|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين ا.د.فالح بن محمد الصغير الحلقة (66) مسند الإمام أحمد ( 1-5 ) وهذا تعريف بأبرز المصنفات في هذا العصر . 1 ــ مسند الإمام أحمد التعريف بالمؤلف : هو الإمام الجليل أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الذهلي الشيباني المروزي ثم البغدادي ، واشتهر بنسبته إلي جده فقيل : أحمد بن حنبل . ولد سنة أربع وستين ومائة ( 164 هــ ) وطلب العلم في مقتبل عمره حيث قال : ( طلبت الحديث سنة تسع وسبعين ومائة ) . روي عن : عفان بن مسلم، ووكيع بن الجراح ، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني ويحي بن سعيد القطان ، ويزيد بن هارون ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وسفيان بن عيينة وغيرهم كثير من أجلة الشيوخ ، وقد بلغ عدد شيوخ الإمام أحمد الذين روي عنهم في المسند : ( 292 ) . وروي عنه : البخاري ، ومسلم ، وأبوداود ، وابناه عبد الله وصالح ، وعلي بن المديني ، ويحي بن معين ، وأبوزرعة وأبوحاتم الرازيان ، كما روي عنه بعض شيوخه كالشافعي ، وابن مهدي ، وعبد الرزاق ، وروي عنه كثيرون غيرهم . ثناء العلماء عليه : أثني علي الإمام أحمد كثير من العلماء ، فقال عنه الإمام الشافعي كما في تاريخ بغداد ( 4 / 419 ) : (( خرجت من بغداد ، فما خلفت بها رجلا أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقي من أحمد بن حنبل )) . وقال أبو زرعة كما في الجرح والتعديل ( 1 / 296 ) : (( كان أحمد صاحب حفظ وصاحب فقه ، وصاحب معرفة ، ما رأت عيناي مثل أحمد في العلم والزهد والفقه والمعرفة وكل خير )) . وقال ابن حبان في الثقات ( 8 / 18 ) : (( كان أحمد بن حنبل حافظا متقنا ، ورعا ، فقيها ، لازما للورع الخفي ، مواظبا علي العبادة الدائمة ، به أغاث الله أمة محمد صلي الله عليه وسلم وذلك أنه ثبت في المحنة ، وبذل نفسه لله عز وجل حتي ضرب بالسياط للقتل فعصمه الله من الكفر ، وجعله علما يقتدي به )) . وفاته : توفي رحمه الله تعالي سنة إحدي وأربعين ومائتين للهجرة ، عن سبـع وسبعين سنة . التعريف بالكتاب : 1 - اسم الكتاب : المسند ، وذلك لأن أحاديثه مسندة ، أي مروية بسند متصل إلي الرسول صلي الله عليه وسلم . 2 - موضوعه : مرويات الإمام أحمد مرتبة علي مسانيد الصحابة رضي الله عنهم 3 - مشتملاته : يشتمل المسند : أ - من حيث عدد المسانيد : ذكر العلامة محمد بن جابر الوادي آشي( ت 749 هــ ) في برنامجه ( ص198 ) : أن عدد مسانيد الإمام أحمد ستة عشر مسندا ، وقال الحافظ ابن حجر في المعجم المؤسس ( 2 / 32 ) : (( مسند أحمد يشتمل علي ثمانية عشر مسندا ، وربما أضيف بعضها إلي بعض )) ، وذكر في ( إطراف المسند المعتلي 1 / 172 ) أنها سبعة عشر مسندا ، وبتوجيه ابن حجر السابق يجمع بين هذه الأقوال . وتلك الأرقام هي لأعداد المسانيد الرئيسة التي جعلها الإمام أحمد في مسنده كالكتب وترجم بها كقوله - مثلا - : ( مسند بني هاشم ) والحقيقة أنه يدخل تحتها عدة مسانيد للصحابة ، وربما اقتصر علي مرويات صحابي واحد فيها إذا كان من المكثرين ، ويترجم له بقوله : ( حديث ابن عباس ) - مثلا -(1) وأما عدد مسانيده من حيث التفصيل علي حسب ما أورده الحافظ علي بن الحسين ابن عساكر ( ت 571 هــ ) فهي : 1056 مسندا(2) ب - من حيث عدد أحاديثه : ذكر أهل العلم أن المسند يشتمل علي ثلاثين ألف حديث من غير المكرر ، وبالمكرر علي أربعين ألف حديث ، كما يشتمل علي ثلاث مئة حديث ثلاثية الإسناد . قال الحافظ أبو موسي المديني : ( فأما عدد أحاديثه فلم أزل أسمع من أفواه الناس أنها أربعون ألفا ، إلي أن قرأت علي أبي منصور بن زريق القزاز ــ بزايين ــ ببغداد قال : حدثنا أبو بكر الخطيب قال حدثنا ابن المنادي قال : لم يكن أحد في الدنيا أروي عن أبيه منه ــ يعني عبد الله بن أحمد بن حنبل ــ لأنه سمع المسند وهو ثلاثون ألفا ، والتفسير وهو مائة وعشرون ألفا ....الخ فلا أدري هل الذي ذكره ابن المنادي أراد به مالا مكرر فيه ، أو أراد غيره مع المكرر ، فيصلح القولان جميعا .. الخ ) (3) هذا ما ذكره أهل العلم ، لكن عدد أحاديث المسند المطبوع أقل من ذلك ، ويحتمل ذلك عدة أمور ، منها : 1 - كون النسخة المخطوطة المعتمد عليها في الطباعة ناقصة . 2- ربما تم اعتبار مجموعة من الأحاديث حديثا واحدا ، بينما هي أكثر من ذلك كمرويات النسخ . 3- ربما لم يتم اعتبار المرويات التي يسوقها الإمام أحمد من أقوال التابعين ونحوهم في شرح الغريب ، ونحو ذلك . (4) ج - من حيث نوع المرويات : يشتمل المسند علي المرفوع وهو الغالب، وعلي قليل من المرسل ، وقليل من الموقوف ، وعلي المقطوع ، وقد بوب الحافظ ابن حجر في كتابه إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي فقال : ( فصل في الموقوفات غير ما تقدم ) (5) يعني غير ما تقدم من المرويات الموقوفة التي ذكرها في كتابه هذا ، وبوب أيضا في موضع آخر فقال : ( ذكر ما وقع فيه من المراسيل والموقوفات بغير استيعاب ) (6) ، وأراد الحافظ ابن حجر بالموقوف عموم الأقوال التي رواها الإمام أحمد ما عدا المرفوع والمرسل (1) انظر : طرق التخريج بحسب الراوي الأعلي للدكتور عبد العزيز اللحيدان ص31 (2) انظر : ترتيب أسماءالصحابة الذين أخرج حديثهم أحمد بن حنبل في المسند ص 171 . (3) المصعد الأحمد ( ص 32 ــ 33 ) (4)انظر : طرق التخريج بحسب الراوي الأعلي ص 32 . (5) ( 8 / 369 ) . (6) ( 9 / 490 ) .
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين ا.د.فالح بن محمد الصغير الحلقة (69) مسند الإمام أحمد ( 4-5 ) السبب في وجود الموضوعات في المسند : الإمام أحمد ــ رحمه الله ــ من كبار أئمة الحديث الذين جمعوا بين الرواية والدراية والفقه ، وقد شهد له بالإمامة في التعديل والتجريح ومعرفة تاريخ الرجال ، وتمييز الصحيح من السقيم ، كبار أئمة هذا الشأن ، وهذا أمر لا يكاد يختلف فيه اثنان ، وقد عنيت ــ القائل الدكتور محمد أبو شهبة ــ بالبحث عن السر في وقوع الموضوعات في المسند ، وإن كان على ندرة حتى تكشف لي بعد البحث والتنقيب أن السبب يرجع إلى ما يأتي : 1 - أن الإمام أحمد كان يرى تخريج أكبر عدد ممكن من الأحاديث المشهورة أعم من أن تكون صحيحة أو ضعيفة ، وأنه كتبه في أوراق متفرقة ، وفرقه في أجزاء منفردة على نحو ما تكون المسودات وذلك على نية أن يهذب الكتاب وينقحه ، ويحذف منه ما يطمئن إليه ، ويزيد ما عسى أن يعثر عليه من الأحاديث الصحيحة ، ثم جاء حلول المنية قبل حصول الأمنية ، وهكذا كان شأن أئمة الحديث لا ينفكون عن التنقيح والتهذيب والحذف والإثبات حتى يوافيهم الأجل ، وقد مر بك آنفا أنه كان يأمر بالضرب على بعض الأحاديث ، فلعل ما أمر بالضرب عليه قد ترك سهوا. 2 - التساهل في رواية الفضائل ، وقد روي عن الإمام أنه قال : ( نحن إذا روينا في الحلال والحرام شددنا ، وإذا روينا في الفضائل تساهلنا ) ، وليس معنى هذا أن الإمام أحمد كان يخرج بعض الأحاديث الموضوعة وهو يعلم ذلك ثم يسكت عليه ، فحاشا أن يكون هذا ، وإنما هو اختلاف الأنظار ، فما هو في نظره غير موضوع قد يراه غيره موضوعا ، وأئمة الجرح والتعديل مختلفون في مناهجهم ، فمنهم المشدد ، ومنهم المتساهل ، ومنهم المتوسط . 3 - من جهة زيادات ابنه عبد الله وتلميذ ابنه أبي بكر القطيعي ، ومما ينبغي أن يعلم أن العلماء يريدون بالمسند ما يشمل الأصل وزياداته ، وللإمام ابن تيمية في هذا كلام حسن ذكره في كتابه " منهاج السنة " الذي ألفه في الرد على أحد الروافض ، قال " وليس كل ما رواه احمد في المسند يكون حجة عنده ، بل يروي ما رواه أهل العلم و شرطه في المسند أن لا يروي عن المعروفين بالكذب عنده ، وإن كان في ذلك ما هو ضعيف ، و شرطه في المسند مثل شرط أبي داود في سننه و أما كتب الفضائل فيروي ما سمعه من شيوخه ، سواء كان صحيحا أو ضعيفا ، ثم زاد ابن احمد زيادات ، وزاد أبو بكر القطيعى زيادات ، وفي تلك الزيادات أحاديث كثيرة موضوعة ، فظن الجاهل - يريد الرافضي - أن تلك من رواية احمد ، وأنه رواها في المسند و هذا خطأ قبيح ، فإن الشيوخ المذكورين شيوخ القطيعي وكلهم متأخر عن أحمد ، وهم ممن يروى عن أحمد ، لا ممن يروي أحمد عنه"(1) ومهما يكن من شيء فإن ما وقع فيه من الأحاديث المختلف في أنها موضوعة على قلتها لا تغض من شأن هذا الكتاب الجليل ومنزلته كديوان من دواوين السنة المعتمدة(2) 6- طريقة ترتيب المسند : رتب الإمام أحمد أحاديث كتابه علي مسانيد الصحابة ، وقسمها بضعة عشر مسندا من المسانيد أو مجامع المسانيد الرئيسة ، وقد عدها العلامة محمد بن جابر الوادي آشي ، فقال مسند الإمام أبي عبد الله : أحمد بن حنبل المشتمل علي ستة عشر مسندا : الأول : مسند العباس وبنيه ، الثاني : مسند أهل البيت ، وهم العشرة ، الثالث : مسند ابن عباس وحده ، الرابع : مسند أبي هريرة ، الخامس : مسند ابن مسعود ، السادس : مسند ابن عمر ، السابع : لجابر بن عبد الله ، الثامن : لأنس بن مالك ، التاسع : لعمرو بن العاص وأبي سعيد الخدري معا ، العاشر : لعائشة ، الحادي عشر : للمدنيين والمكيين ، الثاني عشر : للشاميين ، الثالث عشر : للبصريين ، الرابع عشر : للكوفيين ، الخامس عشر:للأنصار ، السادس عشر : مسند النساء ) (3) وعدها الحافظ ابن حجر ، فقال : ( هذه أسماء المسانيد التـي اشتمل عليها أصل المسند : مسند : العشرة وما معه ، ومسند : أهل البيت ، وفيه: العباس وبنيه، ومسند : عبد اله بن عباس ، ومسند : ابن مسعود ، ومسند : أبي هريرة ، ومسند : عبد الله بن عمر ، ومسند : جابر ، ومسند : الأنصار ، ومسند : المكيين والمدنيين ، ومسند : الكوفيين ، ومسند : البصريين ، ومسند : الشاميين ، ومسند : عائشة ، ومسـند : النساء ) (4) ، وعدد ما ذكر ابن حجر هنا ( 17 ) مسندا ، وذكر الحافظ في موضع آخر أنه اشتمل علي ثمانية عشر مسندا ، وقال : ( ربما أضيف بعضها إلي بعض ) (5)، وبهذا يوجه الاختلاف في عدد المسانيد الرئيسة في الكتاب ، لكن يظهر فيه الاختلاف في ترتيب هذه المسانيد ، فالوادي آشي بدأ بمسند العباس وبنيه ، وابن حجر بدأ بالعشرة وهو يوافق المطبوع ، بينما لم يزد ذكر العشرة المبشرين بالجنة في وصف الوادي آشي إلا قوله في الثاني : ( مسند أهل البيت ، وهم العشرة ) ، والعشرة غير أهل البيت ، فلعله أضافهم هنا كما أشار ابن حجر ، ومن المعلوم أن الإمام أحمد توفي قبل تهذيبه وترتيبه ، وإنما قرأه لأهل بيته قبل ذلك خوفا من العوائق العارضة ، وقد أجاب الإمام ابن عساكر بهذا (6) ومن خلال ما سبق يتبين : 1 - أن المسند مقسم إلي عدة مسانيد رئيسة , وهي التي ترجم لها غالبا بقوله مثلا : ( مسند العشرة وما معه ، ومسند أهل البيت ) وهي تشتمل علي مجموعة من مرويات عدد من الصحابة ، وقد بوب أيضا علي مرويات صحابي واحد بقوله : ( مسند ) ، مثل : ( مسند عبد الله بن عباس ، ومسند ابن مسعود ، ومسند أبي هريرة ) ويلحظ أن هؤلاء الذين أفردهم بهذا التبويب من المكثرين في الغالب ، وفي المسانيد التي يترجم بها ويبوب وهي جامعة كقوله : ( مسند العشرة ) ، يفصل مرويات كل صحابي علي حدة ، ويبوب عليها بقوله ( حديث أبي ، وحديث عمر بن الخطاب ) . 2 - بدأ مسند الرجال بالعشرة المبشرين بالجنة ، وقدم حديث الأربعة الخلفاء ، ثم رتب البقية بعد ذلك بحسب البلدان ، مثل قوله : مسند البصريين ، ومسند المكيين ، ومسند المدنيين ، ومسند الكوفيين ، أو بحسب القبائل ، وأهل بيت رسول الله صلي الله عليه وسلم ، والأنصار وغير ذلك ، وربما كررت مرويات الصحابي في أكثر من موضع تارة باعتبار بلده ، وتارة باعتبار قبيلته ، أو أسبقيته في الإسلام ، ومن ذلك أنه أخرج مرويات ( حارث بن أقيش ) في مسند الأنصار ، ثم أخرجها في مسند الشاميين ، وكذا ( حارث بن زياد الأنصاري ) أخرج له في موضعين : مسند المكيين ، ومسند الشاميين ، وقد رتب ابنه عبد الله مسانيد المقلين ، قال الحافظ ابن حجر : ( لم يرتب - يعني الإمام أحمد - مسانيد المقلين ، فرتبها ولده عبد الله ، فوقع منه إغفال كبير من جعل المدني في الشامي ، ونحو ذلك ) (7) وأما مرويات النساء فقد فرقت في المطبوع من المسند في عدة مواضع ، وجمعت مرويات أكثرهن في أواخر المسند متتابعة ، وقدم : حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، ثم : حديث فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله صلي الله عليه وسلم ، إلي بقية أحاديث أمهات المؤمنين ، وبقية النساء رضوان الله عليهن ، وترجم لأحاديث المبهمات من أزواج النبي صلي الله عليه وسلم في مواضع أخري ، مثل قوله : ( حديث بعض أزواج النبي صلي الله عليه وسلم ) . 3 - ترجم أيضا لمسانيد المبهمين والمبهمات من الصحابة رضوان الله عليهم ، بحسب ما جاء في الرواية ، : ( حديث رجل من أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم ) 4 - في آخر المسند بعد مرويات النساء ، أخرج مرويات أربعة من الصحابة ، حيث ترجم لأولهم ، فقال : ( حديث صفوان بن أمية رضي الله عنه ) ، ثم : ( حديث أبي بكر بن زهير الثقفي رضي الله عنه ) ، ثم : ( حديث والد بعجة بن عبد الله رضي الله عنه ) ، ثم : ( حديث شداد بن الهاد رضي الله عنه ) ، وبه ختم المسند المطبوع ، وأحاديث صفوان جاءت في موضع آخر ، وكذا أبو بكر بن أبي زهير ، وشداد بن الهاد . (8) (1) ــ منهاج السنة ( 7 / 97 ). (2) ــ أعلام المحدثين للدتور محمد أبو شهبةص 84 ، 85 . (3) برنامجه ص 198 . (4) إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي ( 1 /173 ). (5) المجمع المؤسس ( 2 / 32 ) . (6) ترتيب أسماء الصابة الذين أخرج حديثهم أحمد بن حنبل في المسند ص 33 . (7) المعجم المؤسس ( 1 / 199 ) . (8) انظر : تخريج الحديث بحسب الراوي الأعلي ص 37 ــ 40 .
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين ا.د.فالح بن محمد الصغير الحلقة (42) من وسائل الصحابة في خدمة السنة تبليغ الحديث ومن صوره: د/ الفتيا: لقد كانت فتاوى الصحابة وإجاباتهم على أسئلة سائليهم وسيلة من وسائل تبليغ السنة وأدائها ونشرها، ذلك أنهم كانوا إذا سُئِلوا أو استفتوا حرصوا على أن يبينوا مأخذ فتواهم، وأن يذكروا دليل إجابتهم، بل ربما كان الجواب على السؤال مجرد رواية الحديث فقط. وقد حرص الصحابة على غرس ذلك المنهج في نفوس تلاميذهم، فعن الضحاك الضبي قال: لقى ابن عمر جابر بن زيد في الطواف، فقال: يا جابر: إنك من فقهاء أهل البصرة، وإنك ستستفتي، فلا تفتين إلا بقرآن ناطق، أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت.(1) وهاك بعض الأمثلة من إجابات بعض الصحابة وفتاواهم بذكر مروياتهم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسألة المطروحة أو القضية محل الفتوى. عن أنس بن سيرين قال: سألت ابن عمر، قلت: أرأيت الركعتين قبل صلاة الغداة، أأطيل فيهما بالقراءة ؟ قال:" كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة" قال: قلت: إني لست عن هذا أسألك، قال:" إنك لضخم، ألا تدعني استقرئ لك الحديث ؟ كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة، ويصلي ركعتين قبل الغداة كأن الأذان بأذنيه" (2). والوصف بالضخامة إشارة إلى الغباوة والبلادة وسوء الأدب، قالوا: لأن هذا الوصف يكون للضخم، وإنما قال ابن عمر له ذلك لأنه قطع عليه الكلام، وأعجله قبل تمام حديثه، وقوله:" كأن الأذان بأذنيه" إشارة إلى تخفيفها بالنسبة لسائر صلاته، والمراد بالأذان: الإقامة (3). وعن زيد بن جبير قال: سمعت رجلاً سأل ابن عمر عن بيع الثمرة ؟ فقال:" نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها"(4). وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، أنه سُئِل عن كسب الحجام، فلم يقل فيه حلالاً ولا حراماً. قال:" قد احتجم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حجمه أبو طيبة، فأمر له بصاعين من طعام، وكلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم– يعني أهله – فخففوا عنه من غلته، أو من ضريبته، وقال: خير ما تداويتم به الحجامة، والقسط البحري (5)، ولا تعذبوا صبيانكم بالغمز" (6). وعن سعيد بن أبي الحسن البصري قال: كنت عند ابن عباس -رضي الله عنهما-، إذ أتاه رجل، فقال يا ابن عباس، إنما أنا رجل معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير ؟ فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، سمعته يقول:" من صور صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبداً"، قال: فربا الرجل ربوة (7)، شديدة، واصفر وجهه، فقال له ابن عباس:" ويحك ! إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر وكل شيئاً ليس فيه روح" (8). وعن زهدم بن مضرب الجرمي قال: كنا عند أبي موسى، فأتى بلحم دجاج، وعنده رجل من بني تيم الله أحمر، كأنه من الموالى، فدعاه الطعام، فقال: إني رأيته يأكل شيئاً فقذرته، فحلفت ألا آكل، فقال: هلم فلأحدثكم عن ذلك: إني أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في نفر من الأشعريين، نستحمله، فقال:" والله لا أحملكم، وما عندي ما أحملكم"، وأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بنهب إبل(9) فسأل عنا، فقال:" أين النفر الأشعريون ؟" فأمر لنا بخمس ذود غر الذرى (10)، فلما انطلقنا قلنا: ما صنعنا ؟ لا يبارك لنا، فرجعنا إليه، فقلنا: إنا سألناك أن تحملنا، فحلفت ألا تحملنا، أفنسيت؟ قال:" لست أنا حملتكم، ولكن الله حملكم، وإني – والله – لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها" (11). هذا وقد كان هذا الصنيع من الصحابة- تحملا أداء - هو الأساس الذي سار عليه معظم علماء الأحاديث بعد ذلك في وضع قواعد التحمل والأداء التي اصطلحوا عليها فيما بعد. (1) - أخرجه أبو نعيم في الحلية( 4/142) وسنده ضعيف لأن الضحاك الضبي مجهول، روى عنه الكوفيون، انظر: الجرح والتعديل( 4/462)،وميزان الاعتدال( 2/327). وجابر بن زيد الأزدي البصري، روى عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وغيرهم، قال فيه ابن عباس: لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علما من كتاب الله. انظر: تهذيب التهذيب ( 2/38)، حلية الأولياء( 3/86). (2) - أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل مثنى مثنى، رقم( 1761) وأخرجه بدون المراجعة البخاري في صحيحه، كتاب الوتر، باب ساعات الوتر، رقم( 995). (3) - انظر: شرح النووي على مسلم( 6/32-33). (4) - أخرجه أبو يعلى بإسناد صحيح( 10/82 رقم 5719). (5) - القسط: بضم القاف: عود هندي، وعربي، معروف في الأدوية، طيب الريح، تبخر به النفساء والأطفال، وهو مدر نافع للكبد والمغص والدود وحمى الربع شربا، وللزكام والنزلات والوباء بخوراً، وللبهق والكلف طلاء. انظر: النهاية( 4/60)، القاموس المحيط ص 881. (6) - الغمز: العصر والكبس باليد. النهاية( 3/385)، والحديث أخرجه أبو يعلى في مسنده( 6/403، 404 رقم 3758) بإسناد صحيح. (7) - ربا الرجل: أصابه نفس في جوفه، وهو الربو والربوة، وقيل معناه: ذعر وامتلأ خوفا.( فتح الباري 4/416). (8) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب بيع التصاوير التي ليس بها روح، رقم( 2225)، ومسلم في صحيحه، كتاب اللباس، باب تحريم تصوير صورة الحيوان، رقم( 5540). (9) - نهب الإبل: أي غنيمة إبل، والنهب: الغنيمة. انظر: القاموس المحيط( ص 179). (10) - الذود من الإبل، ما بين السنتين إلى التسع، وقيل ما بين الثلاث إلى العشر، واللفظة مؤنثة، ولا واحد لها من لفظها كالنعم، النهاية( 2/171). (11) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فرض الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، رقم( 3133).
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين ا.د.فالح بن محمد الصغير الحلقة (43) مراتب الصحابة في الرواية والفتيا ذكرنا فيما مضى كيف أن وسائل الصحابة في تبليغ السنة قد تعددت، وأنهم قد بذلوا جهودا مشكورة في هذا الباب، ومع ذلك نجدهم يتفاوتون في الرواية والفتيا، فليسوا فيهما على مرتبة واحدة، بل مراتب مختلفة، فمنهم المقل، ومنهم المكثر. روى أبو خيثمة عن مسروق قال:"جالست أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكانوا كالإخاذ (1)، يروى الراكب، والإخاذ يروى الراكبين، والإخاذ يروى العشرة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم، وإن عبدالله من تلك الإخاذ" (2). وروى أيضا عن عبدالله قال:" لو أن علم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وضع في كفة الميزان، ووضع علم أهل الأرض في كفة، لرجح علم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-"(3). المكثرون من الصحابة في الرواية: المكثر في الرواية من بلغت مروياته ألف حديث فأكثر، والصحابة المكثرين في الرواية سبعة هم على النحو التالي: 1- أبو هريرة -رضي الله عنه-، روى عنه( 5374) خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثا، حسب مسند بقى من مخلد، وله في مسند أحمد( 3848)،واتفق الشيخان له على( 326) وانفرد البخاري برواية( 93) ومسلم برواية( 98) حديثا. 2- عبدالله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما-، روى عنه( 2630) ألفا حديث وستمائة وثلاثون حديثاً، وله في مسند أحمد( 2019) واتفق الشيخان له على( 168) وانفرد البخاري برواية( 81) ومسلم برواية( 31) حديثاً. 3- أنس بن مالك -رضي الله عنه-، روى عنه( 2286) ألفان ومئتان وستة وثمانون حديثاً، وله في مسند أحمد( 2192)، واتفق الشيخان له على( 180) وانفرد البخاري برواية( 80) ومسلم برواية( 90) حديثاً. 4- أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، روى عنها( 2210) ألفان ومئتان وعشرة أحاديث ولها في مسند أحمد( 1340) واتفق الشيخان لها على( 174) وانفرد البخاري برواية( 54) ومسلم برواية( 69) حديثاً. 5- عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب -رضي الله عنهما-، روى عنه 6- ( 1660) ألف وستمائة وستون حديثاً، وله في مسند أحمد( 1696) واتفق الشيخان له على( 75) وانفرد البخاري برواية( 120) ومسلم برواية( 9) أحاديث. 7- جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما-، روى عنه( 1540) ألف وخمسمائة وأربعون حديثاً، وله في مسند أحمد( 1206) واتفق الشيخان له على( 58) وانفرد البخاري برواية( 26) ومسلم برواية( 126) حديثاً. 8- أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري -رضي الله عنهما-، روى عنه( 1170) ألف ومائة وسبعون حديثاً، وله في مسند أحمد( 958) واتفق الشيخان له على( 43) وانفرد البخاري برواية( 16) ومسلم برواية( 52) حديثاً (4). وقد نظم هؤلاء السبعة بعضهم بقوله: سبع من الصحب فوق الألف قد نقلوا من الحديث عن المختار خير مضــر أبو هريرة سعــد جابــر أنس صديقة وابن عباس كذا ابن عمــر وأما الذين لم تبلغ مروياتهم ألف حديث، فهم متفاوتون في ذلك، فمنهم من روى له مئات الأحاديث، ومن هؤلاء: · عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه-، وله ثمانمائة وثمانية وأربعون حديثاً( 848). · عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-، وله سبعمائة حديث( 700). · أم سلمة -رضي الله عنها-، ولها ثمانية وسبعون وثلاثمائة( 378). · البراء بن عازب رضي الله عنهما، وله خمسة وثلاثمائة( 305). · أبو ذر الغفاري -رضي الله عنه-، وله واحد وثمانون ومئتا حديث( 281). (5) ومن الصحابة من روى له عشرات الأحاديث، منهم: - زيد بن ثابت -رضي الله عنه-، له خمسة وتسعون حديثاً( 95). - وأم المؤمنين ميمونة -رضي الله عنها-، لها ستة وسبعون حديثا(76). - وزيد بن أرقم -رضي الله عنه-، له سبعون حديثا( 70). - وأم المؤمنين حفصة -رضي الله عنها-، لها ستون حديثاً( 60). - وعمرو بن العاص -رضي الله عنها-، له تسعة وثلاثون حديثا ( 39).(6) ومن الصحابة من لم ترو عنه إلا آحاد الأحاديث، منهم: - سعيد بن يربوع بن عنكثة المخزومي -رضي الله عنه-، له ثلاثة أحاديث. - وعبدالله بن حذافة السهمي -رضي الله عنه-، له ثلاثة أحاديث أيضاً. - وعبدالله بن حنظلة الغسيل -رضي الله عنه-، له حديثان. - وحارثة بن النعمان -رضي الله عنه-، له حديثان أيضاً. - وحسان بن ثابت -رضي الله عنه-، له حديث واحد (7). (1) - الإخاذ – بوزن كتاب – مجتمع الماء. (2) - العلم لأبي خيثمة ص 123 رقم( 59)، والمقصود بعبدالله هو ابن مسعود رضي الله عنه. (3) - العلم لأبي خيثمة ص 123 رقم( 60) وقال الألباني عنه وعن سابقه: إسناده صحيح. (4) - انظر: تلقيح فهوم أهل الأثر ص 363، جوامع السيرة ص 275، 276، مناهج وآداب الصحابة في التعلم والتعليم ص 161، 162، صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ص 139-140. (5) - انظر: تلقيح فهوم أهل الأثر ص 363-364. (6) - انظر: تلقيح فهوم أهل الأثر ص 365-367. (7) - انظر: تلقيح فهوم أهل الأثر ص 370-379.
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين ا.د.فالح بن محمد الصغير الحلقة (47) من وسائل الصحابة في خدمة السنة رابعاً/ وضع قواعد الرواية: لم تقتصر وسائل الصحابة في خدمة السنة على التلقي والأداء وكتابة الحديث، وإنما تجاوزت ذلك إلى وضع الضوابط وإنشاء القواعد التي تضمن سلامة الرواية وضبط السنة، وكان من هذه القواعد: 1- التقلل من الرواية: كان منهج الصحابة هو التقلل من الرواية بغرض إيجاد حصانة في النفس لكي لا تتجرأ على رواية الحديث حتى تتأكد من صحته. روى البخاري بسنده عن عامر بن عبدالله بن الزبير عن أبيه قال: قلت للزبير: إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحدث فلان فلان، قال:أما إني لم أفارقه، ولكن سمعته يقول:" من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"(1). وكذلك كان أنس رضي الله عنه(2)، وكان عمر وابن مسعود، رضي الله عنهما، يقولان:" بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع" (3). وأخرج البخاري في صحيحه عن مجاهد قال:" صحبت ابن عمر إلى المدينة فلم أسمعه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حديثاً واحداً" (4). وعن الشعبي قال:" قعدت مع ابن عمر سنتين أو سنة ونصفا فما سمعته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا إلا هذا الحديث" (5). وقال إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف:" بعث عمر بن الخطاب إلى عبدالله بن مسعود، وإلى أبي الدرداء، وإلى أبي مسعود الأنصاري، وإلى أبي ذر، قال: ما هذا الحديث الذي تكثرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فحبسهم بالمدينة حتى استشهد" (6). قال ابن حبان:" لم يكن عمر بن الخطاب فيما قد فعل – يتهم الصحابة بالتقول على النبي صلى الله عليه وسلم ولا ردهم عن تبليغ ما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" ليبلغ الشاهد منكم الغائب" وأنه لا يحل لهم كتمان ما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه علم ما يكون بعده من التقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه عليه السلام قال:" إن الله –تبارك وتعالى – نزل الحق على لسان عمر وقلبه " (7)، وقال:" إن يكن في هذه الأمة محدثون فعمر منهم(8)"، فعمد عمر إلى الثقات المتقنين، الذين شهدوا الوحي والتنزيل، فأنكر عليهم كثرة الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، لئلا يجترئ من بعدهم ممن ليس في الإسلام محله كمحلهم، فيكثر الرواية، فيزل فيها، أو يقول متعمداً عليه صلى الله عليه وسلم لنوال الدنيا.... (9)". ولم يؤدهم ذلك إلى كتما العلم، وإنما هو الحرص على السنة والدين. روى الدارمي بسنده عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال:" لقد أدركت في هذا المسجد عشرين ومائة من الأنصار، وما منهم من أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث"(10). وأخرج عبد بن حميد بسنده عن أبي هريرة قال:" لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم وتلا:" وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه" (11). 2- التثبت في الرواية عند أدائها: قال الإمام الذهبي في ترجمة أبي بكر الصديق رضي الله عنه:" وكان أول من احتاط في قبول الأخبار...(12)" وقال في ترجمة عمر بن الخطاب:" هو الذي سن للمحدثين التثبت في النقل"(13) يعني: أنه حرص على إشاعة هذه السنة وتعليمها، وأخذ الرعية على التزامها والتشديد في ذلك، وهي سنة التوثق والتحري للسنة، ولذلك وجدنا عمر رضي الله عنه يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب، فعن أبي سعيد الخدري قال:" كنا في مجلس عند أبي بن كعب، فأتى أبو موسى الأشعري مغضباً- وفي رواية: فزعا مذعورا- حتى وقف، فقال: أنشدكم الله ! هل سمع أحد منكم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك، وإلا فارجع"، قال أبي: وما ذاك ؟ قال: استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرات فلم يؤذن لي، فرجعت، ثم جئته اليوم، فدخلت عليه، فأخبرته أني جئت أمس، فسلمت ثلاثا، ثم انصرفت، قال: قد سمعناك، ونحن حينئذ في شغل فلو استأذنت حتى يؤذن لك ؟ قال: استأذنت كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوالله لأوجعن ظهرك وبطنك، أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا، فقال أبي بن كعب: فوالله لا يقوم معك إلا أحدثنا سنا! قم يا أبا سعيد، فقمت حتى أتيت عمر، فقلت: قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا". (14) وجدير بالتنبيه أن هذا لم يكن من عمر رضي الله عنه لأنه لم يكن يحتج بخير الآحاد كما زعموا!! فإنه لما قبل حديث أبي سعيد، لم يزل الخبر بعدها آحاداً، ولم يكن هذا أيضا، لأنه لم يكن يثق بأبي موسى، حاشاه، وإنما فعل ذلك للاحتياط في ضبط الحديث، وزيادة في التثبت، ويؤكده ما جاء في بعض الروايات الأخرى عن عمر قال:" إني لم أتهمك ولكن أحببت أن أتثبت" (15). (1) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، رقم( 107). (2) - صحيح مسلم،المقدمة ص 6. (3) - صحيح مسلم، المقدمة ص 6. (4) - صحيح البخاري، كتاب العلم، باب الفهم في العلم 1/198فتح. (5) - أخرجه الدارمي، المقدمة، باب من عاب الفتيا مخافة السقوط 2/336، والحديث رجاله ثقات ولعله يقصد بهذا الحديث، الحديث الصحيح إن من الشجرة شجرة لا تسقط ورقها)، انظر: الحديث وأهله لشيخنا الدكتور يحيى إسماعيل. (6) - أخرجه ابن شيبة في المصنف 8/756، وابن سعد في الطبقات 2/336، والإمام أحمد في العلل رقم 372، وإسناده صحيح، فإبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف قد سمع من عمر رضي الله عنه على الصحيح. (7) - أخرجه الإمام أحمد في سنده 2/401، وابن حبان في صحيحه رقم 6889. (8) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر 7/52، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر 15/166. (9) - المجروحين لابن حبان 1/36-37. (10) - سنن الدارمي، المقدمة، باب من هاب الفتيا وكره التنطع، والحديث إسناده حسن لأن عطاء بن السائب الذي روى عن عبدالرحمن: صدوق اختلط، التقريب( 2/22)، وعبدالرحمن بن أبي ليلى تابعي أنصارى مدني ثقة، مات بوقعه الجماجم، وقد خرج له الجماعة، التقريب( 1/496). (11) - الآية /187 من سورة آل عمران، والحديث عزاه السيوطي في الدر المنثور( 2/121) لعبد بن حميد. (12) - تذكرة الحفاظ 1/2. (13) - تذكرة الحفاظ 1/6. (14) - الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستئذان، باب التسليم ثلاثا ( 11/28) ، ومسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب الاستئذان ( 14/130) . (15) - الموطأ لمالك، كتاب الاستئذان ص 597.
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين ا.د.فالح بن محمد الصغير الحلقة (48) من وسائل الصحابة في خدمة السنة من قواعد الرواية: 3- عنايتهم بالإسناد: اهتم الصحابة بإسناد الحديث واستعملوا العبارات التي تفيد مزيدا من التوثيق في الرواية كقول أبي عمرو الشيباني: حدثني صاحب هذا الدار وأشار إلى دار عبدالله بن مسعود، قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أي الأعمال أحب إلى الله تعالى، قال الصلاة على وقتها... الحديث"(1). واشتدت هذه العناية بعد عصر الفتنة، ومن الأقوال الواردة في ذلك قول أبي هريرة، وابن عباس رضي الله عنهما: أن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم " (2). وبطبيعة الحال نشأت بذور الإسناد فقط، لأن الإسناد إنما هو وسيلة للكشف على الرواة لاختبار عدالتهم وضبطهم، وكلهم في ذلك الوقت عدول ضابطون (3). وقد قدم لنا مسلم – رحمه الله ، مثالاً لهذا ، فروى بسنده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان يعطي عمر بن الخطاب رضي الله عنه – العطاء، فيقول عمر : أعطه يا رسول الله أفقر إليه مني، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خذه فتموله أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك(4). ففي هذا الحديث ثلاثة من الصحابة، كل منهم يروى عن الآخر وهم : السائب بن يزيد عن عبدالله بن السعدي عن عمر بن الخطاب – رضوان الله عليهم أجمعين- ورواه عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . هكذا رأينا كل واحد من هؤلاء الصحابة لم يكتف بذكر من سمعه منه ولم يرفعه من بعد عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما بين كل منهم كيف وصل إليه الحديث. يقول الإمام النووي في شرح هذا الحديث : " وقد جاءت جملة من الأحاديث فيها أربعة صحابيون، يروى بعضهم عن بعض وأربعة تابعيون بعضهم عن بعض"(5). 4- الرواية باللفظ ما أمكن : كان الصحابة – رضي الله عنهم – حريصين على أداء الأحاديث بلفظها الذي سمعوه ما أمكنهم ذلك، من غير تغيير ولا تقديم ولا تأخير، وممن عظمت عنايته بذلك عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم : فعن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم قال : " لم يكن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد إذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يزيد فيه، ولا ينقص، ولا ، ولا ، مثل عبدالله بن عمر " . وفي رواية : " كان ابن عمر إذا سمع الحديث لم يزد فيه ، ولم ينقص منه، ولم يجاوزه، ولم يقصر عنه " (6). ويتضح ذلك في المثال التالي : عن سعد بن عبيدة عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بني الإسلام على خمسة : على أن يوحد الله ، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج " فقال رجل : الحج وصيام رمضان ؟ قال : " لا " صيام رمضان والحج، هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم " (7). وربما سمع ابن عمر الرجل يبدل لفظا بلفظ آخر في معناه، فيرد عليه روايته ويذكر له اللفظ على ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم : فعن أبي جعفر محمد بن علي قال : " كان عبدالله بن عمر رضي الله عنه إذا سمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، أو شهد معه مشهدا لم يقصر دونه أو يعدوه . قال : فبينما هو جالس وعبيد بن عمير ( ابن قتادة الليثي ) يقص على أهله مكة إذ قال عبيد بن عمير : " مثل المنافق كمثل الشاة بين الغنمين إن أقبلت إلى هذه الغنم نطحتها، وإن أقبلت إلى هذه نطحتها " فقال عبدالله بن عمر : ليس هكذا، فغضب عبيد بن عمير، وفي المجلس عبدالله بن صفوان، فقال : يا أبا عبدالرحمن ، كيف قال ؟ رحمك الله، فقال : " مثل المنافق مثل الشاة بين الربيضين (8)، إن أقبلت إلى ذا الربيض نطحتها، وإن أقبلت إلى ذا الربيض نطحتها " فقال له : رحمك الله ، هما واحد، قال : " كذا سمعت "(9). وممن كان يفعل ذلك أيضا : أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه : فعن حبيب بن عبيد الرحبي قال : " إن كان أبو أمامة ليحدثنا الحديث كالرجل الذي عليه أن يؤدي ما سمع " (10). وقد كان عمر رضي الله عنه يوصى بذلك ويحض عليه، فعنه رضي الله قال : " من سمع حديثا فأداه كما سمع فقد سلم " (11). 5- الرواية بالمعنى إذا صح المعنى : كان الصحابي إذا استصعب الإتيان باللفظ روى الحديث بالمعنى، وهم أعلم الناس باللغة وبمقاصد الشريعة، وأعرف الناس بنبيهم ومعاني كلامه الكريم، ومواقع خطابه صلى الله عليه وسلم، والمحتمل من معانية وغير المحتمل(12)، وممن قال بذلك واثلة بن الأسقع، رضي الله عنه : فعن مكحول قال : دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة بن الأسقع رضي الله عنه، فقلنا : يا أبا الأسقع، حدثنا بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيه وهم ولا زيادة ولا نقصان ، قال : " هل قرأ أحد منكم من القرآن هذه الليلة شيئا؟ " قال : فقلنا : نعم ، وما نحن له بحافظين، حتى إنا لنزيد الواو والألف وننقص، قال : " فهذا القرآن مذ كذا بين أظهركم، لا تألون حفظه، وإنكم تزعمون أنكم تزيدون وتنقصون، فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، عسى أن لا نكون سمعناها منه إلا مرة واحدة، حسبكم إذا حدثتكم بالحديث على المعنى "(13). وممن قال بذلك عائشة رضي الله عنها : فعن عروة بن الزبير قال : قالت لي عائش رضي الله عنها : " يا بني، إنه يبلغني أنك تكتب عني الحديث، ثم تعود فتكتبه "، فقلت لها : أسمعه منك على شيء، ثم أعود فأسمعه على غيره، فقالت : " هل تسمع في المعنى خلافاً؟ قلت : لا ، قالت : " لا بأس بذلك " (14). وكذلك فعل عدد كثير من الصحابة رضوان الله عليهم . فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : " كنا نجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، عسى أن نكون عشرة نفر، نسمع الحديث، فما منا اثنان يؤديانه، غير أن المعنى واحد " (15). وعن زرارة بن أبي أوفى قال : " لقيت عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فاختلفوا في اللفظ، واجتمعوا في المعنى " (16). وعن محمد بن سيرين قال : " كنت أسمع الحديث من عشرة، اللفظ مختلف، والمعنى واحد "(17) . (1) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال 1/50. (2) - المجروحين لابن حبان 1/21-22. (3) - توثيق السنة للدكتور رفعت فوزي ص 36. (4) - أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب إباحة الأخذ لمن أعطى من غير مسألة 2/723. (5) - شرح مسلم للإمام النووي 7/136. (6) - أخرجه الخطيب في الكفاية ص 265. (7) - أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أركان الإسلام ودعائمه العظام، رقم ( 111) . (8) - مثنى الربيض، وهو الغنم برعاتها المجتمعة في مرابضها، القاموس ص 829. (9) - أخرجه أحمد في مسنده بإسناد صحيح ( 7/259-260 رقم 5546) ط : شاكر ، والدارمي في المقدمة، باب من رخص في الحديث إذا أصاب المعنى ، رقم ( 318)، وصححه الحاكم ( 3/516) ، والحديث المرفوع في هذا عن ابن عمر من غير القصة، أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفات المنافقين، باب صفات المنافقين وأحكامهم، رقم ( 7043) . (10) - أخرجه الخطيب في الكفاية ص 124. (11) - أخرجه ابن عبدالبر في الجامع بيان العلم ( 2/1008 رقم 1919) والخطيب في الكفاية ص 267. (12) - انظر : مناهج وآداب الصحابة ص 193. (13) - أخرجه ابن عبدالبر في الجامع ( 1/348رقم 471)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل ص 533، والخطيب في الكفاية ص 308، وأخرج الجزء الأخير منه " حسبكم ... " الدارمي في سننه، المقدمة، باب من رخص في الحديث إذا أصاب المعنى، رقم ( 315) . (14) - أخرجه الخطيب في الكفاية ص 309-310. (15) - أخرجه الخطيب في الكفاية ص 309. (16) - أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ص 531. (17) - أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ص 534، وابن عبدالبر في الجامع رقم ( 464-465) والخطيب في الكفاية ص 311، وانظر : مناهج وآداب الصحابة ص 191-194.
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين ا.د.فالح بن محمد الصغير الحلقة (50) من وسائل الصحابة في خدمة السنة خامساً : مدارسة الحديث : كان الصحابة بعد سماعهم للأحاديث وتثبتهم منها يتدارسونها فيما بينهم ليطبقوا ما فيها من أحكام وليزدادوا تثبتاً من حفظها . ففي الصحيحين من حديث أبى هريرة رضي الله عنه قال : لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر : كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله " فقال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب فوالله ما هو إلا أن رأيت الله عز وجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق " (1). فهنا نجد محاورة بين الصديق والفاروق، رضي الله عنهما، في فهم الحديث، وفقهه، فأبو بكر يتجه إلى قتالهم أخذا من قوله صلى الله عليه وسلم " إلا بحقه " ومن حقه أداء حق المال الواجب، وعمر ظن أن مجرد الإتيان بالشهادتين يعصم الدم في الدنيا تمسكا بعموم أول الحديث، وليس الأمر على ذلك، ثم إن عمر رجع إلى موافقة الإمام أبي بكر رضي الله عنه " (2). وفي السنة أمثلة عديدة تكشف عن هذا الجانب من فقه الصحابة رضوان الله عليهم للسنة، واستنباطهم لأحكامها، وتطبيقهم لها، وفيما ذكرناه غنية وكفاية . وهكذا اتضح لنا من خلال العرض السابق الجهود الضخمة التي بذلها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في خدمة السنة النبوية المطهرة، فرضي الله عنهم وأرضاهم وجزاهم عن الإسلام وخدمة السنة خيرا . (1) - أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة 3/308، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله 1/29. (2) - جامع العلوم والحكم ص 81 ط : دار المعرفة .
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
|
تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين ا.د.فالح بن محمد الصغير الحلقة (52) وسائل التابعين في حفظ السنة 1- التوسع في الرحلة : إذا كان الصحابة قد أسسوا للرحلة في طلب الحديث فإن التابعين قد توسعوا فيها حتى صارت قاعدة، فقلما نجد تابعيا لم يرحل، وحتى صار علم الرجل يقاس بكثرة رحلاته . يقول بسر بن عبدالله : " إن كنت لأركب إلى مصر من الأمصار في الحديث الواحد لأسمعه "(1). ويقول أبو العالية : " كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نرض حتى ركبنا إلى المدينة فسمعناها من أفواهم " (2). وقال سعيد بن المسيب : " إن كنت لأسير في طلب الحديث الواحد مسيرة الليالي والأيام "(3) . ورحل الإمام الشعبي في طلب ثلاثة أحاديث ذكرت له وقال : ( لعلي ألقي رجلا لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ") (4). وحدث الشعبي بحديث ثم قال لمن حدثه : ( خذها بغير شيء وقد كان الرجل يرحل فيما دونها إلى المدينة ) (5). وروى ابن أبي خيثمة بسنده عن مكحول قال : ( كنت لعمرو بن سعيد العاص أو لسعيد بن العاص فوهبني لرجل من هذيل بمصر، فأنعم علي بها، فما خرجت من مصر حتى ظننت أنه ليس بها علم إلا وقد سمعته، ثم قدمت المدينة فما خرجت منها حتى ظننت أنه ليس بها علم إلا وقد سمعته، ثم لقيت الشعبي فلم أر مثله رحمه الله )(6). وكان مسروق كثير الرحلة في طلب الحديث ومذاكرته، وشهد له الشعبي بذلك فقال : ( ما علمت أن أحدا من الناس كان أطلب لعلم في أفق من الآفاق من مسروق)(7) . 2- مذاكرة الحديث : ولم يقتصر أمر التابعين على الرحلة من أجل السماع فحسب، بل كانوا يتذاكرون الحديث فيما بينهم حتى يحفظوه ويثبت في أذهانهم فلا ينفلت منهم . فعن عطاء قال: ( كنا نأتي جابر بن عبدالله فإذا خرجنا من عنده تذاكرنا وكان أبو الزبير أحفظنا لحديثه ) (8). وعن الليث بن سعد قال : ( تذاكر ابن شهاب ليلة بعد العشاء حديثا وهو جالس متوضأ، قال فما زال ذلك مجلسه حتى أصبح ) (9). وعن الأعمش قال : ( كان إسماعيل بن رجاء يجمع صبيان الكتاب يحدثهم يتحفظ بذاك ) (10). بل كانوا يحثون تلامذتهم على ذلك، فعن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال : ( إحياء الحديث مذاكرته، فقال له عبدالله بن شداد: يرحمك الله، كم من حديث أحييته في صدري كان قد مات ) (11). وعن علقمة قال : ( تذاكروا الحديث فإن حياته ذكره )(12). 3- الاحتياط في التحمل والأداء : وإذا كان التابعون قد جدوا في سماع الحديث وتحمله ومذاكرته فإنهم بنفس الدرجة قد جدوا في الأداء فلم يجز الواحد منهم لنفسه أن يلقي الحديث قبل أن يتثبت فيه وقبل أن يتأكد من أنه لن يحرفه عن وجهه الصحيح . يقول الإمام الشعبي مصورا عبء الرواية : ( يا ليتني أنفلت من علمي كفافا، لا علي ولا لي ) (13). ويقول أيضا ما يدل على محاسبته لنفسه في رواية الحديث ( كره الصالحون الأولون الإكثار من الحديث، ولو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما حدثت إلا بما أجمع عليه أهل الحديث )(14). ومن أجل هذه حفظوه في صدروهم، وكان قتادة مثلا – كما يروى الرامهرمزي- إذا سمع الحديث يأخذه العويل والزويل (15) حتى يحفظه (16) . وقد تركت رواية الكثيرين لأنهم غير متثبتين في روايتهم وإن كانوا عدولا، فعن أبي الزناد قال : ( أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال : ليس من أهله ) (17). (1) - سنن الدارمي 1/140. (2) - المصدر السابق . (3) - الرحلة للخطيب ص 127. (4) - الرحلة للخطيب ص 196. (5) - جامع بيان العلم وفضله 1/92-93-94. (6) - العلم لابن أبي خيثمة ص 118. (7) - جامع بيان العلم 1/94- العلم ص 117. (8) - سنن الدارمي 1/149 العلم ص 127. (9) - سنن الدارمي 1/149. (10) - سنن الدارمي 1/148. (11) - سنن الدارمي 1/148- العلم ص 126. (12) - العلم ص 126. (13) - تذكرة الحفاظ 1/88. (14) - تذكرة الحفاظ 1/83. (15) - عال يعول ويعيل أمره : اشتد وتفاقم والاسم العويل. القاموس ، مادة : عول . وزاوله زوالا ومزاولة : عالجة وحاول طلبه.القاموس. مادة : زول. والمعنى هنا نشط ولم يهدأ حتى يحفظه . (16) - المحدث الفاصل ص 408. (17) - مقدمة مسلم 1/15- المحدث الفاصل ص 407.
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
|
تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين ا.د.فالح بن محمد الصغير الحلقة (53) من وسائل التابعين في حفظ السنة 4- الاهتمام بالإسناد : ذكرنا فيما سبق أن بذور الإسناد قد نشأت في عهد الصحابة، لكن هذا الأمر نما تطور في عهد التابعين، وأصبح التابعون يشددون في طلب الإسناد من الرواة والتزموه في الحديث، لأن السند للخبر كالنسب للمرء، وجعلوا هذا الأمر دينا، يقول ابن سيرين ، ( إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم )(1) . وقال حماد بن زيد : دخلنا على أنس بن سيرين في مرضه فقال : ( اتقو الله يا معشر الشباب، وانظروا ممن تأخذون هذه الأحاديث فإنها دينكم )(2) . لذلك وجدناهم يسألون عن رجال الحديث حتى يلتقوا بهم أو يسألون غيرهم عنهم فيقفوا على حالهم . روى الإمام أحمد بسنده عن عبدالله بن الصامت عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن بعدي من أمتي أو سيكون بعدي من أمتي قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية... ) . قال عبدالله بن الصامت ، فلقيت رافع بن عمرو الغفاري أخا الحكم الغفاري، قلت : ما حديث سمعته من أبي ذر، كذا وكذا ،،،،، فذكرت له هذا الحديث، قال : وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم (3). ويروى ابن عبدالبر عن الشعبي عن الربيع بن خثيم قال : ( من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك، وله الحمد يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات كن له عتق رقاب أو رقبة. قال الشعبي فقلت للربيع بن خثيم : من حدثك بهذا الحديث؟ فقال : عمرو بن ميمون الأودي، فلقيت عمرو بن ميمون، فقلت : من حدثك بهذا الحديث؟ فقال : عبدالرحمن بن أبي ليلى، فلقيت ابن أبي ليلى فقلت : من حدثك؟ قال : أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ) (4). قال يحيى بن سعيد : ( وهذا أول ما فتش عن الإسناد )(5). وقال أبو العالية : ( وكنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رضينا حتى رحلنا إليهم، فسمعناها من أفواههم ) (6). وكان التابعون واتباعهم يتواصون بطلب الإسناد، قال هشام بن عروة : ( إذا حدثك رجل بحديث فقل عمن هذا ؟ ) (7). وكان الزهري إذا حدث أتى بالإسناد ويقول : ( لا يصلح أن يرقى السطح إلا بدرجة ) (8). وقد أتقن التابعون الإسناد وبرزوا فيه كما برزوا في غيره من علوم الحديث وفي هذا يقول أبو داود الطيالسي : وجدنا الحديث عند أربعة : الزهري وقتادة وأبي إسحاق والأعمش فكان قتادة أعلمهم بالاختلاف، والزهري أعلمهم بالإسناد، وأبو إسحاق أعلمهم بحديث علي وابن مسعود، وكان عند الأعمش من كل هذا (9). وبين الإمام ابن سيرين السر وراء الاهتمام بالإسناد فيقول : ( لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم )(10). ولا يطعن فيما قررناه من التزام التابعين للإسناد المتصل بما روى عن بعض التابعين من المراسيل لأن المرسل في قول أهل العلم بالحديث ضعيف (11)ومن ناحية أخرى كانت رواية الحديث عندهم في الأصل متصلة وليست مرسلة، لأن هناك روايات تؤكد أن التابعي كان يذكر من حدثه عندما يسأل عن الإسناد، ومن هذا ما يرويه ابن عبدالبر بإسناده المتصل عن مالك ابن أنس قال : ( كنا نجلس إلى الزهري وإلى محمد بن المنكدر فيقول الزهري قال ابن عمر كذا وكذا، فإذا كان بعد ذلك جلسنا إليه فقلنا له : الذي ذكرت عن ابن عمر من أخبرك به ؟ قال : ابنه سالم (12). يقول الدكتور محمد عجاج الخطيب : ( وهكذا نرى أن الإسناد المتصل كان قد أخذ نصيبه من العناية والاهتمام في عهد التابعين حتى أصبح من واجب المحدث أن يبين نسب ما يروى وقد شبه بعضهم الحديث من غير إسناد بالبيت بلا سقف ولا دعائم ونظموه في قولهم: والعلم إن فاته إسناد مسنده ** كالبيت ليس له سقف ولا طنب وكان المحدث بإسناده الحديث يرفع العهدة عن نفسه ويطمئن إلى صحة ما ينقل عندما ينتهي سنده المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم)(13) . 5- نقد الرجال : إن التابعين لهم فضل وضع قواعد علم الرجال وضوابط الجرح والتعديل كقواعد اصطلاحية، فالثقة، كمصطلح حديثي عرف عندهم. يقول الإمام الشافعي رحمه الله : " كان ابن سيرين وإبراهيم النخعي وغير واحد من التابعين يذهبون إلى ألا يقبلوا الحديث إلا عن ثقة، يعرف ما يروى وما يحفظ، وما رأيت أحدا من أهل الحديث يخالف هذا المذهب "(14). وكذلك الشذوذ عرف في عهدهم، يقول أيوب السخيتاني وهو من صغار التابعين ( 131هـ ) : ( إذا أردت أن تعرف خطأ معلمك فجالس غيره )(15). وهذا معناه أن المرء يستطيع بمقارنة الروايات بعضها ببعض أن يدرك الشذوذ ويميز الصواب من الخطأ وهذا ما أسس لمصطلح الشاذ فيما بعد. هذا بالإضافة إلى أنهم قد أحصوا أخطاء الرواة ليعرفوا حقيقة ما يروون، يقول الإمام الشعبي ( ولله لو أصبت تسعا وتسعين مرة وأخطأت مرة لعدوا على تلك الواحدة ) (16). هكذا بين جهابذة هذا العلم أحوال الرواة المقبول منهم والمتروك حتى تكامل هذا العلم فيما بعد واستوى على سوقه وألفت فيه المؤلفات الجمة والتي تحوى شهادة هؤلاء الأعلام على الرواة ونقدهم لهم . 6- نقد متن الحديث : اقتدى التابعون بأساتذتهم الصحابة في الاهتمام بالمتن وتوثيقه، فنقدوه إذا وجدوا معارضة بينه وبين القرآن أو بينه وبين مبادئ الإسلام العامة، وهدفهم في ذلك تمييز الصحيح من الضعيف . ومن الأمثلة على ذلك : ( أن الإمام الشعبي سمع رجلا يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تعالى خلق صورين، له في كل صور نفختان، نفخة الصعق، ونفخة القيامة ) . فرده لأنه يتعارض مع القرآن الكريم ، وقال لراويه: ( يا شيخ اتق الله ولا تحدثنا بالخطأ إن الله تعالى لم يخلق إلا صورا واحدا، وإنما هي نفختان : نفخة الصعق ونفخة القيامة )(17) وقد فهم هذا من قوله تعالى : ( ونفخ في الصور، فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم نفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون )(18). (1) - مقدمة مسلم 1/14- المجروحين لابن حبان 1/ص 21. (2) - المجروحين 1/22. (3) - المسند 5/31. (4) - التمهيد لابن عبدالبر 1/55. (5) - المحدث الفاصل ص 208 السنة قبل التدوين ص 223. (6) - مقدمة التمهيد 1/56. (7) - الجرح والتعديل 1/34. (8) - الجرح والتعديل 1/16. (9) - تذكرة الحفاظ 1/108. (10) - مقدمة مسلم 1/15. (11) - التقريب للنووي ص 9- قواعد التحديث للقاسمي ص 133. (12) - مقدمة التمهيد 1/37. (13) - السنة قبل التدوين 225-226. (14) - المحدث الفاصل ص 405. (15) - المحدث الفاصل ص 405. (16) - تذكرة الحفاظ 1/82- السنة قبل التدوين ص 234. (17) - تحذير الخواص للسيوطي ص 203-204. (18) - سورة الزمر /68.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |