الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني.. راوٍ ماجنٌ وليس بمؤرخ مدقق - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         7 حيل نفسية تساعد طفلك على حب الدراسة.. لو بيحس بملل ومش عايز يذاكر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          طريقة عمل مينى باتيه بالجبنة بخطوات بسيطة.. ينفع فى الفطار والعشاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          7 فوائد تعود عليك من عدم تأجيل عمل اليوم للغد.. قاوم كسل البرد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          طريقة عمل الحلبسة فى المنزل.. مشروب يدفيك فى ليالى البرد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          طرق علاج تشقق الشفاه فى 3 أيام فقط.. هتخليها ناعمة ورطبة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          5 أفكار ديكور منزلى تساعد على الشعور بالدفء داخل المنزل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          طريقة عمل شوربة الجزر بالكريمة بخطوات سريعة.. تدفى فى عز البرد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          وصفات طبيعية لترطيب اليدين بمكونات منزلية.. مش هتحتاجى تشترى من برا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          بتعانى من النحافة ومش لاقى حل.. نظام غذائى لمدة أسبوع لزيادة وزنك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          طريقة عمل 5 أكلات بالدجاج بخطوات بسيطة.. لعشاء دافئ فى الشتاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العام > الملتقى العام > ملتقى أعلام وشخصيات
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى أعلام وشخصيات ملتقى يختص بعرض السير التاريخية للشخصيات الاسلامية والعربية والعالمية من مفكرين وأدباء وسياسيين بارزين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 26-11-2025, 10:17 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,650
الدولة : Egypt
افتراضي الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني.. راوٍ ماجنٌ وليس بمؤرخ مدقق

الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني.. راوٍ ماجنٌ وليس بمؤرخ مدقق (1-3)



كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
القيمة الأدبية لكتاب الأغاني:
يُعدُّ كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني من أشهر الكتب الأدبية؛ إذ حشد فيه كاتبه كلَّ ما وصلت إليه ووقعت عليه يداه من الأشعار والقصص والحكايات والأخبار المتداولة بين الناس عن الأمراء والشعراء والمغنيات والسُّمار؛ خاصة الماجنين منهم والماجنات، الذين جعلهم أبو الفرج المادة الأثيرة لأحاديثه ومروياته، يقدِّمها مادة دسمة ممتعة لمن يهفو ويتطلع إليها من أهل الترف والمجون والفجور من محبي هذا النوع من الشعر والغناء وقصصه وأخباره، في كتاب لم يُكتب مثله بهذا الحجم وهذه النوعية!
وقد طالت رواياته وأخباره وحكاياته الصحابةَ والخلفاءَ وكبارَ القوم والأغنياءَ، والشعراءَ والمغنين والمغنيات، وأربابَ الموسيقى والعزف، في جو ملؤه رائحة السكر والعربدة والمجون، وهو في هذا كله لا يتحرى ولا يعبأ بمدى صحة ما ينقل ويكتب؛ إذ همه المتعة والإمتاع لا كتابة التاريخ، أو فرز الحوادث والأخبار وتحري نقل الصحيح منها لا الضعيف عن الشخصيات التي تعرض لذكرها في كتابه الضخم على كثرتهم، فيا لها من غيبة غير محمودة! وتشويه لأناس وتشنيع عليهم، ومنهم شخصيات تاريخية معروفة ومشهورة، عُرف عنهم من مصادر أخرى عديدة موثقة خلاف ما أورده عنهم الأصفهاني في كتابه برواياته الضعيفة والمكذوبة؛ مما يجعل هذا الكتاب لا قيمة له من الناحية التاريخية، ولا ينبغي أن يُعدَّ بحال من الأحوال مصدرًا وسبيلاً لمعرفة سيرة الأشخاص الذين ذكرهم -خاصة الفضلاء منهم- والترجمة عنهم، وصحة وسلامة ما نقله عنهم من الأحداث والأخبار التي أوردها من سيرهم؛ خاصة وأنه لم يتعرض أحدٌ بعدُ -رغم شهرة الكتاب بين الشعراء والأدباء والأغنياء والمترفين جيلًا بعد جيل- بجدية لتنقية هذا الكتاب من أوله إلى آخره من تلك الأخبار والروايات الضعيفة والمكذوبة المدسوسة فيه، وما أكثرها، بل هي عماد مادة الكتاب وأساسه.
فالكلُّ تقريبًا يرى أنه مجرد كتاب للأدب والشعر والغناء ليس إلا؛ إنما يقرأه من يتطلع لقراءته من أجل المتعة والتلذذ واللهو والتسلية بقصصه وأشعاره وأخبار المغنيات الماجنين والفساق التي كانت متداولة بين الشعراء والأدباء، وأصحاب المغنى والترف في عصر صاحب الكتاب وقبله لا أكثر من ذلك، حتى وإن جعل الكاتب من بينهم من شخصيات سيرتها أبعد وأرفع عن ذلك بشهادة الثقات الأثبات من علماء الأمة المعتبرين ومؤرخيها، وهذا هو وجه خطورة هذا الكتاب العابر للقرون والأجيال، وأثره السيء في الأمة قديمًا وحديثًا، بما يوجب التحذير منه.
فكتاب الأغاني عند ابن خلدون -مثلًا- وغيره، هو كتاب أدبي؛ ولذلك فإن كاتبه مغرم بالرواية وبدون تدقيق؛ لذا لا يصلح كتابه أن يكون كتابًا للعلم أو للتاريخ أو للحكم على ما ورد فيه من شخصيات، فشتان ما بين الراوي والمؤرخ.
بين الراوي والمؤرخ:
الراوية: هو البعير الذي يُستقى عليه الماء، وكذا يقال للرجل المستقي أيضًا راوية. ورجل رواء إذا كان الاستسقاء بالراوية له صناعة، يقال جاء رواء القوم. وفي حديث غزوة بدر: "فَإِذَا هُمْ ‌بِرَوَايَا ‌قُرَيْشٍ" (رواه مسلم)؛ أي: إبلهم التي كانوا يستقون عليها. ورويت الحديث والشعر فأنا راوٍ في الماء والشعر من قوم رواة. ورويته الشعر تروية: أي: حملته على روايته. وجاء في المعجم الوجيز: "روى القوم، وعليهم ولهم، ريًّا: استقى لهم الماء. وروى الحديث أو الشعر رواية: حمله ونقله. فهو راوٍ. والجمع رواة. وروى الزرع: سقاه".
الراوي يحتفظ بالمرويات كما أخذها عن شيخه من غير تغيير أو تبديل فيها وذلك بحفظها ووعيها، وقد يضم إلى ذلك تدوينها في كتاب. ويشترط في الراوية القدرة على الضبط لما يرويه لئلا يتطرق الخلل إلى مروياته، فالراوية إنما يهتم ما استطاع أولًا وقبل كل شيء بالصحة في النقل.
أما المؤرخ فهو الذي يطلب الحقيقة فيما يكتب، فيرى ألا يحمل إلا ما هو الحق أو ما يتوقع أنه الحق. فالراوي إنما يحرص على النقل، والمؤرخ إنما يحرص على صحة المنقول ورجحانه. فالرواة إنما يعتمدون في عملهم صدق النقل وصحة الإسناد. والراوي ناقلٌ للخبر دون نقد لمتنه صدقًا كان ذلك المنقول أو كذبًا، وقد يكون لا بأس عليه في ذلك، وإنما البأس على الراوي في الوضع أو في الرواية عمن لم يرو عنه، أو التحديث عمن لم يسمع منه، أو يأخذ عنه بمكاتبات أو إجازات.
والراوي ناقلٌ لرأي غيره ومصوِّرًا لوجهة نظر الآخرين، وربما يروي الآراء المختلفة أو المتعارضة أحيانًا بدون ترجيح، بل ربما يروي ما يقع تحت يده من الأخبار حتى وهو يرى أنها من الموضوعات والمصنوعات ومن الأكاذيب أو من الأوهام، بينما المؤرخ يحاول أن يصور لنا الحقيقة كما رآها أو كما يراها من وجهة نظره هو. وحتى يصل المؤرخ إلى الحقيقة التي يرتضيها فمن حقه أن يستغني عن إيراد كثير من الأخبار التي لا يرتضيها العلم، أو يعمد إلى الترجيح بين الروايات المتعارضة لكونه لا يعتقد أنها كلها حق.
والراوي يقتصر دوره على النقل والرواية فلا يتعداه، بينما المؤرخ فمن حقه أن يعمد إلى البراهين النظرية والأدلة العقلية، فيقدم المقدمات، ويستنتج النتائج، ويستنبط ما يملأ به ما قد يكون أمامه من فراغ ليستكمل الصورة الحقيقية كما يراها وآمن بها ليقدمها من وجهة نظره كاملة غير منقوصة.
الأصفهاني راوٍ لا مؤرخ:
قال د. محمد خلف الله في كتابه: (صاحب الأغاني أبو الفرج الأصفهاني الراوية): "أبو الفرج واضح الدلالة في أنه كان يجري على مذهب الرواة، وأول ما يطالعنا من هذه الدلالات أن أبا الفرج كان يحرص حرصًا شديدًا على ألا يفوته أي شيء مما يعرفه الناس، فهو حريص على جمع كل ما قيل حتى ولو كان من المصنوعات والأكاذيب. وليس ذلك من مذاهب المؤرخين الذين يحرصون الحرص كله على الوقوف على الحقيقة، وذكر ما يعتقدون أنه الحق" (ينظر: صاحب الأغاني أبو الفرج الأصفهاني، د. محمد أحمد خلف الله - ط. مكتبة الأنجلو المصرية - القاهرة - ط. الثانية 1962، ص: 248).
والدلائل على ذلك في كتاب الأغاني عديدة؛ منها:
- قول صاحب الأغاني: (وممن حكي عنه أنه صنع في شعره وشعر غيره المنتصر، فإني ما ذكرت ما روي عنه أنه غني فيه على سوء العهدة في ذلك وضعف الصنعة؛ لئلا يشذ عن الكتاب شيء قد روي وتداوله الناس" (راجع المصدر السابق، ص 248 نقلًا عن الأغاني)؛ فهو ينقل في كتابه الجامع هذا شعرًا يعلم تمام العلم أنه مصنوع لأنه يريد أن يملأ كتابه بكل ما تداوله الناس حتى المكذوب منه المصنوع.
- قول صاحب الأغاني: "وممن هذه سبيله في صنعة الغناء المعتز بالله، فإني لم أجد له شيئًا إلا ما ذكره الصولي في أخباره، فأتيت بما حكاه للعلة التي قدمتها من أني كرهت أن يخل الكتاب بشيء قد دونه الناس وتعارفوه" (المصدر السابق، ص 248، نقلًا عن الأغاني).
- قول صاحب الأغاني: "هذه الأخبار التي ذكرتها عن ابن الكلبي موضوعة كلها، والتوليد بين فيها وفي أشعاره، وما رأيت شيئًا منها في ديوان دريد بن الصمة على سائر الروايات، وأعجب من ذلك هذا الخبر الأخير فإنه ذكر فيه ما لحق دريد من الهجنة والفضيحة في أصحابه وقتل من قتل معه وانصرافه منفردًا. وشعر دريد هذا يفخر فيه بأنه ظفر ببني الحارث وقتل أماثلهم. وهذا من أكاذيب ابن الكلبي. وإنما ذكرته على ما فيه لئلا يسقط من الكتاب شيء قد رواه الناس وتداولوه" (المصدر السابق، ص 249، نقلًا عن الأغاني).
قال د. محمد أحمد خلف الله: "أبو الفرج إذًا يجمع كل ما قيل، يجمع الصادق وغير الصادق؛ لأنه لا يريد أن يخلو كتابه من شيء يعرفه الناس، ولو كان هذا الذي يعرفونه من المصنوعات والأكاذيب. وتلك كما قلنا ظاهرة من الظواهر التي تلازم الرواة ولا تلازم المؤرخين" (المصدر السابق، ص 249).
ويضيف: "نعم، نحن نعلم أن أبا الفرج كان أحيانًا يعقب على غير الصادق، ولكن ذلك لا يخرجه من عداد الرواة، ولن يدفع به إلى عداد المؤرخين؛ وذلك لأن أبا الفرج لم يكن ليعقب على كل خبر، كما أنه لم يقم اختياره للأخبار على أساس الصدق والصحة، بل نستطيع أن نقول: إنه كان يقيم أساس الاختيار في كثير من الحالات على ما فيه متعة، من كل ما هو من نسج الخيال أو من كل ما هو من الأكاذيب عند المؤرخين" (المصدر السابق، ص 249-250).
قول أبي الفرج الأصفهاني بعد روايته لأحد الأخبار: "وأحسب أن هذا الخبر مصنوع، ولكن هكذا أخبرنا به ابن أبي الأزهر) (المصدر السابق، ص 251، نقلًا عن الأغاني).
- قوله أيضًا: "إنما ذكرت الخبر الذي رواه الزيادي على ما فيه من التخليط؛ لأني إذا أتيت بالقصة ذكرت ما يروى في معناها" (المصدر السابق، ص 251، نقلًا عن الأغاني).
قال د. خلف الله: "مذهب أبي الفرج إذًا أن يروي القصة كما وصلت إليه، والخبر كما وقع إليه، ليس يعنيه صدق أو كذب بقدر ما تعنيه هذه الرواية. ومن هنا كنا نراه في بعض الأحيان يذكر القصة المصنوعة من طرق عديدة وبأسانيد مختلفة، يذكرها مع هذه الطرق وهذه الأسانيد مع اعتقاده بأنها من المصنوعات" (المصدر السابق، ص 251).
وأضاف: "كما نراه في مواقف أخرى يرجح رواية على رواية لا لأنها أصح، بل لأن اللفظ أتم".
ومن ذلك قول أبي الفرج: "ونسخت من كتاب ابن النطاح عن الهيثم بن عدي، وقد أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي في كتاب الجوابات، قال: حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني إلا أن رواية ابن النطاح أتم واللفظ له، قال...." (المصدر السابق، ص 252 بتصرفٍ).
- مخالفة روح أبي الفرج لروح المؤرخين المعتادة؛ إذ يحرص المؤرخون على ألا يذكروا في كتبهم إلا ما يطمئنون إليه ويعتقدون أنه الحق والصواب؛ قال د. خلف الله: "وروح أبي الفرج فيما نرى هي روح الرواة الذين يروون الخبر وهم يتبرؤون من العهدة، ويروون الأخبار وهم لا يقصدون إلى أقواها إسنادًا، وإنما إلى أتمها، ويروونها وهم يعلمون أنها في حاجة إلى التعديل بالزيادة أو بغيرها، ويروونها وقد حضوا غيرهم على ألوان من التعقيب والتصحيح، ومن الإضافة أو الزيادة إن وقع الكتاب في أيديهم ووقفوا على ما يحتاج إليه من قصة طريفة أو خبر جديد" (المصدر السابق، ص 254).
ويدل على هذا التصور عند أبي الفرج أمثلة؛ منها:
قال أبو الفرج في كتابه الأغاني: "وأنا أذكر ما وقع إليَّ من أخباره جملًا مستحسنة متبرئًا من العهدة فيها، فإن أكثر أشعاره المذكورة في أخباره ينسبها بعض الرواة إلى غيره، وينسبها من حكيت عنه إليه، وإذا قدمت هذه الشريطة برئت من عيب طاعن ومتتبع للعيوب" (ينظر: المصدر السابق، ص 254، نقلًا عن الأغاني).
وقال أيضًا في كتابه: "ونسخت من كتاب أحمد بن سعيد الدمشقي خبر الأحوص مع سلامة التي ذكرها في هذا الشعر، وهو موضوع لا أشك فيه؛ لأن شعره المنسوب إلى الأحوص شعر ساقط سخيف لا يشبه نمط الأحوص، والتوليد فيه بيِّن يشهد أنه محدث، والقصة أيضًا باطلة لا أصل لها، ولكني ذكرته على ما فيه من سوء العهدة" (المصدر السابق، ص 254-255، نقلًا عن الأغاني).
وقال في موضع آخر: "وقد كنا وجدنا هذا الشعر في رواية علي بن يحيى عن إسحاق منسوبًا إلى المرقش، وطلبناه في أشعار المرقشين جميعًا فلم نجده، وكنا نظنه من شاذ الروايات، حتى وقع إلينا في شعر داوود بن سلم، وفي خبر أنا ذاكره في أخبار داوود. وإنما نذكر ما وقع إلينا عن رواته، فما وقع من غلط فوجدناه ووقفنا على صحته أثبتناه وأبطلنا ما فرط منا غيره، وما لم يجر هذا المجرى فلا ينبغي لقارئ هذا الكتاب أن يلزمنا لوم خطأ لم نتعمده ولا اخترعناه، وإنما حكيناه عن رواته واجتهدنا في الإصابة، وإن عرف صوابًا مخالفًا لما ذكرناه وأصلحه فإن ذلك لا يضره ولا يخلو به من فضل وذكر جميل -إن شاء الله-" (المصدر السابق، ص 255، نقلًا عن الأغاني).
فأبو الفرج هو مجرد راوية يحمل كل ما يصل إليه، ويذكر كل المرويات كما وصلته ولو لم تكن من الحقائق ولو كانت باطلة ولا أصل لها؛ لأنه يُراد بها الإمتاع والمؤانسة، وتلك هي روح الراوية، وليست روح المؤرخ الذي يكتب التاريخ ولا يذكر إلا ما يعتقد أنه الحق.
احتفاء المستشرقين البالغ بكتاب الأغاني:
كتاب الأغاني كتبه أبو الفرج الأصفهاني في بضع وعشرين مجلدًا ليسامر به المترفين والأغنياء والسمار من الماجنين الفارغين في أسمار الليالي، ليس هو بكتاب علم ولا كتاب تاريخ. وأبو الفرج الأصفهاني كان من الأدباء الماجنين، وكان أيضًا من الشعوبيين الكارهين للعرب؛ بالإضافة إلى أنه كان شيعيًّا. وكان من عادة أبي الفرج أنه يذهب إلى سوق الوراقين، وهي عدة من الدكاكين مملوءة بالكتب، فيشتري الكثير من هذه الكتب ويحملها إلى بيته، ثم تكون منها رواياته وحكاياته وأخباره، ومن كان هذا حاله فلا وزن لرواياته وحكاياته، لا يُؤخذ منها علم ولا تاريخ، ولا يُعتد بها في إثبات حكم أو إبداء رأي في حق من ذكرهم في كتابه من شخصيات أو مواقف وأحداث، و(كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) (رواه مسلم).
لقد وضع أبو الفرج كتابه لإمتاع النفوس صاحبة المجون، جمع فيه الكثير والكثير من أخبار الخلاعة والمجون والأشعار الساقطة خاصة المغناة منها؛ لذا قال عنه زكي مبارك: "والخطر كل الخطر أن يطمئن الباحثون إلى أن لروايات الأغاني قيمة تاريخية، وأن يبنوا على أساسها ما يثيرون من حقائق التاريخ" (راجع في ذلك كتاب: مؤلفات في الميزان، للأستاذ أنور الجندي، ص 102). لكن عمد المستشرقون رغم كل ذلك إلى الاعتماد على كتاب الأغاني هذا وجعلوه مرجعًا تاريخيًّا مهمًّا لهم يعتمدون -ومن تابعهم من تلاميذهم- عليه في أبحاثهم بغرض تشويه تاريخ المسلمين في أزهى عصوره، إبان الدولة الأموية ثم الدولة العباسية؛ لذا اعتمد على كتاب الأغاني للأصفهاني كمرجع تاريخي المستشرق (لامنس) في كتابه: (تاريخ بني أمية)، وكذلك اعتمد عليه كمرجع تاريخي المستشرق (فلهوزن) في كتابه (الدولة العربية وسقوطها) (راجع: مؤلفات في الميزان، ص 100-103).
- هنري لامنس: مستشرق ومؤرخ، ولد في جنت ببلجيكا عام 1862، وتوفي في بيروت عام 1937. تلقى تعليمًا دينيًّا، وانضم في سن الخامسة عشرة لجماعة اليسوعيين في بيروت، وعاش معظم حياته في الشام، حيث استقر في لبنان وعده وطنه الثاني. درس العربية واللاتينية واليونانية. وكتب بالفرنسية عن التاريخ المبكر للإسلام، وقام بعدة دراسات عن الدولة الأموية التي تخصص في دراستها. ويُعدُّ لامنس من أشد المستشرقين المتعصبين المتحاملين على الإسلام، مما عرضه لانتقادات واسعة والتشكيك في أمانته العلمية، واتهامه بافتقاد الحيادية وتزييف الحقائق والسعي لتشويه التاريخ الإسلامي. لذا فهو يُعدُّ نموذجًا سيئًا للمستشرقين الباحثين في الإسلام.
- يوليوس فلهوزن: مستشرق ومؤرخ وباحث ألماني، وأحد رواد مدرسة الاستشراق الألماني. عاش من عام 1844 إلى عام 1918، له دراسات متعمقة في التاريخ الإسلامي المبكر.
من أبرز أعماله: كتابه: (الدولة العربية وسقوطها)، تعرَّض فيه لتاريخ الدولة العربية من ظهور الإسلام إلى نهاية الدولة الأموية.
وللحديثة بقية -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 04-12-2025, 08:58 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,650
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني.. راوٍ ماجنٌ وليس بمؤرخ مدقق

الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني راوٍ ماجن وليس بمؤرخ مُدقِّق (2-3) مَن يكون الأصفهاني؟



كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
وُلد أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد بن أحمد الأصفهاني (أو الأصبهاني)، صاحب كتاب الأغاني في سنة 284 هجريًّا، وهذا مما هو متفق عليه، ولكن اختُلف في تحديد سنة وفاته. فذكر ابن النديم -صاحب كتاب الفهرست- أنه توفي في نيف وستين وثلاثمائة هجريًّا، بينما ذكر أبو نعيم في كتابه أخبار أصْبهان أنه توفي في سنة 357 هجريًّا، بينما ذكر ابن أبي الفوارس أنه توفي سنة 356 هجريًّا. ولعل هذا الاختلاف يرجع إلى أن أبا الفرج -كأديب- كان مغمورًا؛ إذ لم يكن كتابه قد اكتسب شهرته بعد، إذ جاءت شهرة الكتاب بعد وفاته؛ لذا طال النسيان سنة وفاته على وجه التحديد.
مولد الأصفهاني:
وُلد الأصفهاني ونشأ وتربَّى في بغداد عاصمة الخلافة العباسية. أما أن يكون قد وُلد في أصبهان، فهذا لم يثبت؛ إذ كانت أُسرة أبيه وأُسرة أمه قبل مولده تُقيمان في مدينة (سُرَّ من رأى)، ولم يُعرف عن والديه الانتقال إلى أصبهان. ومع ذلك فلقب الأصبهاني عُرف أبو الفرج الأصفهاني به، بل وعُرف به العديد من عائلته كعمِّه الحسن بن محمد الأصفهاني وابن عمه أحمد، وكذلك جده محمد بن أحمد الأصفهاني؛ بالإضافة إلى والد أبي الفرج الأصفهاني فهو الحسين الأصفهاني.
والغالب أن لقب الأصبهاني لقب موروث في الأسرة، أو أن أصول الأسرة من أصبهان، وقد قال الثعالبي في ترجمة أبي الفرج الأصبهاني في يتيمة الدهر: "الأصبهاني الأصل البغدادي المنشأ"، بما قد يدل على أن أصوله هم الذين يُنسبون إلى أصبهان، وهذا وارد أن يُعبَّر بأصل الرجل عن آبائه وأجداده لا يُراد به الشخص نفسه ونسبته.
قال د. محمد أحمد خلف الله: "لم يتحقق لدينا أن أبا الفرج قد ولد بأصبهان، وإنما الذي تحقق أن الأُسر التي كانت ينتسب إليها كانت تُقيم بـسُرَّ من رأى. وتحقق لدينا أن حركات انتقالها كانت بين سُرَّ من رأى وبغداد" (ينظر: صاحب الأغاني أبو الفرج الأصفهاني الراوية، د. محمد أحمد خلف الله - ط. مكتبة الأنجلو المصرية - القاهرة - ط. 1962: 28).
ويُضيف قائلًا: "ولا نستطيع بعد كل ما تقدم أن نعدَّ أصبهان من الحدود المكانية لحياة أبي الفرج، لا من حيث إنه لم يثبت لنا أنه قد وُلد بها فحسب، بل لأنه لم يثبت لنا أيضًا أنه ذهب إليها حتى وهو كبير أو أخذ عن شيوخها وهو صغير، أو صوَّرها صورة فنيَّة وهو أديب" (المصدر السابق).
وقد جاء في دائرة المعارف عن أبي الفرج الأصبهاني أنه كان يعيش عيشة الأديب الجوَّال. يقول د. خلف الله: "المواطن التي زارها أبو الفرج والتي استطعنا أن نُحقق أمر زيارته لها وإقامته فيها تحقيقًا تاريخيًّا لا يشوبه الشك هي: بغداد والكوفة وأنطاكية والبصرة وحصن مهدي. وأن المواطن التي نتوقع زيارته لها من حديثه أو من قرائن الأحوال هي: القادسية وسُرَّ من رأى. أما غير ذلك فلا نقطع فيه برأي" (المصدر السابق، ص 32).
أثر النشأة:
يُنسب أبو الفرج من جهة أبيه إلى أُسرة أموية، من نسل مروان بن الحكم. وقد تعرض الأمويون عامة -بعد زوال الخلافة الأموية وظهور الخلافة العباسية- إلى صور من الاضطهاد لم تقف عند حد تأسيس الدولة العباسية، بل امتدت طوال حكم بني العباس. وهذا ما جعل الأمويين يبتعدون عن المشاركة السياسية خلال الحكم العباسي إلا في الخفاء، ولعل ذلك يُفسِّر: لماذا لم يكن أبو الفرج من رجال الدولة أو الندماء في قصور الخلفاء أو من المؤدِّبين لأبناء الخلفاء. ويوضح ذلك ما كان بين الأمويين والعلويين من الصلة وحُسن الجوار، وهو ما دفع أبا الفرج إلى مصادقة خصوم العباسيين من العلويين والطالبيين، ولعل كان لذلك الأثر في نفس أبي الفرج فكان منه تشيُّعه، وكان منه تأليفه في أول عهده لكتابه مقاتل الطالبيين.
ويُنسب أبو الفرج من جهة أمه إلى آل ثوابة، فجده لأمه هو يحيى بن ثوابة. وقد ذكر أبو الفرج ذلك وكرَّره في العديد من المواطن في كتابه. و"كان آل ثوابة من النصارى، وحين أسلموا أصبحوا من غلاة الشيعة ومن الروافض. وقد ترجم لهم صاحب أعيان الشيعة فيمن ترجم لهم من أعيان هذه الطائفة. وهذا الميل الموروث عمل على تقويته وتنميته تلك الظروف السياسية التي كانت تُحيط بأسرة الأب، وهي الظروف التي دفعتها إلى مصادقة الطالبيين" (المصدر السابق، ص 58).
لقد كانت أُسرة الأُم وراء ميل أبي الفرج إلى التشيُّع وجريه على مذهب الزيدية، وهذا ما يُزيل ما أبداه بعض المؤرخين من التعجب من كون أبي الفرج مروانيًّا وشيعيًّا في نفس الوقت.
أساتذة وشيوخ أبي الفرج:
أساتذة وشيوخ أبي الفرج الذي تأثر بهم وروى عنهم، أو الذين جلس منهم مجلس الطالب كثيرون، وإن تفاوتت تأثيراتهم من القوة والضعف. ولقد كان من ضمن شيوخه مُحدِّثون والعديد من اللغويين ورواة الشعر والأخبار، ولكنه انصرف عن رواية الحديث إلى رواية الأخبار، كما أخذ أبو الفرج عن بعض رجال الأخبار واللغة عن طريق المكاتبات التي تدور بينهم.
واللغويون من شيوخ أبي الفرج ببغداد كثيرون، ذكر منهم العديد في كتابه الأغاني، وقد أخذ أبو الفرج عن كل هؤلاء بصرف النظر عن مذاهبهم اللغوية أو مذاهبهم الدينية أو صلتهم برجال الحكم والسياسة، إذ لم يكن همُّ أبي الفرج في كتابه الأغاني إلا الجمع والاستقصاء والتوسع في الرواية وعرض وجهات النظر المختلفة.
ومن الشخصيات التي سبقت عصر الأصفهاني، ولكنه تأثر بهم فنقل عنهم في كتابه الأغاني وسار على طريقتهم وضربهم:
- شخصية (إسحاق الموصلي): قال د. خلف الله: "إن إسحاق هو الأستاذ الأول لأبي الفرج، وإنه الأستاذ الذي ظهرت آثاره واضحة في حياة أبي الفرج العلمية والفنية، لا من حيث ما أخذ أبو الفرج عنه من أخبار بأية طريقة من الطرق أو بأي إسناد من الأسانيد، ولا من حيث تلك الأخبار الكثيرة التي كانت تدور حول إسحاق من حيث هي مادة من مواد كتاب الأغاني، ففي هذين يستوي إسحاق وغيره، بل من حيث أنه الشخصية التي استهوت أبا الفرج فامتلأ إعجابًا بها حتى دفعته إلى اختيار لون مُعيَّن من العلوم والفنون، ولم تقف المسألة عند حد الاختيار وإنما تعدَّته إلى التأليف والتصنيف، وفي التأليف لم تقف المسألة عند حد المواد التي تُجمع فتُذكر، وإنما تعدَّته إلى التصميم، ونعتقد أن أمر أبي الفرج مع إسحاق لم يقف عند تحويل أجناس الغناء إلى مذهب إسحاق، وإنما كان يجري أبو الفرج على أسلوب إسحاق في العرض" (المصدر السابق، ص 72).
ويذكر د. خلف الله أن طريقة إسحاق: "هي الماثلة أمامنا في كتاب الأغاني، وأنها الدستور الذي جرى عليه أبو الفرج في اختيار الأصوات والشعراء والمُغنِّين، وإن الذي دفع أبا الفرج إلى أن يذكر الأجناس على مذهب إسحاق هو الذي جعله يجري في التأليف وأسلوب العرض على مذهب إسحاق أيضًا، وليس ذلك فيما نرى إلا الإعجاب بتلك الشخصية التي تعاون في رسمها الواقع والخيال" (المصدر السابق، ص 73).
- شخصية (أبي العباس عبد الله بن المعتز بالله): وقد أثر فيه بنفس الوسيلة التي أثر فيه بها إسحاق الموصلي وهي الكتب. وكان لقرب عهد عبد الله بن المعتز بعصر أبي الفرج وقوة علم عبد الله بصناعة الموسيقى والكلام على النغم وعِلَلها أثره في قوة عاطفة أبي الفرج تجاهه، فكان عنده الشخصية التالية لشخصية إسحاق الموصلي في شدة الإعجاب وتقليده ومحاكاته، خاصة وأن أبا الفرج قد ألَّف أيضًا في النغم وعِلَلها، لذا جعل أبو الفرج مرويَّات ابن المعتز وأقواله مصدرًا مهمًّا من مصادره، فينقل من كتبه أخبارًا ويروي أحكامه في الغناء والمُغنِّين.
- شخصية أبي تمام: فقد بدأ أبو الفرج بتقليد أبي تمام والجري على مذهبه في البديع أو في المجانَس، لكنه لم يَمضِ في تقليده إلى النهاية، وإنما انصرف عن تقليده بعد جولات لم تستمر.
- شخصية عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: فقد أُعجِب أبو الفرج بكتاب ابن طاهر الآداب الرفيعة الذي ألَّفه في النغم وعِلَل الأغاني، واستفاد منه حين كتب في هذه الأشياء.
قال د. خلف الله: "وليس من شك أن الاعتماد على الكتب لا يدع الشخص يحرص على صحبة الأحياء، ولعله يجعله يبحث عن مثله الأعلى في واحد من أصحاب هذه الكتب، وهو الذي رأيناه من أبي الفرج حين أوضحنا أن أساتذته الحقيقيين كانوا من الأموات، كانوا: إسحاق الموصلي وعبد الله بن المعتز. ولعل السر في هذا -لا سيما في بيئة تكثر فيها العناصر المختلفة المتنازعة كبغداد- أن الصور التي يرسمها الخيال للأموات تكون أكمل وأجمل وأكثر نفوذًا وأقوى إيحاء من تلك التي يرسمها الواقع" (المصدر السابق، ص 164).
ومن الشخصيات الذين عاصرهم أبو الفرج وأخذ عنهم:
- شخصية جَحْظَة البرمكي: وهو أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك، عُرف بتنوُّع ثقافته وألوان معارفه، فكان أديبًا شاعرًا وإخباريًّا كثير الرواية للأخبار ومن حُذَّاق المُغنِّين، كما كان يُعلِّم الجواري الموسيقى والغناء. وقد اعتنى أبو الفرج بتدوين أخبار جَحْظَة وجمع أشعاره وترجم له في كتاب خاص هو كتاب أخبار جَحْظَة البرمكي. وقد لقي أبو الفرج جَحْظَة وجلس منه مجلس الطالب من الشيخ فكانت بينهما صداقة قوية، كان فيها جَحْظَة قدوة أبي الفرج في حياة اللهو.
- شخصية محمد بن العباس اليزيدي: الذي كان أبو الفرج يُحسن الرأي فيه، وحمل عنه علمًا جمًّا.
- شخصية محمد بن الحسين الكندي: وهو من مشايخه الكوفيين ومن المؤدِّبين، كان أبو الفرج يُكنُّ له الاحترام والتقدير.
- شخصية أحمد بن عبيد الله بن عمَّار: وله كتاب يتفق في اسمه وموضوعه مع كتاب مقاتل الطالبيين لأبي الفرج، وليس من المستبعد أن يكون أبو الفرج قد صنَّف كتابه هذا تقليدًا لشيخه وجريًا على هَدْيه.
أصدقاء الأصفهاني ومخالطوه:
ومن خلالهم نتعرَّف على نفسية أبي الفرج وخُلُقه الشخصي ومزاجه الفني؛ فقد كان أبو الفرج يجتمع بهم عند الوزير المهلَّبي، فيقص عليهم أبو الفرج الأخبار والنوادر، ويحكي لهم القصص.
ومن أشهرهم:
- الحسن بن محمد المهلَّبي وزير معز الدولة البويهي: كان أبو الفرج مُنقطعًا إلى المهلَّبي كثير المدح له، وكان المهلَّبي من الأدباء الذين يقولون الشعر ويكتبون النثر، ومع وصوله إلى الوزارة وكونه من الأغنياء الموسرين أكثر من طلب اللذائذ، فكان يجمع العلماء والكُتَّاب والأدباء والندماء على موائده فيُكثر من الحديث وأكثره مُذاكَرة بالأدب، ويتَبسَّط في المزاح إلى أبعد غاية. "والأخبار التي يسردها المهلَّبي نفسه والأشعار التي يستعين بها أصحابها على قضاء حوائجهم تحمل هي الأخرى طابع تلك الشخصية المستهترة والشخصية الماجنة العابثة؛ شخصية المهلَّبي. ولقد كان من دأب الرجل أن يُكثر من الحديث على الطعام، وأن يُكثر المزح في الخلوات" (المصدر السابق، ص 91).
- التنوخي: وهو أبو القاسم علي بن محمد بن داود بن فَهم، والذي كان من أعيان أهل العلم، وكان يعدُّه المهلَّبي وغيره ريحانة الندماء؛ إذ إنه كان صورة أخرى من المهلَّبي، فكان في جملة القضاة الذين ينادمون المهلَّبي ويجتمعون عنده في الأسبوع ليلتين على إطراح الحشمة والتَبسُّط في الخلاعة.
- الإيذجي: وهو من القضاة أيضًا الذين كانت تجمعهم مجالس المهلَّبي للسَّمر، والتي يُعجبها من القصص ما يُثير الانفعال ويرضي الغرائز والعواطف.
فهذه صورة المجتمع الصغير القريب الذي كان يعيش فيه أبو الفرج، ومنه توجه مزاجه نحو الفن اللاهي العابث.
ثقافة أبي الفرج الغنائية:
ثقافة أبي الفرج الغنائية قد استمدَّها من كتب كثيرة قرأها وألمَّ بها وذكرها في مواطن كثيرة من كتابه الأغاني، وكذلك قد استمدَّها من رحاب قصور الخلفاء والوزراء، وكذلك من دور الأغنياء والموسرين ومن دور الذين اتخذوا من تربية القِيان والغِلمان وتربية المُغنِّين والمُغنِّيات مهنة وصناعة.
وثقافة أبي الفرج الغنائية واضحة من اهتمامه بهذا اللون الفني وتأليفه فيه، و"له رسائل أخرى في النغم وعِلَلها، وفي مسائل الأصابع، وقد بسط هو -كما يقول- هذه المسائل بسطًا لا تحتاج بعده إلى مزيد من العناية" (المصدر السابق، ص 157، نقلًا عن كتاب الأغاني).
حياة أبي الفرج المعيشية:
كان أبو الفرج يسكن في بغداد في دار يمتلكها تقع على نهر دجلة، في مكان متوسط بين درب سليمان ودرب دجلة. ودرب سليمان هو الدرب الذي يُنسب إلى سليمان بن أبي جعفر المنصور، وهو بالجانب الغربي من بغداد. وكان قصر سليمان يقع في هذا الدرب قُبالة رأس الجسر، ومن هنا سُمي الدرب باسمه. وكان لأبي الفرج غلام يقوم بخدمته. وكان في شيء من السعة واليُسر، وكان أصدقاؤه من العلماء والكُتَّاب يزورونه في داره.
قال د. خلف الله: "لم يكن أبو الفرج بالرجل المتزمت، وإنما كان من اللاهين العابثين؛ ذلك الأمر يدل عليه شعره، ويدل عليه نثره، ويفسره صحبته للقوم الماجنين. كان أبو الفرج يشرب الخمر ويحب الغلمان ويحيا حياة المستهترين، ويصف مجالسه تلك شعرًا مرة ونثرًا أخرى" (المصدر السابق، ص 183).
مذهب أبي الفرج الديني:
كان أبو الفرج من الشيعة الزيدية، مع كونه أسرة أبيه مروانية أموية، فابن الأثير يذكر عنه -وهو يقص أحداث سنة ست وخمسين وثلاثمائة- ما يلي: "وفيها توفي أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد بن أحمد الأصبهاني الأموي، وهو من ولد محمد بن مروان بن الحكم الأموي، وكان شيعيًّا، وهذا من العجب" (المصدر السابق، ص 179- 180). وقد ورث أبو الفرج هذا التشيع من أسرة أمه كما ذكرنا من قبل. وقد ألَّف أبو الفرج كتابه مقاتل الطالبيين عن نزعة شيعية، وقد روى عن الطالبيين أخبارًا في كتاب الأغاني، كما روى عن المتشيِّعين كثيرًا من الأخبار.
الجانب الأخلاقي عند أبي الفرج:
قال د. خلف الله عن أخلاقيات أبي الفرج: "قال ابن الجوزي في ترجمته لأبي الفرج: "وكان يتشيع، ومثله لا يُوثَق برواياته؛ فإنه يُصرِّح في كتبه بما يُوجِب الفسق، ويُهوِّن شُرب الخمر، وربما حكى ذلك عن نفسه" (المصدر السابق، ص 190).
ويُعلِّق د. خلف الله قائلًا: "والتيارات الخُلُقية من حياة أبي الفرج تتفق وما أجمله صاحب المنتظَم (يعني ابن الجوزي). ومن هنا لا نختلف وإياه في شيء، لا سيما وقد عرفنا الكثير مما يتصل بهذه التيارات: من أن أبا الفرج لم يكن بالمتدين، ومن الأجواء التي كان يعيش فيها من جوِّ أستاذه وصديقه جَحْظَة، إلى جوِّ المهلَّبي ومن لفَّ لَفَّه من أمثال القاضي الإيذجي والقاضي التنوخي، أولئك الذين يحيون حياتين، ظاهر: فيه الطهر والعفاف، وباطن: فيه الفسق والفجور، كانت -على ما رأينا- أجواء فاجرة، وأنها تدفعنا إلى التسليم بأن أبا الفرج كان من الذين يتخلَّعون -من الخلاعة- ويتَهَتَّكون، من الذين يشربون الخمر" (المصدر السابق، ص 190 بتصرف يسير).
وأضاف أيضًا: "وأبو الفرج في عُرف المؤرخين حديد، سريع الغضب، بذيء اللسان، يغضب لأتفه الأشياء، ويضيق من أيسر الأمور، ويُطلق لسانه فيمن يَستثير منه الغضب حتى ولو كان من أوفى الأوفياء وأخلص الأصدقاء" (المصدر السابق، ص 191).
"إن الأهواء الشخصية لأبي الفرج يجب أن تُتَحسَّس عند قراءة مروياته كما تُتَحسَّس الأهواء الدينية والسياسية ويُبحث عنهما كما يُبحث عن أثر المادة والمال، فكلها عوامل مؤثرة وبينة الأثر واضحة المعالم، لا من حيث أبو الفرج فقط وإنما من حيث كل مؤرخ أو راوية" (المصدر السابق، ص 200).
عداء أبي الفرج لخلفاء الدولة العباسية:
حمل أبو الفرج العداء للدولة العباسية، وإنما صدر منه هذا العداء: "عن عاملين مهمَّين: عصبية أموية، وتشيُّع علوي، وبعبارة أخرى أخصر وأدق إنما يصدر عن جوٍّ عائلي يُلقِّنه هذه العداوة ويَبثُّ في نفسه شيئًا غير قليل من الكراهية" (المصدر السابق، ص 186)، فقد كان والد أبي الفرج من أسرة أموية في عداء مع العباسيين، وكانت والدة أبي الفرج من أسرة شيعية تكره العباسيين الذين يضطهدون الطالبيين.
قال د. خلف الله: "ومن هنا نشأ وفي نفسه العداوة والكراهية. ولم يستطع أبو الفرج إظهار هذا العداء في صراحة وقوة؛ لأن مركزه ومركز العائلة أضعف من أن يُمكِّنه من هذا الإظهار، ومن هنا احتفظ بسره وكتم عواطفه وحال بينها وبين الظهور إلا في الفَلَتات" (المصدر السابق، ص 186).

المصادر التي استقى منها أبو الفرج كتابه:
نقل أبو الفرج ما كتبه في الأغاني عن مصدرين كبيرين؛ هما: الكتب والرجال. "وكثرة الكتب التي يَصدر عنها أبو الفرج وكثرة النصوص التي يأخذها من بعض هذه الكتب تُؤذِن لنا بأنه في هذا العصر قد بدأ الكتاب يَزحم الشيخ ويحاول أن يَحلَّ محله في الرواية أو في الأداء. ولقد فَطِن ابن النديم -وهو المعاصر لأبي الفرج- هذه الظاهرة من حياة أبي الفرج العلمية، وأشار عند ترجمته له إلى أن أكثر مروياته إنما أُخذت عن الكتب ولم تُؤخذ عن الرجال" (المصدر السابق، ص 261).
إن الكتب "التي يعتمد عليها أبو الفرج ليست كلها من الأصول الجياد أو الكتب الأمهات. وإن هؤلاء الرجال الذين يُكثر من الأخذ عنهم، ليسوا جميعًا من الرواة الممتازين أو من الشيوخ الكبار" (المصدر السابق، ص 262).
وكان أبو الفرج الأصبهاني يدخل سوق الورَّاقين وهي عامرة والدكاكين مملوءة بالكتب فيشتري شيئًا من الصحف يَحملها إلى بيته، ثم تكون رواياته كلها منها "ولعله من هنا عاب بعضهم أبا الفرج بأنه ينسخ من الكتب ويأخذ عن الورَّاقين" (المصدر السابق، ص 293).
"أما مسألة الشيوخ: فيَظهر لنا أن أبا الفرج كان يأخذ عنهم دون أن يشترط في ذلك شروطًا مُعيَّنة بخاصة عندما ينفردون بلون من الأقاصيص والأخبار. وليس ذلك إلا لأنه كان يقصد إلى الجمع، جمع كل ما قيل، ولو كان من المصنوعات والأكاذيب، يقصد إليه لا لأنه راوية والعمل الأول للرواة هو الجمع، بل لأنه كان يقصد في بعض كتبه أو بعض مروياته إلى الإمتاع والمؤانسة. وقد يكون في الأكاذيب ما يمتع، وفي المصنوعات ما يُؤنس ويُدخل السرور إلى القلوب. ومن هنا كان يأخذ أبو الفرج عن الكَذَبة الوضَّاعين وعن غير الضابطين" (المصدر السابق، ص 295- 296).
ومن أمثلة ذلك في كتاب الأغاني: أخذ أبو الفرج عن محمد بن مزيد بن أبي الأزهر، وقد كان كذَّابًا قبيح الكذب ظاهره. وأخذه عن الباغندي وقد كان مُدلِّسًا. وأخذه عن أحمد بن محمد بن سعيد وقد ضعَّفوه، واتهمه بعضهم بالكذب. وأخذه عن أحمد بن جعفر جَحْظَة، وقد اتهمه أبو الفرج نفسه بوضع النوادر. وأخذه عن الصُّولي وقد كان ينقل الكتب ويَنتحلها. ويأخذ عن ابن دُرَيد وقد كان إخوانه ينصرفون عنه لكثرة تخليطه من شدة السُّكر. وينقل عن كتاب حَبَشي وهو الذي يقول عنه في بعض المواطن إنه رجل لا يُحصِّل ما يقوله ويرويه (راجع المصدر السابق، ص 296- 297).
وإن كان هناك من كلمة ننصح بها قارئ كتاب الأغاني: "فهي أنه يجب أن يضع نصب عينيه دائمًا أن تطبيق أبي الفرج لأساليب المحدِّثين في روايته للأخبار لا يعني دائمًا أن أبا الفرج يصنع ذلك ليضع بين يدي القارئ لكتبه أنواعًا من السلاسل وألوانًا من الأسانيد يستطيع أن يُفاضل بينها حتى يصل إلى الحقيقة. فأبو الفرج إنما يفعل ذلك؛ لأن هذه كانت التقاليد التي كان يجري عليها بعض الرواة، وهي التقاليد التي جاءته من اشتغاله أول عهده بالحياة برواية الحديث.
ويقف أبو الفرج من كل هذا عند هذا الحد. وليس أدل على ذلك من أنه يروي النوادر المصنوعة على طُرُق المحدِّثين مع إيمانه بأنها نادرة مصنوعة، يُقصد منها إلى الإضحاك وإلى الإمتاع والمؤانسة" (المصدر السابق، ص 288).
للاستزادة: راجع (صاحب الأغاني أبو الفرج الأصفهاني الراوية)، للدكتور محمد أحمد خلف الله.
وللحديثة بقية -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 11-12-2025, 10:00 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,650
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني.. راوٍ ماجنٌ وليس بمؤرخ مدقق

الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني.. رَاوٍ ماجن وليس بمؤرخ مدقق (3-3) صور من تجاوزات كتاب الأغاني



كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد استمر كتاب الأغاني لقرون ولأجيال مرجعًا لأهل الأخبار والروايات الأدبية والقصص والحكايات، والشعر وقصائد الغناء، وذاع صيته بين العرب والعجم؛ وذلك لكونه مَصْدرًا واسع الأرجاء غزير المادة كثير الأمثال، يلبي ويستوفي حاجة الكثيرين من طالبي الشعر والأدب والباحثين عن المتعة والتسلية والمؤانسة؛ فقد بذل كاتبه جهدًا كبيرًا حتى حشد وجمع في كتابه هذا -الذي بلغ بضعة وعشرين مجلدًا (24 مجلدًا)- كل ما هو متداول في عصره بين الناس من روايات أدبية وشعر وغناء وقصص وحكايات، حتى صار كتابه يغني عن غيره، وغيره لا يغني عنه، وصار له عشاق ومحبون عبر العصور.
وقد عمد الأصفهاني في كتابه إلى استقصاء كل خبر بجمع معظم رواياته؛ حرصًا منه على أن ينقل كل ما وصل إليه وعلمه، ليقدم للقراء عطاءً شاملًا في الأدب؛ لذا كان الكتاب ملاذًا لكل من يلجأ إليه من طالب الأدب والمتعة.
ورغم هذه المكانة التي بلغها كتاب الأغاني؛ إلا أنه يجب الانتباه إلى -والتحذير من- سقطات كاتبه وتجاوزاته بما رواه من مرويات وأخبار مكذوبة وموضوعة؛ خاصة في حق شخصيات وأفراد اتفق المؤرخون على حسن سيرتهم ونزاهتهم وهو على علم بحالها، بما يجر إلى مفاسد جمة وفساد مستطير، كفيلة بسقوط مكانة الكتاب من نفوس الأدباء، وضعف ثقة العلماء فيه، ويوجب عليهم التحذير من سقطاته وفلتاته.
ونظرًا لضخامة الكتاب، فسنقتصر على ذكر بعض تجاوزات الأصفهاني في حق بعض الصحابة وأهل البيت وفي حق بعض الخلفاء، الذين يعد تشويه سيرتهم أو التشنيع عليهم من تشويه تاريخ الأمة.
تجاوزات في حق جيل الصحابة:
لم يسلم جيل الصحابة -رضي الله عنهم- من تجاوزات كتاب الأغاني، ومنهم:
تجاوز في حق حسان بن ثابت -رضي الله عنه-:
ذكر أبو الفرج في الأغاني بسنده أن حسان بن ثابت -رضي الله عنه- حضر مأدبة في آل نبيط (بني نبيط)، فلما فرغوا من الطعام أتوا بجاريتين، إحداهما تسمى: (رائقة)، والأخرى تسمى: (عزة)، فجلستا وأخذتا مزهريهما، وضربتا ضرْبًا عجيبًا غنتا بشعر لحسان، فدمعت عيناه، فكان إذا سكتتا سكت عن البكاء، وإذا غنتا بكى. وهذا الخبر يبين (أن هذا الصحابي الجليل لم يكن مُلْتَزِمًا ذلك الالتزام الذي يبعده عن مجالس الهوى. فيظهر لنا في هذا الخبر متسامحا بعض الشيء بمجالس الهوى)، (فكيف يستقيم لنا أن مثل هذا الصحابي الذي أيده الله بروح القدس -جبريل- أن يرتاد في أواخر حياته مجالس اللهو والسمر، وينصت إلى غناء المغنيات، ويسترسل في جلوسه وهو يسمع الغناء، ويتأثر بأصوات المغنيات حتى تذرف عيناه؛ مثل هذا الخبر لا يليق بقدر هذا الصحابي الجليل) (ينظر: جولة في آفاق الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، تأليف نذير محمد مكتبي - ط. دار البشائر الإسلامية - بيروت - ط. أولى 1410 هجريا - 1990م، 83 - 85 بتصرف). والخبر في سنده (الواقدي) وهو متفق على ضعفه، متروك الحديث، ليس بثقة، بل هو كذاب عند بعض أئمة الحديث. (فلا ريب في أن تضعيف هذا الخبر من حيث سنده ووروده مؤذن برده، واحتمال كونه من أكاذيب الواقدي التي تسربت إلى أبي الفرج وغيره من كتب الأخبار والسير) (راجع المصدر السابق، ص 85 - 86).
تجاوز في حق عمر بن الخطاب:
أورد أبو الفرج في الصفحة الرابعة من الجزء الرابع عشر من كتاب الأغاني أنه لما أسلم جبلة بن الأيهم الغساني، وكان من ملوك آل جفنة، كتب إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يستأذنه في القدوم عليه، فأذن له عمر، فخرج إليه في خمس مائة من أهل بيته، حتى إذا كان على مرحلتين كتب إلى عمر يعلمه بقدومه، فسر عمر، وأمر الناس باستقباله، وبعث إليه بأنزال. وأمر جبلة مائتي رجل من أصحابه فلبسوا السلاح والحرير، وركبوا الخيول معقودة أذنابها، وألبسوها قلائد الذهب والفضة، ولبس (جبلة) تاجه، ودخل المدينة، فلم يبق بها بكر ولا عانس إلا تبرجت، وخرجت تنظر إليه وإلى زيه، فلما انتهى إلى عمر رحب به وألطفه وأدنى مجلسه... إلى آخر الخبر.
و(نحن لا نستغرب أن يأمر خليفة المسلمين عمر الناس بالخروج لاستقبال جبلة بن الأيهم؛ وذلك تأليفا وطمعا في إيمانه، فهو ملك، وقد روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أنزلوا الناس منازلهم"، ولكن نستغرب أن تخرج النساء متزينات لاستقباله مع الرجال، ويزيدنا غرابة: أن يختار راوي الخبر من النساء البكر والعانس، فهن اللواتي أخذن كامل الزينة وخرجن لينظرن إلى جبلة، ويتأملن زيه!)، ونستغرب في عهد عمر بن الخطاب أن تخرج النساء ذلك الخروج الذي تجاوزن فيه حدود آداب الدين الحنيف، ولا تتحرجن من الاختلاط وهن متبرجات، وإذا قرأنا سيرة عمر في خلافته ومدى تطبيقه لتعاليم الدين وتنفيذه لأحكام شريعة الله، نستبعد صحة هذا الخبر.
(ولنا في خبر نصر بن حجاج شاهد على ما نقول، فقد جاء من أمره أنه كان جميلًا ذا فتنة في وجهه، فقالت إحدى نساء المدينة:
يا ليت شعري عن نفسي أزاهقة مني ولم أقض ما فيها من الحاج؟
هل من سبيل إلى خمر فأشربها أم من سبـيـل إلى نـصـر بن حجاج
وسمع البيتين أمير المؤمنين عمر، فقال: لا أرى رجلًا في المدينة تهتف به العواتق في خدورهن، وطلبه فجاء، فأمر به فحلق شعر رأسه، ثم نفاه إلى البصرة)، (ولما قتل عمر -رضي الله عنه- عاد نصر إلى المدينة)، (فنفي رجل من المدينة لا ذنب له إلا أنه جميل الوجه، ولكن جماله يفتن النساء، دليل قاطع على رفض كل خبر يقول بظهور التفلت والتبرج على الرغم من شدة أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه-) (راجع المصدر السابق، ص 86 - 91 بتصرف).
تجاوز في حق ابنة الحسين:
أورد الأصفهاني في الأغاني خبَرًا عن تحاكم السيدة سكينة بنت الحسين -رضي الله عنهما- من أهل البيت وضرتها عائشة بنت طلحة إلى الشاعر عمر بن أبي ربيعة، إذ طلبتا منه أن يقضي بينهما أيتهما أجمل! و(لا نتصور امرأة كسكينة بنت الحسين المشهود لها بالصلاح والعلم، وحسن الأخلاق وسلامة الدين يمكن أن تتصرف كهذا التصرف المتهتك!)؛ خاصة وأن عمر بن أبي ربيعة -كما هو معروف عنه- شاعر متهتك.
قال ابن خلكان في الجزء الثالث من كتابه وفيات الأعيان في ترجمة عمر بن أبي ربيعة: (وهو كثير الغزل والنوادر والوقائع والمجون والخلاعة، وله في ذلك حكايات مشهورة)، فـ(نجد من الواجب علينا أن ننزه السيدة سكينة بنت الحسين عن مثل هذا الخبر الشنيع المسقط لقدرها، والمحطم لمنزلتها في ميزان الفضليات من النساء). ويزيد من تضعيف الخبر وجود مجهول في سنده، ففي السند: (قال الزبير: وحدثني عمي، عن ابن الماجشون، قال: ... ثم ذكر الخبر)، (و(لا ننكر الثقة بالزبير بن بكار ولا بابن الماجشون، ولكن جهلنا بعم الزبير، وعدم معرفتنا اسمه وجهلنا بحقيقته تجعلنا لا نثق بهذا الخبر ونقول بضعفه) (راجع المصدر السابق، ص 103 - 106).
تجاوزات في حق الخلفاء العباسيين:
تجاوز في حق الخليفة العباسي المهدي:
أورد الأصفهاني في الصفحة 142 من الجزء الخامس من الأغاني بسنده أن الخليفة المهدي أعطى دحمان في ليلة واحدة خمسين ألف دينار، وذلك أن دحمان غنى له من شعر الأحوص ما أعجبه وطرب له. والمعروف من سيرة المهدي ملاحقة المتعهرين والإصغاء إلى مواعظ الصالحين من أمثال مالك بن دينار -رحمه الله-؛ فكيف يصدر عنه هذا التبديد الفاحش والتبذير الضخم من أموال الأمة المؤتمن عليها في سبيل أغنية سمعها من مغن أعجبه صوته أو ألحانه. (راجع المصدر السابق، ص 8 - 9).
تجاوزات في حق الخليفة هارون الرشيد:
أورد الأصفهاني في صفحة 88 من الجزء التاسع من كتاب الأغاني أن الخليفة هارون الرشيد بن المهدي طرب ذات يوم لغناء الجواري له بقصيدة غزلية، فأمر بألا يبقى في بيت المال درهم إلا نثر، فكان مبلغ ما نثر يومئذ ستة آلاف ألف درهم، وما سمع بمثل ذلك اليوم قط.
فهل يستقيم لعاقل أن يصدق هذا الخبر الذي يظهر فيه خليفة المسلمين هارون الرشيد يبذخ كل هذا البذخ مستهترا بأموال الخلافة إلى هذا الحد، فينثر كل ما في بيت مال المسلمين جملة واحدة وفي يوم واحد على حاشيته وندمائه؛ لأنه طرب لغناء جواريه بقصيدة غزلية. (راجع المصدر السابق، ص 9 - 11).
وأورد الأصفهاني في الصفحة 159 من الجزء الثالث من الأغاني خبَرًا مفاده أنه جبي لهارون الرشيد مال عظيم من بقايا الخراج، فأمر بصرفه كله إلى بعض جواريه حتى استعظم الناس ذلك وتحدثوا به، وهذا ينافي ما عرف عن الرشيد؛ فكيف يبدد مال الأمة في مثل هذا البذخ؟!
ويزيد من رد هذا الخبر قول الأصفهاني في مطلع سند الخبر: (ونسخت من كتاب هارون بن علي)، وعلماء الإسناد يحكمون بضعف مثل هذا الخبر (لأن النسخ من الكتب) -كتب الوراقين في زمانهم- (ليس دليلًا على يقين العلم، بل هو دليل على الوهن والضعف؛ ذلك أن الكتاب قد يطرأ عليه تحريف وتبديل في عبارة أو جملة، أو يتعرض إلى زيادة كلمة أو نقص أخرى أو غموض عبارة أو انطماس حرف، ويرجع هذا إما إلى عامل الزمن المؤثر في ورق الكتاب، وإما إلى غفلة الناسخ وسهوه عن جملة أو سطر كامل، أو غفلة للمؤلف نفسه)؛ (لهذا فإن من اعتمد الكتب فنقل منها وأعرض عن التلقي قراءة أو سماعًا من العلماء ضعفت الثقة بعلمه ونقله، لما قدمناه من أسباب، وأنه لا يزيد على أن يكون وراقا يقرأ كل ما يصل إليه دون أن يميز الخبيث من الطيب).
(وعندما تناول علماء مصطلح الحديث ودرسوا الأسانيد وموضوع الرواية عن طريق الوجادة والنسخ من الكتب، قيدوا صحة النقل من هذه الطريق بقيود، ووضعوا لها بعض الشروط والحدود التي تستوجب الثقة بالمنقول، والاطمئنان إلى العلم به، فقالوا: وإذا نقل شيئًا من تصنيف فلا يقل: (قال فلان) بصيغة الجزم؛ إلا إذا وثق بصحة النسخة بأن قوبلت على أصل المصنف أو على نسخة مقابلة بالأصل، فإن لم يكن شيء من ذلك فليقل: بلغني عن فلان، أو وجدت في نسخة من كتابه، ونحو ذلك بدون جزم. قال النووي -رحمه الله-: (وتسامح أكثر الناس في هذه الأعصار بالجزم في ذلك من غير تحر، والصواب ما ذكرناه. فإن كان المطلع متقنا لا يخفى عليه الساقط أو المغير، رجونا جواز الجزم له، وإلى هذا استروح كثير من المصنفين في نقلهم).
وننبه هنا إلى أن عملية الطباعة في زماننا أكثر دقة وإحكاما مما كان عليه نسخ الوراقين في الماضي، فهم (كانوا يعتمدون على النسخ باليد، التي تتعرض إلى التعب والقلق والشرود أحيانًا، والتأثر بالمؤثرات والعوامل الخارجية أو الداخلية النفسية بالنسبة للناسخ. ومهما كان الناسخ دقيقا فإنه إذا لم يراجع ما نسخه مرات ويقابله بالأصل يبقى في حيز احتمال الثقة فيما نقل لا في يقينها. وأما الطباعة فهي وسيلة دقيقة ومضمونة في نسخ الكتاب، ولا تخضع للأعراض المؤثرات التي تتعرض لها نفس الناسخ، إضافة إلى أن النسخة المطبوعة تخضع لعملية تمحيص وتهذيب وتنقيح عدة مرات قبل أن يستقر تمام عملية الطبع وإصدار النسخ. وهذا ما يسمى بالتصحيح)، (نعم قد تقع بعض الأخطاء المطبعية في الكتاب المطبوع، ولكن هذه الأخطاء ليست بشيء إذا ما قيست بتلك الأخطاء التي كان يقع فيها الناسخون، ثم يتناقلها من بعدهم لتثبت في الأصل كجزء منه، كما أن الخطأ المطبعي يصحح في تعدد الطبعات؛ إذ يرجع في كل طبعة إلى نسخ الأصول، ويقابل فيما بينها، أما هناك فالأمر يختلف؛ إذ يبقى الخطأ نفسه مستمرا في بقية النسخ التي تأتي تباعا؛ لأنها تعتمد على النسخة التي وقع فيها الخطأ) (راجع المصدر السابق، ص 11 - 17).
وذكر الأصفهاني في صفحة 80 من الجزء الخامس عشر من كتابه أن الرشيد وهب لوصيفه (حمويه) جارية اسمها (ذات الخال) وكان قد اشتراها بسبعين ألف درهم، فلما اشتاق بعد فترة من جديد لسماع غنائها، ذهب إليها عند وصيفه، فاشترى جواهر قيمتها اثنا عشر ألف دينار ووهبها لها، وحلف ألا تسأله في يومه حاجة إلا قضاها، فسألته أن يولي وصيفه (حمويه) الحرب والخراج بفارس سبع سنين، ففعل ذلك، وكتب له عهْدًا بذلك.
فـ(في هذا الخبر لا يبدو الرشيد مبذرًا للمال فحسب، بل إنه يبدو مستهترًا بوظائف الدولة، فيجعل المناصب خاضعة لرأي الجواري وشهواتهن). (ولكن التاريخ أخبرنا أن الرشيد ثبت سلطانه قويًّا في الخلافة مدة يعتبرها المؤرخون من أبرز عهود الخلافة الإسلامية تقدمًا ورقيًّا وازدهارًا، إذ غدا عصر الرشيد العصر الذهبي في تاريخ العرب والمسلمين) (راجع المصدر السابق، ص 17 - 19).
دفاع واجب عن هارون الرشيد:
لقد كانت مجالس هارون الرشيد تضم كبار الفقهاء والقراء والأدباء والشعراء واللغويين، وتجري فيها المباحثات والمناقشات العلمية، وكان الرشيد يصغي إليها بعقل راجح ورأي سديد وذكاء مرهف. وكان يحسن رعاية العلماء والفقهاء واللغويين، فظهر في عهده علماء أجلاء من أمثال الشافعي والقاضي أبي يوسف والكسائي والأصمعي -رحمهم الله- وغيرهم من فحول العلماء. وكان كثير الصلاة وتعلم الحديث، وقد روى عددًا من الأحاديث النبوية، وكان كثير الصلاة والحج والجهاد، فكان يحج عامًا ويغزو عامًا، ويتتبع أثر الوعاظ: كالفضيل بن عياض وابن السماك -رحمهما الله- وغيرهما، فيصغي إليهم بعين دامعة، فمن كان هذا حاله وتلك محامده وهذه تلك إدارته للدولة، فكيف ينكب على الدنيا وشهواتها ويستهين بحدود الدين.
قال ابن خلدون في مقدمته دفاعًا عن هارون الرشيد: (وأين هذا من حال الرشيد وقيامه بما يجب لمنصب الخلافة من الدين والعدالة، وما كان عليه من صحبة العلماء والأولياء ومحاوراته للفضيل بن عياض وابن السماك والعمري -رحمهم الله-، ومكاتبته سفيان الثوري -رحمه الله-، وبكائه من مواعظهم، ودعائه بمكة في طوافه، وما كان عليه من العبادة والمحافظة على أوقات الصلوات وشهود الصبح لأول وقتها)، وهو الذي أشار على الإمام مالك -رحمه الله- بتأليف كتاب (الموطأ). و(حكى الطبري -رحمه الله- وغيره أنه كان يصلي في كل يوم مائة ركعة نافلة، وكان يغزو عامًا ويحج عامًا). (ولقد ثبت عنه أنه عهد بحبس أبي نواس لما بلغه من انهماكه في المعاقرة حتى تاب وأقلع) (راجع المصدر السابق، ص 55 - 58 نقْلًا عن ابن خلدون في مقدمته بتصرف).
وقال ابن خلدون أيضًا في دفاعه عن الرشيد بشأن الخمر: (إنما كان النبيذ، ولم يكن محظورًا عندهم، وأما السكر فليس من شأنهم). والنبيذ: هو أن يؤخذ شيء من الزبيب أو التمر ويطرح في ماء، ثم يترك مدة فيتحلل ويذوب في الماء، فإن غلى وقذف بالزبد صار مسكرًا، وإلا فيبقى شرابًا عاديًا لا أثر له مسكرًا.
قال ابن خلدون: (وإنما كان الرشيد يشرب نبيذ التمر على مذهب أهل العراق وفتاويهم فيها معروفة، وأما الخمر فلا سبيل إلى اتهامه بها، ولا تقليد الأخبار الواهية منها) (المصدر السابق، ص 73، نقْلًا عن ابن خلدون). وجاء في كتاب الأشربة لابن قتيبة: (وأما النبيذ فاختلفوا في معناه، فقال قوم: هو ماء الزبيب وماء التمر من قبل أن يغليا) (المصدر السابق، ص 73).
(وإن كان قد وردت بعض الأخبار الصحيحة في حبه للغناء واللهو فهي مبالغ فيها، ولا تمثل الواقع الصحيح لحياة الرشيد) (المصدر السابق، ص 24).
وبالجملة: (أيمكن لشهوات الحياة وزينة الدنيا إذا انفتحت على إنسان فأقبل عليها شغفًا، أن تصنع منه عالمًا فذًّا وفارسًا بطلًا وعابدًا صالحًا؟!)، (والدين لم يحرم على الإنسان التمتع بزينة الحياة الدنيا ما دام لا يتعدى بذلك حدود الله ويخالف آداب الدين الحنيف؛ فإن اتهم بعض خلفاء بني أمية وبني العباس بالتمتع بالجواري الروميات وغيرهن فالدين لم يحرم ذلك، بل أباحه؛ لقوله -تعالى-: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) (النساء: 3)، (وإن اتُّهِمُوا بالأكل والشُّرب من الطيب اللذيذ والفاخر الجميل فقد أباح الدِّينُ ذلك؛ لقوله -تعالى-: (كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا) (البقرة: 168).
وأما الشراب فلم يكن الخمر، ولم يثبت عن واحد منهم أنه شرب الخمر أو أسرف في شربها، اللهم إلا الوليد بن يزيد والأمين بن الرشيد، فهْمًا الخليفتان الوحيدان اللذان كثرت الروايات عن معاقرتهما الخمر وإسرافهما في شربها، ومعظم هذه الروايات مكذوب مختلق) (المصدر السابق، ص 65)، (وإن اتهموا بكثرة الإنفاق فما في ذلك من عيب، بل الإنفاق فضيلة ما دام يجري وفق تعاليم الدين الحنيف وآدابه. وقد جاء في سير أولئك الخلفاء أنهم كانوا ينفقون من الأموال على العلماء والأدباء).
(وأما ما جاء عنهم في أخبار تبذيرهم وإسرافهم في صرف الأموال في غير الوجوه المشروعة فمعظم ذلك مختلق مكذوب عليهم) (المصدر السابق، ص 66، 67).
(وجدير بنا أن نذكر هنا ونحن في معرض تقييم أخبار الأغاني أن أبا الفرج كان يصرح أحيانًا باختلاق بعض هذه الأخبار وكذبها على الخلفاء، وهذا يؤكد صدقًا ما ذهبنا إليه فيما نقلناه وعالجناه من كون معظم هذه الأخبار مكذوبة على أصحابها.
ومن أمثلة تصريحه هذا قوله في معرض حديثه عن الغناء ونسبته إلى بعض الخلفاء في الجزء الثامن، الصفحة 144: (المنسوب إلى الخلفاء من الأغاني والملصق بهم منها لا أصل لجله ولا حقيقة لأكثره، ولا سيما ما حكاه خرداذبة) (انظر المصدر السابق، ص 41، نقْلًا عن الأغاني).
تجاوز في حقّ الخليفة المأمون:
ذكر الأصفهاني في الصفحة 182 من الجزء الثامن عشر أن المأمون قَبَّل -بفتح القاف وتشديد الباء- في أحد الأيام رجل المغنية (عُرَيب) -بضم العين وفتح الراء-. والخبر في الجملة ينافي سيرة المأمون، الذي عرف بالعقل والحزم والعدل وسعة العلم، حتى قال فيه السيوطي -رحمه الله-: (لم يل الخلافة من بني العباس أعلم منه). وسند هذا الخبر فيه (علي بن يحيى المنجم) مما يجعل الخبر لا يتخطى مرتبة الضعف. (راجع المصدر السابق، ص 25، 26).
تجاوز في حقّ الخليفة الوليد بن يزيد:
استفاض الأصفهاني في ذكر لهو الوليد بن يزيد وشربه وملذاته واستهتاره، ومن أشد ما ذكره في الصفحة 125 في الجزء السادس من خبر تمزيق الوليد للقرآن الكريم. و(مهما بلغ خليفة من خلفاء المسلمين من الاستهتار والانحراف والانغماس في الشهوات، فإنه بعيد عليه، بل يستحيل أن يصل إلى إعلان الكفر بهذا الشكل السافر!).
وقد تصدى عدد من المؤرخين لتكذيب الكثير من الافتراءات التي دست في حق الوليد بن يزيد على الرغم مما عرف عنه من حبه للملذات واللهو مما جعل سيرته مسرحًا للكذب والافتراء عليه، ومنها خبر تمزيق القرآن الكريم الذي هو من الكفر؛ قال الحافظ الذهبي -رحمه الله-: (لم يصح عن الوليد كفر ولا زندقة).
وقد أثار خبر الوليد مع القرآن الكريم حفيظة ابن خلدون، وهو سيد المؤرخين؛ فكذَّب هذا الخبر. وقد صرح الأصفهاني (بنسخه ذاك الخبر من كتاب الحسين بن فهم، وقد تقدم أن النسخ من الكتب لا يكون دليلًا على الصحة إلا بشروط معينة، فإن فقدت أصبح النسخ من الكتب مؤذنا بضعف الخبر لا دليلًا على قوته) (راجع المصدر السابق، ص 34 - 39).
للاستزادة: راجع (جولة في آفاق الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني)، لنذير محمد مكتبي.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 106.46 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 103.91 كيلو بايت... تم توفير 2.55 كيلو بايت...بمعدل (2.40%)]