الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         "إيـقـاظ" الـصحـوة الإسلامية !! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          النبي محمد والسيدة خديجة.. حكاية الدعم والوفاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 522 )           »          امتهان المرأة.. أحد مظاهر التردي الأخلاقي لدى الشباب العلماني (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 522 )           »          فخ التغريب.. الوجه القبيح للعلمانية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 521 )           »          هكذا تأثرت المرأة المسلمة بالمد العلماني (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 522 )           »          5 أرقام صادمة عن الحركة النسوية العالمية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 545 )           »          ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 542 )           »          هل تفسير الرؤى علم يدرس؟! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 536 )           »          لا إسلام بغير السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 555 )           »          الفكر والحجر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 558 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 04-08-2026, 04:32 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,748
الدولة : Egypt
افتراضي الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه

((الإِمَامُ الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ))

د. محمد حرز

الحمدُ للهِ علَّمَ القرآنَ، خلقَ الإنسانَ علَّمَهُ البيانَ، الحمدُ للهِ الذي علَّمَ بالقلمِ، علَّمَ الإنسانَ ما لم يعلمْ، الحمدُ للهِ، القائلِ في محكمِ التنزيلِ: ﴿ يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة:11]، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه، أولٌ بلا ابتداء، وآخرٌ بلا انتهاء، الوِتْرُ الصَّمَدُ الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، وَأشهدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ القائلُ كما في سننِ الترمذِي مِن حديثِ عثمانَ رضي اللهُ عنهُ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((خيرُكُم مَن تعلَّمَ القرآنَ وعلَّمَهُ)). وللهِ درُّ حسانَ رضي اللهُ عنهُ:
وَأَحسَنُ مِنكَ لَم تَرَ قَطُّ عَيني
وَأَجمَلُ مِنكَ لَم تَلِدِ النِساءُ
خُلِقتَ مُبَرَّأً مِن كُلِّ عَيبٍ
كَأَنَّكَ قَد خُلِقتَ كَما تَشاءُ



صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إلى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَخُذُوا مِنْ شَبَابِكُمْ لَهرَمِكُمْ، وَمِنْ صِحَّتِكُمْ لِسَقَمِكُمْ، وَمِنْ فَرَاغِكُمْ لِشُغْلِكُمْ، وَمِنْ حَيَاتِكُمْ لِمَوْتِكُمْ؛ فَإِنَّ وَرَاءَكُمْ مَوْتًا وَقَبْرًا وَبَعْثًا وَحِسَابًا وَجَزَاءً: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزَّلزلة:7-8].


عِبَادَ اللهِ، ((أَئِمَّة الهُدَى وَمَصَابِيح الدُّجَى)) سِلْسِلَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ مُبَارَكَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ التَّأْصِيلِ العِلْمِيِّ وَالأُسْلُوبِ الوَعْظِيِّ، أَعْرِضُهَا لِحَضْرَتِكُمْ بِأُسْلُوبٍ سَهْلٍ سَلِسٍ لِنَتَعَرَّفَ مِنْ خِلَالِهَا عَلَى الأَئِمَّةِ الأَخْيَارِ، عَلَى الأُسْوَةِ الحَسَنَةِ وَالقُدْوَةِ الطَّيِّبَةِ، ((الإِمَامُ الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ))، عُنْوَانُ خُطْبَتِنَا.


عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:
أَوَّلًا: الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الشَّافِعِيُّ!
ثَانِيًا: مَوَاقِفُ مُضِيئَةٌ فِي حَيَاةِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ!
ثَالِثًا وَأَخِيرًا: وَكَيْفَ يُنْسَى الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ؟!

أَيُّهَا السَّادَةُ، بَدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنِ الإِمَامِ الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. فَمُنْذُ أَنْ كَرَّمَ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِبَعْثَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَفْوَاجُ الدُّعَاةِ الْمُصْلِحِينَ يَتَعَاقَبُونَ فِيهَا، عُلَمَاءَ مُخْلِصِينَ، وَمُرَبِّينَ رَبَّانِيِّينَ، دَاعِينَ إِلَى الْحَقِّ، وَحَاكِمِينَ بِالْقِسْطِ، آمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ.


وَإِنَّ تَعْطِيرَ الْقُلُوبِ بِسِيَرِهِمْ يُورِثُ الْإِحْسَاسَ بِالْعِزَّةِ، وَالشُّعُورَ بِالْقُوَّةِ، وَيَهْدِي إِلَى التَّمَسُّكِ بِالْحَقِّ، وَالسُّمُوِّ فِي الْخُلُقِ.


حَدِيثُنَا عَنْ عَالِمٍ عَطَّرَتْ سِيرَتُهُ الكُتُبَ وَالْمَكْتَبَاتِ، وَمَلَأَتْ أَخْبَارُهُ مَجَالِسَ العِلْمِ وَالذِّكْرِ وَالأَدَبِ. هُوَ عَالِمٌ اسْتَثْمَرَ شَبَابَهُ فِيمَا يَنْفَعُهُ، فَعَادَ نَفْعُهُ عَلَيْهِ بِالذِّكْرِ الطَّيِّبِ، وَالرِّفْعَةِ وَالْمَجْدِ، وَعَادَ عَلَى أُمَّتِهِ بِعِلْمٍ غَزِيرٍ تَنْهَلُ الأُمَّةُ مِنْهُ مُنْذُ قُرُونٍ وَلَمْ يَنْفَدْ.


حَدِيثُنَا عَنْ إِمَامِ زَمَانِهِ، وَفَقِيهِ العَصْرِ، وَشَيْخِ الفُقَهَاءِ؛ حَدِيثُنَا عَنْ تَابِعِيٍّ جَلِيلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ الأَمِينِ.


وَعَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ أَسْمَاءَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا التَّافِهِينَ وَالتَّافِهَاتِ، وَلَا المُغَنِّينَ وَالمُغَنِّيَاتِ؛ لِتَسْعَدُوا وَلِتَفْرَحُوا بِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وخاصةً وَسِيَرُ أَئِمَّةِ الْهُدَى وَمَصَابِيحِ الدُّجَى قُدْوَةٌ صَالِحَةٌ طَيِّبَةٌ لِعُمُومِ الأُمَّةِ، حَوَتِ الْمُثُلَ الْعُلْيَا فِي وَقْتٍ قَلَّتْ فِيهِ الْقُدْوَةُ، بَلْ وَقُدِّمَ فِيهِ الْفَارِغُونَ وَالتَّافِهُونَ لِيَكُونُوا الْقُدْوَةَ وَالْمِثَالَ.


وَفِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ نَتَنَاوَلُ سِيرَةَ حَيَاةِ إِمَامٍ كَبِيرٍ نَنْظُرُ فِي مَنَاقِبِهِ وَفَضَائِلِهِ وَمَآثِرِهِ، قَالَ عَنْهُ تِلْمِيذُهُ الْوَفِيُّ الذَّكِيُّ النَّجِيبُ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ أحمد بن حنبل: «كَانَ كَالشَّمْسِ لِلدُّنْيَا، وَكَالْعَافِيَةِ لِلنَّاسِ، فَانْظُرْ هَلْ تَرَى لِهَذَيْنِ مِنْ عِوَضٍ أَوْ هَلْ تَرَى لَهُمَا مِنْ خَلَفٍ؟». لِذَا آثَرْتُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثِي الْيَوْمَ فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَاتِ عَنْ عَلَمٍ مِنْ أَعْلَامِ الْأُمَّةِ، وَرَمْزٍ مِنْ رُمُوزِ الْعُلَمَاءِ، سِيرَتُهُ عَطِرَةٌ، وَأَخْبَارُهُ نَضِرَةٌ، هُوَ النَّجْمُ إِذَا تَحَدَّثْنَا عَنِ الْعُلَمَاءِ، وَأَحَدُ الشُّمُوسِ السَّاطِعَةِ إِذَا تَحَدَّثْنَا عَنِ الْفُقَهَاءِ.


أَوَّلًا: الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الشَّافِعِيُّ!
أَيُّهَا السَّادَةُ، إِنَّهُ فَقِيهُ الْمِلَّةِ، وَنَاصِرُ السُّنَّةِ، وَسَيِّدُ أَهْلِ زَمَانِهِ، الَّذِي حَازَ الْمَرَاتِبَ الْعَالِيَةَ، وَفَازَ بِالْمَنَاقِبِ السَّامِيَةِ، فَهُوَ الْعَالِمُ بِالْقُرْآنِ وَعُلُومِهِ، الْعَالِمُ بِالْحَدِيثِ وَأُصُولِهِ، الْعَالِمُ بِالْفِقْهِ وَقَوَاعِدِهِ، الْعَالِمُ بِاللُّغَةِ وَالْأَدَبِ وَالشِّعْرِ وَفَرَائِدِهِ، الْعَالِمُ بِالْأَنْسَابِ وَأَيَّامِ النَّاسِ، بَلِ الْعَالِمُ بِالطِّبِّ فِي زَمَانِهِ، الْعَابِدُ الزَّاهِدُ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، الْقُرَشِيُّ ثُمَّ الْمُطَّلِبِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، هُوَ إِمَامُ الْمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وُلِدَ بِغَزَّةَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَنَشَأَ عَلَى الْعِلْمِ وَالْفَصَاحَةِ وَالذَّكَاءِ، فَجَمَعَ بَيْنَ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَاللُّغَةِ وَالأَدَبِ، وَعُرِفَ بِشِدَّةِ اتِّبَاعِهِ لِلسُّنَّةِ، وَقُوَّةِ اسْتِنْبَاطِهِ، وَحُسْنِ أَدَبِهِ وَعِبَادَتِهِ، حَتَّى قَالَ فِيهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «كَانَ الشَّافِعِيُّ كَالشَّمْسِ لِلدُّنْيَا، وَكَالْعَافِيَةِ لِلنَّاسِ».


وَفِي ظِلَالِ الْكَعْبَةِ، وَبَيْنَ رُبُوعِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ نَشَأَ الإِمَامُ محمد بن إدريس الشافعي، نَشَأَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَتِيمًا فِي أُسْرَةٍ فَقِيرَةٍ فِي الْمَالِ، وَلَمْ تَسْتَطِعْ أُمُّهُ دَفْعَ أَجْرِ مُعَلِّمِهِ، إِلَّا أَنَّ الْمُعَلِّمَ قَبِلَ أَنْ يُعَلِّمَهُ دُونَ أَجْرٍ، وَتَعَهَّدَهُ بِالرِّعَايَةِ، وَجَعَلَ لَهُ مَنْزِلَةً خَاصَّةً بَيْنَ التَّلَامِيذِ؛ لِمَا لَمَسَهُ فِيهِ مِنْ نَبَاهَةٍ، وَسُرْعَةٍ فِي الْحِفْظِ.


قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «كُنْتُ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أُمِّي، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهَا مَا تُعْطِي الْمُعَلِّمَ، وَكَانَ الْمُعَلِّمُ قَدْ رَضِيَ أَنْ يُعَلِّمَنِي دُونَ أَجْرٍ، وَأَنْ أَخْلُفَهُ فِي الدَّرْسِ إِذَا قَامَ». وَفِي سِنٍّ مُبَكِّرَةٍ جِدًّا دَفَعَتْ أُمُّ الشَّافِعِيِّ الشَّافِعِيَّ إِلَى شَيْخٍ مِنْ شُيُوخِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ لِيُحَفِّظَهُ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ، فَحَفِظَ الشَّافِعِيُّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي السَّابِعَةِ مِنْ عُمُرِهِ، وأخذَ يحفظُ الأحاديثَ النبويةَ ويكتُبُها، ورحَلَ إلى الصحراءِ لطلبِ اللغةِ العربيةِ والشِّعْرِ وبقيَ فيها عشرَ سنواتٍ، وتعلَّمَ الرميَ بالسهامِ، فكانَ يصيبُ عَشَرةً من عَشَرَةٍ، ولكنَّهُ كانَ في طَلَبِ العلمِ الشرعي مُجِدًّا صادِقَ الهمةِ، ماضِيَ العزيمَة، أُذِنَ لهُ وهو بمكةَ بالإفتاءِ رَغمَ حداثةِ سِنّهِ، ولكنهُ لم يكتفِ بذلكَ، ثُمَّ انْتَقَلَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى طَلَبِ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى يَدِ أَوَّلِ أُسْتَاذٍ لَهُ، وَهُوَ شَيْخُ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ حِينَئِذٍ، الإِمَامُ الْعَلَمُ مسلم بن خالد الزنجي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. حَفِظَ الشَّافِعِيُّ مُوَطَّأَ الإِمَامِ مالك بن أنس فِي تِسْعِ لَيَالٍ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى الإِمَامِ مَالِكٍ، فَلَمَّا كَلَّمَهُ أُعْجِبَ الإِمَامُ مَالِكٌ بِذَكَائِهِ وَفَصَاحَتِهِ وَلُغَتِهِ وَبَيَانِهِ وَإِعْرَابِهِ، فَلَازَمَهُ وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْمُوَطَّأَ مِنْ حِفْظِهِ، وَأَخَذَ عِلْمَ الْحَدِيثِ عَنِ الإِمَامِ مَالِكٍ، وَأَخَذَ عَنْهُ الْفِقْهَ وَفَتَاوَى الصَّحَابَةِ وَعَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا. ثُمَّ رَحَلَ الشَّافِعِيُّ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى بِلَادِ الْيَمَنِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ، وَمَا لَبِثَ الشَّافِعِيُّ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى انْتَشَرَ ذِكْرُهُ، وَعَلَا قَدْرُهُ، وَظَهَرَ فَضْلُهُ عَلَى جَمِيعِ الشُّيُوخِ وَالْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ طَالِبًا لِلْعِلْمِ، حَتَّى قَالَ لَهُ شَيْخُهُ مسلم بن خالد الزنجي حِينَمَا عَادَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ: «أَفْتِ يَا أَبَا عَبْدِاللَّهِ؛ فَإِنَّكَ الآنَ أَهْلٌ لِلْفُتْيَا»، وَهُوَ غُلَامٌ حَدَثٌ صَغِيرٌ. فَاقَ الشَّافِعِيُّ أَقْرَانَهُ بَلْ وَشُيُوخَهُ فِي الْيَمَنِ، وَوَصَلَ إِلَى مَرْحَلَةٍ فَرِيدَةٍ فِي الْعِلْمِ، فَجَلَسَ الشَّافِعِيُّ فِي مَكَّةَ يُؤَصِّلُ الأُصُولَ، وَيُقَعِّدُ الْقَوَاعِدَ، وَاتَّخَذَ لَهُ حَلْقَةً فِي مَسْجِدِ اللَّهِ الْحَرَامِ، جَمَعَتْ إِلَيْهِ النَّاسَ وَلَفَتَتْ إِلَيْهِ الأَنْظَارَ، وَازْدَحَمَتْ حَلْقَةُ الشَّافِعِيِّ ازْدِحَامًا عَجِيبًا، حَتَّى إِنَّ الإِمَامَ أحمد بن حنبل جَاءَ حَاجًّا مِنْ بَغْدَادَ مِنْ بِلَادِ الْعِرَاقِ إِلَى مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ شَرَّفَهَا اللَّهُ، فَتَرَكَ الإِمَامُ أَحْمَدُ حَلْقَةَ شَيْخِ الشَّافِعِيِّ سفيان بن عيينة، وَعَكَفَ فِي حَلْقَةِ الشَّافِعِيِّ، بَلْ وَلَمْ يَكْتَفِ الإِمَامُ بِهَذَا، إِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى أَخِيهِ وَصَاحِبِ رِحْلَتِهِ إسحاق بن راهوَيْهِ وَقَالَ: «تَعَالَ يَا إِسْحَاقُ أُرِيكَ رَجُلًا بِمَكَّةَ مَا رَأَتْ عَيْنَاكَ مِثْلَهُ»، يَقُولُ إِسْحَاقُ: فَأَرَانِي أَحْمَدُ الشَّافِعِيَّ. وَأُعْجِبَ الإِمَامُ أحمد بن حنبل بِذَكَاءِ وَعِلْمِ الشَّافِعِيِّ إِعْجَابًا رَهِيبًا؛ لِأَنَّهُ يَسْمَعُ أُصُولًا وَقَوَاعِدَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ يَسْمَعُهَا وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَصَّلَ الأُصُولَ وَقَعَّدَ الْقَوَاعِدَ هُوَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، حَتَّى قَالَ أَحْمَدُ قَوْلَتَهُ الْخَالِدَةَ الْجَمِيلَةَ: «لَوْلَا الشَّافِعِيُّ مَا تَعَلَّمْنَا فِقْهَ الْحَدِيثِ»، وَقَالَ: «كَانَ الْفِقْهُ مُغْلَقًا عَلَى أَهْلِهِ حَتَّى فَتَحَهُ اللَّهُ بِالشَّافِعِيِّ»، وَقَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ مَسَّ مِحْبَرَةً وَلَا قَلَمًا بَعْدَ الشَّافِعِيِّ إِلَّا وَلَهُ فِي عُنُقِهِ مِنَّةٌ»، وَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْظَمَ مِنَّةً وَبَرَكَةً عَلَى الإِسْلَامِ فِي زَمَنِ الشَّافِعِيِّ مِنَ الشَّافِعِيِّ».


وَقَدْ نَبَغَ الشَّافِعِيُّ نُبُوغًا عَظِيمًا، وَعَلَا شَأْنُهُ وَسَمَا عِلْمُهُ، وَقَدْ تَحَقَّقَ فِيهِ قَوْلُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «لَا تَسُبُّوا قُرَيْشًا فَإِنَّ عَالِمَهَا يَمْلَأُ طِبَاقَ الْأَرْضِ عِلْمًا»، وَمَعْنَاهُ: سَيَأْتِي عَالِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَمْلَأُ جِهَاتِ الْأَرْضِ عِلْمًا، فَفَكَّرَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَنْ يَنْطَبِقُ هَذَا الْحَدِيثُ، فَوَجَدُوهُ يَنْطَبِقُ عَلَى الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قُرَيْشٍ، أَمَّا الثَّلَاثَةُ الْآخَرُونَ: مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، فَلَيْسُوا مِنْ قُرَيْشٍ. وَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ تَعَالَى الشَّافِعِيَّ بِمَوَاهِبَ عَدِيدَةٍ، مِنْهَا حُسْنُ الصَّوْتِ، حَتَّى إِنَّهُ لَمَّا كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ فَتًى، كَانَ يَقْصِدُهُ النَّاسُ لِلِاسْتِمَاعِ إِلَى صَوْتِهِ الشَّجِيِّ، وَكَانَ بَعْضُ الْجَالِسِينَ الْمُسْتَمِعِينَ لِقِرَاءَتِهِ يَتَسَاقَطُونَ مِنْ شِدَّةِ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِسِرٍّ فِي قِرَاءَتِهِ.
وَمِمَّا وَرَدَ فِي عِبَادَتِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يُقَسِّمُ اللَّيْلَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ: ثُلُثٌ لِلْعِلْمِ، وَثُلُثٌ لِلْعِبَادَةِ، وَثُلُثٌ لِلنَّوْمِ. وَوَرَدَ فِي زُهْدِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «مَا شَبِعْتُ مُنْذُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً؛ لِأَنَّ الشِّبَعَ يُثْقِلُ الْبَدَنَ، وَيُقَسِّي الْقَلْبَ، وَيُزِيلُ الْفِطْنَةَ، وَيَجْلِبُ النَّوْمَ، وَيُضْعِفُ صَاحِبَهُ عَنِ الْعِبَادَةِ».


وَوَرَدَ فِي وَرَعِهِ أَنَّهُ مَرَّةً سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَسَكَتَ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تُجِيبُ رَحِمَكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: «حَتَّى أَدْرِيَ، الْفَضْلُ فِي سُكُوتِي أَوْ فِي جَوَابِي؟ وَقَدْ كَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَسْهَرُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ لِتَحْصِيلِ الْمَسْأَلَةِ تِلْوَ الْمَسْأَلَةِ، حَتَّى رُوِيَ عَنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الِاشْتِغَالَ بِطَلَبِ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مَا تُنْفَقُ فِيهِ نَفَائِسُ الْأَوْقَاتِ».


وَأَصْدَقُ وَصْفٍ لِمَنْهَجِ الشَّافِعِيِّ الْفِقْهِيِّ وَالْعِلْمِيِّ أَنَّهُ الْمَنْهَجُ الْمُتَكَامِلُ، فَلَقَدْ كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ قَبْلَ زَمَانِ الشَّافِعِيِّ فَرِيقَيْنِ: أَصْحَابَ الْحَدِيثِ، وَأَصْحَابَ الرَّأْيِ؛ أَمَّا أَصْحَابُ الْحَدِيثِ فَكَانُوا حَافِظِينَ لِأَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَّا إِنَّهُمْ كَانُوا عَاجِزِينَ عَنِ النَّظَرِ وَالْجَدَلِ، وَكُلَّمَا أَوْرَدَ عَلَيْهِمْ أَحَدُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ سُؤَالًا أَوْ إِشْكَالًا؛ بَقُوا عَلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ، عَاجِزِينَ مُتَحَيِّرِينَ، وَأَمَّا أَصْحَابُ الرَّأْيِ فَكَانُوا أَصْحَابَ الْجَدَلِ وَالنَّظَرِ، إِلَّا إنَّهُمْ كَانُوا فَارِغِينَ مِنْ مَعْرِفَةِ الْآثَارِ وَالسُّنَنِ. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ؛ فَإِنَّهُ كَانَ عَارِفًا بِسُنَّةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مُحِيطًا بِقَوَانِينِهَا، وَكَانَ عَارِفًا بِآدَابِ النَّظَرِ وَالْجَدَلِ وَقَوِيًّا فِيهِ، وَكَانَ فَصِيحَ اللِّسَانِ، قَادِرًا عَلَى قَهْرِ الْخُصُومِ، فَأَخَذَ فِي نُصْرَةِ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ كُلُّ مَنْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ سُؤَالًا أَوْ إِشْكَالًا، أَجَابَ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ شَافِيَةٍ كَامِلَةٍ، فَانْقَطَعَ بِسَبَبِهِ اسْتِيلَاءُ أَهْلِ الرَّأْيِ عَلَى أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَتَخَلَّصَ بِسَبَبِهِ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ مِنْ شُبُهَاتِ أَهْلِ الرَّأْيِ؛ فَلِهَذَا السَّبَبِ انْطَلَقَتِ الْأَلْسِنَةُ بِمَدْحِهِ، وَلَقَّبُوهُ بِنَاصِرِ الْحَدِيثِ، فَمَدْرَسَةُ الشَّافِعِيِّ الْفِقْهِيَّةُ مَزِيجٌ مِنْ فِقْهِ الْمَدْرَسَتَيْنِ: النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ أَثَرِيًّا سَلَفِيًّا يَعْتَمِدُ عَلَى الْوَحْيَيْنِ: الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، ثُمَّ الْقِيَاسِ وَالْإِجْمَاعِ.


وَكَانَ يَقُولُ: «كُلُّ مَنْ كَانَ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ هُوَ الْجِدُّ، وَمَا سِوَاهُ هُوَ الْهَذَيَانُ»، وَيَقُولُ: «إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي، وَإِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَاضْرِبُوا بِقَوْلِي عُرْضَ الْحَائِطِ، فَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا رَوَيْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا فَلَمْ أَقُلْ بِهِ؟»؛ وَلِهَذَا كَانَ يَرْجِعُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ أَقْوَالِهِ، وَهَذَا الرُّجُوعُ لِلْحَدِيثِ وَالْعَمَلِ بِهِ لَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ إِلَّا الْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ الْمُخْلِصُونَ الرَّبَّانِيُّونَ.


وَكَمْ مِنْ مُتَفَقِّهِ وَمُتَعَالِمٍ يُقَدِّمُ رَأْيَ إِمَامِهِ وَشَيْخِهِ عَلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يُبَالِي هَلْ يُخَالِفُهُ أَمْ لَا، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يُصِيبُ بَعْضَ النَّاسِ فِي فَهْمِ التَّعَلُّمِ وَالِاتِّبَاعِ.
يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 109.68 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 108.00 كيلو بايت... تم توفير 1.68 كيلو بايت...بمعدل (1.53%)]