|
|||||||
| الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
أَهميةُ الإِيمَانِ بِاليوم الآخر وأثره في حياة المسلم محمد بن سند الزهراني الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الإِيمَانَ بِاليَومِ الآخِرِ أَحَدَ أَركَانِ الدِّينِ، وَرَبَطَهُ بِالإِيمَانِ بِهِ سُبحَانَهُ فِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ مِن كِتَابِهِ، وَجَعَلَ استِحضَارَهُ زَادًا لِلقُلُوبِ، وَحَارِسًا لِلنُّفُوسِ، وَضَابِطًا لِلأَعمَالِ. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تَنفَعُ قَائِلَهَا يَومَ الدِّينِ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ. الإِيمَانَ بِاليَومِ الآخِرِ لَيسَ مَسأَلَةً فِكرِيَّةً نَظرِيَّةً، وَلَا قَضِيَّةً هَامِشِيَّةً يُمكِنُ تَجَاوُزُهَا، بَل هُوَ رُكنٌ عَظِيمٌ مِن أَركَانِ الإِيمَانِ، بِهِ تَستَقِيمُ حَيَاةُ الإِنسَانِ، وَبِهِ تَنضَبِطُ مَسِيرَتُهُ، وَهُوَ الَّذِي يَربِطُ الدُّنيَا بِالآخِرَةِ، وَيَجعَلُ لِلحَيَاةِ غَايَةً وَمَعنًى، وَمَن تَأَمَّلَ كِتَابَ اللهِ وَجَدَ كَثرَةَ الآيَاتِ الَّتِي قَرَنَ اللهُ فِيهَا الإِيمَانَ بِهِ بِالإِيمَانِ بِاليَومِ الآخِرِ، لِيَكُونَ حَاضِرًا فِي وَعْيِ المُؤمِنِ، يَدفَعُهُ إِلَى العَمَلِ الصَّالِحِ، وَيَمنَعُهُ مِنَ الإِغرَاقِ فِي الشَّهَوَاتِ وَالمَعَاصِي؛ كَمَا قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [الحج: 17]. وَقَد بَيَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حِينَ سَأَلَهُ جِبرِيلُ عَنهُ، فَقَالَ: «أَن تُؤمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَومِ الآخِرِ، وَتُؤمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ»؛ (مُتَّفَقٌ عَلَيهِ). فَالإِيمَانُ بِاليَومِ الآخِرِ لَا يَكتَمِلُ إِيمَانُ العَبدِ إِلَّا بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَضَعُ كُلَّ عَمَلٍ فِي مَوضِعِهِ، وَيَمنَحُ الإِنسَانَ دَافِعًا لِلاجتِهَادِ فِي الطَّاعَةِ، وَرَادِعًا عَنِ التَّمَادِي فِي المَعصِيَةِ، إِنَّ الَّذِي يُؤمِنُ بِالبَعثِ وَالجَزَاءِ لَا يُمكِنُ أَن يَعِيشَ حَيَاةً عَبَثِيَّةً، بَل يَحيا وَهُوَ يُرَاقِبُ اللهَ فِي سِرِّهِ وَعَلَنِهِ، وَقَد فَهِمَ السَّلَفُ هَذِهِ الحَقِيقَةَ بِعُمقٍ؛ يقول الحَسَنُ البَصرِيُّ: يَا بنَ آدَمَ، إِنَّمَا أَنتَ أَيَّامٌ، كُلَّمَا ذَهَبَ يَومٌ ذَهَبَ بَعضُكَ، فَالمُؤمِنُ حِينَ يَستَشعِرُ قِصَرَ عُمرِهِ، وَيُوقِنُ أَنَّ أَمَامَهُ وُقُوفًا بَينَ يَدَيِ اللهِ، يَزهَدُ فِي الدُّنيَا وَيَتَهَيَّأُ لِلقَاءِ الآخِرَةِ؛ يقرِّر شَيخُ الإِسلَامِ ابْنُ تَيمِيَّةَ قائلًا: "إن الإِيمَانُ بِاليَومِ الآخِرِ يَتَضَمَّنُ الإِيمَانَ بِكُلِّ مَا أَخبَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، مِمَّا يَكُونُ بَعدَ المَوتِ مِن فِتنَةِ القَبرِ وَعَذَابِهِ وَنَعِيمِهِ، وَالبَعثِ، وَالحَشرِ، وَالحِسَابِ، وَالمِيزَانِ، وَالصِّرَاطِ، وَالجَنَّةِ وَالنَّارِ". فعلى هذا فمَن لَم يُؤمِن بِالمَعَادِ لَم يُحسِن عَمَلًا، وَلَم يَترُك مَعصِيَةً، إِذ لَا بَاعِثَ لَهُ وَلَا رَادِعَ، وَلِهَذَا كَانَ الإِيمَانُ بِاليَومِ الآخِرِ هُوَ سِرَّ الاستِقَامَةِ وَمِفتَاحَ الصَّلَاحِ. "وَاعَجَبًا لِمُؤمِنٍ بِالجَنَّةِ كَيفَ يَنَامُ عَلَى غَيرِ زَادٍ، وَلِمُؤمِنٍ بِالنَّارِ كَيفَ يَضحَكُ وَهُوَ مُعرَضٌ لِلعَذَابِ!". فَهِيَ كَلِمَاتٌ تُوقِظُ الغَافِلَ وَتَردَعُ اللَّاهِي، وَتَبعَثُ فِي القَلبِ حَيَاةً جَدِيدَةً؛ ابْنُ الجَوزِي. وَقَد أَشَارَ المُفَسِّرُونَ إِلَى أَنَّ مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 4] - أَنَّ المُلْكَ الحَقِيقِيَّ يَظهَرُ يَومَ القِيَامَةِ؛ حَيثُ لَا دَعوَى لِمُلكٍ سِوَاهُ، وَيَقَعُ الجَزَاءُ العَادِلُ التَّامُّ، وَأَكَّدُوا أَنَّ تَذَكُّرَ اليَومِ الآخِرِ هُوَ أَعظَمُ بَاعِثٍ عَلَى الاستِقَامَةِ وَأَشَدُّ زَاجِرٍ عَنِ المَعصِيَةِ. إِنَّ أَثَرَ الإِيمَانِ بِاليَومِ الآخِرِ فِي النَّفسِ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ؛ فَهُوَ يُحيِي المُرَاقَبَةَ الدَّاخِلِيَّةَ، فَيَستَحضِرُ المُؤمِنُ أَنَّ كُلَّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ مَكتُوبَةٌ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7، 8]. وَيُورِثُ الزُّهدَ فِي الدُّنيَا، إِذ يُدرِكُ العَبدُ أَنَّهَا مَعبَرٌ لَا مَقَرٌّ، وَأَنَّ البَقَاءَ الحَقِيقِيَّ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ، وَيَجعَلُ صَاحِبَهُ صَابِرًا عَلَى البَلَاءِ، مُحتَسِبًا لِلأَجرِ عِندَ اللهِ، عَالِمًا أَنَّ مَا عِندَ اللهِ خَيرٌ وَأَبقَى، كَمَا يُحَقِّقُ العَدلَ الِاجتِمَاعِيَّ، فَيَحذَرُ المَرءُ مِن ظُلمِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ يَعلَمُ أَنَّهُ سَيُقتَصُّ مِنهُ يَومَ القِيَامَةِ. وَلَيسَ هَذَا أَثَرًا فَردِيًّا فَحَسْبُ، بَل هُوَ نِظَامُ حَيَاةٍ شَامِلٌ، فَإِذَا غَابَ الإِيمَانُ بِاليَومِ الآخِرِ مِن وَاقِعِ النَّاسِ، عَاشَتِ المُجتَمَعَاتُ وَفقَ مَنطِقِ المَصَالِحِ المَادِّيَّةِ وَحدَهَا، وَانحَدَرَتِ الأَخلَاقُ إِلَى حَيثُ تَسُودُ الأَنَانِيَّةُ وَالفَوضَى، أَمَّا إِذَا حَضَرَ الإِيمَانُ بِاليَومِ الآخِرِ فِي القُلُوبِ، نَشَأَ المُجتَمَعُ عَلَى المُرَاقَبَةِ وَالعَدلِ وَالرَّحمَةِ. فَالمُوَظَّفُ الَّذِي يَستَحضِرُ ذَلِكَ لَن يَظلِمَ وَلَو غَابَ الرَّقِيبُ، وَالتَّاجِرُ لَن يَغُشَّ وَلَو فاتَتهُ الفُرصَةُ، وَالحَاكِمُ لَن يَستَبِدَّ وَلَو قَدَرَ، إِنَّ الإِيمَانَ بِاليَومِ الآخِرِ سِيَاجٌ يَحمِي الأَفرَادَ وَالمُجتَمَعَاتِ مَعًا مِنَ الانحِرَافِ، فَلنَسأَل أَنفُسَنَا بِصِدقٍ: هَل نَحنُ مِمَّن يَستَحضِرُونَ اليَومَ الآخِرَ فِي أَعمَالِهِم وأقوالهم؟ هَل نَعمَلُ عَمَلَ مَن يُوقِنُ بِلِقَاءِ اللهِ؟ أَم أَنَّنَا نَغفُلُ وَنَعِيشُ كَأَنَّنَا مُخَلَّدُونَ فِي هَذِهِ الدُّنيَا؟ إِنَّ الإِيمَانَ بِاليَومِ الآخِرِ لَيسَ فِكرَةً عَقلِيَّةً جَامِدَةً، بَل هُوَ رُوحٌ تَنبُضُ فِي حَيَاةِ المُؤمِنِ، تَجعَلُهُ بَينَ خَوفٍ وَرَجَاءٍ، بَينَ عَمَلٍ وَاستِعدَادٍ، كَمَا وَصَفَ اللهُ عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ بِقَولِهِ: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ [الأنبياء: 90]. اللَّهُمَّ ارزُقنَا قُلُوبًا مُؤمِنَةً بِاليَومِ الآخِرِ، عَامِلَةً لَهُ، مُشتَاقَةً إِلَى لِقَائِكَ، وَوَفِّقنَا لِلاستِعدَادِ لَهُ بِالقَولِ وَالعَمَلِ، وَاغفِر لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ المُسلِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |