|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الطهارة (71) - باب ذكر الاستتار عند الاغتسال - باب ذكر القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للغسل يجب على المغتسل الاستتار عن الناس، وألا تنكشف عورته لأحد، وينبغي ألا يسرف في استخدام الماء، وهذه كلها آداب بينها الإسلام. ذكر الاستتار عند الاغتسال شرح حديث أبي السمح في ستره للنبي بظهره عند غسله قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الاستتار عند الاغتسال. أخبرنا مجاهد بن موسى حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثني يحيى بن الوليد حدثني محل بن خليفة حدثني أبو السمح رضي الله عنه أنه قال: (كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني قفاك، فأوليه قفاي، فأستره به)].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: ذكر الاستتار عند الاغتسال. يعني: الاستتار عن أعين الناس، وكونه يكون في مكان قد استتر عنهم، وقد أورد النسائي رحمه الله في هذه الترجمة حديث أبي السمح خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنه الذي يقول فيه: ( إنه كان يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني قفاك، فيوليه قفاه، فيستتر به ويغتسل )، فـأبو السمح رضي الله عنه يذكر أن الرسول عليه الصلاة والسلام يطلب منه أن يجعل ظهره إليه، بمعنى: أنه يكون اتجاهه إلى جهة أخرى، ويكون الرسول صلى الله عليه وسلم وراء ظهره يستتر به، فهذا الذي أورد المصنف الحديث من أجله تحت تلك الترجمة، وهو الاستتار، وهنا استتار بشخص يوليه ظهره، ويغتسل وراءه، ويكون بذلك ساتراً له، فهو دليل على ما ترجم له المصنف. تراجم رجال إسناد حديث أبي السمح في ستره للنبي بظهره عند غسله قوله: [أخبرنا مجاهد بن موسى].هو مجاهد بن موسى الختلي الخوارزمي، وهو ثقة، وخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا عبد الرحمن بن مهدي].وعبد الرحمن بن مهدي هو الإمام، المشهور، الحجة المحدث، والذي خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره فيما مضى، وهو أحد الشخصين اللذين قال عنهما الذهبي: إنهما إذا اجتمعا على جرح شخص فهو لا يكاد يندمل جرحه، وهما: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وهما: من طبقة شيوخ شيوخ أصحاب الكتب الستة؛ أعني: عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان.[حدثني يحيى بن الوليد]. يحيى بن الوليد كنيته أبو الزعراء، وهو طائي، وقد خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، وقال عنه الحافظ في التقريب: إنه لا بأس به.[حدثني محل بن خليفة]. هو محل بن خليفة الطائي، وهو أيضاً طائي، كما أن تلميذه الراوي عنه طائي، وهو ثقة، وخرج لهما البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه . [حدثني أبو السمح].وأبو السمح قيل اسمه: إياد، وهو خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما جاء في الحديث نفسه- وهو أنه يحكي أنه كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، وله حديث واحد وهو هذا الحديث، وقد خرجه له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، إلا أن بعضهم يذكره مفرقاً، وبعضهم يجمعه، وهذا جزء من حديثه أو بعض حديثه، وأبو داود رواه عنه بأطول من هذا، وقال: ( إنه كان يخدم الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنه كان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني ظهرك، فيوليه ظهره، ثم يستتر به ويغتسل )، وقال: ( إنه جاءه مرة الحسن أو الحسين فجلس في حجره فبال، فقال: إنه يرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية ). شرح حديث أم هانئ في ستر فاطمة للنبي عند غسله قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم عن عبد الرحمن عن مالك عن سالم عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب عن أم هانئ رضي الله عنها أنها: (ذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة تستره بثوب، فسلمت فقال: من هذا؟ قلت: أم هانئ. فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات في ثوب ملتحفاً به)].أورد النسائي حديث: أم هانئ، وهي: بنت أبي طالب أخت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، واسمها فاختة، وقيل: هند، وهي لها أحاديث ذكر في الخلاصة: أن عدتها ستة وأربعون حديثاً، وأن البخاري، ومسلماً اتفقا منها على حديث واحد، وهو هذا الحديث -الذي معنا- حديث إخبارها بمجيئها إلى النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح، وأن فاطمة كانت تستره بثوب، وهنا ذكر مختصراً، وقد أورده البخاري في بعض المواضع مطولاً، وفي بعضها مختصراً، وفي بعضها أن النبي عليه الصلاة والسلام لما سأل عنها، (قيل: من هذه؟ قالت: أم هانئ. قال: مرحباً بـأم هانئ)، فالحديث طويل، والنسائي هنا أورده مختصراً، والمقصود منه: ذكر الاستتار عند الاغتسال، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يغتسل، وابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها تستره بثوب، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث هنا في ذكر الاستتار عند الاغتسال. فلما جاءت وسلمت قال: (من هذه)، وفي بعض الروايات: (من هذا)؛ يعني: الشخص، (فقالت: أم هانئ)، وجاء في بعض الروايات أنه قال: (مرحباً بـأم هانئ)، ثم إنه لما فرغ من اغتساله جاء وصلى ثمان ركعات، وكان ذلك في وقت الضحى، فمن العلماء من قال: إن هذه الركعات الثمان هي سنة الضحى، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى سنة الضحى ثمان ركعات، ومنهم من قال: إن هذه بسبب الفتح، وأنها شكر لله عز وجل على ما حصل له من الفتح، والنووي في صحيح مسلم ترجم بترجمة، فأشار إلى هذا الحديث الذي أورده مسلم، فقال: بيان سنة الضحى وفضلها، وأن أقلها ركعتان، وأن أكملها ثمان ركعات، وأن وسطها أربع أو ست.أما من قوله عليه الصلاة والسلام فقد جاءت الأحاديث مرغبةً في ذلك، ومن بينها: حديث أبي هريرة المتفق على صحته، الذي يقول فيه رضي الله عنه: (أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام)، وهذا الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة، وأيضاً رواه أبو الدرداء، وقد انفرد به مسلم، ويقول فيه: (أوصاني حبيبي صلى الله عليه وسلم بثلاث: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أرقد)، وكل من هذين الحديثين: حديث أبي هريرة، وحديث أبي الدرداء فيهما الاشتمال على إيصاء الرسول صلى الله عليه وسلم بسنة الضحى -ركعتي الضحى- حيث قال كل منهما: (أوصاني)، يقول أبو هريرة: (خليلي)، ويقول أبو الدرداء: (حبيبي)، وحديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم، وحديث أبي الدرداء عند مسلم وحده.فالأحاديث في فضل صلاة الضحى ثابتة وكثيرة، وهي من قوله عليه الصلاة والسلام، وحديث أم هانئ هذا هو من فعله عليه الصلاة والسلام، وقد جاء أيضاً: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)، وهي أولاد الدواب؛ يعني: حين تشتد الرمضاء عليها، فتؤثر عليها حرارة الرمضاء، وذلك في شدة الضحى، أو في وقت القيلولة، ومن المعلوم: أن وقت الضحى من ارتفاع الشمس قيد رمح، وهو زوال وقت الكراهة أو وقت التحريم، الذي هو النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند زوالها وعند غروبها، فمن ارتفاع الشمس قيد رمح إلى الزوال كل هذا وصف لصلاة الضحى. إذاً: فالحديث الذي معنا دال على سنة الضحى، وفيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى ملتحفاً بثوب في ذلك الوقت بعد أن اغتسل، وصلى تلك الثمان الركعات التي قيل: إنها سنة الضحى، ومن المعلوم: أن الصلاة بثوب واحد سائغ وجائز، لكن بحيث يكون ضافياً، ويكون ساتراً، بحيث يفي بجسم الإنسان، والرسول صلى الله عليه وسلم صلى بهذا الثوب ملتحفاً به، ولما سئل هل يصلي الرجل في ثوبين؟ قال: (أو كل يجد ثوبين؟)؛ معناه: أن فيه الصلاة بثوب واحد، هذا هو الأصل والغالب؛ لأن كل واحد لا يستطيع أن يجد ثوبين، ففيه: الصلاة بالثوب الواحد؛ لأن أم هانئ قالت: (إنه صلى بثوب ملتحفاً به).ثم أيضاً فيه جواز الكلام من المغتسِل؛ يعني: كون الذي يغتسل يتكلم، أو يكلم غيره عند الحاجة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم تكلم لما سلمت أم هانئ قال: (من هذه)، وقال: (مرحباً بـأم هانئ)، فدل هذا على أن المغتسل له أن يتكلم؛ لكن هذا في حال الاغتسال إذا كان في مكان مختص به، أما إذا كان في أماكن قضاء الحاجة، فإن الإنسان لا يتكلم إلا عند الضرورة، ومما يدل على جواز الكلام في حال الاغتسال الحديث الذي فيه وصف أبي أيوب الأنصاري الاغتسال في حال الإحرام، وأنه كان يغتسل، فاغتسل وبينهم وبينه شجر، وكان يتحدث معهم في حال اغتساله. تراجم رجال إسناد حديث أم هانئ في ستر فاطمة للنبي عند غسله قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم]. هو يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهو ثقة، ثبت، وهذا شيخ أصحاب الكتب الستة، وقد مر أنه روى عنه أصحاب الكتب الستة مباشرة، وأن ممن وافقه في ذلك محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، هؤلاء الثلاثة كل منهم روى عنه أصحاب الكتب الستة مباشرة بدون واسطة، وهم الثلاثة من صغار شيوخ البخاري؛ لأنهم ماتوا في سنة واحدة قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، أما كبار شيوخ البخاري فهم الذين أدركهم في حال صغره، وماتوا وهو صغير، وروى عنهم وأخذ عنهم، فهؤلاء يقال: كبار شيوخه الذين أدركهم في أواخر حياتهم وفي أول حياته، وروى عنهم، ثم ماتوا، فهؤلاء كبار شيوخه.[عن عبد الرحمن]. هو عبد الرحمن بن مهدي، وقد تقدم في الإسناد الذي قبل هذا.[عن مالك]. هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، الإمام، المحدث، الفقيه، صاحب المذهب المشهور، أحد المذاهب الأربعة المشهورة التي هيئ لها من يقوم بتدوينها والعناية بها، فحفظت واشتهرت وانتشرت، ولم يحصل لغيرها من المذاهب التي هي مثلها، ولكنها ما هيئ لها من يقوم بالعناية بها، من حيث جمعها وتدوينها، ونشرها، والتأليف فيها، فهذه المذاهب الأربعة حصل لها ما لم يحصل لغيرها من مذاهب الفقهاء الذين اشتهروا بالفقه، واشتهروا بالعلم، فالإمام مالك رحمة الله عليه أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن سالم]. هو سالم بن أبي أمية أبو النضر، أحياناً يأتي ذكره باسمه -كما هنا- وأحياناً يأتي بكنيته أبي النضر، وقد ذكرت -فيما مضى- أن من فوائد معرفة كنى المسمين ألا يظن أن الشخص الواحد شخصين، وذلك إذا ذكر مرةً باسمه ومرةً بكنيته، هنا سالم أبو النضر، وأبو كريب محمد بن العلاء، أحيانا يقال: أبو كريب، وأحيانا يقال: محمد بن العلاء، وأمثال هؤلاء الذين اشتهروا بكناهم ولهم أسماء سالم أبو النضر ، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي مرة مولى عقيل].هو أبو مرة مولى عقيل بن أبي طالب، قيل: اسمه يزيد وقيل: عبد الرحمن، وقيل: إنه مولى أم هانئ بنت أبي طالب، وقيل: إنه مولى أخيها عقيل بن أبي طالب، وهو ثقة، وهو مشهور بكنيته، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أم هانئ].أم هانئ قيل: فاختة، وقيل: هند بنت أبي طالب، وذكرت أن لها أحاديث عدتها ستة وأربعون حديثاً، اتفق البخاري، ومسلم على إخراج حديث، وهو هذا الحديث الذي معنا؛ لأنه متفق عليه، أي: أخرجه البخاري وأخرجه مسلم، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة. إذاً: فإسناد هذا الحديث كلهم ممن خرج لهم أصحاب الكتب الستة، وهم يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عبد الرحمن بن مهدي، مالك بن أنس، أبو النضر سالم بن أبي أمية، أبي مرة مولى أم هانئ، وكلهم ثقات.والصحابة لا يحتاجون إلى توثيق، وأن يقال عن الواحد منهم: ثقة؛ لأن من أكرمه الله عز وجل بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكفيه ذلك الشرف وذلك الفضل، ولا يحتاج إلى أن يضاف إليه وصف بأنه ثقة، بل جرت طريقة العلماء على أن الصحابة لا يسألوا عن عدالتهم وعن توثيقهم؛ لأنهم موثقون، ومعدلون بتعديل الله عز وجل لهم، كما قال الخطيب البغدادي في كتاب الكفاية: إن كل راو دون الصحابي يحتاج إلى معرفة منزلته من الثقة، والجرح والتعديل، أما الصحابة فلا يحتاجون إلى ذلك، ولا يسأل عن عدالتهم، بل الشخص المجهول منهم لا تؤثر جهالته، فإذا قيل: عن رجل صحب النبي صلى الله عليه وسلم، ولو لم يعرف اسمه ولم يعرف عينه، فإن ذلك كاف في الاعتماد عليه، والاحتجاج بحديثه، ما دام وصف بأنه صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للغسل شرح حديث عائشة في قدر ما كان يغتسل به النبي من الماء قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للغسل. أخبرنا محمد بن عبيد حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن موسى الجهني قال: (أُتي مجاهد بقدح حزرته ثمانية أرطال، فقال: حدثتني عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بمثل هذا)].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي باب: ذكر القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للغسل.هذه الترجمة معقودة لبيان المقدار الذي يكفي للغسل، وذكر الرجل هنا لا مفهوم له في كلام النسائي؛ لأن الغالب في الكلام عن الرجال وفي حق الرجال، فالنساء كذلك؛ لأن الأحكام يتساوى فيها الرجال والنساء، ولا يميز بين الرجال والنساء إلا إذا وجد شيء يميز بينهم، أما عند عدم ذكر شيء من ذلك، فإنه لا فرق بين الرجال والنساء.إذاً: فكلام النسائي في قول الرجل لا مفهوم له، ليس لأن المرأة تختلف عن الرجل؛ بل لأن الحديث على الرجال غالباً، هذا هو السبب في ذلك، ومن ذلك حديث أبي هريرة الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تتقدموا رمضان بيومٍ أو يومين إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصم)، كذلك المرأة التي كانت معتادة أنها تصوم يوم الإثنين ووافق يوم ثلاثين من شعبان، فالرجل والمرأة في ذلك سواء، وذكر الرجل لا مفهوم له. وقد أورد النسائي في ذلك عدة أحاديث في هذه الترجمة، الحديث الأول: حديث عائشة رضي الله عنها (أُتي مجاهد بقدح حزرته -قول موسى الجهني: حزرته أي قدرته- بثمانية أرطال، فقال: حدثتني عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بمثل هذا)، يعني: بمثل هذا القدح، وقد جاء في أحاديث: (أن الرسول كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع)، والصاع: أربعة أمداد، وكان يغتسل بأكثر من هذا، وجاء في بعض الروايات: ( اغتساله بما يزيد على الصاع ) لكن المعروف من عادته، والغالب من استعماله أنه كان يغتسل بالصاع، وهنا يقول موسى الجهني: (أن مجاهداً -يعني ابن جبر- أُتي بقدحٍ حزرته، يقول موسى الجهني: ثمانية أرطال، وقال: إن عائشة حدثتني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بمثل هذا). تراجم رجال إسناد حديث عائشة في قدر ما كان يغتسل به النبي من الماء قوله: [أخبرنا محمد بن عبيد]. محمد بن عبيد هذا هو المحاربي، وهو صدوق، وخرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي. قوله: [حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة].هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وهو ثقة، متقن، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن موسى الجهني]. موسى الجهني قيل: أنه ابن عبد الله، وقيل: ابن عبد الرحمن الجهني، وهو ثقة، وخرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .قوله: [عن مجاهد]. هو مجاهد بن جبر الإمام، المشهور، المعروف بالتفسير، وهو محدث، وفقيه، ومفسر، وهو ثقة، ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن عائشة]. وعائشة أم المؤمنين قد مر ذكرها كثيراً، وهي الصحابية التي زاد حديثها على ألف حديث، وهي الصحابية الوحيدة التي عرفت بكثرة الحديث، والتي هي أحد السبعة المكثرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية الحديث، والذين زادت أحاديثهم على ألف حديث. شرح حديث عائشة في اغتسال النبي بقدر الصاع قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة عن أبي بكر بن حفص سمعت أبا سلمة يقول: (دخلت على عائشة رضي الله عنها وأخوها من الرضاعة، فسألها عن غسل النبي صلى الله عليه وسلم؟ فدعت بإناء فيه ماء قدر صاع، فسترت ستراً فاغتسلت، فأفرغت على رأسها ثلاثاً)].أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة أيضاً أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف دخل عليها هو وأخوها من الرضاع، فسألها أخوها عن غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ،(فدعت بإناءٍ فيه ماءٌ قدر صاع، واستترت بسترٍ، وأفرغت على رأسها ثلاثاً)، المقصود من هذا: ذكر المقدار، وأن هذا الإناء قدر صاع، وهذا يوضح ما ذكرت في الترجمة من أن ذكر الرجل ليس له مفهوم؛ لأن عائشة رضي الله عنها اغتسلت بهذا المقدار الذي هو قدر صاع، وهذا هو الغالب على ما كان معروفاً عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من مقدار الماء الذي يغتسل به، وأنه قدر الصاع. يتبع
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الطهارة (43) (باب المسح على العمامة مع الناصية) إلى (باب إيجاب غسل الرجلين) بين الشارع جواز المسح على العمامة، وأنها تعمم بالمسح إذا غطَّت الرأس كله، وإذا ظهرت الناصية -وهي مقدم الرأس- فإنه يمسح عليها ويتمم على العمامة، كما يجب غسل الرجلين في الوضوء وإدخال الكعبين في الغسل. المسح على العمامة مع الناصية شرح حديث المغيرة في المسح على العمامة والناصية قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب المسح على العمامة مع الناصية.أخبرنا عمرو بن علي حدثني يحيى بن سعيد حدثنا سليمان التيمي حدثنا بكر بن عبد الله المزني عن الحسن عن ابن المغيرة بن شعبة ، عن المغيرة رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح ناصيته وعمامته، وعلى الخفين). قال بكر : وقد سمعته من ابن المغيرة بن شعبة عن أبيه].يقول النسائي رحمه الله: [باب المسح على العمامة مع الناصية]، وفي الباب السابق المسح على العمامة، والفرق بين البابين: أن المسح على العمامة وحدها يكون فيما إذا كانت مغطية للرأس كله، بما في ذلك المقدمة التي هي الناصية، أما إذا كانت العمامة ليست ساترة لمقدم الرأس الذي هو الناصية، وإنما قد بدأ شيء من الرأس، فإنه يمسح على الناصية المكشوفة وعلى العمامة، بأن يجمع بينهما؛ لأنه جزء من الرأس, وهو -مقدمه الذي هو الناصية- مكشوف، وما وراء الناصية مغطى.وقد أورد النسائي رحمه الله في هذه الترجمة حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه: (أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام توضأ ومسح على الناصية والعمامة وعلى خفيه)، يعني: فيكون جمع بين المسح على الناصية؛ لأنه قد كشف شيئاً من مقدم الرأس، وعلى العمامة التي غطت ما بعد الناصية، هذا هو الذي يدل عليه الحديث. تراجم رجال إسناد حديث المغيرة في المسح على العمامة والناصية قوله: [أخبرنا عمرو بن علي ].عمرو بن علي هو: الفلاس, وهو ثقة, حافظ، وهو من أئمة الجرح والتعديل الذين كثر كلامهم في الرجال جرحاً وتعديلاً، وهو ممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل إنه شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه مباشرة: البخاري, ومسلم, وأبو داود، والنسائي, وابن ماجه.[ عن يحيى بن سعيد ].وهو: يحيى بن سعيد القطان الإمام المشهور، المحدث, الناقد، وهو من أئمة الجرح والتعديل، وهو مكثر من الرواية، وهو ثقة, حافظ, متقن، وهو ممن روى له أصحاب الكتب الستة، فإذاً: كل من عمرو بن علي الفلاس ويحيى بن سعيد القطان ، كل منهما إمام من أئمة الجرح والتعديل.[يروي عن سليمان التيمي ].وهو سليمان بن طرخان التيمي ، يقال له: التيمي وليس من التيميين, وإنما نزل فيهم فنسب إليهم، وهو ثقة, حافظ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أبو المعتمر الذي سبق أن مر بنا ذكره.[عن بكر ]. وهو بكر بن عبد الله المزني، وهو ثقة, ثبت, جليل, كما قال الحافظ ابن حجر، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن الحسن ].ويروي عن الحسن ، والحسن هو: البصري، الحسن بن أبي الحسن ، وهو من الثقات، وهو يدلس ويرسل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، والذين لم يمر ذكرهم هم سليمان التيمي وبكر بن عبد الله المزني ، وأما الباقون فقد مر ذكرهم وهم: عمرو بن علي، ويحيى بن سعيد القطان، والحسن البصري .[ عن ابن المغيرة].وهو: حمزة بن المغيرة بن شعبة, وحمزة هذا خرج له مسلم, والنسائي, وابن ماجه، وهو ثقة.[ عن أبيه].ويروي عن أبيه المغيرة بن شعبة ، وهو الصحابي, المشهور, المعروف, رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وسبق أن مر ذكره، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.إذاً فرجال الإسناد كلهم وهم: عمرو بن علي الفلاس ، ويحيى بن سعيد القطان ، وسليمان بن طرخان التيمي ، وبكر بن عبد الله المزني ، والحسن البصري ، والمغيرة بن شعبة ، هؤلاء حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، والسابع الذي هو حمزة بن المغيرة بن شعبة لم يخرج حديثه إلا مسلم, والنسائي, وابن ماجه، ولم يخرج له البخاري, ولا الترمذي ، ولا أبو داود . ثم قال في آخره: قال بكر : (وقد سمعته من ابن المغيرة عن أبيه)، يعني: أن هذا الذي رواه عن ابن المغيرة بواسطة رواه عنه بلا واسطة، يعني: الطريق الأولى التي ساقها المصنف يرويه عن ابن المغيرة بواسطة؛ والطريق التي أشار إليها، وهي التي أيضاً ذكرها في الإسناد الذي بعد هذا، يروي مباشرة عن ابن المغيرة ، وعرفنا فيما مضى أن الراوي قد يروي الحديث بواسطة، ويرويه عن الشخص الذي رواه عنه بدون واسطة؛ وذلك لأنه لم يلق العالي فيرويه عنه بواسطة، فإذا لقيه رواه عنه مباشرة، فيكون رواه على الحالين: رواه بالواسطة، ورواه بغير الواسطة، وهذا لا تعل به الأحاديث؛ لأن هذا شيء معروف ومشهور، وبكر بن عبد الله المزني روى الحديث عن الحسن عن ابن المغيرة ، وقد سمعه من ابن المغيرة عن المغيرة ، فيكون الطريق الثاني عالياً، والطريق الأولى نازلة. شرح حديث المغيرة في المسح على العمامة والناصية من طريق أخرى قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عمرو بن علي وحميد بن مسعدة عن يزيد وهو ابن زريع حدثنا حميد حدثنا بكر بن عبد الله المزني عن حمزة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (تخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخلفت معه، فلما قضى حاجته قال: أمعك ماء؟ فأتيته بمطهرة فغسل يديه، وغسل وجهه، ثم ذهب يحسر عن ذراعيه، فضاق كم الجبة، فألقاه على منكبيه، فغسل ذراعيه، ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه)].أورد النسائي حديث المغيرة بن شعبة من طريق أخرى، وهي مثل الطريقة السابقة، إلا أنه هنا يقول: إنه تخلف مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، يعني: عن الجيش, وذلك في غزوة تبوك، وقد سبق أن مر في الحديث: أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لحقه وهو راكب, وقرع ظهره بالعصا، يعني: نبهه, فعدل وعدل معه، يعني: ذهب يميناً أو شمالاً، والجيش يمشي، فذهب لقضاء حاجته, ولحقه المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، ولما قضى حاجته جاء إليه وقال له: أمعك ماء؟ فكان معه مطهرة، وهي الصفيحة، وهي: وعاءٌ من الجلد يكون فيه الماء، يعني: يكون جلدين يجمع فيما بينهما, فيقال له: صفيحة، وهنا قال: مطهرة، فأفرغ عليه منها ليتوضأ، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغسل وجهه، ولما جاء ليغسل اليدين فأراد أن يخرج الذراعين من كم الجبة التي عليه، فلم تخرج؛ لأن كم الجبة ضيق، فأخرج يده من الداخل, ونزع الجبة ووضعها على الكتفين، وغسل ذراعيه عليه الصلاة والسلام، ومسح على العمامة والناصية، ومسح على الخفين، وهنا أورده من وجه قوله: مسح على العمامة والناصية، وقد عرفنا أن المسح على العمامة والناصية فيما إذا كانت الناصية مكشوفة، أما إذا كانت مغطاة فإن المسح يكون على العمامة كلها. تراجم رجال إسناد حديث المغيرة في المسح على العمامة والناصية من طريق أخرى قوله: [أخبرنا عمرو بن علي وحميد بن مسعدة ].وشيخ النسائي في الإسناد الأول هو عمرو بن علي، فهنا ذكره أيضاً مرة أخرى، وذكر معه أيضاً حميد بن مسعدة، وهو صدوق، خرج حديثه مسلم, وأصحاب السنن الأربعة. [عن يزيد وهو: ابن زريع ]. قال في الإسناد: وهو ابن زريع ؛ لأن الراوي عنه، قال: يزيد : ولم ينسبه، فالذي هو دون التلميذ، إذا أراد أن يضيف شيئاً يوضح ذلك الرجل الذي لم ينسب، فإنه يأتي بكلمة (هو) أو بكلمة (هو فلان)، أو (ابن فلان)، أو (الفلاني)، أو ما إلى ذلك، وهنا قال: هو ابن زريع ، فكلمة (هو) دلتنا على أن الذي قالها هو من دون التلميذ، إما النسائي, وإما من دون النسائي، وأما التلميذ فلا يحتاج إلى أن يقول: هو، وإنما ينسبه كما يريد، ويأتي بنسبه وكنيته ولقبه على أي حالة يريد؛ لأن الكلام كلامه. ويزيد بن زريع ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا حميد ].هو: حميد بن أبي حميد الطويل، ويأتي ذكره لأول مرة، وهو ثقة, يدلس، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا بكر بن عبد الله ].وهنا صرح حميد بالتحديث؛ لأنه قال: حدثنا، والمدلس إذا صرح بالتحديث، فإنه لا أثر لتدليسه، وإنما التدليس يخشى فيما إذا جاءت (عن) أو (قال) التي هي تحتمل الاتصال، وتحتمل أن يكون بينه وبينه واسطة، أما إذا صرح بالتحديث كما هنا، فإن الأمر لا إشكال فيه. [عن حمزة بن المغيرة ]. هناك قال: حدثنا بكر بن عبد الله -الذي مر في الإسناد السابق الذي قبل هذا- عن الحسن عن حمزة، وهنا يسمى ابن المغيرة؛ لأن في الإسناد الأول قال: ابن المغيرة ، وهنا قال: حمزة بن المغيرة، فالإسناد متفق مع ما ذكر بعد الحديث السابق: أن بكر بن عبد الله سمع من ابن المغيرة؛ لأنه هنا يروي عن ابن المغيرة، يعني: ليس بينه وبينه واسطة، وإنما يروي عنه مباشرة، فالإسناد الأول نازل؛ لأن فيه واسطة، فيه زيادة رجل بين بكر وبين حمزة بن المغيرة ، وهنا ليس بينه وبينه واسطة، فصار الإسناد عالياً؛ لأنها قلت الوسائط فيه، وحمزة بن المغيرة هو الذي مر في الإسناد السابق، وذكر أنه من رجال مسلم, والنسائي, وابن ماجه .[عن أبيه]. والمغيرة كذلك مر ذكره في الحديث الماضي. كيف المسح على العمامة شرح حديث المغيرة في كيفية المسح على العمامة قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف المسح على العمامة.أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم أخبرنا يونس بن عبيد عن ابن سيرين أخبرني عمرو بن وهب الثقفي سمعت المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: (خصلتان لا أسأل عنهما أحداً بعدما شهدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: كنا معه في سفر، فبرز لحاجته، ثم جاء فتوضأ ومسح بناصيته وجانبي عمامته، ومسح على خفيه، قال: وصلاة الإمام خلف الرجل من رعيته، فشهدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان في سفر، فحضرت الصلاة، فاحتبس عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأقاموا الصلاة، وقدموا ابن عوف فصلى بهم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى خلف ابن عوف ما بقي من الصلاة، فلما سلم ابن عوف قام النبي صلى الله عليه وسلم فقضى ما سبق به)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي باب: كيف المسح على العمامة، بعدما ذكر حكم المسح على العمامة، ذكر كيفية المسح على العمامة، وأورد فيه حديث المغيرة بن شعبة أيضاً الذي يقول فيه: خصلتان لا أسأل عنهما أحداً بعد أن رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أولهما: أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذهب إلى البراز، يعني: إلى مكان بارز، مكان بعيد عن الناس، وكان في سفر، يعني: ترك الجيش وذهب إلى جهة بعيدة عنهم، وقضى حاجته، ثم مسح على الناصية وجانبي العمامة وعلى الخفين.والخصلة الثانية: صلاة الإمام خلف أحد من الرعية، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام لما كان متخلفاً, ومعه المغيرة بن شعبة ليقضي حاجته، حانت الصلاة، وتأخر عليهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فقدموا عبد الرحمن بن عوف ليصلي بهم، فصلى بهم ركعة من صلاة الفجر، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام، لحق بهم، وقد سبق أن مر أن المغيرة بن شعبة أراد أن يؤذن عبد الرحمن بن عوف , وأن يخبره بمجيء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فأمره الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعه، وقال: دعه، يعني: يكمل الصلاة، ثم صلى وراءه النبي عليه الصلاة والسلام، الركعة التي بقيت من الصلاة، ولما سلم عبد الرحمن بن عوف قام النبي عليه الصلاة والسلام ومعه المغيرة بن شعبة، قضيا الركعة التي سبقا بها، فـالمغيرة بن شعبة ، يقول: خصلتان لا أسأل عنهما أحداً، أي: وجدت ما يشفي ويكفي مع رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأنه إذا وجد الحديث ووجد الحكم عن الرسول عليه الصلاة والسلام، فلا يحتاج إلى أن يسأل أحداً عن ذلك الذي وجد حكمه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.ومحل الشاهد هو ما في الخصلة الأولى: من أنه مسح على الناصية وجانبي العمامة، معناه أنه يمسح على الرأس كله، الناصية وجانبي العمامة؛ لأن الجانبين كما هو معلوم أن اليد تأتي على الرأس من الجانبين، فمعناه أنها استوعبت الرأس، وظاهر ما جاء في الحديث هنا أن المسح إنما هو مرة واحدة، مسح على الناصية وعلى جانبي العمامة، ومن المعلوم أن جانبي العمامة اليمين والشمال، فإذا ذهبت اليدان من الناصية إلى الخلف، فإنها تكون على جانبي العمامة، وأطراف الأصابع هي متلاقية في الوسط، فيكون المسح على الرأس كله على الناصية التي هي مقدم الرأس، وعلى العمامة التي هي مغطية ما وراء الناصية. تراجم رجال إسناد حديث المغيرة بن شعبة في كيفية المسح على العمامة قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبرهيم ].يعقوب بن إبراهيم هو الدورقي وهو ثقة، من رجال الجماعة، بل إنه شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه مباشرة، يعني: مثل ما حصل بالنسبة لـعمرو بن علي الفلاس , الذي أشرت إليه آنفاً، حصل بالنسبة لـيعقوب بن إبراهيم الدورقي , وهو من الثقات الحفاظ. [حدثنا هشيم ]. هشيم يأتي ذكره لأول مرة، وهو هشيم بن بشير الواسطي أبو معاوية ، وهو ثقة حافظ، ولكنه كثير التدليس والإرسال الخفي، والتدليس معناه كما مضى: كون الراوي يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم السماع منه بــ (عن) أو (قال)، أما إذا أتى بـ سمعت, أو حدثنا, أو أخبرنا, أو أنبأنا، فإن هذا لا تدليس معه.أما الإرسال الخفي فهو: أن يروي عمن عاصره ولم يعرف أنه لقيه، سمي خفياً؛ لأن الشخص معاصر لمن أرسل عنه، أما إذا كان أرسل عن إنسان ما عاصره ولا أدرك عصره، فهذا إرسال واضح ليس بخفي، كأن يكون بينه وبينه عشرات السنين مثلاً، توفي قبل أن يولد، فالأمر هنا واضح أنه مرسل، فالفرق بين التدليس والإرسال: أن التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاؤه إياه، يعني: بلفظ موهم سماعه، ما لم يسمعه منه، أما المرسل الخفي فهو يكون في حق من عاصره ولم يعرف أنه لقيه. فـهشيم بن بشير الواسطي هو كثير التدليس، والإرسال الخفي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [حدثنا يونس بن عبيد ]. يونس بن عبيد هو ابن دينار البصري ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن سيرين ].هو محمد بن سيرين ، الإمام المشهور الذي سبق أن مر ذكره مراراً، وهو ثقة، من رجال الجماعة. [أخبرني عمرو بن وهب ].عمرو بن وهب الثقفي هذا هو ثقة، خرج حديثه البخاري في القراءة خلف الإمام، وخرج حديثه النسائي ، وهذا الرجل الذي هو عمرو بن وهب الثقفي هو الرجل المبهم الذي سبق أن مر بنا ذكره في الحديث رقم اثنين وثمانين, الذي قال فيه: وعن ابن سيرين عن رجل، وذكرت فيما مضى: أن الرجل المبهم هو عمرو بن وهب الثقفي ، فهنا في هذا الإسناد جاءت تسميته، وهو الذي روى عنه محمد بن سيرين , فقال هنا: أخبرني عمرو بن وهب الثقفي ، وعمرو بن وهب الثقفي يروي عن المغيرة بن شعبة. إيجاب غسل الرجلين شرح حديث أبي هريرة: (ويل للعقب من النار) قال المصنف رحمه الله: [باب: إيجاب غسل الرجلين.أخبرنا قتيبة حدثنا يزيد بن زريع عن شعبة (ح) وأنبأنا مؤمل بن هشام حدثنا إسماعيل عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: (ويل للعقب من النار)].يقول النسائي : باب إيجاب غسل الرجلين. وغسل الرجلين هو آخر فروض الوضوء، وقد مر في الأبواب الماضية ما يتعلق بالفروض التي قبلها، ثم انتهى إلى ذكر التراجم المتعلقة بغسل الرجلين، وبوب له بلفظ الإيجاب، ونص عليه دون غيره مما تقدم، وإن كان كله واجباً، وفرضاً لازماً؛ لأنه لما عرف من بعض الفرق الضالة التي لا تقول بغسل الرجلين، وإنما تقول بمسحهما، ويكون ذلك إلى العظم الناتئ في ظهر القدم، وعندهم أن في كل رجل كعباً، وعند أهل السنة أن فرض الرجلين الغسل، وكل رجل فيها كعبان، وقد مر في حديث علي رضي الله عنه: (أنه غسل الرجل اليمنى إلى الكعبين، ثم اليسرى كذلك)، أي: أن فرض الرجلين الغسل إلى الكعبين بالنسبة لكل رجل، وهنا قال: باب: إيجاب غسل الرجلين. أي: أن فرض الرجلين الغسل، وأنه واجب، وأنه ليس فرضهما المسح، وهذا هو السر في كونه صرح هنا بالإيجاب، دون غيره مما تقدم من الأبواب.وقد أورد النسائي تحت هذه الترجمة بعض الأحاديث الدالة على ما ترجم له، ومن ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: (ويل للعقب من النار)، والعقب مفرد يراد به الجنس، وليس المقصود به الإفراد، وإنما المقصود به الجنس، وقد بينه الحديث الذي بعده وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (ويل للأعقاب من النار)، والمراد بالعقب: هو ما يكون في مؤخر القدم, مما يكون وراء الكعبين من المكان المنخفض الذي قد ينبو عنه الماء، فيكون خالياً من الماء، بحيث لا يصل إليه الغسل؛ وذلك لعدم الاستيعاب والإسباغ، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ويل للعقب من النار)، وقال ذلك على سبب بينه الحديث الذي بعده، وهو أنه عليه الصلاة والسلام رأى جماعة من أصحابه يتوضئون، وإذا أعقابهم تلوح، أي: أن الماء لم يصل إليها، فقال: (ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء)، وهذا في حديث عبد الله بن عمرو الذي يأتي، وحديث أبي هريرة يقول: (ويل للعقب من النار).إذاً: فلما كانت الأعقاب -وهي في مؤخرة القدم- ينبو عنها الماء، إذا لم يتحقق الاستيعاب، ولم يحصل العناية بالغسل، وقد جاء التوعد على ذلك بالنار، دل ذلك على وجوبه وتعينه؛ إذ لا يتوعد بالنار على أمر ليس بواجب؛ لأن التوعد بالنار يدل على الوجوب، وعلى أن من أخل به، ولم يحصل منه القيام بالواجب، فإنه يعاقب بهذه العقوبة التي هي النار.وقوله: (ويل)، قيل: هي كلمة عذاب، وقيل: هي واد في جهنم، وهي تدل على الوعيد، وعلى التحذير من الوقوع أو فعل ما يوقع في ذلك العذاب الذي توعد عليه بالويل، وإنما خصت الأعقاب بهذا الوعيد؛ لأن عدم إيصال الماء إليها هو السبب في حصول العذاب، ومن المعلوم أن العذاب يكون لصاحبها، وإذا حصل العذاب على ذلك المكان، وخص به فإن جميع جسد الإنسان يناله العذاب، وقد جاء في الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيما يتعلق بالحياة الدنيا أنه قال: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، وبالنسبة لأمور الآخرة فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر في الحديث الصحيح: (أن أخف الناس عذاباً عمه أبو طالب الذي هو في ضحضاحٍ من نار، عليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه)، لأن النعلان في أسفله، ودماغه في أعلاه، وذلك العذاب الذي يحصل في أسفله يغلي منه دماغه؛ لشدة حرارة النار التي تكون في رجليه، والعياذ بالله. تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (ويل للعقب من النار) قوله: [أخبرنا قتيبة ].قتيبة هو: ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني الذي جاء ذكره في سنن النسائي كثيراً، والذي قد ابتدأ النسائي بالإخراج له، فأول حديث في سنن النسائي شيخه فيه قتيبة بن سعيد ، وهو من الثقات, الحفاظ، وحديثه في الكتب الستة . [حدثنا يزيد بن زريع ]. يزيد بن زريع هو أحد الثقات, الحفاظ، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً.قوله: [عن شعبة ]. شعبة هو: ابن الحجاج , وهو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أحد الأشخاص الذين وصفوا بهذا الوصف، وهو من أعلى وأرفع صيغ التعديل، وهو ممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ ح وأنبأنا مؤمل بن هشام ].و(ح) هذه المقصود منها التحول من إسناد إلى إسناد، يعني: أنه عندما ساق الإسناد الأول أراد أن يرجع من أول, فيأتي بإسناد آخر جديد يلتقي مع الإسناد الأول، ومن فوائدها: أنها لو لم تأت، وركبت الأسانيد بعضها على بعض، لكان المتقدم يروي عن المتأخر، فيكون شعبة يروي عن مؤمل بن إسماعيل ، يعني: لو لم يتضح بهذه الإشارة، من لا يعرف عندما تسقط (ح)، ثم يأتي الإسناد الذي بعده أو الشخص الذي بعده تابعاً للذي قبله، يظن أن الذي قبله راو عن الذي بعده، وشعبة جاء بعده: [وأخبرنا مؤمل بن هشام ]، وشعبة متقدم ومؤمل بن هشام شيخ للنسائي، وقد ذكرت فيما مضى أن النسائي لا يكثر من التحويل؛ لأنه لا يحتاج إليه؛ بسبب أنه يكثر الأبواب، ويكثر من إيراد الأحاديث بطرق متعددة تحت تلك الأبواب، فلا يحتاج إليه، كـالبخاري الذي لا يحتاج إليه؛ لأنه يكثر التراجم فيولج الأحاديث تحت تلك التراجم المختلفة، بخلاف مسلم بن الحجاج رحمه الله لكونه يجمع الأحاديث في مكان واحد، فيحتاج إلى كثرة التحويل.ومؤمل بن هشام هو مؤمل بن هشام اليشكري أبو هشام البصري، كنيته موافقة لاسم أبيه، وقد سبق أن ذكرت فيما مضى: أن من أنواع علوم الحديث: معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وقد مر بذلك نظائر، مثل: هناد بن السري أبو السري، وهنا مؤمل بن هشام أبو هشام، فوافقت كنيته اسم أبيه، والفائدة من وراء معرفة هذا النوع من أنواع علوم الحديث، حتى لا يظن التصحيف، لو ذكر مرة منسوباً، وذكر مرة بدل النسب كنية، فيما إذا لو قال: حدثنا مؤمل أبو هشام، الذي لا يعرف يظن أن الأب مصحفة عن الابن، لكن كل ذلك صحيح ولا تصحيف؛ لأنه هو أبو هشام، وهو ابن هشام، فإذاً جاء مرة بكنيته، ومرة بنسبه.ومؤمل بن هشام أبو هشام هو من رجال البخاري, وأبي داود, والنسائي، ولم يخرج له مسلم, ولا الترمذي, ولا ابن ماجه. [حدثنا إسماعيل ].إسماعيل هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم بن علية، وعلية اسم أمه، اشتهر بالنسبة إليها، وأبوه إبراهيم، ولهذا إذا جاء ذكر نسبه, ثم ذكر نسبته إلى أمه التي اشتهر بها، فإنه يكون مرفوعاً لا يكون مجروراً تابعاً لما قبله، فيما إذا قيل: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم بن علية، ما يقال: ابن علية بكسر النون؛ لأن مقسم ليس ابناً لـعلية حتى يكون مثله مجروراً، وإنما ابن علية بضم النون، ترجع إلى إسماعيل، فيكون مرفوعاً؛ لأنه وصف لـإسماعيل، وليس وصفاً لـمقسم، أما إذا ذكر النسب، فإن وصف الابن يكون ما بعد تابع لما قبله من ناحية أنه يكون مجروراً.حدثنا إسماعيل ابنُ.. التي هي الأولى تكون وصفاً لـإسماعيل، ثم ابن إبراهيم، فيكون إبراهيم مجروراً، فيأتي بعد ذلك ابن؛ لأنها وصف لـإبراهيم، فإذا جاءت ابن علية رجعت إلى الأول؛ لأنها ليست أماً لـمقسم، وإنما هي أم لـإسماعيل بن إبراهيم.ثم أيضاً من ناحية الرسم والكتابة: (ابن) إذا كانت بين علمين متناسلين، تكون بدون ألف، لكن إذا جاءت وصفاً، مثل ابن علية، فإنها تأتي الألف قبلها، يعني: إسماعيل بن إبراهيم بدون ألف ابن، وإبراهيم بن مقسم أيضاً بدون ألف، أما إذا جاءت مثل هنا ابن، وترجع إلى الأول، فإنها تكون بالألف، وكذلك فيما إذا كان (ابن) جاءت في أول الكلام، مثل: عن ابن عمر، ما جاء عن عبد الله، فإن الألف التي هي همزة الوصل تكون موجودة قبل كلمة (ابن).ومؤمل بن هشام يروي عن إسماعيل بن علية، وهو صهره، يعني: أن مؤملاً هو زوج ابنة إسماعيل بن علية.وكذلك إذا جاءت (ابن) في أول السطر أو ليس قبلها علم؛ فإنها تثبت أيضاً بالألف قبلها، مثل: عن ابن عمر، أو قال ابن عمر؛ فإنه لا بد من ذكر الألف.وحديثه عند البخاري, وأبي داود, والنسائي فقط. [ عن شعبة ]. عن شعبة، وإسماعيل يروي عن شعبة، وهنا التقى الإسنادان: الإسناد الأول والإسناد الثاني، الإسناد الأول: قتيبة عن يزيد بن زريع عن شعبة ، والثاني: مؤمل بن هشام عن إسماعيل بن علية عن شعبة، فيكون الإسنادان تلاقيا عن شعبة ثم يتحد الإسنادان إلى نهايته, وشعبة خرج له أصحاب الكتب الستة.[ عن محمد بن زياد ].محمد بن زياد هو: الجمحي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [ عن أبي هريرة ]. أبو هريرة هو الصحابي الجليل الذي هو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق. شرح حديث عبد الله بن عمرو: (ويل للأعقاب من النار) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا وكيع حدثنا سفيان ح وأنبأنا عمرو بن علي حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان واللفظ له عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي يحيى عن عبد الله بن عمرو أنه قال: ( رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً يتوضئون، فرأى أعقابهم تلوح، فقال: ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء) ].أورد النسائي: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما الذي يقول فيه: أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى جماعة من أصحابه يتوضئون، ورأى أعقابهم تلوح، يعني: ما جاءها الماء، أي: إذا كان عليها غبار أو كانت باقية على هيئتها، فالذي جاءها الماء تغير لونه، والذي ما جاءه بقي على حالته، فقال عليه الصلاة والسلام: ( ويل للأعقاب من النار، أسبغوا من الوضوء )، وكما أشرت في الحديث الأول: (ويلٌ للعقب) وهي للجنس، ولا تنافي بينها وبين الأعقاب؛ لأن الأعقاب جمع عقب، والعقب المراد به الجنس، فيكون متفقاً مع الجمع ولا تنافي بينهما، ويحصل نبو الماء عن بعض الأماكن، ولا سيما التي تكون فيها انخفاض، يعني: منخفض، مثل العقب الذي يكون وراء الكعب، مكان منخفض، إذا لم تصل اليد إليه بالدلك فإنه قد ينبو عنه الماء، فيكون على هيئته التي هو عليها قبل أن يمس الماء الرجل، فرأى أعقابهم تلوح فقال عليه الصلاة والسلام: ( ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء ). تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن عمرو: (ويل للأعقاب من النار) قوله: [ أخبرنا محمود بن غيلان ]. محمود بن غيلان سبق أن مر ذكره، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا أبا داود، فإنه لم يخرج له شيئاً. [ حدثنا وكيع ]. وكيع هو: ابن الجراح بن مليح الرؤاسي، وهو ثقة، حافظ، سبق أن مر ذكره، وحديثه في الكتب الستة.[ حدثنا سفيان ].سفيان هنا مهمل غير منسوب، والمراد به: الثوري، وقد روى وكيع عن ابن عيينة، لكن الثوري هو الذي عرف إكثار وكيع عنه، وأيضاً هو من أهل بلده، فله به اتصال وملازمة، فيحمل عند الإهمال على من يكون له به علاقة، وخصوصية، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري كما سبق أن نبهت عليه فيما مضى: أنه إذا جاء وكيع عن سفيان، فالمراد به: الثوري لإكثاره عنه، ولإقلاله عن سفيان بن عيينة، وإن كان وكيع روى عن هذا وروى عن هذا؛ لأن سفيان بن عيينة بمكة، وسفيان الثوري بالكوفة، ووكيع من أهل الكوفة، فهو على صلة به دائماً، وقد أكثر من الرواية عنه، أما ابن عيينة فإنه إذا قدم إلى مكة حاجاً أو معتمراً التقى به, وأخذ عنه. [ (ح) وأخبرنا عمرو بن علي ]. قوله: ( (ح) )، يعني: تحويل كما في الحديث الذي قبل هذا. وعمرو بن علي هو الفلاس الذي يأتي ذكره كثيراً، والذي هو أحد أئمة الجرح والتعديل، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة.[حدثنا عبد الرحمن ].وعبد الرحمن هو: ابن مهدي، الثقة, الحافظ, العارف بالرجال والحديث، وهو من أئمة الجرح والتعديل كتلميذه عمرو بن علي الفلاس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن سفيان واللفظ له].سفيان هو: الثوري.وكلمة: (واللفظ له)، لأن الإسنادين تلاقيا عند سفيان، لكن يكون اللفظ لـسفيان من رواية عبد الرحمن عنه، وليس من رواية وكيع. [ عن منصور ]. منصور هو: ابن المعتمر الكوفي ، وهو من رجال الجماعة، خرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن هلال بن يساف ]. هلال بن يساف بكسر الياء، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم, وأصحاب السنن الأربعة. [عن أبي يحيى ]. أبو يحيى اسمه: مصدع الأعرج، فهو أبو يحيى مصدع الأعرج، قال عنه الحافظ في التقريب: إنه مقبول، وحديثه عند مسلم, وأصحاب السنن الأربعة. [ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ].عبد الله بن عمرو بن العاص يأتي ذكره لأول مرة، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة الذين هم من صغار الصحابة، والذين مر ذكرهم مراراً، وهم: عبد الله بن عمرو هذا، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، هؤلاء الأربعة يقال لهم: العبادلة، وفي الصحابة ممن يسمى عبد الله كثير، ومن أشهرهم عبد الله بن مسعود، وليس من العبادلة الأربعة؛ لأنه متقدم الوفاة؛ لأنه توفي سنة اثنتين وثلاثين، وأما هؤلاء فقد تأخرت وفاتهم بعده، وهم في عصر واحد، فأطلق عليهم العبادلة من الصحابة، رضي الله تعالى عن الجميع.وعبد الله بن عمرو بن العاص قالوا في ترجمته: ليس بينه وبين أبيه سوى إحدى عشرة سنة, أو ثلاث عشرة سنة، يعني: أن عمرو بن العاص احتلم مبكراً, وتزوج مبكراً, وولد له وهو في سن الثالثة عشرة من عمره، أو الحادية عشرة من عمره، وهذا من النوادر التي تحصل في الرجال، وهو أن يولد له قبل الخامسة عشرة.ومن الأشياء النادرة التي يذكرونها عن الشافعي أنه قال: إن جدة لها إحدى وعشرون سنة -أي: أن امرأة- تزوجت وهي في العاشرة، وولدت، ثم ابنتها بعد أن أكملت عشراً تزوجت وولدت، فصارت الأولى جدة وعمرها إحدى وعشرون سنة، وهذا أيضاً من الأشياء النادرة.وعبد الله بن عمرو بن العاص حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وله فيها سبعمائة حديث، اتفق البخاري ومسلم منها على سبعة عشر، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين حديثاً. وحديث العبادلة الأربعة كلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.قوله: (أسبغوا الوضوء).هذه اللفظة جاءت في حديث أبي هريرة مدرجة؛ لأنه جاء في بعض الطرق له قال: (أسبغوا الوضوء, فإن خليلي قال: ويل للأعقاب من النار)، ففهم أنها من كلام أبي هريرة، أما بالنسبة لحديث ابن عمرو، فلا أدري عن إدراجها، والأصل أنه من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا أن يتبين الإدراج.[ قال أبو هريرة: قال أبو القاسم ].أبو هريرة رضي الله عنه يأتي في كلامه تكنية الرسول صلى الله عليه وسلم، بأنه أبو القاسم، قال: (من صام اليوم الذي يشك فيه, فقد عصى أبا القاسم ) صلى الله عليه وسلم.ويقول الحافظ ابن حجر في فتح الباري: إن ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم بكنيته حسن، وذكره بوصف الرسالة أحسن، إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحسن من قول: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم.
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الطهارة (44) باب بأي الرجلين يبدأ بالغسل - باب غسل الرجلين باليدين يستحب عند غسل الرجلين في الوضوء البدء باليمنى؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب التيامن كما ورد ذلك عن عائشة، ويجوز غسل الرجلين كلتيهما باليد اليمنى. بأي الرجلين يبدأ بالغسل قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب بأي الرجلين يبدأ بالغسل:أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة أخبرني الأشعث قال: سمعت أبي يحدث عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها، وذكرت: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن ما استطاع في طهوره ونعله وترجله )، قال شعبة: ثم سمعت الأشعث بواسط يقول: ( يحب التيامن فذكر شأنه كله )، ثم سمعته بالكوفة يقول: ( يحب التيامن ما استطاع ) ]. شرح حديث: (أن رسول الله كان يحب التيامن ما استطاع في طهوره ونعله وترجله) أورد النسائي هذه الترجمة وهي باب: بأي الرجلين يبدأ بالغسل ، والمقصود من هذه الترجمة أن البدء يكون باليمنى بالنسبة للرجلين، وبالنسبة لليدين كذلك، فإن البدء يكون باليد اليمنى، وقد أجمع العلماء على أن تقديم اليد اليمنى أو الرجل اليمنى مستحب، وأنه لو حصل أن توضأ وبدأ باليسرى قبل اليمنى يصح الوضوء، وقد نقل الإجماع على ذلك ابن حجر وكذلك ابن قدامة في المغني، وقالوا: إن هذا مجمعٌ عليه، بمعنى أنه لو بدأ باليسرى قبل اليمنى لصح وضوؤه؛ لأن الترتيب بين اليدين وبين الرجلين مستحب، وليس بواجب، بمعنى أنه لا يصح لو بدأ باليسرى قبل اليمنى، لكن وإن كان يعني مستحباً فالأولى والذي ينبغي ألا يقدم الإنسان اليسرى على اليمنى، وإنما يبدأ باليمنى بالنسبة لليدين، وكذلك اليمنى بالنسبة للرجلين.وقد أورد النسائي تحت هذه الترجمة حديث عائشة رضي الله عنها: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب التيامن ما استطاع في طهوره..)، يعني: في وضوئه، فعندما يتطهر يحب التيامن، يبدأ باليمين في طهوره، وقوله: (ونعله)، يعني: يلبس النعل اليمنى، وقوله: (وترجله)، يعني: عندما يرجل شعره يبدأ باليمين. فإذاً: كان عليه الصلاة والسلام يعجبه التيامن وهو البدء باليمين.ومن المعلوم أن اليمين تستعمل في الأمور المستحسنة وفي الأمور الطيبة، واليسرى تكون بخلاف ذلك. ومن المعلوم أن الطهور والتنعل وغير ذلك يبدأ باليمين، وتستعمل اليسار بخلاف ذلك؛ معنى هذا: أنه يبدأ بلبس اليمين في النعال، وبالعكس عند الخلع، وكذلك في دخول المسجد يبدأ باليمين، وفي أمور كثيرة.وقول شعبة: (ثم سمعت الأشعث بواسط) يعني: سمع منه أولاً، ثم سمع منه بعد ذلك بواسط يذكر الحديث ويقول: (وفي شأنه كله)، يعني: (يحب التيامن في طهوره، وتنعله، وترجله، وفي شأنه كله)، وهذا سمعها منه بواسط، ثم سمعه بعد ذلك يقول: (يحب التيامن ما استطاع). ومعنى ذلك: أن شعبة سمعه من الأشعث في مرات عديدة، وفي بعضها ليس فيه ذكر: (شأنه كله)، وفي بعضها يقول: (يحب التيامن ما استطاع)، ويقف عند ذلك، ومن المعلوم أن يكون فيه اختصار للمتن أو للرواية في بعض الأحيان. تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان يحب التيامن ما استطاع في طهوره ونعله وترجله) قوله: [ أخبرنا محمد بن عبد الأعلى ]. محمد بن عبد الأعلى هو الصنعاني، وهو ثقة, خرج حديثه مسلم في صحيحه، وأبو داود في كتاب القدر. [ حدثنا خالد ]. خالد هو ابن الحارث، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا شعبة ].وشعبة قد مر معنا. [أخبرني الأشعث ]. والأشعث هو ابن أبي الشعثاء المحاربي، وهو: سليم بن الأسود المحاربي الكوفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [ عن مسروق ].مسروق هو ابن الأجدع، قال الحافظ ابن حجر: وهو ثقة, فقيه, عابد, مخضرم؛ يعني: ممن أدرك الجاهلية والإسلام ولم يلق النبي صلى الله عليه وسلم، فهو من المخضرمين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وكنيته أبو عائشة. [عن عائشة ]. عائشة هي أم المؤمنين، وقد مر ذكر عائشة في أحاديث متعددة فيما مضى، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة، وهي أحد السبعة من الصحابة الذين أكثروا رواية الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، وقد نظمهم السيوطي كما أشرت إلى ذلك مراراً في ألفيته حيث قال:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كالخدريوجابرٌ وزوجة النبيوزوجة النبي يقصد بها عائشة رضي الله تعالى عنها، فهي من السبعة الذين هم أكثر الصحابة حديثاً، وهي أكثر النساء حديثاً على الإطلاق، لا يماثلها ولا يدانيها أحد، رضي الله تعالى عنها وأرضاها. غسل الرجلين باليدين شرح حديث القيسي في غسل الرجلين باليدين قال المصنف رحمه الله تعالى: [ غسل الرجلين باليدين:أخبرنا محمد بن بشار حدثنا محمد حدثنا شعبة قال: أخبرني أبو جعفر المدني قال: سمعت ابن عثمان بن حنيف -يعني عمارة- قال: حدثني القيسي: (أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأتي بماء، فقال على يديه من الإناء، فغسلهما مرة، وغسل وجهه وذراعيه مرةً مرة، وغسل رجليه بيمينه كلتاهما)].يقول الإمام النسائي رحمه الله تعالى: [باب غسل الرجلين باليدين]، وأورد فيه: حديث القيسي رضي الله تعالى عنه، قال: (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فتوضأ فقال بالإناء وغسل يديه، ثم وجهه، ثم يديه مرةً مرة، ثم غسل رجليه بيمينه كلتاهما). هذا الحديث أورده النسائي من أجل ما جاء في آخره من ذكر غسل الرجلين باليدين، والذي جاء في الحديث أنه يغسل الرجلين كلتيهما باليد اليمنى، وليس فيه ذكر اليدين أنه يغسل بهما جميعاً كما جاء في الترجمة التي هي قوله: غسل الرجلين باليدين، فلا أدري ما وجه هذه الترجمة، مع أن الحديث ليس فيه إلا ذكر اليمين، وليس فيه ذكر اليدين، والغسل للرجلين يكون باليدين ويكون باليد اليمنى، ولعل التنصيص على اليد اليمنى هو كون الإنسان يصب من الإناء بيده اليسرى على رجليه, ثم يغسل باليد اليمنى، فيكون الغسل باليد اليمنى والصب عليهما باليد اليسرى، فلعل هذا هو وجه ذكر اليمين، والأمر في ذلك واسع.والحديث لم يجعله الألباني ضمن صحيح النسائي، وإنما أحال به على الضعيف، ولا أدري ما وجه التضعيف فيه إلا أن يكون من ناحية أحد رجاله وهو: عمارة بن عثمان بن حنيف قال عنه في التقريب: إنه مقبول، ولم يأت شيء يدل على ما دلّ عليه هذا الحديث من جهة ما ترجم له المصنف، فلا أدري ما وجه كونه ليس بصحيح، عند الشيخ الألباني. تراجم رجال إسناد حديث القيسي في غسل الرجلين باليدين قوله: [أخبرنا محمد بن بشار ].محمد بن بشار هو الذي يلقب بندار، وهو -كما ذكرنا سابقاً- أحد الأشخاص الذين يعتبرون مشايخاً لأصحاب الكتب الستة، والذين رووا عنهم مباشرةً، وهو رفيق محمد بن المثنى الزمن، الذي قال عنه الحافظ في التقريب: وكان هو وبندار كفرسي رهان، وماتا في سنة واحدة، وهما متفقان في سنة الولادة، وفي سنة الوفاة، ومتفقان بالشيوخ والتلاميذ؛ ولهذا قال الحافظ: وكانا كفرسي رهان، وشيخه محمد لم ينسبه وهو غندر.[ حدثنا محمد ]. هو: محمد بن جعفر الذي يروي عن شعبة. ولقبه غندر وهو من الثقات, وممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة كما عرفنا ذلك فيما مضى، وإذا جاء من يروي عن شعبة، واسمه محمد وهو غير منسوب، فالمراد به محمد بن جعفر الذي هو غندر. [حدثنا شعبة].أما شعبة فهو أمير المؤمنين في الحديث كما قال ذلك بعض العلماء، وهو من أئمة الجرح والتعديل. [ أخبرني أبو جعفر المدني].أبو جعفر المدني هو: عمير بن يزيد الخطمي، وهو صدوق, خرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.[ سمعت ابن عثمان بن حنيف ].هو: عمارة بن عثمان بن حنيف وقال وفي الإسناد: (ابن عثمان بن حنيف يعني: عمارة)، فكلمة (يعني عمارة ) هذه جاءت ممن دون تلميذ عمارة بن عثمان بن حنيف، وهو: أبو جعفر المدني، ذكرها من دونه؛ ليبين بها ذلك الرجل الذي نسب ولم يسم، فقال: (يعني)، وكلمة (يعني) القائل لها من دون أبي جعفر المدني، وفاعلها الضمير المستتر فيها هو أبو جعفر المدني، يعني: أن أبا جعفر المدني يعني بقوله: ابن عثمان بن حنيف عمارة، وعمارة بن عثمان بن حنيف قال عنه الحافظ في التقريب: إنه مقبول، وخرج حديثه النسائي وحده.[ حدثني القيسي ].أما القيسي الذي يروي عنه عمارة بن عثمان بن حنيف فهو صحابي، يقول: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ)، ولم يأت منسوباً، وإنما جاء بهذا اللفظ: القيسي، وهو صحابي، ومن المعلوم أن الصحابة رضوان الله عليهم لا يُحتاج الأمر فيهم إلى معرفة، بل الرجل المجهول فيهم يُعتمد ما جاء به ويعول عليه؛ لأنهم كلهم عدول رضي الله عنهم وأرضاهم، فلا تضر الجهالة، فلو قيل: عن رجل صحب النبي صلى الله عليه وسلم لاعتمد على ذلك، وكلٌ من الرواة ممن دون الصحابة لا بد من معرفة أحوالهم، أما الصحابة فلا يحتاج إلى معرفة أشخاصهم، ولا معرفة أحوالهم، فالرجل المبهم عمدة يعول على ما جاء به؛ وذلك لأن الله عدلهم وعدلهم رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يحتاجون بعد تعديل الله وتعديل رسوله صلى الله عليه وسلم إلى تعديل المعدلين, وتوثيق الموثقين، بل يكفيهم ثناء الله عليهم وثناء رسوله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين. وقد قال الحافظ: إن القيسي صحابي روى عنه عمارة بن عثمان بن حنيف، ويقال: هو عبد الرحمن بن أبي قراد.وفي الحديث أنه قال: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فقال: بالإناء) يعني: فعل؛ لأن القول يأتي بمعنى الفعل، قال هكذا يعني: فعل هكذا، فكلمة (قال) يعني: أشار إلى فعل؛ لأنه ليس فيه قول، وإنما هو فعلٌ عبر عنه بالقول، وقد يأتي القول مراداً به الفعل، وما جاء في هذا الحديث هو من هذا القبيل.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الطهارة (46) - باب المسح على الخفين وردت أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشروعية المسح على الخفين، بل بلغت حد التواتر، ومن ذلك أحاديث المغيرة بن شعبة، وجرير بن عبد الله، وعمرو بن أمية وغيرهم. المسح على الخفين شرح حديث جرير بن عبد الله في المسح على الخفين قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب المسح على الخفين.أخبرنا قتيبة حدثنا حفص عن الأعمش عن إبراهيم عن همام عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه ( أنه توضأ ومسح على خفيه، فقيل له: أتمسح؟! فقال: قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح، وكان أصحاب عبد الله يعجبهم قول جرير ، وكان إسلام جرير قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بيسير ) .. ].أورد النسائي المسح على الخفين؛ لأن النسائي رحمه الله لما ذكر فروض الوضوء جاء عند مسح الرأس فذكر مسح الرأس وما يتفرَّع عنه؛ الذي هو المسح على العمامة، ففرع ما يتعلق بالمسح، فجعل ما يتعلق بالرأس تابعاً لمسح الرأس. ولمَّا ذكر غسل الرجلين ذكر ما يتفرَّع عن مسح الرجلين؛ وهو المسح على الخفين فيما إذا كانت مغطاتين بالخفاف، وكذلك ما يماثلها من الجوارب.فإذاً: النسائي رحمه الله ذكر فروض الوضوء، ولما فرغ من الأصل الذي هو مسح الرأس, عقَّبه بما يتعلق بالفرع عنه وهو المسح على العمامة، ثم انتقل إلى غسل الرجلين، ولما فرغ مما يتعلق بغسل الرجلين, عقَّبه بما يتعلق بالفرع عنه وهو المسح على الخفاف. والمسح على الخفين أورد فيه عدة أحاديث:أولها: حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه ( أنه توضأ ومسح على الخفين، فقيل له: أتمسح؟! قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح عليهما )؛ يعني: على الخفين، فهو دليل على ثبوت المسح على الخفين، وأحاديث المسح على الخفين كثيرة، بل قيل: إنها متواترة، وأنها جاءت عن جماعة من الصحابة، وينصون عليهما فيما يتعلق أحياناً بكتب العقائد؛ للإشارة إلى مخالفة بعض أهل البدع فيهما: والمسح عليهما في الحضر والسفر كما جاء به الأثر, يأتي أحياناً ذكره في كتب العقائد؛ للتنبيه إلى ثبوت السنة في ذلك وتواترها، وعمل المسلمين فيها، وأن بعض أهل البدع خالف في ذلك، فهم ينصون عليها في كتب العقائد لهذا، والأحاديث في ذلك كثيرة ثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومنها حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه، فهو دال على مسح الرسول صلى الله عليه وسلم على الخفين. تراجم رجال إسناد حديث جرير بن عبد الله في المسح على الخفين قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قتيبة هو قتيبة بن سعيد الذي مر ذكره مراراً، وهو أول شيخ روى له النسائي في سننه، وكثيراً ما يأتي ذكره في الأسانيد، يروي عنه النسائي أحاديث كثيرة.[ حدثنا حفص ].حفص هو ابن غياث بن طلق بن معاوية النخعي الكوفي الذي سبق أن مر ذكره فيما مضى، والذي مر ذكره قريباً، يروي عنه ابن عمه طلق بن غنام وطلق بن غنام وحفص بن غياث ابنا عم؛ لأن غنام وغياث أولاد لـطلق بن معاوية، وحفص بن غياث هذا هو الذي مر في ما مضى يروي عنه ابن عمه طلق بن غنام ، وحفص بن غياث هذا ثقة خرَّج حديثه أصحاب الكتب الستة كما عرفنا ذلك فيما مضى.[عن الأعمش].الأعمش هو سليمان بن مهران الكاهلي الذي سبق أن مر ذكره مراراً وتكراراً، وهو يأتي باللقب كما هنا، ويأتي ذكره بالاسم والنسب كما يأتي في بعض الأسانيد، ولكنه مشهور بلقبه وهو الأعمش ، وقد ذكرت فيما مضى أن فائدة معرفة الألقاب؛ حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين فيما إذا ذكر مرة باسمه ومرة بكنيته، فالذي لا يعرف يظن أن هذا غير هذا، ومن عرف أن الأعمش كنية لـسليمان بن مهران لا يلتبس عليه الأمر، فإذا جاء مرة باسمه ومرة بلقبه عرف بأن هذا هو هذا وأن هذا هو هذا، ولا يلتبس على من يعرف، ومن لا يعرف يظن الشخص الواحد شخصين فيما إذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه يظن أن سليمان غير الأعمش، وأن الأعمش غير سليمان ، والأعمش ثقة, من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن إبراهيم].إبراهيم هو ابن يزيد النخعي الذي سبق أن مر ذكره فيما مضى, في مواضع عديدة، وهو نخعي, كوفي، وهو ثقة, فقيه, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة, وهو من رجال الجماعة، وذكرت لكم فيما مضى كلمة تؤثر عنه وأنه هو السابق إليها، وهو أول من قالها, وهي التعبير بعبارة: (ما لا نفس لها سائلة) لا ينجس الماء إذا مات فيه، التعبير عن الحيوانات التي لا دم فيها بأنها لا نفس لها سائلة؛ لأن الدم يقال له: نفس.. ويطلق عليه نفس، فيعبرون عن الدواب التي لا دم فيها كالجراد وكالذباب بأنه لا نفس لها سائلة، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، فهي من أولياته، وقد ذكر ذلك ابن القيم في كتابه زاد المعاد، حيث قال: أول من عرف عنه أنه عبر بهذه العبارة هو إبراهيم النخعي وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، فهو محدث فقيه.[ عن همام ].همام يأتي ذكره لأول مرة، وهو همام بن الحارث بن قيس بن عمر النخعي، الكوفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. وجاء في آخر الإسناد: (وكان أصحاب عبد الله يعني: عبد الله بن مسعود يعجبهم قول جرير ) يعني: كونه يروي حديث المسح على الخفين؛ ذلك لأن جريراً أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بيسير، ومعنى هذا: أنَّ المسح على الخفاف كان في أواخر الأمر، وكان في آخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه حكم محكم غير منسوخ؛ لأن ذلك وقع؛ لأن كون جرير هو الذي يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين، وكان ذلك في آخر حياة النبي عليه الصلاة والسلام. حديث عمرو بن أمية: (أنه رأى النبي توضأ ومسح على الخفين) وتراجم رجال إسناده قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا العباس بن عبد العظيم حدثنا عبد الرحمن حدثنا حرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري عن أبيه رضي الله عنه ( أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الخفين ) .. ]. هذا أيضاً حديث آخر عن عمرو بن أمية الضمري رضي الله تعالى عنه (أنه رأى الرسول صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الخفين) وهو حديث آخر عن صحابي آخر، فالحديث الأول عن جرير ، وهذا عن عمرو بن أمية الضمري ، ويقول: (إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ ومسح على الخفين) فهو من جملة الأحاديث الدالة على إثبات هذا الحكم؛ وهو: المسح على الخفين. قوله: [ أخبرنا العباس بن عبد العظيم ].العباس بن عبد العظيم هو: العنبري، وهو يأتي ذكره لأول مرة، وهو بصري ثقة، وممن خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[ عن عبد الرحمن ].عبد الرحمن هو: ابن مهدي ، الإمام المشهور, الثقة, الحافظ, العارف بالحديث والرجال، وهو من أئمة الجرح والتعديل، وحديثه عند الكتب الستة وهو بصري.[ حدثنا حرب بن شداد ].حرب بن شداد هو اليشكري, البصري، وهو ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[ عن يحيى بن أبي كثير ].يحيى بن أبي كثير هو: يحيى بن أبي كثير اليمامي وهو ثقة, حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد سبق أن ذكرت لكم عنه الكلمة العظيمة التي بين فيها أن تحصيل العلم لا يحصل بالراحة، وإنما يحصل بالتعب، والذي روى عنه هذه الكلمة الإمام مسلم في صحيحه, في أثناء سياقه لطرق حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في بيان أوقات الصلاة، فإنه روى بإسناده -أي: الإمام مسلم - عن يحيى بن أبي كثير قال: (لا يُستطاع العلم براحة الجسد) يعني: لا يحصل العلم بالراحة، وإنما العلم يحصل بالتعب والمشقة والعناء، فهو صاحب هذه الكلمة العظيمة. وهو من رجال الجماعة، ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي سلمة ].أبو سلمة هو: ابن عبد الرحمن الذي سبق أن مرَّ ذكره فيما مضى، بل في أول حديث في سنن النسائي جاء ذكر أبي سلمة هذا، وهو ثقة, حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع؛ لأنني سبق أن ذكرت لكم أن الفقهاء السبعة في المدينة من التابعين كانوا في عصر واحد، وكانوا أهل حديث وأهل فقه فيطلق عليهم الفقهاء السبعة، وستة منهم متفق عليهم، والسابع فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، والثاني: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، والثالث: سالم بن عبد الله بن عمر.[ عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري ].جعفر هو: ابن عمرو بن أمية الضمري وهو ثقة, حديثه عند أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، فهو مثل حرب بن شداد الذي مر ذكره في أثناء الإسناد، وخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.[ عن أبيه ].أبوه الذي يروي عنه هو صحابي الحديث، وهو عمرو بن أمية الضمري ، فهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وله عشرون حديثاً، اتفق البخاري ومسلم على حديث منها، وانفرد البخاري بحديث، ولم ينفرد مسلم بشيء، فهي عشرون حديثاً. شرح حديث أسامة بن زيد في المسح على الخفين قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم وسليمان بن داود واللفظ له عن ابن نافع عن داود بن قيس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أسامة بن زيد قال: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلال الأسواق، فذهب لحاجته ثم خرج، قال أسامة : فسألت بلالاً: ما صنع؟ فقال بلال : ذهب النبي صلى الله عليه وسلم لحاجته، ثم توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه، ومسح على الخفين، ثم صلى)] . حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه هو من جملة أحاديث المسح على الخفين؛ لأن النسائي رحمه الله عقد ترجمة وهي باب: المسح على الخفين، فأورد فيه جملة من الأحاديث تدل على المسح على الخفين، والنسائي رحمه الله ذكر جملة من الأبواب في المسح على الخفين، فذكر باباً مطلقاً, وهو باب: المسح على الخفين، وهو يشمل المسح مطلقاً؛ يعني: في الحضر والسفر، فترجمة تتعلق بالمسح بالمسافر، وترجمه تتعلق بالمسح بالمقيم، وهذه الترجمة الأولى من تلك التراجم, وهي مطلقة تشمل المسافر والمقيم.وهذا الحديث الذي هو حديث أسامة بن زيد يدل على المسح للمقيم؛ لأن ظاهره أنه كان في الحضر؛ لأن قوله: (أنه دخل الأسواق) هو مكان في المدينة، وكان هو وبلال ، فسأل أسامة بن زيد بلالاً رضي الله تعالى عنهما: ( ما صنع رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ فقال أنه قضى حاجته, ثم توضأ ومسح على خفيه )، ومحل الشاهد: (ومسح على خفيه)، لكن قوله: (أنه دخل الأسواق) هو وبلال يشعر بأن هذا المسح إنما كان في حال الحضر. ويدلنا أيضاً هذا الحديث على ما كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من الحرص على معرفة السنن، والسؤال عن أفعال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وسننه عليه الصلاة والسلام؛ لأن أسامة رضي الله عنه سأل بلالاً رضي الله عنه عن الذي صنعه رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ فبين أنه توضأ ومسح على خفيه، ثم صلى؛ يعني: أنه بعد ما قضى حاجته, توضأ ومسح على الخفين، ثم صلى، ولم ينزع الخفين عندما قضى حاجته، بل مسح عليهما.وقد ذكرت سابقاً أن أحاديث المسح كثيرة متواترة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام, وقد بلغت حد التواتر، وقيل: إنها جاءت عن نحو سبعين صحابياً؛ منهم العشرة المبشرين بالجنة، رضي الله تعالى عنهم. إذاً: فأحاديث المسح على الخفين متواترة, جاءت عن عدد كبير عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين. تراجم رجال إسناد حديث أسامة بن زيد في المسح على الخفين قوله: [أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم وسليمان بن داود واللفظ له].عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم سبق أن مر ذكره فيما مضى، وقد جمع هنا بين اسمه وكنيته ولقبه، وقد ذكرت فيما مضى أنه أورده بالاسم والنسب دون اللقب، وأما هنا فقد جمع بين الاسم واللقب؛ لأنه عبد الرحمن بن إبراهيم ، ولقبه دحيم ، وذكرت فيما مضى أن: الألقاب أحياناً تكون مأخوذة من الأسماء؛ لأن دحيم مأخوذة من عبد الرحمن، ومثل ذلك عبدان من عبد الله، وعباد من عبد الله، وغير ذلك من الألقاب التي تؤخذ من الأسماء، وقد ذكرت مراراً أن فائدة معرفة ألقاب المحدثين هي: ألّا يظن الشخص الواحد شخصين إذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه، فإن من لا يعرف يظن أن من ذكر بالاسم غير من ذكر في اللقب لو ذكر في اللقب، وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم هذا ثقة، خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه . أما سليمان بن داود فقد أيضاً مر ذكره فيما مضى، وهو مصري، خرج حديثه أبو داود، والنسائي. [ عن ابن نافع ].ابن نافع هو: عبد الله بن نافع بن أبي نافع الصائغ ، وهو ثقة، في حديثه لين، وقد خرج له أبو داود ، وخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[ عن داود بن قيس ].داود بن قيس هو: الفراء الدباغ، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[ عن زيد بن أسلم ].زيد بن أسلم قد مر ذكره، وهو أحد الثقات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن عطاء بن يسار ].عطاء بن يسار أيضاً قد مر، وهو ثقة, خرج حديثه أيضاً أصحاب الكتب الستة.[ عن أسامة بن زيد ].أسامة بن زيد هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحب رسول الله عليه الصلاة والسلام, وابن حبه، وهو الذي أمره الرسول عليه الصلاة والسلام، وتوفي رسول الله عليه الصلاة والسلام ثم أمضى أبو بكر الصديق إمارته، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وله مائة وثمانية وعشرون حديثاً، انفرد البخاري ومسلم في كل منها بحديثين؛ البخاري انفرد بحديثين، ومسلم انفرد بحديثين. شرح حديث سعد بن أبي وقاص: (أن رسول الله مسح على الخفين) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سليمان بن داود والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن أبي النضر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه مسح على الخفين)]. ذكر النسائي حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو أحد الستة أصحاب الشورى، وحديثه: ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين )، فهو من جملة الأحاديث الكثيرة عن عدد كبير عن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام, ورضي الله عنهم وأرضاهم, الدالة على المسح على الخفين. تراجم رجال إسناد حديث سعد بن أبي وقاص: (أن رسول الله مسح على الخفين) قوله: [أخبرنا سليمان بن داود والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له].سليمان بن داود هو الذي مر في الإسناد الذي قبل هذا، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود, والنسائي . ومثله الحارث بن مسكين ، فهو ثقة، خرج حديثه أبو داود, والنسائي أيضاً، وقد سبق أن مر ذكره. وقول النسائي : (قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له) هذه طريقة النسائي أنه إذا ذكر الحارث بن مسكين ومعه غيره، يجعل الحارث بن مسكين هو الثاني، ثم يقول: (قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له) هذا هو الغالب على طريقة النسائي. وسليمان بن داود المصري، والحارث بن مسكين المصري ، كل منهما ثقة، ولم يخرج لهما الشيخان, ولا الترمذي, ولا ابن ماجه . [عن ابن وهب].ابن وهب هو عبد الله بن وهب البصري الذي مر ذكره مراراً، وهو محدث, فقيه, ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن عمرو بن الحارث].عمرو بن الحارث هو أيضاً المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره كما مر ذكر ابن وهب. [عن أبي النضر].أبو النضر هو سالم بن أبي أمية المدني ، وهو ثقة ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن أبي سلمة].أبو سلمة هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الذي مر ذكره مراراً، بل قد مر ذكره في أول حديث عند النسائي ، وهو أحد الثقات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وذكرت مراراً أنه أحد الفقهاء السبعة في المدينة على أحد الأقوال في السابع منهم، وذكرت أن في أحد الأقوال أنه: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وثانيها أنه: أبو بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام ، وثالثها أنه: سالم بن عبد الله بن عمر .[عن عبد الله بن عمر].عبد الله بن عمر هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، الصحابي ابن الصحابي الذي هو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد مر ذكره مراراً.[عن سعد بن أبي وقاص].سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة الذين جعل عمر رضي الله عنه وأرضاه لهم أمر تولية واحد منهم إليهم، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وكان قد ولاه على الكوفة، وقد عزله منها؛ لما قد خشي أن يحصل من الفتنة بينه وبين أهل الكوفة، ثم إنه رضي الله تعالى عنه وأرضاه -أي: عمر - لما جعل الأمر شورى بين فضل سعد بن أبي وقاص ، وأنه ما عزله من عجز ولا خيانة، وإنما قال: فإن أصابت الإمارة سعداً فذاك، وإلا فليستشره من أمر، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة. فنبه على عزله من الكوفة فيما مضى، وأن السبب في ذلك ما خشي أن يحصل من الفتنة بينه وبينهم، فهو لم ينس أن ينبه على فضله، وأن يبين أن عزله لا ينبغي أن يؤثر على اختياره، فقال: فإن أصابت الإمارة سعداً فذاك، وإلا فليستشره أو فليستعن به من أمر، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة، رضي الله تعالى عن عمر وعن سعد وعن الصحابة أجمعين، وهو الذي تولى أو قاد الجيوش لقتال الفرس ولفتح بلادهم، وهو الذي فتحت على يديه بلاد كسرى, وأخذت كنوز كسرى، وأرسلت إلى عمر رضي الله تعالى عنه، فقسمها في المدينة، رضي الله تعالى عن عمر, وعن سعد، وعن الصحابة أجمعين.وهذا الحديث فيه: رواية صحابي عن صحابي؛ هو عبد الله بن عمر، عن سعد بن أبي وقاص ، وأيضاً فيه: رواية أربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، فالصحابي عن الصحابي عبد الله بن عمر عن سعد بن أبي وقاص، والتابعي عن التابعي أبو النضر عن أبي سلمة. شرح حديث سعد بن أبي وقاص في المسح على الخفين من طريق أخرى قال المصنف رحمه الله تعالى: أخبرنا قتيبة حدثنا إسماعيل وهو ابن جعفر عن موسى بن عقبة عن أبي النضر عن أبي سلمة عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (في المسح على الخفين أنه لا بأس به)]. هنا أورد النسائي حديث سعد بن أبي وقاص من طريق أخرى، وهو من رواية أبي سلمة عن سعد ؛ لأن الطريق الأولى التي قبلها: عن أبي سلمة عن ابن عمر عن سعد ، والطريق الثانية: عن أبي سلمة عن سعد رأساً؛ يعني: أنه من رواية تابعي عن صحابي، وذاك الذي قبله صحابي عن صحابي، ومن المعلوم أن مثل هذا يحمل على أن أبا سلمة سمعه من عبد الله بن عمر عن سعد ، ثم لقي سعداً ورواه عنه مباشرة، فيكون رواه على الوجهين؛ على كون بينه وبين سعد واسطة، وعلى كونه ليس بينه وبينه واسطة، وهذا كثيراً ما يأتي في الأسانيد؛ أن يكون الراوي يرويه عن شخص بواسطة, ثم يلق ذلك الشخص المروي عنه فيروي عنه مباشرة، فيكون رواه على الحالين؛ على الحالة التي فيها واسطة بينه وبينه، وعلى الحالة التي لا واسطة بينه وبينه.عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( في المسح على الخفين لا بأس به ). وكأن هذا اللفظ رواية بالمعنى، وإضافة ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه رخصة، وأن المسح على الخفين رخصة؛ لما في نزعهما عند الوضوء من المشقة، ورخص للناس أن يمسحوا عليهما، وألا يحتاج الأمر إلى نزعهما وغسلهما، بل رخص لهم أن يمسحوا عليهما. تراجم رجال إسناد حديث سعد بن أبي وقاص في المسح على الخفين من طريق أخرى قوله: [أخبرنا قتيبة ].قتيبة هو: ابن سعيد ، وهو أحد الثقات الذين حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا إسماعيل وهو ابن جعفر].هوإسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن موسى بن عقبه].هو موسى بن عقبه بن أبي عياش ، وهو ثقة, فقيه، إمام في المغازي، يقال: إن مغازيه أصح المغازي، قال ذلك الحافظ ابن حجر ، بل إنه قال في فتح الباري: إن مغازيه أصح المغازي, وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن أبي النضر].أبو النضر هو الذي مر في الإسناد الذي قبل هذا، وهو: سالم بن أبي أمية المدني ، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن أبي سلمة].هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وهو الذي مر في الإسناد الذي قبل هذا أيضاً، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن سعد بن أبي وقاص].سعد بن أبي وقاص حديثه عند أصحاب الكتب الستة. إذاً فهؤلاء الرجال في الإسناد كلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، وكلهم يقال لهم: ثقات إلا سعد بن أبي وقاص فهو لا يحتاج إلى أن يوصف بوصف أشرف وأفضل من أن يقال: إنه صحابي صحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وزاد مع كونه صحابياً أن يكون من خيار الصحابة، ومن المقدمين في الصحابة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين. إذاً جميع الرجال من رجال الكتب الستة، وجميع الرجال دون الصحابي كلهم من الثقات. شرح حديث المغيرة في المسح على الخفين قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا علي بن خشرم حدثنا عيسى عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن المغيرة بن شعبة قال: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم لحاجته، فلما رجع تلقيته بإداوة فصببت عليه فغسل يديه, ثم غسل وجهه، ثم ذهب ليغسل ذراعيه فضاقت به الجبة، فأخرجهما من أسفل الجبة فغسلهما، ومسح على خفيه, ثم صلى بنا)]. هنا أورد النسائي حديث المغيرة بن شعبة ، وهو حديث تكرر في قصة كونه كان معه في غزوة تبوك، وأنه كان في الجيش، فالرسول قرع ظهره بعصاه ثم عدل وعدل معه وقضى حاجته، ثم أنه صب عليه الماء، وتوضأ عليه الصلاة والسلام وعليه جبة شامية، ثم أنه أراد لما جاء عند غسل اليدين أراد أن يخرج ذراعيه، فضاقت أكمام الجبة؛ فلم يتمكن من إخراج الذراعين لغسلهما، فأخرج يديه من تحت الجبة، ثم غسل ذراعيه وتوضأ, وغسل ذراعيه ومسح رأسه وعلى خفيه. وفي هذا الحديث قال: (ثم صلى بنا)، والطرق المتعددة التي جاءت تدل على أنهم لحقوا بالجيش، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم تأخر، وأنهم قدموا عبد الرحمن بن عوف وصلى بهم، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم دخل معه وصلى معه الركعة الأخيرة، ثم لما سلم عبد الرحمن قام هو والمغيرة بن شعبة وقضيا الركعة التي سبق بها، والأحاديث والطرق كلها تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان إماماً, وإنما كان مأموماً في هذه القضية، وهنا قال: (ثم صلى بنا). ثم أورد النسائي حديث المغيرة بن شعبة من طريق أخرى، وهو قد مر مراراً، وفيه أن الرسول قضى حاجته ومعه إداوة من ماء، وفي بعض الروايات: (مطهرة)، وفي بعضها: (صفيحة)، يعني: ذلك الوعاء بألفاظ متعددة، وأنه سكب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوضأ ومسح على خفيه.
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الطهارة (47) - (باب المسح على الخفين في السفر) إلى (باب التوقيت في المسح على الخفين للمسافر) جاءت اوالمشقة، ومن ذلك جواز المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام بلياليها، ويلحق بالخفين الجوارب؛ دفعاً للمشقة وتخفيفاً على المسافرين. المسح على الخفين في السفر شرح حديث المغيرة في المسح على الخفين في السفر قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب المسح على الخفين في السفر.أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان سمعت إسماعيل بن محمد بن سعد سمعت حمزة بن المغيرة بن شعبة يحدث عن أبيه رضي الله عنه أنه قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فقال: تخلف يا مغيرة! وامضوا أيها الناس، فتخلفت، ومعي إداوة من ماء, ومضى الناس، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته، فلما رجع ذهبت أصب عليه وعليه جبة رومية ضيقة الكمين، فأراد أن يخرج يده منها فضاقت عليه، فأخرج يده من تحت الجبة, فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه ومسح على خفيه)].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: المسح على الخفين في السفر. قد ذكرت فيما مضى أن النسائي رحمه الله عندما ذكر غسل الرجلين، وذكر الأبواب المتعلقة بالغسل من حيث الإيجاب، ومن حيث عدد الغسلات، ومن حيث حد الغسل، وأنه إلى الكعبين, وأن الغاية داخلة في المغيا، أورد بعد ذلك ما هو فرع عن غسل الرجلين, وهو: المسح على الخفين، فذكر أولاً باباً عاماً يتعلق بالمسح على الخفين، وهو مطلق ليس فيه ذكر سفر ولا حضر، إلا أنه في أحد الأحاديث التي مضت فيه إشارة إلى أنه كان في حضر، وهو حديث أسامة بن زيد : ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم دخل الأسواق هو وبلال لحاجته وخرج، وسأل أسامة بلالاً رضي الله عنهما: ماذا صنع رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ فبين أنه توضأ ومسح على خفيه ). وعرفنا -فيما مضى- أن قوله: (في الأسواق، أو دخل الأسواق) أن ذلك في حضر؛ لأن لفظ الأسواق يشعر بهذا، وكذلك أيضاً مر في بعض الأحاديث ذكر أن المغيرة كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم في سفر، فهو أيضاً يشعر بالسفر.ولما فرغ من هذه الترجمة والأحاديث المتعلقة بها، ذكر بعد ذلك هذه الترجمة، وهي: باب المسح على الخفين في السفر، وأورد فيه حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه من الطرق الكثيرة, وهو أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، وكان ذلك في غزوة تبوك، فالرسول عليه الصلاة والسلام قال: (تخلف يا مغيرة! وامضوا أيها الناس)، هذه الرواية هنا، وسبق في بعض الروايات السابقة: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قرع ظهره بالعصا، ثم قال: اعدل, فعدلت معه ) يعني: مال إلى جهة غير الجهة التي ذهب فيها الجيش، وذهب وقضى حاجته، وهنا قال: (تخلف يا مغيرة! وامضوا أيها الناس) أي: امضوا في طريقكم وفي سيركم، وهو ذهب لقضاء حاجته، ومعه المغيرة بن شعبة .فيحكي المغيرة بن شعبة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى حاجته، وأنه لما فرغ، وإذا مع المغيرة مطهرة, أو إداوة، وهو وعاء فيه ماء، فسكب على الرسول صلى الله عليه وسلم منه فتوضأ وغسل وجهه، ولما أراد أن يغسل اليدين, وكان عليه جبة رومية، فأراد أن يخرج الذراعين ليغسلهما إلى المرفقين، وإذا بأكمام الجبة ضيقة, فلم يتمكن من إخراج ذراعيه من الجبة؛ حتى يتبين المرفقان فيغسل هذين العضوين من أعضاء الوضوء، فعند ذلك أخرج يده من تحت الجبة وغسل وجهه، واليدين إلى المرفقين، ومسح برأسه، ثم مسح على خفيه، وهذا هو محل الشاهد: (بأنه كان في سفر)، وهنا قال: (مسح على خفيه).والحديث سبق مراراً من طرق في مواضع عديدة في صفة الوضوء؛ لأنه مشتمل على فروض الوضوء. تراجم رجال إسناد حديث المغيرة في المسح على الخفين في السفر قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].محمد بن منصور سبق أن عرفنا -فيما مضى- أن للنسائي شيخين, كل منهما يقال له: محمد بن منصور، أحدهما: الجواز المكي، لقبه الجواز، والمكي من أهل مكة، والثاني: محمد بن منصور الطوسي، وكل منهما أخرج له النسائي، وكل منهما روى عن السفيانين، إلا أن سفيان هنا مبهم، فيحمل على أنه ابن عيينة ؛ لأن الجواز مكي، وابن عيينة مكي، فهو أقرب من سفيان الثوري ؛ لأن سفيان الثوري من أهل الكوفة. ومحمد بن منصور الجواز مكي، وقد مر -فيما مضى- أنه روى له النسائي وحده، وهو ثقة.[حدثنا سفيان بن عيينة].أما سفيان بن عيينة فقد مر ذكره فيما مضى، وهو ثقة, حافظ, فقيه, عابد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[سمعت إسماعيل بن محمد].إسماعيل بن محمد بن سعد، وهو: ابن أبي وقاص, قال عنه الحافظ في التقريب: إنه ثقة, حجة، وخرج له أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه.[سمعت حمزة بن المغيرة].حمزة بن المغيرة ، ثقة، وخرج له مسلم, والنسائي, وابن ماجه.[عن أبيه].هو المغيرة بن شعبة ، وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عن المغيرة وعن الصحابة أجمعين، وكان أميراً على الكوفة، وتوفي وهو أمير عليها، وكان ذكياً داهية، معروفاً بالدهاء، وهو الذي سبق أن ذكرت لكم: أنه لما كان في حرب الفرس طلبوا واحداً يكلمهم، فذهب المغيرة بن شعبة وتكلم كلاماً عظيماً, جاء في صحيح البخاري في كتاب المغازي؛ يعني: فيه ما يدل على عزة نفسه، وعلى قوته وشجاعته، فإنه قال: كنا كذا فأرسل الله إلينا رسولاً دعانا إلى كل خير، وأمرنا بالجهاد، فإن استجبتم لنا دخلتم فيما دخل فيه الناس، وإلا فإننا نقاتلكم حتى يحصل كذا وكذا، فكان له موقف عظيم، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. المسح على الجوربين والنعلين شرح حديث: (أن رسول الله مسح على الجوربين والنعلين) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب المسح على الجوربين والنعلين.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا وكيع أخبرنا سفيان عن أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين والنعلين).قال أبو عبد الرحمن : ما نعلم أحداً تابع أبا قيس على هذه الرواية، والصحيح عن المغيرة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين ).أورد النسائي هذا الحديث, وهو ليس موجوداً في بعض نسخ النسائي، ويقال: إنه ليس في نسخة ابن السني الذي هو أحد رواة النسائي، والذي هذه السنن التي بأيدينا هي من روايته، وقد عرفنا -فيما مضى- أن من العلماء من قال: هو الذي اختصرها من السنن الكبرى، ولكن الصحيح أن الذي اختصرها هو النسائي، وليس ابن السني ، وإنما ابن السني هو أحد رواتها؛ أي: السنن الصغرى.فهذا الحديث في بعض النسخ مذكور, وهو حديث المسح على الجوربين والنعلين. والمقصود بالجوربين والنعلين: المسح على الجوربين إذا كانا في نعلين، وليس المقصود من ذلك المسح على الجوربين وحدهما، وعلى النعلين وحدهما؛ لأن النعلين لا يمسح عليهما؛ لأنهما لا يغطيان الرجلين، لأن المعروف عن النعال أنها جزء منها مكشوف، والخفاف هي التي تغطي الرجلين.فإذاً: المسح على الجوربين والنعلين، يعني: إذا كانت الرجل فيها جوربان, ثم لبس عليها نعلين، يعني: مع الجوربين، فيمسح على النعلين والجوربين في آنٍ واحد، وليس المقصود من ذلك التفريق.وقد أورد النسائي حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين والنعلين)، ثم قال أبو عبد الرحمن وهو النسائي: لا نعلم أحداً تابع أبا قيس على هذه الرواية، والصحيح أنه جاء عن المغيرة في أحاديث كثيرة, ومن طرق عديدة، وهو ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين ), وجاءت هذه الطريق عن المغيرة وفيها ذكر الجوربين والنعلين، فمن العلماء من تكلم في هذا الحديث وضعفه، ومنهم النسائي, وقال: إن هذه الرواية عن أبي قيس وقد خالف فيها الذين رووا عن المغيرة أحاديث المسح؛ لأنهم يطبقون على ذكر الخفين، وأبو قيس انفرد بهذه الرواية عن هزيل بن شرحبيل بذكر الجوربين والنعلين، فقالوا: إن الصحيح هو أن حديث المغيرة إنما هو في المسح على الخفين، وأن ذكر الجوربين والنعلين غير محفوظ.