تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله - الصفحة 42 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 497 - عددالزوار : 213927 )           »          تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 3126 - عددالزوار : 540137 )           »          بيان ما أُعطيه الخليل عليه السلام من معرفة ملكوت السماوات والأرض (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          سلسلة هدايات القرآن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 10 - عددالزوار : 528 )           »          إطلالة على مشارف السبع المثاني (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 5 )           »          حدث في الحادي عشر من صفر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          إعداد القادة في مدرسة النبوة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          المربي الواعي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          المدرسة السياسية في سقيفة بني ساعدة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          التقوى هي : السلاح الأقوى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 04-06-2020, 05:07 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,261
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة 412)
تفسير السعدى
سورة العنكبوت
من الأية(38) الى الأية(44)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة العنكبوت


" وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين " (38)


أي: وكذلك ما فعلنا بعاد وثمود, وقد علمت قصتهم, وتبين لكم بشيء تشاهدونه بأبصاركم من مساكنهم, وآثارهم, التي بانوا عنها.
وقد جاءتهم رسلهم بالآيات البينات, المفيدة للبصيرة فكذبوهم, وجادلوهم.
" وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ " حتى ظنوا أنها أفضل, مما جاءتهم به الرسل.


" وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين " (39)


وكذلك قارون, وفرعون, وهامان, حين بعث اللّه إليهم موسى ابن عمران; بالآيات البينات; والبراهين الساطعات, فلم ينقادوا, واستكبروا في الأرض, على عباد اللّه, فأذلوهم, وعلى الحق, فردوه, فلم يقدروا على النجاء, حين نزلت بهم العقوبة.
" وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ " اللّه, ولا فائتين, بل سلموا واستسلموا.

" فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " (40)


" فَكُلَا " من هؤلاء الأمم المكذبة " أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ " على قدره, وبعقوبة مناسبة له.
" فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا " أي: عذابا يحصبهم, كقوم عاد, حين أرسل اللّه عليهم الريح العقيم, و " سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ " .
" وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ " كقوم صالح, " وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ " كقارون.
" وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا " كفرعون وهامان, وجنودهما.
" وَمَا كَانَ اللَّهُ " أي: ما ينبغي ولا يليق به " لِيَظْلِمَهُمْ " لكمال عدله, وغناه التام, عن جميع الخلق " وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ " منعوها حقها, الذي هي بصدده, فإنها مخلوقة لعبادة اللّه وحده.
فهؤلاء, وضعوها في غير موضعها, وشغلوها, بالشهوات والمعاصي, فضروها غاية الضرر, من حيث ظنوا, أنهم ينفعونها.


" مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون " (41)


هذا مثل ضربه اللّه, لمن عبد معه غيره, يقصد به التعزز والتَّقَوِّي; والنفع; وأن الأمر بخلاف مقصوده; فإن مثله; كمثل العنكبوت; اتخذت بيتا, يقيها من الحر, والبرد, والآفات.
" وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ " أي: أضعفها وأوهاها " لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ " .
فالعنكبوت من الحيوانات الضعيفة, وبيتها, من أضعف البيوت فما ازدادت باتخاذه, إلا ضعفا.
كذلك هؤلاء, الذين يتخذون من دونه أولياء, فقراء, عاجزون, من جميع الوجوه.
وحين اتخذوا الأولياء من دونه, يتعززون بهم, ويستنصرونهم, ازدادوا ضعفا إلى ضعفهم, ووهنا إلى وهنهم.
فإن اتكلوا عليهم, في كثير من مصالحهم, وألقوها عليهم, تخلوا هم عنها.
على أن أولئك سيقومون بها.
فخذلوهم, فلم يحصلوا منهم على طائل, ولا أنالوهم من معونتهم, أقل نائل.
فلو كانوا يعلمون حقيقة العلم, حالهم, وحال من اتخذوهم, لم يتخذوهم, ولتبرأوا منهم, ولتولوا الرب القادر الرحيم, الذي إذا تولاه عبده وتوكل عليه, كفاه مئونة دينه ودنياه, وازداد قوة إلى قوته, في قلبه وبدنه وحاله وأعماله.
ولما بين نهاية ضعف آلهة المشركين, ارتقى من هذا, إلى ما هو أبلغ منه, وأنها ليست بشيء, بل هي مجرد أسماء سموها, وظنون اعتقدوها.
وعند التحقيق, يتبين للعاقل بطلانها وعدمها, ولهذا قال:


" إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم " (42)


" إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ " أي: إنه تعالى يعلم - وهو عالم الغيب والشهادة - أنهم ما يدعون من دون اللّه شيئا موجودا, ولا إلها له حقيقة, كقوله تعالى " إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ " .
وقوله " وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ " .
" وَهُوَ الْعَزِيزُ " الذي له القوة جميعا, الذي قهر بها جميع الخلق.
" الْحَكِيمُ " الذي يضع الأشياء مواضعها, الذي أحسن كل شيء خلقه, وأتقن ما أمره.

" وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون " (43)


" وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ " أي: لأجلهم ولانتفاعهم وتعليمهم لكونها من الطرق الموضحة للعلوم, لأنها تقرب الأمور المعقولة, بالأمور المحسوسة, فيتضح المعنى المطلوب بسببها, فهي مصلحة لعموم الناس.
ولكن " وَمَا يَعْقِلُهَا " بفهمها وتدبرها, وتطبيقها على ما ضربت له, وعقلها في القلب.
" إِلَّا الْعَالِمُونَ " أي: إلا أهل العلم الحقيقي, الذين وصل العلم إلى قلوبهم.
وهذا مدح للأمثال, التي يضربها, وحثٌّ على تدبرها وتعقلها, ومدح لمن يعقلها.
وأنه عنوان, على أنه من أهل العلم, فعلم أن من لم يعقلها, ليس من العالمين.
والسبب في ذلك, أن الأمثال التي يضربها اللّه في القرآن, إنما هي للأمور الكبار, والمطالب العالية, والمسائل الجليلة.
فأهل العلم, يعرفون أنها أهم من غيرها, لاعتناء اللّه بها, وحثه عباده على تعقلها, وتدبرها.
فيبذلون جهدهم في معرفتها.
وأما من لم يعقلها, مع أهميتها, فإن ذلك, دليل على أنه ليس من أهل العلم, لأنه إذا لم يعرف المسائل المهمة, فعدم معرفته غيرها, من باب أولى وأحرى.
ولهذا, أكثر ما يضرب اللّه الأمثال في أصول الدين, ونحوها


" خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين " (44)


أي: هو تعالى, المنفرد بخلق السماوات, على علوها وارتفاعها وسعتها وحسنها وما فيها من الشمس والقمر والكواكب والملائكة.
والأرض وما فيها من الجبال والبحار والبراري والقفار, والأشجار ونحوها.
وكل ذلك خلقه بالحق, أي لم يخلقها عبثا, ولا سدى, ولا لغير فائدة.
وإنما خلقها, ليقوم أمره وشرعه, ولتتم نعمته على عباده, وليروا من حكمته, وقهره وتدبيره, ما يدلهم على أنه وحده, معبودهم, ومحبوبهم, وإلههم.
" إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ " على كثير من المطالب الإيمانية, إذا تدبرها المؤمن, رأى ذلك فيها عيانا.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 04-06-2020, 05:08 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,261
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (413)
تفسير السعدى
سورة العنكبوت
من الأية(45) الى الأية(50)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة العنكبوت


" اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون " (45)
يأمر تعالى بتلاوة وحيه, وتنزيله, وهو: هذا الكتاب العظيم.
ومعنى تلاوته, اتباعه, بامتثال ما يأمر به, واجتناب ما ينهى عنه, والاهتداء بهداه, وتصديق أخباره, وتدبر معانيه, وتلاوة ألفاظه, فصار تلاوة لفظه جزء المعنى, وبعضه.
وإذا كان هذا معنى تلاوة الكتاب, عل أن إقامة الدين كلها, داخلة في تلاوة الكتاب.
فيكون قوله " وَأَقِمِ الصَّلَاةَ " من باب عطف الخاص على العام, لفضل الصلاة وشرفها, وآثارها الجميلة, وهي " إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ " .
فالفحشاء, كل ما استعظم, واستفحش من المعاصي, التي تشتهيها النفوس.
والمنكر: كل معصية تنكرها العقول والفطر.
ووجه كون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر, أن العبد المقيم لها, المتمم لأركانها وشروطها, وخشوعها, يستنير قلبه, ويتطهر فؤاده, ويزداد إيمانه, وتقوى رغبته في الخير, وتقل أو تنعدم, رغبته في الشر.
فبالضرورة, مداومتها والمحافظة عليها على هذا الوجه, تنهى عن الفحشاء والمنكر.
فهذا من أعظم مقاصد الصلاة, وثمراتها.
وثَمَّ في الصلاة, مقصود أعظم من هذا وأكبر, وهو: ما اشتملت عليه من ذكر اللّه, بالقلب, واللسان, والبدن.
فإن اللّه تعالى, إنما خلق العباد, لعبادته, وأفضل عبادة تقع منهم الصلاة.
وفيها من عبوديات الجوارح كلها, ما ليس في غيرها, ولهذا قال: " وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ " .
ويحتمل أنه لما أمر بالصلاة ومدحها, أخبر أن ذكره تعالى, خارج الصلاة, أكبر من الصلاة كما هو قول جمهور المفسرين.
لكن الأول, أولى, لأن الصلاة, أفضل من الذكر خارجها, ولأنها - كما تقدم - بنفسها من أكبر الذكر.
" وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ " من خير وشر, فيجازيكم على ذلك, أكمل الجزاء, وأوفاه.
" وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ "
ينهى تعالى عن مجادلة أهل الكتاب, إذا كانت عن غير بصيرة من المجادل, أو بغير قاعدة مرضية, وأن لا يجادلوا, إلا بالتي هي أحسن, بحسن خلق ولطف ولين كلام, ودعوة إلى الحق, وتحسينه, ورد الباطل وتهجينه, بأقرب طريق موصل لذلك.
وأن لا يكون القصد منها, مجرد المجادلة والمغالبة, وحب العلو, بل يكون القصد, بيان الحق, وهداية الخلق.
" إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا " من أهل الكتاب, بأن ظهر من قصد المجادل منهم وحاله, أنه لا إرادة له في الحق, وإنما يجادل, على وجه المشاغبة والمغالبة.
فهذا, لا فائدة في جداله, لأن المقصود منها ضائع.
" وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ " أي: ولتكن مجادلتكم لأهل الكتاب مبنية على الإيمان.
بما أنزل إليكم وأنزل إليهم, وعلى الإيمان برسولكم ورسولهم, وعلى أن الإله واحد.
ولا تكن مناظرتكم إياهم, على وجه يحصل به القدح, في شيء من الكتب الإلهية, أو بأحد من الرسل, كما يفعله الجاهل عند مناظرة الخصوم, يقدح بجميع ما معهم, من حق وباطل, فهذا ظلم, وخروج عن الواجب, وآداب النظر.
فإن الواجب, أن يرد ما مع الخصم من الباطل, ويقبل ما معه من الحق.
ولا يرد الحق, لأجل قوله, ولو كان كافرا.
وأيضا فإن بناء مناظرة أهل الكتاب, على هذا الطريق, فيه إلزام لهم, بالإقرار بالقرآن, وبالرسول, الذي جاء به.
فإنه إذا تكلم في الأصول الدينية, والتي اتفقت عليها الأنبياء والكتب وتقررت عند المناظرين, وثبتت حقائقها عندهما, وكانت الكتب السابقة, والمرسلون, مع القرآن ومحمد صلى اللّه عليه وسلم, قد بينتها, ودلت, وأخبرت بها, فإنه يلزم التصديق بالكتب كلها, والرسل كلهم, وهذا من خصائص الإسلام.
فأما أن يقال: نؤمن بما دل عليه الكتاب الفلاني, دون الكتاب الفلاني, وهو الحق الذي صدق ما قبله, فهذا ظلم وهوى.
وهو يرجع إلى قومه بالتكذيب, لأنه إذا كذب القرآن الدال عليها, المصدق لما بين يديه, فإنه مكذب لما زعم أنه به مؤمن.
وأيضا فإن كل طريق تثبت بها نبوة أي نبي كان, فإن مثلها.
وأعظم منها, دالة على نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم.
وكل شبهة يقدح بها في نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم, فإن مثلها, أو أعظم منها, يمكن توجيهها إلى نبوة غيره.
فإذا ثبت بطلانها في غيره, فثبوت بطلانها في حقه صلى اللّه عليه وسلم, أظهر وأظهر.
وقوله " وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ " أي: منقادون مستسلمون لأمره.
ومن آمن به, واتخذه إلها, وآمن بجميع كتبه, ورسله, وانقاد للّه واتبع رسله, فهو السعيد.
ومن انحرف عن هذا الطريق, فهو الشقي.

" وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون " (47)
أي " وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ " يا محمد, هذا " الْكِتَابُ " الكريم, المبين كل نبأ عظيم.
الداعي إلى كل خلق فاضل, وأمر كامل, المصدق للكتب السابقة, المخبر به الأنبياء الأقدمون.
" فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ " فعرفوه حق معرفته, ولم يداخلهم حسد وهوى.
" يُؤْمِنُونَ بِهِ " لأنهم تيقنوا صدقه, بما لديهم من الموافقات, وبما عندهم من البشارات, وبما تميزوا به, من معرفة الحسن والقبيح, والصدق والكذب.
" وَمِنْ هَؤُلَاءِ " الموجودين " مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ " إيمانا عن بصيرة, لا عن رغبة ولا رهبة.
" وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ " الذين دأبهم الجحود للحق, والعناد له.
وهذا حصر لمن كفر به, أنه لا يكون من أحد, قصده متابعة الحق.
وإلا, فكل من له قصد صحيح, فإنه لا بد أن يؤمن به, لما اشتمل عليه من البينات, لكل من له عقل, أو ألقى السمع وهو شهيد.

" وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون " (48)
ومما يدل على صحته, أنه جاء به هذا النبي الأمين, الذي عرف قومه صدقه, وأمانته, ومدخله ومخرجه, وسائر أحواله, وهو لا يكتب بيده خطا, بل ولا يقرأ خطا مكتوبا.
فإتيانه به في هذه الحال, من أظهر البينات القاطعة, التي لا تقبل الارتياب, أنه من عند اللّه العزيز الحميد, ولهذا قال: " وَمَا كُنْتَ تَتْلُو " أي تقرأ " مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا " لو كنت بهذه الحال " لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ " فقالوا: تعلمه من الكتب السابقة, أو استنسخه منها.
فأما وقد نزل على قلبك, كتابا جليلا, تحديت به الفصحاء البلغاء, الأعداء, الألداء أن يأتوا بمثله, أو بسورة من مثله, فعجزوا غاية العجز, بل ولا حدثتهم أنفسهم بالمعارضة, لعلمهم ببلاغته وفصاحته, وأن كلام أحد من البشر, لا يبلغ أن يكون مجاريا له أو على منواله, ولهذا قال: " بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ " إلى " الظَّالِمُونَ " .

" بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون " (49)
" بَلْ هُوَ " أي: هذا القرآن " آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ " لا خفيات.
" فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ " وهم: سادة الخلق, وعقلاؤهم, وأولو الألباب منهم, والكمل منهم.
فإذا كان آيات بينات, في صدور أمثال هؤلاء, كانوا حجة على غيرهم.
وإنكار غيرهم, لا يضر, ولا يكون ذلك إلا ظلما, ولهذا قال: " وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ " لأنه لا يجحدها إلا جاهل, تكلم بغير علم: ولم يقتد بأهل العلم, ومن هو التمكن من معرفته على حقيقته, أو متجاهل, عرف أنه حق فعانده, وعرف صدقه, فخالفه.

" وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين "(50)
أي: واعترض هؤلاء الظالمون المكذبون للرسول, ولما جاء به, واقترحوا عليه, نزول آيات, عينوها كما قال اللّه عنهم: " وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا " الآيات.
فتعيين الآيات, ليس عندهم, ولا عند الرسول صلى اللّه عليه وسلم, فإن في ذلك تدابير, مع اللّه, وأنه لو كان كذا, وينبغي أن يكون كذا, وليس لأحد من الأمر شيء.
ولهذا قال: " قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ " إن شاء أنزلها, أو منعها " وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ " وليس لي مرتبة, فوق هذه المرتبة.
وإذا كان القصد بيان الحق من الباطل, فإذا حصل المقصود - بأي طريق - كان اقتراح الآيات المعينات على ذلك, ظلما وجورا, وتكبرا على اللّه, وعلى الحق.
بل لو قدر أن تنزل تلك الآيات, ويكون في قلوبهم, أنهم لا يؤمنون بالحق إلا بها كان ذلك ليس بإيمان, وإنما ذلك, شيء وافق أهواءهم, فآمنوا, لا لأنه حق, بل لتلك الآيات.
فأي فائدة حصلت, في إنزالها على التقدير الفرضي؟



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 04-06-2020, 05:08 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,261
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (414)
تفسير السعدى
سورة العنكبوت
من الأية(51) الى الأية(59)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة العنكبوت


" أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون " (51)
ولما كان المقصود بيان الحق, ذكر تعالى طريقه فقال: " أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ " في علمهم بصدقك, وصدق ما جئت به " أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ " .
وهذا كلام مختصر, جامع فيه, من الآيات البينات, والدلالات الباهرات, شيء كثير.
فإنه كما تقدم إتيان الرسول به بمجرده, وهو أمي, من أكبر الآيات على صدقه.
ثم عجزهم عن معارضته, وتحديهم إياه, آية أخرى.
ثم ظهوره, وبروزه جهرا علانية, يتلى عليهم, ويقال: هو من عند اللّه, قد أظهره الرسول, وهو في وقت قلَّ فيه أنصاره, وكثر مخالفوه وأعداؤه, فلم يخفه, ولم يثن ذلك عزمه.
بل خرج به على رءوس الأشهاد, ونادى به, بين الحاضر والباد, بأن هذا كلام ربي.
فهل أحد يقدر على معارضته, أو ينطق بمباراته أو يستطيع مجاراته.
ثم هيمنته على الكتب المتقدمة, وتصحيحه للصحيح, ونَفْيُ ما أدخل فيها من التحريف, والتبديل.
ثم هدايته لسواء السبيل, في أمره ونهيه.
فما أمر بشيء, فقال العقل " ليته لم يأمر به " , ولا نهى عن شيء فقال العقل " ليته لم ينه عنه " .
بل هو مطابق للعدل والميزان, والحكمة المعقولة لذوي البصائر, والعقول.
ثم مسايرة إرشاداته, وهدايته, وأحكامه, لكل حال, وكل زمان, بحيث لا تصلح الأمور إلا به.
فجميع ذلك, يكفي من أراد تصديق الحق, وعمل على طلب الحق.
فلا كفى اللّه, من لم يكفه القرآن, ولا شفى اللّه, من لم يشفه الفرقان.
ومن اهتدى به واكتفى, فإنه رحمة له وخير, فلذلك قال: " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " وذلك لما يحصل فيه من العلم الكثير, والخير الغزير وتزكية القلوب والأرواح, وتطهير العقائد, وتكميل الأخلاق, والفتوحات الإلهية, والأسرار الربانية.

" قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون " (52)

" قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا " فأنا قد استشهدته.
فإن كنت كاذبا, أَحَلَّ بي ما به تعتبرون.
وإن كان إنما يؤيدني, وينصرني, وييسر لي الأمور, فلتكفكم, هذه الشهادة الجليلة من اللّه.
فإن وقع في قلوبكم أن شهادته - وأنتم لم تسمعوه, ولم تروه - لا تكفي دليلا, فإنه " يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " .
ومن جملة معلوماته, حالي وحالكم, ومقالي لكم.
فلو كنت متقولا عليه, مع علمه بذلك, وقدرته على عقوبتي - لكان قدحا, في علمه, وقدرته, وحكمته كما قال تعالى " وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ " .
" وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ " حيث خسروا الإيمان باللّه, وملائكته, وكتبه, ورسله, واليوم الآخر, وحيث فاتهم النعيم المقيم, وحيث حصل لهم في مقابلة الحق الصحيح, كل باطل قبيح, وفي مقابلة النعيم, كل عذاب أليم, فخسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.

" ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون " (53)
يخبر تعالى, عن جهل المكذبين للرسول, وما جاء به, وأنهم يقولون - استعجالا للعذاب, وزيادة تكذيب: " مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " ؟ يقول تعالى " وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى " مضروب لنزوله, ولم يأت بعد " لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ " بسبب تعجيزهم لنا, وتكذيبهم الحق.
فلو آخذناهم بجهلهم, لكان كلامهم, أسرع لبلائهم وعقوبتهم.
ولكن - مع ذلك - فلا يستبطئوا نزوله " وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ " .
فوقع كما أخبر اللّه تعالى, لما قدموا لـ " بدر " بطرين مفاخرين, ظانين أنهم قادرون على مقصودهم.
فأذلهم اللّه, وقتل كبارهم, واستوعب جملة أشرارهم, ولم يبق فيهم بيت, إلا أصابته تلك المصيبة.
فأتاهم العذاب, من حيث لم يحتسبوا, ونزل بهم, وهم لا يشعرون.

" يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين "(54)
هذا, وإن لم ينزل عليهم العذاب الدنيوي, فإن أمامهم العذاب الأخروي, الذي لا يخلص منهم أحد منه, سواء عوجل بعذاب الدنيا, أو أمهل.
" وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ " ليس لهم عنها, معدل ولا منصرف.
قد أحاطت بهم من كل جانب, كما أحاطت بهم ذنوبهم, وسيئاتهم, وكفرهم.
وذلك العذاب, هو العذاب الشديد.

" يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون " (55)
" يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " فإن أعمالكم انقلبت عليكم عذابا, وشملكم العذاب, كما شملكم الكفر والذنوب.
" يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون "(56)
يقول تعالى: " يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا " وصدقوا رسولي " إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ " فإذا تعذرت عليكم عبادة ربكم في أرض, فارتحلوا منها إلى أرض أخرى, حيث كانت العبادة للّه وحده.
فأماكن العبادة, ومواضعها, واسعة, والمعبود واحد, والموت لا بد أن ينزل بكم ثم ترجعون إلى ربكم, فيجازي من أحسن عبادته وجمع بين الإيمان والعمل الصالح بإنزاله الغرف العالية, والمنازل الأنيقة الجامعة, لما تشتهيه الأنفس, وتلذ الأعين, وأنتم فيها خالدون.
فـ " نَعَمْ " تلك المنازل, في جنات النعيم " أَجْرُ الْعَامِلِينَ " للّه.

" الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون "(59)
" الَّذِينَ صَبَرُوا " على عبادة اللّه " وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ " في ذلك.
فصبرهم على عبادة اللّه, يقتضي بذل الجهد والطاقة في ذلك, والمحاربة العظيمة للشيطان, الذي يدعوهم إلى الإخلال بشيء من ذلك.
وتوكلهم, يقتضي شدة اعتمادهم على اللّه, وحسن ظنهم به, أن يحقق ما عزموا عليه من الأعمال, ويكملها.
ونص على التوكل, وإن كان داخلا في الصبر, لأنه يحتاج إليه في كل فعل, وترك مأمور به, ولا يتم إلا به.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 04-06-2020, 05:09 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,261
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (415)
تفسير السعدى
سورة العنكبوت
من الأية(60) الى الأية(69)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة العنكبوت




" وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم " (60)
أي: الباري تبارك وتعالى, قد تكفل بأرزاق الخلائق كلهم, قويهم, وعاجزهم.
فكم " مِنْ دَابَّةٍ " في الأرض, ضعيفة القوى, ضعيفة العقل.
" لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا " ولا تدخره, بل لم تزل, لا شيء معها من الرزق, ولا يزال اللّه يسخر لها الرزق, في كل وقت بوقته.
" اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ " فكلكم عيال اللّه القائم برزقكم, كما قام بخلقكم وتدبيركم.
" وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " فلا تخفى عليه خافية, ولا تهلك دابة من عدم الرزق, بسبب أنها خافية عليه.
كما قال تعالى: " وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ " :

" ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون "(61)
هذا استدلال على المشركين, المكذبين بتوحيد الإلهية والعبادة, وإلزام لهم, بما أثبتوه من توحيد الربوبية.
فأنت لو سألتهم من خلق السماوات والأرض, ومن نزل من السماء ماء, فأحيا به الأرض بعد موتها, ومن بيده تدبير جميع الأشياء؟ " لَيَقُولُنَّ اللَّهُ " وحده, ولَاعْتَرَفُوا بعجز الأوثان, ومن عبدوه مع اللّه, عن شيء من ذلك.
فاعجب لإفكهم, وكذبهم, وعدولهم إلى من أقروا بعجزه, وأنه لا يستحق أن يدبر شيئا.
وسَجِّلْ عليهم عدم العقل, وأنهم السفهاء, ضعفاء الأحلام.
فهل تجد أضعف عقلا, وأقل بصيرة, ممن أتى إلى حجر, أو قبر ونحوه وهو يدري أنه لا ينفع ولا يضر, ولا يخلق ولا يرزق - ثم صرف له خالص الإخلاص, وصافي العبادية, وأشركه مع الرب, الخالق الرازق, النافع الضار.
و " قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ " الذي بين الهدى من الضلال, وأوضح بطلان ما عليه المشركون, ليحذره الموفقون.
و " قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ " الذي خلق العالم العلوي والسفلي, وقام بتدبيرهم, ورزقهم, وبسط الرزق على من يشاء, وضيقه عمن يشاء, حكمة منه, ولعلمه بما يصلح عباده, وما ينبغي لهم.

" وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون "(64)
يخبر تعالى عن حالة الدنيا والآخرة, وفي ضمن ذلك, التزهيد في الدنيا والتشويق للأخرى فقال: " وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا " في الحقيقة " إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ " تلهو بها القلوب, وتلعب بها الأبدان, بسبب ما جعل اللّه فيها من الزينة واللذات, والشهوات الخالبة للقلوب المعرضة, الباهجة للعيون الغافلة, المفرحة للنفوس المبطلة الباطلة.
ثم تزول سريعا, وتنقضي جميعا, ولم يحصل منها محبها, إلا على الندم والخسران.
" وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ " أي: الحياة الكاملة, التي من لوازمها, أن تكون أبدان أهلها, في غاية القوة, وقواهم في غاية الشدة, لأنها أبدان وقوى, خلقت للحياة وأن يكون موجودا فيها, كل ما تكمل به الحياة, وتتم به اللذة, من مفرحات القلوب, وشهوات الأبدان, من المآكل, والمشارب, والمناكح; وغير ذلك, مما لا عين رأت.
ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر.
" لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ " لما آثروا الدنيا على الآخرة, ولو كانوا يعقلون لما رغبوا عن دار الحيوان, ورغبوا في دار اللهو واللعب.
فدل ذلك, أن الذين يعلمون, لا بد أن يؤثروا الآخرة على الدنيا, لما يعلمونه من حالة الدارين.

" فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون "(65)
ثم ألزم تعالى, المشركين بإخلاصهم للّه, في حال الشدة, عند ركوب البحر, وتلاطم أمواجه, وخوفهم الهلاك, يتركون وقتذاك, أندادهم, ويخلصون الدعاء للّه وحده لا شريك له.
فلما زالت عنهم الشدة, ونجى من أخلصوا له الدعاء إلى البر, أشركوا به, من لا نجاهم من شدة, ولا أزال عنهم مشقة.
فهلا أخلصوا للّه الدعاء, في حال الرخاء والشدة, واليسر والعسر, ليكونوا مؤمنين حقا, مستحقين ثوابه, مندفعا عنهم عقابه.

" ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون " (66)
ولكن شركهم هذا بعد نعمتنا عليهم, بالنجاة من البحر, ليكون عاقبته الكفر, بما آتيناهم, ومقابلة النعمة بالإساءة, وليكملوا تمتعهم في الدنيا, الذي هو كتمتع الأنعام, ليس لهم همٌّ إلا بطونهم وفروجهم.
" فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ " حين ينتقلون من الدنيا إلى الآخرة, شدة الأسف, وأليم العقوبة.

" أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون " (67)
ثم امتن عليهم بحرمه الآمن, وأنهم أهله, في أمن, وسعة ورزق, والناس من حولهم, يتخطفون ويخافون.
فلا يعبدون الذي أطعمهم من جوع, وآمنهم من خوف.
" أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ " وهو ما هم عليه, من الشرك, والأقوال, والأفعال الباطلة.
" وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ " هم " يَكْفُرُونَ " فأين ذهبت عقولهم, وانسلخت أحلامهم حيث آثروا الضلال على الهدى, والباطل على الحق, والشقاء على السعادة وحيث كانوا أظلم الخلق.

" ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين "(68)
" وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا " فنسب ما هو عليه من الضلال والباطل, إلى اللّه.
" أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ " على يد رسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم.
ولكن هذا الظالم العنيد, أمامه جهنم " أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ " يؤخذ بها منهم الحق, ويخزون بها, وتكون منزلهم الدائم, الذي لا يخرجون منه.

" والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين " (69)
" وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا " وهم الذين هاجروا في سبيل اللّه, وجاهدوا أعداءهم, وبذلوا مجهودهم في اتباع مرضاته.
" لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا " أي: الطرق الموصلة إلينا, وذلك, لأنهم محسنون.
" وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ " بالعون والنصر, والهداية.
دل هذا, على أن أحرى الناس بموافقة الصواب, أهل الجهاد.
وعلى أن من أحسن فيما أمر به, أعانه اللّه, ويسر له أسباب الهداية.
وعلى أن من جد واجتهد في طلب العلم الشرعي, فإنه يحصل له من الهداية, والمعونة على تحصيل مطلوبه, أمور إلهية, خارجة عن مدرك اجتهاده, وتيسر له أمر العلم.
فإن طلب العلم الشرعي, من الجهاد في سبيل اللّه, بل هو أحد نَوْعَي الجهاد, الذي لا يقوم به إلا خواص الخلق, وهو الجهاد بالقول, واللسان, للكفار, والمنافقين.
والجهاد على تعليم أمور الدين, وعلى رد نزاع المخالفين للحق, ولو كانوا من المسلمين.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 04-06-2020, 05:10 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,261
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (416)
تفسير السعدى
سورة الروم
من الأية(1) الى الأية(10)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة الروم


" الم " (1)


كانت الفرس والروم, في ذلك الوقت, من أقوى دول الأرض.
وكان يكون بينهما من الحروب والقتال, ما يكون بين الدول المتوازنة.
وكانت الفرس مشركين, يعبدون النار.
وكانت الروم, أهل كتاب, ينتسبون إلى التوراة والإنجيل, وهم أقرب إلى المسلمين من الفرس, فكان المسلمون يحبون غلبتهم, وظهورهم على الفرس.
وكان المشركون, لاشتراكهم والفرس في الشرك, يحبون ظهور الفرس على الروم.
فظهر الفرس على الروم, وغلبوهم غلبا لم يحط بملكهم, بل أدنى أرضهم.
ففرح بذلك مشركوا مكة, وحزن المسلمون.
فأخبرهم اللّه, ووعدهم أن الروم ستغلب الفرس.

" في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون " (4)
" فِي بِضْعِ سِنِينَ " تسع, أو ثمان, ونحو ذلك, مما لا يزيد على العشر, ولا ينقص عن الثلاث.
وأن غلبة الفرس للروم, ثم غلبة الروم للفرس, كل ذلك بمشيئته وقدره ولهذا قال: " لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ " فليس الغلبة والنصر, لمجرد وجود الأسباب.
وإنما هي, لا بد أن يقترن بها القضاء والقدر.
" وَيَوْمَئِذٍ " أي: يوم يغلب الروم الفرس, ويقهرونهم " يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ " .
أي: يفرحون بانتصارهم على الفرس, وإن كان الجميع كفارا, ولكن بعض الشر أهون من بعض, ويحزن يومئذ, المشركون.
" وَهُوَ الْعَزِيزُ " الذي له العزة, التي قهر بها الخلائق أجمعين " يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء " .
" الرَّحِيمِ " بعباده المؤمنين, حيث قيض لهم من الأسباب التي تسعدهم وتنصرهم, ما لا يدخل في الحساب

" وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون " (6)
وعد الله المؤمنين وعدا جازما لا يتخلف, بنصر الروم النصارى على الفرس الوثنيين, ولكن أكثر كفار (مكة) لا يعلمون أن ما وعد الله به حق,
" يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون " (7)
وإنما يعلمون ظواهر الدنيا وزخرفها, وهم عن أمور الآخرة, ما ينفعهم فيها غافلون, لا يفكرون فيها.
" أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون " (8)
أو لم يتفكر هؤلاء المكذبون برسل الله ولقائه في خلق الله إياهم, وأنه خلقهم, ولم يكونوا شيئا.
ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا لاقامة العدل والثواب والعقاب, والدلالة على توحيده وقدرته, وأجل مسمى تنتهي إليه وهو يوم القيامة؟ كان كثيرا من الناس بلقاء ربهم لجاحدون منكرون; جهلا منهم بأن معادهم إلى الله بعد فنائهم, وغفلة منهم عن الآخرة.

" أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " (9)
أولم يسر هؤلاء المكذبون بالله الغافلون عن الآخرة في الأرض سير تأمل واعتبار, فيشاهدوا كيف كان جزاء الأمم الذين كذبوا برسل الله كعاد وثمود؟ وقد كانوا أقوى منهم أجساما, وأقدر على التمتع بالحياة حيث حرثوا الأرض وزرعوها, وبنوا القصور وسكنوها, فعمروا دنياهم أكثر مما عمر أهل (مكة) دنياهم, فلم تنفعهم عمارتهم ولا طول مدتهم, وجاءتهم رسلهم بالحجج الظاهرة والبراهين الساطعة, فكذبوهم فأهلكهم الله, ولم يظلمهم الله بذلك الإهلاك, وإنما ظلموا أنفسهم بالشرك والعصيان.
" ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون " (10)
ثم كانت عاقبة أهل السوء من الطغاة والكفرة أسوأ العواقب وأقبحها; لتكذيبهم بالله وسخريتهم بآياته التي أنزلها على رسله.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 04-06-2020, 05:10 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,261
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (417)
تفسير السعدى
سورة الروم
من الأية(11) الى الأية(18)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة الروم




" الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون " (11)
الله وحده هو المتفرد بإنشاء المخلوقات كلها, وهو القادر وحده على إعادتها مرة أخرى, ثم إليه يرجع جميع الخلق, فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
" ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون " (12)
ويوم تقوم الساعة ييئس المجرمون من النجاة من العذاب, وتصيبهم الحيرة فتنقطع حجتهم.
" ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين " (13)
ولم يكن للمشركين في ذلك اليوم من آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله شفعاء, بل إنها تتبرأ منهم, ويترؤون منها.
فالشفاعة لله وحده, ولا تطلب من غيره.

" ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون " (14)
ويوم تقوم الساعة يفترق أهل الإيمان به وأهل الكفر,
" فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون " (15)
فأما المؤمنون بالله ورسوله, العاملون الصالحات فهم في الجنة, يكرمون ويسرون وينغمون.
" وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون " (16)
وأما الذين كفروا بالله وكذبوا بما جاءت به الرسل وأنكروا البعث بعد الموت, فأولئك في العذاب مقيمون; جزاء ما كذبوا به في الدنيا.
" فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون " (17)
فيا أيها المؤمنون سبحوا الله ونزهوه عن الشريك والصاحبة والولد, وصفوه بصفات الكمال بألسنتكم, وحققوا ذلك بجوارحكم كلها حين تمسون, وحين تصبحون, ووقت العشي, ووقت الظهيرة.
" وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون " (18)
وله - سبحانه- الحمد والثناء في السموات والأرض وفي الليل والنهار.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 04-06-2020, 05:10 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,261
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (418)
تفسير السعدى
سورة الروم
من الأية(19) الى الأية(26)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة الروم




" يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون " (19)
يخرج الله الحي من الميت كالإنسان من النطفة والطير من البيضة, ويخرج الميت من الحي, كالنطفة من الإنسان والبيضة من الطير.
ويحيي الأرض بالنبات بعد يبسها وجفافها, ومثل هذا الإحياء تخرجون -أيها الناس- من قبوركم أحياء للحساب والجزاء.

" ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون " (20)
ومن آيات الله الدالة على عظمته وكمال قدرته أن خلق آباكم آدم من تراب, ثم أنتم بئر تتناسلون منتشرين في الأرض, تبتغون من فضل الله.
" ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون " (21)
ومن آياته الدالة على عظمته وكمال قدرته أن خلق لأجلكم من جنسكم -أيها الرجال- أزواجا; لتطمئن نفوسكم إليها وتسكن, وجعل بين المرأة وزوجها محبة وشفقة, إن في خلق الله ذلك لآيات دالة على قدرة الله ووحدانيته لقوم يتفكرون, ويتدبرون.
" ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين " (22)
ومن دلائل القدرة الربانية: خلق السموات وارتفاعها بغير عمد, وخلق الأرض مع اتساعها وامتدادها, واختلاف لغاتكم وتباين ألوانكم, إن في هذا لعبرة لكل ذي علم وبصيرة.
" ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون " (23)
ومن دلائل هذه القدرة أن جعل الله النوم راحة لكم في الليل أو النهار; إذ في النوم حصول الراحة وذهاب التعب, وجعل لكم النهار تنتشرون فيه لطلب الرزق, إن في ذلك لدلائل على كمال قدرة الله ونفوذ مشيئته لقوم يسمعون المواعظ سماع تأمل وتفكر واعتبار.
" ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون " (24)
ومن دلائل قدرته سبحانه أن يريكم البرق, فتخافون من الصواعق, وتطمعون في الغيث, وينزل من السحاب مطرا تحيا به الأرض بعد جدبها وجفافها, إن في هذا لدليلا على كمال قدرة الله وعظيم حكمته وإحسانه لكل من لديه عقل يهتدي به.
" ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون " (25)
ومن آياته الدالة على قدرته قيام الماء والأرض واستقرارهما وثباتهما بأمره, فلم تتزلزلا, ولم تسقط السماء على الأرض, ثم إذا دعاكم الله إلى البعث يوم القيامة, إذا أنتم تخرجون من القبور مسرعين.
" وله من في السماوات والأرض كل له قانتون " (26)
ولله وحده كل من في السموات والأرض من الملائكة والإنس والجن والحيوان والنبات والجماد, كل هؤلاء منقادون لأمره خاضعون لكماله.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 04-06-2020, 05:11 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,261
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (419)
تفسير السعدى
سورة الروم
من الأية(27) الى الأية(34)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة الروم




" وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم " (27)
والله وحده الذي يبدأ الخلق من العدم ثم يعيده حيا بعد الموت, وإعادة الخلق حيا بعد الموت أهون على الله من ابتداء خلقهم, وكلاهما عليه هين.
وله سبحانه الوصف الأعلى في كل ما يوصف به, ليس كمثله شيء, وهو السميع البصير.
وهو العزيز الذي لا يغالب, الحكيم في أقواله وأفعاله, وتدبير أمور خلقه.

" ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون " (28)
ضرب الله مثلا لكم -أيها المشركون -من أنفسكم: هل لكم من عبيدكم وإمائكم من يشارككم في رزقكم, وترون أنكم وإياهم متساوون فيه, تخافونهم كما تخافون الأحرار الشركاء في مقاسمة أموالكم؟ إنكم لن ترضوا بذلك, فكيف ترضون بذلك في جنب الله بأن تجعلوا له شريكا من خلقه؟ وبمثل هذا البيان نبين البراهين والحجج لأصحاب العقول السليمة الذين ينتفعون بها.
" بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين " (29)
بل اتبع المشركون أهواءهم بتقليد آبائهم بغير علم, فشاركوهم في الجهل والضلالة; ولا أحد يقدر على هداية من أضله الله بسبب تماديه في الكفر والعناد, وليس لهؤلاء من أنصار يخلصونهم من عذاب الله.
" فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون " (30)
فأقم -يا محمد أنت ومن اتبعك- وجهك, واستمر على الدين الذي شرعه الله لك, وهو الإسلام الذي فطر الله الناس عليه, فبقاؤكم عليه, وتمسككم به, تمسك بفطرة الله من الإيمان بالله وحده, لا تبديل لخلق الله ودينه, فهو الطريق المستقيم الموصل إلى رضا الله رب العالمين وجنته, ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الذي أمرتك به -يا محمد- هو الدين الحق دون سواه.
" منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين " (31)
وكونوا راجعين إلى الله بالتوبة وإخلاص العمل له, واتقوه بفعل الأوامر واجتناب النواهي, وأقيموا الصلاة تامة بأركانها وواجباتها وشروطها, ولا تكونوا من المشركين مع الله غيره في العبادة.
" من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون " (32)
ولا تكونوا من المشركين وأهل الأهواء والبدع الذين بدلوا دينهم,, وغيروه, فأخذوا بعضه,, تركوا بعضه; تبعا لأهوائهم, فصاروا فرقا وأحزابا, يتشيعون لرؤسائهم وأحزابهم وآرائهم, يعين بعضهم بعضا على الباطل, كل حزب بما لديهم فرحون مسرورون, يحكمون لأنفسهم بأنهم على الحق وغيرهم على الباطل.
" وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون " (33)
وإذا أصاب الناس شدة وبلاء دعوا ربهم مخلصين له أن يكشف عنهم الضر, فإذا رحمهم وكشف عنهم ضرهم إذا فريق منهم يعودون إلى الشرك مرة أخرى, فيعبدون مع الله غيره.
" ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون " (34)
ليكفروا بما آتيناهم ومننا به عليهم من كشف الضر, وزوال الشدة عنهم, فتمتعوا -أيها المشركون- بالرخاء والسعة في هذه الدنيا, فسوف تعلمون ما تلقونه من العذاب والعقاب.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 04-06-2020, 05:11 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,261
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (420)
تفسير السعدى
سورة الروم
من الأية(35) الى الأية(42)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة الروم




" أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون " (35)
أم أنزلنا على هؤلاء المشركين برهانا ساطعا وكتابا قاطعا, ينطق بصحة شركهم وكفرهم بالله وآياته.
" وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون "(36)
وإذا أذقنا الناس منا نعمة من صحة وعافية ورخاء, فرحوا بذلك فرح بطر وأشر, لا فرح شكر, وإن يصبهم مرض وفقر وخوف وضيق بسبب ذنوبهم ومعاصيهم, إذا هم ييئسون من زوال ذلك, وهذا طبيعة أكثر الناس في الرخاء والشدة.
" أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون " (37)
أو لم يعلموا أن الله يوسع الرزق لمن يشاء امتحانا, هل يشكر أو يكفر؟ ويضيقه على من يشاء اختبارا, هل يصبر أو يجزع؟ إن في ذلك التوسيع والتضييق لآيات لقوم يؤمنون بالله ويعرفون حكمة الله ورحمته.
" فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون " (38)
فأعط -أيها المؤمن- قريبك حقه من الصلة والصدقة وسائر أعمال البر, وأعط الفقير والمحتاج الذي انقطع به السبيل من الزكاة والصدقة, ذلك الإعطاء خير للذين يريدون بعملهم وجه الله, والذين يعملون هذه الأعمال وغيرها من أعمال الخير, أولئك هم الفائزون بثواب الله الناجون من عقابه.
" وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون " (39)
وما أعطيتم قرضا من المال بقصد الربا, وطلب زيادة ذلك القرض; ليزيد وينمو في أموال الناس, فلا يزيد عند الله, بل يمحقه ويبطله.
وما أعطيتم من زكاة وصدقة للمستحقين ابتغاء مرضاة الله وطلبا لثوابه, فهذا هو الذي يقبله الله ويضاعفه لكم أضعافا كثيرة.

" الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون " (40)
الله وحده هو الذي خلقكم -أيها الناس- ثم رزقكم في هذه الحياة, ثم يميتكم بانتهاء آجالكم, ثم يبعثكم من القبور أحياء للحساب والجزاء, هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء؟ تنره الله وتقدس عن شرك هؤلاء المشركين به.
" ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون "(41)
ظهر الفساد في البر والبحر, كالجدب وقلة الأمطار وكثرة الأمراض والأوبئ;! وذلك بسبب المعاصي التي يقترفها البشر; ليصيبهم بعقوبة بعض أعمالهم التي عملوها في الدنيا; كي توبوا إلى الله -سبحانه- ويرجعوا عن المعاصي, فتصلح أحوالهم, وتستقيم أمورهم.
" قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين " (42)
قل -يا محمد- للمكذبين بما جئت به: سيروا في أنحاء الأرض سير اعتبار وتأمل, فانظروا كيف كان عاقبة الأمم السابقة المكذبة كقوم نوح, وعاد وثمود, تجدوا عاقبتهم شر العواقب ومالهم شر مال؟ فقد كان أكثرهم مشركين بالله.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 09-06-2020, 10:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,261
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (421)
تفسير السعدى
سورة الروم
من الأية(43) الى الأية(51)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة الروم




" فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون "(43)
فوجه وجهك -يا محمد- نحو الدين المستقيم, وهو الإسلام, منفذا أوامره مجتنبا نواهيه, واستمسك به من قبل مجيء يوم القيامة, فإذا جاء ذلك اليوم الذي لا يقدر أحد على رده تفرقت الخلائق أشتاتا متفاوتين; ليروا أعمالهم.
" من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون " (44)
من كفر فعليه عقوبة كفره, وهي خلوده في النار, ومن آمن وعمل صالحا فلأنفسهم يهيئون منازل الجنة; بسبب تمسكهم بطاعة ربهم.
" ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين "(45)
ليجزي الله الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات من فضله وإحسانه.
إنه لا يحب الكافرين لسخطه وغضبه عليهم.

" ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون " (46)
ومن آيات الله الدالة على وحدانيته وعظيم قدرته إرسال الرياح أمام المطر مبشرات بإثارتها للسحاب, فتستبشر بذلك النفوس; وليذيقكم من رحمته بإنزاله المطر الذي تحيا به البلاد والعباد, ولتجري السفن في البحر بأمر الله ومشيئته, ولتبتغوا من فضله بالتجارة وغيرها; رجاء أن تشكروا له نعمه بتوحيده وطاعته.
" ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين "(47)
ولقد أرسلنا من قبلك -يا محمد- رسلا إلى قومهم مبشرين ومنذرين يدعونهم إلى التوحيد, ويحذرونهم من الشرك, فجاؤوهم بالمعجزات والبراهين الساطعة, فكفر أكثرهم بربهم, فانتقمنا من الذين اكتسبوا السيئات منهم, فأهلكناهم, ونصرنا المؤمنين أتباع الرسل, وكذلك نفعل بالمكذبين بك إن استمروا على تكذيبك, ولم يؤمنوا.
" الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون " (48)
الله -سبحانه- هو الذي يرسل الرياح فتثير سحابا مثقلا بالماء, فينشره الله في السماء كيف يشاء, ويجعله قطعا متفرقة, فترى المطر يخرج من بين السحاب, فإذا ساقه الله إلى عباده إذا هم يستبشرون ويفرحون بأن الله صرف ذلك إليهم.
" وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين " (49)
فإن كانوا من قبل نزول المطر لفي يأس وقنوط; بسبب احتباسه عنهم.
" فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير " (50)
فانظر -أيها المشاهد- نظر تأمل وتدبر إلى آثار المطر في النبات والزروع والشجر, كيف يحيي به الله الأرض بعد موتها, فينبتها ويعشبها؟ إن الذي قدر على إحياء هذه الأرض لمحيي الموتى, وهو على كل شيء قدير لا يعجزه شيء.
" ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون " (51)
ولئن أرسلنا على زروعهم ونباتهم ربحا مفسدة, فرأوا نباتهم قد فسد بتلك الريح, فصار من بعد خضرته مصفرا, لمكثوا من بعد رؤيتهم له يكفرون بالله


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 332.18 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 326.30 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (1.77%)]