النفس اللوامة (محاسبة النفس) - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 135 - عددالزوار : 3829 )           »          وسائل التواصل .. ميدان دعوة .. وجبهة قتال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          التطفيف (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          حِمَالُ خَـيْـبَر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          من بورك له في شيء فليلزمه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          معنى "إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي" (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          نفسك أولًا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          مَن هم خيارُ النَّاس؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          ألا إن نصر الله قريب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          ظاهرة التحريش حين يُقيَّد الدين بقيود المذهب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 06-11-2025, 05:34 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,813
الدولة : Egypt
افتراضي النفس اللوامة (محاسبة النفس)

النفس اللوَّامة

(محاسبة النفس)

د. ثامر عبدالمهدي محمود حتاملة

تلك النفس الحيَّة التي لا ترضى بالدون، ولا تسكن إلى الخطأ، بل تُراجع، وتُحاسب، وتعود، إنها مرحلة من أنبل مراحل ارتقاء الإنسان في مدارج الإيمان والوعي.

ونحن نسميها في زمننا (الضمير)؛ فلان عنده ضمير؛ أي: نفسه لوَّامة.

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾ [القيامة: 1، 2].

أقسم الله بها، وهذا القسم في القرآن ليس عبثًا، بل تعظيم لشأنها؛ فالنفس اللوامة ليست ضعيفة، بل هي ضمير يقظٌ، يذكِّر الإنسان بخطئه، ويُوقظه من غفلته، ويقوده نحو التوبة والإصلاح.

النفس اللوَّامة ليست النفس المعذِّبة التي تُغرق صاحبها في جَلد الذات، بل هي النفس التي تلوم لتصلح، لا لتُحبط، تلوم لتذكِّر بأن الإنسان خُلق ليرتقي، لا ليبقى أسير الزَّلة، فشتَّان بين اللوم البنَّاء الذي يُعيد التوازن، وبين اللوم الهدَّام الذي يزرع الندم واليأس.

قال ابن كثير: عن الحسن البصري في هذه الآية: إن المؤمن – والله - ما نراه إلا يلوم نفسه، يقول: ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ وإن الفاجر يمضي قُدمًا ما يعاتب نفسه.

وفي رواية عن الحسن أيضًا: ليس أحد من أهل السماوات والأرض إلا يلوم نفسه يوم القيامة.

والمؤمن يُفتن وينسى لا محالة، ولكنه يعود إذا ذُكِّر بالله؛ قال نبينا صلى الله عليه وسلم: ((ما من عبدٍ مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة، أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق، وإن المؤمن خُلِق مُفتنًا توَّابًا نسَّاءً، إذا ذُكِّر ذَكَرَ))؛ [رواه الطبراني والبيهقي، والحديث صحيح].

في حياتنا المعاصرة، حيث كثُرت المُغريات وتسارعت وتيرة الحياة، أصبح صوت النفس اللوامة هو صوت الفطرة وسط الضجيج، هو ذاك النداء الخافت الذي يذكِّرك: "ليس هذا أنت"، حين تبتعد عن قيمك ومبادئك.

ولذلك، فإن وجود هذه النفس في داخل الإنسان علامة حياة روحية، ومؤشر على أن الإيمان لم يمُت في القلب بعدُ، وأن الضمير ما زال يعمل.

النفس اللوامة – إذًا - هي الميزان الداخلي الذي يُعيدك إلى الجادة كلما انحرفتَ، وهي التي تصنع منك إنسانًا نبيلًا، لا يبرِّر أخطاءه، بل يتعلم منها.

وفي زمن تغيب فيه المحاسبة الذاتية، يصبح إحياء النفس اللوامة ضرورةً أخلاقية وروحية، فمحاسبة النفس هي التي تحفظ الإنسان من الانزلاق الأخلاقي، ومن التبلُّد القِيمي، ومن أن يكون تابعًا لهواه.

لنرتقِ بأنفسنا من مرحلة الغفلة إلى مرحلة اللوم البنَّاء، ومن مرحلة اللوم إلى مرحلة الاطمئنان؛ كما قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ﴾ [الفجر: 27، 28].

فطريق الطمأنينة يبدأ من لحظة الصدق مع النفس، والجرأة على الاعتراف بالخطأ، والرغبة الصادقة في الإصلاح.

فهذه القلوب سريعة إلى الذنوب، ومن قواعد المحاسبة توبيخُ النفس ومعاتبتها، كان بعض السلف في الحج يدعو: اللهم لا ترُد الناس لأجلي.

ومن جميل ما قاله ابن عطاء الله السكندري: "من لم يأتِ إلى الله بعواطف الامتنان، سِيق إليه بسلاسل الامتحان".

فما دمتَ في راحة ونعمة، فالزم طاعة الله وتعرَّف على الله في الرخاء حتى يعرفك في الشدة، وإياك أن تنتظر حتى تلزم باب الله بسبب بلاء أو امتحان عظيم.

وكان محمد بن واسع يقول: "لو كان للذنوب ريحٌ، ما قدرتم على مجالستي".

والمتأمل في كتاب الله كم يجد من آيات تخبرنا عن ندامة ابن آدم! ففي أكثر من 45 آية ذُكرت ندامة الإنسان؛ منها:
﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان: 27].
﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾ [الفجر: 24].
﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [الملك: 10].

فالإنسان لا بد نادم يوم القيامة؛ كما رُوي في الحديث عند الترمذي مرفوعًا عنه صلى الله عليه وسلم: ((ما من أحد يموت إلا ندم، قالوا: وما ندامته؟ قال: إن كان محسنًا ندم ألَّا يكون ازداد، وإن كان مسيئًا، ندم أن يكون نزع))؛ [والحديث حسنه ابن حجر].

وهلاك القلب والنفس مِن تركِ محاسبتها، والنفس كالشريك الخوَّان إن تركت محاسبته، خانك وأضاع مالك وأعمالك.

النفس اللوامة ليست مرحلةَ ضعف، بل قوةٌ في الوعي، ونضج في الإيمان، وصدق في المسيرة نحو الله.

نحن نعيش اليوم في زمنٍ تداخلت فيه المعايير، وتكاثرت المؤثرات، وأصبح الإنسان يحاصَر من كل جانب بصورٍ، وأفكار، ومغريات تحاول أن تعيد تشكيل ضميره وهويته، وفي خضم هذا الزخم، تظهر النفس اللوامة كحارس داخليٍّ يحمي إنسانيتنا من الذوبان.

فمثلًا:
حين تنشر شيئًا على وسائل التواصل ثم تشعر بعد دقائقَ أن في منشورك رياءً أو تجريحًا لأحد، فتندم وتحذفه، فاعلم أن النفس اللوامة قد نبَّهتك.

وحين تغريك لذة المال أو المنصب أن تتنازل عن قِيمك، ثم يضطرب قلبك، ويذكِّرك أن الحلال بركة، فهذه هي النفس اللوَّامة تعمل في داخلك.

وحين تضعُف أمام الشهوة أو الغضب، ثم يوجعك الضمير بعد ذلك، فتستغفر وتستقيم، فهذه النفس التي تلوم لتُطهرك وتُعيدك إلى صفاء قلبك.

الشباب اليومَ بحاجةٍ إلى أن يسمعوا صوتَ النفس اللوامة وسط ضجيج المقارنات والمظاهر.

فكم من شابٍّ يشعر بالنقص؛ لأنه يرى غيره أكثر مالًا أو شهرة! لكنه لو أصغى إلى نفسه اللوامة لسمِعها تقول له: "القيمة ليست فيما تملك، بل فيما تكون".

إن بناء النفس اللوامة في داخلنا يحتاج إلى ثلاثة أركان:
1. الصدق مع النفس: أن تعترف بخطئك دون تبرير.

2. المراجعة اليومية: كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا".

3. العودة إلى الله بلا تأجيل: لأن التأجيل يُميت الإحساس، والنفس اللوامة لا تحيا إلا بالقرب من الله.

لنحرص أن تبقى فينا هذه النفس اللوامة حية، فهي صوت الرحمة في داخلنا، وجرس الإنذار الذي يُوقظنا قبل السقوط، ورفيقة الطريق نحو النفس المطمئنة؛ التي تنال الرضا والسَّكينة في الدنيا والآخرة.

اللهم أحيِ فينا ضمائرنا، واجعلنا من الذين إذا أذنبوا استغفروا، وإذا أخطؤوا عادوا، وإذا لاموا أنفسهم أصلحوا.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

والله تعالى أعلم وأحكم.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 64.61 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 62.93 كيلو بايت... تم توفير 1.68 كيلو بايت...بمعدل (2.60%)]