ومن العلماء من صحح هذه الرواية، وقال: إن رجالها ثقات، وأبو قيس الذي انفرد بهذه الرواية خرج له البخاري في صحيحه، وخرج له أصحاب السنن الأربعة، فيكون ما جاء عنه يعتبر زيادة، ويعتبر حديثاً مستقلاً، ولا يقال: إنها معارضة للأحاديث التي جاءت عن المغيرة في المسح على الخفين؛ لأنه لو كانت القصة واحدة في أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في سفر، وأنه كان عليه جبة، وأنه أراد المسح على الجوربين، عندها يمكن أن يقال: هذه شاذة؛ لأن الذين رووا أحاديث قصة كونه مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، كلهم قالوا: الخفين، ولكن هذه ما ذكر فيها قصة السفر، ولا ذكر فيها أنه كان عليه جبة، وأنه كان يسكب عليه الماء، فلو أنه كان جاء ذكر قصة السفر والجبة وما إلى ذلك لقيل: هذه رواية شاذة، مثلما قلنا في حديث مضى، في بعض طرقه: (ثم صلى بنا)، مع أن الطرق كلها في أن الذي صلى هو عبد الرحمن بن عوف، وأما هذا فيعتبر حديثاً مستقلاً.والذي يظهر ويبدو أنها صحيحة، وأنها لا تتعارض مع الراوية السابقة؛ لأن تلك حادثة وهذه حادثة.وممن ضعفها ابن القيم في تعليقه على تهذيب السنن، ولكنه قال: بأن المسح على الجوربين ثابت بفعل ثلاثة عشر صحابياً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: ثبوت المسح على الجوربين ليس على هذا الحديث، وإنما بفعل الصحابة الذين هم ثلاثة عشر, كلهم جاء عنهم المسح على الجوربين، ولكن كما أشرت أن الحديث صحيح، وقد صححه الترمذي وغيره، وإسناد رجاله ثقات. تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله مسح على الجوربين والنعلين) قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].هو ابن راهويه ، الإمام الثقة, المحدث, الفقيه، الذي مر ذكره مراراً، وهو من رجال أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.[ حدثنا وكيع ].هو وكيع بن الجراح الحافظ, الثقة, المصنف, الذي مر ذكره مراراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ أخبرنا سفيان ].قد عرفنا فيما مضى أن وكيعاً إذا روى عن سفيان فيحمل على الثوري إذا كان غير منسوب.إذاً: إذا قال: وكيع حدثنا سفيان، فيحمل على الثوري ؛ لأن وكيعاً مكثر عن الثوري ومقل عن ابن عيينة ، ثم أيضاً هو من أهل بلد الثوري ؛ لأنهما كوفيان، وأما ابن عيينة فهو مكي. فإذاً: ملازمته واتصاله أكثر بـالثوري. وقد قلنا في محمد بن منصور الجواز : أنه أولى أن يكون الجواز من أن يكون الطوسي ؛ لأن الجواز مكي، وابن عيينة مكي، وسفيان الثوري كوفي ووكيع بن الجراح كوفي.وسفيان الثوري ثقة، حافظ، مكثر، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو أحد الأشخاص الذين وصفوا بوصف أمير المؤمنين في الحديث، وهي صفة تعتبر من أعلى وأرفع ما يكون من صيغ التعديل، بل من العلماء -كما ذكرت- من يقدمه على شعبة بن الحجاج، وشعبة أيضاً وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وذكرت سبب التفضيل وهو: أنهم يعدون أغلاط الاثنين، ومن كان أقل غلطاً, وكلهم أغلاطهم قليلة، ولكن من كان أقل غلطاً اعتبروه أقدم وأرفع، وهذه المفاضلة إنما هي للذين في القمة، فمن يكون في القمة فإنه يفاضل بينهم بعد أخطائهم، فمثلاً: هذا يجدون عنده عشرة أخطاء، وهذا عنده خمسة أخطاء، فالذي عنده خمسة أخطاء يعتبر أحسن.[ عن أبي قيس ].هو عبد الرحمن بن ثروان الأودي الكوفي، قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق، ربما خالف، ولعله يشير إلى هذه المخالفة التي قال عنها النسائي: لا نعلم أحداً تابع أبا قيس على هذه الرواية. وهو من رجال البخاري, وأصحاب السنن الأربعة.[ عن هزيل بن شرحبيل ].وهو أيضاً الأودي الكوفي، وهو مثله من رجال البخاري , وأصحاب السنن الأربعة، وهو ثقة؛ لأن كلاً من أبي قيس عبد الرحمن بن ثروان الأودي الكوفي ، وهزيل بن شرحبيل الأودي الكوفي حديثه عند البخاري وأصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج لهما مسلم شيئاً.[ عن المغيرة بن شعبة ].وهو الصحابي الذي مر ذكره مراراً.فنجد أن إسحاق بن إبراهيم، ووكيع، وسفيان، نجد أن هؤلاء الثلاثة كلهم خرج لهم البخاري، بل إسحاق بن إبراهيم خرج له الستة إلا ابن ماجه، وكل من وكيع وسفيان الثوري، خرج له أصحاب الكتب الستة، وأبو قيس، وهزيل خرج لهما البخاري . إذاً: فالإسناد كله من رجال الصحيح، وكون أبي قيس انفرد بهذه الرواية، فهي تعتبر حديثاً مستقلاً، ولا تعتبر معارضة لحديث الخفين؛ لأن هذه حادثة وهذه حادثة.إذاً: فالحديث ثابت، وبعض الذين لا يقولون بثبوته ومنهم: ابن القيم، يقولون: إن العمدة في ذلك ليس الحديث، ولكن فعل ثلاثة عشر صحابياً من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهم، فقد كانوا يمسحون على الجوارب. التوقيت في المسح على الخفين للمسافر شرح حديث صفوان بن عسال في توقيت المسح على الخفين للمسافر قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التوقيت في المسح على الخفين للمسافر.أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن عاصم عن زر عن صفوان بن عسال رضي الله عنه أنه قال: (رخص لنا النبي صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن) ].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: التوقيت في المسح على الخفين للمسافر. وأورد فيه حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه الذي يقول فيه: (رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن)، فهو يدل على أن المسافر يمسح ثلاثة أيام ولياليها؛ يعني: يبقى الخفان أو الجوارب عليه ثلاثة أيام بلياليها ويمسح عليها.ولكن متى يبدأ المسح؟ أو متى يبدأ العد لليالي؟ فمن العلماء من قال: إنه من اللبس، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه من المعلوم أن الإنسان إذا لبس على طهارة، واستمر على طهارة، فوجود الخفين مثل عدمها، كأنه لم يلبس الخفين ما دام على طهارة، فالفترة التي كان فيها على وضوء فهذه غير محسوبة؛ لأنه كأنه لم يلبس الخفين، لأنه لو لم يلبسهما فإنه يظل على طهارة، وإنما الاستفادة من الخفين فيما إذا أحدث وصار يمسح، فبدل من أن يخلعها ويغسلها فإنه يمسح عليها، وأما أن يكون على وضوء فلا تحسب المدة.بقي قولان: هل وقت المسح يبدأ من الحدث أو من المسح؟ يعني: هل إذا الإنسان أحدث أول إحداث بعد اللبس يبدأ ويعد ثلاثة أيام ولياليها، أو أنه يبدأ من المسح؟ وعلى هذا فالإنسان يحدث, ثم يمضي عليه وقت ولم يتوضأ، مع ذلك يبدأ يحسب من المسح.إذاً: القضية رجعت إلى قولين: من العلماء من قال: إنه يبدأ من الحدث، ومنهم من قال: يبدأ من المسح، والقول بأنه يبدأ من الحدث هو الأولى؛ لأن فيه الاحتياط في الدين، فمن حين أحدث يبدأ الإنسان يحسب المدة، وقبل أن يحدث كأنه لم يلبس؛ يعني: اللبس وعدمه سواء بالنسبة له.يقول: (رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا كنا مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن)، أي: فنحن نمسح في هذه الفترة، فإذا مضت هذه المدة التي هي ثلاثة أيام بلياليها تعين خلع الخف, وعلى الإنسان أن يتوضأ، ولا يجوز له أن يزيد على ثلاثة أيام بلياليها، وكما قلت لكم: الثلاثة الأيام بلياليها تبدأ إما من الحدث, أو من المسح، ولكن كونه من الحدث أحوط في الدين؛ لأن الإنسان كان على غير طهارة من حين وجد منه الحدث، فيبدأ يحسب من الحدث. تراجم رجال إسناد حديث صفوان بن عسال في توقيت المسح على الخفين للمسافر قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد، وهو من الثقات, الأثبات، ومن رجال الكتب الستة.[حدثنا سفيان].هو ابن عيينة ؛ لأنه هو الذي روى عنه قتيبة، لأن المزي في كتابه تهذيب الكمال ذكر من الذين روى عنهم قتيبة سفيان بن عيينة ، ولم يذكر سفيان الثوري.وسفيان بن عيينة -كما عرفنا ذلك- هو أحد الثقات, الحفاظ، وهو من رجال الكتب الستة.[عن عاصم].عاصم يأتي ذكره لأول مرة، وهو عاصم بن أبي النجود أحد القراء، إمام في القراءات، وحجة في القراءات، وهو صاحب القراءة المشهورة قراءة عاصم . وأبو النجود اسمه بهدلة، أي: عاصم بن بهدلة ، ولكن أباه مشهور بكنيته، ولهذا يغلب ذكره، فيقال: عاصم بن أبي النجود ، وأحياناً يأتي مهملاً -كما هنا- غير منسوب، وهو كوفي، قال عنه الحافظ في التقريب: إنه صدوق, له أوهام، وحديثه في الصحيحين مقرون؛ يعني: له أحاديث صحيحة، لكنه مقرون بغيره في الرواية، أي: لم يرووا عنه باستقلال، وهو يعتبر من رجال الجماعة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، ولكنه في الصحيحين مقرون بغيره.[ عن زر ].هو ابن حبيش بن حباشة الأسدي الكوفي ، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [ عن صفوان ].هو صفوان بن عسال رضي الله عنه، وهو من مراد، فهو مرادي، يعني: من اليمن. وحديثه عند الترمذي, والنسائي, وابن ماجه .وقد يقول قائل: ما هو الجورب؟ أو ما الفرق بينه وبين الشراريب؟الجورب هو الشراريب، والجورب هو ما يغطي الرجلين, لكن ليس من الخفاف، وإنما من القماش؛ يعني: ما اتخذ من القماش المنسوج فهي الجوارب، ولكن بحيث تكون مغطية للبشرة، ولا يكون وجودها كعدمها؛ يعني: من حيث إنها شفافة، أو ذات خروق كالمنخل، بل تكون ساترة، ولو لم تكن سميكة جداً، المهم أنها تغطي البشرة وتسترها، فيمسح عليها كما يمسح على الخفاف. شرح حديث صفوان بن عسال في توقيت المسح على الخفين للمسافر من طريق أخرى قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا أحمد بن سليمان الرهاوي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا سفيان الثوري ومالك بن مغول وزهير وأبو بكر بن عياش وسفيان بن عيينة عن عاصم عن زر قال: (سألت صفوان بن عسال رضي الله عنه عن المسح على الخفين: فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا مسافرين أن نمسح على خفافنا، ولا ننزعها ثلاثة أيام، من غائط, وبول, ونوم, إلا من جنابة)]. ثم ذكر النسائي حديث صفوان بن عسال من طريق أخرى، وفيها: أن زراً؛ أي: ابن حبيش، سأل صفوان بن عسال عن المسح على الخفين، فأخبر بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وأنه أمرهم إذا كانوا مسافرين أن لا ينزعوها -أي: الخفاف- ثلاثة أيام من بول, أو غائط, أو نوم، إلا من الجنابة ) يعني: أنهم إذا حصل لهم ناقض للوضوء؛ كالبول والغائط والنوم، فإنهم يبقون الخفاف ويمسحون عليها، إلا من الجنابة، فإنه يتعين خلعهما للاغتسال، وإنما المسح عليها يكون في الحدث الأصغر، وأما في الحدث الأكبر فإنها تخلع عند اغتسال الإنسان.وفي الحديث هذا دليل على أن النوم ينقض الوضوء؛ لأنه جعله مع البول والغائط، وأن المسح يكون من الحدث، ومن الحدث الذي يحصل به نقض الوضوء: النوم؛ يعني: خروج البول والغائط وحصول النوم، كل هذه من نواقض الوضوء، وأما الجنابة فالأمر يستدعي خلع الخفاف للاغتسال. تراجم رجال إسناد حديث صفوان بن عسال في توقيت المسح على الخفين للمسافر من طريق أخرى قوله:[ أخبرنا أحمد بن سليمان الرهاوي ].ابن عبد الملك، وهو أحمد بن سليمان بن عبد الملك الرهاوي ، وهو ثقة, حافظ، انفرد النسائي بالإخراج له، دون بقية أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا يحيى بن آدم ].يروي عن يحيى بن آدم ، ويحيى بن آدم هو الذي مر بنا ذكره، وهو ثقة ثبت, وخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو صاحب كتاب الخراج، وهو المؤلف الذي ذكرته لكم.[ حدثنا سفيان الثوري ومالك بن مغول وزهير وأبو بكر بن عياش ].يحيى بن آدم يروي هذا الحديث عن خمسة أشخاص، وهم: سفيان الثوري، ومالك بن مغول، وزهير بن معاوية، وأبو بكر بن عياش، وسفيان بن عيينة، وهم يروونه عن عاصم بن أبي النجود.فـسفيان الثوري سبق أن مر ذكره مراراً وتكراراً، وهو أمير المؤمنين في الحديث -كما عرفنا ذلك- وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.ومالك بن مغول هو ثقة, ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.وزهير هو ابن معاوية، زهير بن معاوية بن حديج بالحاء المهملة، ابن حديج بن الرحيل بن زهير بن خيثمة أبو خيثمة الجعفي الكوفي، وكنيته أبو خيثمة ، وهو ثقة, ثبت، إلا أن سماعه من أبي إسحاق السبيعي في آخر الأمر؛ يعني: بعد الاختلاط، والحديث هنا لا علاقة لـأبي إسحاق السبيعي فيه؛ لأنه ليس من روايته عن أبي إسحاق ، وإنما هو من روايته عن عاصم بن أبي النجود ، فهو ثقة, ثبت، وهو من رجال الجماعة. ويوافقه في الكنية وفي الاسم زهير بن حرب شيخ البخاري، ومسلم.وهو أبو خيثمة زهير بن حرب ، الذي أكثر عنه الإمام مسلم في صحيحه حتى روى له أكثر من ألف حديث، فهما متفقان في الاسم والكنية، إلا أن ابن حرب متأخر، فهو من شيوخ الشيخين، وأما هذا فمتقدم؛ لأنه بينه وبين النسائي أحمد بن سليمان الرهاوي ، ويحيى بن آدم، فهو متقدم في طبقة متقدمة، وكل منهما كنيته أبو خيثمة، واسمه زهير. وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ وأبو بكر بن عياش ].أبو بكر بن عياش حديثه عند مسلم في مقدمة الصحيح، وعند أصحاب السنن الأربعة، وهو ثقة, ساء حفظه لما كبر، والعلامة التي يرمز لها ابن حجر : م، ق؛ يعني: ميم لـمسلم ، والقاف للمقدمة.[سفيان بن عيينة].سفيان بن عيينة ، وهو أحد السفيانين، وهو ثقة, حجة, إمام، وهو من رجال الجماعة كما ذكر.وأما عاصم وزر فقد تقدما في الإسناد الذي قبل هذا، وهما عاصم بن أبي النجود بهدلة، وزر بن حبيش بن حباشة، وكل منهما أودي كوفي، وعرفنا أن عاصم حديثه في الصحيحين مقرون، وهو من رجال الجماعة، وأن زراً ثقة، وهو من رجال الجماعة.
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الطهارة (49) - باب الوضوء لكل صلاة إن غالب الأحوال على النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتوضأ لكل صلاة، ولكن قد ورد عنه أنه صلى الخمس الصلوات بوضوء واحد، وعليه يكون ذلك بياناً للجواز، ولا يجب الوضوء لكل صلاة إلا في حق المحدث. الوضوء لكل صلاة شرح حديث أنس في الوضوء لكل صلاة قال المصنف رحمه الله تعالى: [الوضوء لكل صلاة.أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة عن عمرو بن عامر عن أنس رضي الله عنه أنه ذكر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بإناء صغير فتوضأ، قلت: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة؟ قال: نعم. قال: فأنتم؟ قال: كنا نصلي الصلوات ما لم نحدث، قال: وقد كنا نصلي الصلوات بوضوء)].يقول النسائي رحمه الله: باب: الوضوء لكل صلاة. هذه الترجمة المراد منها كما هو ظاهر: أن كل صلاة يتوضأ لها، ولكن هذا فيما إذا كان الإنسان محدثاً، فهذا متعين، وإذا لم يكن محدثاً, فإنه يتوضأ استحباباً تجديداً للوضوء، وإن لم يتوضأ لكونه على وضوء، فإن ذلك يكون كافياً، وقد جاء فعل ذلك -في بعض الأحيان- عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وجاء عن الصحابة, كما دلت عليه الأحاديث التي أوردها النسائي تحت هذه الترجمة.وأول هذه الأحاديث التي أوردها النسائي تحت هذه الترجمة: حديث أنس بن مالك : (أنه ذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام أتي بإناء صغير فتوضأ منه، فقيل لـأنس : أكان يتوضأ لكل صلاة؟ قال: نعم. قال: فأنتم؟ قال: كنا نصلي الصلوات ما لم نحدث)، ثم بين ذلك بقوله: (وكنا نصلي الصلوات بوضوء)، يعني: أنهم يجمعون بين الصلوات المتعددة بوضوء واحد.فحديث أنس هذا بين فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة، وهذا الذي قاله أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم مبني على غالب أحواله عليه الصلاة والسلام، والأحوال قليلة جداً عنه أنه كان يصلي الصلوات المتعددة بوضوء واحد.وقد جاء عنه كما في الحديث الذي سيأتي، أنه عام الفتح صلى الصلوات الخمس بوضوء، وكذلك أيضاً جاء عنه أنه في خيبر صلى الظهر والعصر بوضوء واحد، فيكون ما ذكره أنس مبنياً على غالب أحواله، والغالب من فعله عليه الصلاة والسلام أنه كان يتوضأ لكل صلاة.قال له: فأنتم؟ يعني: ماذا كنتم تصنعون؟ قال: (كنا نصلي ما لم نحدث)، يعني: نصلي الصلوات ما لم نحدث، فإذا وجد الإحداث, فإنه من الأمر الواضح أن الوضوء متعين، ولكن إذا لم يحصل إحداث، فإنهم يجمعون بين صلوات متعددة في وضوء واحد، ثم زاد ذلك وضوحاً في قوله: (وكنا نصلي الصلوات بوضوء)، وهذا يؤيد ويؤكد ما دل عليه كلامه السابق من قوله: (كنا نصلي ما لم نحدث). أي: كنا نصلي الصلوات المتعددة ما لم نحدث، فإذا حصل الإحداث فإن الأمر واضح بأنه لا بد من الوضوء.إذاً: فالحديث يدلنا على أن الوضوء لكل صلاة هو الأولى والأفضل، وأن الجمع بين صلوات متعددة بوضوء واحد سائغ وجائز، وأنه قد جاء عن الصحابة، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في بعض أحواله صلى الله عليه وسلم. تراجم رجال إسناد حديث أنس في الوضوء لكل صلاة قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].محمد بن عبد الأعلى هذا قد مر ذكره فيما مضى، وهو الصنعاني، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم, وأبو داود في القدر, والترمذي, والنسائي, وابن ماجه .[ حدثنا خالد ].وخالد هو: ابن الحارث ، وهو ثقة وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا شعبة ].وشعبة هو: ابن الحجاج ، أمير المؤمنين في الحديث كما وصفه بذلك بعض المحدثين، وهو من أئمة الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن عمرو بن عامر ].وهو: عمرو بن عامر الأنصاري الكوفي، وذكره يأتي لأول مرة، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أنس].وأنس بن مالك هو خادم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة، وهو أحد المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بأن يكثر الله ماله وولده، وكذلك دعا له بطول العمر، وقد عاش رضي الله عنه مدة طويلة؛ حيث كان من أواخر الصحابة موتاً رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. شرح حديث: (إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا زياد بن أيوب حدثنا ابن علية حدثنا أيوب عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء فقرب إليه طعام فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ فقال: إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة)]. أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الذي يقول: (إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء, فقرب إليه طعام، فقالوا له: ألا نأتيك بوضوء؟ فقال: إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة)، ووجه إيراد الحديث في (الوضوء لكل صلاة) في الجملة الأخيرة منه، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة)، فهذا يشعر بوضوئه عند كل صلاة، وأنه مأمور بالوضوء إذا قام إلى الصلاة عليه الصلاة والسلام، وهو دال على ما ترجم له المصنف.وابن عباس يقول: (إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء)، يعني: قضى حاجته وقرب له طعام، (فقيل له: ألا نأتيك بوضوء؟)، يعني: لما خرج من الخلاء، عرضوا عليه أن يأتوه بوضوء يتوضأ منه، فقال: (إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة)، فدلنا هذا على أنه لا يتعين على الإنسان إذا قضى حاجته أن يتوضأ، وأن يكون على وضوء، وإن كان الإنسان على وضوء، فهذا شيء طيب وشيء حسن، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه إنما أمر بالوضوء إذا قام إلى الصلاة، فدل هذا على أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتوضأ لكل صلاة، وأنه لا يتعين الوضوء إذا قضى الإنسان حاجته، بل يمكن أن يكون الإنسان على غير وضوء، وإن كان ينبغي والأولى للإنسان أن يكون على وضوء من أجل ما قد يحتاج إليه من صلاة وقراءة القرآن من المصحف، أو ما إلى ذلك من الأشياء التي يشرع لها الوضوء, ولكنه لا يتعين، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة)، وهذا الحصر في قوله: (إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة)، ليس حصراً حقيقياً بمعنى: أنه لا يكون الوضوء إلا للصلاة؛ لأن هناك أموراً يتوضأ لها غير الصلاة، مثل قراءة القرآن من المصحف، فإن هذا مما يتوضأ له، ويحتاج الأمر فيه إلى الوضوء, ومثل الطواف، ولكن يستحب فيه ركعتان.إذاً: فالحصر إضافي أو نسبي؛ لأن الحصر الذي يخرج منه أشياء يقال له: حصر إضافي أو نسبي، وأما الحصر الذي لا يخرج منه شيء، فهذا يقال له: حصر حقيقي، بمعنى: ليس فيه أفراد تستثنى منه، ولا يخرج عن هذا الحصر شيء.وكلمة (الوضوء) جاءت مرتين بفتح الواو وبضمها، أما بفتح الواو التي هي الأولى فالمراد بها: الماء الذي يتوضأ به. وأما الثانية التي بالضم فالمراد به: الفعل، الذي هو كون الإنسان يأخذ الماء ويغسل وجهه ثم يغسل يديه، فهذا الفعل يقال له: وضوء، وأما الماء الذي أعد للوضوء، والذي يتوضأ منه يقال له: وَضوء، وهذا قد نبهت عليه فيما مضى، وذكرت أن له نظائر عديدة، بالفتح اسم للشيء الذي يستعمل، وبالضم اسم للاستعمال.فالوُ� �وء والوَضوء، والطُهور والطَهور، والسُحور والسَحور، والوُجور والوَجور، واللُدود واللَدود، وألفاظ كلها على هذا المنوال وعلى هذا القياس، بالفتح اسم للشيء الذي يستعمل، وبالضم اسم للاستعمال الذي هو الفعل. تراجم رجال إسناد حديث: (إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة) قوله: [ أخبرنا زياد بن أيوب ].