الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         7 حيل نفسية تساعد طفلك على حب الدراسة.. لو بيحس بملل ومش عايز يذاكر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          طريقة عمل مينى باتيه بالجبنة بخطوات بسيطة.. ينفع فى الفطار والعشاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          7 فوائد تعود عليك من عدم تأجيل عمل اليوم للغد.. قاوم كسل البرد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          طريقة عمل الحلبسة فى المنزل.. مشروب يدفيك فى ليالى البرد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          طرق علاج تشقق الشفاه فى 3 أيام فقط.. هتخليها ناعمة ورطبة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          5 أفكار ديكور منزلى تساعد على الشعور بالدفء داخل المنزل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          طريقة عمل شوربة الجزر بالكريمة بخطوات سريعة.. تدفى فى عز البرد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          وصفات طبيعية لترطيب اليدين بمكونات منزلية.. مش هتحتاجى تشترى من برا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          بتعانى من النحافة ومش لاقى حل.. نظام غذائى لمدة أسبوع لزيادة وزنك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          طريقة عمل 5 أكلات بالدجاج بخطوات بسيطة.. لعشاء دافئ فى الشتاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 13-11-2025, 12:34 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,650
الدولة : Egypt
افتراضي الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية

(1) أهمية التعبد بالأسماء والصفات



كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
الغرض من الموضوع:
- تسهيل السبيل لعموم المؤمنين للتعبد بأعظم أبواب العبادة -الأسماء والصفات- من خلال الوقوف مع بعض الأسماء والصفات الإلهية، وبيان آثارها في زيادة الإيمان، وتحسين سلوك الإنسان.
المقدمة:
- التعرُّف على الله -تعالى- أجلُّ أنواع المعرفة، والتعبد له بأسمائه وصفاته أجلُّ أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف: 180)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه).
التعريف بالله خلاصة دعوة الأنبياء:
- قامت دعوة الرسل جميعًا على هذا الأصل العظيم "اعرفوا الله": قال -تعالى- لكلِّ الأنبياء: (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ) (الحج: 67)، وقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا . وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) (الأحزاب: 45-46).
قال السعدي -رحمه الله- في تفسيره: "أي: أرسله يدعو الخلق إلى ربِّهم، بتعريفهم لربهم بصفاته المقدَّسة، وتنزيهه عمَّا لا يليق".
- التعريف بالله أعظم مقامات العبودية، ولذا كان الرسل أعبد الناس لربهم، لأنَّهم أعرف الناس به: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمَلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت: 33).
- أجهل الناس من لا يعرف ربَّه: قال ابن القيم -رحمه الله-: "ولو عرف العبد كلَّ شيء، ولم يعرف ربَّه، فكأنَّه لم يعرف شيئًا" (إغاثة اللهفان).
أهمية العلم بالأسماء والصفات الإلهية والتعبد لله بها:
- التوحيد أوَّل فرض على العباد، ولا يتمُّ إلَّا بمعرفة الله بأسمائه وصفاته، والتعبد لله بها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ لما أرسله لأهل اليمن: (إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ -تَعَالَى-، فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا صَلَّوْا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ) (رواه البخاري).
- ولقد أمر الله -تعالى- عباده بالتعبد له بالأسماء والصفات الإلهية: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف: 180)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه).
- فمدار القرآن العظيم كلِّه على ذكر الأسماء والصفات الإلهية -تأمَّل خواتيم الآيات- ومن ذلك: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ . لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ . ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ . ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ . ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ . أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ . لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ . أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) (الحج: 59-65).
- وجعل الله -تعالى- كلامه في القرآن أعظم كلامه، وجعل أعظمه ما اشتمل على أسمائه وصفاته: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بن جبل: (يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟) قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟) قال: قلت: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)، قال: فضرب في صدري، وقال: (وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ) (رواه مسلم).
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "قال العلماء: إنَّما تميَّزت آية الكرسي بكونها أعظم آية لما جمعت من أصول الأسماء والصفات".
التربية النبوية على الأسماء والصفات الإلهية:
- الأنبياء -عليهم السلام- لا يزالون يتعبدون بالأسماء والصفات الإلهية، ويربُّون الناس عليها: قال تعالى عن إبراهيم وإسماعيل: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة: 127). وقال عن توبة آدم وحواء -عليهما السلام-: (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الأعراف: 23). وقال عن موسى -عليه السلام-: (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) (القصص: 24). وقال عن أيوب: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) (الأنبياء: 83-84).
وقال عن يوسف -عليه السلام-: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (يوسف: 100).
- النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- يربِّيهم بالتوجيه النظري والتطبيق العملي على التعبد لله بالأسماء والصفات الإلهية (مثال على التنبيه إلى صفة الرحمة): قال عمر -رضي الله عنه-: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِسَبْيٍ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ تَسْعَى إِذْ وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ فَأَخَذَتْهُ وَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟) قلنا: لا والله، وهي تقدر ألا تطرحَه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنَ الْمَرْأَةِ بِوَلَدِهَا) (متفق عليه).
خاتمة:
- كلَّما تعبَّد العبد بالأسماء والصفات الإلهية زاد إيمانه، ورفع مكانه في الدارين: عن عائشة -رضي الله عنها-: أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: (سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ) فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ) (رواه مسلم).
- مجمل كلام العلماء في كيفية التعبد لله بأسمائه وصفاته: (معرفتها وتعلمها وفهم معانيها - التعبد بها كلِّها وعدم ترك بعضها - معاملة كلِّ اسم بمقتضاه واستعماله في محله الأنسب - الاتِّصاف بما يليق الاتِّصاف به منها، واجتناب ما لا يليق الاتِّصاف به).
فاللهمَّ يا حنَّان يا منَّان، يا بديع السماوات والأرض، افتح علينا من بركاتك العظيمة، وآلائك الجسيمة، وعلِّمنا من أسمائك وصفاتك ما جهلنا، وانفعنا بما علَّمتنا.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 20-11-2025, 08:52 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,650
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (2) اسم الله (الرب)



كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- التعرُّف على الله أجلُّ أبواب العلوم، والتعبُّد لله بأسمائه وصفاته أجلُّ أبواب التعبُّد (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال -تعالى-: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه).
- مدخل وعظي لإثارة النفوس للتعرُّف على اسم الله -تعالى- "الرب" (أسرع الناس إجابة هو أعرف الناس بربِّه): ففي حديث فتنة القبر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَيَقُولَانِ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
الوقفة الأولى: تعريف بمعنى اسم الله "الرب":
- اسم الله "الرب" أكثر أسماء الله -تعالى- ورودًا في القرآن والسنة، وقد ورد مفردًا ومضافًا في سياقات متنوِّعة، تزيد على خمسمائة مرة؛ قال -تعالى- في افتتاح كتابه: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة: 2)، وقال في خاتمته: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) (الناس: 1).
- معنى الرب: قال ابن الأثير -رحمه الله-: "يُطلَق الرب في اللغة على: المالك المتصرِّف، والسيد، والمدبِّر، والمربِّي، والمصلح، والقيِّم. ولا يُطلَق غير مضاف لشيء إلا على الله -تعالى-؛ أما إذا وُصِف به غير الله -تعالى- فلا بد من أن يُضاف؛ فيُقال: رب الدار، ورب الدابة؛ أي: مالكها المتصرِّف فيها" (النهاية لابن الأثير)(1).
- اسم الرب -تعالى- مشتمل على كل هذه الصفات وغيرها (الخلق، والملك، والتدبير، والإحياء والإماتة، والمنع والإعطاء) على إطلاقها وكمالها؛ ولذا كان الأنبياء يحتجُّون بالربوبية: قال -تعالى-: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ . قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ . قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ . قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ . قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ . قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (الشعراء: 23-28).
وقال -تعالى- من قول إبراهيم -عليه السلام- احتجاجًا على المشركين: (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (الشعراء: 75-82)(2).
- مشهد آخر في احتجاج الأنبياء -عليهم السلام- بالربوبية في بيان عجز الباطل وتعريته: قال -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (البقرة: 258).
وقال غلام الأخدود للملك: (إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلِبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِنِي؛ فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي) (رواه مسلم).
الوقفة الثانية: مقتضى الإيمان باسم الله "الرب":
أولًا: إفراد الله -تعالى- بما تضمَّنه اسم "الرب":
- أرباب الدنيا مهما أعطوا، ومهما ملكوا من الدنيا، فإنه ناقص، وهم مقهورون بالعوارض (المرض والنوم والغفلة والضعف والقهر من الغير، وغير ذلك) ثم الموت: قال -تعالى-: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران: 26).
- أين الذين نازعوا الله في ربوبيته (فرعون - النمرود - ملك الأخدود - وغيرهم في كل زمان): قال -تعالى- عن فرعون: (فَحَشَرَ فَنَادَى . فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى . فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى . إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى) (النازعات: 23-26)، وقال عن النمرود: (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (البقرة: 258)(3). وقال عن ملك الأخدود: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ) (البروج: 4). وفي الحديث القدسي: (الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
ثانيًا: شهود آثار اسم "الرب" في خلقه:
- معاني الربوبية في اسم الله -تعالى- "الرب" تأخذ المؤمن إلى التفكُّر وشهود ذلك في الخلق: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة: 164)، وقال -تعالى-: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ . وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (الذاريات: 20-21).
- تفكَّر في صنع الله فيك: (لا يُشبهك مطابقة أحد في الكون: بصمة إبهامك - بصمة صوتك - بصمة عينيك - رائحة جلدك)، (في جسدك آيات: قلبك ينبض مائة ألف مرة في اليوم منذ ولادتك - حرارة عينيك 90 درجة - لسانك به 17 عضلة وألف حلمة تذوُّق - وغير ذلك كثير).
ثالثًا: التعبُّد لله -تعالى- باسم "الرب":
- إذا علمت أن الله هو الرب (الخالق - المالك - المدبِّر - المحيي - المميت - المعطي - المانع...) وأنك عبد: فعليك بواجب العبودية من الاتِّصاف بالانكسار والافتقار والذلِّ بين يديه، ومقتضى ذلك الطاعة والخوف من عقابه؛ كان سيد البشر وخيرهم -صلى الله عليه وسلم- يقول في دعاء ثنائه ومسألته: (اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).
- تعبَّد لله باسمه الرب في كل أحوالك، في العسر واليسر، في الفقر والغنى، في الصحة والمرض: قال يوسف -عليه السلام- عند شِدَّته: (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (يوسف: 33)، وقال في عزِّه ودولته: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف: 101).
- وقال -تعالى- في تعبُّد أيوب عند شدَّته: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) (الأنبياء: 83-84).
- وقال -تعالى- عن تعبُّد الخليل -عليه السلام-: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) (إبراهيم: 35).
- وقال عن تضرُّع المؤمنين عند البأس: (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة: 250-251).
- وقال عن تعبُّد زكريا -عليه السلام- عند سؤاله الولد: (رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) (مريم: 4)، (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) (آل عمران: 38).
- ولما اشتد أذى الكفار بنبينا -صلى الله عليه وسلم- دعا: "اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي وَقِلَّةَ حِيلَتِي وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي. إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي أَمْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي، إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي، غَيْرَ أَنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي.. أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَنْ يَحِلَّ عَلَيَّ غَضَبُكَ أَوْ أَنْ يَنْزِلَ بِي سَخَطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ" (رواه الطبراني، وابن عساكر في تاريخ دمشق باختلاف يسير).
خاتمة:
- المؤمن حياته كلها مرتبطة بربِّه؛ لأنه يعلم أن الأمور كلها بيده سبحانه: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام: 162)، (مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (هود: 56).
- فمَن علم أن مقادير الخلق (أرزاقهم - أرواحهم - سعادتهم - شقاوتهم - عافيتهم...) بيده -"الرب" سبحانه-، لن يعلِّق قلبه إلا به -تعالى- (لا ملك، ولا طبيب، ولا ولد، ولا والد - ...): (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء: 88-89)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ) (رواه مسلم).
- أكثر من التعبُّد باسمه "الرب" ليسهل عليك الجواب في القبر: "فيقول: ربِّي الله، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام..." (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
فاللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه، ثبِّتنا على دينك في الحياة وعند الممات، واجعلنا من أصحاب الجنات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ
(1) ومنه قول نبي الله يوسف -عليه السلام-: (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ) (يوسف: 50)، وقول عبد المطلب لأبرهة الحبشي: "أنا ربُّ هذه الإبل، أما البيت فله ربٌّ يحميه".
(2) يحسن الوقوف على الصفات التي احتجَّ بها نبي الله إبراهيم -عليه السلام-، فقد اشتملت على معاني الربوبية الكثيرة، ثم اختتمها بمقتضى الإيمان بها، وهو توحيد الإلهية.
(3) ذكر بعض المفسرين في قصة موته أنه دخلت في منخره بعوضة (تفسير الطبري).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 28-11-2025, 12:24 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,650
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (3) اسم الله "القريب"



كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- التعرف على الله -تعالى- أجَلُّ أنواع المعرفة، والتعبد له -تعالى- بأسمائه وصفاته أجَلُّ أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180). وقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه).
- وَرَدَ اسمه سبحانه "القريب" في القرآن ثلاثَ مرَّاتٍ، كما في قوله -تعالى-: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة: 186)، وقوله -تعالى-: (قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ) (سبأ: 50)، وقوله -تعالى-: (فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ) (هود: 60).
- مدخلٌ وعظيٌّ لإثارة النفوس للتعرف على هذا الاسمِ "القريبِ": (مِن خلال إشارة مختصرة حول مشهد إلقاء إخوة يوسفَ -عليه السلام- له في البئرِ، وقد ظنُّوا أنَّهم أبعدوهُ عن عين أبيه وعن أعين الناس، وأنه سَيَهْلِكُ لا محالةَ، ونسُوا أنَّ القريبَ -سبحانه- أقربُ إليهِ منهم ومِنَ الناسِ! قال -تعالى-: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) (يوسف: 15)).
الوقفة الأولى: معنى اسم الله "القريب":
- المعنى في حق الله -عزَّ وجلَّ-: قال السعديُّ -رحمه الله-: "هو القريب من كل أحد، وقربه نوعانِ: قرب عامّ مِنْ كل أحدٍ: بعلمه، وخبرته، ومراقبته، ومشاهدته، وإحاطته، وهو أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد. وقرب خاصّ: مِنْ عابديه، وسائليه، ومجيبيه، وهو قُرب يقتضي المحبة، والنصرة، والتأييد في الحركات، والسكنات، والإجابة للداعين، والقبول، والإثابة. وهو المذكور في قوله -تعالى-: (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب) (العلق: 19)، وفي قوله -تعالى-: (إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ) (هود: 60)، وفي قوله: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (البقرة: 186)" (الحق الواضح المبين).
تنبيهٌ إيمانيٌّ مُهِمٌّ جدًّا: اختارَ بعضُ العلماءِ النوعَ الثانيَ وخَصَّ به اسمَ اللهِ "القريبَ"(1): قال ابنُ القيمِ -رحمه الله- في "النُّونيَّةِ":
وَهُـوَ القَرِيبُ وَقُرْبُهُ المُخْتَصُّ بالدَّاعِـي وَعَابِدِهِ عَلَى الإِيمَانِ
وقال السعديُّ -رحمه الله-: "وهذا النوعُ قُربٌ يقتضي ألطافَه -تعالى-، وإجابتَهُ لدعواتهم، وتحقيقَهُ لمراداتهم؛ ولهذا يُقْرَنُ باسمه "القريب" اسمه "المجيب". وهذا القرب قُرب لا تُدرَكُ له حقيقةٌ، وإنما تُعلَمُ آثارُهُ: مِنْ لطفه بعبده، وعنايته به، وتوفيقه، وتسديده. ومِنْ آثاره: الإجابة للداعين، والإثابة للعابدين" (الحق الواضح المبين).
الوقفة الثانية: قريب في علوِّه سبحانه:
- لا مُنَافَاةَ بينَ عُلُوِّهِ سبحانَهُ فوقَ خلقِهِ، وقربِهِ مِنْ عبده: عن أبي موسى الأشعريِّ -رضي الله عنه- قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي سَفَرٍ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا بِالتَّكْبِيرِ، قَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ) (متفق عليه).
- ولذا كانتِ المناجاةُ في الدعاءِ أفضلَ مِنَ الجهرِ؛ لأنَّها دالَّةٌ على عظيمِ استشعارِ الداعي قُربَ ربِّه: قال -تعالى-: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (الأعراف: 55)، وقال: (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ) (الأعراف: 205)(2).
- المناجاةُ في الدعاءِ دليلٌ على قُربِ المُناجي مِنَ اللهِ، وأنَّهُ لاقترابِهِ منهُ وشِدَّةِ حضورِهِ، يسألُهُ مسألةَ مناجاةٍ للقريبِ، لا مسألةَ نداءِ البعيدِ للبعيدِ: ولهذا أثنى -سبحانه- على عبده زكريا -عليه السلام- بذلك: (كَهيعص . ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا . إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا) (مريم: 1- 3).
- ومِن لطائف المناجاة: أنَّ أفضلها ما كان في السجودِ؛ لأنَّها تكونُ أبعدَ عن الناس، مع استشعار المُناجي شِدَّةَ القُربِ! قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (أَقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعاءَ) (رواه مسلم).
الوقفة الثالثة: كيف نستجلب قرب الله -تعالى-؟
- تمهيدٌ بإشارة وعظية إلى حالِ كثيرٍ مِنَ الناسِ مع مَنْ يُحبُّونَ مِنَ المخلوقينَ: في أنَّه كلما اشتدَّتِ المحبة، زاد سعيهم في البحث عن السُّبُل الموصلة إلى القُرب مِنْ المحبوب (هدايا، تَمَلُّقٌ، ثناءٌ، بَذْلُ الأموالِ، تَحَمُّلُ تعبِ الأبدانِ، وغير ذلك)، ليصلوا إلى قربه منهم ورضاه عنهم... فكيف إذا كان المحبوب هو مَلِكَ السماوات والأرض، الذي بيده كل شيء؟
- مَلِكُ السماوات والأرض، الذي بيده كل شيء، يُرَغِّبُ عباده في السعي في قُربه، ويثني على الساعين في قُربه: قال -تعالى-: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ) (الإسراء: 57).
- وبيَّنَ لهم جزاء السعي في قُربه في الدنيا والآخرة كما في الحديث القدسي: (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) (رواه البخاري). وقال -تعالى-: (فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ . فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ) (الواقعة: 88- 89).
- وبيَّنَ لهم السُّبُل والوسائل التي يستجلبونَ بها قُربه -تعالى- كما في الحديث القدسي: (مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ عَبْدِي بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ دَعَانِي لَأُجِيبَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ...) (رواه البخاري والبزار). وقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (أَقْرَبُ ما يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ المَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟) (رواه مسلم).
فاللهمَّ إنا نسألك حُبَّك، وحبَّ مَنْ يُحِبُّك، وكلَّ عملٍ يُقَرِّبُنا إليك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-: "واعلم أنَّ مِنَ العلماءِ مَنْ قَسَّمَ قُرْبَ اللهِ -تعالى- إلى قسمينِ؛ كالمعيَّةِ، وقال: القربُ الذي مقتضاهُ الإحاطةُ قُربٌ عامٌّ، والقربُ الذي مقتضاهُ الإجابةُ والإثابةُ قُربٌ خاصٌّ. ومِنْهُم مَنْ يقولُ: إنَّ القربَ خاصٌّ فقط؛ مُقتَضٍ لإجابةِ الداعي وإثابةِ العابدِ، ولا ينقسمُ. ويستدلُّ هؤلاءِ بقوله -تعالى-: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة: 186)، وبقوله -صلى الله عليه وسلم-: (أَقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ) (رواه مسلم)، وأنه لا يمكن أن يكون اللهُ -تعالى- قريبًا مِنَ الفجرةِ الكَفَرَةِ. وهذا اختيارُ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ وتلميذِهِ ابنِ القيمِ -رحمهما الله تعالى-" (شرح العقيدة الواسطية).
(2) قال ابنُ القيمِ -رحمه الله-: "فكلَّما استَحْضَرَ القلبُ قُرْبَ اللهِ -تعالى- منهُ؛ وأنه أقربُ إليهِ مِنْ كلِّ قريبٍ وتَصَوَّرَ ذلك، أخْفَى دُعاءَهُ ما أمكَنَهُ، ولم يَتَأَتَّ لهُ رفعُ الصوتِ بهِ، بل يراهُ غيرَ مُستَحْسَنٍ، كما أنَّ مَنْ خاطَبَ جليسًا لهُ -يسمعُ خَفِيَّ كلامِهِ- فبالغَ في رفعِ الصوتِ: اسْتُهْجِنَ ذلكَ مِنْهُ، وللهِ المثلُ الأَعلَى -سبحانه-" (بدائع الفوائد).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 04-12-2025, 09:02 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,650
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (4)

اسم الله (القوي)

(موعظة الأسبوع)



كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- التعرف على الله -تعالى- أجل أنواع المعرفة، والتعبد له -تعالى- بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف: 180). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه).
- ورد اسمه سبحانه (الْقَوِيُّ) في القرآن الكريم (تسع مرات) جاء في أكثرها مقترنا باسمه (العزيز) كما في قوله -تعالى-: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا) (الأحزاب: 25). وورد مرتين مقترنًا بشديد العقاب، كما في قوله -تعالى-: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الأنفال: 52).
- المعنى اللغوي (للقوي): قال الجوهري: "القوة خلاف الضعف، ورجل شديد القوى، أي: شديد أسر الخلق" (الصحاح).
- معناه في حق الله -عز وجل-: قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي: لا يغلبه غالب ولا يفوته هارب" (تفسير ابن كثير).
- وقال الخطابي -رحمه الله-: "هو الذي لا يستولي عليه العجز في حال من الأحوال، والمخلوق وإن وصف بالقوة، فإن قوته متناهية، وعن بعض الأمور قاصرة" (شأن الدعاء).
الوقفة الأولى: قوة بعض جنود القوي -سبحانه و-تعالى-:
- المقصود بذلك: بيان عظيم قوة بعض مخلوقات القوي -سبحانه و-تعالى- من باب: (فكيف بقوة من خلقها؟)، قال -تعالى-: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) (المدثر: 31)، وقال -تعالى-: (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (الفتح: 4)، وقال -تعالى-: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا) (النازعات: 27).
1- قوة الجبال (رمز القوة الشدة)(1): عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت للنبي -صلى الله عليه وسلم-: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: (لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ. فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) (متفق عليه).
2- قوة الأرض (اهتزاز معه الزلازل المدمرة - انشقاق معه الخسف المخيف): قال -تعالى-: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) (القصص: 76)، ثم قال -تعالى-: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ) (القصص: 81).
3- قوة الماء (اندفاع معه الهدم والدمار - استغراق معه الإغراق): قال -تعالى- عن قوم نوح: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ . فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ . فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ . وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ . وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ . تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ . وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر: 9-15).
وقال -تعالى- عمن زعم امتلاك ماء الأرض: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (الزخرف: 51)، ثم قال في عقوبته: (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) (القصص: 40).
4- قوة الرياح والعواصف والأعاصير: قال -تعالى- عمن زعموا أنهم هم القوة العظمى: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ . فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ) (فصلت: 15-16).
5- قوة النار (أقوى الجنود.. تصهر وتأكل كل شيء)(2): قال -تعالى-: (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة: 24)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا) (متفق عليه). وقال -تعالى- عن طلبها للكفار والفجار: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) (ق: 30).
الوقفة الثانية: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ):
- ومع عظيم قوة جند الله المسخرة التي سلطها الله على كثير من الظالمين؛ إلا أن البشر لايزالون يتعجرفون ويتجبرون ويتكبرون؛ لأنهم لا يقدرون الله حق قدره(3): قال -تعالى-: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) (الأنعام: 91).
- إنهم ينظرون إلى ما يملكون من القوة المادية المحدودة في مقابلة قوة جنود الله، ويغفلون عما حصل لغيرهم من الأمم الظالمة: قال -تعالى-: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (العنكبوت: 40). وقال -تعالى-: (وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ . فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ . لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ . قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ . فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ) (الأنبياء: 11-15). وقال -تعالى-: (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ) (الرعد: 31).
الوقفة الثالثة: من آثار الإيمان باسمه سبحانه (القوي):
- أولًا: التوكل على الله وحده؛ لأنه القوي الذي لا يغالب، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد: قال الله -تعالى-: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ) (الفرقان: 58)، وهذا يثمر عدم الخوف من قوة المخلوق؛ لأنه ضعيف مهما ملك من قوة أمام قوة القوي -سبحانه-.
- ثانيًا: الشعور بالضعف الشديد أمام قوة الله -عز وجل-: وهذا يثمر التواضع ومعرفة قدر النفس، ويثمر عدم التجبر ورحمة الضعفاء، فعن أبي مسعود الأنصاري قال: كنت أضرب غلامًا لي بالسوط، فسمعت صوتًا من خلفي، اعلم أبا مسعود، فلم أفهم الصوت من الغضب، قال: فلما دنا مني إذا هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإذا هو يقول: (اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ) قال: فألقيت السوط من يدي، فقال: (اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ) قال: فقلت: لا أضرب مملوكًا بعده أبدًا. وفي رواية: فسقط من يدي السوط من هيبته (رواه مسلم). وقال -تعالى-: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) (الكهف: 39).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجبال: شعار القوة والصمود؛ قال -تعالى-: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا . وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا) (النبأ: 6-7). وقد أثبت العلم الحديث أن الجبال على سطح الكرة الأرضية موزعة بدقة وحكمة بحيث تساعد على التوازن بين المرتفعات والمنخفضات، حتى لا تضطرب الأرض ولا تميل بنا، فكأن هذه الجبال تعمل عمل الأوتاد التي تحفظ توازن الخيمة واستقرارها.
(2) النار تصهر الصخر: الحمم البركانية هي تدفقات لكتل صخرية مصهورة وسائلة، تندفع من باطن الكواكب الصخرية وتنبثق من البراكين، كما تطفح من الشقوق على جوانب البركان، والتي نشأت من خلال الانفجارات الحادثة. وتتكون من مجموعة من المعادن والصخور المنصهرة، تكون درجة حرارتها بين 700 و1200 درجة مئوية، عندما تبرد وتتصلب تشكل ما يسمى بالحرات، والحرة هي الأرض البركانية السوداء.
فائدة: يستخدم فرن صهر الحديد الهواء الساخن والوقود (مثل الفحم) لتوليد درجات حرارة عالية لصهر خام الحديد وخردة الفولاذ. تصل درجة حرارة فرن الصهر إلى 2000 درجة مئوية، وهي مناسبة لإنتاج الصلب المستمر على نطاق واسع والإضافة المستمرة للمواد لإنتاج الحديد المنصهر (الموسوعة الحرة - ويكيبيديا).
(3) هذه الحقيقة التي غابت عن بعض البشر اليوم فتجبروا بقوتهم، وطغوا بأسلحتهم من القنابل الهيدروجينية والعنقودية، والإشعاعية والارتجاجية، والنووية، إلخ. وتباهوا بأنها: موجهة بالأشعة، وتنفرش كالسجادة، وتنفجر كالعنقود، وتتوزع انشطارًا، تفني وتبيد، وتقتل وتدمر، إلخ. (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) (الأنعام: 91).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 18-12-2025, 06:57 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,650
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية

الوقفات الإيمانيَّة مع الأسماء والصفات الإلهيَّة (5) اسم الله (الرازق ـ الرَّزَّاق)



كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المُقدِّمة:
- التعرُّف على الله -تعالى- أجلُّ أنواع المَعرِفة، والتعبُّد له -تعالى- بأسمائه وصِفاته أجلُّ أبواب التعبُّد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال النبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه).
- وَرَد اسمُ الله -الرَّزَّاقُ- في القرآن مرَّةً واحدةً في قوله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذاريات: 58).
- ووَرَد اسمُ -الرَّازِق- في القرآن بصيغة التفضيل خمس مرَّات؛ من ذلك قوله -تعالى-: (وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (المائدة: 114)، وفي الحديث: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ) (رواه أحمد وأبو داود، وصحَّحه الألباني)(1).
- مدخَلٌ وعظِيٌّ لإثارة النفوس للَّتعرُّف على هذا الاسم "الرَّزَّاق - الرَّازِق": لو أنَّك سألت أيَّ إنسانٍ في الطريق: مَن الذي يرزقُك؟ لقال لك على البَدِيهة: الله الرَّزَّاق، ولكنِ انظُر إلى هذا الإنسان إذا ضُيِّق عليه في الرزق، تراه يقول: فلان قطع رِزقي! فما دلالة هذه الكلمة إذًا؟
دلالتُها: أنَّها تستقِرُّ في وقت السِّلم والأمن، ولكنَّها تهتزُّ إذا تعرَّضت للشِّدَّة؛ لأنَّها ليست عميقة الجُذور؛ قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) (فاطر: 3). إذًا هذا الإنسان في حاجةٍ إلى التعرُّف على "الرَّازِقِ - الرَّزَّاقِ" مرَّةً أخرى، ومَعرِفة ما يجب عليه عند التعبُّد بهذا الاسم الكريم؛ ليجني الآثارَ الجميلةَ لذلك.
الوَقفة الأولى: معنى اسمه -تعالى- (الرازق ـ الرزَّاق) وأقسام الرزق:
- معنى (الرازق ـ الرزَّاق) في حقِّ الله -تعالى-: قال الخطَّابيُّ -رحمه الله-: "هو المُتَكفِّل بالرزق، القائم على كلِّ نفسٍ بما يُقيمُها من قوتِها" (شأن الدعاء).
- ولأنَّه (الرازق ـ الرزَّاق)؛ فغِناه شامِلٌ دائمٌ لا يَفنى ولا يَنقصُ: قال -تعالى-: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ) (الحجر: 21)، وقال -صلى الله عليه وسلم- قال الله -عزَّ وجلَّ-: (يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ) (رواه مسلم).
ورزقُ (الرازق ـ الرزاق) لخلقِه على نوعين:
الأوَّل: الرزق العام (وهو: رزقُ الأبدانِ؛ كالطعام والشراب، والغِنى، والقوَّة البدنيَّة، والجمال، والولد، والسُّلطان، ونحو ذلك، ويكون لمَن يُحِبُّ ولمن لا يُحِبُّ)؛ فهو يشملُ المؤمن والكافر، والطير والبهائم، بل يشمل جميع ما تدِبُّ فيه الحياةُ من مخلوقاتِه؛ قال -تعالى-: (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (العنكبوت: 60). وقال النبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ) (رواه الترمذي، وصحَّحه الألباني)(2).
الثاني: الرزق الخاص (وهو: رزقُ القلوبِ والأرواحِ، وهو خاصٌّ بالمؤمنين؛ كالعِلم النافع، والهداية والرَّشاد، والتوفيق إلى الطاعة والخير، والتَّحلِّي بجميل الأخلاق، وبكلِّ ما هو نافعٌ لهم في الدنيا والآخرة)، قال النبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلَاقَكُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا لِمَنْ أَحَبَّ، فَمَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ) (رواه أحمد، وصحَّحه الألباني).
الوَقفة الثانية: من آثار التعبُّد باسم الله (الرازق - الرزاق):
1- الطُّمأنينة في القلبِ والسَّكينة وعَدَم الخوف على الرزق: قال -تعالى-: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (هود: 6)، وقال -تعالى-: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) (الذاريات: 22). وفي حديث المَلَك والجنين، قال النبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (ثُمَّ يُرْسَلُ اللَّهُ -تعالى- إِلَيْهِ الْمَلَكَ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (هَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ جِبْرِيلُ، نَفَثَ فِي رُوعِي: إِنَّهُ لَا تَمُوتُ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَلَيْهَا) (رواه البيهقي بسندٍ صحيحٍ). وقال النبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ) (رواه مسلم)(3).
2- تَركُ الأسبابِ المُحرَّمة في طَلَبِ الرزق (الغِشُّ، التَّدليسُ، الاحتيالُ، الكذبُ، الظُّلمُ، أكلُ الرِّبا، إلخ): لأنَّها في الحقيقةِ سببٌ في حرمانِ الرزقِ أو بركتِه؛ قال النبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَأْخُذُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ) (رواه البيهقي بسندٍ صحيحٍ). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) (رواه مسلم). (انظر هامش (4) في قصة الزوجين الصالحين ومحاولة الشيطان الإفساد بينهما من باب فتنة الرزق).
3- الإكثار من فعل الطاعات لمن أراد سعة الرزق بنوعيه: لأن (الرزاق) أخبر بأنَّ الطاعة هي أعظم أسباب سعة الرزق وبركته؛ قال -تعالى-: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق: 2- 3). وقال: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) (الأعراف: 96). (الإشارة إلى قصة إبراهيم وهاجر أم إسماعيل -عليهما السلام-، وكيف أنَّ طاعة الله والاستسلام لأمره، والأخذ بالأسباب المعنوية العظيمة -الدعاء والتوكل- بعد انعدام الأسباب المادية كان سببًا في الفرج وتغير الحال).
4- اجتناب الشُّح والبُخل والحرص، والتحلي بالكرم والجود؛ فـ(الرزاق) يخلف: قال -تعالى-: (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) (الحديد: 7)، وقال النبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ) (رواه مسلم).
5- صرف الهمَّ الأكبر لنيل أحسن الرزق (رضا الله -تعالى- والجنة): قال -تعالى-: (هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ . جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ . مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ . وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ . هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ . إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ) (ص: 48- 54).
فاللَّهمَّ ارزقنا رضاك والجنة وأنت خير الرازقين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الرَّزَّاقُ في اللغة من صيغ المبالغة على وزن فَعَّال من اسم الفاعل الرازِق، فعلُه رَزَقَ يَرْزقُ رِزقًا، والمصدر الرِّزْقُ، وهو ما يُنتَفعُ به والجمع أرزاق. (لسان العرب).
(2) هذا النوع من الرزق قد يكون من الحرام، وقد يكون من الحلال، فإنَّ ما يَتناوله العبدُ من الحرامِ هو داخلٌ في هذا الرزقِ، فالكفارُ قد يُرزَقون بأسبابٍ محرَّمةٍ ويُرزقون رزقًا حسنًا، وقد لا يُرزقون إلا بتكلُّفٍ، وأهل التقوى يَرزقُهم الله من حيثُ لا يحتسبون، ولا يكون رزقُهم بأسبابٍ محرمةٍ ولا يكون خبيثًا. (مجموع الفتاوى).
(3) ليست العبرة بكثرة الرزق، ولكن بالبركة فيه؛ فقد يَحرِمُ الله -عز وجل- عبده الصالح شيئًا من الدنيا رحمة به ورِفقًا ولُطفًا، فالتقيُّ لا يُحرَمُ ما يحتاجُ إليه من الرِّزقِ، وإنما يُحمَى من فضولِ الدنيا رحمةً به وإحسانًا إليه، فإِنَّ توسيعَ الرِّزقِ قد يكونُ مضَرَّةً على صاحبه، وتقديرَهُ قد يكونُ رحمةً لصاحبِهِ. (مجموع الفتاوى).
(4) قصة مِن واقعنا: "يحكي أحد الدعاة إلى الله: أن رجلًا صالحًا مرَّت به ضائقة مالية، واشتدت الأحوال حتى إنه صار لا يجد نفقة يومه، وذات يوم كان يتحدث مع أهله في شأن النفقة حتى حدث بينهما خلاف كاد أن يؤدي إلى الانفصال. وفي هذه الأثناء قامت الزوجة بفتح نافذة في الحجرة التي يجلسون فيها، فإذا بابن عمها -تارك للصلاة ويشرب المخدرات وغير ذلك من المعاصي- يدخل بسيارته الفارهة إلى فناء البيت، فجعل الشيطان يوسوس لها ليشعل الخلاف بين الزوجين: ألم يكن خيرًا لكِ أن تتزوجي ابن عمك الذي كان يريدك قبل هذا الرجل الذي تزوجتِه للصلاح؟ فماذا فعل صلاحُه وأنتم لا تجدون أسباب العيش؟!
ويشاء (الرزاق-) سبحانه- بعد دقائق من المشهد أن أحد أفراد الأسرة ينادي على الزوج الصالح، بأن هناك رجلًا على باب البيت الخارجي يريده! فنزل الزوج ينظر ما شأن الرجل، فإذا بهذا الرجل يأتي له بمبلغ من المال ويقول: هذا المال حقٌّ لك عليَّ منذ سنوات! كنت أخذته بغير حق من مالك الذي كنت أقوم عليه، وأنا تبتُ إلى الله من هذا وغيره، فأرجو أن تسامحني على ذلك، (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق: 2- 3).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 26-12-2025, 05:16 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,650
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (6) اسم الله (الحكيم) (موعظة الأسبوع)



كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- التعرف على الله -تعالى- أجَلُّ أنواع المعرفة، والتعبُّد له -تعالى- بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف: 180) وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه).
- ورد اسم الله (الحكيم) في القرآن في واحد وتسعين موضعًا، وفي جميع المواضع يرد هذا الاسم الكريم مقترنًا باسم آخر من أسمائه الحسنى بحسب السياق.
معنى الاسم وما يتناوله؟
- معناه في اللغة: قيل: "الحكيم ذو الحكمة. والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم. ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم...". وقال الأزهري: "ونرى أن حَكَمَة الدابة سُمِّيت بهذا المعنى؛ لأنها تمنع الدابة من كثير من الجهل..." (لسان العرب 2/951، 953)(1).
- معناه في حق الله -تعالى-: قال الحليمي -رحمه الله-: "الحكيم: الذي لا يقول ولا يفعل إلا الصواب. وإنما ينبغي أن يوصف بذلك؛ لأن أفعاله سديدة، وصنعه متقن، ولا يظهر الفعل المتقن السديد إلا من حكيم" (الأسماء والصفات للبيهقي).
وقال ابن كثير -رحمه الله-: "الحكيم في أفعاله وأقواله فيضع الأشياء في محالها بحكمته وعدله". وقال السعدي: "الحكيم: هو الذي له الحكمة العليا في خلقه وأمره، الذي أحسن كل شيء خلقه، فلا يخلق شيئًا عبثًا، ولا يشرع سدى" (تفسير السعدي).
- ويتناول اسمه -سبحانه- (الحكيم) معنيين كبيرين:
المعنى الأول: (الحكم) فله -سبحانه- الحكم كله في الدنيا والآخرة، قال -تعالى-: (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) (الكهف: 26).
المعنى الثاني: (الإحكام) فله الحكمة البالغة في خلقه وأمره وشرعه، فلا يخلق ولا يأمر إلا بما فيه المصلحة والحكمة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها. وهذا النوع هو موضوع حديثنا.
- وهذا النوع (بمعنى الإحكام) ينقسم إلى ثلاثة أقسام: "الأول: حكمته -سبحانه- في خلقه وصنعه. الثاني: حكمته -سبحانه- في أمره الديني الشرعي. الثالث: حكمته -سبحانه- في أمره القدري وقضائه وقدره"، وسنقف مع كل نوع وقفة.
الوقفة الأولى: حكمته -سبحانه- في خلقه وصنعه:
- الله -سبحانه وتعالى- حكيم في خلقه خلق المخلوقات كلها بأحسن نظام، ورتبها أكمل ترتيب، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، فلا يرى أحد في خلقه خللاً، ولا نقصًا، ولا فطورًا: قال -تعالى-: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) (النمل: 88)، وقال: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ) (الملك: 3-4)، وقال: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا) (المؤمنون: 115-116)، وقال: (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى . قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (طه: 49-50).
- تأمل في خلقه لترى عظيم حكمته فيما يظهر لك فقط، وما خفي علينا أكثر(2): قال -تعالى-: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) (فصلت: 53). (أمثلة بسيطة جدًّا: درجة حرارة عينك 9 وجسدك 37؟! - لماذا أذنك بارزة وليست ثقبًا؟! - لماذا جلد يدك الباطن غليظ قوي، والظاهر رقيق ناعم؟! - ...).
- أثر الإيمان بحكمته -سبحانه- في خلقه وصنعه: قال العلماء: "إن ذلك يثمر في القلب المحبة العظيمة لله -عز وجل- والتعظيم له -تعالى- والخوف منه -سبحانه-، وذلك لما يشاهده العبد من الحكمة البالغة والخلق البديع والصنعة المتقنة التي في هذا النظام البديع الدقيق الذي سخَّره الله -عز وجل- للإنسان ليعمره بطاعة الله -تعالى- وعبادته، وتجنب مساخطه".
الوقفة الثانية: حكمته -سبحانه- في أمره الديني الشرعي:
- الله -سبحانه وتعالى- شرع الشرائع، وأنزل الكتب وأرسل الرسل ليعرفه العباد، ويعبدوه، وقد اشتمل شرعه، ودينه على كل خير، وهو الغاية لصلاح الدنيا (الأحكام المتوازنة لحفظ النفوس، والأموال، والأعراض، والعقول، والدين، والأخلاق، والمعاملات، و...): قال -تعالى-: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة: 50)، وقال -تعالى-: (ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الممتحنة: 10)، وقال -تعالى-: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) (التين: 8).
- ولذا فإنك تجد آيات الأحكام كثيرًا ما تشتمل خواتمها على اسمه (الحكيم): كقوله -تعالى-: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) إلى قوله: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء: 11).
- تأمل في شرعه لترى عظيم حكمته فيما يظهر لك فقط، وما خفي علينا أكثر: (مثال: في الآية السابقة مضاعفة حظ الذكر؛ لأنه ينفق على غيره، بخلاف الأنثى فغيرها ينفق عليها).
- أثر الإيمان بحكمته -سبحانه- في أمره الديني الشرعي: قال العلماء: "إن ذلك يثمر الإذعان لأحكامه -سبحانه- الدينية وأوامره الشرعية، والاستسلام التام لها من غير ريبة ولا حرج، ويثمر الشعور بالفخر والسرور بهذه الشريعة العظيمة التي هي من لدن الحكيم الخبير، ويثمر السعي لنشرها بين الناس".
الوقفة الثالثة: حكمته -سبحانه- في أمره القدري (في قضائه وقدره):
- لله -تعالى- الحكمة البالغة في كل ما يقضيه ويقدره، سواء ظهرت هذه الحكمة للعباد أم خفيت: قال -تعالى-: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة: 216).
- تأمل في أمره القدري لترى عظيم حكمته فيما يظهر لك فقط، وما خفي علينا أكثر: (إشارة مختصرة إلى قصة يوسف -عليه السلام-: بغض الإخوة وحسدهم له - إلقاؤه في البئر المهلك - بيعه رقيقًا بثمن بخس - فتنة امرأة العزيز - محنة السجن بضع سنين - ثم: منام الملك! لنيل السلطان والملك، ودعوة الناس إلى الحق، واجتماع الشمل): (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (يوسف: 100).
- أثر الإيمان بحكمته -سبحانه- في قضائه وقدره: قال العلماء: "إن ذلك يثمر الرضا بقضاء الله -تعالى- وقدره، والإيمان بأن ما يقضيه الله من أحكامه الكونية القدرية فيها الحكمة البالغة، وفيها الصلاح والخير، إما في الحال أو المآل، ولو ظهر فيها شيء مما تكرهه النفوس وتتألم منه مما يقدره الله -سبحانه-"(3).
خاتمة:
- مسكين هذا المخلوق الذي يأتي بعد ذلك ويعترض على أحكام الحكيم -سبحانه- بأنها لا ترضي عقله الضعيف!: (أين هذا العقل الذي تصيبه الأمراض؛ مثل: الزهايمر، الوسوسة، الرهاب، الانفصام، ...) ليعترض على الحكيم -سبحانه-؟!
- ألا آن لأرواحنا وعقولنا أن تستسلم وتسجد للحكيم الخبير؟! ألا آن أن نعلم أن حكمته -تعالى- أعظم من تساؤلات عقولنا؟! ألا آن أن نعلم أن الحكيم لا يقدر إلا الأصلح؟! ولا يشرع إلا الأحسن؟! قال -تعالى-: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (النور: 51).
فاللهم إنا نسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، وشوقًا إلى لقاك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الله -سبحانه وتعالى- فطر عباده على استحسان وضع الشيء في موضعه، والإتيان به في وقته، وحصوله على الوجه المطلوب منه، وعلى استقباح ضد ذلك وخلافه، وأن الأول دال على كمال فاعله وعلمه وقدرته وخبرته، وضده دال على نقصه وعلى نقص علمه وقدرته وخبرته، ومعلوم أن الذي فطرهم على ذلك، وجعله فيهم أولى به منهم، فهو -سبحانه- يضع الأشياء في مواضعها التي لا يليق بها سواها. (تفسير السعدي).
(2) ومن أراد التوسع في معرفة بعض حكم الله -عز وجل- في خلقه وصنعه فليرجع إلى كتاب (مفتاح دار السعادة) لابن القيم -رحمه الله- حيث ذكر أمثلة كثيرة لعجائب خلق الله -تعالى- وحكمته في الآفاق والأنفس.
(3) فائدة: تفاوتت أحوال الناس في الاستسلام لحكمة الله في الأنواع الثلاثة، فأما الأول: فلم يتجرأ أن يعترض عليه إلا الملاحدة المنكرون لوجود الله أصلاً، وأما الثاني والثالث: فيعترض عليه ضعاف الإيمان والمنافقون والكافرون.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 03-01-2026, 12:05 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,650
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (7) اسم الله (الودود) (موعظة الأسبوع)




كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- التعرف على الله -تعالى- أجل أنواع المعرفة، والتعبد له -تعالى- بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف: 180)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه).
- ورد اسم الله (الودود) في القرآن مرتين، وذلك في قوله -تعالى-: (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) (هود: 90)، وقوله -تعالى-: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ) (البروج: 14).
- المعنى اللغوي: قال في اللسان: "الود مصدر المودة". وقال ابن ‌سِيدَه: "الود الحب يكون في جميع مداخل الخير"(1).
- المعنى في حق الله -تعالى-: قال ابن سيده: "الودود: المحب الشديد المحبة". وقال ابن القيم: "الودود المتودد إلى عباده بنعمه، الذي يود من تاب إليه وأقبل عليه، وهو الودود أيضًا، أي: المحبوب" (التبيان في أقسام القرآن).
- مدخل وعظي لإثارة النفوس للتعرف على هذا الاسم "الودود": قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني). والودود: كثيرة التودد لزوجها (بالأقوال والأفعال) التي يحبها إظهارًا لمحبته(2)؛ فكيف بالودود الذي خلق المودة في قلوب المتوددين إذا تودد لمن يحبهم من عباده؟!
الوقفة الأولى: من مظاهر تودد الودود -سبحانه- لعباده:
- الودود من الخلق يسبق محبوبه بإعلان المحبة له، فكيف بمن كانت الصفة له على كمالها وطلاقتها؟ قال الودود -سبحانه-: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) (المائدة: 54). قال ابن الجوزي: "سبحان مَن سبقت محبته لأحبابه؛ فمدحهم على ما وهب لهم، واشترى منهم ما أعطاهم... أعطاهم المال، ثم خاطبهم بإنفاق بعضه في سبيله، وتودد إليهم بعد ذلك بإعلان المكافأة منه على ذلك (الجنة)، وأعطاهم الصحة والعافية، ثم خاطبهم ببذل شيء منها في الجهاد في سبيله، وتودد إليهم بعد ذلك بإعلان المكافأة منه على ذلك (الجنة)، وهكذا، وهلم جرًّا" (ينظر: صيد الخاطر).
- أنه -سبحانه- لا يرفع وده عن المذنبين، وإن تكررت ذنوبهم، بخلاف ما يظنه مَن نقصت معرفته بربه من أنه -سبحانه- إذا غفر لعبده ذنبه فإنه لا يعود الود الذي كان له منه قبل الجناية!: قال ابن القيم -رحمه الله-: "تأمل سر اقتران هذين الاسمين في قوله -تعالى-: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ)، تجد فيه من الرد والإنكار على من قال: "لا يعود الود والمحبة منه لعبده أبدًا" (طريق الهجرتين).
وقال -رحمه الله-: "وما ألطف اقتران اسم الودود بالرحيم وبالغفور، فإن الرجل قد يغفر لمن أساء إليه ولا يحبه، وكذلك قد يرحم من لا يحب، والرب -تعالى- يغفر لعبده إذا تاب إليه، ويرحمه ويحبه مع ذلك، ولو كان منه ما كان، فإنه يحب التوابين" (التبيان في أقسام القرآن).
- وقفة: من أنت أيها العبد الفقير حتى يتودد إليك أغنى الأغنياء؟! ومن أنت أيها العبد الذليل حتى يتودد إليك العزيز جل في علاه؟!: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثَاهُ يَنْزِلُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ) (رواه مسلم).
وقال ابن القيم في "الفوائد": "ليس العجب من مملوك يتذلل لله ويتعبد له، ولا يمل من خدمته مع حاجته وفقره إليه؛ إنما العجب من مالك يتحبب إلى مملوك بصنوف إنعامه، ويتودد إليه بأنواع إحسانه مع غناه عنه. كفى بك عزًّا أنك له عبد، وكفى بك فخرًا أنه لك رب".
الوقفة الثانية: الأسباب الجالبة لمودة الودود -سبحانه-:
1- معرفة الله: فالتعرف عليه -تعالى- يجلب مودته؛ يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ لَيَعْجَبُ مِنَ الْعَبْدِ إِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، إِنِّي قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، قَالَ: عَبْدِي عَرَفَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ وَيُعَاقِبُ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني).
2- حب النبي -صلى الله عليه وسلم- واتباع سنته: قال -تعالى-: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران: 31).
3- حب القرآن وتلاوته بتدبر وتفكر: عن عائشة -رضي الله عنها-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: (سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ)، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ) (متفق عليه).
4- الانكسار والذل بين يدي العزيز الجبار: فأقرب ما يكون العبد من الرب حال انكساره بين يديه؛ قال ابن رجب: "لو قام المذنبون في هذه الأسحار على أقدام الانكسار، ورفعوا قصص الاعتذار مضمونها: (يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا) (يوسف: 88)، لبرز لهم التوقيع عليها: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (يوسف: 92)" (لطائف المعارف).
5- التقرب إليه بالفروض وكثرة النوافل، لا سيما الصلاة: ففي الحديث القدسي: (وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ) (رواه البخاري).
6- محبة أولياء الله ومجالسة الصالحين المحبين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللهُ لَهُ ‌عَلَى ‌مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لَا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللهِ عز وجل قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ) (رواه مسلم).
7- الزهد في الدنيا: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبُّكَ اللَّهُ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).
8- محبة لقاء الله والاستعداد له بالزيادة في الأعمال الصالحة: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ) (متفق عليه).
9- تذكر نعيم أهل الجنة، ورؤيتهم لربهم: فاستحضار هذه اللحظة يملأ القلب محبة للمنعم -سبحانه-، التي أعظم أسباب وده لعبده: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ . الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) (فاطر: 34-35) وقال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) (مريم: 97).
خاتمة:
- إذا أردت أن يكون لك حظ عظيم من اسم الله -تعالى- (الودود)؛ فتودد إليه بالأعمال الصالحة، وإن وصلت إلى تلك المنزلة، ستنال محبة الله -عز وجل- وملائكته، ويوضع لك قبولًا من أهل الأرض، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلُ فِي السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَيُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ) (متفق عليه).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفرق بين الحب والود: قال العلماء: "إن الحب ما استقر في القلب، والود ما ظهر على السلوك؛ فكل ودود محب، وليس كل محب ودودًا". قلت: هذا في حق المخلوق، وأما في حق الله -تعالى-، فإنه إذا أحب عبده تودد إليه، بل يتودد إلى التائبين من الذنوب، فهو القائل: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ).
(2) يحسن ضرب بعض الأمثلة من مواقف الزوجة الودود (تجنبها لكل ما يغضب زوجها - ومسارعتها في كل ما يسعده، فتودد إليه بألوان من الأمور التي تحببه فيها (طعام، شراب، تزيين المكان، إلخ) فكيف بتودد الملك الغني الذي عنده خزائن السماوات والأرض، ويملك أعظم ما يتنعم به مَن أحبه "الجنة"؟!



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 17-01-2026, 01:56 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,650
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (8) اسم الله (الجبار) (1) (موعظة الأسبوع)



كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- التعرف على الله -تعالى- أجل أنواع المعرفة، والتعبد له -تعالى- بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه).
- ورد اسمه سبحانه "الجبار" لفظًا في القرآن مرة واحدة: قال -تعالى-: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الحشر: 23). - وورد في السُّنة النبوية في مواضع متعددة؛ منها: قوله -صلى الله عليه وسلم-: (يَأْخُذُ الْجَبَّارُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضَهُ بِيَدِهِ وَقَبَضَ بِيَدِهِ فَجَعَلَ يَقْبِضُهَا وَيَبْسُطُهَا ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْجَبَّارُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ) (رواه مسلم).
مجمل كلام العلماء حول معنى اسم "الجبار" في حق الله على معنيين(1):
الأول: جبر القوة والقهر؛ فهو -سبحانه وتعالى- الجبار الذي يقهر الجبابرة ويغلبهم بجبروته وعظمته، فكل جبار وإن عظم فهو تحت قهر الله -عز وجل- وجبروته، في يده وقبضته، وفيه آية سورة الحشر المتقدمة. (سنرجئ الكلام عن هذا المعنى لاسم الله "الجبار"؛ لحديث منفرد يأتي في المرة القادمة -إن شاء الله-).
الثاني: جبر الرحمة والإصلاح، فإنه -سبحانه- يجبر الضعيف بالغنى والقوة، ويجبر الكسير بالسلامة، ويجبر المنكسرة قلوبهم بإزالة كسرها وإحلال الفرج والطمأنينة فيها؛ وما يحصل لهم من الثواب والعاقبة الحميدة إذا صبروا على ذلك من أجله.
قال ابن القيم -رحمه الله- في النونية في معنى "الجبار":
وكذلك الجبار في أوصافه والجبر في أوصافه قسمان
جبر الضعيف وكل قلب قد غدا ذا كسرة فالجبر منه دان
والثاني جبر القهر بالعز الذي لا ينبغي لسواه من إنسان
وقفات مع اسم الله "الجبار" على معنى جبر الرحمة:
الوقفة الأولى: بالجبار -سبحانه- نواجه الكسور والآلام:
كثيرة هي انكسارات الحياة وآلامها (فقر - مرض - ظلم - مصائب ومحن - موت حبيب - جحود معروف - ...)، وكلها تسبب كسورًا نفسية وحسية: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) (البلد: 4).
- المؤمن يواجه كل ذلك بالتعبد لله، ومن ذلك التعبد باسمه -تعالى- "الجبار": فهو يعرف أن له ربًّا "جبارًا" يجبر ضعف الضعيف فيقويه، ويداوي المنكسرة قلوبهم بإحلال الفرج والطمأنينة فيها، فتهون عنده الآلام، وهو ينتظر جبر "الجبار"، وإلا فتأمل دعاءه -صلى الله عليه وسلم- في الجلسة بين السجدتين (17 مرة في الفرض يوميًّا فضلًا عن السنن): (وَاجْبُرْنِي) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني). (أي: داوِ كسري، وادفع عني المكاره).
- المؤمن دائم الاتصال بالجبار ليجبر كسره، بل يبدله حالًا أفضل من حاله قبل الكسر!: كان -صلى الله عليه وسلم- يقول: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا) (رواه مسلم).
نماذج في ذلك:
1- أم سلمة -رضي الله عنها- نموذج من السلف في التوجه إلى "الجبار" عند المصيبة والانكسار: ذكرت أم سلمة أنها لما مات عنها زوجها أبو سلمة كأنها تذكرت وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- السابقة؛ إلا أنها قالت في نفسها تعجبًا: أيُّ المسلمين خير من أبي سلمة؟! وبعد تعجبها استجابت لأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قالت: ثم إني قلتها، فأخبرتْ أن الله -سبحانه- قد أخلف لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأن جعلها زوجته، وكان عوضًا خيرًا لي من زوجها أبي سلمة -رضي الله عنه-.
2- نموذج معاصر في التوجه إلى "الجبار" عند المصيبة والانكسار: (يحكى أحد الدعاة يقول: قبل نحو عشرين سنة تعرضت أسرة أحد إخواننا في المسجد لحادثين متفرقين على الطريق، مات في الأول زوجته، وفي الثاني ماتت أخته وابنته الوحيدة، فحزن لذلك حزنًا شديدًا. يقول: وفي يوم جنازة الابنة الوحيدة نصحه أحد إخوانه وهو يعزيه أن يقول الدعاء الوارد: اللهم أجرني في مصيبتي.. قال الرجل المصاب: فجعلت أتفكر: كيف ذلك وقد بلغت من العمر نحو الستين؟! لكني جعلت أردد الدعاء وأعظم الرجاء في جبار الأرض والسماء. ودارت الأيام وتزوج يريد زوجة تخدمه وأمه المسنة التي يكفلها، فشاء الجبار أن يجبر كسره، فكانت الزوجة الجديدة متاعًا له وأنسًا لأمه، بل.. أنجبت الزوجة الجديدة بدل البنت بنتين قد ملأتا الدنيا عليه سعادة وفرحًا بعد حزن وألم كاد يمزق قلبه قبل ذلك).
الوقفة الثانية: كن جابرًا لكسور غيرك وآلامهم:
- تعبَّد لله بأن يكون لك من هذه الصفة نصيب، وكن ممن يستعملهم الله في جبر كسور عباده: عن عبد الله بن دينار عن بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: قيل: يا رسول الله! من أحب الناس إلى الله؟ قال: (أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تَدْخُلُهُ عَلَى مُؤْمِنٍ، تَكْشِفُ عَنْهُ كَرْبًا أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخِي الْمُسْلِمِ فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرَيْنِ فِي مَسْجِدٍ) (رواه ابن أبي الدنيا، وغيره).
- نماذج في الاتصاف بصفة جبر الرحمة والإصلاح: (النبي -صلى الله عليه وسلم- يتزوج من بعض أمهات المؤمنين جبرًا لخاطرها بعد وفاة زوجها لِما قدمت في الإسلام - الخليفة أبو بكر -رضي الله عنه- يخدم العجوز العمياء فيكنس لها الدار، ويطبخ لها الطعام جبرًا لكسرها وضعفها - عبد الله بن المبارك يطوف على بيوت الفقراء ليلًا فيضع الطعام على الأبواب من غير أن يعلموا به، وما علموا إلا بعد موته - وغيرهم وغيرهم الكثير ممَّن تحلوا بصفة الجبر بالرحمة).
- نموذج معاصر: حكى أحد الدعاة: (أن صديقًا له -طالبًا بجامعة أم القرى بمكة- كان ذاهبًا إلى الجامعة لأداء امتحان في مادة "النقد"، ومر بالسيارة قريبًا من الحرم، فاستوقفه أحد المعتمرين وسأله أن يوصله إلى مكان قسم الشرطة بالمنطقة، فحاول أن يعتذر له لئلا يتأخر عن امتحان مادة "النقد" التي يرسب فيها دائمًا، ومع إلحاح المعتمر أركبه وأوصله إلى أقرب مكان من مركز الشرطة، وفي الطريق فهم أن المعتمر قد ضاعت حافظته التي فيها ماله وهاتفه وجواز سفره، وهو منذ ثلاثة أيام يتكفف الناس، وأجهش المعتمر بالبكاء وهو يقول: "لقد تعبت جدًّا". يقول الداعي: فتأثر له صديقي وقال له مواسيًا: إن الذي جاء بك إلى هنا -سبحانه- لن يجعلك تذل لغيره، ولكن.. قم أنت بين يديه وتذلل له في بيته ولن يضيعك. قال: ثم أخرج صديقي ما معه في جيبه من مال فكانت (83 ريالًا) فأعطاها للمعتمر وأنزله قرب مكان حاجته. وانطلق إلى الجامعة وأدى الامتحان وكان كالعادة لا يحسن الإجابة في هذه المادة. وبعد أسبوعين ظهرت النتيجة فإذا هي (83 درجة من المائة! نعم.. عدد الريالات التي أعطاها للرجل!) (ينظر: لأنك الله - علي جابر الفيفي). قلتُ: وما ينتظره عند الله أعظم. (رحمت عبدًا من عبادي.. أنا أرحم منك.. اذهب فلك كذا...).
الوقفة الثالثة: من آثار التعبد باسمه الجبار على معنى "جبر الرحمة":
1- زيادة محبة الله؛ لأن القلوب جُبِلت على حبِّ مَن أحسن إليها. (سل مَن جربوا جبر الجبار لقلوبهم، وكيف صارت المحبة بعد ذلك في قلوبهم).
2- أن النفس تتوطن على اللجوء إلى الله -سبحانه- الذي يجبر الكسير ويغني الفقير، وهو لا يسأم من سؤال العطايا؛ قال الغني الجبار: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) (الحجر: 21).
خاتمة:
- عجيب أمر كثير من الناس (يقفون بباب الخادم الفقير ويتركون باب الملك الغني، يدخلون على الخادم الفقير ويظلون يشكون له الساعات يظنونه يجبر كسرهم، ويتركون باب الملك الغني الجبار للمكسورين!).
- كن مع ربك كالطفل الرضيع مع أمه.. لا يعرف غيرها، لا يطلب إلا منها، لا يفزع إلا إليها (فهو يعلم أنه لا أحد غيرها سيزيل أوجاعه وآلامه، ويجبر كسره ويدفع عنه أحزانه)؛ فكيف بمن هو أرحم بك من أمك؟! إنه "الجبار" -سبحانه-: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا) (رواه البخاري).
فاللهم يا جبار اجبر كسر قلوبنا، وكسر أرواحنا، وكسر أجسادنا، إنك على كل شيء قدير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ
(1) تركنا المدخل الوعظي في المقدمة؛ نظرًا لتعدد المعاني في اسم الله "الجبار"؛ لأن كل واحد منها يحتاج إلى مدخل وعظي مختلف عن الآخر.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 165.10 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 160.25 كيلو بايت... تم توفير 4.86 كيلو بايت...بمعدل (2.94%)]