الرسول صلي الله عليه وسلم كان أول من أصدر تشريعاً لحماية البيئة حين أمر بحماية النقيع وعضاة الدينة، كما منع الصيد عبر الحمى، وحدد مناطق محمية أخرى من الرعي فيها وحملت بحمولات حيوانية معتدلة من خيول الجهاد أو انعام الزكاة، جاعلاً الحمى بصفة عامة لله ورسوله، وقد حمى الخليفة عمر بن الخطاب الربذة وضربة اللتين قال فيهما أبو النصر: «حمى الربذة غليظ الموطئ كثير الخلة، وحمى ضربة سهل الموطئ كثير الحمض، تطول عنه الأوبار وتتفتق الخواصر ويرهل الحم» .
إن مثل هذه الأفكار والمفاهيم لا ينبغى إغفالها عند التأصيل لعلم الرعي والمراعي، لما لها من فيمة علمية وتطبيقية كبيرة.
يتبع






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 17-10-2022, 02:57 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,462
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

“ماذا قدم المسلمون للعالم؟”
د. راغب السرجاني



تنفرد المدونة قبل كل المواقع الإخبارية بنشر خبر فوز الدكتور راغب السرجاني بالجائزة الأولى لمسابقة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، عن كتابه “ماذا قدم المسلمون للعالم”، وهذا الكتاب الذي كان قد صدر منذ أربعة شهور تقريبا.
وكنت قد أعددت عرضا لهذا الكتاب ونشر في مجلة الفسطاط التاريخية
وأعيد نشر هذا العرض في المدونة.
———————-
الصفحات: 847
الناشر: مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة – القاهرة - مصر
الطبعة: الأولي مايو 2009 = جمادى الأولى 1430
“لا يمكن أن نستوعب ما وصلت إليه البشرية من تَقَدُّم في أي مجال من مجالات الحياة إلا بدراسة الحضارة الإسلامية”.
“ماذا عسانا فاعلين بعد هذه المعرفة ؟”
يقع الكتاب ذي المجلدين بين هذين الكلمتين، أولاهما في مقدمة الكتاب، والأخرى في خاتمته، وهما يلخصان مافيه وما بعده.
وإذا حاولنا التعريف بالكتاب في عبارة واحدة لقلنا إن مفتاح الكتاب وهدفه هو التعريف بالإسهامات الحضارية للعصور الإسلامية في مسار الحضارة الإنسانية، ثم تأتي الخاتمة لتفتح باباً آخر، فتتحدث عن الواجب الذي يتحمله من قرأ هذا الكتاب.
***
وإذا كان كل كتاب يعبر عن نوع من الاختلاف أو حتى الاشتباك بين المؤلف وبين سابقيه وأقرانه، فإن هذا الاشتباك بدأ مبكرا مع د. السرجاني، حيث كان في تعريف معنى “الحضارة”، وهو التعريف الذي اخْتُلِف فيه، فبعضهم جعل الإنسان محور تعريفه للحضارة فيراها نضوج المبادئ والأفكار والمعتقدات، ومنهم من يجعل المحور هو التطور المادي فيعرفها بأنها الرقي في العلوم العلمية والتجريبية، بل وصل الحال إلى أن عرفها البعض في الغرب بأنها “القضاء على العدل والأخلاق، وترك العِنان لطبيعتنا الحرة السافرة لتفعل ما تشاء، ولو أدَّى ذلك إلى أن تسير على الجماجم”.
ثم يقرر رأيه فيرى أن “الحضارة هي قدرة الإنسان على إقامة علاقة سوية مع ربه، والبشرِ الذين يعيش معهم، وكذلك البيئة بكل ما فيها من ثروات”.
وعلى هذا التعريف ذي الثلاث شُعَب، يقرر أن الحضارة الإسلامية هي الحضارة الوحيدة التي استطاعت إقامة علاقة سوية في التصور والسلوك مع الله، ومع البشر، ومع البيئة المحيطة بما فيها من كائنات حية بل وجمادات.
ولهذا يقول د. السرجاني: إن الكتاب لا يتحدث عن حضارة عادية لها مثيلات أو أشباه، إنما نتحدَّث عن “الحضارة النموذج”، وهو يقرر أنه لم يفعل إلا أن فتح أبوابا في الموضوع، وذكر بعض المداخل فقط.
***
وإذا كان المؤلف يقرر أنه في مجلدين قد فتح بعض الأبواب وذكر بعض المداخل، فما عسى أن يفعله من يستعرض الكتاب، فمن يستطيع أن يجمع البحر في قدح؟!!
يأتي الباب الأول بعنوان (الحضارة الإسلامية بين الحضارات السابقة) وفيه يستعرض المؤلف بإيجاز –عبر الفصل الأول- ما وصلت إليه حضارات اليونان والهند وفارس والروم، وكذلك حال العرب قبل الإسلام، وهي تلك الأحوال التي يلخصها قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلاَّ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ” (رواه مسلم). فلقد كان الفساد يصبغ وجه الأرض، فساد الأفكار والتصورات وغلبة الوثنيات، وفساد اجتماعي يتجسد في طبقيات عنيفة وحقوق مهضومة وانحلال أخلاقي مقيت، وقوانين تلبي رغبات الأقوياء، ومجادلات دينية لا تنتهي، ولا تنتهي عند الجدال بل تستحيل حروبا واضطهادات عنيفة.
ويأتي الفصل الثاني متحدثا عن (أصول وروافد الحضارة الإسلامية)، حيث يقول بأن التميز الذي يجعل حضارة الإسلام تختلف عن غيرها من الحضارات ثلاثة أشياء: تأسسها على القرآن والسنة، حيث منهما انطلقت ومنهما انبثقت التصورات والأفكار، وكذلك النظم والمناهج والأعراف وطريقة الحياة. والثاني: هو أن الشعوب الإسلامية كانت مزيجا فريدا من كل الأعراق والألوان والأجناس، بما جعل الحضارة الإسلامية كمصب كبير وضعت فيه كل تلك الشعوب خلاصاتها وخبراتها ورحيق حضاراتها بعد أن تهذبت بالإسلام، ولم يكن ليتأتى هذا لولا هذه المساواة التي جعلت لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح. والثالث: هو الانفتاح على جميع الحضارات والأخذ منها دون تأنف أو تكبر أو استغناء، بما جعل الأمر لا يستغرق وقتا طويلا حتى تتم ترجمة الكتب والموسوعات العلمية من لغاتها الأصلية إلى العربية، بما جعل عاصمة الإسلام بعد بضعة أجيال هي عاصمة العلم والثقافة العالمية بلا منافس.
ثم يتحدث الفصل الثالث عن خصائص الحضارة الإسلامية، ويراها المؤلف في أربعة أمور: أولها: العالمية، إذ أن رسالة الإسلام لا تفرق بين جنس وجنس ولا بين عرق وعرق ولا تتوقف عند حدود، بل تتأسس على أن الإنسان هو خير المخلوقات على هذه الأرض، وأن جميع الكون مسخر له، وأن مصلحته ورفاهيته هي غاية الشريعة. ومن هذا المنطلق كانت المساواة بين البشر أساسا معلنا منذ أول يوم، وثانيها: الوحدانية، تلك الخصيصة التي سمت بالإنسان فوق عبادة أي شئ، وفوق الخوف من أي شئ، بل ليعرف أن كل شئ في هذا الكون مسخر له هو، وبوقوف حضارة الإسلام على مبدأ التوحيد تحققت المساواة بين البشر بشكل عملي، فكل البشر عبيد لله الواحد، بلا وسيط ولا معبد له سدنة وله كهنة، وبهذا انتهى تماما مبدأ أن الحاكم إله أو نصف إله أو حتى يسري فيه دم فوق بشري، وهو ليس إلا وكيل عن الأمة منوط بتنفيذ شرع من عند الله لا دخل له في وضعه وتقنينه، وانتهى وجود فوارق المراتب الكهنوتية بين البشر أو احتكار الصلة مع الآلهة، وانتفت كل مظاهر الوثنية، وساد تصور أن الإنسان هو سيد هذا الكون. وثالثها: التوازن والوسطية، بين الروح والجسد، بين علوم الشرع وعلوم الحياة، بين الدنيا والآخرة، بين المثالية والواقعية، بين الحقوق والواجبات. ورابع خصائص حضارة الإسلام –كما يرى المؤلف- هي: الصبغة الأخلاقية، فالأخلاق هي غاية الرسالة، كما قال –صلى الله عليه وسلم- “إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِمَ مَكَارَمَ الأَخْلاَقِ”، وهكذا روعي الجانب الأخلاقي في العلم والحكم والتشريع بل حتى في الحرب وضع الإسلام “أخلاق الحروب”، وأهم ما في جانب الأخلاق أن مصدرها هو الوحي الإلهي فهي تامّة بعكس النظريات البشرية في الأخلاق، كما أن الالتزام بها ينبع من داخل الضمير باعتبار الأخلاق دينا يحاسب عليها المرء. وما يجعل الحضارة الإسلامية متفردة بين الحضارات أن خصائصها تلك هي خصائص دين فهي غير قابلة للتبدل أو التغير مهما تغيرت الأحوال والظروف، ولذا فهي خصائص خالدة لحضارة الإسلام.
***
يناقش الباب الثاني من الكتاب (إسهامات المسلمين في مجال الأخلاق والقيم)، وذلك من خلال خمسة فصول (الحقوق – الواجبات – الأسرة – المجتمع – العلاقات الدولية).
إن الأخلاق هي جوهر وأساس أي حضارة، وهي سرَّ بقائها عبر التاريخ والأجيال، وهو الجانب الذي إذا اختفى يومًا فإنه يُؤْذِنُ بزوال الدفء المعنوي للإنسان، الذي هو رُوح الحياة والوجود؛ والحضارات السابقة وحتى المعاصرة لم تحظ بقدر بارز أو إسهام مؤثر في هذا الجانب الأخلاقي، والحضارة الغربية المعاصرة نموذج واضح للاختلال بين القوة والأخلاق.
غاص المؤلف مستعرضا بما أمكنه من إيجاز غير مخل بما يشرعه الإسلام من حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وحقوق الخدم والعُمَّال، وحقوق المرضى وذوي الاحتياجات الخاصة، وحقوق اليتامى والمساكين والأرامل، وحقوق الأقليات، وحقوق الحيوان، وحقوق البيئة. في فصل يثبت القفزة الهائلة وغير المسبوقة بل وغير الملحوقة التي أتت بها شريعة الإسلام.
ثم ثنَّى باستعراض الإسهامات الإسلامية في جانب الحريات، فناقش: حرية العقيدة في الإسلام إذ لا إكراه في الدين، بل لقد كفل الإسلام فوق حرية العقيدة حرية التعبير عنها ولكن بعيدا عن السخرية والمهاترات (وجادلهم بالتي هي أحسن). وكفل الإسلام حرية التفكير حين دعا بكل قوة لإعمال العقل وعاب على الذين يعطلون عقولهم وقواهم الحسية عن إدراك الواضحات فوصفهم بالأنعام بل هم أضل، والتفكير في الإسلام فريضة وهذا الذي تجسد من خلال “الاجتهاد” الذي أثرى الفقه الإسلامي عبر القرون. وحرص الإسلام على التمتع بحرية الرأي، بل بما هو أعلى من هذا وهو واجب النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكم شهدت سيرة النبي من مواقف تدلنا على هذه الحرية. وأتى الإسلام أيضا بحرية النفس، حيث كل الناس أبناء لآدم، ولكنه سلك في تحرير العبيد وإلغاء الرق سياسة واقعية، بتجفيف منابع الرق، والحض على الإعتاق، وإيجاد الوسائل التي تساعد العبد لنيل حريته. وأخيرا حرية التملك: حيث كان النموذج الإسلامي في الموازنة بين الفرد والمجتمع نموذجا وسطا، يعطي الأفراد الحق في التملك ولكنه يحارب تضخم النزعة الفردية ويراعي مصلحة المجموع، فيمنع الفرد مما فيه ضرر لمصلحة الجماعة، ثم جعل ملكيات أخرى عامة هي للجماعة يستفيد منها عموم الناس.
وفي فصل الأسرة يركز المؤلف على أن الأسرة ” حصن هذا المجتمع وقلعته وصمام أمنه وأمانه”، ولهذا اهتم الإسلام بها حيث شرع الزواج وجعله الأصل وأعلن ان لا رهبانية في الإسلام، واهتم بعقد الزواج وأوصى الزوجان بحسن الاختيار، وجعل لكل منهما على الآخر حقوقا وواجبات، ثم جعل عليهما حقوقا نحو الأبناء منذ تسمية الله قبل اجتماعهما في الفراش، مرورا بحمله إذ يصبح حينئذ كائن له حق الحياة ولا يجوز إجهاضه، وولادته والاستبشار به وتحنيكه والأذان في أذنه، وإحسان تسميته، وإعطائه حقه من الرضاعة الطبيعية، وقد أجاز الإسلام للحامل والمرضع ألا تؤديا فريضة الصوم رعاية للمولود، وحقه من الحضانة والنفقة، ثم الحق في حسن التربية والتعليم والرعاية، وبهذا فاق الإسلام كل القوانين الوضعية في رعاية الأبناء.
ثم أوصى الأبناء بالآباء، فللآباء حق البر والطاعة والإحسان، ونهى عن مجرد قول “أُف”، ولم يقف الإسلام عند حدود الأسرة الصغيرة بل أولى رعايته أيضا الأسرة الكبيرة (الرَحِم)، فلكل أُولِي القربى من الإخوة والأخوات، والأعمام والعمَّات، والأخوال والخالات، وأبنائهم وبناتهم؛ حقُّ البِرِّ والصِّلَة، وجعل هذا من أسباب سعة الرزق وطول العمر وخلود الذكر، وتوعد قاطع الرحم، وجعل قطع الرحم من أكبر الذنوب، وبهذا توسع الإسلام فشمل باب القيم فيه الأسرة الواسعة.
وفي جانب المجتمع أقام الإسلام مجتمعا يرتكز على أربعة ركائز: المؤاخاة، والتكافل، والعدل، والرحمة. وفي الفصل الخامس والأخير الذي يتحدث عن الإسهام الأخلاقي من خلال العلاقات الدولية بين الدولة الإسلامية وغيرها، يركز المؤلف على أن السلام هو الأصل بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول، وبالتالي ” فالمعاهدات تكون إمَّا لإنهاء حربٍ عارضة والعود إلى حال السلم الدائم، أو إنها تقرير للسلم وتثبيت لدعائمه”، وبالنظر إلى معاهدات النبي وخلفائه نجد أن المسلمين إنما يحاولون العيش في جَوٍّ هادئ مسالِمٍ مع مَنْ يجاورونهم، وأنهم لم يَسْعَوْا لقتال قَطُّ، بل كانوا دائمًا مؤْثِرين السلم على الحرب، والوفاق على الشقاق، وتحدث المؤلف عن ضوابط المعاهدات وشروطها وإلزامية الوفاء بها في الإسلام، وبعدئذ فإذا كان الحال هكذا فلا يفوت المؤلف أن يتكلم في مبحث عن أسباب وأهداف الحرب في الإسلام والتي عددها في: الدفاع عن النفس والدين، أو لدفع ظلم عن النفس، ولكن حتى في الحرب تظل للإسلام صبغته الأخلاقية في الحروب، والتي أفرد لها المؤلف مبحثا أنهى به هذا الفصل، وهذا الباب جميعا لينتقل إلى الباب الثالث.
***
الباب الثالث عن المؤسسة العلمية في الإسلام، وهو خمسة فصول:
الأول عن الرؤية الجديدة التي أتى بها الإسلام بشأن العلم، حيث لا نزاع ولا مشكلة بالأساس بين العلم والدين، وحيث أصبحت قضية العلم عامة لكل الناس، وطلبه فريضة على كل المسلمين، وبهذا تطورت الحركة العلمية بعد اكتسابها القوة الشعبية لتكثر المكتبات وتتكاثر وتتضخم حلقات العلم في المجتمع الإسلامي.
والفصل الثاني عن التغيير الإسلامي لتفكير العلماء، إذ بدأ في الحضارة الإسلامية استخدام المنهج العلمي التجريبي، وتطور العلم ليكون عمليا يخدم واقع الحياة ويبتعد عن القضايا غير ذات الصلة بالفائدة الفعلية، وكذلك بدأ في عصر الحضارة الإسلامية تشكل الفرق العلمية بعد أن كان واقع الحال فرديا، ثم إلزام الإسلام أبناءه بالأمانة العلمية فالمسلمون لم ينسبوا لأنفسهم آراء من سبقهم بل أعلنوها منسوبة إلى أصحابها أرسطو وأفلاطون وإقليدس وأبقراط وغيرهم، في حين أن الغرب في نهضته الأولى سرق روادها أفكار واختراعات علماء المسلمين ونسبوها لأنفسهم بعد ذاك بتسعة قرون، حتى كان اكتشاف هذا تعرية لهم بعد موتهم بقرون.
والفصل الثالث كان حديثا عن المؤسسة التعليمية الإسلامية، والتي تبدأ بالكتاتيب التي تشبه في عصرنا الآن المدارس الابتدائية، وأفاض المؤلف نسبيا في الحديث عن طريقة التعليم والتدريس التي كانت متبعة في تلك الكتاتيب، وهي طريقة متطورة حتى بمقاييس يومنا هذا، وفي المرحلة الثانية كانت حلقات المساجد هي أبرز قطاعات المؤسسة التعليمية الإسلامية، وإذا عرفنا أن المساجد كانت أول ما يبنى في كل بلد مفتوح كان لنا أن نتخيل إلى أي حد انتشرت حلقات العلم على طول الرقعة الإسلامية، ثم وبعد أن غصت المساجد بحلقات العلم بدأ إنشاء المدارس التي يُنفق عليها من اموال الأوقاف، فمنذ القرن الرابع الهجري وُجدت المدارس الكبرى في الحضارة الإسلامية.
وفي الفصل الرابع يتحدث المؤلف عن المكتبات في الحضارة الإسلامية وأنواعها، ثم يركز الحديث على مكتبة بغداد التي اعتبرها “جامعة إسلامية متطورة”، وفي الفصل الخامس تابع حياة العلماء، منذ تنشئة العالم، ثم المكانة التي كانت للعلماء في الدولة الإسلامية، ثم ابتكار فكرة “الإجازة”، وهي الشهادة التي تُجيز لطالب العلم في هذا الفن أن يمارسه، فهذه الإجازة هي اختراع إسلامي أضيف للحضارة الإنسانية.
***
وفي الباب الرابع جولة مع الإسهامات الإسلامية في علوم الحياة، وهو ينقسم إلى فصلين: الأول عن تطوير العلوم الموجودة مثل الطب والفيزياء والبصريات والهندسة والجغرافيا والفلك، أما الثاني فعن العلوم التي ابتكرها المسلمون، وهي الكيمياء والصيدلة والجيولوجيا والجبر والميكانيكا، وأفرد المؤلف مبحثا لكل علم من هذا وضح فيه الإضافة الإسلامية أو الابتكار الإسلامي وأسماء العلماء الرواد فيه.
وفي الباب الخامس جولة عن الإسهامات الإسلامية في جانب العلوم الإنسانية، وبنفس المنهج في تطوير العلوم الموجودة وهي علم الفلسفة والتاريخ والأدب، ثم الابتكارات الإسلامية لعلوم جديدة مثل علم الاجتماع وعلوم الشريعة (علم أصول الحديث- علم الجرح والتعديل - علم أصول الفقه) وعلوم اللغة (علم النحو – علم العروض – علم المعاجم)، وأعطى نبذات وافية عن هذه العلوم، غير أنه استبق هذين الفصلين بفصل استعرض فيه الإصلاح الإسلامي للتصورات والأفكار العقدية التي كانت موجودة عند الأمم السابقة.
***
تحدث الباب السادس عن المؤسسات والنظم في الحضارة الإسلامية، فتحدث عن مؤسسة الخلافة والإمارة: شروط الخلافة في الإسلام، وكيفية اختيار الخلفاء، وماهي البيعة وولاية العهد، وكيف كانت علاقة الحاكم بعموم الناس من خلال تعاليم الإسلام. وتحدث عن الإسهامات الإسلامية في مسألة نظام الحكم، إذ بدأ التأليف في المجال السياسي مبكرا منذ عهد الرشيد بكتاب الخراج لأبي يوسف تلميذ أبي حنيفة، ثم تطورت المؤلفات فظهر كتاب الإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيبة، ثم نضجت الكتابة واستبانت النظرية السياسية الإسلامية بكتاب الماوردي (الأحكام السلطانية)، وكتاب (سراج الملوك) لأبي بكر الطرطوشي، ثم كتاب (المنهج المسلوك في سياسة الملوك لعبد الرحمن الشيزري)، وكتاب شيخ الإسلام ابن تيمة (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية)، ثم تكون مقدمة ابن خلدون قمة التطور الكتابي في هذا الموضوع. وكانت الميزة الإسلامية في هذه النظرية أنها مستمدة من كتاب الله وتهدف للإصلاح ابتغاء رضوانه فلا أثر فيها لما يمكن أن يوجد عند ميكيافيللي حيث الغاية تبرر الوسيلة.
وأفرد المؤلف مبحثا عن “الفتن السياسية من المنظور الحضاري”، وكيف كان التعامل الإسلامي معها إسهاما حضاريا جديدا، فلقد كان الهدف الذي تتوجه له الأنظار –كما يرى- هو الواقعية لتحقيق حماية الأمة ووحدتها واجتماعها، ولهذا كان النهي عن الخوض في الفتن، وإقرار ولاية المتغلب وإن لم يكن الأفضل من بين المسلمين، وأفرد مبحثا عن مبدأ الشورى في الإسلام من حيث هي أصل “من الأصول الأولى للنظام السياسي الإسلامي”، ولقد كانت إسهاما إسلاميا ظهر في وقت لم تعرف فيه البشرية سوى الديكتاتوريات الملكية.
وكان الفصل الثاني عن إسهامات الحضارة الإسلامية في مؤسسة الوزارة، فاستعرض مكانة المؤسسة في النظام السياسي للحضارة الإسلامية، وكيف أن النظرية السياسية الإسلامية أولت تلك المؤسسة عناية ومكانة ووضعت لها الشروط والواجبات بل وما نسميه الآن البروتوكول.
وتحدث الفصل الثالث عن مؤسسة الدواوين، فأفرد مباحث لديوان الرسائل والإنشاء (وهو الآن خليط من منصب المتحدث الرسمي ووزارة الخارجية وكذلك شيئا من وزارة الإعلام)، وديون الجند والعطاء، وديوان الاوقاف، وديوان البريد والاتصالات، وديوان بيت المال، والشرطة، والحسبة، والجيش. متحدثا عن الإسهامات الإسلامية في تنظيم وترتيب هذه المؤسسات.
ثم جاء الفصل الرابع عن مؤسسة القضاء، بدأه بمبحث عن قيمة مبدأ العدل في المنظومة الإسلامية، ثم تحدث عن الوسائل التي ابتكرتها الحضارة الإسلامية لكفالة العدل، وكيف سار تطور المؤسسة القضائية الإسلامية، وتحدث عن معايير اختبار القضاة واختيارهم، وتحدد مهماتهم، ولربما يدهش القارئ حين يعلم أن ظهور القضاء المتخصص كان من الإسهامات الإسلامية، فمنذ بواكير الخلافة العباسية ظهر القضاء العسكري المختص بقضايا الجند والعسكر، وفي الإسلام ظهرت المحاكم الخاصة بأهل الذمة، وتحدث العلماء عن “القضاء المستعجل” حين رتبوا أولوية الفصل في قضايا المسافرين، وتحقق في الحضارة الإسلامية كذلك مبدأ الرقابة على القضاء منعا لاستغلال أحد القضاة نفوذه بالباطل، وخُتِم هذا الفصل بالحديث عن مبدأ خضوع الخلفاء والأمراء لسلطة القضاء، فلا أحد فوق القانون، وحكم القاضي كان نافذا على الجميع، ثم تحدث عن ديوان المظالم (مايشبه الآن القضاء الإداري أو مجلس الدولة) كيف نشأ وتطور في ظل الحضارة الإسلامية.
وفي الفصل الخامس، جاء استعراض المؤسسة الصحية من خلال مبحثين: الأول تحدث عن المستشفيات كيف كانت في الحضارة الإسلامية مؤسسة متكاملة توفر للمريض الحد الأقصى من أسباب العناية والرعاية منذ اختيار موقع بنائها وحتى ممارسة العلاج بالدعم النفسي، والثاني: يتحدث بشكل عام عن المبدأ الإسلامي الإنساني في أمر المرض والمرضى.
واختتم المؤلف هذا الباب الضخم الذي استغرق منه قرابة المائة والخمسين صفحة بالحديث عن الخانات والفنادق التي انتشرت في أرجاء الحضارة الإسلامية وتطورت، وشكلت الحل العصري للمجتمع الذي كثر فيه المسافرون بين الأقطار من التجار وطلبة العلم، وهو أيضا مبحث ربما دهش له القارئ الذي سيكتشف أن الفنادق هي –بهذا المستوى الذي وصلت إليه- إسهام إسلامي في مسيرة الحضارة الإنسانية.
***
وفي الباب السابع يكون القارئ مع رحلة ممتعة في باب يتحدث عن الجمال في الحضارة الإسلامية، الجمال فقط، وعبر سبعة فصول يحاول المؤلف لمَّ جوانب الجمال الذي زخرت به حضارة الإسلام، ففصل عن الفنون الإسلامية يتحدث عن فن العمارة الإسلامية، وفن الزخرفة، وفن الخط العربي. ثم فصل يتحدث عن جمال الآلات والمصنوعات وكيف اهتم المسلمون يتجميل مخترعاتهم العلمية كذلك (في هذا المبحث سنعلم أن المسلمين أول من اخترعوا الساعات ذاتية الحركة، والإنسان الآلي، بل وحامل مصحف إليكتروني)، وكيف شملت الزينة كل الآلات والمصنوعات والمواد التي وجدت في البيئة الإسلامية حتى تم تزيين كل شئ من القصور وحتى الدبابيس ومفاتيح الأبواب. ثم فصل عن جماليات البيئة ناقش كيف أن القرآن والسنة كانا المؤثر الأول والأعظم في تشكيل الحس الجمالي لدى المسلمين من خلال صورة الجنة حتى حاولوا إقامتها أو إقامة أشباهها على الأرض، فتحدث عن الحدائق الإسلامية التي تبهر أوصافُ المؤرخين لها القارئَ بعد كل تلك السنين، وكيف انتشرت على طول الإمبراطورية الإسلامية من الأندلس شرقا وحتى الهند غربا مرورا بالمغرب ومصر والشام والاناضول والعراق وفارس، وتحدث في مبحث خاص عن النافورات التي انتشرت في الحدائق والمساجد والبيوت وكانت حلا معماريا لمشكلات البيئة الحارة، كما كانت تُحفا فنية بديعة، وأحيانا كانت اختراعا علميا كنافورة الأسود في قصر الحمراء التي كانت أيضا ساعة تعين الوقت وتنبه للساعات من خلال خروج الماء من أفواه الأسود.
وأفرد المؤلف فصلا عن اهتمام الإسلام بالجمال الظاهري من حيث النظافة والعناية بالجسد والملبس والمسكن والشارع والمدينة، والعناية بدقائق الذوق مثل خفض الصوت والاستئذان في الزيارة وفي الجلوس، وفي مداعبة الزوجة، واهتمامه كذلك بالجمال المعنوي، ووصيته بالتبسم وطلاقة الوجه، وحرصه على سلامة الصدر وشيوع الحب لكل الناس، وعنايته برسوخ حسن الخلق، وبدقائق ذوقية معنوية أيضا.
وتحدث الفصل السادس عن جمال الألقاب التي اتخذها الخلفاء والوزراء والقادة أمثال (نور الدين والمسترشد بالله) بل جمال الكتب التي ألفت في الفقه والعقيدة والجدل والتفسير، أمثال (كنز الدرر وجامع الغرر) أو (اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان)، وختم الباب بفصل عن مدينة قرطبة وما تمتعت به من جمال ورقي.
***
وينتهي الكتاب بالباب الثامن، وفيه يتناول المؤلف أثر الحضارة الإسلامية في الحضارة الأوروبية المعاصرة، فيستعرض معابر الحضارة الإسلامية إلى الغرب من خلال الأندلس، وجزيرة صقلية التي عاشت قرنين من الزمان تحت الحكم الإسلامي، وكذلك من خلال الحروب الصليبية حيث تم الاحتكاك الكبير بين الصليبيين وعالم الإسلام.
ويتحدث عن مظاهر تأثر الحضارة الغربية بالحضارة الإسلامية في ميادين العقيدة والتشريع، العلوم، اللغة والأدب، التربية والمعاملات، ومجال الفنون. ثم يختم الباب بذكر مجموعة من شهادات علماء الغرب ومفكريه للحضارة الإسلامية دورها وأثرها، فيذكر شهادات المؤرخ الأمريكي دانييل بريفولت، وعميدة المستشرقين الألمان في وقتها زيجريد هونكه، والمؤرخ الشهير ول ديورانت، ورونالد هيل، وجوستاف لوبون، والزعيم الهندي نهرو، ولويس سيديو، وكارا دي فو، وغيرهم وغيرهم. في أجمل خاتمة تستطيع أن تقضي على ما قد يكون تبقى من شك في نفس قارئ الكتاب الذي سيدهش إلى درجة الصدمة حتما إن لم يكن من قبل ذا علم بالحضارة الإسلامية وعظمتها وتأثيرها.
***
إن هذا الكتاب يقترب من أن يكون موسوعة ولا أروع في الحضارة الإسلامية، وسيكون موسوعة ضافية إذا توفر على أبوابه وفصوله من يتوسع فيه –وهو المكتنز بالنصوص- بالشرح والتحليل، وإضافة تعليقات العلماء والفقهاء والإكثار من الأمثلة التاريخية لعصور الحضارة الإسلامية.
ومن الصعوبة الحقيقية إعداد عرض يمثل الخلاصة لمثل هذا الكتاب، الذي تشعر أن مؤلفه كان يسابق الصفحات واللحظات ويحاول كالمحارب التقاط جوانب المواضيع الكثيرة والمتشعبة، فيوجزها في أقصى ما يمكن إيجازه، فلربما جاءت أبواب الكتاب كأنما تحشر المعلومات حشرا تريد أن تجمع البحر في قدح أو الريح في زجاجة.
ولكن لا يسع المرء إلا أن يلح بكل قوة على القارئ الكريم أن يقتنيه ويقرأه بعين العناية، ليؤمن حقا أن المسلمين هم (خير أمة أخرجت للناس).


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 24-10-2022, 01:29 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,462
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

أبو الريحان البيروني وبلاد الهند



د. مصطفى عطية جمعة




لا يمكن النظر إلى شخصية أبي الريحان محمد بن أحمد البيروني (362هـ/ 973م - 440هـ/ 1048م) على أنه رحالة فحسب، ولا سبيل لقراءة رحلته إلى الهند بمعزل عن تكوينه العلمي؛ فهو عالم فذٌّ عبقري، متعدد المواهب والقدرات والمعارف والعلوم؛ بل إنه أتقن كلَّ ما ألَّف فيه في مجالات: الفلسفة، والفَلَك، والجغرافيا، والجيولوجيا، والصيدلة، والرياضيات، والترجمة، والتاريخ والتأريخ. فجاء منجزُه في مدونات الرحلات بعضاً من مشروعاته ومؤلفاته العلمية. وبعبارة أدقَّ: فإنه لا يمكننا فهم البيروني الرحالةِ والمؤرخِ بمعزل عن فهم نبوغه وعطائه في علوم أخرى.

وُلِدَ البيروني في ضاحية من ضواحي خَوارزم (من جمهوريات آسيا الوسطى تسمى الآن أوزبكستان)، وقام برحلات لطلب العلم إلى بلدان مختلفة حوله، وقد أتقن عدداً من اللغات غير العربية، مثل الفارسية والسنسكريتية والسريانية واليونانية.

لقد اعتنى البيروني مبكراً بالبحث والتأليف في حياة الشعوب: تقاليدها، وصناعاتها، والتعريف بأهلها، بجانب الميدان الجغرافي المتعلق بالسهول والجبال والوديان والأنهار والبحار، الذي ينعكس - بلا شك - على حياة السكان وطبائعهم ونشاطهم الاقتصادي، وحياتهم الاجتماعية، مع دراسة وتوثيق علومهم ومعارفهم.

ونظراً لإجادته اللغة السنسكريتية، فإن السلطان محمود الغزنوي اصطحبه معه في فتوحاته إلى الهند، ثم طلب إليه تأليف كتاب يشتمل على تعريف ببلاد الهند، وثقافتها، وتاريخها، وعادات أهلها، ودياناتها، بهدف مساعدة دعاة المسلمين في نشر الإسلام بين ربوعها، وهو ما قام به البيروني بالفعل.

في ضوء هذه الغاية جاء كتاب البيروني (تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة) فريداً في صياغته ومعلوماته والمستهدف منه؛ فموسوعية البيروني العالم والأديب والفيلسوف أهَّلَته ليقرأ المجتمع الهندي قراءة علمية، ويقدِّم معلومات وافية مفصلة تتجاوز المفهوم البصري الذي يعتمده الرحالة عادة في تسجيل ما يشاهدونه أو يعيشونه بأنفسهم، إلى تقديم كتاب علمي متكامل عن مجتمع الهند بكل اتساعه وضخامته؛ خدمة لمشروع السلطان محمود الغزنوي الذي أقام سلطنة ضخمـة في أفغانستان، وكان له طموحه الأكبر في فتح الهند ونشر الإسلام فيها، فطلب إلى البيروني مرافقتـه في غزواته للهنـد، ومن ثَمَّ وَضْعَ مؤلَّفٍ جامع عنها، ليتواكب الفتح مع العلم، ويمتلك دعاة الإسلام في الهند معرفةً كافية على أسس علمية، ووَفْقَ معلومات دقيقة.

وقد توسعت الدولة الغزنوية في شمال الهند، من خلال حملات عسكرية متتابعة، وصل عددها إلى تسع عشرة حملة، خلال المدة من (367هـ/ 977م - 422هـ/ 1032م). في الوقت نفسه ربطت صداقة وطيدة بين البيروني والسلطان محمود الغزنوي، والأخير كان أكبر من البيروني بعامين فقط، وكان ذا همة عالية، ورغبة في تكوين مملكة قوية، وهذا ما حققه في عام 1020م؛ إذ امتدت حدود مملكته ألف ميل من الشمال إلى الجنوب، ونحو ضعفي ذلك من الشرق إلى الغرب.

أما الإسلام في الهند، فتذكر المراجع التاريخية أن الثقافة الإسلامية وردت إلى الهند من جهة خراسان وبلاد ما وراء النهر، فشعوبها هي الأقرب في الجغرافيا إلى الهنود، وكان جنود الفتح الإسلامي من أبنائها. ولما بلغ الإسلامُ الهند، أنتج حضارة إسلامية امتاحت من حضارة الهند القديمة وفلسفاتها وعلومها، كما نهض من بلاد الهند جَمْعٌ كثير من العلماء المسلمين؛ خاصة عندما صارت لاهور قاعدة الملك في أيام الدولة الغزنوية وتطورت لتكون مركزاً للعلوم والفنون. وتتابع الأمر مع جهود ملوك المملكة الغورية الذين فتحوا مدينة دلهي واتخذوها عاصمة للهند، وأصبحت قبلةً ومآباً للعلماء، حتى وفد إليها أرباب الفضل والكمال من كل ناحية وبلدة، فدرسوا وأفادوا عهداً بعد عهد، ولم تزل كذلك إلى آخر عهد الملوك التيمورية.

وهو ما يفسر لنا طبيعة كتاب البيروني عن الهند، وما فيه من تفصيل وتعميق وإحاطة بكل علـوم الهند ومعارفها وفنونها، ليكون مرجعاً للدعاة المسلمين. فالهند أمة عظيمة التاريخ والحضارة والثقافة، ولا بد من فهم هذا لمن أراد الولوج إلى عالمها، ونشر ديانة جديدة مثل الإسلام مصحوبة بثقافة وعلوم ومنجز حضاري كبير. وبعبارة أخرى: لا يمكن غزو أمة متحضرة، ونشر دين ومعارف وثقافة جديدة فيها، دون الفهم العلمي والموضوعي لثقافتها وحضارتها، وإلا ستبتلع الأمة المتحضرة الغزاة وتشبعهم بثقافتها، إذا كان الغزاة همجاً رَعاعاً لا حضارة ولا ثقافة راقية عندهم. والمثل الواضح على ذلك: التتار، الذين كانوا شعباً بدائياً لا يعرفون استقراراً ولا حضارة، بضاعتهم ونشاطهم منحصر في الغزو والنهب، وإسقاط الدول، وقد تمكنوا من تكوين إمبراطورية ضخمة، بعدما أفنوا شعوباً، وهدموا ممالك، إلا أنهم سرعان ما تأثروا ثم ذابوا في شعوب دار الإسلام، بحضارته الزاهرة التي غزوها في بلاد فارس والمشرق العربي والشام، بفعل عوامل متعددة منها: إعجابهم واتباعهم التصوف الإسلامي، وزواجهم من المسلمات، واقتداؤهم بما رأوه من تحضر السكان المسلمين في وسط آسيا وفارس والعراق، فأسلموا وخدموا الإسلام عندما حكموا.

وقد استبق البيروني كتابه عن الهند بالاطلاع على تراث الهند العلمي، من خلال مصاحبته للسلطان محمود الغزنوي ثلاث عشرة مرة إبَّان حملات السلطان على الهند، فخالط البيروني المجتمعَ الهنديَّ، نخبةً وعامَّةً وقرأ أسفارهم، وعرف تقاليدهم وشرائعهم، وألمَّ بطرائق تفكيرهم وحكمتهم.

كما قام البيروني بترجمة اثنين وعشرين كتاباً من اللغة السنسكريتية إلى العربية، ومن أبرز هذه الكتب: (جوامع الموجود لخواطر الهنود)، (قانون الأركنـد)، (خيال الخسوفيين)، (راشيكات الهند)، (الساماكاليتا) وفيه نظام الأعداد الهندي وترجمة النظريات الرياضية لبراهما سدهانتا. كما قام أيضاً بترجمة كتب من العربية إلى السنسكريتية، وجلُّها من التراث الإغريقي، ومن أبرزها: (أصول إقليدس)، (كتاب المجسطي لبطليموس)، (كتاب عن صنعة الإسطرلاب). وهو ما يعني أن رحلات البيروني لم تكن للمشاهدة والسياحة والتعرف على أحوال شعوب الهند فقط؛ وإنما اندمج في الحياة العلمية الهندية، وغشي مكتباتها ومجالسها العلمية، فقام بما يشبه عملية الحوار الحضاري والثقافي، عبر الترجمة والاطلاع والحوار، في جهدٍ دؤوبٍ متميزٍ.

فجاء كتابه عن الهند متميزاً في إضافته العلمية والأدبية. وكما قال أحد الرحالة: «إذا لم تضف الرحلات فائدة إلى قائمة المعرفة البشرية، فإنها تصبح ضارة». لأنها شهادة على العصر والمجتمع الذي عاشه المؤلف الرحالة، فيجب أن تكون شاملة لكافة جوانبه ويحركها هدف نبيل. ويجب أن تكون دقيقة في معلوماتها، وإحصاءاتها، وتواريخها، وحوادثها، وتفصيلاتها، وأيضاً في خرائطها ورسومها وصورها. فالرحلة وثيقة حيَّة، ونتاج معاينة ومعاناة، وأذواق منقحة، وهو ما يجعلها مصدراً هامّاً للدراسات التاريخية المقارنة، والدراسات الثقافية بجانب كونها من أدب الرحلات. فمدونات أدب الرحلات الرصينة تتأسس على الإضافة المعرفية العميقة، التي تتجاوز الفردانية والأحاديث السائرة عن أحوال الملوك قصورِهم وخَدَمِهم، ومظاهر العمران وأحوال الشعوب في البلدان، إلى تقديم نشاط الإنسان وإبداعه وابتكاراته وثقافته، وهذا لا بد أن يكون في أمامية الصورة، أما ما عداه فيكون في خلفيتها. فبعض الرحالة دوَّنوا الطرائف ووصفوا العجائب في حياة الشعوب، وبالغوا في ذلك من أجل جذب القراء لكتبهم، ولكن البيروني نأى عن ذلك ليقدم لنا كتاباً جمع العلم في منتهاه، والتاريخ وأخباره، وعرَّفنا بطبائع الهنود النفسية والاجتماعية، ولم يهمل معالم الهند، وما تتميز به في طبيعتها، وأيضاً في مبتكراتها العمرانية والعلمية، ليكون كتابه فريداً يجمع التاريخ والعلوم وأدب الرحلات والفنون.

تبقى نقطةٌ مهمة تجب الإشارة إليها، تتعلق بتنازع دول عديدة جنسيةَ البيروني؛ فأوزبكستان تتفاخر به، وهي التي تضم سمرقند وطشقند وبخارى وترمذ، وأخرجت كبار علماء الحديث أمثال: البخاري ومسلم والترمذي... كما تدعي إيران نسبته إليها، فقد أجاد لغتها وعاش فيها، وكذلك جمهوريتا طاجيكستان وأفغانستان، وقد قضى البيروني فيهما شطراً من حياته، كما تتفاخر القومية التركية بنسبته إليها، لأنه ولد في خوارزم التي هي من أعمال جمهورية تركستان حالياً، ونتمسك به نحن العرب لأن جلَّ مؤلفاته كانت باللغة العربية. وفي الحقيقة هذا التنازع مبني على أساس التعصب للهويات القومية وجنسيات الدول التي رسمت حدودها حديثاً، وكل هذا لم تعرفه الحضارة الإسلامية، وقد عاشت في كنفها عرقيات وشعوب وجنسيات كثيرة، اعتنقوا الإسلام، وتعلَّموا علومه، وأبدعوا باللغة العربية مثلما دوَّنوا كتباً بلغاتهم الأصلية، وفي جميع الأحوال كان التفاخر الشعوبي نزعة مدانة ديناً وأخلاقاً، ولا يمكن قراءة المنجز الحضاري الإسلامي على أسس قومية أو حدودية.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 27-11-2022, 12:17 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,462
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

طب الأسنان في الحضارة الإسلامية


مصطفى عاشور



مع تقدم الحضارة، وطبيعتها الاستهلاكية، تكثر أمراض الأسنان، نظرا للمأكولات والمشروبات المستحدثة التي قد تضر بالأسنان، وعندها يبزغ طب الأسنان، فمع توسع المسلمون عالميا في القرون الأولى للهجرة، أخذت الأمراض والآفات تتسلل للأسنان، وهو ما فرض على الأطباء أن يولوا عناية خاصة بهذا الطب تشخصيا وعلاجا وتطويرا وابتكارا، ففي الصدر الأول للإسلام، كان المنهج الوقائي هو الغالب، فكانت المضمضة واستخدام السواك، وتنظيف الأسنان قبل الصلاة والنوم، والحرص أن تكون بيضاء نظيفة، فكانت تلك وسائل شرعية وصحية ووقائية لإبعاد الآلام والأمراض.
ومع التقدم في مضمار الحضارة، رفد الأطباء المسلمون طبَ الأسنان بالكثير من الجهود في الوقاية والعلاج وابتكار المواد والتركيبات والأدوات الجراحية لحشو الأسنان، أو خلعها إذا اقتضت الحاجة، وما وصل إلينا من إسهامات ليس كل ما كتبه الأطباء المسلمون، ولكن ما استطاع الإفلات من يد الزمن.
من الوقاية حتى زراعة الأسنان

عرفت الحضارة الإسلامية كل ما يتعلق بطب الأسنان والعناية بها، بدءا من التشخيص إلى الوقاية والعلاج، إلى عمليات التقويم والخلع والعلاجات المختلفة، وصولا إلى استبدال الأسنان المخلوعة بأخرى من عظام الأبقار أو الذهب والفضة، ويلاحظ أن طب الفم والأسنان لم يكن تخصصا متفردا بذاته، كما هو الحال في العصر الحديث، ولكنه كان مُتضمنا في الطب العام، وهذا ما منحه الكثير من الاهتمام، إذ حضرت الأسنان في غالبية الكتب الطبية، فكانت أحد مباحثهم، التي ينظرون إليها وفق منظور كُلي للحفاظ على صحة الجسد وعافيته، فخُصص فصل وأكثر في الكتب الطبية للأسنان.
“فردوس الحكمة في الطب “وقد تناول الأطباء المسلمون أمراضَ الأسنان، والعلاقة بين الأسنان وعمر الإنسان، كما أنهم لم يستسلموا لآراء الطب اليوناني القديم، ولكنهم نقدوها وأضافوا إليها، واستحدثوا الكثير من العلاجات والمطهرات والجراحات، وأجادوا التشخيص والوقاية والعلاج،
ومن الابتكارات التي تميزت بها الحضارة الإسلامية علاج تسوس الأسنان من خلال ثقب السِن التالف من المنتصف ثم حقنه ببعض المواد والتركيبات لوقف الآلام، ولوضع الحشوات، المكونة من خليط من مواد غير قابلة للصدأ، لتعويض ما تلف من الأسنان، وكان من ابتكاراتهم نحت أسنان صناعية من العاج وعظام البقر لتكون بديلا عن الأسنان المخلوعة، كما ابتكروا خيوطا من الذهب لربطها بالأسنان حتى لا تسقط.
كتاب ” التيسير في المداوة والتدبير”اهتم الفيلسوف والطبيب “ابن سينا” بعلاج الأسنان، ووصف أمراضها وكيفية علاجها، والتركيبات الطبية لوقف النخر، ومما استخدمه في حشو الأسنان مادة “الكافور” والتي كانت تُسكِن الألم وتوقف التسوس، يقول ابن اسينا:”وقد جُرب الكافور في الحشو فكان نافعا ويمنع التآكل ومسكن للألم”، كما تحدث “ابن سينا” عن العلاقة بين تغير لون الأسنان والأمراض التي تصيبها، والمواد التي تستخدم لإماتت العصب حتى تتوقف آلام الأسنان، ومن المواد التي استخدمها الأطباء المسلمون “العلك الرومي” وهي مادة كانت تُحشى بها الأسنان التالفة.
“هداية المتعلمين في الطب”كان “زين الدين الجُرْجَاني” الشهير بـ”الخوارزمشاهي”، وهو من أطباء القرن السادس الهجري، والذي لقب بـ”أبقراط الثاني” تناول علاج الأسنان في كتابه “زبدة الطب” فتناول تأثير تقدم العمر على صحة الأسنان، فتحدث عن ضمور اللثة كلما تقدم العمر، وعرض لبعض العلاجات والتركيبات لمداوة الأسنان لتستعيد قوتها، وفي القرن الثاني الهجري تكلم “علي بن سهل ربَّن الطبري” عن الأسنان، ولقبة “ربن” بالفارسية تعني الأستاذ، ومن أشهر مؤلفاته الطبية ” فردوس الحكمة “، حيث خصص فصلا عن أمراض الفم والأسنان، أما الطبيب “ابن القف” موفق الدين يعقوب ابن اسحق، وكان طبيبا مسيحيا، فتحدث عن الأسنان وخلعها في كتابه “العمدة في الجراحة”، وفي القرن التاسع الهجري شرح “نفيس بن عوض الكرماني” في كتابه “شرح الأسباب والعلامات في الأمراض ومعالجتها” بعضا من أمراض الأسنان، خاصة سقوط الأسنان، أما الطبيب “أبو بكر ربيع بن أحمد الأخويني” في القرن العاشر الهجري، فخصص في كتابه “هداية المتعلمين في الطب” فصلين عن الفم والأسنان، ويعد أول من كتب في علاج الأقواس الضرسية وتشوهات الفم، ودور بعض الأعصاب في إثارة ألم الأسنان، كذلك قدم بعض المطهرات العطرية للفم، وتحدث عن خلع الأسنان كحل أخير في حال فشل العلاجات.
كتاب ” العمدة في الجراحة “أما تحدث الطبيب “أبو بكر الرازي” فكتب عن الأسنان والأمراض التي تصيب الفم خاصة التجويفات، والأطعمة والمشروبات الضارة بالأسنان، أما “ابن البيطار” المتوفى 646هـ والمختص بعلوم النبات والعقاقير، فقدم وصفات وتركيبات لعلاج أمراض الأسنان، وتحدث الأطباء المسلمون عن أسنان الأطفال، منذ بداية نموها، والأمراض التي تصيبها، وكيفية علاجها مثل: “أحمد بن محمد البلدي” وهو من أطباء القرن الرابع الهجري في كتابه “تدبير الحبالى والأطفال والصبيان”، وفي الأندلس كان الطبيب”عٌريب بن سعيد القرطبي” المتوفى (370هـ) في كتابه “خلق الجنين وتدبير الحبالى والمولودين” حيث خصص الباب العاشر من الكتاب لطب أسنان الأطفال وتنقلهم في مراحل العمر المختلفة.
” تدبير الحبالى والأطفال والصبيان “ابتكارت في طب الأسنان

من الابتكارات، استعمال الأطباء المسلمون للتخدير عند علاج الأسنان، وكان يُسمى “المرقد”، فكانوا يضعون مواد مخدرة على إسفنجة ثم تجفف، ثم توضع على أنف المريض، ليدخل بعدها في نوم عميق، وكانت حلا للتغلب على آلام خلع الأسنان، أما “ابن سينا” فتحدث عن إصلاح كسور الفك.
وقد عرف الأطباء المسلمون خلع الأسنان، وكانت حالة لا يلجأ إليها الطبيب إلا مع استحالة شفاء السن أو الضرس، ولوقف الآلام التي يسببها، وبعد استنزاف سُبُل المداواة والعلاج، فكان “الزهراوي” يعتبر الخلع أمرا لا يقع إلا مع الضرورة القصوى، وكان يصف الأسنان الطبيعية بأنها “جوهر شريف”، وربما هذه الرؤية ما صرفت اهتمام الأطباء المسلمون للبحث عن العلاجات، فـ “الزهراوي” من أوائل من كتبوا عن خلع الأسنان، وحالاتها المختلفة، وكذلك مضاعفاته، والحلول الطبيبة لمواجهة ذلك، وهو ما دفعه إلى ابتكار آلات لحشو الأسنان وخلعها، والسعى لتقليل الألم أثناء الخلع، مثل الكلابات، والمعروف أن كتابه “التصريف” احتوى على رسم ووصف لأكثر من مائتي آلة، اختص بعضها بالأسنان، فقد كان الأطباء المسلمون يراعون الحالة الصحية للمريض قبل خلع الأسنان وخلو المريض من الالتهابات الحادة في اللثة أوالفك، منعا للمضاعفات.

كتاب “خلق الجنين وتدبير الحبالى والمولودين”وفي الأندلس ابتكروا نوعا من المضمضة وغسول الفم يسمى “السنونات” وهو دواء لتقوية اللثة وتطهير الفم والحفاظ على سلامتها، وابتكر الطبيب “أبو الحسن علي بن محمد التجيبي” المتوفى 636هـ وصفات أسماها “الغاسولات”، وسبق “الزهراوي” غيره من الأطباء في الحديث عن الألم المتنقل في الأسنان، والذي يمثل إشكالا للطبيب المعالج، وربما دفعه للخطأ، فيخلع السن الصحيح ويترك الأسنان العليلة.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 13-12-2022, 05:46 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,462
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

طريقة معرفة العرب والمسلمين للمواقيت والشهور والأيام والفصول
د. ثامر عبدالمهدي محمود حتاملة


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه اجمعين، وبعد؛
فإنَّ معرفة الأزمان والأوقات مما يطلبه الإنسان، لتعيين ابتداء يومه وانتهائه، ومعرفة أوقات عبادته، ومن نِعمة الله تعالى في زماننا سهولة معرفة الاوقات والشهور والأيام، ولكن قد يسأل سائل: كيف كان العرب يعرفون الاوقات زمن جاهليتهم، وبعد الإسلام؟

أولاً: كان العرب قبل الإسلام لا يهتمون كثيراً بالوقت سوى بمعرفة بداية اليوم ونهايته من خلال شروق الشمس ومن خلال بزوغ الفجر، ثم غروبها، وكانوا يعرفون الأشهر من خلال حركة القمر ومزاولته للشمس، وكانت الأشهر معروفة عندهم، للحج والتجارة والعمرة.

وقد استخدم العرب عبر فترات تاريخهم الطويل قبل الإسلام أسماء للأشهر القمرية التي كانوا يعملون بها وقتئذ، إلى أن تغيرت تلك الأسماء وتوحدت عند العرب لتأخذ صورتها المعروفة عليها منذ أواخر القرن الخامس الميلادي – في عهد كلاب – الجد الخامس للرسول محمد عليه الصلاة والسلام، كما استخدم العرب في جاهليتهم الأشهر الشمسية في بعض فتراتهم ومناطقهم[1].

وكان العرب يعرفون فصول السنة الأربعة وأوقاتها من خلال معرفتهم بعلم الفلك والنجوم ومطالعها، وإلى هذا أشار ابن قتيبة (ت276ه) حيث قال: (والفَلَك): مَدَارُ النجوم الذي يضمها قال الله عز و جل: ﴿ وَكُلٌّ في فَلَك يَسْبَحُون ﴾ سَمَّاه فَلَكاً لاستدارته، وللفَلَكِ قُطْبَانِ: قطبٌ في الشمال وقطبٌ في الجنوب متقابلان.

(ومَجَرَّة النجوم) سميت مجرَّة لأنها كائن الـمَجَرِّ ويقال: هي شَرَج السماء ويقال: باب السماء..
(وبُرُوج السماء) واحدها بُرْج وأصل البروج الحصون والقصور قال الله تبارك وتعالى ﴿ وَلَوْ كْنْتُمْ فيِ بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ وأسماؤها: الْحَمْلُ والثَّوْر والْجَوْزاء والسَّرْطان والأسد والسُّنْبُلة والميزان والعَقْرب والقَوْس والْجَدْي والدَّلْو والْحُوت

(ومنازل القمر) ثمانية وعشرون منزلاً ينزل القمر كلَّ ليلة بمنزل منها قال تعالى: ﴿ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كالْعُرْجَونِ الْقَدِيم ﴾ (يس:39)، والعرب تزعم أن الأنواء لها وتسميها نجوم الأخْذِ لأن القمر يأخذ كل ليلة في منزل منها.

والفصول أربَعَةُ:
1- الرَّبيعُ وهو عند الناس الْخَريف سمَّتْه ربيعاً لأن أول المطر يكون فيه، وسَمَّاه الناس خريفاً لأن الثمار تُخْتَرَف فيه، ودخوله عند حلول الشمس برأس الميزان ونجومه من هذه المنازل: الغَفْر والزُّباني والإكليل والقَلْب والشَّوْلة والنَّعَائم والبَلْدة.
2- ثم الشتاء: ودخوله عند حلول الشمس برأس الْجَدْي ونجومه: سَعْد الذَّابِح وسَعْدُ بُلَعَ وسَعْدُ السعود وسَعْد الأخْبِيةَ وفَرْغ الدّلو المقدَّم وفرغ الدلو المؤخرّ والرشاء.
3- ثم الصيف: ودخوله عند حلول الشمس برأس الْحَمَل - وهو عند الناس الربيع - ونجومه: السرَطان والبُطَين والثُّرَيَّا والدّبَرَان والَهقْعة والهَنْعة والذَّراع.
4- القَيظ: وهو عند الناس الصيف ودخوله عند حلول الشمس برأس السّرَطان ونجومه: النّثْرة والطَّرْف والْجَبْهةُ والزُّبْرَة والصَّرْفة والعَوَّاء والسِّماك الأعزل.

ومعنى: "النّوْء" سقوطُ نجمٍ منها في المغرب مع الفجر وطلوعُ آخر يقابله في المشرق من ساعته وإنما سمى نَوْءا لأنه إذا سقط الغارب ناء الطالع يَنُوء نَوْءا، وذلك النهوض هو النَّوُء وكل ناهض بثِقْلٍ فقد ناء به وبعضهم يجعل النوء السقوط كأنه من الأضداد.

وسقوط كل نجم منها في ثلاثَةَ عشرَ يوماً وانقضاء الثمانية والعشرون مع انقضاء السنة ثم يرجع الأمر إلى النجم الأول في استئناف السنة المُقْبلة وكانوا يقولون - إذا سقط منها نجم وطلع آخر وكان عند ذلك مطر أو ريح أو حَرٌّ أو برد نسبوه إلى الساقط إلى أن يسقط الذي بعده فإن سقط ولم يكن معه مطر قيل: (قد خَوَى نجم كذا) (وقد أخْوَى)[2].

وبعد مجيء الإسلام بدأ الاهتمام بالأوقات أكثر وكانوا يستدلون على الصلوات بالنظر في ظل الأشياء، (كما هو مشهور في كتب الفقه) وبعد مجيء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتعليمه أوقات الصلوات حددها النبي صلى الله عليه وسلم وعليها فقد روى الشيخان عن سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: (اشْهَدْ مَعَنَا الصَّلاَةَ، فَأَمَرَ بِلاَلاً فَأَذَّنَ بِغَلَسٍ فَصَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ ثُمَّ أَمَرَهُ بِالظُّهْرِ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ عَنْ بَطْنِ السَّمَاءِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْعَصْرِ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْمَغْرِبِ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْعِشَاءِ حِينَ وَقَعَ الشَّفَقُ ثُمَّ أَمَرَهُ الْغَدَ فَنَوَّرَ بِالصُّبْحِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِالظُّهْرِ فَأَبْرَدَ ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْعَصْرِ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ لَمْ تُخَالِطْهَا صُفْرَةٌ ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْمَغْرِبِ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الشَّفَقُ ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْعِشَاءِ عِنْدَ ذَهَابِ ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ بَعْضِهِ - شَكَّ حَرَمِىٌّ - فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ صلى الله عليه وسلم: أَيْنَ السَّائِلُ مَا بَيْنَ مَا رَأَيْتَ وَقْتٌ)[3].
[الغَلَس: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح/ نوَّر: أسفر من النور وهو الإضاءة/ وَجَبَت: سقطت عند وقت الغروب].

وعلى هذه المواقيت سار المسلمون وتواترت مواقيت الصلوات وكيفية معرفة بدايتها ونهايتها.
وكانت معرفة العرب لبداية الشهر ونهايته من خلال القمر ومراحله السبعة، حيث تنتجُ هذهِ المراحل من خلال دورانِ القمر حولَ الأرض في الأشهر العربية دورة كاملة، وفي هذا قال تعالى: ﴿ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴾ (يس: 39)، وقال تعالى: ﴿ يسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾ (البقرة:189)، ومراحل القمر هي: ابتداء من تولده باسم الهلال، ثم التربيع الأول، ثم الأحدب الاول، ثم البدر، ثم الأحدب الثاني، ثم التربيع الثاني، ثم الهلال الثاني، وانتهاء بالـمُحاق.

وبعدها بدأت صناعة الساعات في التاريخ الإسلامي.
فبدأت صناعة الساعات في التاريخ الإسلامي مبكراً، حيث وصل الأمر في عهد هارون الرشيد بصناعة ساعة مشهورة في التاريخ –أي إنَّ صناعة الساعات كانت معروفة في زمنه-، وهي من الساعات المائية المشهورة التي صنعها العرب حيث أهداها الخليفة هارون الرشيد (توفي 193 هجري) إلى الإمبراطور شارلمان ملك فرنسا وكانت بسبب دقتها وحسن زخرفتها إحدى عجائب الصناعة وكانت مصنوعة من البرونز المطعم بالذهب وكان بمينائها اثنا عشر بابا صغيرا يمثل كل منها ساعة من الساعات بحيث ينفتح كل باب إذا حلت الساعة ويصحب كل ذلك مره سقوط كرات من النحاس الأصفر على قرص من النحاس الرقيق بحيث يدل عدد الكرات على الساعة التي حلت بها من النهار أو الليل.[4]

ومن العلماء الذين قاموا بدراسة متعمقة في اختراع الساعات وتطويرها "ثابت بن قرة" (توفي ٢٨٨هجري)[5] ومن أوائل أعماله تأليف كتاب عن المزولة الشمسية التي كانت تستخدم لتعيين مواقيت الصلاة.

كذلك إبراهيم بن سنان بن ثابت بن قرة (المتوفى سنة335هـ) حيث له كتب ومؤلفات كثيرة في معرفة الاوقات والساعات، من مؤلفاته: (رسالة في الاسطرلاب) و (مقالة في رسم القطوع الثلاثة) و (رسالة في وصف المعاني المستخرجة في الهندسة وعلم النجوم) و (مقالة في طريق التحليل والتركيب) في الهندسة، و(كتاب في حركات الشمس) رسالة، و(كتاب في مساحة قطع المخروط المكافي) رسالة، و(كتاب في الدوائر المتماسة) ست ورقات، و(كتاب في أصول الهندسة) خمس أوراق[6].

كما قام "أبناء موسى بن شاكر" الثلاثة المشهورون باسم بني موسى بوضع بحث في الحيل الميكانيكية في الآلات الذاتية الحركة، وأبو يوسف الكندي الذي عاش في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) من أوائل علماء المسلمين الذين تناولوا عمل الساعات في كتاباتهم فله رسالة خطيه من ست صفحات محفوظة في المكتبة البودليه في أكسفورد برقم 663تحت عنوان "رسالة في عمل الساعات على صحيفة تنصب على سطح مواز للأفق بالخطوط خبر من غير برهان".

[1] انظر : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، د. جواد علي، ج1 ، 5104 / مروج الذهب، للمسعودي، ج1،ص 249 .

[2] للمزيد ينظر: أدب الكاتب، أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الكوفي المروري الدينوري، المكتبة التجارية، مصر، ط4، ص68-69.

[3] صحيح البخاري، تحقيق مصطفى البغا، كتاب مواقيت الصلاة، باب قوله تعالى: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا)، حديث499/ صحيح مسلم، كتاب المساجد، باب مواقيت الصلوات الخمس، حديث1423.

[4] ينظر: قصة الحضارة، وِل ديورَانت = ويليام جيمس ديورَانت (المتوفى: 1981م)، ترجمة: الدكتور زكي نجيب محمُود وآخرين، دار الجيل، بيروت - لبنان، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 1408 هـ - 1988م،ج13، ص94.

[5] قال عنه الذهبي: وَكَانَ يَتَوَقَّدُ ذكَاءً، فَبَرَعَ فِي عِلم الأَوَائِل، وَصَارَ مُنَجِّمَ المُعْتَضِد، فَكَانَ يَجلسُ مَعَ الخَلِيْفَةِ، وَوَزِيْرُه وَاقفٌ، وَنَال مِنَ الرِّئاسَة وَالأَمْوَال فُنوناً، ينظر: سير أعلام النبلاء، ج25، ص491.

[6] ينظر: الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، ط15، ج1، ص42.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 211.69 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 205.80 كيلو بايت... تم توفير 5.89 كيلو بايت...بمعدل (2.78%)]