|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين ا.د.فالح بن محمد الصغير الحلقة (17) أطوار تاريخ السنة(4-7) 1- تعهدهم بالعلم والموعظة بين الحين والحين مخافة أن يسأموا أو يملوا. يقول عبدالله بن مسعود – رضي الله تعالى عنه -: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا(1) بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا)(2). 2- مخاطبة كل قوم بلهجتهم حتى يفهموا ويعوا عنه صلى الله عليه وسلم: يقول كعب بن عاصم الأشعري – رضي الله تعالى عنه – سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ليس من امبر امصيام في امسفر)(3) يريد ليس من البر الصيام في السفر، فأبدل اللام ميما على لغة الأشعريين من أهل اليمن. 3- إعادة كل كلمة ثلاثا حتى تفهم عنه – صلى الله عليه وسلم – وتحفظ: يقول أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنه -: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم: سلم عليهم ثلاثاً)(4). 4- الفصل بين كلمة وأخرى كيلا يقع تحريف أو تغيير في المنقول عنه – صلى الله عليه وسلم –. تقول عائشة رضي الله عنها – وقد سمعت أبا هريرة لا يفصل في كلامه بين كل جملة وأخرى -: (إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه، وفي رواية: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم)(5). (1) معنى يتخولنا بالموعظة أي: يتعهدنا من قولهم فلان خائل مال، وهو الذي يصلحه ويقوم به، ويتعهده، انظر النهاية 2/6، وفتح الباري لابن حجر 1/162-163. (2) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب العلم: باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة والعلم كيلا ينفروا، وباب من جعل لأهل العلم أياما معلومة 1/27. ومسلم في الصحيح: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم: باب الاقتصاد في الموعظة رقم 82، 83 من حديث عبدالله بن مسعود. (3) الحديث بهذا اللفظ أخرجه أحمد في المسند 5/434 قال ثنا عبدالرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن صفوان بن عبدالله، عن أم الدرداء، عن كعب ابن عاصم الأشعري – وكان من أصحاب السقيفة – قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول.. وساق الحديث. (4) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح:كتاب العلم: باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم عنه 1/34-35. وأبو داود في السنن: كتاب العلم: باب تكرير الحديث (2/287) من حديث أبي سلام، عن رجل خدم النبي صلى الله عليه وسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حدث حديثا أعاده ثلاث مرات. والترمذي في السنن: كتاب الاستئذان: باب ما جاء في كراهية أن يقول عليك السلام مبتدئا رقم 2723 من حديث أنس بن مالك، وعقب عليه بقوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب). (5) الحديث أخرجه مسلم في الصحيح: كتاب فضائل الصحابة: (باب من فضائل أبي هريرة رضي الله عنه 4/1940 رقم 160 من حديث ابن شهاب: أن عروة بن الزبير حدثه: أن عائشة قالت: ألا يعجبك أبو هريرة ؟ جاء فجلس إلى جنب حجرتي يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم يسمعني ذلك، وكنت أسبح، فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم. وكتاب الزهد: باب التثبت في الحديث 4/2298 رقم 71 من حديث هشام بن عروة عن أبيه قال: كان أبو هريرة يحدث ويقول: اسمعي يا ربة الحجرة، اسمعي يا ربة الهجرة وعائشة تصلي، فلما قضت صلاتها قالت لعروة: ألا تسمع إلى هذا ومقالته آنفا: إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه). وأبو داود في السنن:كتاب العلم: باب في سرد الحديث 2/287-288 من حديث ابن شهاب، عن عروة باللفظين المذكورين عند مسلم.
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين ا.د.فالح بن محمد الصغير الحلقة (18) أطوار تاريخ السنة(5-7) 1- إقناع السائل: أحيانا بالقياس، وأحيانا بضرب المثل. فمن الأول: قصة الرجل الفزاري الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن امرأتي ولدت غلاما أسود، وإني أنكرته، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لك من إبل! قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أورق؟(1) قال: إن فيها لورقا، قال: فأنى ترى ذلك جاءها، قال: يا رسول الله: عرق نزعها، قال: ولعل هذا عرق نزعه)(2). ومن الثاني: قصة الرهط الذين سألوه صلى الله عليه وسلم قائلين:(ما يعدل الجهاد في سبيل الله عز وجل؟ قال: لا تستطيعونه، قال: فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول: لا تستطيعونه، وقال في الثالثة: (مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم، القائم، القانت بآيات الله، لا يفتر من صيام ولا صلاة، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله تعالى)(3). 2- الرفق والرحمة بالطلاب، والتيسير عليهم: وقصته صلى الله عليه وسلم مع الأعرابي الذي بال في المسجد مشهورة، إذ لما زجره الناس، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (دعوه، وهريقوا على بوله سجلا من ماء، أو ذنوبا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين،ولم تبعثوا معسرين)، فلما انتهى الرجل من بوله دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمه في رفق قائلا له: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول،ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل ،والصلاة، وقراءة القرآن)(4). 3- استعمال العبارات الرقيقة التي تستميل القلوب وتؤلفها، وترغبها في التعلم والتنفيذ والتطبيق. يقول صلى الله عليه وسلم لأصحابه – وهو يعلمهم آداب البول والغائط -: (إنما أنا لكم مثل الوالد، أعلمكم، إذا ذهب أحدكم إلى الخلاء،فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستنج بيمينه....)(5). (1) الأورق: هو الأسمر أو هو الأسود الذي ليس بصاف،انظر النهاية لابن الأثير 4/205. وزهر الربى على المجتبى للسيوطي 6/146. (2) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح:كتاب الطلاق: باب إذا عرض بنفي الولد 7/68-69، وكتاب الحدود:باب ما جاء في التعريض 8/215، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين قد بين الله حكمها ليفهم السائل 9/125. ٍ ومسلم في الصحيح: كتاب اللعان:باب منه 2/1137-1138 رقم 18، 20. (3) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب الجهاد، باب فضل الجهاد والسير 4/18 من حديث أبي هريرة بلفظ: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد،قال: لا أجده، قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك). ومسلم في الصحيح: كتاب الإمارة: باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى 3/1498 -1499 رقم 110. (4) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب الوضوء:باب صب الماء على البول في المسجد،وباب يهريق الماء على البول 1/65، وكتاب الأدب: باب الرفق في الأمر كله، وباب قول النبي صلى الله عليه وسلم يسروا ولا تعسروا 8/14،37 من حديث أبي هريرة، وأنس بن مالك. ومسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد 1/236-237 رقم 98، 99، 100 من حديث أنس بن مالك. (5) الحديث أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الطهارة: باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة 1/2-3. * والنسائي في السنن: كتاب الطهارة: باب النهي عن الاستطابة بالروث 1/35-36. * وابن ماجه في السنن: كتاب الطهارة: باب الاستنجاء بالحجارة، والنهي عن الروث والرمة 1/114رقم 313. وأحمد في المسند 2/247، 250 كلهم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين ا.د.فالح بن محمد الصغير الحلقة (20) أطوار تاريخ السنة(7-7) 1- إرشاد السائل إلى ما ينبغي أن يسأل عنه، بجوابه بما لا يتفق مع السؤال. عن أنس – رضي الله تعالى عنه – (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فحذر الناس، فقام رجل، فقال: متى الساعة يا رسول الله؟ فبسر(1) رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه،فقلنا له: اقعد، فإنك قد سألت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما يكره، قال: ثم قام الثانية، فقال: يا رسول الله: متى الساعة؟ قال: فبسر رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه أشد من الأولى، فأجلسناه، قال: ثم قام الثالثة، فقال يا رسول الله: متى الساعة؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك: ما أعددت لها؟ قال: أعددت لها حب الله ورسوله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجلس فإنك مع من أحببت)(1). فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا لم يجبه عن موعد الساعة، لأن ذلك غيب، وإنما لفت نظره إلى أنه ينبغي أن يسأل عما ينجي من أهوال الساعة، فذلك هو ما يجب أن يهتم به العقلاء جميعا. 2- إجابة السائل عما سأل، وزيادة أمور أخرى لها صلة بسؤاله، يستعرض له في المستقبل وربما تعطله، فيجيبه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك كله توفيرا لجهده ووقته. فقد جاء عن عبدالله بن عمر – رضي الله عنهما – عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن رجلاً سأله ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال: لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا السراويل ولا البرنس(3)، ولا ثوبا مسه الورس(4) أو الزعفران فإن لم يجد النعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين(5). 3- دوام الجلوس مع أصحابه – صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم – لاسيما الفقراء والمساكين، وهذا وحده كاف في التربية والتعليم. فقد قال الله عز وجل لنبيه: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا...) [ سورة الكهف /28 ] . ذلكم هو منهجه صلى الله عليه وسلم في التربية والتعليم،وقد أثمر ذلك حفظا وصيانة لكل ما يتصل بحياته صلى الله عليه وسلم من الأقوال، والأفعال، والتقريرات، والصفات ونحوها. (1) فبسر رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه أي: قطب، وعبس في وجهه انظر النهاية في غريب الحديث 1/78. (2) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: باب مناقب عمر بن الخطاب 5/14-15، وكتاب الأدب : باب علامة حب الله عز وجل 8/49، وكتاب الأحكام: باب القضاء والفتيا في الطريق 9/80-81. ومسلم في الصحيح: كتاب البر والصلة والآداب: باب المرء مع من أحب 4/2032-2033 رقم 161-163. (3) البرنس: هو كل ثوب رأسه منه ملتصق به من دراعة أو جبة أو غيرهما وقيل هو: قلنسوة أو طاقية طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام. انظر: النهاية في غريب الحديث 1/75. (4) الورس : هو نبت أصفر يصبغ به، انظر: النهاية 4/204. (5) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب العلم: باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله 1/45، وكتاب الصلاة: باب الصلاة في القميص، والسراويل،والتب ان، والقباء 1/102، وكتاب الحج: باب ما لا يلبس المحرم من الثياب 2/168-169، وكتاب اللباس: باب لبس القميص، وباب البرانس، وباب السراويل، وباب العمائم 7/184، 186-187. ومسلم في الصحيح: كتاب الحج: باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة، وما لا يباح 2/834-835 رقم 1، 2.
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين ا.د.فالح بن محمد الصغير الحلقة (22) عوامل صيانة السنة وحفظها(2-3) عوامل صيانة السنة وحفظها العامل السابع: وهو أن تكون هناك مشاركة عامة من الجميع رجالا ونساءاً، صغارا، وكباراً في طلب العلم – فقد تجلى بوضوح في مشاركة النساء للرجال في هذا الأمر . إذ كانت المرأة تأتي فتسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمور التي تتصل بحياتها، فيجيبها، فإذا لم تفهم أحالها إلى واحدة من أمهات المؤمنين،لتتولى تفهيمها . كما حدث في قصة المرأة التي سألته – صلى الله عليه وسلم: كيف تتطهر من الحيض، فقال لها: (خذي فرصة(1) ممسكة، فتتبعي بها أثر الدم، فلما لم تفهم، قال: يا عائشة خذيها فعلميها)(2) . بل لقد طلبت جماعة النساء منه صلى الله عليه وسلم:أن يجعل لهن يوما خاصا بهن في الموعظة، فأجابهن إلى ذلك: ففي الحديث:أنه جاء نسوة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلن يا رسول الله ما نقدر عليك في مجلسك من الرجال؟ فواعدنا منك يوما نأتيك فيه، فقال:موعدكن بيت فلان،وأتاهن في ذلك اليوم، ولذلك الموعد . قال – أبو هريرة راوي الحديث –فكان مما قال لهن: ما من امرأة تقدم ثلاثا من الولد تحتسبهن إلا دخلت الجنة، فقالت المرأة منهن أو اثنتان؟ قال أو اثنتان)(3). (1) الفرصة:قطعة من صوف، أو قطن،أو خرقة ونحوها . انظر: النهاية 3/193. (2) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب الحيض: باب دلك نفسها إذا تطهرت، وباب غسل المحيض 1/85-86، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: باب الأحكام التي تعرف بالدلائل 9/134-135. ومسلم في الصحيح: كتاب الحيض: باب استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فرصة من مسك في موضع الدم 1/260-261 رقم 60-61. (3) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح:كتاب العلم: بل هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم 1/36-37، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: باب تعليم النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الرجال والنساء مما علمه الله ليس برأي ولا تمثيل 9/124، من حديث أبي سعيد الخدري . ومسلم في الصحيح: كتاب البر والصلة والآداب: باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه 4/2028-2029 رقم 152، 153، من حديث أبي سعيد الخدري .
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين ا.د.فالح بن محمد الصغير الحلقة (24) عوامل انتشار السنة وذيوعها(1-3) وكما توافرت عوامل ساعدت على صيانة السنة وحفظها فقد توافرت عوامل كذلك أدت إلى ذيوع السنة وانتشارها، وتتخلص هذه العوامل فيما يلي: * العامل الأول: نشاطه صلى الله عليه وسلم، وحده في تبليغ الدعوة ونشر الإسلام: فمنذ اللحظة التي بعث فيها صلى الله عليه وسلم حتى لقي ربه لم يسترح ساعة واحدة بل قضى جميع أوقاته في نشر الدعوة، وتبليغها: لقد مكث يدعو سرا ً ثلاث سنين، ثم جهر بالدعوة فلما عورض أكثر من مرة توجه إلى الطائف، ولما لم يجد آذانا صاغية بدأ يعرض نفسه على القبائل الوافدة إلى مكة في موسم الحج، حتى قيض الله – عز وجل – له رجالا من أهل المدينة، فحملوه إليها بعد بيعات ثلاثة. وفي المدينة بدأ مرحلة الجهاد والغزوات حتى دانت الجزيرة كلها، ودخل الناس في دين الله أفواجا، فكان هذا التحرك المستمر الذي قام به – صلى الله عليه وسلم – عاملا مهما في ذيوع السنة وانتشارها. * العامل الثاني: طبيعة الإسلام، ونظامه الجديد: فقد دفعت طبيعة الإسلام ونظامه الجديد الناس إلى البحث والسؤال عنه، وعن أحكامه، وعن أهدافه، وعن رسوله، فإذا ما وقفوا على حقيقة ذلك كله: أسلموا، وانطلقوا إلى قومهم يبلغونهم ما رأوا، ويخبرونهم بما سمعوا. * العامل الثالث: نشاط الصحابة – رضوان الله تعالى عليهم – رجالا ونساء في طلب العلم، وحفظه، وتبليغه، بحيث لم يهدأ لهم بال حتى صارت السنة في كل قلب، وعلى كل لسان، وقد حملهم على هذا النشاط: أ- تنفيذ أمره – صلى الله عليه وسلم – إذ قال: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج… الحديث)(1). وقال: (ليبلغ الشاهد الغائب)(2). ب- الظفر بالثواب الذي ربطه الله عز وجل بتحصيل العلم، وتبلغيه، إذا قال صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرءاً سمع مقالتي، فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)(3). ج- الخروج من إثم كتمان العلم: قال الله عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ (159) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [ سورة البقرة /159-160 ]. (1) الحديث أخرجه البخاري في: الصحيح: كتاب الأنبياء: باب ما ذكر عن بني إسرائيل 4/207 من حديث عبد الله بن عمرو، وزاد في آخره: (ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)، والترمذي في السنن: كتاب العلم: باب ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل 5/40 رقم 6 من 269 حديث عبد الله بن عمرو، وقال عقبه: (هذا حديث حسن صحيح). (2) الحديث سبق تخريجه. (3) الحديث سبق تخريجه.
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين ا.د.فالح بن محمد الصغير الحلقة (25) عوامل انتشار السنة وذيوعها(2-3) العامل الرابع: نشاط أمهات المؤمنين في حفظ السنة، وتبليغها، لاسيما ما يتصل بأمر النساء، وقد اشتهرت عائشة – رضي الله تعالى عنها – من بين أمهات المؤمنين بعلمها الغزير، وحرصها على فهم الأحكام، حتى كانت – بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى – محط أنظار طلاب العلم، ومرجعهم في كثير من أمور دينهم. * العامل الخامس: ولاته وبعوثه إلى القبائل المسلمة لتبليغها الدعوة، وتعليمها إياها: فقد كانت القبيلة إذا أسلمت تطلب منه صلى الله عليه وسلم من يعلمها ويفقهها، ويقضي بينها، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث واحداً أو أكثر من الصحابة يتوسم فيه الفقه، والحكمة ليقوم بهذا الدور، وكان كثيرا ما يوصى هؤلاء بالتيسير، والتبشير، والرفق بالناس. جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم لما بعث أبا موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل إلى اليمن، وصاهما قائلا: (ادعوا الناس، وبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا)(1). وكذلك كان يعلمهم كيفية الدعوة، إذ يقول لمعاذ – لما أرسله إلى اليمن -: (إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة ألا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم:أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم: أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك: فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)(2). وكان صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يشجع هؤلاء، ويدعو لهم بالتثبيت، والنجاح في مهمتهم. جاء عن علي – رضي الله تعالى عنه – قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله، إنك تبعثني إلى قوم هم أسن مني لأقضى بينهم، قال: إذهب، فإن الله تعالى سيثبت لسانك، ويهدي قلبك)(3). * العامل السادس: رسله وكتبه إلى الملوك، والأمراء، ورؤساء القبائل المجاورين يدعوهم إلى الإسلام، إذ بعد صلح الحديبية بدأ صلى الله عليه وسلم يوجه رسله، يحملون كتبه إلى الملوك، والأمراء، ورؤساء القبائل المجاورين يطالبهم فيها بالدخول في الإسلام، حتى انطلق في يوم واحد ستة نفر إلى جهات مختلفة، كل منهم يتكلم بلغة ولهجة القوم الذي بعث إليهم، لقد أرسل صلى الله عليه وسلم رسله إلى قيصر الروم، وإلى أمير بصري، وإلى الحارث ابن أبي شمر أمين دمشق من قبل هرقل، وإلى المقوقس أمير مصر من قبل هرقل، وإلى النجاشي ملك الحبشة، وإلى كسرى ملك الفرس، وإلى المنذر بن ساوي ملك البحرين، كما أرسل رسله وكتبه إلى عمان، واليمامة وغيرها. وكان هؤلاء الرسل يجيبون عما يسألهم عنه الملوك، والأمراء، ورؤساء القبائل، ويبينون لهم الإسلام، وأهدافه، وغاياته على ضوء ما زودهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من التوجيه والإرشاد. وكانت هذه الإجابة يسمعها الحاضرون، ويخرجون فينشروها في الناس. فتذاع وتشتهر. (1) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب المغازي: باب بعث أبي موسى، ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع 5/204 -206، وكتاب الأحكام: باب أمر الوالي إذا وجه أميرين 9/87-88. ومسلم في الصحيح:كتاب الأشربة: باب بيان أن كل مسكر خمر 3/1568-1587 رقم 70-71، وكتاب الجهاد والسير: باب في الأمر بالتيسير وترك النفير 3/1358-1359 رقم 6، 7، 8. (2) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب الزكاة: باب وجوب الزكاة، وباب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة 2/130، 147، وكتاب التوحيد: باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى 9/140، وكتاب المغازي: باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع 5/205-206. ومسلم في الصحيح: كتاب الإيمان: باب الدعاء إلى الشهادتين، وشرائع الإسلام 1/50-51 رقم 29، 30، 31. (3) الحديث أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الأقضية: باب كيف القضاء 2/270. وابن ماجه في السنن: كتاب الأحكام: باب ذكر القضاة 2/774 رقم 2310. وأحمد في المسند 1/88، 136، 149، 156 كلهم من حديث على مرفوعا به.
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين ا.د.فالح بن محمد الصغير الحلقة (27) من عوامل العناية بالسنة في عصر النبوة (1-2) ثالثا: تأسيس المنهج العلمي للرواية: لم تقتصر العناية بالسنة في العصر النبوي علي الصيانة والحفظ، ولا علي الذيوع والانتشار، بل أسس المنهج العلمي للرواية: تحملا وأداء، وقد وضع أسس هذا المنهج ورسخ معالمه القرآن الكريم والسنة المطهرة، وتتلخص هذه الأسس في الآتي: أولا:تحريم الكذب. إن تحريم الكذب يعني فرض الأمانة العلمية من ناحية، وتحريم الخيانة العلمية من ناحية أخري ، ولخطورة الكذب في الرواية جاءت النصوص ظاهرة في الزجر عنه وتغليظ حرمته، حتي إنه جعل من صفات الكافرين والمنافقين، قال الله تعالي: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ....)(1)، وقال تعالي: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِسُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)(2). وروي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)(3). وحذر رسول الله صلي عليه وسلم من الكذب عليه خاصة، وتوعد الكاذب عليه بمقعد من النار، فقال صلي الله عليه وسلم: (إن كذبا علي ليس ككذب علي أحد، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)(4). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (مـن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)(5). فهذه الأحاديث تقرر تحـريم الكذب علي النبي صلي الله عليه وسلم، وأنه فاحشـة عظيمة، وموبقة كبيرة، وذلك لعظم مفسدته، فإنه يصير شرعا مستمرا إلي يوم القيامة، بخلاف الكذب علي غيره والشهادة، فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة، ولذا ناسب أن تكون عقوبة الكاذب فيه أغلظ وأبلغ، حماية لحياض الشريعة واحتياطا لسنة صاحبها عليه الصلاة والسلام. والمقصود من هذا: أن تغليظ الكذب علي رسول الله صلي الله عليه وسلم وتشديد عقوبته يعد الأساس الأول والعامل القوي الذي كان يدفع المسلمين إلي تحري الصدق فـي رواية الحديث وتحاشي الكذب علي رسول الله صلي الله عليه وسلم خوفا من الوقوع في هذا الوعيد، ولذا كانوا يجتهدون في حفظ الحديث وضبط ألفاظه، ولا يقدمون علي روايته إلا إذا كانوا متأكدين من صحة ما يقولون، وكان كثير منهم يتحاشي كثرة الرواية خوفا من ذلك. روي البخاري ومسلم في صحيحيهما عن انس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثا كثيرا: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (من تعمد علي كذبا فليتبوأ مقعده من النار)(6). وروي البخاري عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: قلت للزبير: إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم كما يحدث فلان وفلان، قال: أما إني لم أفارقه ولكن سمعته يقول: (من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار)(7). وبناء علي هذا قرر كثير من العلماء أن من كذب علي رسول الله صلي الله عليه وسلم عمدا في حديث واحد فسق وردت رواياته كلها، وبطل الاحتجاج بها جميعها، حتي لو تاب وحسنت توبته، لا فرق في ذلك بين ما يتعلق منها بالأحكام وما لا يتعلق بها كالترغيب والترهيب والمواعظ. هذا هو الأصل الأول من الأصول العديدة التـي هيأها الإسلام لحماية السنة ونقلها نقلا صحيحا دونما زيادة أو تحريف. (1) سورة النحل / 105. (2) سورة الأعراف / 33. (3) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب علامات المنافق (33)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب خصال المنافق (211). (4) أخرجه مسلم، المقدمة (5) ط: دار السلام. (5) أخرجه مسلم، المقدمة (4). (6) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب إثم من كذب علي النبي صلي الله عليه وسلم (108)، وصحيح مسلم، المقدمة (3). (7) صحيح البخاري، الكتاب والباب السابقين (107).
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
|
تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين ا.د.فالح بن محمد الصغير الحلقة (28) من عوامل العناية بالسنة في عصر النبوة (2-2) ثانيا: رفض رواية الفاسق. لقد أمر الله سبحانه وتعالي برد رواية الفاسق وحذر من قبولها ، فقال تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)(1). والمراد بالنبأ الخبر ، وهو نكرة في سياق الشرط فيعم كل خبر سواء أخبر به عن رسول الله صلي الله عليه وسلم او عن غيره ، بل يدخل فيه الخبر المتعلق برسول الله صلي الله عليه وسلم قبل الخبر المتعلق بغيره ، لما يترتب علي الكذب عليه صلي الله عليه وسلم من المفاسد الدينية وطمس معالم الإسلام ، ولذا كان الكذب علي رسول الله صلي الله عليه وسلم من أفحش الذنوب وأعظمها جرما وأشدها عقابا كما سبق. قال ابن العربي مستنبطا من الآية السابقة: (من ثبت فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعا ، لأن الخبر أمانة ، والفسق قرينة تبطلها)(2). وقال السيوطي: (في -الآية- رد خبر الفاسق ، واشتراط العدالة في المخبر ، راويا كان أو شاهدا أو مفتيا)(3). وقال السعدي: (الواجب عند خبر الفاسق ، التثبت والتبين ، فإن دلت الدلائل والقرائن علي صدقه ، عمل به وصدق ، وإن دلت علي كذبه ، كذب ولم يعمل به ، ففيه دليل علي أن خبر الصادق مقبول ، وخبر الكاذب مردود ، وخبر الفاسق متوقف فيه)(4). ومما جاء في التحذير من قبول رواية الفاسق قول النبي صلي الله عليه وسلم: (من حدث عني بحديث يري أنه كذب فهو أحد الكاذبين)(5). فالحديث يفيد التحذير عن أن يحدث احد عن رسول الله صلي الله عليه وسلم إلا بما تحقق صدقه علما أو ظنا ، إلا أن يحدث بذلك علي جهة إظهار الكذب ، فإنه لا يتناوله الحديث(6). (1) سورة الحجرات / 6. (2) أحام القرآن 4 / 147. (3) الإكليل في استنباط التنزيل 3 / 1195. (4) تيسير الكريم الرحمن ص 800. (5) أخرجه مسلم ، المقدمة (!). (6) انظر: المفهم للقرطبي 1 / 112.
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |