|
|||||||
| ملتقى الحج والعمرة ملتقى يختص بمناسك واحكام الحج والعمرة , من آداب وأدعية وزيارة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
رمي الجمرات حرب على الشيطان والهوى عدنان بن سلمان الدريويش ما أعظم مشهد الحجيج وهم يقفون عند الجمرات، يرفعون الحصى ثم يرمون بها في قوة ويقين، مرددين الله أكبر، وكأنهم يعلنون أمام الدنيا كلها: لن نستسلم لإبليس وأعوانه، ولن نترك قلوبنا فريسة للغفلة والهوى، فرميُ الجمرات ليس مجرد إلقاء حصيات في موضع محدد، بل هو عبادة عظيمة تحمل معاني الثبات على طاعة الله وعلى مقاومة الشيطان والهوى؛ قال الله تعالى عن عداوة الشيطان: ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾ [فاطر: 6]، وكأن الحاج حين يرمي الجمرات يجدد هذا الإعلان العظيم: يا رب، سأحارب الشيطان ما حييت. أيها الحاج، يرتبط رمي الجمرات بقصة عظيمة من أعظم قصص الطاعة والتسليم، قصة نبينا إبراهيم عليه السلام حين رأى في المنام أنه يذبح ابنه، خرج ممتثلًا لأمر الله، وفي الطريق اعترضه الشيطان يريد أن يثنيه عن الطاعة، فجاءه يوسوس ويشكك في أمره، فرماه إبراهيم بالحجارة طردًا له وإعلانًا لرفض وساوسه، ثم اعترض الشيطان هاجر، ثم إسماعيل عليه السلام، فثبتوا جميعًا على أمر الله، فخلد الله هذا الموقف، ليبقى درسًا للأمة كلها: أن طريق الطاعة لا يخلو من وساوس الشيطان، وأن المؤمن يحتاج دائمًا إلى مقاومته؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((لما أتى إبراهيم خليل الله المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثالثة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، قال ابن عباس: الشيطان ترجمون، وملة أبيكم إبراهيم تتبعون))؛ [صحيح الترغيب]. أيها المبارك، إن الشيطان الحقيقي ليس عند الجمرات فقط، بل قد يكون في داخل النفس في غضب لا يضبطه الإنسان، أو نظرة محرمة، أو كِبر يسكن القلب، أو تسويف للتوبة، ولهذا قال بعض السلف: إذا رميت الجمار فارمِ معها ذنوبك وشهواتك، فالمؤمن الصادق لا يرمي حجارة فحسب، بل يرمي كل طريق يبعده عن الله، لأن الشيطان لا يمل من الوسوسة، فهو لم يترك إبراهيم عليه السلام وهو نبيٌّ كريم، فكيف يترك غيره؟ ولذا هو يدخل على الإنسان من أبواب كثيرة؛ مرةً بالتخويف، ومرةً بالشهوة، ومرةً بالتسويف، ومرةً بالعجب والغرور؛ قال الله تعالى: ﴿ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ﴾ [الأعراف: 17]؛ أي إنه لا يتوقف عن محاولاته لإضلال الإنسان، ولهذا فإن رمي الجمرات يعلم الحاج اليقظة والحذر، وألا يثق بنفسه مهما كان صالحًا. يا أخي، كلما رمى الحاج حصاة كبَّر، وكأن المعنى: الله أكبر من الشيطان، وأكبر من الشهوة، وأكبر من الخوف، وأكبر من كل ما يحاول أن يبعدنا عن طاعته، فالمؤمن لا ينتصر على إبليس بقوة شخصيته، بل بتعظيمه لله واعتصامه به؛ قال الله تعالى: ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ [الأعراف: 200]، وهنا تأمل كيف يكرر الحاج الرمي أيامًا متعددة، وكأن الرسالة أن معركة الإنسان مع الشيطان ليست معركة يوم واحد، فالشيطان يعود كل يوم، والهوى يعود، والغفلة تعود، ولذلك يحتاج المؤمن إلى مجاهدة مستمرة، لنفسه وللهوى. فيا ضيف الرحمن، إبليس لا يأتي الإنسان دائمًا بصورة المعصية الواضحة، بل قد يلبس عليه الخير أحيانًا، فقد يدفعه إلى الغلو والتشدد، أو اليأس من رحمة الله، أو احتقار الناس، أو العجب بالطاعة، فالمؤمن عليه أن يبقى خائفًا من مكر الشيطان مهما عمل من الطاعات، وتذكر أن الرمي الحقيقي بعد الحج، أن ترمي رفقة السوء، وترمي المعاصي، وترمي التسويف، وترمي كل طريق يبعدك عن الله، فما أجمل أن يعود الحاج من منى وقد أعلن حربًا جديدة على ذنوبه وعاداته السيئة! واعلم أن أعظم انتصار ليس أن تقع الحصاة في المرمى، بل أن يخرج الشيطان من قلبك مهزومًا، وأن تعود من حجك أقوى إيمانًا، وأشد تعلقًا بالله، وأكثر حذرًا من طرق الغفلة والهوى.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |