|
|||||||
| الملتقى العلمي والثقافي قسم يختص بكل النظريات والدراسات الاعجازية والثقافية والعلمية |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
الحصانة الشرعية وأهميتها في تشكيل الشخصية الإسلامية خباب بن مروان الحمد الحمد لله الواحد الأحد، وصلَّى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين... أمَّا بعد: يعيش المسلمون في زمن انفتحت فيه الدنيا على مصراعيها؛ فقد تعدَّت مقولة العيش في قرية واحدة مرحلتها ثأ، وصرنا في حقيقة الأمر نعيش في عالم يجتمع في غرفة واحدة، فالقنوات الفضائية دخلت البيوت، والمواقع الإلكترونية استقطبتها أروقة الدور والعمل، فصار المرء يتلقَّى آراء عديدة، وتوجهات متغايرة، تجعله يتابعها وهو في غرفته ليل نهار. وفي خِضَمِّ هذه التحديات، والاختلافات البينيَّة يجدر بالمرء الذي منَّ الله عليه بالإسلام، أن تكون لديه رؤية ناضجة في كيفية التعامل مع هذه التحديات، فإنَّ فيها الحق والباطل، ومواجهتنا لهذه التحديات الثقافية تتطلَّبُ منَّا قوَّة عقدية، وركائز ثابتة، تأخذنا لبرِّ الأمان، وشاطئ النجاة. وليس من شكٍّ أنَّ الله - تعالى - قد منَّ علينا بنعمة عظيمة، وهي:نعمة العقل، والتي يُعرف من خلالها - في كثير من المسائل- الخير من الشر، والهدى من الضلالة، والصواب من الخطأ، بيد أنَّ الإنسان إذا استقلَّ بها وأعرض عن الوحي، فسيرتكب ما تهواه النفس، ولذا نزلت الشريعة الإلهية على عباد اللَّه، لتميِّز للناس ما يفيدهم ويضبط عقولهم، فتتوازن الحياة، وتنضبط المسيرة. والعقل على شرف منزلته، لن يستقلَّ بالهداية إلاَّ باتِّباعه لشريعة الإسلام، وشريعة الإسلام لن تتبين مراداتها إلّا بواسطة العقل، فكلا الأمرين يحتاج أحدهما إلى الآخر، ولن يعارض العقل الصحيح النقل الصريح أبداً كما بيَّنه علماء الإسلام. *التعريف بـ الحصانة الشرعية)، وأهميَّة هذا الموضوع:من أهمِّ القضايا العلميَّة في دين الإسلام معرفة حقائق الأشياء وتعريفاتها؛ لتكون الصورة واضحة في الذهن، جليَّة في الفكر (إذ المرء ما لم يحط علماً بحقائق الأشياء التي يحتاج إليها يبقى في قلبه حسكة)كما قال الإمام ابن تيميَّة "الفتاوى10/368". ومن خلال تأمُّل فكري لاستخراج تعريف لهذا المفهوم الحصانة الشرعية) وتبيين المقصود منه، أرى أنَّه: (البناء العقدي المتين من خلال الفهم الدقيق الناضج لمنهاج الله كتاباً وسنَّة، ووقاية الفكر والعقل من كلِّ ما يخلُّ بهما من الآراء الفاسدة، المخالفة لمنهج أهل السنَّة والجماعة في التلقي والاستدلال).فالحصانة الشرعيَّة مشابهة لجهاز مناعة واقٍ من أن يتسرَّب إليه شيء من الخلل والعطب، فيفسده ويخلُّ به. وهكذا المسلم، فإنَّه محتاج إلى ما يحوط عقيدته ويرعاها حقَّ رعايتها من أن تتلقَّى شيئاً من شُبه أهل الضلال، فيقع في قلبه شيء من الانخداع بها، فيزيغ قلبه - عياذاً بالله من ذلك - فيهلك مع الهالكين. *تتجلَّى أهميَّة الموضوع - فيما أرى - بأنَّه منذ خروج المرء من بطن أمِّه، ليس في ذهنه رصيد معرفي، ولا خبرة عملية، كما قال الله - تعالى - والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلَّكم تشكرون) (النحل78) فالمرء المسلم ما دام أنَّه سيبدأ بالتلقي والاتصال مع بني الإنسان، فسيجد اختلافات في الآراء، وتباينات في المناهج، وكلٌّ يدَّعي الحق والصواب، فما موقفه إذن من هذه التضاربات الفكرية ؟وكيف يستطيع أن يميِّز بين الصواب والخطأ ؟هناك خطوات لتحقيق ذلك، منها:*ضرورة تلقي العلم من منابعه الأصيلة: ليس من شك في أنَّ الإنسان المسلم إذا لم يتلقَّ العلم من منابعه الأصيلة، وروافده الصحيحة، أخذاً من الكتاب والسنة على هدي السلف الصالح، فإنَّه سيخبط خبط عشواء ويتلقَّى العلم من جهات لا يعلم توجُّهاتها العقدية، ولا أصولها الشرعية، ويقع في عدة مزالق يتباين حجم خطئها وضلالها، ولهذا كان علماؤنا السابقون يوصون بتلقي العلم ممَّن صدقوا الله في تعلمهم وتعليمهم، ولاحت قوة حججهم أمام خصومهم، وفي المقابل يحذِّرون طلابهم من أهل الزيغ والهوى، لئلا يقعوا فيما وقع فيه أولئك المبتدعة، فكان الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود - رضي اللَّه عنه - يقول: (لا يزال النَّاس بخير ما أخذوا العلم عن الأكابر، وعن أمنائهم وعلمائهم؛ فإذا أخذوا من صغارهم وشرارهم هلكوا. قال ابن المبارك - رحمه اللَّه - في تفسير ((الأصاغر)) يعني أهل البدع) (أخرجه ابن المبارك في الزهد: ص815، و عبدالرزاق في المصنَّف (20446و20483، بسند صحيح).وهذا الإمام عبدالله بن المبارك - رحمه الله - يوصي طالب العلم قائلاً له: أيها الطَّالب علماً ائت حمَّادَ بن زَيد فاكتسب علماً وحِلماً ثمَّ قيِّده بقَيد ودَعِ الفتنةَ من آثارِ عمرو بن عُبَيد (ديوان ابن المبارك، للدكتور مجاهد مصطفى: ص45، وانظر البداية والنهاية:10/79). وممَّن نبَّه على ذلك الإمام الغزالي - رحمه الله - حيث ألمح للمسلم الذي يريد أن يكون ذا عقليَّة واعية بأنَّه لا بد أن يعمل على تحصين عقله من الانحرافات الفكرية، وخصوصاً إن كان في منطقة يكثر بها أهل البدع والهوى، فقال: (فإن كان في بلد شاع فيه الكلام وتناطق الناس بالبدع فينبغي أن يُصان في أول بلوغه عنها بتلقين الحق؛ فإنه لو أُلقي إليه الباطل لوجبت إزالته عن قلبه وربما عسر ذلك، كما أنه لو كان هذا المسلم تاجراً وقد شاع في البلد معاملة الربا وجب عليه تعلم الحذر من الربا) إحياء علوم الدين للغزالي 1/29) وحين يفتش المراقبُ ضلال من ضلَّ وحادَ عن طريق الهدى وعلائم الحق، فسيجد أنَّ من أسباب ذلك ضعف الحصانة الشرعية، ممَّا يؤدِّي لولوج المشتبهات في فكره وعقله، وقد نبَّه على ذلك الإمام ابن بطَّة العُكبَري فقال: (اعلموا إخواني أني فكرت في السبب الذي أخرج أقواماً من السنة والجماعة واضطرَّهم إلى البدعة والشناعة، وفتح باب البلية على أفئدتهم وحجب نور الحق عن بصيرتهم فوجدت ذلك من وجهين: أحدهما: البحث والتنقير وكثرة السؤال عما لا ينبغي، ولا يضر العاقلَ جهلُه، ولا ينفع المؤمنَ فهمُه. والآخر: مجالسة من لا تؤمَن فتنتُه، وتفسد القلوبَ صحبتُه) "الإبانة:1/390". وقد يتساءل بعض المستشكلين عن علَّة الاهتمام والتَّشبُّث تجاه مصادر التلقي؛ والسبب في ذلك، لئلاَّ تختلط المناهج في الذهن، وتتضارب التصورات، فتكون النتيجة المنطبعة بعد ذلك في العقل الإسلامي منهجاً غوغائياً لا تلزمه ضوابط، ولا تحكمه قيود. فالمطلوب لمن أراد الهداية والتثبيت على سلَّم الشريعة، ليدفع بها الأهواء، ومكائد أهل الضلال، أن يكون معتنياً بحماية عقله، بسياج الشريعة الإسلاميَّة وأصولها، والتي تكوِّن له ثوابتَ عقدية تحميه - بعون الله - من سريان الأفكار المضلِّلَة إلى منهجه، من أهل الأهواء والعصرنة والعلمنة. أمَّا أن يظنَّ العبد بنفسه حين قرأ شيئاً في عقيدة أهل السنة والجماعة أنَّه صار مدركاً لها بالكليَّة، أو مفكِّراً ألمعياً، ثمَّ يطالع كتب أولي الأهواء والبدع، ويشاهد بعض البرامج الدينية أو الفكرية في بعض القنوات الفضائية، بحجَّة الاستنارة وعدم التعصُّب الفكري، أو بغية العثور على فكرة ضالة، فيبدأ مشاهداً ومطالعاً متوجساً من كلام المتحدث، وما أن تمضي عدَّة شهور أو سنوات، حتَّى يدمن ذاك الذي ظنَّ أنَّه قد أحاط علماً بأصول الإسلام، على مشاهدة الفضائيات وملاحقة الصحف والمنتديات الثقافية، فتبدأ الشبهات تقع في ذهنه، لقلَّة علمه، بل قد يأتي بعضهم لأهل العلم في مجالس خاصة أو عامة، يحدثونهم سراً أو علانية، بأنَّ في ذلك البرنامج الفلاني، أو الصحيفة الفلانيَّة، ذكر الكاتب كذا، وأقام الأدلة على حديثه، فهل كلامه صواب ؟ وكيف نرد عليه؟! والحقُّ أنَّ هؤلاء أحسنهم، وإلاَّ فقد ينخدع هؤلاء ببعض أهل الهوى ممَّن أوتوا فصاحة وبياناً بل علماً، فتختلط المعايير لديهم، ويضطربون فكرياً، ثمَّ يلتفتون مرَّة أخرى إلى منهجهم الذي ساروا عليه سنوات فيدَّعون أهمِّية نقضه ونسفه، ومعاودة النظر في كلام علمائه بحجَّة أنَّهم رجال وعلماء السلف رجال؛ لأنَّه لم يقم على الأصول العلمية الصحيحة!! وصدق عمر بن عبدالعزيز - رضي الله عنه - حين قال: (من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل) (تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة/ص115). * الحذر من مخالفة منهج أهل السنَّة والجماعة: من يتابع مسيرة سلفنا الصالح - رضوان الله عليهم - يجدهم يتحاشون الاستماع لأهل البدع والهوى، أو محادثتهم، أو مجالستهم، وفي هذا يقول سفيان الثوري: (من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة، وهو يعلم، خرج من عصمة الله، ووُكِل إلى نفسه. وقال كذلك: من سمع بدعة فلا يحكها لجلسائه، لا يلقها في قلوبهم. علَّق الإمام الذهبي على مقولة الإمام سفيان الثوري بقوله: أكثر الأئمة على هذا التحذير يرون أن القلوب ضعيفة والشُّبه خطَّافة ) "السير7/261"، وقد أحسن من قال: لا تستمع إلاَّ لقول صادق يُغنيك عن خَطَل من الأقوالِ فالأذنُ نافذةُ العلوم وخيرها أذنٌ وعَت ذِكراً تلاهُ التَّالي بل إننا نجد أنَّ من منهج أهل العلم الراسخين تجاه المدارس الضالَّة؛ التحذير منها، بله محاولة انتزاعها من أيدي أصحابها، لئلاَّ تفسد عقول الناس بتلك الأفكار المضلِّلة، ويذكر شيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله - شيئاً من هذا قائلاً: (وقد أمر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح بانتزاع مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي، وقال: أخذُها منهُ أفضلُ من أخذِ عكا - وقد كانت بأيدي الصليبيين - مع أن الآمدي لم يكن في وقته أكثر تبحراً في الفنون الكلامية، والفلسفية منه، وكان من أحسنهم إسلاماً، وأمثلهم اعتقاداً) "مجموع الفتاوى 18/53" وقد يقول قائل: أليس ذلك مصادرة للرأي، وحجراً على الأفكار ؟ وإجابة على ذلك: إنَّ هذه المصادرةَ لرأي الآخر ليس كما يظنُّه بعض أهل الهوى أو المنهزمين ممَّن ينتسبون إلى الإسلام؛ بسبب الخوف والجبن من الاستماع لأهل البدع والهوى، بل لأنَّه حفظ لعقول المسلمين، والاحتياط لدينهم من سماع كلام أهل الضلال والكفر، استدلالاً بقوله تعالى: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإمَّا ينسينَّك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين)، وقوله تعالى: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها (فلا تقعدوا معهم حتَّى يخوضوا في حديث غيره) "النساء/140". ومن الأدلَّة على ذلك قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: (وإنَّه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين، تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ وإيَّاكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كلَّ محدثة بدعة وكلُّ بدعة ضلالة) أخرجه أحمد في مسنده (4/126)والترمذي برقم (2676) وقال: حديث حسن صحيح، فإنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - حذَّرنا من محدثات الأمور، ودعانا إلى اجتنابها. ومن الأدلة كذلك ما رواه عمران بن حصين عنه - عليه الصلاة والسلام - أنَّه قال من سمع بالدجَّال فلينأ عنه، من سمع بالدجَّال فلينأ عنه، من سمع بالدجَّال فلينأ عنه، فإنَّ الرجل يأتيه وهو يحسب أنَّه مؤمن، (فما يزال به بما معه من الشبه حتَّى يتَّبعه) أخرجه الإمام أحمد في المسند(4/431)بسند صحيح،وجوَّد إسناده الإمام ابن مفلح في الآداب الشرعية(1/220).بل إنَّ المصطفى - عليه الصلاة والسلام - حين أتاه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه عليه، غضب - عليه الصلاة والسلام - وقال: (أوَ في شكّ يا ابن الخطَّاب ؟! لقد جئتكم بها بيضاء نقيَّة، لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به. والذي نفسي بيده، لو أنَّ موسى كان حيَّاً ما وسعه إلاَّ أن يتبعني) أخرجه أحمد في مسنده (3/338)، وابن أبي شيبة في مصنَّفه(6/228) بسند حسَّنه الألباني. كان ذلك منه - عليه الصلاة والسلام - تربية لأصحابه على أن يكون الينبوع الذي يتلقون منه واحداً عذباً نقيَّاً: (يسقى بماء واحد)، ليفارقوا أهل الضلالة ويستقوا المنهج من غيرهم، لأنَّ مفارقتهم منهج لأهل السنة والجماعة، وليست من إنشاءات بعض المتشدِّدين كما يزعمه بعضهم، ويكفينا أنَّه - سبحانه وتعالى - يقول في محكم التنزيل لمن يطلب النظر في غير كتاب بدعوى عدم الحَجر الفكري: (أولم يكفهم أنَّا أنزلنا عليك الكتاب يُتلى عليهم)!! وأمَّا ما يدَّعيه بعضهم من أولي التوجهات الحديثة العصريَّة: بأنَّ ذلك التحفُّظ من باب الحَجر على الأفكار، والاسترقاق الفكري، والإرهاب الثقافي تجاه الناس، وأنَّه لا بأس بأن يستمع من شاء إلى من يشاء، سواء أكان سنِّيَّ المنهج أو نقيضه، بلا توجيه أو رعاية أو تربية أوعناية؛ بزعم أنَّ الحق أبلج ناصع، ومن خلال نصاعة الحق سيتبين للناس أنَّه حق ويأخذون به، لأنَّ الله يقول: (فأمَّا الزبد فيذهب جُفاء وأمَّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) ويقولون: إنَّه ليس من إشكال أن يقلِّب المرء بصره في كلام الناس، ويستمع لجدال المجادلين، ثمَّ يرى من كان كلامه حقاً فيأخذ به. فالجواب عن ذلك: بأنَّ هذا الطرح متولد من العقلية الغالية في تحكيم النصوص، والتي تبالغ في إعطاء العقل ما لا يقدر عليه، ولم يُبْنَ على الأصول الشرعية، وإلَّا فإنَّ هدي رسول الهدى - صلَّى الله عليه وسلَّم - والصحابة والتابعين ممن بعده يقوم على تحصين الأفكار، وصيانة العقول من الاستماع لكلِّ من هبَّ ودبَّ، وعلى هذا قام منهج أهل السنَّة والجماعة، ورحم الله عمر بن عبد العزيز، حين قال: (سنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وولاة الأمر بعده سنناً، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعته، وقوَّة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها، (ولا النظر في رأي من خالفها، فمن اقتدى بما سنُّوا فقد اهتدى، ومن استبصر بها بصر، ومن خالفها واتَّبع غير سبيل المؤمنين ولَّاه الله ما تولى وأصلاه جهنَّم وساءت مصيراً) أخرجه الآجري في الشريعة ص48، والَّلالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة برقم (134) (1/94)، وعبدالغني المقدسي في الاقتصاد في الاعتقاد ص216) وحين جاء رجل للإمام الأوزاعي - رحمه الله - فقال: أنا أجالس أهل السنَّة، وأجالس أهل البدع. قال الأوزاعي: (هذا رجل يريد أن يساوي بين الحقِّ والباطل) أخرجه ابن بطَّة في الإبانة (2/456)، والَّلالكائي (252) في شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة والجماعة. ولنفترض جدلاً أنَّ علماء أهل السنَّة والجماعة فتحوا المجال للنَّاس أجمعين ليطالعوا ما يشاؤون، ويشاهدوا مايريدون، فالظنُّ أنَّه سيخرج كلُّ واحد منهم بمنهج يدَّعي أنَّه الحق الذي لا مرية فيه، وخاصة إذا استصحبنا أنَّ في القلوب ركيزة الهوى، وتزيين السوء باسم المصلحة تارة والحق أخرى ووجهة النظر ثالثة والحرية رابعة، وتكون النتيجة المحصِّلة لنا من هذه الآراء؛ التمذهب بمذهبية الـ(حيص بيص!) في المعتقدات والأفهام، والكل يقول أنا الذي ! دع عنك حبَّ الاستئثار بالرأي لدى البشر، وتعظيمهم لأقوالهم، ومن ثمَّ إخراجهم للكتب والمؤلفات لنصرة رأيهم، والانتصار لفكرتهم (وكم كتاب صنع ليطعن حقَّا) كما قاله الشيخ محمد الخضر حسين في كتابه: (نقض كتاب الشعر الجاهلي ص4). والحقيقة أنَّنا إذا نظرنا فيمن يعظِّم الذي يظنُّ أنَّه عقلاني، فسنجدهم قد صاروا إلى أقوال متباينة، وأفكار غريبة، وقلَّ أن نراهم يوافقون الحق والصواب المدَّعى من قِبَلِهم؛ لأنَّ المعيار بلا معيار لا يكون، والعقول تختلف، والآراء تتباين، والأفكار تتضارب، فتتكون لديهم رؤية مبعثرة غير متَّزنة، تسفُّها الرياح العاتية، وتتلاعب بها الأعاصير الجارفة، وقد قيل: (للناس بعدد رؤوسهم آراء !) ولهذا فلم نرَ من كبارهم إلَّا الندم والحسرة على تلك الأيام التي خلت حين كانوا يضربون الأخماس لأسداس في ماهية المنهج الصائب، حتَّى انتهوا بلا نهاية، وقالوا: ولم نستفِد من بحثِنا طولَ عمرِنا سوى أن جَمعنا فيه قيلَ وقالوا وللَّه درُّ الإمام ابن قتيبة حيث قال عن هؤلاء المتَّبعين للمنهج "الأرأيتي": (وقد كان يجب - مع ما يدَّعونه من معرفة القياس وإعداد آلات النظر - ألا يختلفوا كما لا يختلف الحُسَّاب والمسَّاح والمهندسون، لأن آلتهم لا تدلُّ إلاَّ على عدد واحد، وإلا على شكل واحد، وكما لا يختلف حذَّاق الأطبَّاء في الماء وفي نبض العروق؛ لأنَّ الأوائل قد وقفوهم من ذلك على أمر واحد؛ فما بالهم أكثر الناس اختلافاً، لا يجتمع اثنان من رؤسائهم على أمر واحد في الدين) (انظر:تأويل مختلف الحديث/ص63) وصدق الله: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً). وأمَّا ما ادَّعاه بعضهم من صحَّة الفكرة القائلة: بأن يقلِّب المرء ناظريه بين الأقوال المتضاربة، ويرى الحق الذي يبدو له في بعضها فيختاره، ثم يرى أنَّ هناك شخصاً تَعَقَّبَ ذلك الحق الذي اتَّبعه فجعله باطلاً، ثمَّ أبدى ما لديه من حق، فيأتي المرء ليختار الحق الذي اختاره ذلك الشخص المتعقِّب لكلام من قبله، ثمَّ يأتي شخص ثالث فيبطل القولين ويصوِّب القول الذي اختاره بعناية وتحقيق، فيأتي هذا المرء المسافر بين عقول هؤلاء ليختار قول هذا الرجل، لأنَّه قوي في المناظرة، رابط الجأش في المجادلة، وهكذا....فإنَّ هذا الرأي المطروح ليس صواباً، لأنَّ دين الله لم يأت ليحاكمه العقل البشري، بل ليسمع له ويطيع، ولهذا فإنَّ المنهج العقلي وإنْ صوِّر لأصحابه في البداية بأنَّه منهج المنطقية والعقلانية، هو في الحقيقة منهج الحيرة والضلالة، لأنَّ هذا المنهج وإن كانت له قيود، فقيوده متفلِّتة، وقواعده متسيِّبة، فينتج من ذلك ثلاثة أمور: 1- إمَّا أن يصاب أصحابه بتبلُّد الإحساس فيختاروا قولاً، يبقون عليه إلى أن يُقْبَضُوا مع تعصُّب مقيت، وهوى متَّبع. 2- وإمَّا أن يصطدموا بما لا طاقة لعقولهم به فيردُّوا الشريعة جملة وتفصيلاً. 3- وإمّا أن يصاب أصحابه بالارتحال الفكري، والتجوال بين عقول البشر، ومناهج الفلاسفة أو المفكرين العصريين، فيعانوا من الدُّوار مع القلق الفكري، وتغلب عليهم الحيرة والاضطراب المنهجي - عياذاً بالله من ذلك - وقد ابتلي بعض من سار على هذا المنهج بذلك مثل: الفخر الرازي، والشهرستاني، والجويني، والكرابيسي، والخونجي، وشمس الدين الخسروشاهي، وابن واصل الحموي، والآمدي، وإبراهيم الجعبري، وغيرهم، وإن كان بعض هؤلاء قد منَّ الله عليهم بالرجوع لمنهج أهل السنة والجماعة قبل وفاتهم، ولله الحمد والمنَّة. وحين جاء رجل للإمام مالك يقال له أبو الجويرية - متَّهم بالإرجاء - فقال له: اسمع منِّي، فقال مالك: احذر أن أشهد عليك. فقال هذا الرجل: والله ما أريد إلَّا الحق، فإن كان صواباً، فقل به، أو فتكلَّم. فقال مالك: فإن غلبتني. فقال الرجل: اِتَّبِعْني فقال مالك: فإن غلبتك، قال:اتَّبعتك. فقال مالك: فإن جاء رجل فكلَّمنا، فغلبنا؟ قال: اتَّبعناه. فقال مالك: يا هذا، (إنَّ الله بعث محمداً - صلَّى الله عليه وسلَّم - بدينٍ واحد، وأراك تتنقل!!) (سير أعلام النبلاء 8/99-106) (الفتوى الحموية الكبرى/ ص277). ولا يعني ذلك بحال ألاَّ يتطلب المسلم الحقَّ ويبحث عنه، فإنَّ هذا الأمر غير ذاك، والفارق بينهما أن من يريد تتبع الحق في أصول الإسلام وقضاياه الكلية يرجع إلى كتاب الله، وسنَّة رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيستقي منهما الحقَّ والصواب، على طريقة علماء أهل السنَّة والجماعة، ومنهجيَّتهم في الاستدلال. * حتى لا نقع في الانحرافات: صفة متَّبع الحق أنه يدور مع الأدلة الشرعية حيث تدور،فهمُّه التسليم لكلام الله ورسوله؛ لأنه عابدٌ لله، ولا يكون العبد مسلماً لله إلا إذا ابتعد عن هواه وسلَّم عقله ونفسه لحكم الله وأمره، أمَّا من يريد تتبع الحق لأقوال من عرفوا بالزيغ والهوى، فإنَّه قلَّ أن يصل للمنهج الإسلامي الصحيح، ومن دلائل معرفة هؤلاء أنَّهم يُبعدون النَّجْعَة كثيراً في معرفة الأدلة الشرعية، ولا يتحاكمون إلاَّ إلى عقولهم، ومن ثمَّ يختارون من الشريعة ما يوافق هواهم، بل لو قيل لبعضهم: إنَّ هذا القول خطأ والدليل عليه من كتاب الله كذا وكذا، لضجُّوا وأكثروا وقالوا: أنت رجل مماحك؛ فما أشبههم بقوله تعالى: (وإذا ذُكر الله وحدَه اشمأزَّت قلوبُ الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذُكر الذين من دونه إذا هُم يَستبشرون) نسأل الله العافية والسلامة! ومن هنا يلزم كلَّ متبع لمنهج أهل السنة أن يكونَ فكره مبنيّاً على كتاب الله وسنة رسول الله بالفهم المنضبط على منهج أهل السنة والجماعة، خشية الوقوع في الشبهات ووصولها إلى ذهنه، ومن ثمَّ صعوبة الانفكاك عنها، حيث ترسَّخت في العقل، ولعلَّ هذا يفسِّر لنا ما ذكره الإمام أبو بكر بن العربي عن أبي حامد الغزالي - رحمهما الله - فمن المعلوم أنَّ الإمام الغزالي تنقل في عدة أطوار عقدية ومنهجية من اعتزالية فلسفيَّة، إلى كُلاَّبيَّة، فصوفية، فأشعريَّة، ثمَّ أراد الانفكاك عنها والخروج من لوازمها، لكنَّه لم يستطع أن يتقيأ كلَّ ما انغرس في فكره من تلك العقائد البدعية، فقال عنه أبو بكر بن العربي: (شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة، ثمَّ أراد أن يخرج منهم فما قدر) "درء تعارض العقل والنقل 1/5"، ومثله الإمام أبو الحسن الأشعري فقد كان معتزليّاً، ثم تبنَّى الفكر الأشعري، وبعد هذه التنقلات الفكرية ترك أبو الحسن الأشعري ذلك كلَّه وأقبل على منهج أهل السنَّة والجماعة وألَّف كتابين جليلين فيه هما: (الإبانة عن أصول الديانة) و(مقالات الإسلاميين واختلاف المصلِّين)، ولكنَّه مع ذلك لم يخل من بعض الأخطاء بسبب التكوين العقدي المركَّب في عقله، وممَّن ألمح لذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - حيث قال: (لم يستطع التخلُّص من مذهب المعتزلة لأنَّه نشأ عليه مع قلَّة خبرته بمذهب أهل السنَّة وعدم تمكنه من علم الكتاب والسنة) (فتاوى ابن تيميَّة). عرضت هذين النموذجين لأبيِّن دور البناء والتأصيل للتكوين العقدي في الخريطة الذهنية لدى الفرد المسلم، وأنَّ الانفكاك عن كلِّ ما يثبت بالذهن من الأخطاء العقديَّة قد يكون صعباً، إلاَّ من أراد الله له ذلك وتفلَّت فكره من كلِّ مخالفة شرعيَّة. * استدراك لابدَّ منه: لا يعني التحذير من القراءة لكتب أهل الزيغ والهوى، أو متابعة آرائهم وأفكارهم بأي حال؛ ألاَّ يُنتَدَب أناس منَّ الله عليهم بالعمق العلمي والإحاطة بمعرفة منهج أهل السنة، ورصانة الدفاع عنه، مع ما آتاهم الله من قوة وحجَّة في الكلام، وجزالة في المعاني والتبيان، بالتصدِّي لأهل البدع والضلالات، وكشف زيف شبههم؛ فإنَّ أهل السنةمحتاجون أشد الحاجة إلى أولي العلم الربانيين المتمكِّنين، وخاصة في هذا الزمان، الذي كثرت فيه الشبهات وتسلط فيه الجهال على منابر الإعلام، وانتشر فيه الرويبضة الذين ينطقون في أمر العامة، فإننَّا بحاجة ماسَّة إلى من منَّ الله عليهم بذلك وتكونت لديهم الحصانة العقدية، لأن يُنتدَبوا لجدال الزائغين، ومناقشة المغرضين، وقد كان في السابق من أهل العلم من ينتدب لذلك إذا رأى الشبهات قد كثرت، بل قد يناظر ويجادل أمام العامة، إذا خشي أن تتسرب الفكرة الضالة إلى عقولهم من أهل الضلال، حماية لهم منهم، ورداً لكيد الضُّلاَّل في نحورهم، كما ناقش الإمام أحمدُ ابنَ أبي دؤاد، وكما جادل الكنانيُّ بِشْرَ المِرِّيسِي، وابنُ تيميةَ علماءَ الأشاعرة، وغيرهم كثير. وكانت هذه الحالة عند العلماء استثنائية، من أصل عدم مناظرة هؤلاء، أو الاستماع إليهم، إلاَّ إن اضطروا إلى ذلك، وخشوا أن تستفحل الفتنة أكثر فأكثر؛ فإنَّ أهل السنَّة استحبُّوا أن ينهض الربَّانيون لمجادلة الضلاَّل. يتبع
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |