|
|||||||
| ملتقى الأخت المسلمة كل ما يختص بالاخت المسلمة من امور الحياة والدين |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
حدود القانون في الحياة الزوجية.. لماذا لا تصنع التشريعات الثقة بين الزوجين؟ مي عبدالشكور نقف اليوم أمام معضلة أعمق غوراً من مواد التشريع وبنود الدساتير؛ معضلة تتلخص في سؤال جوهري: هل تملك النصوص القانونية، مهما بلغت دقتها وصيغت بعدالة، أن تبرأ جرحاً منشؤه الأصلي هو فقدان الثقة؟ إننا نقع كثيراً في مغالطة شائعة حين نظن أن القانون صانع الأزمة الأسرية الحالية، في حين أنه لا يعدو مرايا عاكسة لتصدعات غائرة في جدار البنية المجتمعية؛ فالقوانين لا تخلق الأزمات، بل توثقها برسم رسمي. إن الإغراق في تفاصيل التشريعات المعقدة، والهرع نحو المحاكم عند أول بادرة خلاف، يعد في جوهره شهادة انكسار ضمنية تُعلن تراجع الآليات الاجتماعية غير الرسمية، تلك المنظومات التي كانت تحمي البيوت يوماً بحرمة الكلمة، وسلطة العُرف، والرصيد الأخلاقي المشترك، تلاشت ليحل محلها جفاف العقود، ووفقاً لبيانات المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، فإن أكثر من 65% من قضايا الأحوال الشخصية تنشأ بسبب غياب قنوات الحوار الودي والوساطة العائلية؛ ما يدفع الأطراف إلى الاحتماء بنصوص بالغة القسوة. لا يعني هذا أبداً التقليل من شأن الصياغة القانونية المحكمة؛ فهي الدرع الواقي للطرف الأضعف، والحصن الذي يصون الحقوق من التغول في لحظات الخصومة العاصفة، غير أن الأزمة تكمن في الغفلة عن حدود القانون الوظيفية؛ فالقانون سيفٌ يمنع الظلم الفج، لكنه عاجز تماماً عن زرع الطمأنينة أو تخليق الفضيلة في النفوس، يستطيع القاضي أن يلزم المرء بأداء النفقة، لكنه لا يملك أبداً أن يجعله كريماً، سمحاً، أو محباً وهو يؤديها. حدود القانون في الحياة الزوجية إن الخوف زائر ثقيل، وأخطر ما يفعله أنه لا يكتفي بتغيير سلوكياتنا الظاهرة، بل يتسلل في خفية إلى الوعي ليُعيد تشكيل نظرتنا المعنوية للوجود، لو تصفحنا سجلات التاريخ الإنساني، لعلمنا أن الإنسان لم يلجأ إلى ميثاق الزواج طمعاً في حياة مخملية خالية من المكابدات والتحديات، بل سافر إليه بحثاً عن المعنى، والانتماء، والأمان النفسي، غير أن هذا المعنى الأصيل يذبل وينحسر بمجرد أن يصبح الخوف هو العدسة التي نرى من خلالها الشريك. لقد أدرك الإسلام هذه الطبيعة الوجدانية العميقة؛ فلم يؤسس الزواج في أصله على شبكة معقدة من الضمانات والشروط الاستباقية، بل أقامه على ثلاثة أركان غالية ذكرها القرآن الكريم؛ السكن، والمودة، والرحمة، وجاءت الحقوق والواجبات المالية والتشريعية كإطار خارجي لحماية هذه المعاني وصونها، لا لتعطيلها أو الحلول مكانها، وحين تنقلب المعادلة، ويتحول النص القانوني ليكون بديلاً عن الثقة لا حارساً لها، تصبح بوصلة العلاقة هي الخوف والتحوط، فتنقلب المؤسسة التي وُجدت لتخفيف القلق الإنساني، إلى أكبر مصادره. وتتجلى آثار هذا الخوف في أرقام مرعبة تدق ناقوس الخطر في مجتمعاتنا العربية؛ حيث تشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2024م إلى أن معدلات الطلاق بلغت نحو 25 حالة لكل 100 حالة زواج جديدة، وثمة نسبة مخيفة من هذه الحالات تقع في العام الأول للزواج، هذا المؤشر الرقمي يعكس حقيقة واحدة؛ أن البيوت الجديدة باتت تُبنى على أرضية هشة من التوجس المتبادل، حيث يدخل الطرفان وفي جعبة كل منهما خطة انسحاب قانونية مسبقة، بدلاً من نية البقاء والتغافر. بوصلة الخوف في بيت الزوجية تكمن المعضلة الكبرى اليوم في سعينا المستحيل لإلغاء احتمالات الألم والخيبة من الحياة؛ إذ يتسلل إلى الوعي الحديث وهْمٌ مفاده أن الإنسان يستطيع تحصين نفسه ضد أي خسارة عاطفية إذا ما رتب الضمانات والشروط المادية بذكاء، بيد أن العلاقات الإنسانية الحية ترفض الانصياع لهذه الآلية الميكانيكية؛ فكل ارتباط حقيقي ينطوي بالضرورة على قدر من المخاطرة، لأن الثقة في أصلها قرار واعٍ بقبول المجهول، وليست حالة من اليقين الرياضي التام. لا يمكن للمرء أن يدخل بيت الزوجية وهو مدجج بدروعه النفسية والقانونية كاملة، مستنفراً لصد الضربات، ثم يرجو بعد ذلك أن يجني ثمار المودة والسكينة، إن أثمن ما في هذه الحياة -كالحب، والأمان والرحمة- لا يُنال إلا بقدر من الانكشاف الوجداني، وقبول الهشاشة الإنسانية الملازمة لكل ارتباط، هناك فارق دقيق وعميق بين أن نحمي الناس من الظلم عبر القانون، وأن نعدهم بحياة معقمة لا خيبة فيها؛ فالأولى مهمة المشرّع، أما الثانية فشيء لا تملكه القوانين، ولا تمنحه الحياة نفسها. ومن رحم هذا التحوط المبالغ فيه تولد المفارقة الحزينة؛ كلما أمعن الإنسان في تحصين نفسه وبناء الأسوار التشريعية حول قلبه، ضاقت قدرته على تأسيس علاقة إنسانية نابضة بالحياة، فالخوف الذي بدأ كوسيلة ذكية للمقاومة والحماية، ينتهي كحائل صلب يحرم الروح من الطمأنينة التي خرجت تبحث عنها منذ البداية، إننا نقتل الحب بأيدينا مستخدمين أوراق المحامين بدم بارد. تعديل مواد الحضانة والنفقة لعل التحدي الحقيقي الذي يواجهنا اليوم ليس في كيفية إعادة هندسة النصوص القانونية أو تعديل مواد الحضانة والنفقة، فالهندسة التشريعية المجردة غالباً ما تعجز عن إنتاج معادلة تمنح الجميع شعوراً بالإنصاف الكامل ما دامت النفوس مشحونة بالعداء، السؤال الأعمق والأجدر بالالتفات خلف كل هذا الضجيج: ما الذي نحاول حمايته حقاً في هذه المعركة؟ هل نسعى لحماية الحقوق عند لحظة الانكسار والنزاع فحسب، أم نحاول حماية قدرة الإنسان على بناء الثقة قبل أن يقع النزاع أصلاً؟ خلف السجالات الدائرة اليوم حول الولاية، والنفقة، والرؤية، تقف مخاوف إنسانية مشروعة من الخذلان، والظلم، والضياع، نعم إن الحاجة إلى القانون حاجة أصيلة، والضمانات مبررة ومفهومة في سياق واقع متقلب، ولكن وجب علينا الإدراك بأن القوانين وُجدت لتكون سياجاً يحيط بالمساحة الآمنة، لا لتكون المساحة الآمنة نفسها، عندما نصل إلى هذه القناعة المشتركة، يمكننا النظر إلى الزواج بوصفه شراكة وجدانية وإنسانية غالية، قبل أن يتحول في نظرنا إلى ملف جاف لإدارة الأخطار والتحوط من الشريك. إذا كان القانون يعنى بتنظيم النتائج وتوزيع الخسائر بعد الخراب، فإن فهم الخوف والاقتراب من أسبابه النفسية والاجتماعية خطوتنا الأولى نحو الإنقاذ، ولذلك، سنحاول معاً في مقالاتنا القادمة تفكيك قضايا الأحوال الشخصية المثيرة للجدل، لا بصفتها نزاعات قضائية في أروقة المحاكم، بل باعتبارها تعبيرات متباينة عن الكيفية التي يحاول بها مجتمعنا إدارة مخاوفه الدفينة داخل أقدس علاقاته الإنسانية.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |