|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الصلاة (كتاب قيام الليل وتطوع النهار) (296) - كتاب قيام الليل وتطوع النهار - باب إحياء الليل - باب الاختلاف على عائشة في إحياء الليل كان النبي صلى الله عليه وسلم من عادته إحياء الليل، فكانت صلاته على حالات متفاوتة، فتارة يقوم أول الليل، وتارة وسطه، وتارة آخره وهي الأكثر، وكان يصلي وينام، ويحب من العمل أدومه وإن قل. إحياء الليل شرح حديث: (إنها صلاة رغب ورهب ...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب إحياء الليل. أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير حدثنا أبي وبقية قالا: حدثنا ابن أبي حمزة حدثني الزهري أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن عبد الله بن خباب بن الأرت عن أبيه رضي الله تعالى عنه -وكان قد شهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم-: (أنه راقب رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة كلها حتى كان مع الفجر، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته جاءه خباب فقال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، لقد صليت الليلة صلاةً ما رأيتك صليت نحوها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل، إنها صلاة رغب ورهب، سألت ربي عز وجل فيها ثلاث خصال فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة؛ سألت ربي عز وجل: أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا فأعطانيها، وسألت ربي عز وجل: أن لا يظهر علينا عدواً من غيرنا فأعطانيها، وسألت ربي أن لا يلبسنا شيعاً فمنعنيها)]. يقول النسائي رحمه الله في هذه الترجمة: باب إحياء الليل، أي: إحياؤه بالصلاة، وذكر الله عز وجل، وقد أورد النسائي فيه حديث خباب بن الأرت رضي الله تعالى عنه، وكان من السابقين الأولين إلى الإسلام، وعُذب في الله، قال: لأرقبن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الليلة، أي: أنه استعد لينظر إلى ما يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم في ليلة من الليالي، (فرآه صلى، ولما فرغ من صلاته جاء إليه وسأله، وقال: إنك صليت صلاةً ما رأيتك صليت نحوها، قال: أجل، إنها صلاة رغبٍ ورهب)، يعني: رغبة إلى الله ورهبة منه، وقال: إنني سألته ثلاثاً، فأعطاني اثنتين، ومنعني الثالثة، سأله ألا يهلك أمته بما أهلك به الأمم قبلها، وألا يظهر عليهم عدواً يستأصلهم، أو يقضي عليهم، أو يتولاهم، وسأله ألا يلبسهم شيعاً، فأعطاه الأولى والثانية، ولم يعطه الثالثة، الأولى أعطاه، بألا يهلك أمته كما أهلك الأمم التي عوجلت بالعذاب في الدنيا، وأهلكت جميعها، فهذه الأمة لا تعذب جميعاً، ولا يهلكها الله عز وجل كما أهلك الأمم قبلها، بل إن الله عز وجل شاء أن تبقى هذه الأمة وأن تستمر، وألا يحصل لها هلاك عام؛ لأن هذه الشريعة عامة شاملة خالدة، فشاء الله تعالى أن تبقى، وشاء أن يبقى أهلها، ولم يشأ أن يهلكهم، كما أهلك الأمم قبلهم، ولهذا لما أوذي عليه الصلاة والسلام في أول الأمر في مكة، وخرج مهموماً مغموماً بعد أن آذاه قومه، خرج إلى الطائف، وأوذي في الطائف، جاءه جبريل وقال: (إن هذا ملك الجبال يستأذنك بأن يطبق عليهم الأخشبين -وهما جبلا مكة-، فقال: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً)، فلم يستعجل، وصبر واحتسب عليه الصلاة والسلام، وتحقق له ما أراده وما رجاه، فإن الله عز وجل فتح مكة له، ودخل أهلها في دين الله، وخرج من أصلابهم أناس يعبدون الله عز وجل، ويحملون هذا الدين الحنيف، الذي جاء به النبي الكريم عليه الصلاة والسلام. وأعطاه الثانية وهي: ألا يظهر عليهم عدواً، بحيث يقضي على المسلمين، وتكون الولاية له على المسلمين، ولا يقام شرع الله عز وجل في الأرض، فجعل الخير باقياً، وجعل من هذه الأمة أمة قائمة على أمر الله، لا يضرها من خذلها، ولا من خالفها، حتى يأتي أمر الله، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: (ولا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله)، فأعطاه هذه الثانية. والثالثة وهي: (ألا يلبسهم شيعاً)، وأن لا يحصل الاختلاف والاقتتال، الذي يكون بين هذه الأمة، فلم يعطه إياها؛ ولهذا وجد بين المسلمين الاختلاف والاقتتال، فالحديث اشتمل على هذه الأمور الثلاثة، وقد بين عليه الصلاة والسلام أنه أعطي اثنتان ومنع الثالثة، والحديث فيه صلاة الليل وقيام الليل، وفيه ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من الحرص على معرفة أحواله وأفعاله، وكون الواحد منهم يرقبه، وينظر ماذا يصنع، مثل ما فعل ابن عباس لما جاء وبات عند خالته ميمونة، لينظر إلى ماذا كان يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم، وهنا خباب عزم على أن ينظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام ماذا يصنع، فوجده صلى هذه الصلاة التي سأله عنها، فأخبره بأنها صلاة رغب ورهب، وأنه سأل الله عز وجل فيها هذه الأمور الثلاثة، فأعطاه اثنتين ومنعه الثالثة، ففيه إحياء الليل، أي: إحياء بعضه بالصلاة. تراجم رجال إسناد حديث: (إنها صلاة رغب ورهب ...) قوله: [أخبرنا: عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير].هو عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [حدثنا أبي]. يروي عن أبيه عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، وهو حمصي مثل ابنه، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، أي: الذين خرجوا له هم الذين خرجوا لابنه، إلا أنه هو ثقة، وابنه صدوق. [وبقية]. صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [حدثنا ابن أبي حمزة]. هو شعيب بن أبي حمزة الحمصي، وهو ثقة، من أثبت الناس في الزهري، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [حدثني الزهري]. هو محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري، إمام، فقيه، ثقة، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل]. وفي نسخة: عبد الله بن عبد الله، وقال الحافظ ابن حجر: إنه شخص واحد، اختلف في اسمه، أحياناً يأتي عبيد الله، وأحياناً يأتي عبد الله، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. [عن عبد الله بن خباب بن الأرت]. هو المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي. [عن أبيه]. هو خباب بن الأرت صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن السابقين الأولين، وممن عذب في الله، وممن شهد بدراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. الاختلاف على عائشة في إحياء الليل شرح حديث: (كان إذا دخلت العشر أحيا رسول الله الليل ...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الاختلاف على عائشة في إحياء الليل. أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد حدثنا سفيان عن أبي يعفور عن مسلم عن مسروق ، قالت عائشة رضي الله عنها: (كان إذا دخلت العشر أحيا رسول الله صلى الله عليه وسلم الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر)]. أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الاختلاف على عائشة، في حديث أو في أحاديث إحياء الليل، أورد فيه النسائي حديث عائشة رضي الله عنها في العشر الأواخر من رمضان، وأنها إذا دخلت (أحيا الليل، وجد وشد المئزر)، ففي هذا أنه يخص الليالي العشر الأخيرة من رمضان بأعمال، وذلك أنه كان يجد فيها ويحيي الليل، وقيل: إن شد المئزر كناية عن عدم إتيان النساء، وقيل: إنه للجد في العبادة والطاعة، وقيل: لهما جميعاً، أي: أنه كان لا يشتغل في حاجة النساء، وكان يجتهد في العبادة في تلك الليالي العشر؛ وذلك لأن الليالي العشر فيها ليلة القدر التي هي: خير من ألف شهر، فكان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها من الشهر، وعائشة رضي الله عنها، تخبر عن حاله عليه الصلاة والسلام، وأنه يحيي الليل، ويجد، ويشد المئزر عليه الصلاة والسلام، وفي هذا إحياء الليل، أو إحياء كثير من الليل. تراجم رجال إسناد حديث: (كان إذا دخلت العشر أحيا رسول الله الليل ...) قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد].هو المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي، وابن ماجه. [حدثنا سفيان]. هو ابن عيينة الهلالي المكي، وهو ثقة، ثبت، فقيه، مكثر من الرواية، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن أبي يعفور]. هو عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن مسلم]. هو ابن صبيح الكوفي، مشهور بكنيته أبي الضحى، يأتي ذكره بها كثيراً، ويأتي ذكره بالاسم كما هنا أتى باسمه غير منسوب، وهو المهمل، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن مسروق]. هو مسروق بن الأجدع، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. هي أم المؤمنين رضي الله عنها، الصديقة بنت الصديق التي حفظت الكثير من السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد، وجابر، وأنس، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عن الجميع، هؤلاء سبعة معروفون بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. شرح حديث: (كان رسول الله ينام أول الليل ويحيي آخره) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك حدثنا يحيى حدثنا زهير عن أبي إسحاق قال: أتيت الأسود بن يزيد، وكان لي أخاً صديقاً فقلت: (يا أبا عمرو! حدثني ما حدثتك به أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: قالت: كان ينام أول الليل، ويحيي آخره)]. أورد النسائي في نفس الترجمة حديث عائشة رضي الله عنها، وهو (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام أول الليل، ويحيي آخره)، وهذا في بعض الأحيان؛ لأننا سبق أن عرفنا أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يروه مصلياً إلا رأوه، ولا أرادوا أن يروه نائماً إلا رأوه، بمعنى: أنه ينام من أول الليل ومن وسطه وآخره، ويصلي من أول الليل ووسطه وآخره، معناه: أنه ليس هناك وقت من الأوقات يكون النبي صلى الله عليه وسلم ثابتاً عليه: مصلياً أو نائماً، بل يصلي من أول الليل ومن وسطه ومن آخره، لكن كثيراً ما يصلي من آخره عليه الصلاة والسلام. وقول عائشة رضي الله عنها: (أنه كان ينام أول الليل، ويحيي آخره)، يعني: أنه في غالب أحواله أو في كثير من أحواله عليه الصلاة والسلام، وإلا فإنه ليس دائماً وأبداً، كما جاء ذلك مبيناً في الأحاديث التي مرت معنا. تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله ينام أول الليل ويحيي آخره) قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك].هو المخرمي، وهو ثقة، أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي. [حدثنا يحيى]. هو يحيى بن سعيد القطان البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا زهير]. هو زهير بن معاوية بن حديج الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أبي إسحاق]. هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، همدان: نسبة عامة، وسبيع: نسبة خاصة؛ لأن سبيعاً بطن من همدان، فينسب نسبةً خاصة غالباً فيقال: أبو إسحاق السبيعي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن الأسود بن يزيد]. هو ابن يزيد النخعي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أبو عمرو الذي قال عنه أبو إسحاق: إنه كان أخاً لي صديقاً، يعني: أخاً في الله، وبينه وبينه صداقة، وأنه سأله عما يعلمه عن صلاة رسول الله، وأن يحدثه بما حدثته به أم المؤمنين، عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ( كان ينام أول الليل، ويحيي آخره )، أي: أن ذلك في أكثر أحواله، وليس ذلك دائماً وأبداً كما عرفنا، وأبو إسحاق أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. والأسود بن يزيد بن قيس أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. وقد مر ذكرها. شرح حديث عائشة: (لا أعلم رسول الله قرأ القرآن كله في ليلة ولا قام ليلة حتى الصباح ...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هارون بن إسحاق حدثنا عبدة بن سليمان عن سعيد عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة رضي الله عنها قالت: (لا أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن كله في ليلة، ولا قام ليلةً حتى الصباح، ولا صام شهراً كاملاً قط غير رمضان)].أورد النسائي حديث عائشة، وهو قطعة أو جزء من حديثها الطويل، الذي سبق أن مر عن سعد بن هشام، وسؤاله إياها، وكان معه حكيم بن أفلح، والحديث طويل سبق أن مر، وهذا جزء منه؛ أتى به هنا من أجل أنها لا تعلم أنه أحيا ليلةً إلى الصباح، معناه: أنه يصلي وينام، ليس إحيائه الليل كله، ولا ينام الليل كله، وإنما يقوم وينام كما أخبر عن هديه عليه الصلاة والسلام لما بلغه أن رجالاً قال واحد منهم: (أنا أصوم الدهر أبداً ولا أفطر، وقال واحد منهم: أنا أصلي الليل فلا أنام، وقال آخر: أنا لا أتزوج النساء، فلما بلغه خبرهم، قال عليه الصلاة والسلام: أما إني أخشاكم لله، وأتقاكم له، أما إني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)، فهديه عليه الصلاة والسلام توسط واعتدال، لا إفراط ولا تفريط، فما كان يقوم الليل كله، وما كان يترك القيام، بل كان يصلي وينام، ويصوم ويفطر، ويتزوج النساء عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. ومحل الشاهد من إيراد الحديث: أنها ما كانت تعلم أنه قام ليلةً حتى الصباح، بل كان يصلي وينام عليه الصلاة والسلام، بعض ليله صلاة، وبعض ليله نوم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وكذلك أيضاً، أخبرتْ بأنه ما قرأ القرآن كله في ليلة، وكذلك ما صام شهراً كاملاً إلا رمضان، ولكن محل الشاهد هو أنه ما صلى ليلةً حتى الصباح. يتبع
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
ومثله: الوَجور والوُجور، الوَجور وهو الذي يوضع في فم المريض؛ يقال له: وَجور، والوضع بالفعل يقال له: وُجور. وكذلك الصَّعوط والصُّعوط الذي يوضع في الأنف، يعني يقال له: صَعود نفس المسحوق أو الشيء الذي يوضع في الأنف، يقال له: صَعوط، ونفس الوضع يقال له: صُعوط، فالطَّهور والطُّهور، والسَّحور والسُّحور، والوَضوء والوُضوء، والوَجور والوُجور، والصَّعوط والصُّعوط، كلها من الألفاظ التي يفرق بين فتح أوله وضمه، فما كان مفتوحاً يراد به العين أو الشيء الذي يستعمل، يعني كما هنا الطَّهور هو الماء؛ يعدون له ماء يتوضأ به إذا قام، وسواكه حتى يتسوك ويستاك عند وضوئه، وعند قيامه من الليل عليه الصلاة والسلام. قالت: [فيبعثه الله عز وجل لما شاء من الليل]، يعني: يقيمه من النوم، يقال له: بعث هنا؛ لأن النوم أخو الموت، والله عز وجل يقول: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [الزمر:42]، يعني: يبعثه مثلما يبعث الأموات، فالموت الذي هو الخروج من هذه الحياة بالبعث، والنشور، كذلك عندما يوقظ الله الإنسان ويجعله يستيقظ يقال له: بعث؛ لأنه مثل ذلك البعث؛ لأن هذا انتهاء تلك النومة أو هذه الموتة، وذاك انتهاء ذلك الموت بخروجه، فأطلق عليه بعث؛ لأنه بعث من نوم، فيبعث الناس من قبورهم فيحيون، بعد أن كانوا أمواتاً، فيحيون عند النفخ في الصور النفخة الثانية، وهنا إذا شاء الله عز وجل أن يبعثه بعثه.ومنه ما جاء في حديث علي رضي الله عنه لما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى علي، وفاطمة وقال: (ألا تقومان فتصليان؟ فقالا: إنما أنفسنا بيد الله، إذا شاء أن يبعثنا بعثنا)، يعني: أنهم ينامون، والله إذا شاء أن يبعثهم من نومهم.. (فالنبي صلى الله عليه وسلم ذهب وهو يضرب يده على فخذه ويقول: وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف:54]).قالت: [فيتسوك ويتوضأ ويصلي ثمان ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، يجلس فيذكر الله عز وجل ويدعو، ثم يسلم تسليماً يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعدما يسلم، ثم يصلي ركعة، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني]. ذكرت له وتر الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ثمان لا يجلس إلا في آخرها، فيجلس ويذكر الله عز وجل، ويسلم تسليماً يسمعهم إياه، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، ثم يقوم ويأتي بركعة، فتلك إحدى عشرة ركعة، فهذا هو وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: صلاته في الليل، والتي آخرها ركعة واحدة توتر تلك الركعات. وقد قال النسائي في آخر الحديث: [ولا أدري ممن الخطأ في بيان موضع وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم]، ومقصوده هذه الجملة؛ لأن الذي جاء في الأحاديث الصحيحة أن النبي عليه الصلاة والسلام يصلي ثماني ركعات، كما جاء في بعض الروايات، ثم يجلس يذكر الله عز وجل، ثم يقوم ولا يسلم، ثم يأتي بركعة، ثم يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس، فهذه إحدى عشر ركعة؛ تسع كانت متصلة، وهو قائم فيها، وركعتين وهو جالس، فالخطأ الذي أشار إليه كون الركعتين التي صلاهما وهو جالس، كانتا قبل الوتر، وإنما المحفوظ والمعروف أنهما بعد الوتر. وتر النبي عندما كبر في السن أو أصابه طارئ منعه منه قالت: [فلما أسن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ اللحم أوتر بسبع وصلى ركعتين وهو جالس بعدما سلم، فتلك تسع ركعات يا بني].يعني: أنه لما أسن، وتقدمت به السن عليه الصلاة والسلام، صلى سبعاً، أي: وتراً، ثم صلى ركعتين وهو جالس، وهذا ليس فيه خطأ؛ لأن الركعتين وهو جالس جاءت بعد الوتر، وإنما الخطأ في الجملة التي تقدمت؛ وهي أن الركعتين التي صلاهما وهو جالس قبل أن يأتي بركعة الوتر، وهذا أقل ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام؛ أنه أوتر بسبع، هذا أقل شيء حصل منه، وأكثر شيء جاء عنه أنه صلى ثلاث عشرة ركعة. قوله: [وكان عليه الصلاة والسلام إذا صلى صلاة أحب أن يدوم عليها]، يعني: أنه يداوم على الصلاة التي يصليها، فكان يصلي إحدى عشرة ركعة، ولكنه لما كبر صلى سبعاً، وكان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه يداوم على الشيء، وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام: (أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل). وقول عائشة رضي الله عنها: [وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا شغله عن قيام الليل نوم أو مرض أو وجع صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة]، هذا يدلنا على أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يداوم على صلاة الليل، ويداوم على قيام الليل، وأنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة، وكان يداوم على ذلك، وكان من هديه أنه إذا عمل عملاً داوم عليه عليه الصلاة والسلام، وإذا شغله شاغل عن قيام الليل من نوم أو وجع أو مرض، فإنه يصلي من النهار اثنتي عشرة ركعة؛ قضاءً، أي: يقضي الإحدى عشرة ركعة، ولكنه لا يصليها إحدى عشرة كما كانت، فيصلي الوتر في النهار، وإنما يصلي مقدار تلك الركعات وزيادة ركعة، حتى يكون أتى بالمطلوب وزيادة، وحتى لا يكون أتى بالوتر في النهار. وهذا يدلنا على أن الإنسان إذا نسي وتره، أو نام عن وتره، أو شغله شاغل عن وتره، ولم يذكره حتى طلع الفجر، فإنه يقضيه في النهار ويزيد إليه ركعة، فإن كان من عادته أنه يصلي ثلاث ركعات، فإنه يصلي أربعاً، وإن كان من عادته أن يصلي خمس ركعات، فيصلي ستاً، وإن كان من عادته أن يصلي سبعاً، فيصلي ثمان ركعات في النهار، وإن كان من عادته أن يصلي تسعاً، فيصلي عشراً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان من عادته أنه يصلي إحدى عشرة ركعة، فكان يصلي اثنتا عشرة ركعة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وهذا يدلنا على أن الراتبة الفائتة تقضى إذا فاتت؛ لأن قضاءها فيه ملازمة لها، بخلاف ما لو فاتت وتركها ولم يقضها، فإنه قد يجر إلى تساهل، لكن إذا فاتته يقضيها، ومعناه: أنه مداوم عليها، وملازم لها، ولو فاتته ما يتخلى عنها، بل يقضيها. ومثل ذلك الرواتب التي قبل الصلوات وبعد الصلوات، إذا حرص على أدائها في وقتها، وإذا فاتته أو انشغل عنها، فإنه يقضيها، لا شك أن هذا هو الأولى، وهو الأكمل، وليس بلازم، لكن هذا هو الأولى وهو الأفضل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقضي صلاة الليل إذا فاتته، أو إذا شغل عنها؛ بأن يصلي من النهار اثنتا عشرة ركعة، وكان عليه الصلاة والسلام شغل عن ركعتي الظهر اللتين بعد الظهر فقضاها بعد العصر، وكان يداوم على ذلك، ولكنه لما سئل: هل نقضيهما إذا فاتتنا؟ يعني بعد العصر. قال عليه الصلاة والسلام: لا. فدل هذا على أن هذا من خصائصه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. كيفية عبادة النبي صلى الله عليه وسلم قوله: [ولا أعلم أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن كله في ليلة] يعني: إنما كان عليه الصلاة والسلام ينام ويقوم، ولا يكون ليله كله قيام، وليس كله نوم، بل قيام ونوم، كان يقوم وينام، فلا يصلي الليل كله، ولا يترك الصلاة مطلقاً، بل يصلي وينام، وهذا هديه عليه الصلاة والسلام، ولهذا لما بلغه أن جماعة من أصحابه واحد منهم قال: أنا أصوم الدهر أبداً، وواحد قال: أنا أقوم الليل، وواحد قال: لا أتزوج النساء، فبلغه ذلك، وقال عليه الصلاة والسلام: (إنه بلغني كذا وكذا، أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له، أما إني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)، فكان عليه الصلاة والسلام يحصل منه العمل والاستراحة، ولم يكن يصلي الليل كله، ولا يصوم باستمرار ويواصل الصيام، وإنما كان يصوم ويفطر، ويصلي وينام، ويتزوج النساء، هذا هديه عليه الصلاة والسلام، فكان لا يقرأ القرآن في ليلة عليه الصلاة والسلام.قوله: [ولا قام ليلة كاملة حتى الصباح]، يعني: أنه يحصل منه صلاة، ويحصل منه نوم، فليس كل ليله صلاة، وليس كل ليله نوم، بل ليس كل ليله صلاة، وليس كل نهاره صوم، بل يصلي وينام، ويصوم ويفطر عليه الصلاة والسلام، فما قام ليلة حتى الصباح؛ يعني: أنه يصلي وينام، يجمع بين هذا وهذا. قوله: [وما صام شهراً كاملاً إلا رمضان]، يعني: أنه ما كان يصوم شهراً كاملاً إلا رمضان، وكان أكثر ما كان يصوم في شعبان، وكذلك في المحرم، فأكثر صومه في ذلك، ولكن لم يكن يصوم الشهر كله، بل جاء عنه أو عن بعض الصحابة: ( أنه كان يصوم حتى يقولون: لا يفطر، ويفطر حتى يقولون: لا يصوم )، فمعناه أنه أحياناً يكثر الصيام من الشهر، وأحياناً يقل الصيام من الشهر، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. قوله: [فأتيت ابن عباس فحدثته بحديثها فقال: صدقت، أما أني لو كنت أدخل عليها لأتيتها حتى تشافهني مشافهة]. إن ابن عباس لما سأله سعد بن هشام، ودله على عائشة، طلب منه أن يعود إليه ويخبره بجوابها له، ولما رجع إليه وأخبره وقص عليه الحديث الذي سمعه منها، قال: [صدقت، ولو كنت أدخل عليها لذهبت إليها وسمعته منها مشافهة]؛ ولعل كونه لا يدخل عليها، لكونه حصل بينه وبينها شيء، يعني: أغضبها عليه، وإلا فإن سعد بن هشام الذي ذهب إليها، وسمع منها مشافهة، مثله ابن عباس لو لم يكن هناك شيء يحول بينه وبين الذهاب إليها، ولعله صار في نفسها عليه شيء لأمر أغضبها عليه، فكان لا يذهب إليها لسبب ذلك، ويحصل أحياناً من بعض الصحابة أن يحصل بعض الكلمات التي تجعل البعض يتألم منها، وأذكر من الأمثلة: أن ابن الزبير رضي الله تعالى عنه، كانت عائشة رضي الله عنها تنفق كثيراً، ولا يبقى في يدها شيء، فقال كلمة آلمتها وغضبت عليه، ومنعته من أن يأتي إليها، قال عنها: تستحق أن يحجر عليها، فغضبت عليه غضباً شديداً، كونه يقول هذه الكلمة، فيمكن أن يكون ابن عباس حصل بينه وبينها شيء مثل هذا الكلام، أو ما إلى ذلك، فصار لا يذهب إليها، ولكن مع وجود ما يحصل بينهم من الشيء الذي قد يمنع من الذهاب في بعض الأحيان، ما كانوا يتقاطعون أو في قلوبهم شيء، بل ابن عباس لما جاءه سعد دله عليها، وقال: ألا أدلك على أعلم أهل الأرض؟ أم المؤمنين عائشة، اذهب إليها، ثم طلب منه أن يعود ويخبره بالحديث الذي تحدثه به، رضي الله تعالى عن عائشة، وعن ابن عباس وعن الصحابة أجمعين. أما قول أبي عبد الرحمن: (لا أدري ممن الخطأ في موضع وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟) فإنه سبقت الإشارة إليه عند بيان أو عند ذكر قيامه الليل، وأنه لما ذكرت له الحديث، قالت: (إنه يقوم ثمان ركعات لا يجلس في شيء إلا في آخرها، ثم يجلس يذكر الله تعالى ويثني عليه، ثم يسلم تسليماً يسمعنا إياه، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، ثم يسلم، ثم يقوم ويأتي بركعة)، هذا الذي جاء عند النسائي، وعند مسلم بيان الوتر أنه قبل الركعتين التي وهو جالس، يعني نفس الحديث موجود عند مسلم، إلا أن فيه بيان موضع الوتر، وأنه قبل الركعتين؛ الركعتين كانت في الآخر وليست في الأول. فإذاً: موضع الوتر هل هو قبل الركعتين وهو جالس أو بعدها؟ عند النسائي جاء أن الركعتين قبل، والوتر جاء بعدها، وعند مسلم أنه أتى بالوتر ثم أتى بالركعتين وهو جالس. قال النسائي: وجدت في كتابي هكذا، يعني: أن الركعتين وهو جالس كانتا قبل ركعة الوتر التي هي الأخيرة، وفي بعض الأحاديث: أنه كان بعدها، وهذا هو المحفوظ والمشهور، فقال: إن هذا خطأ، والموجود ما أدري ممن الخطأ؟ يعني من أي الرواة حصل الخطأ في بيان موضع وتره؟ هل هو قبل الركعتين وهو جالس أو بعده؟ لأنه هنا الخطأ في كون الركعتين قبل الوتر، ولهذا فيما يتعلق بالسبع الركعات صار الوتر قبلها، يعني عند النسائي نفسه في الحديث هذا: أن الركعتين وهو جالس كانتا بعد الركعة التي هي الوتر، صلى سبعاً، ثم صلى بعدها ركعتين وهو جالس، يعني صلى الوتر ثم أتى بالركعتين وهو جالس، فـالنسائي رحمه الله تعالى قال: وجدت في كتابي هكذا، ولا أدري ممن الخطأ في بيان موضع وتره عليه الصلاة والسلام؟ التي هي في الركعة الأخيرة. تراجم رجال إسناد حديث: (... فقام نبي الله وأصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم ...) قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].هو الملقب بندار البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة. [حدثني يحيى بن سعيد]. هو القطان البصري، ثقة، ثبت، ناقد، متكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن سعيد]. هو ابن أبي عروبة، وهو ثقة، ثبت، كثير التدليس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن قتادة]. هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن زرارة]. هو زرارة بن أوفى، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقال الحافظ: إنه مات فجأة في الصلاة، وقد ذكر ابن كثير في تفسير قول الله عز وجل: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ [المدثر:8-9]، قال: إن زرارة بن أوفى وكان أميراً كان يصلي بالناس الفجر، فقرأ المدثر، ولما جاء عند هذه الآية بكى وشهق ثم وقع ثم مات. يعني: مات وهو يصلي بالناس وهو يقرأ سورة المدثر.[عن سعد بن هشام]. ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. رضي الله تعالى عنها أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق، التي حفظ الله تعالى بها الكثير من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولاسيما الأمور التي تتعلق بالبيوت، وهي واحدة من سبعة أشخاص من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وأبو سعيد الخدري، وأم المؤمنين عائشة، وقد جمعهم السيوطي في الألفية بقوله: والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي فالبحر هو ابن عباس، وزوجة النبي هي عائشة رضي الله عنها وأرضاها.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الصلاة (كتاب قيام الليل وتطوع النهار) (292) - كتاب قيام الليل وتطوع النهار - باب ثواب من قام رمضان إيماناً واحتساباً - باب قيام شهر رمضان من حكمة الله عز وجل أنه فضل بعض العبادات في أزمنة وأوقات معينة، ومن ذلك قيام الليل، فمع أنه مستحب طوال أيام السنة؛ إلا أن لقيام رمضان مزية خاصة؛ إذ من قامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، وقد أمّ النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه في المسجد في بعض أيام العشر الأواخر ثم ترك خشية أن يفرض ذلك على الأمة، وهذا من رحمته بأمته صلى الله عليه وسلم. ثواب من قام رمضان إيماناً واحتساباً شرح حديث: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ثواب من قام رمضان إيماناً واحتساباً.أخبرنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)]. أورد النسائي هذه الترجمة وهي: ثواب من قام رمضان، والمقصود من هذه الترجمة: بيان الأجر، أو المثوبة التي يثيب الله بها من يقوم رمضان إيماناً واحتساباً، وقد جاء في الحديث أن هذا الثواب هو مغفرة ما تقدم من ذنبه، يعني: ثوابه أن يغفر له ما تقدم من ذنبه. وقد أورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، فثوابه أنه يغفر له ما تقدم من ذنبه، وذكر هنا (قيام رمضان) ففيه ثواب من قام رمضان في قيام الليل؛ لأن قيام الليل يكون مطلقاً في جميع أيام السنة، الصلاة في رمضان وفي غير رمضان كلها يقال لها: قيام ليل، لكن هذا يتعلق بقيام رمضان، ليس في قيام السنة كلها، وإنما الحديث يتعلق بقيام رمضان، وهو جزء من السنة، ولكن فيه ثواب خاص، وأجر خاص، وهو أن (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه). وهذا حديث أبي هريرة: (من قام رمضان)، لكن هذا القيام يكون مشتمل على أمرين: أن يكون إيماناً، وأن يكون احتساباً، يعني: إيماناً، تصديقاً، اعترافاً، أو إيماناً بأنه من خير الأعمال، وأنه أفضل الأعمال وليس فرضاً، ولكنه من أعظم القربات عند الله عز وجل، ومن خير القربات عند الله سبحانه وتعالى، وتصديقاً بوعد الله، واحتساباً، أي: ابتغاء وجه الله، أي: ما كان دفعه إلى ذلك رياء، وإنما يريد الثواب من الله وحده، ويريد التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، فالقيام الذي هذا ثوابه أن يكون مقيداً بهذين القيدين: أن يكون إيماناً، يقومه إيماناً واحتساباً، وثوابه أن يغفر له ما تقدم من ذنبه. تراجم رجال إسناد حديث: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) قوله: [أخبرنا قتيبة عن مالك]. هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو معمَّر من المعمرين، ولهذا أدرك مالكاً وروى عنه، ومالك توفي سنة مائة وتسع وسبعين، وقتيبة توفي سنة مائتين وأربعين وعمره تسعون سنة، أي: أنه لما توفي مالك عمره تسع وعشرون سنة، وقد عاش بعد مالك مدة طويلة، حيث كانت وفاته سنة مائتين وأربعين، ولهذا أدرك المتقدمين، وهذا هو السبب الذي يجعل بعض الرواة يكون من طبقة، ثم يدرك أكثر من طبقة، الطبقات الاثني عشر التي ذكرها ابن حجر، يعني أحياناً يعني يكون الشخص قد عُمِّر، فيكون أدرك عدة طبقات، مثل الأحاديث الثلاثية التي عند البخاري، ثلاثة أشخاص بين البخاري وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن الطبقات تكون اثنا عشر، لكن تتداخل بسبب كون الإنسان يصير معمَّر، فيدرك من لم يدرك غيره، فيكون مثلاً شخص في الطبقة العاشرة يروي عن شخص في الطبقة السابعة، أو في الطبقة الثامنة، فيكون فيه طبقتين أو ثلاث، أي راحت بسبب طول العمر الذي حصل للراوي، فـقتيبة روى عن أبي الأحوص سلام بن سليم، وقد توفي سنة مائة وتسع وسبعين، وعن مالك، وقد توفي أيضاً سنة مائة وتسع وسبعين، فـقتيبة أدرك المتقدمين؛ لأنه قد عُمِّر. [عن مالك]. هو مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وقد ذكرت مراراً وتكراراً في مناسبات عديدة: أن معنى كون أنه وجد أربعة مذاهب من مذاهب أهل السنة، لا يعني أنه لا يوجد أئمة لهم أقوال، ولهم اجتهادات سوى هؤلاء، بل غيرهم كثير قبلهم وفي زمنهم وبعدهم وقبلهم، فقبلهم من التابعين الذين عرفوا بالفقه، وفيهم الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، وكذلك في زمانهم، مثل: الليث بن سعد، ومثل: الأوزاعي، ومثل: الثوري، كل هؤلاء أناس عرفوا بالفقه والاجتهاد، لكن هؤلاء الأربعة صار لهم أتباع عنوا بفقههم، بتنظيمه وجمعه وترتيبه، والتأليف فيه، وشرحه وما إلى ذلك، فاشتهرت هذه المذاهب الأربعة، وإلا فإنه لا يعني أن غيرهم ليس كذلك، بل فيه علماء مثلهم في زمانهم وقبل زمانهم، وبعيد زمانهم مجتهدون. من المعلوم أن كل واحد من الأئمة الأربعة، وغيرهم من أئمة المسلمين، يحترمون ويقدرون، ويثنى عليهم، ويترحم عليهم، ويدعى لهم، ويستفاد من علمهم، لكن إذا وجد الدليل عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن الأخذ به متعين، وفي الأخذ به أخذ بوصاياهم؛ لأن كل واحد منهم أوصى بأنه إذا وجد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف قوله، فإنه يترك قوله ويصار إلى حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهذا فيه اتباع للدليل، وفيه أخذ بوصاياهم هم أنفسهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، حيث أوصى كلاً منهم، بأنه يصار إلى الدليل، وقد نقل الشافعي رحمة الله عليه، الإجماع فقال: (أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس له أن يدعها لقول أحد كائناً من كان)، فالإجماع على أن السنة تقدم على كل شيء، إذا ثبتت فيتعين الأخذ بها، ولا يقدم عليها قول أحد كائناً من كان. فالإنسان يكون فيهم معتدلاً، لا يغلو ولا يجفو، لا يغلو يقول: أن أقوالهم هي الصواب، أو قول واحد منهم هو الصواب، ومذهبه هو المذهب الحق، وقوله هو المقدم على غيره، ولا يجفى بأن يقال: لا نرجع إلى فقههم، ولا إلى كلامهم، ولا إلى ما كتب عنهم، كلا هذين الطرفين مذمومان: الغلو والجفاء، والإفراط والتفريط، والحق هو الاعتدال والتوسط، فيثنى عليهم، ويحترمون ويقدرون، ويرجع إلى كلامهم ويستفاد من علمهم، لكن إذا وجد الدليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الأخذ به هو المتعين، وقد ضرب لذلك ابن القيم رحمه الله مثلاً، في آخر كتاب الروح، فقال بعد أن ذكر إنه يثنى عليهم، ويستفاد من علمهم، ويرجع إلى كلامهم، قال: لكن إذا وجد الدليل فإنه يصار إليه، وقال: مثلهم مثل النجم، فإن الإنسان يهتدي به إلى القبلة، حيث لا يكون عارفاً بالقبلة، لكنه إذا وصل إلى القبلة وصار تحت الكعبة، فإنه لا يبحث عن الكعبة عن طريق النجوم؛ لأن الكعبة أمامه، فكذلك الإنسان إذا ما ظهر له الدليل، وما عرف الدليل، يرجع إلى كلام الفقهاء، وإلى كلام العلماء، لكن إذا وقف على الدليل، ليس لأحد قول مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يقول: إنهم مثل النجوم يهتدى بهم إلى القبلة، حيث لا يعرف الإنسان القبلة ولا جهة القبلة، لكن إذا وصل إلى القبلة وصارت الكعبة أمامه، لا يحتاج أن يبحث في السماء عن القبلة، القبلة أمامه، فكذلك عندما يشكل الحق في المسألة يبحث، يرجع إلى كلام الفقهاء، ويعرض مآخذهم، وأدلتهم، وتعليلاتهم، واستنباطاتهم، وما عندهم من الأدلة، فإذا وجد الدليل فإنه يصير إليه. والإمام مالك رحمة الله عليه حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن ابن شهاب]. هو الزهري، محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري، ينسب إلى جده شهاب، وإلى جده زهرة بن كلاب، مشهور بنسبتين: بنسبته إلى زهرة بن كلاب فيقال: الزهري، وإلى جده شهاب الذي هو جد جده، فيقال له: ابن شهاب، وهو ثقة، إمام، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن حميد بن عبد الرحمن]. هو حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة]. رضي الله تعالى عنه، وهو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق، أكثر أصحابه حديثاً عنه عليه الصلاة والسلام. حديث: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً ...) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن إسماعيل أبو بكر حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء حدثنا جويرية عن مالك قال الزهري: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وحميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)].أورد حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو بمعنى اللفظ السابق أو بمثل اللفظ السابق، (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، فهو مشتمل على ما ترجم له المصنف، مثل الذي قبله تماماً، المتن واحد، ولكن السياق والطريق يختلف. قوله: [أخبرنا محمد بن إسماعيل أبو بكر]. هو الطبراني، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده. [حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء]. هو ابن عبيد الضبعي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. [حدثنا جويرية بن أسماء الضبعي]. صدوق، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وذكرت في درس مضى: أن جويرية بن أسماء اسمه واسم أبيه متفق مع أسماء النساء؛ لأن جويرية من أسماء النساء، وأسماء من أسماء النساء، وهذا اسمه واسم أبيه متفق مع أسماء النساء، جويرية بن أسماء. [عن مالك قال الزهري]. وقد مر ذكرهما. [أخبرني أبو سلمة وحميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة]. وقد مر ذكرهم إلا أبا سلمة، فإن أبا سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف، أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع منهم، قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. قيام شهر رمضان شرح حديث: (أن رسول الله صلى في المسجد ذات ليلة وصلى بصلاته ناس ...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قيام شهر رمضان.أخبرنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة، وصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، وكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت إن يفرض عليكم، وذلك في رمضان)]. أورد النسائي هذه الترجمة وهي: قيام رمضان، أي: مشروعيته واستحبابه، وقد أورد النسائي فيه حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وأن النبي عليه الصلاة والسلام قام ليلة في رمضان، فجاء أناس وصلوا معه، ثم في الليلة الثانية والثالثة، ثم بقي في بيته بعد ذلك ولم يخرج، وكانوا ينتظرونه، وقد مر في بعض الروايات من حديث عائشة: أن بعضهم كان يتنحنح، يعني: يريدون أن ينبهوه إذا كان نائماً؛ حتى يخرج فيصلي بهم، فالرسول صلى الله عليه وسلم أخبرهم وقال: (إنني علمت مكانكم، ولم يمنعني إلا أنني خشيت أن يفترض عليكم، وذلك في رمضان)، بين لهم أن هذا إنما حصل في رمضان، فخشي أن يفترض عليهم قيام رمضان. والحديث قد مر فيما مضى، قلنا فيه: أن صلاة التراويح إنها سنة، وأنها تشرع جماعة، والرسول صلى الله عليه وسلم فعلها، ولكنه خشي أن تفترض فتركها، ولما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب زمن التشريع، ولم يكن هناك فرض وإيجاب بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الشريعة استقرت بوفاته عليه الصلاة والسلام، والمحذور الذي كان يخشاه النبي صلى الله عليه وسلم زال بوفاته، وفي زمن عمر رضي الله عنه، جمع الناس على صلاة التراويح، فدل هذا على أن صلاة التراويح سنة، وأنها مستحبة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعلها أياماً، ولكنه تركها خشية أن تفترض على أمته، وهذا من شفقته على أمته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. يتبع
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله صلى في المسجد ذات ليلة وصلى بصلاته ناس ...) قوله: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب]. وقد مر ذكرهم. [عن عروة]. هو ابن الزبير بن العوام، أحد الفقهاء السبعة المعروفين في المدينة في عصر التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وقد مر ذكرها. شرح حديث: (صمنا مع رسول الله في رمضان فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل الأول) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا محمد بن الفضيل عن داود بن أبي هند عن الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نفير عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: (صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة، فقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله، لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه، قال: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة، ثم لم يصل بنا، ولم يقم حتى بقي ثلاث من الشهر، فقام بنا في الثالثة، وجمع أهله ونساءه حتى تخوفنا أن يفوتنا الفلاح، قلت: وما الفلاح؟ قال: السحور)].أورد النسائي حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه، وأنه قال: (صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما بقي سبع من الشهر قام وصلى)، وصلى الناس بصلاته، ثم لم يصل في الليلة السادسة الباقية، أو في الليلة السادسة، أي: السادسة من ما بقي، (ثم صلى في الليلة الخامسة)، ثم لم يقم بعدها بليلة، ثم عندما بقي الليلة الرابعة، قام وصلى بهم (وجمع أهله ونساءه حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح) وهو السحور، يعني: معناه أنه يطيل إلى الفجر وأنهم ما يتسحرون، فقال يعني: (لو نفلتنا بقية ليلتنا)، يعني: قال أبو ذر: فقلت: (لو نفلتنا بقية ليلتنا)، يعني: لو أنك أكملت الليلة بنا مصلياً، فقال عليه الصلاة والسلام: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة)، يعني: معناه الذي تريدونه هو حاصل، الذي تريدونه من الأجر هو حاصل بأنكم قمتم معي حتى انصرفت، (ومن قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة)، وهذا يدل على أن الإنسان عندما يصلي التراويح في رمضان، فإنه يستمر مع الإمام حتى ينتهي من صلاته، مهما صلى من الركعات، إن كان يصلي إحدى عشر، يستمر معه حتى يصلي إحدى عشر، وإن كان يصلي إحدى وعشرين، يستمر معه حتى يصلي إحدى وعشرين، وإن كان يصلي ثلاثين، يستمر معه حتى يصلي ثلاثين؛ لأن قوله عليه الصلاة والسلام: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة)، يعني: معناه أن هذا الأجر يحصل لمن استمر مع الإمام حتى انصرافه، والمراد بانصراف الإمام: انتهاء الصلاة التي جمع الناس لها، أو التي فيها التجميع. وبعض الناس يفهم خطأ، فيما إذا كان هناك إمامان يتناوبان، واحد يصلي مقدار من الركعات، واحد يصلي خمس، والثاني يصلي خمس فيصلي مع الإمام الأول الخمس، ثم يقول: إنه قام مع الإمام حتى انصرف، الإمام الأول ما انصرف، وإنما تحول من كونه إمام، إلى كونه مأموم، وهو باق في الصف، لكن يعقبه أحد في القراءة يعني وينوب عنه بحيث يصلي بقية الصلوات ويقرأ مكانه، فلا يقال: إن الإمام انصرف، وإنما المقصود بالانصراف هو انصراف الناس، وانتهاء الصلاة التي يصلونها، هذا هو الانصراف، ما هو انصراف إمام كان يصلي ثم تأخر، وصار واحد يعقبه. الحاصل: أن قيام رمضان، وكذلك قيام الليل مطلقاً، ليس فيه حد محدود ثابت لا يتغير ولا يتبدل، الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يزيد على إحدى عشر، لكنه ما منع الزيادة على إحدى عشر، وقال: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح أتى بركعة توتر ما مضى)، معناه الأمر في ذلك واسع، لكن لا شك أن الأولى هو الصلاة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن إذا ما فعل الأولى، وصلي صلاة يعني سائغة جائزة في التراويح، وهي أكثر من إحدى عشر، فإن الذي ينبغي للإنسان أن يستمر مع الإمام حتى ينصرف، ولو كان أنه يرى أن الأفضل هو إحدى عشر، حتى يحصل هذا الأجر الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة). تراجم رجال إسناد حديث أبي ذر: (صمنا مع رسول الله في رمضان فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل الأول) قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].هو أبو قدامة السرخسي، وهو ثقة، مأمون سني، قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة، مأمون، سني. وقال: سني لأنه أظهر السنة في بلده، أظهر السنة ونشرها في بلده فقيل له: سني لهذا، وحديثه أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي. [حدثنا محمد بن فضيل]. هو محمد بن فضيل بن غزوان الكوفي، وهو صدوق رمي بالتشيع، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، رمي بالتشيع، لكن نقل الحافظ ابن حجر عنه في ترجمته في مقدمة الفتح، نقل عن بعض العلماء بإسناده إليه، أنه قال كلمة تدل على سلامته من ما نسب إليه، وأنه على طريقة أهل السنة، وليس على طريقة الرافضة أو الشيعة، وذلك أنه قال: رحم الله عثمان ولا رحم الله من لا يترحم عليه. وهذا كلام لا يقوله من خذل بأن يترحم على عثمان، بل هذا شأن أهل السنة، وأهل الإنصاف، وأهل التوفيق، أنهم يترحمون على خيار الأمة، وعلى سادات الأئمة، وعلى أئمة الأئمة، الخلفاء الراشدون الهادون المهديون الذين هم أفضل هذه الأمة التي هي أفضل الأمم وخير الأمم، فكونه يترحم على عثمان، ويدعو على من لا يترحم على عثمان، بأن لا يرحمه الله.. رحم الله عثمان ولا رحم الله من لا يترحم عليه، يدعو له، ويدعو على من لا يدعو له، هذا من أهل السنة. فإذاً: ما نسب إليه من التشيع لا يضره، وقد يكون ذلك التشيع الذي نسب إليه من قبيل ما لا يضر، مثل تقديم علي على عثمان في الفضل وليس في الخلافة؛ لأن تقديم علي على عثمان في الفضل، هذه من المسائل التي لا يبدع من يقول بها، وإنما الذي يبدع من يقول بها: أنه أولى منه بالخلافة؛ لأن الصحابة اتفقوا على تقديم عثمان على علي، فمن رأى أنه أولى منه فقد اعترض على فعل الصحابة، وخالف طريقة الصحابة. أما مسألة الفضل، وكون علي أفضل، فهذا قول قال به بعض أهل السنة، وإن كان جمهور أهل السنة على خلافه، بل جمهور أهل السنة على أن تقديمهم في الفضل كتقديمهم في الخلافة، وقد جاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنهم كانوا يفضلونه ويخيرونه، حيث يقولون: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، فيبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينكره، يقولون: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، وينصون على أن عثمان هو الثالث في الفضل، كانوا يخيرون فيقولون: فلان خير ثم فلان ثم فلان ثم فلان، فأهل السنة والمشهور عند أهل السنة أن عثمان أفضل من علي، لكن بعض أهل السنة مثل: عبد الرحمن بن أبي حاتم، ومثل: الأعمش، ومثل: ابن جرير يعني يقولون بتفضيل علي على عثمان، ومثل: هذا لا يضر صاحبه، ولا يبدع صاحبه؛ لأنه وإن كان أفضل منه على قول هؤلاء، فإنهم لا يقولون بأنه أولى منه بالخلافة؛ لأنه قد يقدم المفضول مع وجود الفاضل على رأي هؤلاء، يعني ليس معناه أنه إذا قدم مفضول على فاضل، معناه أنه يصير أولى منه، وأنه يعني يعترض على الصحابة، لا، ما يعترضون على الصحابة، ولا يقولون: بأنه أولى منه بالخلافة هؤلاء، وإنما يقولون: أفضل منه، لكن قد يقدم المفضول مع وجود الفاضل؛ لأن الولاية يعني يولى فيها من يكون أصلح، ولا يلزم أن يولى من يكون خير، ومن يكون أفضل في العبادة، وأفضل في الدين؛ فإنه إذا كان البعض أفضل في التدبير، وفي الأمور التي يحتاج فيها في الولاية، فإنه تراعى المصلحة في ذلك، فتقديم علي على عثمان في الفضل عند هؤلاء، لا يعني أنه أولى منه بالخلافة؛ لأنه معلوم أنه قد يقدم المفضول مع وجود الفاضل. ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم، أمر عمرو بن العاص في جيش فيه أبو بكر، وعمر ولا يعني أن عمرو أفضل من أبي بكر، وعمر، ولما أمره فرح وظن أن هذا التأمير له تفضيل، فقال: (من أحب الناس إليك؟ قال: أبو بكر )، يعني ليس معناه أنه لما أمره أنه صار له ميزة على غيره، فقد يؤمر المفضول، مع وجود الفاضل، وأسامة بن زيد لما أمره الرسول صلى الله عليه وسلم في الجيش الذي جهزه، وأمره وهو صغير، لا يعني ذلك أنه أفضل من غيره، وإنما لأمر اقتضى ذلك، فقد يولى المفضول مع وجود الفاضل. إذاً: ما جاء عن بعض السلف مثل: عبد الرحمن بن أبي حاتم، ومثل: الأعمش، ومثل: ابن جرير، وغيرهم من أن علياً أفضل من عثمان، هذا قول قال به بعض السلف، ولا يضر صاحبه شيئاً، ولا يؤثر في الرواية، فلعل محمد بن فضيل تشيعه من هذا القبيل، هذا التشيع الذي نسب إليه من هذا القبيل، وقد قال هذه الكلمة التي تدل على سلامته من البدعة، ومن سلوك مسالك أهل البدعة، قال: رحم الله عثمان ولا رحم الله من لا يترحم عليه. يدعو له ويدعو على من لا يدعو له؛ لأن (لا رحم الله) دعاء عليه، دعاء على من لم يترحم على عثمان، رحم الله عثمان ولا رحم الله من لا يترحم على عثمان، ونحن نقول كما قال محمد بن فضيل: رحم الله عثمان ولا رحم الله من لا يترحم على عثمان. رضي الله عن عثمان ولا رضي الله عمن لا يترضى عن عثمان. [عن داود بن أبي هند]. ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [عن الوليد بن عبد الرحمن]. هو الوليد بن عبد الرحمن الحمصي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [عن جبير بن نفير]. هو جبير بن نفير الحمصي، وهو ثقة، جليل، مخضرم، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. والمخضرمون هم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم: جبير بن نفير هذا، ومنهم: سويد بن غفلة، ومنهم: عبد الرحمن الصنابحي، ومنهم: أبو وائل شقيق بن سلمة، جماعة وصفوا بأنهم مخضرمون، أي: أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يروا النبي عليه الصلاة والسلام. [عن أبي ذر]. هو أبو ذر جندب بن جنادة، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي مشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. شرح حديث: (قمنا مع رسول الله في شهر رمضان ...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا زيد بن الحباب أخبرني معاوية بن صالح حدثني نعيم بن زياد أبو طلحة سمعت النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما على منبر حمص يقول: (قمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح، وكانوا يسمونه السحور)].أورد النسائي حديث النعمان بن بشير، وهو بمعنى الحديثين قبله كون النبي صلى الله عليه وسلم قام ليلة ثلث الليل، ومرة نصف الليل، ومرة أكثر من ذلك، وأنهم في الليلة الأخيرة خشوا أن يفوتهم السحور، وهو دال على قيام الرسول صلى الله عليه وسلم ليالي من رمضان، وعرفنا أنه جاء في بعض الروايات: أنه ما منعه من أن يواصل بهم إلا خشية أن يفترض عليهم. تراجم رجال إسناد حديث: (قمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان ..) قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان]. ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي وحده. [حدثنا زيد بن الحباب]. صدوق يخطئ في حديث الثوري، وحديثه أخرجه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [أخبرني معاوية]. هو معاوية بن صالح بن حدير، وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [حدثني نعيم بن زياد]. وهو: نعيم بن زياد أبو طلحة، ثقة يرسل، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي. [سمعت النعمان بن بشير]. هو صحابي ابن صحابي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو من صغار الصحابة حيث توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام وعمره ثمان سنوات. الأسئلة الأمور الغيبية إذا ثبتت بإسناد صحيح إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فإنها تكون معتبرة السؤال: فضيلة الشيخ، أمر الله الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس، قرأت في تفسير ابن كثير بأن حرباً قامت بين الملائكة والجن فأسرت الملائكة إبليس، فلما وجه الله الخطاب للملائكة، كان عندهم فلم يسجد، فما صحة هذا الكلام؟ الجواب: كما هو معلوم هذا الكلام يبدو من لفظه أنه غير مستقيم، وفي الغالب أن هذا من الإسرائيليات التي في تفسير ابن كثير، وإبليس هو ليس من الملائكة، وإنما هو من جنس آخر وهم الجن، وهو أبو الجن، وأصل الجن، وقد جاء في القرآن أن الجن خلقوا من مارج من نار، وجاء في صحيح مسلم : (أن الملائكة خلقوا من نور)، الملائكة خلقوا من نور، (والجان خلقوا من نار)، فأصله غير أصلهم، ومادته غير مادتهم، ولكنهم متفقون بأننا لا نراهم، لا الملائكة، ولا الجن، يعني: كلهم من الجنس المستتر عنا الذي لا نراه، ولا يعني كونه أمر، وأنه جاء أمر الملائكة وأنهم سجدوا إلا إبليس، أن يكون منهم، بل هو من جنس آخر، فهو إما أن يكون يعني.. فالاستثناء يكون منقطع، يعني أنه من جنس آخر، من غير جنسهم، أو أنه ذكر معهم تبعاً لهم، وإن لم يكن منهم، وأنه أمر بالسجود كما أمروا، وهو ليس من الملائكة ولكنه من جنس يشبه جنس الملائكة في أنهم يستترون عنا، وأننا لا نراهم وهم يروننا، الملائكة يروننا ولا نراهم، والجن يروننا ولا نراهم، وأما هذا فظاهره كونه حصل حرب بين الجن والملائكة، وأن الملائكة أسروا إبليس وكذا، يعني هذا لفظه يدل على ما فيه. ومثل هذا من الأمور الغيبية التي لا يلتزم شيء منها، ولا يصدق شيء منها، إلا إذا ثبت عن طريق الإسناد، إذا ثبت بإسناد صحيح، عند ذلك يعتبر، إذا ثبت بإسناد صحيح إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإنه يكون معتبراً، وإلا فإنه من جنس الإسرائيليات التي تذكر في الكتب وتنقل عن بني إسرائيل. صلاة الوتر بعد الجمع مع صلاة المغرب السؤال: كنت مسافراً فصليت المغرب والعشاء في الحرم المكي جمع تقديم، فهل لي أن أوتر بعد الصلاة؟ وهل فعلي هذا صحيح؟ الجواب: نعم، إذا كان الإنسان سيسافر بعد المغرب، فإنه إذا صلى الإمام المغرب وفرغ منها، يقوم ويصلي العشاء جمعاً، وإذا أوتر وصلى الوتر بعد ذلك، فإن له ذلك؛ لأن الوتر يبدأ بصلاة العشاء، يعني صلاة الليل تبدأ بالانتهاء من صلاة العشاء، ولو قدمت مع المغرب؛ لأنه يعتبر صلى العشاء، فله أن يوتر، ولو كان ذلك في وقت المغرب؛ لأنه ما دام قدمها فله أن يصلي وتره بعدها.
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الصلاة (كتاب قيام الليل وتطوع النهار) (293) - كتاب قيام الليل وتطوع النهار - باب الترغيب في قيام الليل - باب فضل صلاة الليل الإسلام يدل على كل فضيلة وينهى عن كل رذيلة، ومن الفضائل التي يدل عليها قيام الليل، فقد حث الشرع الحكيم على فعل ذلك الأمر لأن فيه شرفاً للمؤمن، ومنجاة من النار. الترغيب في قيام الليل شرح حديث: (إذا نام أحدكم عقد الشيطان على رأسه ثلاث عقد ... فإن صلى انحلت العقد كلها ...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الترغيب في قيام الليلأخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد قال: حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا نام أحدكم عقد الشيطان على رأسه ثلاث عقدٍ يضرب على كل عقدةٍ ليلاً طويلاً، أي: ارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة أخرى، فإن صلى انحلت العقد كلها، فيصبح طيب النفس نشيطاً، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)]. يقول النسائي رحمه الله: الترغيب في قيام الليل، والترغيب في قيام الليل هو: الحث عليه، وبيان فضله، وأهميته، وقد أورد النسائي عدة أحاديث في هذه الترجمة، أولها حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا نام أحدكم عقد الشيطان على رأسه ثلاث عقد، فإذا قام وذكر الله انحلت عقدة، فإذا توضأ انحلت عقدةٌ أخرى، فإذا صلى انحلت العقد كلها، فيصبح طيب النفس نشيطاً، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان). قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا نام أحدكم يعقد الشيطان على رأسه ثلاث عقد)، الشيطان قيل: إنه هو إبليس الذي هو رأس الشياطين، وأصل الشياطين، وأبو الشياطين، وقيل: إنه من جنوده، أي: هؤلاء الذين يعقدون على رءوس الناس، وقيل: إنه القرين الذي يكون مع الإنسان، وقد جاء في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينٌ من الجن، وقرين من الملائكة)، أي فيه قرين من الجن، وقرين من الملائكة، فالقرين من الجن يثبطه، ويجره إلى الشر، والقرين من الملائكة بخلافه، فالشيطان قيل فيه: إنه إبليس، وقيل: إنه من جنود إبليس، وقيل: إنه القرين الذي يكون مع كل إنسان، والذي جاء ذكره، وبيانه في صحيح مسلم، وقوله: (يعقد على رأس أحدكم ثلاث عقد)، معلومٌ أن هذا مما ثبت في الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من فعل الشياطين، وكل ذلك حقيقة، ونحن لا نعرف الكيفية التي يتم بها ذلك؛ لأننا لا نعرف كيفية الشياطين فلا نعرف كيفية عملهم، لكن النبي عليه الصلاة والسلام بين أنه يضرب. قوله: [(على كل عقدة ليلاً طويلاً أي ارقد)]. [(ليلاً طويلاً)]، يعني: أنه بقي ليلٌ طويلٌ، فأنت نم، ولا تقم، فإذا استيقظ الإنسان، ولم يسترسل في النوم، ولم يستسلم لما رغبه فيه الشيطان من الإخلاد به إلى الراحة، وإلى الاستغراق في النوم، بأن قام ثم ذكر الله عز وجل عند قيامه، فإنه تنحل عقدة من العقد الثلاث، ثم إذا توضأ استعداداً للصلاة فإنها تنحل العقدة الثانية، فإذا صلى انحلت العقد كلها، وصار على هيئةٍ لا تناسب الشيطان، ولا يريدها الشيطان؛ لأن الشيطان يريد من الإنسان أن يستغرق في نومه، وأن يبقى في نومه، وأن يأخذه بالكسل والخمول، وألا يأخذ بالجد والنشاط، والحرص على طاعة الله عز وجل، ثم يصبح وهو على هذه الحال طيب النفس نشيطاً، أي: عنده طمأنينة، وراحة في النفس، وهدوء، وانشراح صدر، ونشاط، وقوة، والله عز وجل يقول: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، فهو عندما يقوم، ويذكر الله ويتوضأ ويصلي، كل هذا مما لا يريده الشيطان، وكل هذا مما يسوء الشيطان، وإلا لم يحصل منه ذلك، بل بقي في نومه مستغرقاً، فإنه يقوم خبيث النفس كسلان، عكس ذاك الذي كان طيب النفس نشيطاً، فهذا بضده تماماً؛ لأن هذا ما عنده لا ذكرٌ لله، ولا وضوء، ولا صلاة، وإنما قام، وعليه الكسل والخمول، وقد يكون يؤدي به ذلك أيضاً إلى تأخير صلاة الفجر، لا سيما إذا تأخر في النوم، فإنه يسترسل فيه، ويستغرق فيه، ويكون فيه شيءٌ من صفات المنافقين التي قال فيها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما ولو حبواً). فالحديث فيه الترغيب في قيام الليل، والتحذير من أن يستولي الشيطان على الإنسان، وأن تكون النتيجة أن يصبح خبيث النفس كسلان، ولا يكون نشيطاً طيب النفس؛ لأنه أتى بما تنحل به العقد الثلاث التي عقدها الشيطان على رأس الإنسان. تراجم رجال إسناد حديث: (إذا نام أحدكم عقد الشيطان على رأسه ثلاث عقد ... فإن صلى انحلت العقد كلها ...) قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد]. هو محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ المكي، ثقةٌ، أخرج حديثه النسائي، وابن ماجه. [حدثنا سفيان]. هو سفيان بن عيينة، وهو هنا غير منسوب، وهو يحتمل إذا جاء إطلاقه هكذا، يحتمل أنه ابن عيينة، ويحتمل أنه الثوري، لكن هنا لا يحتمل الثوري، بل هو ابن عيينة؛ لأن محمد بن عبد الله بن يزيد توفي سنة ست وخمسين ومائتين، والثوري توفي سنة مائة وواحد وستين، أي: أن الذي يمكنه أن يروي عنه هو ابن عيينة الذي توفي سنة سبع وتسعين ومائة، ولا ندري متى ولد؟ محمد بن عبد الله بن يزيد، لكن المدة التي بين وفاة الثوري، وبين وفاة محمد بن يزيد هي ست وتسعون سنة، فمعنى هذا إذا كان عمره فوق المائة بكثير يمكن أنه يروي عن الثوري، فالثوري توفي مائة وواحد وستين، وهذا توفي مائتين وست وخمسين، أي: بين وفاتيهما ستٌ وتسعون سنة، فلا يتأتى الرواية عنه إلا لو كان معمراً كثيراً، والذي ذكروا في ترجمته أنه روى عن ابن عيينة، وهو الذي توفي قبل المائتين بقليل. فإذاً سفيان هنا المهمل المراد به سفيان بن عيينة الهلالي المكي، وهو أيضاً كونه من بلده، وهما من بلدٍ واحد، وسفيان بن عيينة ثقةٌ، ثبتٌ، إمامٌ، فقيهٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أبي الزناد]. هو عبد الله بن ذكوان المدني، كنيته أبو عبد الرحمن، وأما أبو الزناد فهو لقبٌ على صيغة الكنية؛ لأن اللقب قد يأتي على صيغة الكنية، ويأتي على صيغة النسب، وهنا لقبٌ على صيغة الكنية، وهو ثقةٌ، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن الأعرج]. هو عبد الرحمن بن هرمز المدني، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أيضاً مشهورٌ بلقبه واسمه عبد الرحمن بن هرمز، يأتي ذكره باللقب كما هنا، ويأتي ذكره بالاسم، والنسب كما يأتي في بعض الأسانيد، وهو مشهورٌ بلقبه الأعرج، ومعرفة ألقاب المحدثين من أنواع علوم الحديث، وقيل في فائدة معرفتها: ألا يظن الشخص الواحد شخصين فيما إذا ذكر باسمه ثم ذكر بلقبه، فمن لا يعرف أن عبد الرحمن بن هرمز يلقب بـالأعرج، فإن وجد عبد الرحمن بن هرمز في إسناد، والأعرج في إسناد آخر، ظن أن الأعرج شخص آخر غير عبد الرحمن بن هرمز، لكن إذا عرف أن عبد الرحمن بن هرمز يلقب بـالأعرج، فلا يلتبس عليه كونه يأتي في بعض الأسانيد عبد الرحمن بن هرمز وفي بعضها الأعرج. [عن أبي هريرة]. هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل هو أكثرهم، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عن الجميع، فهؤلاء سبعةٌ من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام عرفوا بكثرة الحديث عنه، وأكثر هؤلاء السبعة أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وأبو هريرة أسلم في السنة السابعة، ولازم النبي عليه الصلاة والسلام، وتحمل عنه الكثير، وصار حديثه أكثر من حديث من كان متقدم الإسلام، وذلك له أسباب منها: ملازمته للنبي عليه الصلاة والسلام، ومنها: دعوة النبي عليه الصلاة والسلام له بأن يحفظ ما يسمعه كما جاء ذلك في بعض الأحاديث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام دعا له، ومنها أيضاً: كونه ممن مكث في المدينة وعمر، والمدينة كانت يفد إليها الناس، فيلتقون بمن هو في المدينة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ويأخذون منه، ويأخذ منهم، إذا كانوا من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يأخذ منهم الأحاديث، ومن المعلوم أن بعضها مما سمعه، ومما شاهده، وبعضها مما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم يحكي عن شيءٍ سابق، أو أنه سمعه من أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فيكون ذلك من قبيل مراسيل الصحابة. الحاصل أن كثرة أحاديثه لا إشكال فيها، وذلك للأمور التي أشرت إليها من الملازمة، ومن الدعوة الكريمة من رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن ملازمته للمدينة ومكثه فيها، وكونه معمراً، ويفد إليه من يفد إلى المدينة، ويلتقي به من يأتي إلى المدينة، فيأخذ منه ويعطيه، فصار حديثه كثيراً رضي الله تعالى عنه وأرضاه. شرح حديث: (ذكر عند رسول الله رجل نام ليلة حتى أصبح قال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه ...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: (ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل نام ليلة حتى أصبح، قال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه)].ثم أورد حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو أنه ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل بات ليلةً حتى أصبح، فقال عليه الصلاة والسلام: (ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه)، معناه: أنه ذم لصنيعه، وتحذير من صنيعه، وقيل في الذي نام عنه: إنه نام عن صلاة العشاء، وقيل: إن المقصود إنه نام عن صلاة الليل، وهذا هو الذي أورده من أجله النسائي هنا، يعني فعل النسائي، وإيراده الحديث في هذا الموطن أو في هذا الباب باب الترغيب في قيام الليل، يفيد أن النوم إنما هو عن قيام الليل، وليس عن صلاة العشاء. وقوله عليه الصلاة والسلام: (ذلك رجل بال الشيطان في أذنيه)، هذا أيضاً على حقيقته، والشيطان كما هو معلوم يحرص على الحيلولة بين الإنسان وبين ما يعود عليه بالخير، أي: أن ذلك الرجل الذي نام، ووصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه بال الشيطان في أذنيه، أنه استغرق في النوم، وتمكن منه، ولم يهتم بأمر الصلاة حتى انقضى الليل دون أن يصلي، ولا مانع من أن يكون هذا الذي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم حقيقة؛ لأن الشيطان كما هو معلوم يأكل، ويشرب، وينكح، ويبول، فهو حق على حقيقته، وهذا من عمل الشيطان في إيذاء الإنسان، والحيلولة بينه وبين ما يعود عليه بالخير، وذلك بأن يبول في أذنه، وذكر الأذن، ولم تذكر العين؛ لأن الأذن هي محل الإحساس، وسماع الحركة والأصوات، وكون الإنسان يتنبه، فإذا حصل للأذن شيء يجعل الإنسان لا يحس، ويستغرق في نومه، ولو وجد عنده شيءٌ من الحركة ما تنبه، فمعناه أن الشيطان بال في أذنه فصار لا يتنبه، وليس له إحساس، فجاء ذكر الأذن ولم يأت ذكر العين؛ وذلك لأن النوم يكون بإغماض العين، إلا أن الإحساس إنما هو في الأذن، فمن أجل ذلك جاء ذكر البول من الشيطان في الأذنين؛ لأنه إذا تمكن الشيطان من إيذائه فيهما ومن بوله فيهما، فإنه لا يحس، ولا يتنبه، ولا يستيقظ، ولو صار عنده شيءٍ ينبهه. تراجم رجال إسناد حديث: (ذكر عند رسول الله رجل نام ليلة حتى أصبح قال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه ...) قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم]. هو ابن مخلد بن راهويه الحنظلي المروزي، وهو ثقةٌ، ثبت، مجتهد، إمامٌ، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً. [أخبرنا جرير]. هو جرير بن عبد الحميد الضبي البصري، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن منصور]. هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أبي وائل]. هو شقيق بن سلمة الكوفي، وهو مشهورٌ بكنيته أبو وائل، ويأتي ذكره بالكنية وذكره بالاسم، فيقال أحياناً: شقيق بن سلمة، وأحياناً يقال: شقيق فقط، وأحياناً يقال: أبو وائل كما هنا، أي: بالكنية فقط، وهو ثقةٌ مخضرم، أي: ممن أدرك الجاهلية والإسلام، ولم ير النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن ابن مسعود]. هو عبد الله بن مسعود الهذلي، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من علماء الصحابة وفقهائهم وكبارهم، وكانت وفاته سنة اثنتين وثلاثين، وبعض العلماء قال: إنه من العبادلة الأربعة، وليس كذلك، بل العبادلة الأربعة هم من صغار الصحابة، وكانوا في سنٍ متقارب وهم: ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وابن الزبير، إذاً: العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، هم هؤلاء، وليس ابن مسعود منهم؛ لأنه متقدم الوفاة، وأما أولئك فإنهم متأخرون بعده بمدة، فـابن مسعود توفي سنة اثنين وثلاثين وأولئك بعد الستين أو قريباً من ذلك، فإذاً: عاشوا مدةً طويلة بعد ابن مسعود رضي الله تعالى عن الجميع، وحديث عبد الله بن مسعود عند أصحاب الكتب الستة. حديث: (يا رسول الله! إن فلاناً نام عن الصلاة البارحة...) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد حدثنا منصور عن أبي وائل عن عبد الله رضي الله تعالى عنه: أن رجلاً قال: (يا رسول الله! إن فلاناً نام عن الصلاة البارحة حتى أصبح، قال: ذاك شيطانٌ بال في أذنيه)].ثم أورد حديث ابن مسعود من طريقٍ أخرى، وهو مثل الذي قبله تماماً. قوله: [أخبرنا عمرو بن علي]. هو الفلاس البصري، المحدث، الناقد، المتكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد]. هو عبد العزيز بن عبد الصمد العمي البصري، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا منصور عن أبي وائل عن عبد الله]. وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا. شرح حديث: (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى..) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى عن ابن عجلان حدثنا القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى ثم أيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأةً قامت من الليل فصلت ثم أيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء)].ثم أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (رحم الله امرءاً قام من الليل فصلى، ثم أيقظ أهله، فإن أبت نضح في وجهها الماء)، يعني: برفق، يعني: حتى يحصل لها النشاط، وتتنبه وتقوم، وعلى العكس أيضاً، (رحم الله امرأةً قامت من الليل فصلت، ثم أيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء)، فهو دعاء من النبي عليه الصلاة والسلام بالرحمة لمن يكون كذلك، وفيه حثٌ على قيام الليل، بل وفيه كون الرجل يحث أهله، والمرأة تحث زوجها، وتساعده ويساعدها على القيام في الليل بالصلاة، مع الأخذ بالأسباب التي تنشط، والتي تجعل الإنسان يتنبه، وهو نضح الماء في الوجه، ويكون ذلك برفقٍ ولين، وليس بشدةٍ يحصل معها الإزعاج كما هو واضح. الحاصل أن الحديث فيه الترغيب في قيام الليل، بل وفيه حث من قام أن يقيم أهله، أو من قامت أن تقيم زوجها، وهذا من التعاون على البر والتقوى، ومن التعاون على الخير. تراجم رجال إسناد حديث: (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى..) قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم]. هو الدورقي، وهو ثقةٌ، حافظ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخٌ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرةً وبدون واسطة. [حدثنا يحيى]. هو ابن سعيد القطان البصري، المحدث، الناقد، الثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عجلان]. هو محمد بن عجلان المدني، وهو صدوقٌ، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [حدثنا القعقاع]. هو القعقاع بن حكيم المدني، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [عن أبي صالح]. هو ذكوان السمان، مشهورٌ بكنيته أبو صالح، واسمه ذكوان، ولقبه السمان، يأتي ذكره بالكنية، ويأتي ذكره بالاسم، وهو ثقةٌ، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة]. وقد مر ذكره. يتبع
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
شرح حديث علي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة فقال: ألا تصلون؟ ...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن عقيل عن الزهري عن علي بن حسين أن الحسين بن علي رضي الله عنه أخبره عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة فقال: ألا تصلون؟ قلت: يا رسول الله! إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثها بعثها، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قلت له ذلك، ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه ويقول: وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف:54])].أورد النسائي حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام طرقه، وفاطمة وقال لهما: ألا تقومان فتصليان؟ فقال علي رضي الله عنه: إنما أنفسنا بيد الله، إذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فلما قال علي رضي الله عنه ذلك، انصرف النبي عليه الصلاة والسلام، قال علي: رأيته يضرب فخذه بيده ويقول: وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف:54]). محل الشاهد من الحديث كون النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى علي، وفاطمة ليلاً وطرق عليهما الباب، وقال لهما: (ألا تصليان)، أي: ألا تصليان الليل، وفي ذلك حث على قيام الليل، وترغيب في قيام الليل، وكون الرجل يرشد أهله، وذويه، وأقاربه إلى هذا العمل الخير.وقول علي رضي الله تعالى عنه: (إنما أنفسنا بيد الله إذا شاء أن يبعثها بعثها)، يعني: أنهما ينامان، والنائم قد قبضت نفسه، وإذا شاء الله عز وجل أن يبعثه من نومه بعثه، وهذا فيه أن النوم أو القيام من النوم يقال له: بعث؛ لأن النوم أخو الموت، والموت يكون فيه بعث، والنوم يكون فيه بعث، أي بعثٌ من ذلك الموت الأصغر الذي هو النوم، وقد جاء في الحديث: (النوم أخو الموت، ولا ينام أهل الجنة)، ففيه ذكر البعث، وقد جاء في القرآن الكريم: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [الزمر:42]، يعني: يتوفاها في حال النوم فيقبضها، ثم يعيد النفس إلى الجسد إذا كان في العمر بقية، وإذا كان الأجل انتهى، فإن النفس تقبض في ذلك النوم ثم لا تعود، ولهذا قال: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر:42]، التي انتهى أجلها بهذه النومة، وقبضت الروح، لا تعود، والتي في الأجل بقية، يعيدها الله عز وجل حتى تستكمل الأجل.الحاصل أن النوم، والقيام منه يطلق عليه أنه بعث، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام انصرف وهو يقول: ( وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف:54])، يعني هذا فيه إشارة إلى ما حصل من علي رضي الله عنه من هذا الكلام الذي هو فيه جدل، ثم أيضاً هذا فيه دليلٌ على قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف:54])، ويستشهد بالآية التي في سورة الكهف وهي في الكفار، وهذا يفيد أن اللفظ يمكن أن يستعمل بعمومه، ولو كان أصل وروده في القرآن إنما يراد به الكفار، فيمكن أن يتمثل به، وأن يستشهد به في حق من هو مسلم؛ لأن عموم اللفظ يقتضيه، وإن كان الأصل في ذكره في القرآن إنما هو الكفار، فهذا يدل على أن مثل ذلك سائغ، وأن اللفظ العام الذي كان أصل مجيئه إنما هو في حق الكفار، أنه يجوز استعماله في حق المسلمين إذا وجد منهم ذلك الشيء الذي ينطبق عليه ذلك العموم. تراجم رجال إسناد حديث علي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة فقال: ألا تصلون؟ ...) قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبتٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا الليث]. هو الليث بن سعد المصري، ثقةٌ، فقيه، إمام أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن عقيل]. هو عقيل بن خالد بن عقيل المصري، هو بالتصغير وجده بالتكبير، وهو من قبيل المؤتلف والمختلف، عُقيل، وعَقيل؛ لأن الرسم واحد والحروف واحدة، والفرق إنما هو بالشكل، والحركات، عقيل بن خالد بن عقيل المصري، فهو بالتصغير، وجده بالتكبير، وهو من قبيل المؤتلف والمختلف، اتفقت الألفاظ في الرسم، واختلفت في النطق، والصيغة، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن الزهري]. هو محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري، ينسب إلى جده زهرة بن كلاب، وهو ثقةٌ، فقيه، مكثرٌ من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من صغار التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن علي بن الحسين]. هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، لقبه زين العابدين، وهو ثقةٌ، ثبت، فقيه، عابد مشهور، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [أن الحسين بن علي أخبره]. هو الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته، وهو من صغار الصحابة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن علي بن أبي طالب]. هو أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين الهاديين المهديين، ذي المناقب الجمة، والفضائل الكثيرة، وهو أفضل هذه الأمة بعد أبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وقد ورد في كتب السنة فضائل كثيرة ثابتة له رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهي دالةٌ على فضله، ونبله، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. وهذا الإسناد اجتمع فيه ثلاثة من أئمة أهل السنة الذين يحبهم أهل السنة، ويقدرونهم، ويعرفون فضلهم، ويتولونهم، وتمتلئ قلوبهم من محبتهم، ولا يغلون فيهم ولا يجفون، بل هم معتدلون متوسطون، لا غلوٌ، ولا جفاء، بل يحبونهم لإيمانهم وتقواهم، ولقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم وأرضاهم، وهؤلاء الثلاثة هم من الأئمة الاثني عشر عند الرافضة، الذين يغلون فيهم، وينزلونهم منازل لا يستحقونها، ولا يرضونها هم لأنفسهم، والتي جاء في كتبهم المعتمدة عندهم ألفاظ فيها الغلو الشديد، والمبالغة الشديدة، وإضافة إليهم شيء لا يرضونه، ومن ذلك ما جاء في كتاب الكافي للكليني من أبواب تشتمل على أحاديث ينسبونها إلى الأئمة الاثني عشر، ومن هذه الأبواب: باب أن الأئمة يعلمون ما كان وما سيكون، وأنهم يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم، وباب أنه ليس شيء من الحق إلا ما كان من عند الأئمة، وكل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل، ومقتضى هذا الكلام أن كل ما جاء عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة، أنه مرفوضٌ مردود، بل إن القرآن نفسه إنما جمعه أبو بكر ثم عثمان، فالمصحف الذي بأيدي الناس هو من جامع عثمان رضي الله تعالى عنه، وعلى هذا فالقرآن ما خرج من عند أهل البيت، وما خرج من عند الأئمة، بل الذي جمعه أولاً أبو بكر الصديق ثم عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، فلا شك أن هذا من أبطل الباطل، وهذا فيه قدحٌ في المنقول؛ لأن القدح في الناقل قدحٌ في المنقول، ما دام أن الصحابة لا يؤخذ ما جاء عن طريقهم، وأنه لا يؤخذ إلا ما جاء من طريق الإثني عشر، وأن كل شيءٍ لم يخرج من عندهم فهو باطل، أي: أن كل ما جاء عن أبي بكر، وعمر، وعثمان وغيرهم من الصحابة، فإنه باطل؛ لأنه ما خرج من الأئمة الاثني عشر، هذا هو معنى هذا الباب المشتمل على بعض الأحاديث المكذوبة، ومن ذلك أيضاً الباب الذي يقول فيه: بابٌ أن الأئمة يعلمون الكتب المنزلة على المرسلين كلها، وأنهم يعرفونها بلغاتها، يعني معناه كل كتابٍ أنزله الله فهو موجودٌ عند الأئمة الاثني عشر، وأنهم يعرفون كل اللغات التي نزلت بها الكتب، هذا كله غلوٌ وإطراء لا يرضاه الأئمة، والله لا يرضونه، والله لو سمعوه لتبرءوا منه، لكن هكذا شأن الكذابين يكذبون على الأئمة، وهذا الشيء لا تقبله العقول، ولا يتفق، ولا يؤيده النقل ولا العقل، فهذا من جملة غلوهم، وهذا من كلام المتقدمين الذي هو الكليني، وهذه أبوابه. أما المتأخرون المعاصرون، فأكبر زعيم عندهم هو الخميني، وقد قال في كتابه الحكومة الإسلامية في حق الأئمة الإثني عشر: وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملكٌ مقرب، ولا نبيٌ مرسل، وإن من ضروريات مذهبنا، يعني: من الأمور البديهية الضرورية، أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملكٌ مقرب، ولا نبيٌ مرسل، يعني معناه: أنهم يفضلون على الملائكة المقربين، وعلى الأنبياء المرسلين، هذا هو معنى هذه الكلمة، وهذا هو الغلو الذي ليس وراءه غلو، أما أهل السنة فليس عندهم لا غلوٌ ولا جفاء، بل يحبون الجميع، ويتولون الجميع، ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من كان منهم مؤمناً تقياً يحبونه لإيمانه، وأيضاً يحبونه لقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا هو مذهب أهل السنة حق اعتدال، توسط، لا غلوٌ ولا جفاء، لا إفراطٍ ولا تفريط، ينزلونهم منازلهم التي يستحقونها، فلا يتجاوزون الحدود ولا يقصرون عما يليق بهم وما ينبغي أن يضاف إليهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. شرح حديث علي: (دخل عليّ رسول الله وعلى فاطمة من الليل فأيقظنا للصلاة ...) من طريق ثانية قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد حدثني عمي حدثني أبي عن ابن إسحاق حدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن محمد بن مسلم بن شهاب عن علي بن حسين عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى فاطمة من الليل فأيقظنا للصلاة، ثم رجع إلى بيته فصلى هوياً من الليل، فلم يسمع لنا حساً، فرجع إلينا فأيقظنا فقال: قوما فصليا، قال: فجلست وأنا أعرك عيني وأقول: إنا والله ما نصلي إلا ما كتب الله لنا، إنما أنفسنا بيد الله، فإن شاء أن يبعثنا بعثنا، قال: فولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول ويضرب بيده على فخذه: ما نصلي إلا ما كتب الله لنا، وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف:54])].أورد النسائي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه من طريقٍ أخرى، وهو مثل الذي قبله، إلا أن فيه زيادة وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام كان قد أيقضهما أولاً ثم رجع وصلى، ولم يسمع لهما حساً، ما سمع حركة، فرجع إليهما وإذا هما أيضاً على نومتهما، فقال لهما ما قال، فقام علي رضي الله عنه وجعل يعرك عيناه، يعني: على إثر النوم، وقال هذا الذي قاله، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم يضرب يده على فخذه ويقول: ( وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف:54]). تراجم رجال إسناد حديث علي: (دخل عليّ رسول الله وعلى فاطمة من الليل فأيقظنا للصلاة ...) من طريق ثانية قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم]. هو عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. [حدثني عمي]. هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثني أبي]. هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، وهو ثقة، حجة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. يروي.. [عن ابن إسحاق]. هو محمد بن إسحاق المطلبي المدني، وهو صدوقٌ يدلس، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [حدثني حكيم بن حكيم]. هو حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، وهو صدوقٌ، أخرج له أصحاب السنن الأربعة. [عن محمد بن مسلم بن شهاب]. هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وقد مر ذكره. [علي بن الحسين]. علي بن الحسين، وأبوه الحسين، وأبوه علي بن أبي طالب، وقد مر ذكرهم. هذا الإسناد تساعي، أي: من أطول الأسانيد عند النسائي، وأطولها عنده العشاري، قد مر بنا أحاديث في فضل (قل هو الله أحد)، وفيه عشرة بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتساعي بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم تسعة أشخاص، وهذا الإسناد منها، وهي من الأسانيد النازلة، وأعلى الأسانيد عند النسائي الرباعيات، وأنزل الأسانيد عند النسائي العشاريات، فالعشاري الذي هو عشرة أشخاص، وهذا من هذا القبيل. فضل صلاة الليل شرح حديث: (... وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل صلاة الليل. أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن حميد بن عبد الرحمن هو ابن عوف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصيام بعد شهر رمضان: شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)]. أورد النسائي هذه الترجمة وهي: فضل قيام الليل، وأورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أفضل الصيام بعد شهر رمضان: شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة: قيام الليل)، قوله: (وأفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل)، هذا هو مقصود النسائي من إيراد الحديث في الترجمة؛ لأنه يدل على فضل قيام الليل، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (إنه أفضل النوافل بعد الفرائض)، لا سيما إذا كان في آخر الليل، وهو: الثلث الآخر من الليل؛ لأنه الوقت الذي ينزل الله عز وجل فيه إلى السماء الدنيا، فيقول: (هل من مستغفرٍ فأغفر له؟ هل من سائلٍ فأعطيه سؤله؟ هذا من كذا هل من كذا)، فالحديث دالٌ على فضل قيام الليل، ودالٌ على أنه أفضل الصلاة بعد الفريضة كما هو نفس الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودالٌ أيضاً على أن أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، أي: الصيام فيه، وفيه يوم عاشوراء، وصيام يوم قبله أو يوم بعده، وهو من أفضل الصيام، وأفضل منه صيام يوم عرفة لغير الحجاج؛ لأنه قد جاء في فضل صيام عرفة أنه (يكفر السنة الماضية والآتية، وأما يوم عاشوراء فإنه يكفر السنة الماضية)، فصيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء، والنبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث قال: (أفضل الصيام بعد شهر رمضان: شهر الله المحرم)، أي: كونه يصام في شهر المحرم، وفي هذا الحديث الدلالة على أن خير الصيام بعد صيام رمضان الصيام في شهر الله المحرم. ومن المعلوم كما مر بنا قريباً أن النبي صلى الله عليه وسلم ما صام شهراً كاملاً إلا رمضان، وأنه كان يصوم ويفطر، ويصلي وينام، عليه الصلاة والسلام، وكلمة المحرم هي: بالألف واللام، ولا يصلح أن يؤتى به بدون ألفٍ ولام، بل الألف واللام ملازمةٌ له، والإتيان به بدون ألف ولام خطأ، فلا يأتي في اللغة إلا وفيه الألف واللام كما جاء في هذا الحديث، وفيه أيضاً إضافته إلى الله عز وجل حيث قال: (شهر الله المحرم)، وقيل: إنه لم يأت إضافة شهرٍ إلى الله غير هذا الشهر، وقيل: إن السبب في ذلك أنه من الأشهر الحرم، ولفظه أو لفظ اسمه يشعر بالتحريم، وأنه محرم، وهو أحد الأشهر الحرم الأربعة التي هي: رجب الفرد، ويقال له: الفرد؛ لأنه شهرٌ من الأشهر الحرم وحده، ليس بجواره شهرٌ من أشهر الحرم، وأما الثلاثة الباقية فهي مسرودة بعضها وراء بعض، ولهذا يقال: ثلاثةٌ سردٌ وواحدٌ فرد، ثلاثةٌ سرد، يعني: مسرودة، وهي: ذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم، شهر الحج، وشهر قبله، وشهر بعده، وشهر رجب الذي هو في وسط السنة، وفي أثناء السنة. تراجم رجال إسناد حديث: (... وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل) قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد]. وقد مر ذكره قريباً. [حدثنا أبي عوانة]. هو أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، وهو ثقةٌ، متقن، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهورٌ بكنيته أبو عوانة. [عن أبي بشر]. هو أبو بشر جعفر بن إياس بن أبي وحشية، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن حميد بن عبد الرحمن]. قال هنا: [هو ابن عوف]، وليس ابن عوف بل هو حميد بن عبد الرحمن الحميري، وذكر ابن عوف هنا وهم، وقد ذكر المزي في تحفة الأشراف الحديث تحت ترجمة حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة، وليس له، أي: حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة إلا هذا الحديث، أما حميد بن عبد الرحمن بن عوف فله أحاديث كثيرة في الكتب الستة، وقد ذكرها المزي في تحفة الأشراف متتابعة وهي كثيرة، لكن حميد بن عبد الرحمن الحميري ذكر له هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهو عند مسلم وقد نسبه بأنه الحميري، وكذلك الحافظ ابن حجر نص في تعليقه على تحفة الأشراف بأن الوهم ممن دون النسائي، يعني: الذي أضاف هو ابن عوف هو من دون النسائي؛ لأنه جاء في غير نسخة ابن السني بدون ابن عوف، إذاً الخطأ ممن هو دون النسائي، فقوله هنا: هو ابن عوف، هذا خطأ، بل هو الحميري؛ وهذا يبين لنا ما سبق: أن كلمة هو ابن فلان، يمكن أن يزيدها من دون النسائي، وسبق أن مر بنا: أن النسائي يقال في بعض شيوخه: هو ابن فلان، ومعلومٌ أن النسائي لا يقول: هو ابن فلان، بل الذي يقوله من دون النسائي؛ لأن التلميذ لا يقول عن شيخه: هو ابن فلان، بل ينسبه كما يريد، فوجود شخص في شيوخ النسائي يقال فيه: هو ابن فلان، معلوم أن هذا ليس كلام النسائي، بل هو كلام من دون النسائي، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة]. أبو هريرة، وقد مر ذكره. حديث: (أفضل الصلاة بعد الفريضة: قيام الليل ...) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله حدثنا شعبة عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية: أنه سمع حميد بن عبد الرحمن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصلاة بعد الفريضة: قيام الليل، وأفضل الصيام بعد رمضان: المحرم)، أرسله شعبة بن الحجاج].ثم أورد النسائي طريقاً أخرى، وفيها حميد بن عبد الرحمن، قال فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من قبيل المرسل، وقال: إنه أرسله شعبة، أي: إن رواية الإرسال جاءت من طريق شعبة؛ لأن جعفر بن أبي وحشية جاء عنه الإسناد الذي قبل هذا وهو موصول، وأما هذه الطريقة الثانية جاءت من طريق جعفر بن أبي وحشية، لكن عن طريق شعبة، فالإرسال من هذه الطريق التي فيها رواية شعبة، وأما رواية غيره ففيها الوصل، وإضافته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم متصلاً وليس مرسلاً. قوله: [أخبرنا سويد بن نصر]. هو المروزي، وهو ثقةٌ، أخرج له الترمذي، والنسائي. [أخبرنا عبد الله]. هو ابن المبارك المروزي، وهو ثقةٌ، ثبتٌ، جوادٌ، مجاهدٌ، قال عنه الحافظ في التقريب بعد أن ذكر جملةً من خصاله الحميدة: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا شعبة]. هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقةٌ، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية]. وقد مر ذكر جعفر، وقد سمي هنا في هذا الإسناد، وأما في الإسناد السابق فهو لم يسم. [أنه سمع حميد بن عبد الرحمن]. وهنا ما نسبه، ما قال: الحميري، ولا قال: ابن عوف، وقد مر ذكره.
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الصلاة (كتاب قيام الليل وتطوع النهار) (294) - كتاب قيام الليل وتطوع النهار - باب فضل صلاة الليل في السفر - باب وقت القيام لقيام الليل مزية عظيمة حيث ورد في السنة أن الله يحب العابد الذي آثر القيام على النوم رغم عنائه في السفر، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم الليل ويحب من العمل أدومه. فضل صلاة الليل في السفر شرح حديث: (ثلاثة يحبهم الله عز وجل ... فقام يتملقني ويتلو آياتي) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل صلاة الليل في السفر.أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا محمد حدثنا شعبة عن منصور سمعت ربعياً عن زيد بن ظبيان رفعه إلى أبي ذر رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثةٌ يحبهم الله عز وجل: رجلٌ أتى قوماً فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم فمنعوه، فتخلفهم رجلٌ بأعقابهم فأعطاه سراً لا يعلم بعطيته إلا الله عز وجل والذي أعطاه، وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به، نزلوا فوضعوا رءوسهم، فقام يتملقني، ويتلو آياتي، ورجلٌ كان في سرية فلقوا العدو فانهزموا، فأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له)]. يقول النسائي رحمه الله: باب فضل صلاة الليل في السفر، المقصود من هذه الترجمة: كون الإنسان يقوم الليل وهو مسافر. فأورد فيه النسائي حديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه في قصة الثلاثة الذين يحبهم الله عز وجل، وهم: رجلٌ سأل قوماً لم يسألهم إلا بالله، لم يسألهم بقرابةٍ بينه وبينهم، فمنعوه فتخلف رجلٌ من أعقابهم، أو بأعقابهم، فأعطاه سراً لا يعلم تلك العطية إلا الله، والذي أعطاه، الله تعالى هو الذي يعلم، ومن الخلق ذلك الذي أعطى هذا السائل. فأحد الثلاثة الذين يحبهم الله هو المعطي وليس السائل، كما قد يتوهم من الحديث، بل الذي أعطى سراً، ولم يعلم بعطيته إلا الله عز وجل وذلك المعطي، هذا هو أحد الثلاثة الذين يحبهم الله، وليس الذي سأل بالله، والتقدير الذي يناسب: معطي رجلٍ سأل بالله كذا. فأحد الثلاثة هو المعطي وليس السائل، و(اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى)، فذاك المعطي الذي أعطى هذا الرجل الذي سأل بالله عز وجل ولم يسأل بقرابة فمنعوه، هو ذلك الذي تخلف منهم، وصار في أعقابهم، فأعطاه سراً بينه وبينه لم يطلع على ذلك إلا الله عز وجل، وذلك المعطي الذي أعطاه. وقومٌ كانوا في سرية يسيرون في الليل، فلما تعبوا من السفر، واحتاجوا إلى النوم، وصار النوم لا يعدله شيءٍ عندهم، وضعوا رءوسهم وناموا، وقام هو يتملق، ويسأل الله عز وجل، ومعنى (يتملق الله) أي: يتودد إليه، ويدعوه، ويلح عليه في الدعاء. فأحد الثلاثة هو هذا العابد الذي كان مع أولئك القوم السائرين، ولما طال سفرهم أو طال سيرهم في الليل، واحتاجوا إلى الرقاد، لما وصلوا الأرض وضعوا رءوسهم وناموا، وأما هو فبقي يصلي ويتملق الله عز وجل، أي: يتودد إليه، ويدعوه، ويلح عليه ويسأله، فذاك الرجل هو ممن يحبه الله عز وجل. وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في الترجمة، فيكون التقدير: عابد قوم، أي: الأول معطي رجل، والثاني من الثلاثة عابد قومٍ كانوا سائرين فلما ناموا جعل يصلي، ويسأل الله عز وجل ويتملقه ويدعوه، ويتودد إليه، ويطلب منه عطفه وجوده، وكرمه. والثالث رجلٌ كان في سرية يجاهد في سبيل الله، (فانهزموا فأقبل بصدره). قوله: [(فأقبل بصدره)]، أي: تأكيد لإقباله؛ لأن الصدر هو مقدم الإنسان، وهو الذي يكون عند الإقبال، لكن هذا من باب التأكيد، وهو مثل (يطير بجناحيه)، والطائر لا يطير إلا بجناحيه، فهذا مقبلٌ بصدره، يعني: صدره مقبلٌ به، وصدره أمامه، فلا يكون إلا أمامه، فمعناه أنه مقبلٌ غير مدبر، ومنه قول الشاعر يعني يمدح قبيلته وجماعته: فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدماء أي معناه: أنهم إذا جرحوا أو كلموا يكونون مقبلين غير مدبرين، فدماءهم تقطر على أقدامهم، وليست تقطر على أعقابهم هاربين، بأن يلحقهم العدو، ويجرحهم من الخلف، فتقطر دماءهم على أعقابهم من الوراء، وإنما تقطر دماؤهم على أقدامهم من الأمام؛ لأنهم مقبلين غير مدبرين. فهذا مقبلٌ بصدره، يقاتل حتى يفتح له أو يقتل، هذا هو متن الحديث، ومحل الشاهد منه الثاني من الثلاثة، وهو: عابد القوم الذين كانوا يسيرون في الليل، ولما كان النوم أغلى شيءٍ عندهم ولا يعدله شيء عندهم، وإذا قورن بشيءٍ صار النوم هو المقدم، فلما وصلوا الأرض وضعوا رءوسهم وناموا في الحال، وأما هو فأقبل يصلي، ويتعبد، ويسأل الله عز وجل، ويتملقه ويتودد، ويستعطف، ويسأل، ويرجو، ويلح، فهذا هو محل الشاهد لصلاة الليل في السفر. تراجم رجال إسناد حديث: (ثلاثة يحبهم الله عز وجل ... فقام يتملقني ويتلو آياتي) قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى]. هو الملقب بـالزمن، كنيته أبو موسى، وهو بصريٌ ثقةٌ، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخٌ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرةً وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري، مات قبل البخاري بأربع سنوات، فـالبخاري توفي سنة ستٍ وخمسين ومائتين، ومحمد بن المثنى توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، ومات معه في تلك السنة محمد بن بشار، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهما أيضاً من شيوخ أصحاب الكتب الستة، وكانت وفاتهم في سنةٍ واحدة هؤلاء الثلاثة. [حدثنا محمد]. محمد هنا غير منسوب، والمراد به ابن جعفر الملقب غندر، وإذا جاء محمد غير منسوب يروي عن شعبة أو يروي عنه محمد بن المثنى أو محمد بن بشار، فالمراد به غندر الذي هو محمد بن جعفر البصري الملقب غندر، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا شعبة]. هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقةٌ، ثبتٌ، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن منصور]. هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقةٌ، وهو من أقران الأعمش، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [سمعت ربعياً]. هو ربعي بن حراش الكوفي، وهو ثقةٌ، ثبتٌ، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن زيد بن ظبيان]. مقبولٌ، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي. [عن أبي ذر الغفاري]. هو جندب بن جنادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. والحديث في إسناده زيد بن ظبيان، وهو مقبول، والمقبول حديثه يعتبر إذا توبع، وهو لم يتابع، فالحديث غير صحيح، ولهذا ضعفه الشيخ الألباني وجعله من ضمن ضعيف سنن النسائي، لكن جاء في بعض الأحاديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي على راحلته وهو في السفر أينما توجهت، يستقبل القبلة عندما يريد أن يبدأ بالصلاة، ثم تتجه راحلته إلى الجهة التي يريد، فيصلي، وكان لا ينزل إلا إذا حان وقت الفريضة، فإنه ينزل ويصلي، وأما النوافل فإنه كان يصليها وهو على راحلته، ومن ذلك صلاته في الليل، فإنه كان يصلي وهو على راحلته، أي: النوافل، متجهاً أينما توجهت به راحلته إلى الوجهة التي يريد. يتبع
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
|
وقت القيام شرح حديث عائشة: (... فأي الليل كان يقوم؟ قالت: إذا سمع الصارخ) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب وقت القيام: أخبرنا محمد بن إبراهيم البصري عن بشر هو ابن المفضل حدثنا شعبة عن أشعث بن سليم عن أبيه عن مسروق قال: قلت لـعائشة رضي الله تعالى عنها: (أي الأعمال أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: الدائم. قلت: فأي الليل كان يقوم؟ قالت: إذا سمع الصارخ)]. يقول النسائي رحمه الله: باب وقت القيام، أي: وقت قيام الليل، أورد النسائي فيه حديث عائشة رضي الله عنها أنها سئلت: (أي العمل أحب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ قالت: العمل الدائم)، أي: الذي يداوم عليه هو الأحب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل وهو الأحب إلى الله، وكل ما كان أحب إلى رسول الله فهو أحب إلى الله، وما كان أحب إلى الله فهو الأحب إلى رسول الله، ولا يكون الأحب إلى رسول الله يختلف عن الأحب إلى الله، ولهذا فالحديث الموضوع الذي يقال فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم أنك أخرجتني من أحب البلاد إليّ فأسكني في أحب البلاد إليك)، فإن هذا موضوع، والأحب إلى رسول الله هو الأحب إلى الله، والنبي عليه الصلاة والسلام بين أن مكة هي: أحب البلاد إلى الله، فلما خرج مهاجراً التفت إليها وقال: (أما إنك أحب بلاد الله إلى الله، ولولا أنني أخرجت لما خرجت)، فالحديث الذي عكس هذا، أو لا يتفق مع هذا، أو يخالف هذا من جهة، وفيه أيضاً بيان مخالفة ما يحبه الرسول صلى الله عليه وسلم لما يحبه الله من جهة، (أنك أخرجتني من أحب البلاد إليّ، فأسكني أحب البلاد إليك)، معناه: الأحب إلى الله غير الأحب إلى رسول الله، وهذا خطأ، وهذا غير صحيح. فإذاً فيه محظورٌ من جهتين: من جهة أنه مخالف لما جاء في الحديث الصحيح الثابت وهو: (أن مكة أحب البلاد إلى الله)، يعني: ذاك الحديث يدل على أن أحب البلاد إلى الله المدينة، وفيه أيضاً من المخالفة أن الأحب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام غير الأحب إلى الله، ومن المعلوم أن محبة الرسول تابعة لمحبة الله، وما كان إلى الله تعالى أحب فهو إلى رسوله أحب؛ لأن محب الرسول صلى الله عليه وسلم تابعةٌ لمحبة الله، لا يكون الله تعالى يحب شيئاً والرسول يحب خلافه أو يحب غيره، وما كان إلى الله أحب فهو إلى رسوله عليه الصلاة والسلام أحب، فأحب العمل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم الدائم، وقد جاء في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: (أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل)، فالعمل الدائم هو الأحب إلى الله، وهو الأحب إلى رسوله الله. لماذا كان العمل الدائم هو الأحب إلى الله؟ لأن العمل الدائم يكون الإنسان على عبادة دائماً وأبداً، وعلى صلةٍ وثيقة بالله، ما يكون ينشط في بعض الأحيان ثم يكسل في أحيانٍ أخرى، فقد يأتيه الموت وهو في حال الغفلة والكسل، والإعراض، ولكنه إذا كان دائماً في عبادة ولو كانت قليلة، فإنه إذا مات يموت على خير؛ لأنه ملازم للعبادة، فأي وقتٍ يموت، يموت وهو مداوم على العبادة، ولهذا يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، المقصود بقوله: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يعني: داوموا على الإسلام، والتزموا بالإسلام، وبأحكام الإسلام؛ لأنكم إذا كنتم كذلك إذا جاءكم الأجل يأتيكم وأنتم على حالة طيبة، ومن المعلوم أن الإنسان لا يعلم متى يموت حتى يحسن في حال موته، وقد يأتيه الموت فجأة ولا يستطيع أن يتكلم، ولا يستطيع أن ينطق، لكن إذا كان الإنسان مداوم على عبادة، وملتزم بعبادة، فإنه أي وقتٍ يأتيه الموت يموت وهو مداومٍ على العبادة، بخلاف الذي ينشط في بعض الأحيان، ويهمل في بعض الأحيان، فإن هذا غير مداوم على العبادة، وقد يأتيه الموت في حال السهو والغفلة، ومثل هذه الآيات الكريمة، قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه ضمن حديثٍ طويل: (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأتيه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)، فقوله: (فلتأتيه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر)، هو من جنس قوله: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يعني معناه: أنه يداوم على الإيمان، ويداوم على الطاعة، حتى إذا جاءه الأجل يأتيه وهو على حالةٍ طيبة.إذاً قول عائشة رضي الله عنها: (أحب العمل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم الدائم)، أي: الذي يداوم عليه الإنسان، وقد مر في حديث عائشة الطويل: (أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملاً أحب أن يداوم عليه، ثم قالت: وكان إذا شغله عن صلاة الليل مرضٌ أو وجعٌ أو شيءٌ آخر، صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة)، يقضيها؛ لأنه يحب أن يداوم على العمل، ولا يتركه إذا فات، بل يقضيه؛ لأنه مداومٌ عليه وملازمٌ له، فأحب العمل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم الدائم، وهو أيضاً أحب إلى الله، بل محبة الله، ومحبة الرسول متلازمتان، فالرسول صلى الله عليه وسلم يحب ما يحبه الله، ومحبته تابعةً لمحبة الله، وأما المسلمون فعلامة كون الإيمان تمكن من القلوب: أن تكون محبتهم تابعةٌ لمحبة الله ورسوله، كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق على صحته: (ثلاثٌ من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله)، معناه: أن المحبة إنما هي في الله، ومن أجل الله، تابعةٌ لما يحبه الله، يحب الله ورسوله، ويحب ما يحبه الله ورسوله، ويحب من يحبه الله ورسوله، فيحب من يحبه الله ورسوله من الأشخاص، ويحب ما يحبه الله ورسوله من الأعمال. قوله: [(أي الليل كان يقوم؟ قالت: إذا سمع الصارخ)]، الصارخ هو: الديك، الديك إذا صوت، وأذن ووجد منه الصياح الذي هو الأذان يقوم فقد جاء في بعض الأحاديث أنه من كل الليل صلى، صلى من أوله، ومن وسطه، ومن آخره، ومن المعلوم أن الإنسان إذا كان يعلم من نفسه أنه ينام، وأنه يخشى ألا يستيقظ، فإنه يصلي قبل أن ينام ما أراد أن يصلي ويوتر، وقد أوصى بذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام أبا هريرة، وأبا الدرداء، فجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام)، معناه: يصلي صلاته في الليل ويوتر قبل أن ينام، وجاء في حديث أبي الدرداء: (أوصاني حبيبي صلى الله عليه وسلم بثلاث: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أرقد)، كما في صحيح مسلم، وحديث أبي الدرداء في صحيح مسلم وتعبيره: (حبيبي)، وحديث أبي هريرة في الصحيحين وتعبيره: (خليلي)، (أوصاني خليلي)، وأما أبو الدرداء فيقول: (أوصاني حبيبي صلى الله بثلاث)، وفيه حديث أبي هريرة: (أن أوتر قبل أن أنام)، وحديث أبي الدرداء: أن أوتر قبل أن أرقد. الحاصل أن الإنسان على حسب ما يتيسر له، إذا كان يتمكن من القيام في آخر الليل، فصلاته في آخر الليل أفضل، وإن كان لا يتمكن فإنه يصلي الليل قبل أن ينام، ويوتر قبل أن ينام، وهذا هو ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه أبي هريرة، وأبي الدرداء رضي الله تعالى عنهما. تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (... فأي الليل كان يقوم؟ قالت: إذا سمع الصارخ) قوله: [أخبرنا محمد بن إبراهيم البصري].هو ابن صدران، وهو صدوقٌ، أخرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي. [عن بشر هو ابن المفضل]. هو بشر بن المفضل، وكلمة: بشر التلميذ الذي أتى بها هو محمد بن إبراهيم البصري، أما من دونه النسائي أو غير النسائي من دون النسائي، فهم الذين قالوا: هو ابن المفضل؛ لأن التلميذ لا يحتاج إلى أن يقول: هو ابن فلان، بل ينسبه كما يريد، فلان ابن فلان ابن فلان، ويمكن يأتي بستة أسماء، أو يأتي بجده السادس أو السابع، مثل ما يفعل النسائي أحياناً يجيء سطر كامل كله نسب لشيخٍ من شيوخه، مثل عمرو بن عثمان، ومثل عمرو بن سواد، فإنه أحياناً يطول في نسبهم فيأتي خمسة أسماء أو ستة أسماء لهما، وأما غير التلميذ فهو الذي إذا أراد أن يزيد ما يوضح به، أتى بكلمة هو: ابن فلان، ولا يلزم أن تكون ممن دون التلميذ فقط، بل قد تكون ممن دونه بكثير، وقد سبق أن مر بنا أو مر بنا قريباً الحديث الذي فيما مضى الذي فيه: حميد بن عبد الرحمن هو ابن عوف، والذي ذكرت أن الحافظ ابن حجر قال: إنها وهمٌ، والوهم فيها ممن دون النسائي؛ لأنه وجد في نسخ النسائي التي ليست من رواية ابن السني ما فيها ابن عوف، وابن عوف جاء في رواية ابن السني، فالزيادة ممن دون النسائي، مع أن زيادة ابن عوف في أعلى الإسناد، لكن الذي زادها من أجل التوضيح هو من دون النسائي؛ لأن نسخة غير ابن السني أو الروايات التي هي غير روايات ابن السني ليس فيها ابن عوف، ليس في هذه الزيادة، إذاً هذه الزيادة ممن دون النسائي. الكلام على نعيم بن زياد وعمرو بن سواد الواردان في بعض أسانيد النسائي وبالمناسبة سبق أن مر بنا شخصان: أحدهما نعيم بن زياد الأنماري أبو طلحة، وذكرت لكم أن في التقريب الرمز بالدال والسين، أي: روى له أبو داود، والنسائي، وذكر بعض الإخوان أنه رمز له بالفاء، أي: أبو داود في التفرد، والنسائي، والموجود في نسخة التقريب الطبعة المصرية، وكذلك في نسخة تهذيب التهذيب، موجودٍ د س، لكن الموجود في تهذيب الكمال، والذي هو ليس بالرمز ولكنه بالحروف وبالكتابة، قال: أخرج له أبو داود في التفرد، والنسائي، وكما قلت لكم كثيراً: إذا حصل إشكال في الرموز يعني عند التقريب أو التهذيب، فإنه يرجع إلى تهذيب الكمال الذي فيه التنصيص وليس الترميز، التنصيص على الأسماء، يقول: أخرج له فلان وفلان وفلان، ويسميهم، أو الجماعة إلا فلان، أما يعني التقريب وتهذيب التهذيب، فإنها بالرموز، والرمز أحياناً يكون فيه شيء من التصحيف، لكن الكتابة هذه هي التي تعتبر معتبرة، فيؤمن فيها تصحيف الرموز، فإذاً نعيم بن زياد أبو طلحة الرمز له ف وس، (ف) أبو داود في التفرد، و(س) الذي هو النسائي، وقد مر بنا قريباً لعله في الإسناد ألف وستمائة وخمسة. وفيه شخصٌ آخر أيضاً سبق أن مر بنا وهو عمرو بن سواد، وفي نسخة التقريب موجود البصري، وهو المصري، وأنا قد سبق أن صححتها عندي، والدليل على أنه المصري يعني عدة أمور: الأمر الأول: أن نسخة تهذيب التهذيب، ونسخة خلاصة التذهيب فيها المصري. والأمر الثاني: أنه يروي عن ابن وهب، بل قالوا في ترجمته: أنه راوياً لـابن وهب، وابن وهب مصري، فهو راوٍ له، وما دام راوية له فهو مصري؛ لأن معناه: أنه معه وملازمٌ له، وهو في مصر، ثم أيضاً ذكروا أن ابن يونس ذكر ترجمة له، وابن يونس صاحب تاريخ مصر، مصري، فيكون مصرياً، وهذه الأمور التي ذكرتها توضح كونه مصرياً من جهة أن الذين نصوا عليه غير التقريب، تهذيب التهذيب، وخلاصة التذهيب، وكونه روايته عن ابن وهب كثيرة، وكونه راوياً لـابن وهب كما قالوا في ترجمته، وكونه أيضاً في تاريخ مصر مترجم له، كل هذا يبين أنه مصري وليس بصري، والتصحيف بين المصري، والبصري يحصل لتقاربهما، البصري، والمصري، يحصل التصحيف فيما بينهم، مثل ما يحصل التصحيف بين النجاري، والبخاري، فيأتي في التقريب: الأنصاري البخاري، وهي الأنصاري النجاري، يعني نسبةٌ عامة ثم نسبةٌ خاصة، وقد مر بنا قريباً: أن الصحابة والتابعين ما فيهم أحد ينسب إلى بخارة، وإنما من يأتي من الصحابة ومن التابعين، كلمة بخارة فهي تصحيف في الغالب، لا سيما إذا كان من الأنصار، فإنه يقال فيه: نجاري، ويأتي في التقريب في مواضع عديدة التصحيف بين هاتين الكلمتين: البخاري، والنجاري، فيقال: الأنصاري البخاري، وهي النجاري ليس البخاري، لكن الاشتباه، والائتلاف، والاختلاف بين هاتين الكلمتين.
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
|
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) - كتاب الصلاة (كتاب قيام الليل وتطوع النهار) (295) - كتاب قيام الليل وتطوع النهار - (باب ذكر صلاة رسول الله بالليل) إلى (باب ذكر صلاة نبي الله موسى) كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في أوقات الليل كلها، ولم يكن له وقت ثابت للصلاة، وكان داود عليه السلام يصلي ثلث الليل وينام سدسه. ذكر صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل شرح حديث أنس: (ما كنا نشاء أن نرى رسول الله في الليل مصلياً إلا رأيناه ...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل. أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا يزيد أخبرنا حميد عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: (ما كنا نشاء أن نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل مصلياً إلا رأيناه، ولا نشاء أن نراه نائماً إلا رأيناه)]. يقول النسائي رحمه الله: باب ذكر صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل، المقصود من هذه الترجمة: بيان ما كان عليه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام من الصلاة في الليل، وأنه صلى في أوقات الليل كله، لم يكن ثابتاً على وقت معين من الليل، يلتزمه ولا يتركه، لا يتقدم عليه ولا يتأخر، بل كان يصلي من أول الليل، ومن وسطه، ومن آخره، ولهذا جاء حديث أنس رضي الله عنه الذي أورده النسائي أنه قال: (ما كنا نشاء أن نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم مصلياً إلا رأيناه، وما كنا نراه نائماً إلا رأيناه)، أي: أنه ليس هناك وقت محدد ثابت يصلي فيه، وإنما كان في جميع الأوقات، كما جاء في بعض الأحاديث أنه (من كل الليل أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوله، ووسطه، وآخره، وانتهى وتره إلى السحر)، فهذا حديث أنس هو من هذا القبيل، ما كانوا يشاءون أن يروه مصلياً إلا رأوه، في أي وقت من الأوقات يجدونه مصلياً، ويجدونه نائماً في تلك الأوقات في بعض الأحيان الأخرى. تراجم رجال إسناد حديث أنس: (ما كنا نشاء أن نرى رسول الله في الليل مصلياً إلا رأيناه ...) قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه المروزي، وهو ثقة، ثبت، فقيه، مجتهد، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً. [حدثنا يزيد] هو ابن هارون الواسطي، وهو ثقة، متقن، عابد، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا حميد]. هو ابن أبي حميد الطويل البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أنس]. هو أنس بن مالك رضي الله عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وخادمه، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وأبو سعيد، وجابر وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم أجمعين، وهذا الحديث إسناده رباعي، بين النسائي، وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام أربعة أشخاص، وهو من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأنه ليس عند النسائي أعلى من الرباعيات، ليس عنده ثلاثيات، أما البخاري فعنده ثلاثيات، وهي: اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، بين البخاري فيها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشخاص، والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثية، وهي: بإسناد واحد ضعيف، وأما مسلم، وأبو داود، والنسائي، فليس عندهم ثلاثيات، فأعلى ما عندهم الرباعيات. شرح حديث: (كان رسول الله يصلي العتمة ثم يسبح ثم يصلي بعدها ما شاء الله من الليل ...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هارون بن عبد الله حدثنا حجاج قال ابن جريج عن أبيه: أخبرني ابن أبي مليكة: أن يعلى بن مملك أخبره: (أنه سأل أم سلمة رضي الله عنها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: كان يصلي العتمة، ثم يسبح، ثم يصلي بعدها ما شاء الله من الليل، ثم ينصرف فيرقد مثل ما صلى، ثم يستيقظ من نومه ذلك فيصلي مثل ما نام، وصلاته تلك الآخرة تكون إلى الصبح)].ثم أورد النسائي حديث أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها، وهي أنها أخبرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العتمة وهي: العشاء، ثم يسبح، أي: يصلي النافلة الراتبة التي بعد الصلاة، ثم بعد ذلك يصلي ما شاء من قيام الليل، ثم ينام مقدار ما صلى، ثم يستيقظ فيصلي مثل ما نام، وذلك يكون عند الصبح، أي: تلك الصلاة تكون عند الصبح. فقوله: [(ثم يستيقظ من نومه ذلك فيصلي مثل ما نام، وصلاته تلك الآخرة تكون إلى الصبح)]. معناه: أن الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي صلاتين، وبينهما نوم بمقدار الصلاة التي قبلها، هذا هو حديث أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها، من هذه الطريق، كان فيه صلاة وبعدها نوم، ثم بعد ذلك صلاة، ثم بعد ذلك يأتي الفجر. تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يصلي العتمة ثم يسبح ثم يصلي بعدها ما شاء الله من الليل ...) قوله: [أخبرنا هارون بن عبد الله].هو الحمال البغدادي، لقبه الحمال، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [حدثنا حجاج]. هو حجاج بن محمد المصيصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [قال ابن جريج]. هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، فقيه، يرسل، ويدلس. [عن أبيه]. هو عبد العزيز بن جريج المكي، وهو لين الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب السنن الأربعة. [أخبرني ابن أبي مليكة]. هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة منسوب إلى جده، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أن يعلى بن مملك]. بوزن جعفر، وهو مقبول، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. [أنه سأل أم المؤمنين أم سلمة]. هي هند بنت أبي أمية، أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة، والحديث في إسناده لين وهو: عبد العزيز بن جريج والد عبد الملك، ومقبول وهو: يعلى بن مملك، والحديث ضعفه الألباني، والمقبول هو: الذي يوجد له متابع فيكون حديثه مقبولاً بسبب المتابعة، وإذا لم يكن له متابع، فإنه يوصف بأنه: لين الحديث. حديث: (... كان رسول الله يصلي ثم ينام قدر ما صلى ...) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة عن يعلى بن مملك: (أنه سأل أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه سلم عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن صلاته؟ فقالت: ما لكم وصلاته؟ كان يصلي ثم ينام قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح، ثم نعتت له قراءته، فإذا هي تنعت قراءةً مفسرةً حرفاً حرفاً)].أورد النسائي حديث أم سلمة من طريق أخرى، وفيه (أنه كان يصلي ثم ينام، ثم يقوم فيصلي، مثل ما نام ثم ينام)، وهذا يختلف عن الذي قبله؛ لأن فيه زيادة النوم بعد الصلاة الثانية، يعني: فيه صلاة ثم نوم، ثم صلاة ثم نوم، والطريقة السابقة فيها صلاة ثم نوم ثم صلاة ثم طلوع الفجر. قوله: [أخبرنا قتيبة]. هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا الليث]. هو الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن عبيد الله بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة]. ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو الذي مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا، هناك غير منسوب وهنا منسوب. [عن يعلى بن مملك]. وقد مر أنه مقبول، وأن حديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. [أنه سأل أم سلمة]. وقد مر ذكرها. والحديث مثل الذي قبله فيه يعلى بن مملك، وهو مقبول. ذكر صلاة نبي الله داود عليه السلام بالليل شرح حديث: (... وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر صلاة نبي الله داود عليه السلام بالليل.أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس: أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحب الصيام إلى الله عز وجل صيام داود عليه السلام، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه)]. أورد النسائي صلاة داود عليه الصلاة والسلام، وأورد فيه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أنه قال: [(إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود كان ينام نصف الليل، ثم يقوم ثلثه، ثم ينام سدسه)]، أي أنه ينام نصفه، ثم يقوم ثلثه ويصلي، ثم ينام سدسه، ومعنى هذا أن النصف الأول يكون نائماً فيه، وبعد ذلك يكون مصلياً الثلث ثم السدس الباقي نائماً؛ لأن النصف ثلث وسدس، وثلث يصلي فيه، ثم سدس يكون نائماً فيه، وقيل: إن المراد من ذلك يعني بعد النوم المعتاد، وليس معنى ذلك أنه من غروب الشمس يكون النوم؛ ولكنه بعد مضي الوقت المعتاد الذي يكون فيه الصلاة، ويكون فيه الاستئناس والسمر، ثم عندما يأتي وقت النوم المعتاد ينام، وعلى هذا فالنوم الكثير يكون في الأول، ثم بعد ما يأخذ راحته من النوم وحاجته من النوم، يقوم ويصلي الثلث، ثم يبقى من النصف الثاني سدس فينام فيه، ومعنى ذلك أنه بعد صلاة العشاء مثلاً لمن يريد أن يقوم الليل، وأن يفعل فعل داود عليه الصلاة والسلام، يعني: بعد صلاة العشاء يبدأ الحساب، ولا يبدأ من المغرب، وإنما يبدأ من بعد صلاة العشاء، فينام نصف المدة، ثم يقوم ثلثها، ثم ينام السدس الباقي، والسدس الذي يكون في آخر الليل أيضاً يكون فيه استعداد للصلاة صلاة الفجر، وكونه أخذ راحته من النوم أيضاً بعد طول القيام في ذلك الثلث الذي فيه الصلاة، يأخذ راحته بعد هذا القيام حتى يقوم نشيطاً قوياً لصلاة الفجر. تراجم رجال إسناد حديث: (... وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه) قوله: [أخبرنا قتيبة]. وقد مر ذكره. [حدثنا سفيان]. هو ابن عيينة الهلالي المكي، وهو ثقة، ثبت، حجة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد ذكرت مراراً: أن قتيبة، لا يروي إلا عن سفيان بن عيينة، لا يروي عن سفيان الثوري، ليس له رواية عن سفيان الثوري، بل روايته عن سفيان بن عيينة؛ لأن قتيبة ولد سنة مائة وخمسين، والثوري مات سنة مائة وواحد وستين، فعمر قتيبة حين وفاة الثوري إحدى عشرة سنة، ليس له عنه رواية، وإنما روايته عن سفيان بن عيينة الذي عاش بعد سفيان الثوري سبعاً وعشرين سنة، فروايته، أي: قتيبة، إنما هي: عن سفيان بن عيينة فقط، وليس له رواية عن سفيان الثوري، فـسفيان هنا مهمل غير منسوب، وهو: ابن عيينة، وابن عيينة حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن عمرو بن دينار]. هو عمرو بن دينار المكي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن عمرو بن أوس]. هو عمرو بن أوس بن أبي أوس الثقفي، وهو ثقة، تابعي، كبير، وعده بعضهم في الصحابة، وقال الحافظ: إن هذا وهم، يعني عده في الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله بن عمرو بن العاص]. رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي ابن صحابي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، ومما يذكر عند ذكر عبد الله بن عمرو وأبيه: أن أباه بلغ وهو صغير، وتزوج وهو صغير، وولد له وهو صغير، ويقال: أن عمراً أكبر من ابنه عبد الله بثلاث عشرة سنة، يعني أنه ولد له وهو ابن ثلاث عشرة. يتبع
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |