الهجرة النبوية ومعالم التأسيس للجيل الجديد - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         أدوبى تكشف عن ميزات جديدة لبرامج فوتوشوب وبريمير ولايت روم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          بدلا من الإجابات الحاسمة الخاطئة.. جوجل تمنح نماذجها لغة الشك والتخمين المدروس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          تقرير: آبل ستطلق اشتراكا لميزات الذكاء الاصطناعى المتقدمة فى سيرى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          iOS 27 يضيف تطبيقا جديدا كليا إلى آيفون.. تعرف عليه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          اشتريت موبايل أندرويد جديد؟ 4 إعدادات لازم تغيرها فورا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          MacBook Pro أم MacBook Air.. أيهما يعيش أطول فعلا؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          تطوير معالجات ثلاثية الأبعاد تضاعف سرعة البيانات وتخفض استهلاك الطاقة بنسبة 60% (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          7 طرق ضرورية للوقاية من الطلاق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          قانون الزوجية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          زواج النبي ﷺ من أم سلمة.. قراءة نفسية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 30-06-2026, 07:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,591
الدولة : Egypt
افتراضي الهجرة النبوية ومعالم التأسيس للجيل الجديد

الهجرة النبوية ومعالم التأسيس للجيل الجديد

د. عبدالرزاق السيد

الحمد لله، الحمد لله الذي نصر عبده، وأعز جنده، وأظهر دينه، وأورث عباده المؤمنين الأرض بعد الاستضعاف، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل العاقبة للمتقين، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، هاجر بأمر ربِّه فأسَّس دولة الإيمان، وربَّى خير جيل عرفه الزمان، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.


أهمية الحديث عن الهجرة النبوية:
أيها المسلمون، إن الحديث عن الهجرة النبوية ليس حديثًا عن ذكرى تاريخية مضت وانقضت، وإنما هو حديث عن مدرسة إيمانية وتربوية متكاملة، نتعلم منها معاني الثبات على الحق، والتضحية من أجل العقيدة، والأخذ بالأسباب مع صدق التوكل على الله، وإن الأمة اليوم- وهي تواجه تحديات كثيرة- أحوج ما تكون إلى استلهام دروس الهجرة النبوية لبناء جيلٍ مؤمنٍ بربِّه، معتزٍّ بدينه، واعٍ برسالته، قادرٍ على مواجهة واقعه وصناعة مستقبله.

القرآن يُحدِّثنا عن الهجرة النبوية:
أيها المسلمون، لقد خَلَّد القرآن الكريم الهجرة النبوية وذكر أحداثها ومواقفها العظيمة، وبين فضل المهاجرين ومكانتهم عند الله تعالى؛ لأن الهجرة لم تكن انتقالًا من مكان إلى مكان فحسب، بل كانت تضحيةً عظيمةً في سبيل نصرة الدين وإقامة شرع الله.


فمن أعظم الآيات التي تحدثت عن الهجرة قول الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 40]، فهذه الآية تصور مشهد الغار، وتبرز معية الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، وتعلم المؤمنين أن النصر يأتي من عند الله مهما اشتدت المحن.



وقال سبحانه في بيان فضل المهاجرين: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 41]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: 72].



كما أثنى الله على المهاجرين والأنصار جميعًا فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: 8].



ثم قال في وصف الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].

معالم التأسيس للجيل الجديد بعد الهجرة:
أيها المسلمون، عندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لم ينشغل ببناء العمران قبل بناء الإنسان، ولم يبدأ بتشييد الدولة قبل تأسيس القيم التي تقوم عليها، فكانت الهجرة بداية مشروعٍ عظيم لصناعة جيل رباني حمل رسالة الإسلام إلى العالم.

ومن أبرز معالم التأسيس للجيل الجديد بعد الهجرة ما يأتي:
أولًا: تحقيق العبودية الخالصة لله وحده:
كان أول ما أُسِّس عليه المجتمع المسلم هو توحيد الله تعالى وتعظيمه، فالإيمان هو الأساس الذي تُبنى عليه الأمم والحضارات.

لقد غرس النبي صلى الله عليه وسلم العقيدة في النفوس، وربط القلوب بالله تعالى، فأحدث فيهم نقلة عميقة وشاملة في عالم العقيدة، فلم يعد ثمة مجال لعبادة الأصنام والكواكب والأوهام، ولا لممارسة السحر والكهانة، ولا للتشبُّث بالتمائم والرُّقى، بل اتجه المسلمون إلى توحيد الله في التصوُّر والعبادة والسلوك، فالله واحد ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: 163] وهو سبحانه ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: 103] ولا يشبه شيء من المخلوقات، قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، واعتادوا على عبادة الله تعالى وحده، بالصلاة والصوم والحج والزكاة والجهاد، وقصده بكل أعمال الخير الأخرى، والتقرب إليه بالذكر والشكر، والصبر على البلوى، والإنابة إليه، والدعاء إليه، والرغبة في فضله ورحمته، وامتلاء القلب بالتوحيد والإخلاص والرجاء، فتحَقَّق فيهم قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، فجيل الصحابة كان جيلًا عرف ربَّه حقَّ المعرفة، فهانت عليه الدنيا وعظمت في قلبه الآخرة.

ثانيًا: بناء المسجد وصناعة الهوية الإيمانية:
كان أول عمل قام به النبي صلى الله عليه وسلم بعد وصوله المدينة بناء المسجد النبوي، ليكون مركزًا للعبادة والتربية والتعليم والتوجيه، ومنه انطلقت الدعوة وتخرَّج القادة والعلماء والمجاهدون، قال الله تعالى:﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: 36]، وهذا يدل على أن بناء الإنسان مقدم على كل بناء، وأن الأمة التي تعمر مساجدها بالإيمان والعلم تملك أسباب النهضة والتمكين.

ثالثًا: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار:
إن المؤاخاة التي تمَّت بين المهاجرين والأنصار، ولو لم تأتِ النصوص النبويَّة الصحيحة والشواهد التاريخيَّة الموثَّقة لتؤكِّد هذه الحادثة، لقلنا إنها قصَّةٌ من نسج الخيال؛ وذلك لأن مشاهدها وأحداثها فاقت كلَّ تصوُّر، وانتقلت بعالم المثل والنظريات إلى أرض الواقع والتطبيق، وفي ظلِّها قدَّم الصحابة الكثير من صور التفاني والتضحية على نحوٍ لم يحدث في تاريخ أمَّةٍ من الأمم؛ مما يجعلنا بحاجة إلى أن نقف أمام هذا الحدث نتأمَّل دروسه، ونستلهم عِبَره.

لأن هذه المؤاخاة أخصُّ من الأخوَّة العامة بين المؤمنين جميعًا؛ وذلك لأنها أعطت للمتآخيَيْنِ الحقَّ في التوارث دون أن يكون بينهما صلة من قرابة أو رحم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: 33]، ولم تكن المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار مجرد كلمات تُقال، بل كانت واقعًا عمليًّا تجلَّى في أسمى صور الإيثار والبذل، حتى إن الأنصار عرضوا على إخوانهم المهاجرين مشاركتهم أموالهم وأراضيهم. وقد أعجب المهاجرون بما رأوا من كرمهم حتى: (قالوا: يا رسول اللهِ، ما رأينا قومًا أبذل من كثير، ولا أحسن مواساة من قليل، من قوم نزلنا بين أظهرهم، لقد كفونا المؤنة، وأشركونا في المهنأ، حتى خفنا أن يذهبوا بالأجر كله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، ما دعوتم الله لهم، وأثنيتم بالأجر عليهم)؛ الترمذي من حديث أنس بن مالك. فاستحق الأنصار ثناء الله تعالى بقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].

وبهذه الأخوة تحققت الوحدة والتكافل والتراحم، وهي من أهم مقومات بناء الأجيال الناجحة.

رابعًا: بناء جيل الطاعة والانقياد لله ورسوله:
لقد اتسم جيل الصحابة رضوان الله عليهم بالطاعة الكاملة لأوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، وأعظم موقف للســمع والطاعــة تمثل فــي موقــف أبــي بكــر عنــدما أمــر النبي صلى الله عليه وسلم أصــحابه بـالهجرة كـان أبـو بكـر يتـوق إليهـا ويرغـب فيهـا وجـاء يسـتأذن رسـول صلى الله عليه وسلم في الهجرة، فقال له: ((لا تعجل؛ لعل الله يجعل لك صاحبًا))؛ البداية والنهاية. وأبو بكر يسمع ويطيع، لا يعارض ولا يجادل رضي الله عنه.

وعندما نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90]، خرج الصحابة بدنان الخمر إلى الأزِقَّة وأراقوها وقالوا: انتهينا ربنا، انتهينا ربنا.

خامسًا: تأسيس الدولة القائمة على العدل والنظام:
لقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم وثيقة التعايش في المدينة، وجاءت بنود الوثيقة النبوية لتأسيس مجتمع يسوده السلم والأمن، نظرًا لما عاشته المدينة من حروب ونزاعات، وليُبيِّن الرسول صلى الله عليه وسلم للعالم أن رسالة الإسلام هي رسالة رحمة ومحبة وتعايش، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: 208] تبين هذه الآية دعوة الله تعالى للناس لكي يعيشوا في سِلْم وتعايُش لتحقيق السلام، فكانت المدينة نموذجًا فريدًا للدولة التي تجمع بين الإيمان والعدل.

سادسًا: إعداد جيل الدعوة والرسالة:
لم يُرَبِّ النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ليكونوا صالحين لأنفسهم فقط، بل ليكونوا دعاةً ومصلحين يحملون رسالة الإسلام إلى الناس كافة، فخرج منهم العلماء والقادة والفتَّاحون الذين نشروا نور الإسلام في الآفاق والمبادئ التي جاء بها النبي- صلى الله عليه وسلم- قد أُحيطت بقلوب رجالٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فإذا نحن حاولنا أن ننجح كما نجحوا فعلينا أن ننهج نهجهم، ونسلك مسلكهم، فإنهم باعوا أرواحهم لله، وضحَّوا بأنفسهم وأموالهم ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 111].

دروس للجيل المعاصر من الهجرة:
أيها المسلمون، إن الهجرة النبوية ليست قصة تُروى، ولا ذكرى تُستحضَر فحسب، وإنما هي مدرسة تربوية متجددة، تحمل في طيَّاتها دروسًا عظيمةً يحتاج إليها الجيل المعاصر في زمن كثرت فيه التحديات وتنوَّعت فيه الفتن.

أولًا: تحقيق الهجرة إلى الله قبل الهجرة إلى المكان:
لم تكن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم طلبًا لدنيا، ولا فرارًا من مشقة، وإنما كانت هجرةً إلى الله، لإقامة الدين وتبليغ الرسالة؛ ولذلك ربط الإسلام الهجرة بالإخلاص والنية الصادقة، فقال صلى الله عليه وسلم:((إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ))؛ البخاري ومسلم عن عمر. فالهجرة الحقيقية التي يحتاج إليها شباب الأمة اليوم هي هجرة القلوب من المعصية إلى الطاعة، ومن الهوى إلى الهدى، ومن الغفلة إلى ذكر الله.

وقد وعد الله أهل الهجرة الصادقة فقال:﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 100].

ثانيًا: التمسُّك بالثوابت لا الذوبان في المجتمعات:
لقد انتقل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى مجتمع جديد، لكنهم لم يتنازلوا عن عقيدتهم، ولم يفرطوا في أخلاقهم، بل حملوا هويتهم الإسلامية إلى الناس فكانوا قدوةً لهم.

وفي زمن الانفتاح والتأثير الثقافي المتسارع، أحوج ما يكون المسلم إلى الثبات على دينه، والاعتزاز بقيمه دون غلوٍّ ولا تفريط.

ثالثًا: الأخذ بالأسباب مع صدق التوكل:
ومن أعظم دروس الهجرة أن التوكُّل لا يعني ترك الأسباب؛ فقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بكل أسباب النجاح: اختار الرفيق، وهيَّأ الراحلة، واستعان بالدليل، واختبأ في الغار، ورتَّب نقل الأخبار والطعام، ثم كان قلبه مُعَلَّقًا بالله وحده.

وهكذا يكون المؤمن؛ يعمل ويخطط ويبذل وسعه، ثم يفوِّض الأمر إلى الله؛ لأن الأخذ بالأسباب عبادة، والتوكُّل على الله عقيدة، غير أن المسلمين لم يكونوا على مستوى دينهم مع هذا القانون، يقول أحد الدعاة في ذلك متحسرًا: (ومع حرص الإسلام على قانون السببية، وتنفيذ النبي- صلى الله عليه وسلم- له بدقة؛ فأنا لا أعرف أمة استهانت بقانون السببية وخرجت عليه وعبثت بمقدماته ونتائجه كالأمة الإسلامية).

رابعًا: وضوح الرؤية وحسن التخطيط:
لم تكن الهجرة خطوةً عشوائيةً، بل كانت مشروعًا لبناء أمة وصناعة حضارة، وقد أشار الله إلى مستقبل هذا المشروع بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [القصص: 85]، فالأُمَم الناجحة، والشباب الناجحون، هم الذين يعيشون لأهداف واضحة، ويسيرون وفق خطط مدروسة، لا وفق ردود الأفعال والقرارات المرتجلة.

خامسًا: مواصلة الدعوة حتى تحقيق الغاية:
منذ وصول النبي عليه الصلاة والسلام المدينة لم يَأْلُ جهدًا في تبليغ الدعوة وتوصيل الرسالة وإقامة الدولة التي كانت على أسس معلومة ومشهورة؛ من إقامة مجتمع متآخٍ، وبناء عقيدة قوية، وعلاقات متينة بين المسلمين بعضهم البعض، وبين المسلمين وغيرهم من خلال وثيقة المدينة الدستورية التاريخية.

ولهذا لم يمر عليه في المدينة عشر سنوات إلا كان في عزة ونصرة ومنعة، ثم عاد إلى مكة فاتحًا منتصرًا ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 1 - 3]، فها هو النبي- صلى الله عليه وسلم- يحقق هدفه الذي خرج من أجله، وهو نشر الدين وعزة المؤمنين، وتحرير الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وأولهم أهل مكة الذين آذوه وأخرجوه.

فهل حقق المهاجرون المعاصرون أهدافهم؟ وهل أحكموا خططهم؟ وهل وظَّفُوا طاقاتهم؟ وهل استفادوا من إمكاناتهم وكوادرهم؟ وهل استثمروا الفرص المواتية لهم؟ أم انحرفوا عن الهدف، وشغلتهم أنفسهم، هذه أسئلة يعرف إجابتها من تأمَّل واقع المهاجرين اليوم، والله ينصر من ينصره، ويخذل من يخذله، وقد وضع سننًا في الكون لا تُحابي أحدًا.

أيها الأحِبَّة، لقد كانت الهجرة النبوية مدرسةً متكاملةً في الإيمان والتخطيط والبناء والتضحية، وأسست لجيلٍ قرآني فريد استطاع أن يُغيِّر مجرى التاريخ، وإن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى استلهام هذه المعالم في تربية أبنائها وإعداد جيلٍ ثابت العقيدة، قوي الأخلاق، واضح الرؤية، يسير على هدي النبي- صلى الله عليه وسلم- حتى يحقق نهضة أمته وعِزَّتها.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 62.11 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 60.48 كيلو بايت... تم توفير 1.63 كيلو بايت...بمعدل (2.63%)]