قرة أعين الآباء بصلاح الأبناء - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         معالم الصراع مع اليهود وسبل مواجهته (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 360 )           »          العلم بداية نهضة الأمم وبداية العام الدراسي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 353 )           »          بدء الدراسة.. نعمة نشكرها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 356 )           »          أصلح صلاتك تصلح حياتك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 506 )           »          وقفات تربوية مع سورة الشرح (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 507 )           »          ولد الهدى فالكائنات ضياء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 519 )           »          أسباب الثبات على الدين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 578 )           »          عقوق الوالدين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 581 )           »          فتنة المسيح الدجال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 576 )           »          الزلازل بين التخويف الإلهي ونداء التوبة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 552 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 18-06-2026, 03:05 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,858
الدولة : Egypt
افتراضي قرة أعين الآباء بصلاح الأبناء

قرة أعين الآباء بصلاح الأبناء

الشيخ عبدالله بن محمد البصري

أَمَّا بَعدُ، فَأُوصِيكُم أَيُّهَا النَّاسُ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119].

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، نِعَمُ اللهِ عَلَى العِبَادِ كَثِيرَةٌ، وَلَعَلَّ أَجَلَّهَا أَو هِيَ مِن أَجَلِّهَا أَن يُرزَقَ العَبدُ ذُرِّيَّةً صَالِحَةً، فَتِلكَ مِن أَكبَرِ المِنَنِ وَأَفضَلِ المِنَحِ، بِهَا تَقَرُّ العَينُ وَيَنشَرِحُ الصَّدرُ، وَإِلَيهَا تَرتَاحُ النَّفسُ وَيَطمَئِنُّ القَلبُ، ذُرِّيَّةٌ طَيِّبَةٌ صَالِحَةٌ، تُعِينُ عَلَى الدِّينِ وَالدُّنيَا، وَتَنفَعُ في الأُولَى وَفي الأُخرَى، تَبَرُّ وَتُطِيعُ وَتُؤنِسُ، وَتَحمِلُ وَتُعِينُ وَتَخدِمُ، وَتَدعُو لَلأَبَوَينِ وَيُدعَى لَهُمَا بِسَبَبِهَا، تِلكُم هِيَ الثَّمَرَةُ الَّتي هِيَ أَحلَى مَا يَجنِي مَن غَرَسَ، فَبَحَثَ عَن زَوجَةٍ صَالِحَةٍ وَدَفَعَ لَهَا المَهرَ، وَبَنَى المَنزِلَ وَأَولَمَ لِلعُرسِ، ثُمَّ فَرِحَ بِاستِهلالِ أَوَّلِ مَولُودٍ وَعَقَّ عَنهُ، ثُمَّ صَنَع مِثلَ ذَلِكَ مَعَ مَن بَعدَهُ مِن أَبنَاءٍ، وَبَذَلَ أَغلَى مَا يَملِكُ مِن مَالٍ وَوَقتٍ وَجُهدٍ وَرَأيٍ، مُنتَظِرًا أَبنَاءً مُستَقِيمِينَ بَرَرَةً، وَبَنَاتٍ صَالِحاتٍ ذَوَاتِ حَيَاءٍ وَحِشمَةٍ، وَأُسرَةً هَادِئَةً مُستَقِرَّةً، تَكُونُ لَبِنَةً قَوِيَّةً صَامِدَةً في بُنيَانِ مُجتَمَعٍ شَدِيدٍ مُتَمَاسِكٍ، لا تُزَعزِعُهُ رِيَاحُ التَّغيِيرِ مَهمَا هَاجَت، وَلا تَهدِمُهُ زَلازِلُ الفِتَنِ وَإِن وَقَعَت.

أَجَل أَيُّهَا المُسلِمُونَ، إِنَّهَ لَنَقصٌ في سَعَادَةِ المَرءِ الظَّاهِرَةِ أَن يُحرَمَ الذُّرِّيَّةَ، وَلَكِنَّ النَّقصَ الحَقِيقِيَّ المُؤلِمَ المُوجِعَ أَن يُرزَقَ ذُرِّيَّةً ثم يُفَاجَأَ أَنَّهَا لَيسَت عَلَى مَا كَانَ يَأمَلُ وَيَرجُو، فَيُصبِحُ وُجُودُهُم ثِقَلاً عَلَيهِ وَهَمًّا، بَل وَقَد يَتَحَوَّلُ إِلى ضَرَرٍ وَأَذًى، وَمِن ثَمَّ كَانَت تَربِيَةُ الأَبنَاءِ وَالبَنَاتِ، أَمَانَةً عَظِيمَةً وَحِملاً ثَقِيلاً، يَحتَاجُ إِلى وَعيٍ وَانتِبَاهٍ، بَل وَنِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَاحتِسَابٍ، وَعَمَلٍ دَؤُوبٍ وَجُهدٍ مُخلَصٍ فِيهِ، وَدَوَامِ إِرشَادٍ وَتَعلِيمٍ، وَاستِمرَارِ نُصحٍ وَمُتَابَعَةِ تَوجِيهٍ، وَمَعرِفَةٍ لِمَا بِهِ يَصلُحُ الدِّينُ وَالدُّنيَا صَلاحًا يَنفَعُ وَلا يَضُرُّ، وَيَرفَعُ وَلا يَخفِضُ، نَعَم، إِنَّ تَربِيَةَ الأَبنَاءِ وَرِعَايَتَهُم وَحِفظَ عَقَائِدِهِم وَصِيَانَةَ أَخلاقِهِم، إِنَّهَا لَمَسؤُولِيَّةٌ عَظِيمَةٌ وَأَمَانَةٌ جَسِيمَةٌ، وَرِسَالَةٌ كَبِيرَةٌ وَمُهِمَّةٌ مُتَوَاصِلَةٌ، أَمَانَةٌ حَمَّلَهَا اللهُ الآبَاءَ وَالأُمَّهَاتِ، وَرِسَالَةٌ يَجِبُ أَن يَتَعَاوَنَ عَلَى أَدَائِهَا الأَبَوَانِ، وَمُهِمَّةٌ تَحتَاجُ إِلى صَبرٍ وَمُصَابَرَةٍ وَمُتَابَعَةٍ، غَيرَ أَنَّ نَتَائِجَهَا بِفَضلِ اللهِ خَيرٌ لِلجَمِيعِ، لِلأَبَوَينِ وَلِلأَبنَاءِ، وَلأُسَرِهِم وَمُجتَمَعِهِم، وَلِبُلدَانِهِم وَأَوطَانِهِم، في حِينِ أَنَّ إِهمَالَهُم وَالتَّفرِيطَ في تَربِيَتِهِم، سَبَبٌ مِن أَسبَابِ الخَسَارَةِ في الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَجَالِبٌ لِلحَسرَةِ وَالخِزيِ وَالنَّدَامَةِ، وَاللهُ تَعَالى سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا استَرعَاهُ، وَمُحَاسِبٌ كُلَّ مُؤتَمَنٍ عَلَى أَمَانَتِهِ الَّتي في عُنُقِهِ؛ قَالَ تَعَالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾ [التحريم: 6]، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "كُلُّكُم رَاعٍ وَكُلُّكُم مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ"؛ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وَإِنَّ مِن أَعظَمِ حُقُوقِ الأَبنَاءِ عَلَى آبَائِهِم وَأُمَّهَاتِهِم، تَربِيَتَهُم عَلَى العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، وَبِنَاءَ تَعظِيمِ اللهِ تَعَالى وَمَحَبَّتِهِ وَمُرَاقَبَتِهِ في قُلُوبِهِم، وَغَرسَ التَّوحِيدِ في نُفُوسِهِم مُنذُ الصَّغِرِ، وَالاقتِدَاءَ في ذَلِكَ بِالأَنبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ؛ قَالَ تَعَالى: ﴿ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 132]، وَقَالَ تَعَالى في وَصِيَّةِ لُقمَانَ لابنِهِ: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13].

وَالإِيمَانُ وَالتَّقوَى وَالاستِقَامَةُ عَلَى دِينِ اللهِ، وَالمُحَافَظَةُ عَلَى الفَرَائِضِ وَتَقدِيسُ الشَّرَائِعِ، وَالالتِزَامُ بِآدَابِ الإِسلامِ وَالتَّحَلِّي بِالأَخلاقِ الفَاضِلَةِ، هِيَ أَعظَمُ مِيرَاثٍ يَترُكُهُ الوَالِدَانِ لأَبنَائِهِم، وَهِيَ أَغلَى مَا يَمنَحُونَهُمُ إِيَّاهُ وَيَهَبُونَهُ لَهُم.

وَإِنَّ التَّفرِيطَ في مُتَابَعَةِ الأَبنَاءِ، وَتَركَهُم فَرِيسَةً لِلمُؤَثِّرَاتِ الفِكرِيَّةِ الجَارِفَةِ، وَالرِّضَا بِمَا يَظهَرُ عَلَيهِم مِنِ انحِرَافٍ عَنِ الجَادَّةِ، وَعَدَمَ مَعرِفَةِ أَصحَابِهِم وَمُرَافِقِيهِم، وَالجَهلَ بِعِلاقَاتِهِمُ الاجتِمَاعِيَّةِ، وَتَسلِيمَهُمُ الدَّائِمَ لِوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ، لِتَصُوغَ تَدَيُّنَهُم وَأَخلاقَهُم وَقِيَمَهُم، وَعَدَمَ تَحذِيرِهِم مِن أَصحَابِ السُّوءِ وَحِمَايَتِهِم مِن مَوَاطِنِ الهَلاكِ، إِنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَهُوَ مِن أَعظَمِ التَّفرِيطِ الَّذِي وَقَعَت فِيهِ الأُسَرُ في عَصرِنَا، في وَقتٍ تَأَكَّدَ عَلَيهَا حِمَايَةُ الأَبنَاءِ مِنَ الفَسَادِ وَالإِفسَادِ، وَكَفُّهُم عَنِ سُبُلِ الانحِرَافِ، وَالحَيلُولَةُ بَينَهُم وَبَينَ مَا يَهدِمُ الأَخلاقَ وَيَدعُو إِلى استِمرَاءِ المُنكَرَاتِ وَاستِسهَالِ فِعلِ الرَّذَائِلِ؛ قَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: "مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوءِ، كَحَامِلِ المِسكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسكِ إِمَّا أَن يُحذِيَكَ، وَإِمَّا أَن تبتاعَ مِنهُ، وإِمَّا أَن تَجِدَ مِنهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَن يُحرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَن تَجِدَ مِنهُ رِيحًا خَبِيثَةً"؛ مُتَّفق عَلَيهِ.

وَإِنَّهُ مَهمَا بَذَلَ الآبَاءُ وَالأُمَّهَاتُ، فَإِنَّ صَلاحَ القُلُوبِ بِيَدِ خَالِقِهَا وَمَالِكِهَا، القَائِلِ سُبحَانَهُ: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [القصص: 56].

وَمِن ثَمَّ كَانَ الدُّعَاءُ لِلأَبنَاءِ بِالصَّلاحِ، وَسُؤَالُ اللهِ لَهُمُ الهِدَايَةَ، وَتَكرَارُ الإِلحَاحِ عَلَى اللهِ بِتَوفِيقِهِم لِلاستِقَامَةِ، مِن أَعظَمِ أَسبَابِ صَلاحِهِم وَتَوفِيقِهِم، وَذَاكُم هُوَ مَنهَجُ الأَنبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، فَقَد دَعَا إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلامُ رَبَّهُ فَقَالَ: ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ﴾ [إبراهيم: 40]، وَقَالَ سُبحَانَهُ في وَصفِ عِبَادِهِ المُؤمِنِينَ: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ [الفرقان: 74].

أَلا فَلْنَتَّقِ اللهَ أَيُّهَا المُسلِمُونَ، وَلْنَتَذَكَّرْ أَنَّ العِنَايَةَ بِالأَبنَاءِ وَرِعَايَتَهُم وَحِفظَهُم مِنَ الانحِرَافِ، مَسؤُولِيَّةٌ مُجتَمَعِيَّةٌ مَشتَرَكَةٌ، تَحمِلُ الأُسرَةُ مِنهَا الجُزءَ الأَكبَرَ، وَتَنهَضُ المَدرَسَةُ وَسَائِرُ مُؤَسَّسَاتِ المُجَتَمَعِ بِأَجزَاءٍ مِنهَا لَيسَت بِاليَسِيرَةِ، وَإِنَّ التَّعَاوُنَ عَلَى ذَلِكَ لَهُوَ مِن أَعظَمِ صُوَرِ التَّعَاوُنِ عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى؛ قَالَ تَعَالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 2]، وَإِنَّ صَلاحَ الأَبنَاءِ صَلاحٌ لِلأُسَرِ وَالمُجَتَمَعَاتِ وَالأَوطَانِ، وَوِقَايَةٌ مِن أَسبَابِ الجَرِيمَةِ وَالانحِرَافِ وَالخِذلانِ، وَحِمَايَةٌ مِنَ التَّفَكُّكِ وَالفَسَادِ، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الأنفال: 27 - 29].


الخطبة الثانية
أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالى وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ.

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، تَقَدَّمَ أَنَّ مِن دُعَاءِ عِبَادِ الرَّحمَنِ أَنَّهُم يَقُولُونَ: ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ [الفرقان: 74]، وَقَد يَظُنُّ بَعضُنَا أَنَّ قُرَّةَ العَينِ بِالأَبنَاءِ أَن يَرَاهُم مُتَفَوِّقِينَ في دِرَاسَةٍ، أَو أَن تَصِحَّ أَجسَادُهُم أَو يَتَمَيَّزُوا في أَعمَالِهِم، أَو أَن يَكُونُوا مَشهُورِينَ غَيرَ مَغمُورِينَ، وَهَذَا في الحَقِيقَةِ جُزءٌ يَسِيرٌ مِنَ المُرَادِ وَالمُبتَغَى الَّذِي تَمِيلُ إِلَيهِ النُّفُوسُ بِطَبِيعَتِهَا البَشَرِيَّةِ، غَيرَ أَنَّ قُرَّةَ العَينِ أَعمَقُ مِنَ أَن تَكُونَ بِأَن يُسمَعَ تَصفِيقُ النَّاسِ لِلابنِ في احتِفَالٍ، أَو أَن يَكُونَ صَاحِبَ مَنصِبٍ أَو جَاهٍ أَو مَالٍ، فَكُلُّ هَذِهِ قَد تَنفَعُ وَقَد لا تَنفَعُ، وَقَد تَبقَى زَمَنًا ثم تَزُولُ وَتَنقَشِعُ، لَكِنَّ قُرَّةَ العَينِ بِالوَلَدِ أَن تَرَى عَلَيهِ سِيمَا الإِيمَانِ وَالخَوفِ مِنَ اللهِ، وَأَن تَظهَرَ عَلَيهِ مَحَبَّةُ اللهِ وَرَسُولِهِ وَالاستِقَامَةُ عَلَى مَا في الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَن يَكُونَ عَابِدًا مُقِيمًا لِلصَّلاةِ بَارًّا، حَسَنَ الخُلُقِ كَرِيمَ السَّجَايَا مَحمُودَ السِّيرَةِ، عَافًّا عَفِيفًا شَرِيفًا، حَامِدًا شَاكِرًا ذَاكِرًا، بَاذِلاً الخَيرَ كَافًّا عَنِ الشَّرِّ، هَاشًّا بَاشًّا مُبتَسِمًا، يَسُرُّكَ إِن جَالَستَهُ، وَيَخدِمُكَ إِن صَاحَبتَهُ، وَيُطِيعُكَ إِن أَمَرتَهُ، وَيَرفَعُ رَأسَكَ مَعَ النَّاسِ ذِكرُهُ إِن غَابَ عَنكَ أَو غِبتَ عَنهُ؛ لأَنَّهُ إِن كَانَ كَذَلِكَ كَانَ قُرَّةَ عَينٍ لَكَ في حَيَاتِكَ، وَذُخرًا لَكَ بَعدَ مَمَاتِكَ؛ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا مَاتَ الإِنسَانُ انقَطَعَ عَنهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِن ثَلاثَةِ أَشيَاءٍ، إِلاَّ مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَو عِلمٍ يُنتَفَعُ بِهِ، أَو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدعُو لَهُ"؛ رَوَاهُ مُسلِمٌ وَغَيرُهُ.

وَفي الحَدِيثِ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرفَعُ دَرَجَتُهُ في الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَنَّى لي هَذَا؟! فَيُقَالُ: بِاستِغفَارِ وَلَدِكَ لَكَ"؛ رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ وَغَيرُهُ، وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 55.32 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 53.65 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (3.02%)]