هو: أبو هاشم البغدادي ، وهو ثقة, حافظ، ويلقب بـدلويه ، وكان أحمد يلقبه بشعبة الصغير، يعني: لحفظه وإتقانه، وكانت وفاته بعد الإمام أحمد بإحدى عشرة سنة، لأن الإمام أحمد توفي سنة مائتين وإحدى وأربعين، وهو توفي سنة مائتين واثنتين وخمسين، روى عنه الإمام أحمد , وخرج حديثه البخاري , وأبو داود , والترمذي , والنسائي .[ حدثنا ابن علية ].وابن علية هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور بابن علية نسبة إلى أمه، وهو ثقة, حافظ، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وله ابن منحرف اسمه إبراهيم بن إسماعيل ، وهو الذي يأتي ذكره في مسائل الفقه، يعني: في مسائل الشذوذ، فإذا قيل في مسائل الفقه؛ في مسألة غريبة أو فيها شذوذ: ابن علية ، فالمراد به ابنه الذي هو من أهل البدع، والذي لما ذكره الذهبي قال عنه: جهمي هالك.وقد ذكر ابن رشد وغيره في بداية المجتهد عند ذكر الإجارة أن العلماء اتفقوا عليها، قال: وخالف فيها ابن علية والأصم.فـ ابن علية الذي خالف فيها هو إبراهيم هذا الجهمي المنحرف المبتدع؛ لأنه يقول: الإجارة لا تجوز، كيف هذا؟! هذا من الشذوذ، فهل يستطيع الإنسان أن يعمل كل شيء بنفسه؟ أيكون حداداً، ونجاراً، وكهربائياً؟ أيكون كل شيء يعمله؟ يعني: ما دام أنه لا يجوز الاستئجار فهو بين أمرين: إما أن الناس يتصدقون عليه، أو أنه يكون عارفاً بجميع الحرف؟ وأما الأصم فإنه إذا ذكر في المسائل التي فيها شذوذ يراد به ابن كيسان الذي هو من المبتدعة، وليس الأصم المشهور الذي هو شيخ الحاكم ؛ لأن الحاكم له شيخ أكثر عنه وهو أبو العباس الأصم ، فإذا قيل: الأصم في مسائل شاذة في الفقه، فالمراد به هو ابن كيسان هذا المبتدع.ومن المسائل التي خالف فيها ابن كيسان: الشفعة، فإنه يقول: إن الشفعة لا تجوز، وقد قال فيه بعض العلماء: وخالف فيها الأصم ؛ لأنه كان عن فهمها أصم.[ حدثنا أيوب ].وهو: ابن أبي تميمة السختياني ، وهو ثقة, حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن ابن أبي مليكة ].و ابن أبي مليكة هو: عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة زهير التيمي الكوفي ، فـأبو مليكة هو جد أبيه، ولكنه اشتهر بالنسبة إلى جد أبيه، فيقال له: ابن أبي مليكة ؛ لأنه هو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة زهير. و أبو مليكة اسمه زهير.وهذا يشبه ابن شهاب ؛ لأن ابن شهاب منسوب إلى جد من أجداده، فهذا من جنسه؛ منسوب إلى جد من أجداده؛ وهو جد أبيه، واشتهر بالنسبة إليه.و ابن أبي مليكة ثقة, فقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [ عن ابن عباس ].و ابن عباس رضي الله تعالى عنه هو ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد الصحابة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد السبعة الذين مر ذكرهم مراراً، وأنهم معروفون بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثهم زاد على ألف حديث، والذين نظمهم السيوطي في بيتين من ألفيته في المصطلح حيث قال:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيوالبحر هو ابن عباس ، يقال له: البحر، ويقال له: الحبر. شرح حديث بريدة في صلاة النبي يوم الفتح كل الصلوات بوضوء واحد قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى عن سفيان حدثنا علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر : فعلت شيئاً لم تكن تفعله! قال: عمداً فعلته يا عمر )]. أورد النسائي حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة)، وهذا مطابق للترجمة؛ وهي الوضوء لكل صلاة.وحديث بريدة يقول: (إنه كان يتوضأ لكل صلاة)، وهذا مبني على الغالب من فعله، وإلا فقد ورد من فعله صلى الله عليه وسلم أنه جمع بين الظهر والعصر بوضوء واحد.فإذاً: كونه يتوضأ لكل صلاة، فهذا الغالب على فعله وعلى أحواله عليه الصلاة والسلام، ولكنه في عام الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد، فكان هذا مخالفاً لما هو معروف عنه، فقال له عمر : رأيتك عملت شيئاً لم تكن تفعله، يعني: كأنه ظن أنه قد نسي، فقال عليه الصلاة والسلام: (عمداً فعلت)، يعني: ليبين أن ذلك جائز، وأن ذلك سائغ، وأن الإنسان يمكن أن يصلي صلوات عديدة، بل يمكن أن يصلي الصلوات الخمس بوضوء واحد، فإذا حصل هذا فهو سائغ وجائز، وقد فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنه في بعض أحواله، فدل على الجواز، وإن كان غيره أولى منه؛ لأن هذا هو الغالب على فعله. تراجم رجال إسناد حديث بريدة في صلاة النبي يوم الفتح كل الصلوات بوضوء واحد قوله: [ أخبرنا عبيد الله بن سعيد ].عبيد الله بن سعيد هو: اليشكري السرخسي نزيل نيسابور، وهو ثقة, مأمون, سني، كما قال الحافظ ابن حجر: ثقة, مأمون, سني. وحديثه رواه البخاري, ومسلم, والنسائي.[ حدثنا يحيى ].وهو: ابن سعيد القطان ، أحد الثقات الأثبات، وأحد أئمة الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [ عن سفيان ].وسفيان هنا غير منسوب، فيحتمل أنه سفيان الثوري , أوسفيان بن عيينة ، ولكن هنا هو سفيان الثوري ؛ لأن الذي روى عن علقمة بن مرثد هو سفيان الثوري .إذاً: فسفيان هذا الذي هو غير منسوب هو سفيان الثوري ؛ لأن سفيان بن عيينة لم يذكر المزي في ترجمته أنه روى عن علقمة بن مرثد. وسفيان الثوري هو سفيان بن سعيد بن مسروق ، وهو ثقة, حافظ, حجة، بل إن بعض العلماء وصفه بأنه أمير المؤمنين في الحديث.[ عن علقمة بن مرثد ].و علقمة بن مرثد هو: الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن ابن بريدة ].وابنا بريدة اثنان، أحدهما: سليمان، والثاني: عبد الله، وسليمان وعبد الله ولدا توأمين، وقد رويا عن أبيهما، ولكن هنا غير منسوب ابن بريدة، يعني: لا قيل: هو عبد الله, ولا قيل: هو سليمان، ولكن جاء في بعض الطرق عند الأئمة الذين خرجوا هذا الحديث, ومنهم: مسلم سماه, سليمان بن بريدة ؛ لأن نفس الحديث هذا رواه مسلم , ورواه غيره، وسموا ابن بريدة سليمان .إذاً: فهنا غير مسمى عند رواية النسائي ، ولكنه في صحيح مسلم منسوب، قال: حدثنا سليمان بن بريدة عن أبيه. فإذاً: تعين أنه سليمان، وليس عبد الله. وقد ذكرت لكم فيما مضى: أن الشخص إذا كان غير مسمى، وأنه يحتمل عدة أشخاص؛ فإن من أقرب الطرق وأيسر الطرق للوصول إلى معرفته: أن ينظر في طرق الحديث إذا كان رواه جماعة.وسليمان بن بريدة الأسلمي ثقة، خرج حديثه مسلم, وأبو داود, والترمذي, والنسائي، وابن ماجه ولم يخرج له البخاري ، وفي نسخة التقريب الطبعة المصرية لم يذكر مسلم ممن خرج له، مع أنه ممن خرج له، بل هذا الحديث نفسه خرجه مسلم في صحيحه, من رواية سليمان بن بريدة عن أبيه.[عن أبيه].هو بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه، وبريدة بن الحصيب الأسلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، له مائة وأربعة وستون حديثاً، اتفق البخاري , ومسلم منها على حديث، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأحد عشر حديثاً.
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الطهارة (50) - باب النضح من هدي النبي عليه الصلاة والسلام عند الوضوء النضح بالماء على الفرج سواء مع الاستجمار أو بدونه طرداً للوسوسة. النضح شرح حديث سفيان الثقفي في نضح الفرج بالماء عند الوضوء قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النضح.أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد بن الحارث عن شعبة عن منصور عن مجاهد عن الحكم عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ حفنة من ماء فقال بها هكذا، ووصف شعبة نضح به فرجه، فذكرته لـإبراهيم فأعجبه).قال الشيخ ابن السني : الحكم هو ابن سفيان الثقفي رضي الله عنه].يقول النسائي رحمه الله: باب النضح. هذه الترجمة وهي قوله: (باب النضح) أتى بها مطلقة، والنضح يأتي ويراد به الرش، ويأتي ويراد به الغسل، وهنا يحتمل شيئين: أحدهما: أن يكون المراد به الاستنجاء، وهذا يكون قبل الوضوء. والثاني: أن يكون مراداً به الرش بعد الوضوء، بأن يرش فرجه بالماء؛ حتى لا يحصل شيء من التفكير والوسواس فيما إذا كان هناك بلل فيشوش ذلك عليه. ولعل النسائي أتى بهذه الترجمة مطلقة لاحتمال الحديث الذي ورد فيها من طريقين للمعنيين: أن يكون المراد به الاستنجاء -وهو قبل الوضوء- أو أن يكون المراد به الرش، وهو يكون بعد الوضوء؛ فلكونها محتملة لهذا ولهذا أطلق النسائي الترجمة.ومن العلماء من يقيدها؛ فيقول: بعد الوضوء، ويكون على هذا يراد به الرش بعد الوضوء الذي يكون المقصود به: إبعاد أن يكون هناك تفكير ووسوسة فيما يتعلق بكون شيء خرج من الذكر من بول، أو ما ينتقض به الوضوء، فقد يكون هناك وسواس، فيكون هذا العمل مما يذهب هذا الاحتمال.والنسا� �ي رحمه الله أورد حديث الحكم بن سفيان عن أبيه، وهنا قال: الحكم عن أبيه، والحديث جاء بألفاظ كثيرة عن مجاهد : فمرة عن الحكم بن سفيان عن أبيه، ومرة عن سفيان بن الحكم، ومرة عن الحكم بن سفيان وما قال عن أبيه، وبألفاظ متعددة مما يعد اضطراباً، وهذا الاضطراب الكثير الذي جاء عن مجاهد في الذي روى عنه وتسميته في كونه أحياناً يقول: الحكم عن أبيه، ومرة يقول: الحكم بن سفيان ، ومرة يقول: سفيان بن الحكم ، ومرة يقول: عن الحكم عن رجل من ثقيف؛ مما يؤثر على صحة الحديث بسبب الاضطراب الذي حصل فيه، وعدم ترجح شيء على شيء، ولهذا ضعفه بعض العلماء، ومنهم من قوَّاه بالشواهد التي جاءت عن بعض الصحابة في معناه، ولم يحكم أهل الحديث بالصحة، بل اعتبر إسناده ضعيفاً، لكنه ثبت عنده بشواهده.وهذا هو الذي ذكره الألباني في تعليقه على المشكاة؛ فإنه قال: الإسناد ضعيف بسبب الاضطراب، لكنه لشواهده المتعددة يثبت أو يحتج به؛ ليس للإسناد هذا الذي حصل فيه اضطراب من مجاهد ، وإنما للشواهد المتعددة التي جاءت في معنى الحديث.والطريق الأولى من الطريقين للحديث يقول النسائي : عن الحكم عن أبيه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ حفنة من ماء فقال به هكذا)، يعني: وأشار شعبة إلى أنه رش بين فخذيه، يعني: أشار إشارة إلى إرسال الماء بين رجليه، يعني: على فرجه، وبهذا يشير إلى الكيفية التي وقعت.قوله: (إذا توضأ أخذ حفنة من ماء فقال به هكذا)، يحتمل أنه يراد بالنضح الاستنجاء، فيكون معناه: إذا أراد أن يتوضأ، وعلى هذا يكون النضح قبل الوضوء.ومن المعلوم أنه يأتي مثل هذا التعبير ويراد به إرادته، مثل: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]، يعني: إذا أردتم القيام، وكذلك: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل:98]، يعني: إذا أردت قراءة القرآن، فالمقصود من ذلك أنه يكون قبله. وهذا الاحتمال الأول.والاحتمال الثاني في قوله: (إذا توضأ أخذ حفنة من ماء فقال بها هكذا) يعني: بعد الوضوء، فيكون المراد به الرش الذي يكون بعد الوضوء، فالحديث محتمل للاستنجاء، وأن يكون المراد به إذا أراد، ويكون الاستنجاء بعد الاستجمار؛ لأنه كما هو معلوم الاستجمار يكفي، لكن قد يحصل أن ما يخرج من البول قد يتجاوز محل العادة، فيحتاج إلى غسل، أما إذا كان في محل الخروج وما تجاوز فيكفي الاستجمار، فيمكن أن يكون أراد أن يتوضأ بمعنى أنه يستنجي مع الاستجمار، يعني: بعد أن كان قد استجمر، وكون الاستجمار يكفي, لكن بشرط ألّا يكون البول تجاوز موضع الخروج، فإن تجاوز موضع الخروج فلا بد من الغسل من أجل إزالة هذا الذي يصيب الجسد.وقوله: (فذكرته لـإبراهيم فأعجبه)، لا أدري من هو إبراهيم هذا؟ وإذا كان الذي ذكره شعبة فالذي يبدو أنه غير إبراهيم النخعي؛ لأن شعبة توفي سنة ستين ومائة، وإبراهيم النخعي سنة خمس وتسعين من الهجرة، يعني: بين وفاتيهما خمس وستون سنة، وشعبة متأخر عن إبراهيم النخعي بخمس وستين سنة، فلا أدري هل ما نذكر قضية شعبة, وهل هو معمَّر؟ وأنه يمكن أن يحدث به إبراهيم؟ لكن ما ذكروا روايته عن إبراهيم، وإنما ذكروا أن شعبة روى عن عدد ممن يقال لهم إبراهيم, وليس فيهم إبراهيم النخعي، فلا أدري من هو إبراهيم هذا؟ ولا أدري هل الذي ذكر له هو شعبة أو غيره؟ وقوله: (وأنه أعجبه) يعني: الذي ذكره له.ثم قال: (قال الشيخ ابن السني، وابن السني هو راوي كتاب سنن النسائي عن النسائي ، بل سبق أن ذكرت فيما مضى: أن من العلماء من قال: إنه هو الذي اختصر المجتبى من السنن الكبرى، والقول الآخر وهو الأظهر أن الذي اختصره هو النسائي وليس ابن السني ، لكن ابن السني هو راوي الكتاب عن النسائي، فيحتمل أن يكون قال ابن السني, ويكون هذا تفسيراً منه أو إيضاحاً لهذا الاسم المبهم, وهو قوله: الحكم هو ابن سفيان الثقفي. وفي بعض النسخ قال ابن السني : قال أبو عبد الرحمن ، فعلى هذا يكون الكلام لـأبي عبد الرحمن النسائي، وقد مر بنا كثيراً أن النسائي يعلق على بعض الأحاديث، ويأتي ذكره بأن يقول: قال أبو عبد الرحمن، وسواء الذي قال أبو عبد الرحمن هو النسائي أو قالها من دون النسائي, بحيث يقول: قال أبو عبد الرحمن ، فيحتمل أن يكون النسائي هو الذي قال عن نفسه أبو عبد الرحمن ، ويحتمل أن يكون من دون النسائي هو الذي قال: قال أبو عبد الرحمن ، يعني: النسائي ، فهنا قال ابن السني ، وفي بعض النسخ: قال ابن السني: قال أبو عبد الرحمن: هو ابن سفيان الثقفي رضي الله عنه، يعني كلمة: (هو) توضيح للحكم, وأنه ابن سفيان .و الحكم بن سفيان ذكرت لكم أنه قيل: إن له صحبة، وقلت لكم: إنه جاء بألفاظ كثيرة فيها اضطراب: الحكم بن سفيان عن أبيه، سفيان بن الحكم، الحكم عن أبيه، الحكم عن رجل من ثقيف، فورود ألفاظ متعددة في الإسناد تعد اضطراباً يدل على ضعف الإسناد، لكن -كما قلت لكم- الشيخ الألباني قال: إنه يتقوى بالشواهد التي جاءت عن بعض الصحابة في معناه. تراجم رجال إسناد حديث سفيان الثقفي في نضح الفرج بالماء عند الوضوء قوله: [ أخبرنا إسماعيل بن مسعود ].هو: الجحدري ، وهو ثقة روى له النسائي وحده، فهو من رجال النسائي وحده. [ حدثنا خالد بن الحارث ].خالد بن الحارث ثقة, وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن شعبة ].هو: ابن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، وهذا الوصف هو في القمة، والذي هو من أرفع صيغ التعديل, وأعلى صيغ التعديل, وهو أن يقال عنه: أمير المؤمنين في الحديث، فهو أحد الثقات المتقنين، وهو من العارفين بالجرح والتعديل، وكلامه في التوثيق والتعديل والتجريح كثير، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن منصور ].هو: ابن المعتمر ، وهو ثقة, من رجال الجماعة. [ عن مجاهد ].هو: ابن جبر المكي، وهو ثقة, إمام في التفسير والعلم، وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن الحكم عن أبيه ].الحكم هذا هو الذي حصل الاضطراب من مجاهد في تعيينه؛ مرة يقول: الحكم بن سفيان ، ومرة يقول: سفيان بن الحكم ، ومرة يقول: الحكم عن أبيه، ومرة يقول: الحكم عن رجل من ثقيف، على أقوال تبلغ قريباً من عشرة أقوال, أو عشر صيغ، وهي تدل على الاضطراب. شرح حديث الحكم بن سفيان: (رأيت رسول الله توضأ ونضح فرجه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا العباس بن محمد الدوري حدثنا الأحوص بن جواب حدثنا عمار بن رزيق عن منصور ح وأخبرنا أحمد بن حرب حدثنا قاسم وهو ابن يزيد الجرمي حدثنا سفيان حدثنا منصور عن مجاهد عن الحكم بن سفيان قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ونضح فرجه. قال أحمد : فنضح فرجه).هنا أورد النسائي الحديث من طريق أخرى, يقول فيه الحكم بن سفيان : (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ونضح فرجه) فكلمة (ونضح فرجه) يحتمل أن يكون هذا النضح قبل, أو أن يكون بعد مثلما تقدم؛ يعني: إذا كان للاستنجاء فهو قبل، وإذا كان رشاً بعد الوضوء فهو يكون بعد. تراجم رجال إسناد حديث الحكم بن سفيان: (رأيت رسول الله توضأ ونضح فرجه) النسائي أورد الحديث من طريقين، أولاهما قال فيها: [أخبرنا العباس بن محمد الدوري].العباس بن محمد الدوري ثقة, حديثه عند أصحاب السنن الأربعة.[حدثنا الأحوص بن جواب].الأحوص بن جواب يقال له: أبو جواب فكنيته أبو الجواب توافق اسم أبيه، وقد مر بنا مراراً وتكراراً أن من أنواع علوم الحديث: معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وذكرت أن فائدة هذا: دفع توهم التصحيف فيما لو ذكر بكنيته؛ فقد يظن -من لا يعرف- أن (أبو) مصحفة عن ابن؛ لأنه إذا قال: الأحوص بن جواب , أو الأحوص أبو جواب فالكل صحيح؛ لأن كنيته توافق اسم أبيه، فسواء قيل: ابن أو قيل: أبو، إن قيل: (ابن) فهو منسوب إلى أبيه، وإن قيل: (أبو) فهو مكنى، وكنيته توافق اسم أبيه، وهو صدوق ربما وهم، وحديثه عند مسلم , وأبي داود , والترمذي , والنسائي ، فهو عند هؤلاء الأربعة: الإمام مسلم وأصحاب السنن الأربعة إلا ابن ماجه.[ حدثنا عمار بن رزيق ].هو أبو الأحوص، كنيته أبو الأحوص ، وقد قال عنه الحافظ في التقريب: لا بأس به، وهو ممن روى له مسلم , وأبو داود , والنسائي , وابن ماجه ، ما روى له الترمذي.[ عن منصور ].هو: ابن المعتمر ، وهو ثقة, من رجال الجماعة.[ ح وأخبرنا أحمد بن حرب ].(ح) هذه صيغة التحويل, أو علامة التحويل؛ وهي التحول من إسناد إلى إسناد، وقد ذكرت مراراً وتكراراً: أنها تستعمل من أجل أن يتبين أن ما بعدها رجوع إلى الإتيان بالإسناد من أول، وحتى لو لم يؤت بها لكان ما بعدها تالياً لما قبلها, فيكون المتقدم راوياً عن المتأخر، فإذا جاءت (ح) عرف بأن هناك الرجوع من جديد إلى إسناد آخر يبدأ من المصنف.وأحمد بن حرب هو: الطائي الموصلي ، وهو صدوق, خرج له النسائي وحده.[ حدثنا قاسم وهو ابن يزيد الجرمي ].قاسم هو: ابن يزيد الجرمي وهو أيضاً موصلي، وهو ثقة, حديثه عند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وكلمة (هو ابن يزيد) هذه قالها من دون أحمد بن حرب: إما النسائي أو من دون النسائي، وكلمة (هو) يؤتى بها حتى يعرف؛ لأن هذه الزيادة ليست من التلميذ وأنها ممن دونه؛ لأن التلميذ لا يحتاج إلى أن يقول: (هو) بل ينسبه كما يشاء، لكن لما أراد من دون التلميذ أن يأتي بما يوضحه ويزيل إهماله أتى بكلمة (هو) حتى يتبين، وهذا تقدم مراراً وتكراراً. وأحمد بن حرب , وقاسم بن يزيد الجرمي انفرد النسائي بالإخراج لهما، لم يخرج لهما إلا النسائي .[ حدثنا سفيان ].هو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري, الإمام, الذي قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة, حافظ, حجة، عابد، وذكر صفات متعددة في حقه، وقد ذكرت أنه ممن وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي صيغة من أعلى صيغ التعديل.[ حدثنا منصور ].هو: ابن المعتمر .[ عن مجاهد عن الحكم ].مجاهد الحكم مثل الإسناد المتقدم.ثم قال النسائي بعدما ذكر الرواية أنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ونضح فرجه) ثم قال: قال أحمد : (فنضح فرجه). قال: قال أحمد , ويقصد بـأحمد شيخه الثاني في الإسناد؛ لأنه ذكر شيخين: الأول: عباس بن محمد الدوري، والثاني: أحمد بن حرب، واللفظ الذي ذكره وهو (نضح فرجه) لفظ شيخه الأول، وكلمة (فنضح) التي هي بالفاء بدل الواو هي عبارة أو لفظ شيخه الثاني، وقد ذكرت لكم فيما مضى عندما جئنا عند حديث رواه النسائي عن قتيبة وعن عتبة بن عبد الله، النسائي ذكره على لفظ عتبة بن عبد الله، وهو حديث الصنابحي في فضل الوضوء، والذي أورده في باب: أن الأذنين من الرأس, وما يستدل به على أن الأذنين من الرأس، قال لما ذكر الإسناد على لفظ عتبة وهو شيخه الثاني، ثم قال: قال قتيبة عن الصنابحي أن النبي صلى الله عليه وسلم، فساقه على لفظ شيخه الثاني، ثم أشار إليه في شيخه الأول، وذكرنا هناك: أن هذا قد يشعر بأن طريقة النسائي أنه عندما لا يقول: واللفظ لفلان أنه يكون اللفظ للثاني -قلنا هذا فيما مضى- لكن هذا الكلام يعكر على ذاك الاستظهار؛ لأنه هنا أتى باللفظ على اللفظ الأول وهو عباس الدوري ، ثم قال: وقال أحمد: (فنضح فرجه) يعني: أتى بلفظ الشيخ الثاني، فصار على هذا لا يتضح أن النسائي عندما يذكر الإسناد عن شيخين, ثم لا يبين من له اللفظ لا يدل على أنه يراد به الثاني؛ لأن هذا الحديث الذي معنا يدل على أن هذه القاعدة غير منطبقة.وأنا ذكرت لكم فيما مضى: أن طريقة البخاري أنه عندما يذكر شيخين فاللفظ للثاني منهما، وكنا نظن ذلك، لكن لما جئنا عند حديث الصنابحي وكان ذكره عن شيخين وساق الحديث رقم مائة وثلاثة ذكره عن قتيبة , وعن عتبة بن عبد الله، وساقه على لفظ عتبة بن عبد الله، ثم قال: وقال قتيبة على شيخه الأول، هنا عكسه، ذكره عن شيخين: عن عباس الدوري وعن أحمد بن حرب ، ثم ساقه على لفظ الشيخ الأول، ثم أتى بعد ذلك بلفظ الشيخ الثاني، فدل على أنه لا يتخذ من ذلك أو لا يفهم من ذلك قاعدة للنسائي يبنى بها على أنه إذا لم يذكر من له اللفظ يكون للثاني فقد يكون للأول كما تقدم في رقم مائة وثلاثة، وقد يكون للثاني كما جاء هنا في هذا الحديث الذي معنا.
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الطهارة (52) - باب فرض الوضوء - باب الاعتداء في الوضوء فرض الله علينا الطهارة عند إرادة الصلاة، فلا يقبل الله صلاة العبد إلا بطهارة، لكن الزيادة على ثلاث غسلات للعضو فيه تعد وظلم وإساءة. فرض الوضوء شرح حديث: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فرض الوضوء.أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أبي المليح عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)].يقول الإمام النسائي رحمه الله: باب فرض الوضوء، والمراد بالترجمة كما هو واضح من الحديث الذي أورده تحتها: أن الوضوء فرض لازم، وأمر متحتم، هذا هو المراد بفرض الوضوء، بل إنه شرط لصحة الصلاة، وإذا لم يوجد الشرط، لم يوجد المشروط الذي هو الصلاة، فلا بد لكل صلاة من الوضوء لها حيث وجد الماء، فإذا لم يوجد، ينتقل إلى ما ينوب عنه، وهو التيمم.إذاً: فالوضوء شرط من شروط الصلاة التي تسبق المشروط، والتي لا بد من فعلها قبل فعل المشروط، والتي لا تصح الصلاة بدون ذلك الشرط، ولهذا ترجم بقوله: باب: فرض الوضوء، ويعني: أنه فرض لازم متعين، لا تفيد الصلاة بدون وضوء.ثم أورد النسائي رحمه الله حديث أبي المليح عن أبيه أسامة بن عمير رضي الله تعالى عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: [(لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)]، والمقصود هو الجملة الأولى، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: [(لا يقبل الله صلاة بغير طهور)] والطهور يشمل: الطهارة بالماء، والطهارة بالتراب الذي هو الأصل، وما ينوب عنه الذي هو التيمم، ولهذا جاء التعبير بالطهور، فيكون شاملاً للوضوء، وما يقوم مقام الوضوء إذا عدم الماء وهو التيمم، فلا بد للصلاة من طهارة، ولا بد أن يسبقها وضوء، أو تيمم إن عدم الماء، أو لم يقدر على استعماله.ونفي القبول معناه: أن الصلاة التي لا تكون بوضوء، فإن صاحبها لم يؤد ما فرض الله عليه، ولم تبرأ ذمته، ولم تقع الصلاة صحيحة، بل يتعين الوضوء ثم الصلاة، فلو أن إنساناً نسي، وصلى بغير وضوء، فإن صلاته لا تعتبر، ولا تجزئ، ولا يترتب عليها أثرها الذي هو الثواب، بل يجب عليه ويتعين عليه أن يتطهر بالوضوء، أو التيمم إذا لم يوجد الماء، أو لم يقدر على استعماله، ثم يؤدي الصلاة.إذاً: فالنفي هنا -نفي القبول- لنفي الإجزاء، ونفي الصحة، ونفي الأثر المترتب على ذلك وهو الثواب.فالنفي يدخل فيه نفي الصحة، ومعنى ذلك: أنه لا بد من الوضوء والصلاة، لكن في بعض المواضع يأتي نفي القبول، ولكنه لا يلزم معه الإعادة، وإنما يحصل حرمان الثواب، وعدم حصول الثواب المترتب على الصلاة، ومن ذلك: ما جاء في الحديث: (من أتى عرافاً لم تقبل له صلاة أربعين يوماً)، فمعنى (لم تقبل) أنه يحرم ثوابها، ويحرم الأجر المترتب على الصلاة، وهذا عقاب على إتيانه العراف، وذهابه للعراف، بأنه فعل فعلاً حرم ثوابه، لكنه لا يقال: إن صلاته غير مجزئة، وأن عليه أن يعيد الصلوات، لأن صلاته غير مقبولة؛ فإن نفي القبول هنا غير نفي القبول في حديث الباب؛ لأن حديث الباب يدل على عدم الإجزاء وعدم الصحة، وأما ذاك فالصلاة قد حصلت، ولا يؤمر بالإعادة، ولكنه يحرم ثوابها.أما الذي معنا هنا في قوله: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) فمعنى ذلك: أنها لا تجزئ ولا تصح، ويتعين على من صلى بغير وضوء أن يتوضأ ويصلي؛ لأن صلاته التي قد حصلت بغير وضوء هي لاغية، ووجودها كعدمها؛ لأنه فُقد شرط من شروطها، الذي لا تعتبر، ولا تنفع، ولا تفيد إلا إذا وجد الشرط قبل وجود المشروط.قوله: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول) الغلول: هو بمعنى الخيانة، وهو يشمل ما يدخل تحته من كل مال حرام، كل مال حرام لا ينتفع صاحبه بالتصدق به؛ لأن الصدقة المقبولة هي: الطيبة التي هي من كسب طيب، وقد جاء في حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم في صحيحه: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، ثم ذكر بعد ذلك الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام؛ فأنى يستجاب له؟!).فالغلول يدخل فيه الخيانة، ويدخل فيه أكل المال الحرام، وما يدخل فيه دخولاً أولياً: الغلول من الغنيمة؛ لأن فيه خيانة، وكذلك كل خيانة فهي من الغلول، وكل مال حرام فهو أيضاً داخل في هذا المعنى، بمعنى: أن الصدقة منه لا تقبل، وإنما الصدقة المقبولة النافعة لصاحبها هي التي كانت من مال حلال؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً. تراجم رجال إسناد حديث: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور...) قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة هو: ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وقد تكرر ذكره كثيراً في سنن النسائي، وهو أحد شيوخ النسائي الذين أكثر عنهم، وهو ثقة، حافظ، وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا أبو عوانة].وأبو عوانة هذه كنية اشتهر بها واسمه: الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن قتادة].قتادة هو ابن دعامة السدوسي، وهو ثقة، حافظ، وهو من رجال الجماعة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن أبي المليح].وأبو المليح هي كنية، واسمه قيل: عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد، وهو: ابن أسامة بن عمير الهذلي، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].أما أبوه أسامة بن عمير الهذلي، فهو صحابي تفرد بالرواية عنه ابنه، لم يرو عنه إلا ابنه أبو المليح، وله سبعة أحاديث، كلها من طريق ابنه أبي المليح؛ وهذا يسمونه الوحدان فهو من لم يرو عنه إلا واحد، وحديثه عند أصحاب السنن الأربعة.إذاً: فرجال الإسناد كلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة إلا الصحابي؛ فإن حديثه عند أصحاب السنن الأربعة، رجال الإسناد كلهم من رجال الجماعة، قتيبة بن سعيد، وأبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، وقتادة بن دعامة السدوسي، وأبو المليح الذي هو: ابن أسامة بن عمير الهذلي. الاعتداء في الوضوء شرح حديث عمرو بن العاص في النهي عن الاعتداء في الوضوء قال المصنف رحمه الله تعالى: [الاعتداء في الوضوء.أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا يعلى حدثنا سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: (جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء، فأراه الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هكذا الوضوء؛ فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم)].أورد النسائي: الاعتداء في الوضوء، الاعتداء: هو تجاوز الحد الذي حد في الوضوء، وهو أن يزيد على ثلاث غسلات للأعضاء فهذا هو المراد بالاعتداء؛ لأنه لا يزاد على الثلاث، يتوضأ مرة ومرتين وثلاثاً، وكذلك يجوز التفاوت بأن يكون البعض مرة، والبعض مرتين، والبعض ثلاثاً، لكن لا يتوضأ أربع مرات أو خمساً، أو أربع غسلات أو أكثر، وإنما يوقف عند حد الثلاث.وقد أورد فيه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن أعرابياً جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وسأله عن الوضوء، فأراه الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: [(هكذا الوضوء؛ فمن زاد على هذا، فقد أساء وتعدى وظلم)].الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين للأعرابي كيفية الوضوء، وأنه يكون ثلاثاً، لكن الثلاث هي الحد التي يكون بها الإسباغ، ولا يزاد على ذلك، والوضوء يكون بدونها ويكون بأقل من الثلاث، فلما توضأ وأراه النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، قال له: [(هكذا الوضوء)]، يعني: الوضوء الكامل الذي فيه الإسباغ، فمن زاد على هذا، فقد أساء وتعدى وظلم، والترجمة هنا أخذها من قوله: (تعدى)، لأنه جاء في الحديث: تعدى، وقال: الاعتداء في الوضوء، يعني: بالزيادة، وتجاوز الحد الذي حده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكون الإنسان يزيد على ثلاث فهذا من الإسراف، وهو من العدوان، ومن الظلم، ومن الإساءة، كما بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، حيث قال: [(فقد أساء وتعدى وظلم)].وفي الحديث بيان التعليم بالفعل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما سأله عن الوضوء توضأ وأراه كيف يتوضأ، وأنه يكون ثلاثاً ثلاثاً، ثم إنه بين بالقول فقال: [(هكذا الوضوء)] فجمع بين القول والفعل.وقد جاء عند أبي داود: (فمن زاد على هذا أو نقص)، والتعبير بلفظ: (نقص) هذه زيادة ليست عند الباقين الذين رووه، وإنما انفرد بها أبو داود وهي زيادة منكرة أو شاذة، فهي زيادة غير محفوظة وغير ثابتة؛ لأنها تعارض ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم من الوضوء مرة ومرتين، وقد جاء فيه أحاديث صحيحة كثيرة، أن الرسول توضأ مرة مرة، وتوضأ مرتين مرتين، وفاوت أيضاً بين الغسلات، بحيث يكون بعض الأعضاء واحداً، وبعضها اثنين، وبعضها ثلاثة، لكن النقصان عن هذا العدد الذي هو الثلاث هذه زيادة منكرة أو شاذة، وإنما الثابت هي الزيادة التي جاءت عند غير أبي داود، ومقتضى هذه الزيادة وهي: (أو نقص) أن الإنسان إذا نقص عن ثلاث فمعناه: أنه ظلم، أو أنه أساء، وهو ليس بمسيء ولا ظالم، بل هو محسن، لفعل النبي عليه الصلاة والسلام ذلك. تراجم رجال إسناد حديث عمرو بن العاص في النهي عن الاعتداء في الوضوء قوله: [أخبرنا محمود بن غيلان].ومحمود بن غيلان ثقة خرج حديثه الجماعة إلا أبا داود.[حدثنا يعلى].يعلى هو ابن عبيد الطنافسي، وهو ثقة، إلا في حديثه عن الثوري ففيه لين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[يروي عن سفيان].سفيان هو: الثوري الإمام المعروف، الذي مر ذكره مراراً، والذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي صفة من أعلى صيغ التعديل، وأرفع صيغ التعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن موسى بن أبي عائشة].موسى بن أبي عائشة ثقة، عابد، حديثه عند الجماعة.[عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده]عمرو هو: ابن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وهو صدوق، حديثه عند البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، وأصحاب السنن الأربعة.وأبوه الذي يروي عنه هو: شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، وهو أيضاً صدوق، وحديثه عند البخاري في الأدب المفرد، وفي جزء القراءة، وعند أصحاب السنن الأربعة، وقد قال الحافظ: إنه ثبت سماعه عن جده، معناه: أن عمراً يروي عن أبيه، وأبوه شعيب يروي عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، فيكون الحديث ثابتاً، والحديث الذي يأتي عن طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده هو من قبيل الحسن وحديثه حسن، وإذا كان الحديث أو الإسناد إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مستقيماً ثابتاً، فإن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لا تقل عن الحسن، وهي ثابتة، وقد عول عليها العلماء واحتجوا بتلك الأحاديث التي تأتي عن طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.وهذا الحديث هو أول حديث يأتي في سنن النسائي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
|
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الطهارة (53) - باب الأمر بإسباغ الوضوء - باب الفضل في ذلك لقد أمر الشارع بإسباغ الوضوء، وبين فضله، ومن فضائله أنه يمحو الله به الخطايا، فآخر قطرة ماء تنزل من العضو تنزل معها خطايا هذا العضو، كما أن في إسباغ الوضوء رفعة لدرجات العبد عند ربه عز وجل. الأمر بإسباغ الوضوء شرح حديث ابن عباس في الأمر بإسباغ الوضوء قال المصنف رحمه الله تعالى: [الأمر بإسباغ الوضوءأخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي حدثنا حماد حدثنا أبو جهضم حدثني عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال: كنا جلوساً إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فقال: (والله ما خصنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون الناس إلا بثلاثة أشياء: فإنه أمرنا أن نسبغ الوضوء، ولا نأكل الصدقة، ولا ننزي الحمر على الخيل)].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب الأمر بإسباغ الوضوء.إسباغ الوضوء كما عرفنا فيما مضى يكون بالعدد، وهو أن يكون ثلاثاً، ويكون بالدلك والاستيعاب في الغسلات، هذا هو إسباغ الوضوء، أما المجزئ منه فهو الذي يحصل فيه الاستيعاب للأعضاء، ولو مرة واحدة، وهذا الحد الأدنى لا بد فيه من الاستيعاب. والإسباغ هو أن يكون دلكاً، وأن يصل العدد الأكمل الذي هو ثلاثاً، لكن لا يزيد عليها؛ لأنه كما تقدم في الحديث السابق الذي مر آنفاً، أن ذلك اعتداء، وظلم، وإساءة، يعني: التجاوز، وهو من الإسراف.وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: (ما خصنا رسول الله) يعني: أهل البيت. (بشيء دون الناس، إلا بثلاثة أشياء؛ فإنه أمرنا بأن نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي الحمر على الخيل).ومن المعلوم: أن إسباغ الوضوء ليس خاصاً بآل البيت، وكذلك إنزاء الحمر على الخيل ليس خاصاً بأهل البيت، وإنما الخاص بهم الذي يختصون به عن غيرهم، هو تحريم الصدقة عليهم، ولعل قوله: [(ما خصنا)] أن الخطاب حصل فيها جميعاً، يعني: لا تفعلوا كذا ولا تفعلوا كذا، أو لا تفعلوا كذا لكن افعلوا كذا.أما إسباغ الوضوء فليس خاصاً بهم، بل الأمر لهم ولغيرهم، وهو حكم عام يشمل الأمة، وإنزاء الحمر على الخيل أيضاً كذلك مشترك بينهم وبين غيرهم، وهو من جنس ما جاء عن علي رضي الله عنه لما سأله أبو جحيفة: (هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ قال: لا، ما عندنا إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة) وهي صحيفة فيها مسائل متعددة، وأحاديث متعددة، معناه: أنها عندهم عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهنا كذلك هذه الأمور في الحديث هي عندهم عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، رواها ابن عباس عن رسول الله يعني: هذا الحديث، ولكن الخصوصية لأهل البيت هي بتحريم الصدقة عليهم، أما الإسباغ فإن هذا لهم ولغيرهم، وإنزاء الحمر لهم ولغيرهم.وقوله: [(ولا ننزي الحمر على الخيل)].إنزاء الحمر على الخيل، يعني: كونهم يجعلون الحمر تنزو على الخيل؛ لأنها إنزاء جنس على غير جنس؛ لأن الذي يولد عن طريقها أو بهذه العملية يصير جنساً آخر ليس بجيد، فالرسول نهى أن تنزى الحمر على الخيل، وإنما الحمر على الحمر والخيل على الخيل، ولا تنزى الحمر على الخيل، يعني كونها تمكن من أن تعلو عليها وتنزل فيها ماءها، ويترتب على ذلك ولد من جنس ثالث. تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في الأمر بإسباغ الوضوء قوله: [أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي].يحيى بن حبيب بن عربي، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا حماد].حماد هو ابن زيد بن دينار البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً.[حدثنا أبو جهضم].أبو جهضم هو موسى بن سالم، وهو صدوق، خرج حديثه أصحاب السنن الأربعة. [حدثني عبد الله بن عبيد الله بن عباس].فـعبد الله بن عبيد الله بن عباس يعني: ابن عبد المطلب، عمه عبد الله بن عباس، وهو هنا يروي عن عمه عبد الله بن عباس؛ لأن هذا عبد الله بن عبيد الله بن عباس، وعبيد الله هو أخو عبد الله، قال: (كنا جلوساً عند عبد الله بن عباس). وعبد الله بن عبيد الله هو ثقة، حديثه عند الجماعة.[عن عبد الله بن عباس].عبد الله بن عباس هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه، والذي مر ذكره مراراً، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين جمعهم السيوطي في بيتين من الشعر. شرح حديث: (أسبغوا الوضوء) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا جرير عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي يحيى عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أسبغوا الوضوء)]. أورد النسائي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (أسبغوا الوضوء)، وهو يبين أن إسباغ الوضوء أمر عام ليس لأهل البيت خاصة، كما جاء في الحديث الذي قبل هذا.فإذاً: ليس من الثلاث التي تقدمت مما يخص أهل البيت إلا أنه تحرم عليهم الصدقة، أما إسباغ الوضوء، فحديث عبد الله بن عمرو هذا يدل على التعميم، وأن هذا حكم عام لجميع الأمة؛ لأنه قال: (أسبغوا الوضوء) كما في رواية عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. تراجم رجال إسناد حديث: (أسبغوا الوضوء) قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة هو: ابن سعيد، ومر ذكره.[حدثنا جرير].جرير بن عبد الحميد، وهو ثقة من رجال الجماعة.[عن منصور].منصور وهو: ابن المعتمر ،وهو ثقة من رجال الجماعة أيضاً.[عن هلال بن يساف].هلال بن يساف بكسر الياء، وهو ثقة، خرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، والأربعة.[عن أبي يحيى].أبو يحيى هو: مصدع الأعرج وهو مقبول، روى عنه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن عبد الله بن عمرو].عبد الله بن عمرو هو: ابن العاص رضي الله تعالى عنهما، وقد مر ذكره فيما مضى، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وعرفنا أنه ليس بينه وبين أبيه إلا اثنتي عشرة سنة؛ لأن أباه احتلم، وهو في سن مبكرة، وتزوج وهو صغير، وولد له وهو صغير، يعني: ولد عبد الله لـعمرو وعمرو عمره اثنتا عشرة سنة رضي الله تعالى عنهما. الفضل في ذلك شرح حديث أبي هريرة في فضل إسباغ الوضوء قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الفضل في ذلك.أخبرنا قتيبة عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)].لما ذكر النسائي في الباب الذي قبل هذا الأمر بإسباغ الوضوء، وأورد تحته بعض الأحاديث الدالة على ما ترجم له؛ عقبه بهذه الترجمة، وهي قوله: [الفضل في ذلك] يعني: الفضل في إسباغ الوضوء، وما يدل على فضل إسباغ الوضوء، وعلى ما فيه من الفضيلة، وما فيه من الأجر والثواب. هذا هو المقصود بالترجمة. وأورد حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط) فإن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين أن إسباغ الوضوء على المكاره، وما أضيف إليه من كثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة بين أن الله تعالى يمحو به الخطايا ويرفع به الدرجات. وبين بعد ذلك أيضاً في قوله: (فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط) فدل على الفضل من جهتين: من جهة أنه ذكر أولاً: أن هذا مما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات، ثم ختم ذلك بقوله: (فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط).ثم إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟) هذا الكلام الذي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم تمهيداً لما يريد أن يبينه لأصحابه، هذا من كمال نصحه، وكمال بيانه عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أحياناً يحصل منه أن يشير قبل ذكر ما يريد أن يذكره بما يلفت النظر إليه، وبما يحفز الهمم إليه، ولما يجعل النفوس تتطلع إليه، ألا أخبركم بكذا وكذا؟ فيذكر شيئاً من الفضائل في عمل من الأعمال، تجعل السامع يشرئب، ويترقب، وينتظر، ويستعد، ويتهيأ لمعرفة هذا الذي يكون بهذا الوصف، وبهذا الشأن، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما قال أولاً: إسباغ الوضوء، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فيه كذا وكذا، وإنما أتى بشيء فيه استفهام، وهذا من بيانه عليه الصلاة والسلام، ويأتي على صيغ مختلفة، من ذلك ما يأتي في بعض الأحاديث: ثلاث من وجدت فيه فله كذا وكذا، وذلك مثل قوله: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان) فهنا ذكر وصف هذا العدد في شيء يجعل النفوس تترقب إليه.ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، فهو تمهيد مشتمل على أوصاف، تجعل السامع يتشوف، ويستعد، ويتهيأ لاستيعاب ما يلقى عليه، وما يبين له، وهذا من كمال نصحه، وكمال بيانه عليه الصلاة والسلام.قوله: (ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟) ففيه تخليص من ذنوب، ورفعة درجات، تخلية وتحلية، فالتخلية هي: تجاوز، ومحو، ومغفرة الذنوب، والتحلية وهي: رفعة درجات.ففيه حط خطايا، ومحو خطايا، ورفعة درجات، والمحو يمكن أن يكون من صحف الملائكة الذين يكتبون السيئات؛ لأنهم يكتبون الحسنات والسيئات، وليست القضية هي مجرد محو، وإنما مع المحو علو، وسمو، ورفعة درجة، وعلو مكانة، ورفعة الدرجات إنما هي في الجنة؛ لأن الجنة درجات، كما أن النار دركات بعضها أسفل من بعض، فالجنة درجات بعضها فوق بعض، فيرفع الله تعالى له الدرجات في الدنيا والآخرة، بأن يكون له مكانة في النفوس، ومحبة في النفوس، وفي الآخرة رفعة درجات في الجنة، وعلو درجات في الجنة عند الله سبحانه وتعالى.ثم بين ذلك عليه الصلاة والسلام بقوله: (إسباغ الوضوء على المكاره)، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في هذه الترجمة، وهي: فضل إسباغ الوضوء، وهذا الفضل للإسباغ ولغيره معه الذي هو: كثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، هذه الأمور الثلاثة يرفع الله تعالى بها الدرجات، ويحط بها الخطايا، ووصفت بأنها الرباط ثلاث مرات.وقوله: (إسباغ الوضوء على المكاره) يعني: ما كان فيه مشقة، وكون الإنسان يتوضأ، ويسبغ الوضوء، وفي ذلك مشقة عليه، بأن يكون مثلاً الماء فيه برودة، فتجده يصبر على المشقة، وعلى ما تكرهه النفوس، وما يشق على النفوس؛ لما فيه من رفعة الدرجات عند الله عز وجل.وليس معنى هذا أن الإنسان يلازم الإقدام على ذلك الشيء، الذي هو استعمال الماء البارد، وإن حصل له الضرر من ورائه؛ فإن الإنسان لا يجلب لنفسه الضرر، ولكن المقصود من ذلك: الشيء الذي لا يترتب عليه مضرة على الإنسان من مرض أو هلاك، وإنما فيه مشقة تتحملها النفوس، وتصبر عليها في سبيل الله وابتغاء وجه الله عز وجل، وابتغاء الرفعة، وعلو الدرجة عند الله سبحانه وتعالى. هذا هو المقصود بإسباغ الوضوء على المكاره.ثم أيضاً: يصبر على الوضوء، ويقدمه على غيره من أمور الدنيا، فالوضوء، والصلاة، وما طولب به الإنسان من العبادات، فإنه يقدمها، ولا يجعل الدنيا تنافسها، أو تحول دونها، أو تعوق دونها، أو تشغله عنها، بل أمور الآخرة هي المقدمة، وهي التي فيها الشغل عن الدنيا؛ لأن الدنيا والاشتغال بها كل ذلك متاع في الحياة الفانية، والحياة المنتهية، وأما الطاعات والمحافظة عليها فهي الزاد في الحياة الباقية والحياة الدائمة، كما قال الله عز وجل: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197]، فالإنسان يصبر على الطاعات وإن شقت على النفوس؛ لأن الجنة حفت بالمكاره، كما قال ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، والنار حفت بالشهوات.ومن الأشياء التي فيها مشقة، والنفوس لا تميل إليها، مثل: الذهاب إلى المسجد في شدة الرمضاء، وفي شدة الحر، وفي شدة البرد، وما إلى ذلك من الأشياء التي فيها مشقة على النفوس، ولكنها تستسهل وتخف على النفوس؛ لأن فيها محافظة على طاعة الله عز وجل، وطاعة رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.وهذا هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (حفت الجنة بالمكاره)، يعني: أنها تحتاج إلى ابتغاء وجه الله عز وجل، وصبر على طاعة الله؛ لأن الصبر ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر عن معاصي الله، وصبر على أقدار الله، والطاعات يصبر عليها وإن شقت على النفوس، والمعاصي يصبر عنها، وهذا هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (وحفت النار بالشهوات) فيحتاج الإنسان إلى أن يصبر عنها، وإن اشتهتها النفوس، ومالت إليها النفوس، إلا أنها تميل إلى شيء فيه لذة ساعة، ولكن يعقبها شقاوة، ويعقبها حسرة، ويعقبها ندامة، فلا يقدم الإنسان على لذة عاجلة تورث خيبة، وخساراً، وهلاكاً، ودماراً في الدنيا والآخرة، والعياذ بالله. فضل كثرة الخطا إلى المسجد قوله: (وكثرة الخطا إلى المساجد)، يعني: بأن يكون الإنسان مكانه بعيداً عن المسجد، وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن بني سلمة سينتقلون إلى قرب المسجد، فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: (بلغني ذلك عنكم، دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم) يعني: الزموا دياركم تكتب آثاركم؛ لأن كثرة الخطا إلى المساجد مع الصبر والاحتساب فيه عظيم الدرجات.وكان بعض الصحابة -قيل: عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه، والحديث في صحيح مسلم- بيته بعيداً، وكان لا تفوته صلاة جماعة، فقيل له: (لو أنك اشتريت حماراً تركبه في الرمضاء، وفي الليلة الظلماء، فقال: إني ما أحب أن يكون بيتي قرب المسجد، إني أحب أن يكتب الله لي خطواتي في ذهابي إلى المسجد، ورجوعي إلى أهلي، أن يكتبها الله لي، ويحط بها عني خطايا، ويكتب لي الدرجات أو الحسنات، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد جمع الله لك ذلك كله).فإذاً: كثرة الخطا إلى المساجد، بكون بيته بعيداً، ويصبر، ويحتسب، هذا مما يرفعه الله تعالى به درجات، ويحط عنه خطيئات، ولهذا جاء في الحديث أنه ما يخطو خطوة إلا ويحط الله عنه بها خطيئة، ويرفع له بها درجة) كما جاءت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فضل انتظار الصلاة بعد الصلاة ثم قال: (وانتظار الصلاة بعد الصلاة) هذا يحتمل أن يكون المراد به: كونه يبقى في المسجد بأن يصلي صلاة، ثم يجلس في المسجد ينتظر الصلاة الثانية، ويمكن أيضاً أن يكون المراد به: وإن ذهب من المسجد إلى بيته إلا أن قلبه متعلق بالمسجد، بمعنى: أنه إذا ذهب من المسجد يفكر متى يرجع إليه، وقلبه متعلق بالمسجد، فهو لا يرجع منه إلا وهو يفكر في الذهاب إليه، ويتطلع إلى الرجوع إليه.وهذا هو ما جاء في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: (ورجل قلبه معلق بالمساجد) يعني: لا يذهب منه إلا وهو مشدود إليه، ومدفوع إليه، يتحرى ويترقب الوقت الذي به يرجع إلى المسجد. إذاً يمكن أن يدخل تحته من يصلي الصلاة، ثم يجلس يقرأ القرآن حتى تأتي الصلاة الأخرى، لا سيما في الأوقات المقاربة، مثل: ما بين العصر والمغرب، والمغرب والعشاء؛ فإن هذه أوقات متقاربة، يمكن أن يكون فيها الجلوس في المسجد، وذكر الله عز وجل، وقراءة القرآن، أو يكون المعنى: أنه يرجع، ولكنه إذا رجع يكون قلبه متعلقاً بالمسجد يفكر متى يرجع إليه.إذاً: هذه الأعمال الثلاثة التي هي: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة) مما يحط الله بها الخطايا، ويرفع بها الدرجات.ثم أيضاً وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن هذا هو الرباط: (فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)، والرباط: هو المرابطة على الشيء والملازمة له، وهو يطلق على الرباط في سبيل الله، وهو سد الثغور، والمداخل التي يدخل منها الكفار، والأعداء إلى بلاد المسلمين، الأعداء الذين يتحينون الفرص للانقضاض على المسلمين، والإساءة إليهم؛ فإن البقاء في الثغور، والمنافذ، والمداخل التي في طريق الكفار، ويمكن أن يهجم منها العدو؛ هذا من الرباط في سبيل الله؛ لأن فيه ملازمة في الجهاد في سبيل الله؛ لأن كونه يجاهد في سبيل الله، ملازم في المكان الذي يأتي منها الأعداء فهو يحول دونهم، ويصدهم عن أن يدخلوا إلى المسلمين، وأن يفتكوا بهم، ويؤذوهم.فمثله هذا الذي جاء في هذا الحديث، من كون الإنسان يلازم المساجد، ويحرص عليها، ويتعلق قلبه بها، وينتظر الصلاة بعد الصلاة، بمعنى: أنه يجلس في المسجد ينتظر الصلاة التي بعدها، وكذلك إذا خرج هو متعلق قلبه بها، وكذلك أيضاً يذهب إليها، وإن كان مكانه بعيداً ذاهباً آيباً، كل ذلك فيه مشقة عليه، وكل ذلك يكتبه الله عز وجل له، ويحط عنه به الخطايا، ويرفع به الدرجات، وكذلك إسباغه الوضوء على المكاره في الشيء الذي يكون عليه مشقة، وعليه تعب، فإنه يصبر ويحتسب لكن بشرط: أن لا يلحق ذلك به ضرراً: من مرض يحبسه عن الطاعة، أو هلاك، أو موت يترتب على إضراره بنفسه، إذا لم يحصل ذلك، وإنما إن حصل مجرد المشقة، فإن الطريق إلى الجنة شاق، ويحتاج إلى صبر واحتساب، ليس كما يقال: مفروشاً بالورود والرياحين، وإنما فيه العناء والمشقة، فيه التكاليف والتكاليف شاقة، ولكن من يوفقه الله عز وجل يصبر، ويحتسب، وإن شقت التكاليف عليه؛ لأنه يعلم أن العاقبة حميدة، ويعلم أن النتيجة طيبة.إذاً قوله: (فذلكم الرباط) يعني: هذا هو الذي فيه الملازمة والثبوت على هذا العمل الذي يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات، وهو يشبه الرباط في سبيل الله. تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في فضل إسباغ الوضوء قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة، ما أكثر ما يأتي ذكره في الأسانيد، بل هو أول شخص روى عنه النسائي في سننه حديثاً، وأول شيوخه في كتابه السنن وهو: قتيبة بن سعيد، وكثيراً ما يأتي ذكره في الأسانيد قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو من الثقات، الأثبات، وممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن مالك].هو: مالك بن أنس إمام دار الهجرة، صاحب المذهب المالكي، أحد المذاهب الأربعة، الذي صار له أصحاب عنوا بجمعه، والتأليف فيه، وتنظيمه، وترتيبه، وبقيت أقواله ومذهبه لعناية أصحابه بفقهه، وإلا فإن غير الأئمة الأربعة في زمانهم وقبل زمانهم من كان مجتهداً، وله كلام في مسائل الفقه، لكنه ما لقي مثل ما لقي هؤلاء الأربعة، من وجود أصحاب لهم، وأتباع لهم يعنون بجمع فقههم.فهذا الرجل الذي هو الإمام مالك رحمة الله عليه محدث، فقيه، وكتابه الموطأ مشتمل على حديث، وعلى فقه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل إن أصح الأسانيد عند البخاري السلسلة التي فيها مالك: مالك عن نافع عن ابن عمر.[عن العلاء بن عبد الرحمن].هو العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الجهني الحرقي مولاهم، وهو صدوق، خرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، والحرقة هم من جهينة.[عن أبيه].أبوه هو عبد الرحمن بن يعقوب الجهني الحرقي مولاهم، وهو ثقة، والذين خرجوا له مثل الذين خرجوا لابنه: البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، فقد خرجوا للاثنين على حد سواء: عبد الرحمن بن يعقوب، وابنه العلاء بن عبد الرحمن.[عن أبي هريرة].هو أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، وهو الصحابي الجليل، أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثرهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
|
شرح حديث عمرو بن عبسة في ثواب من توضأ كما أمر قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا آدم بن أبي إياس حدثنا الليث هو ابن سعد حدثنا معاوية بن صالح أخبرني أبو يحيى سليم بن عامر وضمرة بن حبيب وأبو طلحة نعيم بن زياد، قالوا: سمعنا أبا أمامة الباهلي رضي الله عنه يقول: سمعت عمرو بن عبسة رضي الله عنه يقول: قلت: (يا رسول الله! كيف الوضوء؟ قال: أما الوضوء فإنك إذا توضأت فغسلت كفيك فأنقيتهما خرجت خطاياك من بين أظفارك وأناملك، فإذا مضمضت واستنشقت منخريك، وغسلت وجهك ويديك إلى المرفقين، ومسحت رأسك، وغسلت رجليك إلى الكعبين اغتسلت من عامة خطاياك، فإن أنت وضعت وجهك لله عز وجل خرجت من خطاياك كيوم ولدتك أمك.قال أبو أمامة: فقلت: يا عمرو بن عبسة! انظر ما تقول، أكل هذا يعطى في مجلس واحد؟ فقال: أما والله لقد كبرت سني، ودنا أجلي، وما بي من فقر فأكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد سمعته أذناي ووعاه قلبي من رسول الله صلى الله عليه وسلم)].ثم أورد النسائي حديث عمرو بن عبسة رضي الله تعالى عنه الذي يروي فيه الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام المتعلق، أو الدال على ثواب من توضأ، وعِظم ثوابه عند الله عز وجل.وعمرو بن عبسة يرويه عن أبي أمامة الباهلي ، وهما صحابيان، فالحديث من رواية صحابي عن صحابي، وعمرو بن عبسة صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوضوء؟ فقال له: (أما الوضوء فإنك إذا غسلت يديك فأنقيتهما خرجت خطاياك من بين أظفارك وأناملك)، يعني: أنه إذا غسلهما عند البدء في الوضوء، فإنه يبدأ بغسل اليدين، وهذا كما هو معلوم وسبق أن مر، وهذا من الأمور المستحبة في الوضوء أنه عندما يبدأ الإنسان بالوضوء يغسل يديه خارج الإناء الذي يتوضأ منه، فإذا غسلهما وأنقاهما أدخل يده اليمنى في الإناء وأخذ -غرف- منها لغسل الأعضاء، فيقول: (إذا غسلت يديك فأنقيتهما خرجت خطاياك من بين أناملك وأظفارك)، يعني: أن المقصود من ذلك الخطايا المتعلقة باليدين فإنها تخرج مع الماء.وهذا الحديث الذي معنا يتفق مع ما جاء في الحديث الذي سبق أن مر عن الصنابحي الذي يدل على فضل الوضوء، ولما يحصل من الأجر والثواب وحط الخطايا عند الوضوء، وهنا يقول: (إذا غسل يديه خرجت الخطايا من بين أنامله وأظفاره)، يعني: الخطايا المتعلقة باليدين، والمقصود من ذلك: الخطايا التي هي صغير والتي تغفر بفعل الطاعات، أما الخطايا الكبيرة التي يجتنيها الإنسان ويقترفها بيديه، ويكتسبها بيديه باجتراحه فيهما، وهي أمور كبيرة كأخذ المال الحرام وغير ذلك مما يحصل عن طريق الأيدي من الكبائر، فإن هذا لا يغفر إلا بالتوبة.ثم قال: إنك إذا تمضمضت واستنشقت، وغسلت وجهك ويديك إلى المرفقين، ومسحت رأسك، وغسلت الرجلين إلى الكعبين، فإنك اغتسلت من عامة خطاياك، أي: غالبها، يعني: أنك نظفت وسلمت منها وطهرت منها كما تحصل النظافة والطهارة لهذه الأعضاء التي قمت بغسلها. قوله: (فإن أنت وضعت وجهك لله عز وجل) يعني: صليت بعدما توضأت، وبعدما حصل لك الطهارة الحسية في غسل هذه الأعضاء، وكنت على طهارة. وقوله: (وضعت وجهك لله) بمعنى أنك صليت لله، سواء كان ذلك فريضة أو نافلة؛ لأن كون الإنسان توضأ وتنفل، أو توضأ وصلى فرضاً فهذا كله فيه وضع الوجه لله عز وجل. قال: (خرجت من خطاياك)، يعني: أنه يخرج نقياً من الذنوب كما ولد، لكن كما أشرت المقصود من ذلك الصغائر، أما الكبائر فإنه لا بد فيها من التوبة، والصغائر هي التي تكفَّر بفعل الطاعات.قوله: (كيوم ولدتك أمك)، يعني: أنه يكون نقياً من الذنوب، لكن المقصود من ذلك الصغائر، والكبائر معها إذا تاب مع فعله هذا، أو أن هذا الفعل قارنه توبة وإقلاع من جميع الذنوب.ومن المعلوم أن التوبة هي التي يتوفر فيها ثلاثة شروط: الأول: أن يقلع الإنسان من الذنب الذي اقترفه، بمعنى: أنه يكف ويمتنع منه. الثاني: أن يندم على فعله الذي مضى؛ لأنه أقلع عنه وكف عنه، لكن الأفعال الماضية قبل الإقلاع يندم عليها ويحزن عليها ويتألم لكونها حصلت منه. الثالث: أن يعزم في المستقبل أن لا يعود إلى ذلك.فهذه هي التوبة النصوح التي إذا حصلت من الإنسان ينتفع بتوبته، وإذا كانت المعصية تتعلق بحقوق آدميين، فإن عليه مع هذه الثلاثة: أن يرد الحقوق إلى أهلها، أو يستبيحهم إذا كانت ليست حقوق تؤدى وتسلَّم لهم، فيتحللهم ويطلب منهم أن يبيحوه، وأن يجعلوه في حل مما حصل منه عليهم من الاعتداء.فهذه هي شروط التوبة التي إذا حصلت من إنسان فإن توبته تنفعه، أما إذا لم تتوفر هذه الشروط، ولم تحصل هذه الشروط، وإنما يقول الإنسان بلسانه مع مخالفة قلبه لذلك، وكونه يحصل منه الامتناع لعدم تمكنه من المعصية، لكنه إذا سنحت له الفرصة انقض على الأمر المحرم وأقدم عليه؛ فهذا إصرار واستمرار.ثم مما ينبغي أن يعلم: أن الصغائر قد تلتحق بالكبائر؛ كما جاء ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار. يعني: أن الصغيرة إذا صحبها إصرار وقلة حياء وقلة مبالاة فإنها تعظم وتضخم حتى تلتحق بالكبائر، وعكس ذلك الكبيرة إذا حصل معها استغفار وندم فإنها تتضاءل وتضمحل وتتلاشى، إذاً الصغيرة مع الإصرار ليست صغيرة، بل تكون كبيرة، والكبيرة مع الاستغفار تتضاءل وتتلاشى حتى تذهب ولا يبقى لها أثر ولا وجود.فالصغائر التي يحصل الإصرار عليها ولا يبالي بها الإنسان، فهذه قد تلتحق بالكبائر؛ لأنه صحبها قلة الحياء من الله، وقلة المبالاة، والإقدام على المعاصي وتكرارها، والإصرار عليها، وأنه متى وجد الفرصة إلى ذلك فعلها، فهذا إصرار، والإصرار على الصغائر يلحقها بالكبائر. وهذا هو معنى كلام ابن عباس: لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار.إذاً: فهذه شروط التوبة الأربعة التي لا بد منها في السلامة من: الكبائر، وأما الصغائر فإنه إذا لم يحصل الإصرار عليها، والتصميم والعزم على عدم العودة إليها، فإنها تكفَّر باجتناب الكبائر، وتكفَّر أيضاً بفعل الطاعات كما جاء في الأحاديث التي مر جملة منها.قوله: [قال أبو أمامة : فقلت: يا عمرو بن عبسة! انظر ما تقول، أكل هذا يعطى في مجلس واحد؟ فقال: أما والله لقد كبرت سني، ودنا أجلي، وما بي من فقر فأكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد سمعته أذناي ووعاه قلبي من رسول الله صلى الله عليه وسلم].هنا أراد أبو أمامة رضي الله عنه أن يستثبت من عمرو بن عبسة ، ليس ذلك اتهاماً، ولكنه أراد أن يستثبت منه، وأن يحصل منه ما يدل أو ما يبين ضبطه وإتقانه لهذا الشيء الذي حدث به عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقال: (يا عمرو بن عبسة ، انظر ماذا تقول، أكل هذا يعطى في مجلس واحد؟) يعني: هذا الكلام الكثير كله يعطى في مجلس واحد؟ انظر ما تقول يا عمرو بن عبسة ، يقول أبو أمامة لـعمرو بن عبسة رضي الله تعالى عنهما، فعند ذلك قال: إنه قد كبرت سنه، ودنا أجله، وأنه قريب من الموت، وقادم على الله عز وجل، ولم يحصل منه شيء يجعله عرضة لسخط الله ومقته وعذابه وعقابه. وبعد ذلك أتى بالكلمات المؤكدة فقال: (سمعته أذناي، ووعاه قلبي من رسول الله صلى الله عليه وسلم)، أي: هذا الكلام الذي قلته قد سمعته أذناي ووعاه قلبي، وهذا فيه الضبط الذي يوضح ويبين أنه قد سمعه، وأن الأذنين قد سمعته من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأن قلبه قد وعاه، وهذا مما يؤكد به الكلام ويدل على ضبط الكلام. وقد قال مثل هذه العبارات أبو شريح الخزاعي رضي الله عنه لـعمرو بن سعيد الأشدق وهو يجهز الجيوش لقتال ابن الزبير لما كان في مكة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وكان والياً للأمويين من الشام، جاءه أبو شريح الخزاعي وقال له: ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك حديثاً قام به الرسول صلى الله عليه وسلم من الغد من يوم الفتح سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي وهو يتكلم به، ثم قال: (إن الله تعالى حرم مكة ولم يحرمها الناس، وإنها حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وأنه لا يقطع شجرها، ولا يصاد صيدها، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها كما كانت بالأمس)، فبين أن القتال في مكة أنه لا يجوز.فالحاصل أن أبا شريح أتى بمثل هذه العبارات التي فيها التأكد، والتي فيها الضبط، والتي هي دالة على ضبط الراوي وإتقانه: سمعته أذناي، ووعاه قلبي. فهذا تأكيد الكلام، وضبط الكلام وإتقانه، وأن صاحبه قد أتقن ما أتى به. تراجم رجال إسناد حديث عمرو بن عبسة في ثواب من توضأ كما أمر قوله: [ أخبرنا عمرو بن منصور ].هو عمرو بن منصور النسائي ، هو نسائي كما أن المؤلف نسائي، وهو ثقة ثبت، وحديثه عند النسائي وحده. [ حدثنا آدم بن أبي إياس ].هو آدم بن أبي إياس أحد الثقات، هو ثقة عابد، وحديثه أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.ولم يخرج له مسلم ولا ابن ماجه، وهو من كبار شيوخ البخاري الذين لم يدركهم النسائي، ولهذا يروي عنه بواسطة؛ لأن آدم بن أبي إياس توفي بعد ولادة النسائي بست سنوات تقريباً، ولهذا يروي عنه بواسطة، فلم يدركه، ولكن البخاري أدركه، فهو من كبار شيوخه، ولهذا يروي عنه كثيراً مباشرة وبدون واسطة، أما النسائي فإنه يروي عنه بالواسطة، فيروي عنه بواسطة شيخه عمرو بن منصور.[حدثنا الليث هو: ابن سعد].كلمة (هو ابن سعد) هذه ما قالها آدم بن أبي إياس الذي هو التلميذ، وإنما قالها من دونه؛ إما عمرو بن منصور، أو النسائي ومن دون النسائي، وإنما قيل: هو؛ لأن هذا القول ممن دون التلميذ؛ لأن التلميذ لا يحتاج أن يقول هو، ينسبه كما يشاء، لو يأتي بنسبه عدة أسطر بيده هذا الشيء؛ لأن هذا الكلام كلامه، لكن إذا التلميذ قال كلمة (الليث) وما زاد عليها شيئاً، فإن من يأتي بعده إذا أراد أن يأتي بما يوضح نسب الليث، يضيف كلمة (هو) أو يقول التلميذ: يعني ابن سعد، فهذه العبارة يأتون بها من أجل أن يعرف بأنها زيدت ممن دون التلميذ؛ لأن التلميذ لا يحتاج إلى أن يقولها، يعني: ينسب كما يشاء ويأتي بالألفاظ التي تتعلق بالشخص من حيث النسب، وهذا الذي ذكره التلميذ هذا يحتاج إلى إضافة هو، وإنما احتاجوا إليها لأنهم لو لم يأتوا بها لكانوا قولوا الشخص ما لم يقل، الذي هو التلميذ؛ فأتوا بعدة ألفاظ وهو ما أتى إلا بلفظ واحد؛ لأنه لو جاءت (حدثنا الليث بن سعد) سنؤمن بأن هذا كلام التلميذ، الذي هو آدم بن أبي إياس، لكن لما جاءت (هو) عرف أن الكلام الذي بعد (هو) ليس من التلميذ، وإنما هو ممن دون التلميذ، أراد أن يبين هذا الشخص الذي ذكر اسمه ولم ينسب فأتى بنسبه، لكن بعد كلمة (هو). وأحياناً يأتي كلمة (يعني)، فهذه يقولها من دون التلميذ، والضمير ضمير مستتر يرجع للتلميذ، يعني: ابن فلان، فلو جاءت كلمة (يعني) في هذا المكان لكان الفاعل لـ (يعني) هو آدم بن أبي إياس، لكن القائل لها من دون آدم بن أبي إياس.والليث بن سعد أحد الثقات الأثبات، وهو محدث فقيه، وهو فقيه مصر ومحدثها، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا معاوية بن صالح].هو معاوية بن صالح بن حدير صدوق له أوهام، وحديثه عند البخاري في جزء القراءة، وعند مسلم وأصحاب السنن الأربعة، ومعاوية بن صالح يروي عن ثلاثة أشخاص وهم: أبو يحيى سليم بن عامر، وضمرة بن حبيب، وأبو طلحة نعيم بن زياد.[أبو يحيى سليم بن عامر].هو أبو يحيى سليم بن عامر، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.[وضمرة بن حبيب].هو ضمرة بن حبيب، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.[وأبو طلحة نعيم بن زياد].هو أبو طلحة نعيم بن زياد ، ثقة يرسل، وحديثه عند أبي داود والنسائي، وهؤلاء الثلاثة شيوخ لـمعاوية بن صالح بن حدير، فروى عنهم هذا الحديث.[قالوا: سمعنا أبا أمامة الباهلي].هو أبو أمامة صدي بن عجلان الباهلي رضي الله عنه، وهو أحد الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.[سمعت عمرو بن عبسة].عمرو بن عبسة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وله ثمانية وأربعون حديثاً، لـمسلم عنده حديث واحد، وخرج له مسلم وأصحاب السنن الأربعة، وليس للبخاري عنده أحاديث.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |