حكم لعب الأطفال (مجسَّمة وغير مجسَّمة) - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         باب في العقل والحمق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 941 )           »          ولا يجرمنكم شنآن قوم... (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 918 )           »          التوفيق بين منهج علماء الحديث وأرباب البيان في الرواية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 910 )           »          7 طرق لنقل الصور بجودتها الأصلية دون فقدان الدقة.. تعرف عليها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1176 )           »          اختراق Hugging Face يفتح نقاشًا واسعًا حول خطورة وكلاء الذكاء الاصطناعى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1177 )           »          كيف تعرف حالة بطارية أجهزة البلوتوث على Mac؟.. خطوات سهلة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1191 )           »          كلود يصبح أكثر ذكاءً.. تحديث جديد يضيف تنفيذ المهام الصوتية وربط التطبيقات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1177 )           »          واتساب يتيح تعديل ملفات pdf ومشاركة أغانى آبل ميوزك وسبوتيفاى عبر "الحالة" (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1187 )           »          شبهات الحداثيين.. مخالفة للشرع وانتحار للمنطق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1557 )           »          علمي ابنتك 10 أمور (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1572 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 10-08-2026, 11:01 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,807
الدولة : Egypt
افتراضي حكم لعب الأطفال (مجسَّمة وغير مجسَّمة)

حكم لعب الأطفال (مجسَّمة وغير مجسَّمة)

الشيخ عبدالله بن حمد العبودي

الحمدلله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد،

فحيث وُكِلَ إليَّ عمل بحث في (لعب الأطفال، مجسَّمة وغير مجسَّمة)، يتضمن أقوال العلماء والمفسرين، وآراء الفقهاء في ذلك. وحيث لم أجد كلاماً مستقلاً في كتب المفسرين والمحدِّثين والفقهاء مما اطَّلعتُ عليه يتضمن هذا الموضوع بعينه، جملةً وتفصيلاً، وإنما يُشار إلى ذلك في باب البيوع، أو اللِّباس، أو التصاوير، أو العشرة، أو الانبساط إلى الناس، وكلهم يركز على ما ورد عن عائشة رضي الله عنها:
"كنتُ ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم وكان لي صواحب يلعبنَ معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل يَتَقَمَّعْنَ منه، فيسرِّبُهنَّ إليَّ، فيلعبنَ معي"؛ رواه البخاري.


وأخرج أبو داود والنَّسائي من وجهٍ آخر عن عائشة رضي الله عنها قالت:
"قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تَبُوك - أو خَيْبَر..." فذكر الحديث في هتكه السِّتْر الذي نصبَتْهُ على بابها. قالت: "فكشف ناحية السِّتْر على بناتٍ لعائشة (لُعَبٌ)، فقال: (ما هذا يا عائشة؟)، قالت: "بناتي"! قالت: ورأى فيها فرساً مربوطاً، له جناحان، فقال: (ما هذا؟!)، قلتُ: "فرسٌ"، قال: (فرسٌ له جناحان؟!)، قلتُ: "ألم تسمع أنه كان لسليمان خيلٌ لها أجنحة؟" فضحك.


وأغلب مَنْ تكلم منهم عن هذين الحديثين ضمَّن كلامه آراء علماء وفقهاء عصره، أو مَنْ تقدموا عليه، وكلامهم متقاربٌ؛ إذ في الغالب أنَّ المتأخِّر منهم ينقل عن المتقدِّم، إما نصّاً، أو بزيادةٍ يسيرةٍ، تتضمن رأيه، وأحياناً رأي علماء عصره في الموضوع.

لذا؛ رأيتُ أن اختار مما اطَّلعتُ عليه في هذا الموضوع ما يسَّر الله لي نقله وكتابته، مما أظنه كافياً لأداء الغرض، علماً بأني لم أتعرَّض لأي نقلٍ أو كتابةٍ في موضوع التصوير بذاته؛ إذ يوجد لدى (الأمانة) فيه كتاباتٌ سابقةٌ ولاحقةٌ، وتكلم عليه المفسرون والمحدِّثون، والفقهاء والعلماء، قديماً وحديثاً، بما هو واضحٌ وجليٌّ والحمد لله وذلك اقتصاراً مني على المطلوب، وتوخِّياً للاختصار.

وخلاصة ما كُتب في الموضوع؛ تتضمنها فتوى سماحة الشيخ: محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى وكذا ما كتبه والدنا؛ سماحة الشيخ: عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، الرئيس العام لإدارات (البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد) - أثابه الله، وجزاه خيراً - في كتابه "الجواب المفيد في حكم التصوير".

وكذا ما كتبه الشيخ: حمود بن عبدالله التويجري جزاه الله خيراً في كتابه "إعلان النكير، على المفتونين بالتصوير". وقد نقلت كلامهم ضمن ما كتبته هنا.

هذا؛ وأرجو من الله سبحانه وتعالى أن يوفق عباده المؤمنين لاتباع هديه وشرع نبيه، وأن يجنِّبهم المخالفة، إنه جوادٌ كريم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

قال الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في باب "الانبساط إلى الناس"، بعد هذا الحديث:

"حدثنا محمد، أخبرنا أبو معاوية، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم وكان لي صواحبٌ يلعبْنَ معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل يتقمَّعْنَ منه، فيسرِّبهن إليَّ، فيلعبْنَ معي".

بعدما تكلم رحمه الله عن لغويات الحديث وما يتعلق بها قال:
"واستُدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات واللُّعب؛ من أجل لعب البنات بهنَّ، وخُصَّ ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم عِياضٌ، ونقله عن الجمهور، وأنهم أجازوا بيع اللُّعب للبنات؛ لتدريبهنَّ من صغرهنَّ على أمر بيوتهنَّ وأولادهنَّ".

قال: "وذهب بعضهم إلى أنه منسوخٌ، وإليه مال ابن بطَّال، وحكى ابن زيد عن مالك: أنه كره أن يشتري الرجل لابنته الصور، ومن ثَمَّ رجَّح الداودي أنه منسوخٌ، وقد ترجم ابن حبان: "الإباحة لصغار النساء اللَّعب باللُّعب"، وترجم له النَّسائيُّ: "إباحة الرجل لزوجته اللَّعب بالبنات"، فلم يقيد بالصِّغَر، وفيه نظرٌ.

قال البيهقي بعد تخريجه: "ثبت النهي عن اتخاذ الصور، فيحتمل على أن الرخصة لعائشة في ذلك كانت قبل التحريم". وبه جزم ابن الجَوْزي، وقال المنذري: "إن كانت اللعب كالصورة فهو قبل التحريم، وإلا فقد يسمَّى ما ليس بصورة لُعبة". وبهذا جزم الحَلِيميُّ فقال: "إن كانت صورة كالوَثَن لم يَجُزْ، وإلا جاز".

وقيل: معنى هذا الحديث (اللعب مع البنات)، أي: الجواري، والباء هنا بمعنى (مع). حكاه ابن التِّين عن الداودي وردَّه.

قلتُ: ويردُّه ما أخرجه ابن عُيَيْنة في "الجامع"، من رواية سعيد بن عبدالرحمن المخزومي عنه، عن هشام بن عُرْوة في هذا الحديث: "وكنَّ جواري، يأتين فيلعبن بها معي"، وفي رواية جَرير، عن هشام: "كنت ألعب بالبنات - وهنَّ اللُّعب"؛ أخرجه أبو عَوَانة وغيره.

وأخرج أبو داود والنَّسائي من وجهٍ آخر عن عائشة رضي الله عنها قالت: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر... فذكر الحديث في هَتْكِهِ السِّتْر الذي نصبَتْهُ على بابها. قالت: "فكشف ناحية السِّتْر على بناتٍ لعائشة (لُعب)، فقال: (ما هذا يا عائشة؟)، قالت: "بناتي". قالت: ورأى فيها فرساً مربوطاً له جناحان؛ فقال: (ما هذا؟)، قلتُ: "فرسٌ"، قال: (فرسٌ له جناحان؟)، قلتُ: "ألم تسمع أنه كان لسليمان خيلٌ لها أجنحة؟"؛ فضحك.

فهذا صريحٌ في أن المراد باللُّعب غير الآدميات.

قال الخطَّابي: "في هذا الحديث أن اللعب بالبنات ليس كالتلهِّي بسائر الصور التي جاء فيها الوعيد، وإنما أرخص لعائشة فيها؛ لأنها إذ ذاك كانت غير بالغ".

قلتُ: وفي الجزم به نظرٌ، لكنَّه محتملٌ؛ لأن عائشة كانت في غزوة خيبر بنت أربع عشرة سنة، إما أكملتها، أو جاوزتها، أو قاربتها. وأما في غزوة تبوك فكانت قد بلغت قَطْعاً؛ فيترجَّح رواية من قال: في خيبر، ويجمع بما قاله الخطابي؛ لأن ذلك أوْلى من التعارض[1].

انتهى المراد مما قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.

وفي موضوع (لُعَب البنات)، وهو ما نحن بصدده، قال الشيخ الإمام بدر الدين أبو محمد محمود بن أحمد العَيْني رحمه الله تعالى في (باب التصاوير)، في (باب عذاب المصوِّرين يوم القيامة) ما نصُّه:
"وفي "التوضيح" قال أصحابنا وغيرهم: تصوير صورة الحيوان حرامٌ أشد التحريم، وهو من الكبائر، وسواء صنعه لما يُمتهن أو لغيره فحرامٌ بكل حال؛ لأن فيه مضاهاة لخلق الله، وسواء كان في ثوب، أو بساط، أو دينار، أو درهم، أو فِلْس، أو إناء، أو حائط. وأما ما ليس فيه صورة حيوان، كالشجر ونحوه؛ فليس بحرام، وسواءٌ كان في هذا كله ما له ظلٌّ وما لا ظلَّ له، وبمعناه قال جماعة العلماء: مالك والثَّوري وأبو حنيفة وغيرهم، وقال القاضي: إلا ما ورد في لُعَب البنات، وكان (مالكٌ) يكره شراء ذلك"[2].

وقال أيضاً رحمه الله تعالى في (باب التصاوير التي ليس فيها روح، وما يُكره من ذلك)، بعدما تكلم عن حكم التصاوير، وآراء العلماء في ذلك، قال ما نصُّه:
"وقال عِياضٌ: وأجمعوا على منع ما كان له ظلٌّ ووجوب تغييره، إلا ما ورد في اللَّعب بالبنات لصغار البنات، والرخصة في ذلك، وكره (مالكٌ) شراء ذلك لابنته، وادَّعى بعضهم أن إباحة اللُّعب للبنات منسوخٌ".

وقال القرطبي: "واستثنى بعض أصحابنا من ذلك ما لا يبقى؛ كصور الفخار والشمع وما شاكل ذلك، وهو مطالبٌ بدليل التخصيص".

وقال رحمه الله تعالى أيضاً في (كتاب الآداب)، (باب الانبساط إلى الناس):
"154- حدثنا محمد، أخبرنا أبو معاوية، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها... ثم ذكر حديث عائشة السابق، الذي ساقه البخاري في (باب الانبساط إلى الناس)، وتكلم عليه الحافظ ابن حجر في "الفتح"[3].

ثم قال العَيْني في شرحه لحديث عائشة رضي الله عنها:
"مطابقته للترجمة من حيث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينبسط إلى عائشة؛ حيث يرضى بلعبها بالبنات، ويرسل إليها صواحبها حتى يلعبْنَ معها، وكانت عائشة حينئذٍ غير بالغة؛ فلذلك رخّص لها، والكراهة لها فيها قائمة للبوالغ.

ومحمد: هو ابن سلام، وجوَّز الكِرْماني أن يكون محمد بن المثنَّى، وأبو معاوية: محمد بن خازم - بالخاء المعجمة والزاي - وهشام: هو ابن عُرْوة، يروي عن أبيه عُرْوة بن الزُّبير، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها والحديث أخرجه مسلمٌ في (الفضائل)، عن أبي كُرَيْب، عن أبي معاوية.

قوله "بالبنات": وهي (التماثيل) التي تسمَّى لُعب البنات، وهي مشهورةٌ، وقال الداوديُّ: يحتمل أن تكون الباء بمعنى (مع)، والبنات: الجواري. قوله "صواحب": جمع صاحبة، وهي الجواري من أقرانها. قوله "إذا دخل": أي البيت. قوله "يتقمَّعْنَ منه": أي يذبهنَ ويستترنَ من النبي صلى الله عليه وسلم وهو من (الانقماع)، من باب (الانفعال)، وهو رواية الكشميهني، وعند غيره: يتقمَّعْنَ من (التَّقمُّع)، من باب (التَّفعُّل)، ومادته: قاف وميم وعين مهملة، وقال أبو عُبيد: "يتقمَّعن: يعني يدخلن البيت ويغِبْنَ، ويقال: الإنسان قد انقمع وتقمَّع، إذا دخل في الشيء". وقال الأصمعيُّ: "ومنه سمِّي القُمْع الذي يُصبُّ فيه الدُّهن وغيره؛ لدخوله في الإناء". قوله "فيسرِّبهنَّ" - بالسين المهملة -: أي يرسلهنَّ، من التَّسريب، وهو الإرسال والتسريح، والسارب: الذاهب. يقال: سرب عليه الخيل، وهو أن يبعث عليه الخيل قطعةً بعد قطعة. قوله "إليَّ": بتشديد الياء المفتوحة.

استدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور اللُّعب من أجل لعب البنات بهن، وخصَّ ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم عِياضٌ، ونقله عن الجمهور، وأنهم أجازوا بيع اللُّعب للبنات؛ لتدريبهنَّ من صغرهنَّ على أمر بيوتهنَّ وأولادهنَّ. قال: وذهب بعضهم إلى أنه منسوخٌ، وإليه مال ابن بطَّال، وقد ترجم له ابن حبَّان: "الإباحة لصغار النساء اللَّعب باللُّعب"، وترجم له النسائي: "إباحة الرجل لزوجته اللَّعب بالبنات"، ولم يقيِّده بالصِّغر، وفيه نظرٌ.

وجزم ابن الجَوْزي بأن الرخصة لعائشة في ذلك كانت قبل التحريم، وقال المنذري: "إن كانت كالصورة فهي مثل التحريم، وإلا فقد يسمَّى ما ليس بصورة لُعبة"، وقال الخطَّابي: "في هذا الحديث إن اللَّعب بالبنات ليس كالتلهِّي بسائر الصور التي جاء فيها الوعيد، وإنما رخّص لعائشة رضي الله تعالى عنها فيها؛ لأنها إذ ذاك كانت غير بالغ"[4].

انتهى المقصود من إيراد ما ذكره العَيْني - رحمه الله تعالى.

وقال النووي رحمه الله تعالى في الكلام عن التصوير، في (باب تحريم صورة الحيوان)، في "شرحه لصحيح مسلم" ما نصُّه:
"وأجمعوا على منع ما كان له ظلٌّ، ووجوب تغييره. قال القاضي: إلا ما ورد في اللَّعب بالبنات لصغار البنات، والرخصة في ذلك، لكن كره (مالك) شراء الرجل ذلك لابنته.

وادَّعى بعضهم أن إباحة اللَّعب لهنَّ بالبنات منسوخٌ بهذه الأحاديث،، والله أعلم"[5].

انتهى المراد من كلامه رحمه الله تعالى.

وقال أبو عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن)، في تفسير قوله تعالى: ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ ﴾ [6].

قال: "فيه ثمان مسائل..."، إلى أن قال:
"الثانية: وقد استثني من هذا الباب لُعب البنات؛ لما ثبت عن عائشة - رضي الله عنها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوَّجها وهي بنت سبع سنين، وزُفَّت إليه وهي بنت تسع، ولُعبها معها، ومات عنها وهي بنت ثماني عشرة. وعنها أيضاً قالت: "كنتُ ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم وكان لي صواحبٌ يلعبْنَ معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل يتقمَّعْنَ منه، فيسرِّبهنَّ إليَّ، فيلعبْنَ معي"؛ أخرجهما مسلمٌ.

قال العلماء: وذلك للضرورة إلى ذلك، وحاجة البنات؛ حتى يتدرَّبنَ على تربية أولادهنَّ.

ثم إنه لا بقاء لذلك، وكذلك ما يُصنع من الحلاوة أو العجين؛ لا بقاء له، فرخّص في ذلك،، والله أعلم"[7].

انتهى المراد من كلام القرطبي رحمه الله تعالى.

وقال الإمام محمد بن علي الشوكاني رحمه الله تعالى في كتابه "نيل الأوطار، شرح منتقى الأخبار"، في (باب إحسان العشرة، وبيان حق الزوجين)، بعد إيراده هذا الحديث الآتي:
3 - وعن عائشة قالت: "كنتُ ألعب بالبنات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته - وهن اللُّعب..." الحديث.

قوله (بالبنات): قال في "القاموس": والبناتُ التماثيل الصغار، يُلْعبُ بها. انتهى.

وقوله (اللُّعب) - بضم اللام -: جمع لُعبة، قال في "القاموس": واللُّعبة - بالضم - التمثال، وما يُلعب به، كالشطرنج ونحوه.

وقوله (يتقمَّعْنَ): قال في "القاموس": (تقمَّع) دخل البيت مستخفياً.

وفي هذا الحديث دليلٌ على أنه يجوز تمكين الصغار من اللَّعب بالتماثيل.

وقد روي عن (مالك) أنه كره للرجل أن يشتري لبنته ذلك، وقال القاضي عِياض: "إن اللَّعب بالبنات للبنات الصِّغار رخصةٌ".

وحكى النووي عن بعض العلماء: "أن إباحة اللَّعب لهنَّ بالبنات منسوخةٌ بالأحاديث الواردة في تحريم الصور، ووجوب تغييره"[8].

انتهى المقصود من إيراده.

وعن موضوع (لُعب البنات) قال الشيخ شمس الدين أبو عبدالله محمد بن مُفْلِح المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى ما نصُّه:
"فصلٌ - في إباحة اللُّعب للبنات، ومن قيدها بغير المصوَّرة.

لوَلِيِّ الصغيرة الإذن لها في اللَّعب بلُعب غير مصوَّرة، نُصَّ عليه، قال في "الرعاية الكبرى": "وله شراؤها بمالها، نُصَّ عليه، وقيل: بل بماله". وقال في "التلخيص": "هل يشتريها من مالها أو من ماله؟ فيه احتمالان". قال ابن حمدان: "المراد بالمصوَّرة: ما لها جسمٌ مصنوعٌ، له طولٌ وعرضٌ وعمقٌ".

وقال القاضي في "الأحكام السلطانية"، في فصل (والي الحسبة): "وأما اللُّعب فليس يُقصد بها المعاصي، وإنما يقصد بها إِلْفُ البنات لتربية الأولاد؛ ففيها وجهٌ من وجوه التدبير، يقارنه معصيةٌ بتصوير ذات الأرواح، ومشابهة الأصنام؛ فللتمكين منها وجهٌ، وللمنع منها وجهٌ، بحسب ما تقتضيه شواهد الأحوال يكون إنكاره وإقراره، وظاهر كلام الإمام أحمد المنع منها، وإنكارها إذا كانت على صورة ذوات الأرواح، قال في رواية المرُّوذي: وقد سُئل عن الوصيِّ، يشتري للصبية لُعبة إذا طلبت؟ فقال: إن كانت صورة فلا، وقال: في رواية بكر بن محمد، وقد سئل عن حديث عائشة "كنت ألعب بالبنات"، قال: لا بأس بلِعب اللُّعب إذا لم يكن فيه صورة، فإذا كانت فيه صورة فلا. وظاهرٌ أنه منع من اللعب بها إذا كانت صورة. وقد روى أحمد بإسناده، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة وهي تلعب بالبنات، ومعها جوارٍ؛ فقال: (ما هذه يا عائشة؟!)، فقالت: "هذا خيلٌ سليمان فجعل يضحك من قولها "صلى الله عليه وسلم". قال أحمد: وهو غريبٌ، لم أسمعه من غيرهم عن يحيى بن سعيد". انتهى كلام القاضي.

وفي "الصحيح": أنها كانت في متاع عائشة رضي الله عنها لما تزوَّجها النبي صلى الله عليه وسلم فمن العلماء من جعله مخصوصاً من عموم الصُّور، ومنهم من جعله في أوَّل الأمر قبل النهي عن الصور، ثم نُسخ، وذكر القاضي عِياض أنه قول جمهور العلماء"[9].

ومما كتبه العالم: محمد السفاريني الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه "غذاء الألباب، شرح منظومة الآداب"، ما يلي:
مطلبٌ في حكم شراء اللعبة لليتيمة:
وحَلَّ شراه لليتيمة لُعبة بلا رَأْسٍ أن تطلب، وبالرَّأْس فَاصْدُد
(وحلَّ شراه): أي الوَلِيّ، (لليتيمة): القاصرة عن درجة البلوغ، (لُعبة): بالضم، تمثالٌ تلعب به، بشرط كونه بلا رأس، حتى يخرج عن التصاوير المحرمة، (أن تطلب) اليتيمة ذلك. فظاهره عدم الحِلّ إن لم تطلبه، وليس مراداً، وإنما قيَّده بذلك لما يأتي من النص، وليستقيم الوزن، والله الموفِّق.

وأما اللعبة (بالرأس)، التي تكون على هيئة ذي الروح من الحيوان، (فاصدد) لها عن اللعب بها وامنعها.
ولا يشتري ما كان من ذاك صورةً ومن ماله لا مالها في "المجرَّد"

ولا يشتري الوَلِيُّ (ما) الذي (كان) هو (من ذاك) اسم إشارة، يرجع إلى المذكور أو التمثال، أي: ولا يشتري ما كان من التمثال أو الشيء المذكور (صورةً)، أي: ذا صورة؛ لأنه محرَّمٌ.

قال في "الآداب الكبرى": لوَلِيِّ الصغيرة الإذْن لها في اللَّعب باللُّعب غير المصوَّرة، نُصَّ عليه. فظاهر كلامه: عدم اختصاصه باليتيمة، وهو كذلك، ولذلك عبَّر في "الإقناع" بقوله: "وللوَلِيِّ أن يأذن للصغيرة أن تلعب بلعب غير مصوَّرة، أي: بلا رأس". انتهى، وكذا في "الفروع" وغيره.

وكلام النَّظْم يخص اليتيمة، والحقُّ الشُّمول؛ لقضية عائشة رضي الله عنها.

قال القاضي في "الأحكام السلطانية"، في فصل (والي الحسبة): "وأما اللُّعب فليس يُقصد بها المعاصي، وإنما يقصد بها إِلْفُ البنات لتربية الأولاد؛ ففيها وجهٌ من وجوه التدبير، يقارنه معصيةٌ بتصوير ذات الأرواح، ومشابهة الأصنام؛ فللتمكين منها وجهٌ، وللمنع منها وجهٌ، بحسب ما تقتضيه شواهد الأحوال يكون إنكاره وإقراره، يعني: إن كانت قرينة الحال تقتضي المصلحة أقرَّه، وإلا أنكره.

وظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله الإنكار إذا كانت على صورة ذوات الأرواح، فإنه سُئل عن الوصيِّ، يشتري للصبية لُعبة إذا طلبت؟ فقال: إن كانت صورة فلا، وقال: في رواية بكر بن محمد، وقد سئل عن حديث عائشة "كنت ألعب بالبنات"، قال: لا بأس بلِعب اللُّعب إذا لم يكن فيه صورة، فإذا كانت فيه صورة فلا.

وروى أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي تلعب بالبنات، ومعها جوارٍ؛ فقال: (ما هذا يا عائشة؟!)، فقالت: "هذا خيل سليمان". قال: فجعل يضحك من قولها. قال الإمام أحمد: هو غريبٌ.

وفي "الصحيح": أنها كانت في متاع عائشة لما تزوَّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن العلماء من جعله مخصوصاً من عموم الصور، ومنهم من جعل هذا في أول الأمر، ثم نُسخ. قال القاضي عِياض: هو قول الجمهور من العلماء.

قلتُ: وممن ذكر الخصوصية الإمام النووي؛ قال في "شرح صحيح مسلم":
"قال ابن حزم: "وجائزٌ للصبايا خاصةً اللَّعب بالصور، ولا يجوز لغيرهنَّ. والصور محرمةٌ إلا هذا، إلا ما كان رَقْماً في ثوب". انتهى.

وقد علمت حُرْمَة كونه رَقْماً في ثوب. وكذا لعبة ما لم تكن على غير صورة ذوات الأرواح، من نحو شجرة، أو بلا رأس،، والله أعلم".

وحيث جاز شراء الوَلِيِّ للُّعبة؛ فثمنُها من ماله، أي: من مال الوَلِيِّ، لا من مالها - أي: اليتيمة - على ما في كتاب الإمام الأوحد، والهمام الأمجد، حامل لواء مذهب سيدنا الإمام أحمد؛ القاضي أبي يعلى - طيب الله ثراه، وجعل الفردوس مأواه - المسمَّى ب- "المجرَّد".

وقال في "الرعاية الكبرى": "وله شراؤها بمالها، نُصَّ عليه، وقيل: بل بماله".

وفي "التلخيص": "هل يشتريها من مالها أو من ماله؟ فيه احتمالان:
وفي "الإنصاف" للوَلِيِّ أن يأذن للصغيرة أن تلعب باللُّعب، إذا كانت غير مصوَّرة، وشراؤه لها بمالها؛ نُصَّ عليهما، وهذا المذهب.

وقيل: من ماله، وصحَّحه النَّاظم في "آدابه".

وهما احتمالان مطلقان في "التلخيص"، في (باب اللباس)". انتهى.

وقال ابن حمدان: "المراد بالصورة: ما لها جسمٌ مصنوعٌ، له طولٌ وعرضٌ وعمقٌ.

قلتُ: والمعتمد له شراؤها من مالها؛ كما جزم به في "الإقناع" وغيره،، والله الموفق"[10].

انتهى ما قاله السفاريني رحمه الله تعالى.

ومما ورد في كتاب "كف الرِّعاع، عن محرَّمات اللهو والسماع"، لمؤلفه: أبي العباس أحمد بن محمد بن علي بن حجر المكِّي الهَيْتَمي - رحمه الله تعالى- قال:

"وأما المصوَّر صورة الحيوان؛ فإن كان معلَّقاً على حائط أو سقف، كثوب، أو عمامة، أو نحوها مما لا يُعَدُّ ممتهناً؛ فحرامٌ. أو ممتهناً، كبساط يُداس، ومخدة ووسادة، ونحوها؛ فلا يَحْرُم.

لكن؛ هل يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت؟
الأظهر أنه عامٌّ في كل صورة؛ لإطلاق قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلبٌ ولا صورةٌ)، ولا فرق بين ما له ظلٌّ ولا ما لا ظلَّ له. هذا تلخيص مذهب جمهور علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم؛ كالشافعي، ومالك، والثَّوري، وأبي حنيفة.. وغيرهم.

وأجمعوا على تغيير ما له ظلٌّ:
قال القاضي: "إلا ما ورد في لُعب البنات الصِّغار من الرُّخصة، ولكن كره مالك شراء الرجل ذلك لبنته، وادَّعى بعضهم أن إباحة اللُّعب لهنَّ منسوخٌ". انتهى"[11].

وقال الشيخ: (محمد رشيد رضا) رحمه الله تعالى في (باب حكم التصوير، وصنع الصور والتماثيل، واتخاذها)، بعدما ذكر حديث عائشة السابق في اللعب بالبنات[12]، قال:
"وقد حرَّف بعض المشدِّدين في مسألة الصور هذا الحديث، فزعم أن معنى قولها: "كنتُ ألعب بالبنات"؛ كنتُ ألعب (مع) البنات.

ثم ذكر كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى على الحديث، وعلَّق على شرحه [لما] قاله الخطابي بقوله:
"قال الخطَّابي في شرح حديث اللعب: إن اللَّعب بالبنات ليس كالتلهِّي بسائر الصور التي جاء فيها الوعيد، وإنما رخّص لعائشة فيها؛ لأنها إذا ذاك كانت غير بالغ".

ثم قال: "قال الحافظ عقب نقله: وفي الجزم به نظرٌ، لكنه محتملٌ؛ لأن عائشة كانت في غزوة خيبر بنت أربع عشرة سنة، إما أكملتها، أو جاوزتها، أو قاربتها، وأما في غزوة تبوك فكانت قد بلغت قَطْعاً؛ فيترجَّح رواية من قال في خيبر. ويجمع بما قال الخطابي؛ لأن ذلك أولى من التعارض. أه-".

وأقول: إن هذا ليس بجمع؛ إذ لو كانت لعب البنات محرَّمة؛ لما أقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وصواحبها على اللعب بها، وإن كنَّ غير بالغات، ولما تركها في بيته.

والصواب: أن هذه اللعب لا تدخل في عموم ما أنكره من الصور المعلَّقة؛ بل هي أشبه بما أقرَّه من الصور في الوسائد والمرافق، في أن كلاً منهما لا يشبه ما كان يُعبَد من الصور والتماثيل"[13].

انتهى المراد من فتاوى الشيخ: (محمد رشيد رضا).

ومن فتاوى ورسائل لسماحة الشيخ: (محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف آل الشيخ) -طيب الله ثراه. جمع وترتيب وتحقيق: محمد بن عبدالرحمن بن قاسم - وفقه الله. الطبعة الأولى، الجزء الأول:
قرأتُ في ص180 كلاماً جامعاً، وفتوى مقنعة حول هذا الموضوع، ونصُّه ما يلي:
"100- الصور المجسَّمة الصغيرة ولعب عائشة رضي الله عنها.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد نشرت جريدة "البلاد" السعودية بعددها 1419ه-، الصادر في يوم الثلاثاء الموافق 9/ 4/ 73، حول مطالعات أحمد إبراهيم الغزاوي، بعنوان "عرائس البنات"، تعليقاً قالت فيه: إن عرائس البنات ولُعب الأولاد (أو الدُّمَى) لا زالت حاجة مُلحَّة من حاجات الطفولة؛ تُدخل إلى الأطفال المسرَّة، وتُشيع البهجة في نفوسهم، إلا أن هذه اللعب (الدُّمى) قد تطوَّرت مع الزمن كما تطور كل شيءٍ في الدنيا، فأخذت تصنعها المصانع، فزادت فيها تشويقاً وتلويناً وتنويعاً، ولكنها لم تخرج عن حقيقتها كلُعب أطفال. فهل يختلف الحُكْم في هذه اللُّعب عن الحُكْم على لعب عائشة - رضي الله عنها؟

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 120.70 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 119.02 كيلو بايت... تم توفير 1.68 كيلو بايت...بمعدل (1.39%)]