الاستفادة من مخترعات وتجارب غير المسلمين - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 79 - عددالزوار : 53972 )           »          فضل من ستر عورة مسلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          عبادة الإصلاح بين الناس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          تسلط الشيطان على هاجر القرآن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          ألفاظ العبادة واستعمالها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          أهمية القرآن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          نساء تحدث عنهن القرآن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 4 - عددالزوار : 4297 )           »          Claude يخترق أنظمة 3 شركات ويشعل إنذارًا جديدًا حول سلامة الذكاء الاصطناعي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          تقرير: جهاز MacBook Air يواجه نقصًا كبيرًا بسبب أزمة الذاكرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          وداعًا لإدمان الهاتف.. مفتاح بـ9 دولارات يمنعك من فتح تطبيقاتك المفضلة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > الملتقى العلمي والثقافي
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

الملتقى العلمي والثقافي قسم يختص بكل النظريات والدراسات الاعجازية والثقافية والعلمية

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 02-09-2026, 03:18 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,106
الدولة : Egypt
افتراضي الاستفادة من مخترعات وتجارب غير المسلمين

الاستفادة من مخترعات وتجارب غير المسلمين

- دراسة حديثية -

د. إبراهيم بن حماد بن سلطان الريس

بسم الله الرحمن الرحيم



المقـدمة




الحمد لله الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده حمد شاكر لخالقه على جزيل النعم، وأصلي وأسلم على النبي المبعوث رحمة للعالمين، الذي بعثه الله تعالى للعرب والعجم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

وبعد:

ففي عصرنا هذا حيث اتجهت سهام الكيد والتشويه نحو دين الله تعالى الإسلام، وتناوشت تلك السهام مبادئ الإسلام وأسسه وأهله والمنتسبين إليه بالتشويه والطعن، كان لابد من أن تنظر الأمة في حالها، وتراجع واقعها، وتفوت الفرصة على كل حاسد وحاقد يتربص بالأمة وبدينها، ولهذا فإن من القضايا المهمة التي هي ميدان للحديث حولها والتشويه من خلالها العلم وموقف الإسلام منه.

وليست قضيتي هنا هذه المسألة الواسعة، فهي من المسائل التي أشبعها علماء الإسلام بالكتابة والدراسة والتحقيق وهي كذلك من المسائل التي تواردت حولها كتابات الغربيين والشرقيين من غير المسلمين بالاعتراف بتميُّز دين الإسلام وعنايته بالعلم والحضارة، ولعل الهجمة الشرسة التي تستخدم كل سلاح اليوم كان مبعثها متانة هذا الدين ورسوخه ووضوحه، مما أقضَّ مضجع أعداء الملة، وأرهبهم، فجعلوا همتهم مضارّة الإسلام وأهله، وذلك تحقيق لتحذير الله عز وجل الأمة المسلمة في قوله سبحانه: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ﴾ [سورة البقرة 109].


إن الإسلام هو دين العلم والحضارة، وإن من الآيات العظيمة في كتاب الله تعالى آية تبين مكانة العلماء في العلوم كافة وفي العلوم التجريبية المادية خاصة، فالله تعالى يقول: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ﴾ [سورة فاطر 28]، وقد جاءت هذه الآية بعد قول الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ [سورة فاطر28]، فالآية في ذكر الظواهر العلمية البحتة؛ علم الأرض وعلم الفلك وعلم الزراعة وعلم الأحياء، مما يؤكد على أن علماء العلم المادي المؤمنين الصادقين، يقودهم علمهم ومعرفتهم للخشية من الله العلي العظيم.

والمسألة التي رأيت الحاجة لتقريرها ودراستها هي من مسائل التصحيح التي يجب على الأمة أن تتناولها وتنطلق فيها من أصول الدين ومصادره؛ وهي: " الاستفادة من مخترعات وتجارب غير المسلمين".


دراسة حديثية:

وهذه القضية قد تكون واضحة في أذهان البعض لا تحتاج إلى دراسة وتفصيل، ولكنني أرى أهمية تناولها بالدراسة لتوافر أسباب كثيرة تستدعي ضرورة التأصيل والبيان والتحرير لها.

ومن هذه الأسباب ما يلي:
1. أن العالم صار قرية واحدة متشابك المواقع ومتقارب الثقافات، فانتقلت بين الأمم مفاهيم ونظم وتصورات جديدة من خلال الاحتكاك الثقافي؛ منها ما هو متعلق بالمنتجات المادية والمخترعات التقنية، ومنها ما هو مرتبط بالأوضاع الحياتية والأحوال المعيشية وتنظيم الحياة وإدارتها، مما أوجد حاجة ملحة لمعرفة الموقف الصحيح من ذلك.


2. توافدت على الأمة كثير من البرامج التنظيمية والإدارية، وهي برامج فيها خبرة بشرية مهمة ونافعة، ولكنها أتت من ثقافات مختلفة ومغايرة لثقافتنا فلم تخل من تأثير العقائد الدينية لأهل تلك الثقافات، وقد لا يدرك الإنسان العادي مع توافر المعلومة ماذا يأخذ وماذا يدع، مما يستدعي وضع قواعد عامة من خلال نصوص الشريعة لهذه المسألة المهمة.

وأقرب مثال حاضر لذلك: هذا التوافر الحميم في هذه الفترة من حياة الأمة على برامج تدريبية وإدارية؛ تتناول تطوير الذات واكتساب المهارات واستغلال الطاقات الكامنة في النفس البشرية وطرق إيقاظها، إلى غير ذلك مما في الساحة اليوم من نتاج الثقافة الغربية أو الشرقية الكافرة، مما هو من خبرة الحياة وتجارب البشر؛ كالبرمجة اللغوية العصبية، وكالنظم الإدارية والخبرات التجارية والمهارات الاجتماعية في تكوين العلاقات والتأثير على الناس وإيصال الفكرة لهم وتحقيق المكاسب والوصول للأهداف بأخصر طريق، مما يستدعي التقعيد لهذه المسألة والتناول لها، وبيان ما نأخذ وما ندع من كل ذلك.


3. صارت التقنيات بشتى صورها وأشكالها ضرورة حياة، ومسيطرة على حياة الإنسان وتعاملاته، ولا انفكاك له منها إلا بصعوبة، وهذا الجانب وإن كان يخدم البشرية إلا أنه أورث أضراراً اجتماعية وبيئية وصحية كثيرة، فبدلاً من التواصل الاجتماعي بالزيارات والمقابلات ونحوها مما له لذته ومذاقه في الترابط الاجتماعي، جاءت التقنيات لتسهل للإنسان التواصل الاجتماعي البعيد من خلال الهاتف، ومن خلال الصورة المنقولة مع الصوت.

فهذه نعمة من جانب إلا أنها أفقدت التواصل الاجتماعي لذته وأهميته وترقبه، واستعاضت عنه بتواصل سريع يفتقد لكثير من المشاعر والأحاسيس الاجتماعية المهمة. وأما الأضرار الصحية لهذه التقنيات، فإن ما وفرته التقنيات من منافع يسرت الانتقال، أورث لدى الإنسان تواكلاً وكسلاً وخمولاً فقلت الحركة وزادت السمنة وعصفت بالمرء أمراض العصر من السكري وغيره من نتاج هذا الترفيه التقني.

وأما الأضرار البيئية فتتمثل في ما امتلأت به أجواء الأرض من عوادم المصانع والمراكب التي أضرت بحياة الإنسان ودمرت براءة البيئة من حوله، ففسدت الأجواء بالدخان والغازات، والبحار بالتلوث المدمر للحياة البحرية، والتربة بالمواد الكيميائية التي استخدمها الإنسان لزيادة الإنتاج وسرعة الكسب فأنتجت زراعات مضرة وتربة ملوثة، إلى غير ذلك من المخاطر الكثيرة التي يجب ألا نغفل عن استحضارها حين الحديث عن الموقف من هذه التقنيات.


4. هناك دعوات موجودة في بعض مجتمعات المسلمين اليوم تقف من المقتنيات الحضارية الصناعية موقف العداء والتحذير، وتطالب الأمة بالبقاء على ما أنتجته الأمة، و المنع لكل جديد في المبتكرات والصناعات، فهناك من يرى المنع من الاستفادة من التقنيات في مساجد المسلمين كمكبرات الصوت مثلاً والأنوار الكهربائية وغير ذلك؛ وهذا الأمر وإن كان منهجاً شخصياً للبعض ووجوده قليل؛ إلا أنه منهج يتدين به بعض العباد والزهاد، ويرون أنه الحق المبين وأن مخالفته تقصير في جنب الله، فهو منهج حياة له من يتمثله وله من يدعوا إليه، وهنا تتأكد ضرورة البيان.


5. وأمر آخر وهو واقع الأمة اليوم؛ فهناك تبعيةٌ ظاهرةٌ تعيشها، وضعفٌ في إدارة دفة الواقع أو السيطرة على موجِّهاته، خاصة مع التداخل الثقافي والتقارب المعرفي بين البشرية على وجه الأرض، مما يدعونا إلى أن نعرف ونعرِّف العالم أن نهج الإسلام في هذا نهج واضح أصيل، يغاير ما سواه من مناهج دينية أخرى، كما يؤكد الواقع اليوم علينا ضرورة قيام الأمة بإبراز ذلك في هذا العصر من خلال وسائل إعلامها المختلفة لترسخ مفاهيمها، وتحافظ على قيمها، وتكسب الجولة في حلبة الصراع الحضاري والثقافي المحموم اليوم، كما آمل أن تساهم هذه الدراسة في دفع الشبهة والدعوة إلى الحق، وأن تجعل المسلم يعي واقعه وواجبه وحكم الله تعالى في كل أموره.

أسأل الله تعالى أن يوفقني لإعطاء صورة واضحة لهذه المسألة، والوصول لنتائج قيمة ومهمة، ثم إن هذا جهد بشري لا يخلو من النقص والخلل فأسأل الله تعالى العفو والمغفرة إنه سميع مجيب.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


مدخل

من الأولويات عند كل مسلم أن يعرف حُكم الله تعالى في كل أمر قبل العمل به، وحيث إن هذه التقنيات المعاصرة مما استجد؛ فلابد من عرضه على طاولة النظر والتحقق من مشروعيته.

وإن كان القول في ذلك مما استفاض به العمل في الاستفادة مما لدى الأمم الكافرة من وسائل و مخترعات، فإنني سأتناول هذه المسألة من خلال سنة وسيرة نبي الهدى -صلى الله عليه وسلم.

وقد احترت كثيراً في تصنيف ما وقفت عليه من أحاديث نبوية وأخبار من حياة سلف الأمة وأقوال علماء الإسلام، وذلك لكثرتها وتشعبها، ثم عزمت أمري على أن أسبكها في قوالب متقاربة تؤدي المقصود وتكشف المراد وتوضح الحالة وتجعل الترابط بين نصوصها متكاملاً.

وقد اقتصرتُ من أقوال علماء الأمة في هذه المسألة على ما يفي به الغرض، وابتدأتُ بذكر أحاديث نبوية، ومواقف من السيرة العطرة، ودراسة لواقع نظام الحياة والعلاقات والتنظيمات الإدارية في دولة الإسلام الأولى، وختمت ذلك بنقول عن علماء الإسلام وأقوالهم في ذلك.

وقد حرصت على إيراد ما وقفت عليه من أحاديث احتج بها علماء الإسلام على هذه المسألة ونحوها، حتى وإن كانت لا ترقى إلى درجة القبول عند المحدثين، وذلك لضرورة بيانها وارتباطها بموضوعنا؛ إذ الاحتجاج بها لدى البعض يستدعي ذكرها، إضافة إلى أن عدداً من هذه النصوص الضعيفة له ما يسنده من النصوص الثابتة كما يظهر من مجمل نصوص هذا البحث.


فصل
مواقف من حياة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

وفيه عدة مباحث:

المبحث الأول: الاستفادة من خبرة الأمم الكافرة الطبية.
المبحث الثاني: الاستفادة منهم في الأمور الحياتية اليومية.
المبحث الثالث: الاستفادة منهم في النظم الإدارية.
المبحث الرابع: الاستفادة منهم في الشؤون العسكرية.


فصل: مواقف من حياة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:


المبحث الأول
الاستفادة من خبرة الأمم الكافرة الطبية

الاستشفاء من الأمراض هو سبيل حفظ البدن من الأسقام، ولهذا قدر علماء الأمة مهنة الطب، يقول الإمام الشافعي[1]-رحمه الله-: " العلم علمان علم الدين وهو الفقه، وعلم الدنيا وهو الطب، وما سواه من الشعر وغيره فعناء وعبث ".

وجاء عنه أيضاً قوله[2]: "لا أعلم علماً بعد الحلال والحرام أنبل من الطب، إلاَّ أنّ أهل الكتاب قد غلبونا عليه".

وقال حرملة[3]-رحمه الله-: "كان الشافعي-رحمه الله- يتلهف على ما ضيع المسلمون من الطب ويقول: ضيعوا ثلث العلم ووكلوه إلى اليهود والنصارى"، وقال[4]-رحمه الله-: "العلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان"، وقال: "شيئان أغفلهما الناس؛ النظر في الطب والعناية بالنجوم".

وقال[5] -رحمه الله-: "لا تسكنن بلداً لا يكونن فيه عالم ينبئك عن دينك ولا طبيب ينبئك عن أمر بدنك".


من الميادين التي كان للأمة دور فيها وتأثير على مسيرتها ميدان الطب والتداوي، ومع ذلك مرت بالأمة أزمنة صارت فيها منشغلة بهمومها وبنفسها عن الابداع والتطور في ذلك، وكان للأمم الكافرة دور ريادي متقدم في ذلك الميدان، وكان موقف الإسلام فيها هو ما تمثله أخبار نبينا محمد –صلى الله عليه وسلم- ومواقف من سيرته، وسيرة أصحابه رضي الله عنهم من بعده، واستفاضت بذكره أقوال علماء الأمة وواقع مسيرتها.

وسأذكر مواقف من سيرته -صلى الله عليه وسلم- في هذا الباب في مسائل من حياته وحياة أصحابه رضي الله عنهم، فمن ذلك:
1. الغيلة:

وفيه موقف النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من العمل في شأن اجتماعي وطبي بما اعتاده الكفار، والاحتجاج بفعلهم على صحة العمل وسلامته:
فعن أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله عنها[6]، عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الأَسَدِيّةِ[7] رضي الله عنها، أَنّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ[8]، حَتّى ذَكَرْتُ أَنّ الرّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فَلاَ يَضُرّ أَوْلاَدَهُمْ)).

وفي رواية عند مسلم[9] قَالَتْ جدامة: حَضَرْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فِي أُنَاسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: ((لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ، فَنَظَرْتُ فِي الرّومِ وَفَارِسَ، فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلاَدَهُمْ، فَلاَ يَضُرّ أَوْلاَدَهُمْ ذَلِكَ شَيْئاً)).

وعنده[10] أيضاً عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، أَنّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ رضي الله عنهما أَخْبَرَ وَالِدَهُ سَعْدَ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ رضي الله عنه أَنّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنّي أَعْزِلُ عَنِ امْرَأَتِي. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: ((لِمَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟)) فَقَالَ الرّجُلُ: أُشْفِقُ عَلَى وَلَدِهَا، أَوْ عَلَى أَوْلاَدِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم ((لَوْ كَانَ ذَلِكَ ضَارّاً، ضَرّ فَارِسَ وَالرّومَ)). وفي رواية له: ((إِنْ كَانَ لِذَلِكَ فَلاَ. مَا ضَارَ ذَلِكَ فَارِسَ وَلاَ الرّومَ)).

قال القاضي عياض[11]رحمه الله تعالى: كان العرب يحترزون عن الغيلة ويزعمون أنها تضر الولد، وكان ذلك من المشهورات الذائعة عندهم، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينهى عنها لذلك، فرأى أن فارس والروم يفعلون ذلك ولا يبالون به، ثم إنه لا يعود على أولادهم بضرر فلم ينه عنه.اهـ.

وقال المناوي[12] رحمه الله تعالى: قوله صلى الله عليه وسلم: ((حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك)) أي يجامعون المرضع والحامل ((فلا يضر أولادهم)) يعني لو كان الجماع أو الإرضاع حال الحمل مضرًّا لضر أولاد الروم وفارس لأنهم يفعلونه؛ مع كثرة الأطباء فيهم، فلو كان مضرًّا لمنعوا منه فحينئذ لا أنهى عنه. اهـ.

فانظر كيف استشهد النبي صلى الله عليه وسلم ببعض أفعال الكفار الدنيوية، وما مارسوه في حياتهم الاجتماعية، مستدلاً بتجربتهم في ذلك وعدم حصول الضرر به؛ على عدم المنع منه.

2. العلاج لدى الطبيب الكافر:

من ذلك خبر سعد بن أبي وقاص[13]-رضي الله عنه-، فعن مجاهد أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال مرضت مرضاً شديداً، قال: فجاءني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعودني فوضع يده بين ثدييَّ حتى وجدت بردها على فؤادي فقال: ((إنك رجل مفؤد[14] إئت الحارث بن كلدة[15] أخا ثقيف فإنه رجل يتطبب فمره فليأخذ سبع تمرات عجوة من عجوة المدينة فليجأهن[16] بنواهن ثم ليلدك[17] بهن)).

فخبر مرض سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، -وإن كان فيه مقال- وأمر النبي (صلى الله عليه وسلم) له أن يستطب عند الحارث بن كلدة، وما كان الحارث مسلماً حينها، بل إن ابن أبي حاتم أنكر إسلامه. فهذا الخبر ذكره عدد من الأئمة[18] مستدلين به على جواز الاستطباب عند الطبيب الكافر، وأن ذلك جاء بأمر النبي (صلى الله عليه وسلم) وليس على أصل الإباحة فقط، لأن الناس أعلم بأمور دنياها، ولاشتهار الحارث بالطب؛ فهو طبيب العرب، فالاستفادة من خبرته وعلمه وتجاربه جائزة في دين الله تعالى.


3. التداوي بوصفاتهم العلاجية:

عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: ما اجتمع في بطن‌النبي صلى الله عليه وسلم طعامان في يوم قط؛ إن أكل لحماً لم يزد عليه، وإن أكل تمراً لم يزد عليه، وإن أكل خبزاً لم يزد عليه، وكان رجلاً مسقاماً، وكانت العرب تنعت له فيتداوى بما تنعت له العرب، وكانت العجم تنعت له فيتداوى[19].
ففي هذا الخبر نجد كيف أن نبي الهدى -صلى الله عليه وسلم- كان يستفيد من تجارب وفود العرب، ويأخذ وصف الأدوية عنهم ولا يختلف الحال عنده -صلى الله عليه وسلم- بين ما هو من وفود العرب أو من وفود العجم.

هذه المسألة من المسلمات في حياة الناس، مع أن كثيراً من الأدوية والمنتجات الطبية قديماً وحديثاً من عمل الأمم الكافرة، وهي نتائج خبرة حياة وتجارب عديدة توصلوا إليها، وينبني عليها حياة وموت وصحة وعافية، ولسلامة المنهج في التعامل معها واستفادة الأمة منها فيما فيه النفع والمصلحة فهي على أصل الإباحة، فيتم التعامل معها بهذه الصورة، وهذا هو المنهج الحق والصحيح.

قال ابن أبي حاتم[20] -رحمه الله- في ترجمة الحارث بن كلدة، عند حديث سعد بن أبي وقاص الآتي "وهذا الحديث يدل على جواز الاستعانة بأهل الذمة في الطب".

قال ابن مفلح[21]: "إن اليهودي أو النصراني إذا كان خبيراً بالطب ثقة عند الإِنسان جاز أن يُستطب، كما يجوز له أن يودعه المال وأن يعامله".اهـ.

وقد نقل الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه الطب النبوي كثيراً من عبارات وتجارب وخبرات ونتائج دراسات الأطباء والحكماء كبقراط وبطليموس وسقراط وأرسطاطالينوس وجالينوس والحارث بن كلدة وغيرهم، وقد نقل رحمه الله تعالي في زاد المعاد[22]؛ كثيراً من أقوال الحكماء والأطباء من المسلمين وغيرهم حول ضرورة الطب والعلم به والاستفادة فيه من تجارب السابقين.


المبحث الثاني
الاستفادة منهم في الأمور الحياتية العامة

وأعني بذلك:
الأمور التي يتعامل الناس معها ولابد لهم منها في حياتهم الخاصة والعامة؛ في مأكلهم وملبسهم وبيعهم وشرائهم ومعاشهم وأعمالهم، فالمطلع على واقع حياة نبينا محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وسيرة أصحابه -رضي الله عنهم- من بعده، يجد أن هناك استفادة ظاهرة من خبرة ومنتجات الأمم الكافرة، وما جاء التنبيه والنهي عن شيء من آلاتهم إلا فيما يخالف أمراً شرعياً أو ما يخل بحكم شرعي.

ولعل العرض لبعض أحداث سيرة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يكشف عن ذلك، فمن ذلك:
1. تأبير النخل:

حين قدم رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المدينة النبوية، والتقى فيها بالصحابة رضي الله عنهم، وأقام فيهم دولة الإسلام، أبقى عليهم بعض ما كانوا عليه من حال الجاهلية مما كانوا يعملونه ويعمل به الكافرون، ومما توصل له كفار المدينة وغيرها من حقائق دنيوية من خلال التجربة والممارسة، فكان من ذلك حادثة تأبير النخل[23]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بعد ذلك: ((أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ))، فقد روى الإمام مسلم[24] رحمه الله من حديث مُوسَىَ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَوْمٍ عَلَىَ رُؤُوسِ النّخْلِ. فَقَالَ: ((مَا يَصْنَعُ هَؤُلاَءِ؟)) فَقَالُوا: يُلَقّحُونَهُ. يَجْعَلُونَ الذّكَرَ فِي الأُنْثَىَ فَتَلْقَحُ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَا أَظُنّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئاً)) قَالَ: فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ. فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ فَقَالَ: ((إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ. فَإِنّي إِنّمَا ظَنَنْتُ ظَنّا. فَلاَ تُؤَاخِذُونِي بِالظّنّ. وَلَكِنْ إِذَا حَدّثْتُكُمْ عَنِ اللّهِ شَيْئاً، فَخُذُوا بِهِ. فَإِنّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَىَ اللّهِ عَزّ وَجَلّ)).

وعنده أيضاً[25] من حديث رَافِعِ بْن خَدِيجٍ قَالَ: قَدِمَ نَبِيّ اللّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ. وَهُمْ يَأْبُرُونَ النّخْلَ. يَقُولُونَ يُلَقّحُونَ النّخْلَ. فَقَالَ: ((مَا تَصْنَعُونَ؟)) قَالُوا: كُنّا نَصْنَعُهُ. قَالَ: ((لَعَلّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْراً)) فَتَرَكُوهُ. فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ. قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: ((إِنّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ. وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ، فَإِنّمَا أَنَا بَشَرٌ)).

ومن حديث عَائِشَةَ وأَنَسٍ[26] رضي الله عنهما، أَنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم مَرّ بِقَوْمٍ يُلَقّحُونَ. فَقَالَ: ((لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ)) قَالَ: فَخَرَجَ شِيصاً[27]. فَمَرّ بِهِمْ فَقَالَ: ((مَا لِنَخْلِكُمْ؟)) قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: ((أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ)).


نلحظ من هذا الخبر كيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم – بنى الحكم في القبول والرد لما يقف عليه الإنسان من أقوال الناس وتجاربهم وما يكتشفونه من خلال ذلك، بناه على السلامة من الضرر والمفسدة؛ حيث قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ)). فدل ذلك على أن كل أمر من أمر الدنيا يحكم بقبوله وجواز الانتفاع به، عند توافر شرط ذلك، وشرطه: النفع للأمة وللفرد وعدم الضرر، مع عدم المخالفة لمقاصد الشريعة، ونصوص الكتاب والسنة الثابتة. ومن ذلك المكتشفات التقنية لدى الكفار، فيؤخذ بها ما دامت تحقق المنفعة للأمة ولا يحصل بها الضرر ولا المفسدة.


2. إسراج المسجد النبوي بالقناديل:

ذكر عدد من الأئمة[28] أن الصحابي الجليل تميم بن أوس الداري رضي الله عنه هو أول من أسرج المسجد النبوي، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى عليه لذلك، وقد جاءت الروايات على أنه رضي الله عنه نقل ذلك عن خبرة النصارى ببلاد الشام، ولم ينكر أحد من الأئمة ذات الفعل، بل ساقوه مساق المناقب لتميم رضي الله عنه، وأنه نقل للإسلام تقنية مهمة ومفيدة، ولم ينظر الأئمة فيما ورد من أن ذلك كان من عمل غير المسلمين، فدل ذلك على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استفاد من مخترعاتنصارى الشام وأقر أصحابه على ما نقلوه عنهم، وأخذ بذلك علماء الإسلام.

وخبر تميم الداري-رضي الله عنه- ذكره الإمام القرطبي مفصلاً في تفسيره[29]، وفيه: عن أبي هند رضي الله عنه قال: حمل تميم (يعني الداري) –رضي الله عنه- من الشام إلى المدينة قناديل وزيتاً ومقطاً[30]، فلما انتهى إلى المدينة، وافق ذلك ليلة الجمعة، فأمر غلاما يقال له أبو البراد، فقام فنشط المقط[31]، وعلق القناديل، وصب فيها الماء والزيت وجعل فيها الفتيل؛ فلما غربت الشمس أمر أبا البراد فأسرجها، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فإذا هو بها تزهر؛ فقال: (من فعل هذا)؟ قالوا: تميم الداري يا رسول الله؛ فقال: ((نورت الإسلام نور الله عليك في الدنيا والآخرة، أما إنه لو كانت لي ابنة لزوجتكها)). قال نوفل بن الحارث: لي ابنة يا رسول الله تسمى المغيرة بنت نوفل فافعل بها ما أردت؛ فأنكحه إياها.

وهذا الخبر لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن قول عدد من الأئمة -كما أسلفت- بأن أبا رقية الداري هو من أسرج المسجد حين قدم من الشام، فيه دليل على أنه استفاد ذلك من عمل النصارى، وما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منع ذلك؛ لأن هذه التقنية من نتاج أمة كافرة، وإنما أنتم أعلم بأمور دنياكم.


3. اللباس:

فقد كان النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يلبس ما خاطته يد النصارى من اللباس.

فمن ذلك: لبسه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لجبة شامية مصنوعة من صوف من جباب الروم، فعن الْمُغِيرَة بْن شُعْبَةَ[32]-رضي الله عنه- قَالَ انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ فَلَقِيتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ، فَذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ، فَكَانَا ضَيِّقَيْنِ فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتُ فَغَسَلَهُمَا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَعَلَى خُفَّيْهِ.

وعند الترمذي والنسائي[33]: جبة رُومِيّة.

وفي سنن أبي داود[34]: وعليه جبة من صوف من جباب الروم.

فيستنبط من ذلك الانتفاع بثياب الكفار حتى تتحقق نجاستها لأنه صلى الله عليه وسلم لبس الجبة الرومية ولم يستفصل، واستدل به القرطبي على أن الصوف لا ينجس بالموت لأن الجبة كانت شامية وكانت الشام إذ ذاك دار كفر ومأكول أهلها الميتات، كذا قال.

وقال المباركفوري[35]: "جبة رُومِيّةً، ولأبي داود: جبة من صوف من جباب الروم، لكن وقع في أكثر روايات الصحيحين وغيرهما: جبة شامية، ولا منافاة بينهما لأن الشام حينئذ داخل تحت حكم قيصر ملك الروم فكأنهما واحد من حيث الملك".

يقول الشيخ محمد رشيد رضا في مجلة المنار[36]: "ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبِس الجبة الرومية؛ وهي من لبوس النصارى، ولبس الطيالسة الكسروية[37]؛ وهي من لبوس مجوس الفرس. وكذلك كان حال الصحابة رضي الله عنهم أنهم لبسوا في كل بلاد فتحوها من لبوس أهلها حتى قلنسوة النصارى[38]. ولبسوا أيضًا البرود والحبر المخططة والمعلمة[39]، وهي من لبوس اليمن. وتلك الثياب كانت كغيرها تُجلب إليهم من العراق والشام ومصر واليمن".اهـ.


4. ومن ذلك الآنية:

استعمال آنيتهم؛ سواء ما استعملوه منها، أو ما صنعوه وحازه المسلمون بشراء أو غنيمة ونحو ذلك:
فعند استعراض النصوص الواردة في حكم الاستفادة من آنية صنعها الكفار، نجد النصوص والأقوال الفقهية تتناول حكم استعمالها، وبيان حيثيات الحكم، وهي إما نجاسة الكفار عيناً وفيه خلاف طويل، والظاهر من تضافر النصوص بطلانه، أو نجاسة الآنية لما تستعمل فيه من النجاسات وأنها تطهر بالغسل، وليس المقام لتفصيل الأقوال في ذلك ويكفي ما أشرت له من أصل النزاع، فيتحرر من ذلك أن سبب الخلاف ليس في كون الكفار صنعوها واخترعوها، فذاك ما لم يذكره أحد من الأئمة، وإنما السبب نجاسة أعيانهم، أو نجاسة ما يستعملونه في هذه الآنية. والله أعلم.

فعَنْ[40] أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: ((أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا...)) الحديث.

قال النووي: "المراد بالآنية في حديث أبي ثعلبة آنية من يَطْبخ فيها لحم الخنزير ويشرب فيها الخمر كما وقع التصريح به في رواية أبي داود "إنا نجاور أهل الكتاب، وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر فقال:..." فذكر الجواب.

وأما الفقهاء فمرادهم مطلق آنية الكفار التي ليست مستعملة في النجاسة فإنه يجوز استعمالها ولو لم تغسل عندهم، وإن كان الأولى الغسل للخروج من الخلاف لا لثبوت الكراهة في ذلك".

قال الحافظ في الفتح[41]: "والحكم في آنية المجوس لا يختلف مع الحكم في آنية أهل الكتاب لأن العلة إن كانت لكونهم تحل ذبائحهم كأهل الكتاب فلا إشكال، أو لا تحل... فأهل الكتاب كذلك باعتبار أنهم لا يتدينون باجتناب النجاسة وبأنهم يطبخون فيها الخنزير ويضعون فيها الخمر وغيرها، ويؤيد الثاني ما أخرجه أبو داود[42] والبزار عن جابر -رضي الله عنه- قال:" كُنّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَنُصِيبُ مِنْ آنِيَةِ المُشْرِكِينَ وَأسْقِيَتِهِمْ، فَنَسْتَمْتِعُ بِهَا فَلاَ يَعيبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ)".


5. النقود:

النقد له تاريخ بعيد تعامل به البشر فيما بينهم في قديم الزمان، والله تعالى ذكر ذلك في كتابه العزيز في أكثر من موضع منه؛ ففي قصة أصحاب الكهف ذكر الله تعالى قولهم: ﴿ فابعثوا أحَدكُم بوَرِقِكُم هذه إلى المدينةِ فلْيَنْظُر أيُّها أزكى طعاماً فليأتِكُم برزق مِنهُ ولْيَتَلَطَّف ولا يُشْعِرَنَّ بكُم أحَداً ﴾ [الكهف: 19]، والوَرِق الدراهم المضروبة،وقيل من الفضة خاصة، وكذا الرِّقَة بالتخفيف. وقال أبو عبيدة: الورق الفضة كانت مضروبة كدراهم أو لا[43].

وفي خبر يوسف عليه الصلاة والسلام ﴿ وَشَرَوْهُ بثمن بَخْس دراهمَ مَعْدودة ﴾ [يوسف: 20].

فالتعامل بالدراهم قديم جداً، وكانت نقود العرب التي تدور بينهم في الجاهلية؛ دنانير الذهب ودراهم الفضة لا غير، ولما جاء الإسلام استمرّ المسلمون يستعملون الدينار والدرهم الرومانيّين؛ وذلك في زمن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ومن بعده، واختلف في العصر الذي ضربت فيه النقود؛ فقيل في خلافة الفاروق عمر وقيل بعد ذلك، وأظهر الأقوال ما ذكره ابن كثير وغيره أن ذلك كان في عهد عبدالملك بن مروان -رحمه الله- يقول ابن كثير[44] في تاريخ سنة ست وسبعين: "وفي هذه السنة نقش عبد الملك بن مروان على الدراهم والدنانير وهو أول من نقشها. وقال الماوردي في كتاب الأحكام السلطانية: اختلف في أول من ضربها بالعربية في الإسلام فقال سعيد بن المسيب: أول من ضرب الدراهم المنقوشة عبد الملك بن مروان، وكانت الدنانير والدراهم رومية وكسروية". اهـ.

وفي أسباب عزم عبد الملك على ضرب النقود؛ ما ذكره بعض المؤرخين عندما حدث خلاف بين ملك الروم وبين الخليفة الأموي; حيث هدد قيصر الروم بأنه سينقش على الدنانير التي يتداولها أهل الإسلام ما يُكره عن النبي -صلى الله عليه وسلم[45].

فدل هذا الأمر على استفادة المسلمين في صدر الإسلام من خبرات وتجارب الأمم الكافرة في مجال التعامل الاقتصادي وربط الوضع الاقتصادي للدولة المسلمة بالعملة التي تصدر عن أعداء الأمة، وهذا مما لا بأس به ما دام أن ذلك لا يناقض أو يعارض أمراً من دين الإسلام، ولهذا لما حدث ما حدث بين ملك الروم وخليفة المسلمين عبدالملك ترك المسلمون الاستفادة من نقودهم تحسباً لضرر يحصل منها على المسلمين.


6. ومنه؛ صناعة الورق"الكاغد"، واستخدامه في تدوين العلم وكتابة الرسائل وعقد المواثيق، الاستفادة من خبرة الأمم الكافرة في ذلك:

الكتابة وأدواتها من ضروريات الحياة التي لقيت عناية من البشر في شتى الأمم، واهتموا لها لما تؤديه من رسالة وتنجزه من مهمات وتحفظه من حضارة ومعرفة.

وقد كان إيجاد ما يكتب عليه من الأمور التي حظيت باهتمام أممي كبير، فقد مرت الكتابة بمراحل عديدة لدى الأمم الأخرى وحظيت بعناية خاصة في أمة الإسلام، وقد مرت صناعة الورق بمراحل عديدة، وانتهت إلى صورة الورق الحالية بعد وجود ما يسمى بصناعة الورق "الكاغد"، فقد نشأت صناعته في الصين كما أشار لذلك ابن النديم[46]، ثم بعد فتح المسلمين لسمرقند سنة "93هـ" وأسر عدد كبير من الصينيين قرابة عشرين ألفاً، وكان من بين هؤلاء الأسرى من يعرف صناعة الورق، فقامت على عاتقهم صناعة الورق في سمرقند، ثم انتقلت هذه الصناعة إلى بغداد فأسس أول مصنع للورق في بغداد عام 178هـ على يد الفضل بن يحيى في عصر هارون الرشيد، وتم تطوير هذه الصناعة وإدخال كثير من التحسينات عليها.


المبحث الثالث
الاستفادة منهم في النظم الإدارية والسياسية

وهذه مسألة من المسائل التي يجدر بنا تحريرها وبيانها، فنحن في عصر تعصف بالأمم طرائق تنظيمية عالمية تكاملية، وأصبح التقارب المعرفي من خلال الوسائل التقنية المبهرة طريقاً إلى تحرير ما يصح مما لا يصح من نظم الحياة والعلاقات والخبرات الإدارية والتطويرية والتنموية.

ومع أهمية هذه المسألة وضرورتها إلا أنني سأقصر القول على هذه المسألة من زاويتها المرادة حسب موضوع بحثنا، فقد استفاد نبينا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من الكافرين في تنظيم حياة الناس وعلاقات دولة الإسلام، واستفاد أصحابه وخلفاؤه الراشدون -رضي الله عنهم- من خبرات الأمم الأخرى ما يخدم وينظم حياة الناس وييسر أمورهم.

ولهذه الصورة من الاستفادة نماذج عديدة في سيرة نبينا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وحياة أصحابه -رضي الله عنهم- وسير سلف هذه الأمة، ولعلنا أن نقف مع نماذج من ذلك:
1. الاستفادة من خبرتهم وتجاربهم:

فقد كان من سيرة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ما يدل على الثقة بقولهم والاتكال على معرفتهم وخبرتهم والطمأنينة على سرية الخبر عند بعضهم. ففي أعظم موقف من مواقف السيرة النبوية، وهو الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة النبوية، وأعداؤه يترصدون له ويفتشون عنه، ومع ذلك وثق -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في رجل من المشركين واطمأن له وأنس بخبره وخبرته وسار معه في طريق الهجرة متخفياً عن أعين المشركين الذين رصدوا الجوائز الباهظة لمن يأتي بخبره -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

تقول أم المؤمنين عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَاسْتَأْجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ هَادِيًا خِرِّيتًا - الْخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ- قَدْ غَمَسَ يَمِينَ حِلْفٍ فِي آلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَأَتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا صَبِيحَةَ لَيَالٍ ثَلَاثٍ فَارْتَحَلَا وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَالدَّلِيلُ الدِّيلِيُّ فَأَخَذَ بِهِمْ أَسْفَلَ مَكَّةَ وَهُوَ طَرِيقُ السَّاحِلِ[47].

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 174.14 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 172.46 كيلو بايت... تم توفير 1.68 كيلو بايت...بمعدل (0.96%)]