الطاعة والاتباع - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         ذكر يقوي بدنك فلا تحتاج إلى خادم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          أين أنا في القرآن؟ {فيه ذكركم} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          فضل العفو والصفح من القرآن الكريم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5177 - عددالزوار : 2486808 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4771 - عددالزوار : 1819290 )           »          التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 356 - عددالزوار : 9484 )           »          5 ألوان تريندات طلاء غرف النوم لعام 2026.. اختار اللى يناسبك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 41 )           »          طريقة عمل صينية الكوسة بالسجق.. لذيذة ومغذية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 43 )           »          خطوات بسيطة للتخلص من قشرة الرأس.. عشان تلبس ألوان غامقة براحتك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 51 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 03-02-2026, 11:49 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,890
الدولة : Egypt
افتراضي الطاعة والاتباع

الطاعة والاتباع

السيد مراد سلامة


الخطبة الأولى
الحمد لله العليم الحكيم العزيز الغفار، القهَّار الذي لا تَخفى معرفتُه على مَن نظر في بدائع مملكته بعين الاعتبار، القدوس الصمد التعالي عن مشابه الأغيار، الغني عن جميع الموجودات، فلا تَحويه الجهات والأقطار، الكبير الذي تحيَّرت العقول في وصف كبريائه فلا تُحيط به الأفكار، الواحد الأحد المنفرد بالخلق والاختيار، الحي العليم الذي تساوى في علمه الجهرُ والإسرار، السميع البصير الذي لا تُدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار.

وأشهد أنْ لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبد الله ورسوله، وصفيُّه من خلقه وحبيبه.
بأبي وأمي أنت يا خيرَ الوَرى
وصلاةُ ربي والسلام مُعطَّرا
يا خاتمَ الرسل الكِرام محمد
بالوحي والقرآن كنتَ مُطهَّرَا
لك يا رسول الله صدقُ محبةٍ
وبفيضها شهِد اللسان وعبَّرا
لك يا رسول الله صِدقُ محبةٍ
فاقت محبةَ مَن على وجه الثَّرى
لك يا رسول الله صدقُ محبة
لا تنتهي أبدًا ولن تتغيَّرا


وعلى آله وأصحابه ومَن سار على نهجه، وتمسَّك بسنته، واقتدى بهديه، واتَّبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ونحن معهم يا أرحم الراحمين؛ أما بعد:
فأحبتي في الله يتجدَّد اللقاء مع سيرة إمام الأتقياء صلى الله عليه وسلم، ونقف اليوم مع الحق الرابع من حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، ألا وهو حق الطاعة والاتباع؛ قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: "نظرتُ في المصحف فوجدتُ طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في ثلاثة وثلاثين موضعًا".

وقال الآجُرِّي: "فرض على الخلق طاعته صلى الله عليه وسلم في نيف وثلاثين موضعًا من كتابه عز وجل".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد أمر الله بطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - في أكثر من ثلاثين موضعًا من القرآن، وقرَن طاعته بطاعته، وقرَّن بين مخالفته ومخالفته، كما قرن بين اسمه واسمه، فلا يُذكَر الله إلا ذُكر معه".

قلت: إن الآيات الواردة في الأمر بطاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - واتباعه، والاقتداء به، جاءت في مواطن متعددة من القرآن الكريم، واتصفت تلك الآيات بتنوع أساليبها وتعدُّد صِيَغها، مع اتحادها جميعها في الأمر؛ بالاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وطاعته في جميع ما جاء به من شرائع وأحكام من عند الله عز وجل، وسوف أعرض لهذه الآيات بعد تقسيمها على حسب ما اتَّحدت به في السياق على النحو التالي:
الآيات التي جاء فيها الأمر بطاعته - صلى الله عليه وسلم - ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [النساء: 80].

جعل الله طاعة نبيه - صلى الله عليه وسلم - من طاعته، فلا يَقبَل الله طاع من أحدٍ حتى يُطيع رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه الآية ضمن سلسلة من الآيات ربَطت بين طاعة الله تبارك وتعالى وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فقد جعل الله طاعته وطاعة رسوله شيئًا واحدًا، وجعل الأمر بطاعة رسوله مندرجًا في الأمر بطاعته سبحانه، وفي ذلك بيان للعباد بأن طاعته سبحانه لا تتحقق إلا بطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم.

ومن تلك الآيات الواردة بهذه الصيغة:
1- قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 32]، أمر الله نبيه أن يأمُرنا بطاعة الله وطاعته، وأن مَن أعرَض ولم يُطع، فقد كفر، والله تعالى يبغضه ولا يُحبه.

2- وقوله تعالى: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [آل عمران: 132]، وعد الله تعالى من أطاعه وأطاع رسوله بأن ينال رحمته التي وسِعت كلَّ شيء.

3-وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: 31].

4- وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [النور: 52]، واعلموا أن من ثمار الطاعة الفوز العظيم، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: 71].

أ- الآيات التي جاء فيها الأمر باتباعه والتأسي به والأخذ بما شرعه:
جاء الأمر من الله تبارك وتعالى باتباع رسوله - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في مواطن متعددة من كتابه العزيز.

ب- قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: 31].

2-وقال تعالى: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون [الأعراف: 158].

3- وقال تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: 7].

وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: 21].

وهذه الآيات تضمنت توجيهات عظيمة يجب على المسلم تدبُّرها، ففي الآية الأولى جعل الله الاتباع سبيلًا إلى نيْل حبِّه، ووسيلة إلى تحقيق رضاه، وحصول غُفرانه؛ إذ باتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - يَحصُل حبُّ الله تعالى ورضاه ومثوبته، فالخير كلُّ الخير في اتباعه، والشر كل الشر في مخالفته والابتعاد عن سنته.

فالاتباع هو دليل المحبة وبُرهانها، وبتحقُّقه تكون المحبة التي هي إحدى ثمراته؛ كما قال تعالى: ﴿ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران: 31]، كما أن من ثمراته غفران الذنوب؛ كما جاء في هذه الآية نفسها: ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران: 31].

ج- الآيات التي جاء فيها وجوب التسليم لحكمه والانقياد له:
قال تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: 65].

وفي هذه الآية أقسم سبحانه بأجلِّ مُقسَمٍ به - وهو نفسه عز وجل - على أنه لا يثبت لهم إيمانٌ، ولا يكونون من أهله؛ حتى يحكموا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جميع موارد النزاع، وفي جميع أبواب الدين، فإن لفظة "ما" مِن صِيَغ العموم، ولم يقتصر الأمر على مجرد التحاكم، بل ضمَّ إليه انشراحَ صدورهم بحكمه، بحيث لا يجدون في أنفسهم حرجًا - وهو الضيق والحصر - مِن حُكمه، بل يُقبلون حكمَه بالانشراح، ويقابلونه بالتسليم، لا أنهم يأخذونه على إغماض، ويَشربونه على قذًى، فإن هذا منافٍ للإيمان، بل لابد أن يكون أخذه بقَبول ورضا وانشراح صدرٍ.

إن اتباعه سببٌ من أعظم أسباب الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة؛ يقول سبحانه وتعالى: ﴿ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف: 157]، ما ورَد عن السلف والأئمة من اتباع سنته والاقتداء بهديه[1].

وأما ما ورد عن السلف والأئمة من اتباع سنته والاقتداء بهدْيه وسيرته، فحدثنا... عن رجل من آل خالد بن أسيد أنه سأل عبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن، إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر، ولا نجد صلاة السفر؟ فقال: ابن عمر: يا بن أخي، إن الله بعث إلينا محمدًا صلى الله عليه وسلم، ولا نعلم شيئًا، فإنما نفعل كما رأيناه يفعل [2].

وقال عمر بن عبد العزيز: سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سننًا للأخذ بها؛ تصديقًا بكتاب الله، واستعمالًا بطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحدٍ تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في رأي مَن خالفها، مَن اقتدى بها فهو مهتدٍ، ومن انتصر بها منصورٌ، ومن خالَفها واتَّبع غير سبيل المؤمنين، ولَّاه الله تعالى ما تولَّى، وأصلاه جهنَّمَ وساءت مصيرًا[3].

وقال الحسن بن أبي الحسن: عملٌ قليل في سُنَّة خيرٌ من عمل كثير في بدعة[4].

وقال ابن شهاب: بلغنا عن رجال من أهل العلم قالوا: الاعتصام بالسنة نجاة [5].

وكتب عمر بن الخطاب إلى عمَّاله: بتعليم السنة والفرائض واللحن؛ أي: اللغة[6].

وقال: إن ناسًا يُجادلونكم - يعني بالقرآن - فخُذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله[7].

قال ابن حبَّان: "طاعة الرسول هي الانقيادُ لسُنته، مع رفْض قول كلِّ مَن قال شيئًا في دين الله عز وجل بخلاف سُنته، دون الاحتيال في دفْع السنن بالتأويلات المضمحلَّة والمخترعات الداحضة... "[8].

أولًا: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى"، قالوا: يا رسول الله، ومَن يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى"[9].

ثانيًا: وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله …"؛ الحديث[10].

ثالثًا: وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده، لتَدخُلُنَّ الجنة كلُّكم، إلا مَن أبى وشرَد على الله كشراد [11] البعير؛ قال: يا رسول الله، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى"[12].

ضربه - صلى الله عليه وسلم - الأمثال في الحث على طاعته:
أولًا: عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتى قومًا، فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا [13]، فانطلقوا على مَهلهم فنجوا، وكذَّبت طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم، فصبَّحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتَّبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق"[14].

ثانيًا: وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: "جاءت الملائكة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو نائمٌ، فقال بعضهم: إنه نائمٌ، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلًا، قال: فاضربوا له مثلان، فقال بعضهم: إنه نائمٌ، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يَقظان، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارًا، وجعل فيها مأدبة وبعث داعيًا، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يُجب الداعي لم يدخل الدار، ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أوَّلوها له يَفقهها، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: فالدار الجنة والداعي محمد صلى الله عليه وسلم، فمن أطاع محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فقد أطاع الله، ومن عصى محمدًا، فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس"[15].

ثالثًا: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما مثلي ومثل الناس، كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يَقعن فيها، فجعل الرجل يَزَعُهُنَّ[16]ويَغلبنَه، فيَقتحمن فيها، فأنا آخذ بِحُجَزِكم عن النار، وأنتم تقتحمون فيها"[17].

فهذه ثلاثةُ أحاديث اشتَمل كلُّ حديثٍ منها على مثل مُعين، والأمثال كما هو معلوم توضع لتقريب المعنى وتوضيحه في ذهن السامع؛ ليكون أسهلَ في فَهْم المعنى، وأبلغ في ترسخه في ذهنه، والمتأمل في هذه الأحاديث الثلاثة، وما ضُرب فيها من أمثال يُدرك - إن كان له قلب وسمع سَلِيمان - ما في هذه الأحاديث من الحثِّ على طاعة النبي صلى الله عليه وسلم، واتباعه والأجر العظيم المترتِّب على ذلك، كما يُدرك عظم العقوبة والخسارة المترتبة على عصيانه ومخالفته، وعدم الانقياد له.

والسؤال الذي يَفرض نفسه ها هنا هو التالي:
هل أنت ممن أطاع البشير النذير - صلى الله عليه وسلم؟
وهل أنت ممن أجاب الداعي - صلى الله عليه وسلم؟
وهل أنت ممن استجاب لتحذيره - صلى الله عليه وسلم - فحمى نفسه من نار جهنم؟

وقبل أن تَعجل بالإجابة انظُر إلى أعمالك وأقوالك، هل هي وفق شريعته وما جاء به صلى الله عليه وسلم أم لا؟ فها هنا يَكمُن الجواب، فيا سعادة من أطاعه واتَّبعه.

ويا خزي وندامة مَن خالفه وعصى أمره، والله تعالى يقول: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا [الفرقان: 27]، وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا [الأحزاب: 66].

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
أما بعد، فهذه صورٌ مُشرقة من طاعة واتباع الصحابة، والتابعين للنبي الأمين صلى الله عليه وسلم.

حرص عمر رضي الله عنه على اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم:
مِن صُور حِرص السلف على الاتباع والاقتداء: حرصُ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فها هو يَحُج بيت الله الحرام، ويطوف به حتى إذا وقف على الحجر الأسود، فقال: كما عند البخاري عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبَّل الحجر الأسود، وقال: لو لا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُقبلك ما قبَّلتك [18].

وفي رواية أخري قال: أما والله، أني لأعلم أنك حجرٌ لا تضر ولا تنفَع، ولولا أني رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أستلمك ما استلمتك.

حرص عبد الله بن عمر رضي الله عنه على الاتباع:
تقول السيدة عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - وهي تصف حِرص عبد الله بن عمر الشديد على اتباع أثر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما رأيت أحدًا ألزمَ للأمر الأول من ابن عمر [19].

وعن ابن وهب عن مالك عمَّن حدَّثه أن ابن عمر كان يتَّبع أمر أثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآثاره وحاله، ويهتم به، حتى كان قد خِيف على عقله من اهتمامه بذلك[20].

ومن شدة حرصه أيضًا أنه سمع رجلًا عطَس، فقال: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، فقال له: ما هكذا علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل قال: إذا عطس أحدكم فليحمِد الله، ولم يقُل وليُصلِّ على رسول الله.

ومن المواقف الدالة على حرصه على الاعتصام بالسنة، واتباع منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك الموقف المشرِّف؛ جاء رجل إلى الإمام مالك - رحمه الله - فقال: يا أبا عبد الله، من أين أُحرم، فقال: من ذي الحليفة؛ من حيث أحرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أني أريد أن أُحرم من المسجد من عند القبر، قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: أي فتنة هذه؛ إنما هي أميال أَزيدها، قال: وأي فتنةٍ أعظمَ من أن ترى أنك سبَقت إلى فضيلة قصَّر عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إني سمعت الله تعالى يقول: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63][21].

‌اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكِّها أنت خير من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها.

﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201].

سبحان ربِّنا ربِّ العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

[1] الشفا ج2 ص 18 – 21 باختصار.

[2] الأوسط لابن المنذر - (رقم 2206)، وغوامض الأسماء المبهمة - (2 / 606).

[3] الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي، (رقم 449)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، (رقم 118)، وإبطال التأويلات - (رقم 26).

[4] بلوغ الأرب بتقريب كتاب الشعب - (2 / 116)، وجامع بيان العلم وفضله - مؤسسة الريان - (2 / 374)؛ رواه القضاعي في مسند الشهاب "1270" 2/ 239، وابن بطة في الإبانة "151" 1/ 315، و"243-244" 1/ 357، عن الحسن مرسلًا.

[5] المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي - (2 / 230) رقم 708)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي - (رقم 11)، والعواصم من القواصم - (ص 267).

[6] أخرجه الدارمي (2/441 ، رقم 2850)، وجامع بيان العلم وفضله - مؤسسة الريان - (2 / 244)، رقم 981)، والبيهقي: السنن: 6/209، وإسناده ضعيف لانقطاعه بين مروق وعمر، وابن الجوزي: مناقب ص 201، والمتقي الهندي: كنْز العمَّال، 10/252، وأخرجه ابن أبي شيبة: المصنف 11/234، وسعيد: السنن 1/28، عن إبراهيم النخعي مرسلًا.

[7] جامع بيان العلم وفضله - مؤسسة الريان - (2 / 245)؛ رواه الدارمي "119" 1/ 62، واللالكائي في أصول الاعتقاد "202" 2/ 123، والأصبهاني في الحجة 1/ 312-313، والآجري في الشريعة ص74، وابن بطة في الإبانة "790" 2/ 610 "الكتاب الأول"، وابن أبي زمنين في أصول السنة "7" ص50.

[8] صحيح ابن حبان (1/ 153).

[9] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر: فتح الباري (13/ 249) ح 7285

[10] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام: باب قول الله تعالى {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} ،.

[11] يقال: شرد البعير، يشرد، شُرودًا، وشِرادًا: إذا نفر وذهب في الأرض؛ النهاية (2/ 457).

[12] أخرجه ابن حبان في صحيحه (1/ 153)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 80)، وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، وله شاهد من طريق أبي هريرة بنحوه؛ أخرجه الحاكم في مستدركه (4/ 247)، وقال صحيح على شرطهما، ووافقه الذهبي، وله شاهدٌ آخر من طريق أبي أمامة بنحوه؛ أخرجه الحاكم في المستدرك (4/ 247)، وقال صحيح على شرطهما ووافقه الذهبي.

[13] أي ساروا بالليل. النهاية (2/ 129).

[14] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام: باب الاقتداء بسنن الرسول صلى الله عليه وسلم، انظر: فتح الباري (13/ 250) ح 7283، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته. انظر: (7/ 63).

[15] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: باب الاقتداء بسنن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ انظر: فتح الباري (13/ 249) ح 7281.

[16] بفتح التحتانية والزاي وضم العين المهملة: أي يدفعهن؛ فتح الباري (13/ 318).

[17] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق: باب الانتهاء عن المعاصي. انظر فتح الباري (11/ 316) خ 6483، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته... (7/ 64).

[18] ومسلم (2/925، رقم 1270)، والنسائي في الكبرى (2/400، رقم 3918)، وابن ماجه (2/981، رقم 2943)؛ أخرجه الطيالسي (ص 11، رقم 50)، وأحمد (1/34، رقم 229).

[19] أخرجه الحاكم ح 6365، وتاريخ الإسلام ص 457، وسير أعلام النبلاء ج4 ص323.

[20] سير أعلام النبلاء ج4 ص325. وأخرجه ابن عساكر (31/121).

[21] الفتنة والمتفقه، ج1، ص 148.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 99.07 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 97.39 كيلو بايت... تم توفير 1.68 كيلو بايت...بمعدل (1.70%)]