|
ملتقى أعلام وشخصيات ملتقى يختص بعرض السير التاريخية للشخصيات الاسلامية والعربية والعالمية من مفكرين وأدباء وسياسيين بارزين |
![]() |
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
#1
|
||||
|
||||
![]() حسرة العالم! د. محمد إبراهيم العشماوي يَشعر العالِم أحيانًا بحسرة في نفسه على كلِّ ليلة سهِر فيها في سبيل العِلم، وودَّ أن لو كان سهَرُه في صلاةٍ وذِكر؛ لأنَّ العِلم تَكتنِفه شهوات النَّفس وحظوظها، وربَّما انتفع به النَّاس واستضرَّ هو، فيكون عليه وبالاً، فيخرج من الدنيا وقد بقيَت عليه تبِعَتُه، وقامَت عليه حجَّته، ولازمَته حَسرته، والصلاة والذِّكر نافعان منجيان في الدنيا والآخرة، بلا بقاء تَبِعة، ولا قيام حجَّة، ولا لزوم حسرة. روى ابن سعدٍ عن داود بن أبي هند قال: "أصابني - يعني الطاعون - فأغمِي عليَّ، فكأنَّ اثنين أتياني، فغمز أحدهما عكوةَ لساني، وغمز الآخر أخمص قدمي، وقال: أي شيء تجد؟ فقال: تسبيحًا، وتكبيرًا، وشيئًا من خطوٍ إلى المساجد، وشيئًا من قراءة القرآن! قال: ولم أكن أخذتُ القرآنَ حينئذٍ، قال: فكنتُ أذهب في الحاجة، فأقول: لو ذكرتُ اللهَ حتى آتي حاجتي، قال: فعوفيتُ، فأقبلتُ على القرآن فتعلمتُه"! وقد مَنع العلمُ كثيرًا من أهل العلم كثيرًا من نوافل العبادات؛ بسبب استيلاء شهوة العِلم عليهم، ومن هؤلاء أمير المؤمنين في الحديث سفيان الثوري، قال يحيى القطَّان: "ما رأيتُ رجلاً أفضل من سفيان لولا الحديث؛ كان يصلِّي ما بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء صلاة، فإذا سَمِع مذاكرةَ الحديث ترك الصلاةَ وجاء"! وقال ابن مهدي: "ربَّما كنَّا عند سفيان، فكأنَّه واقف للحساب، لا نجتري نسأله عن شيء، فنعرض بذِكر الحديث، فإذا جاء الحديثُ ذهب ذاك الخشوع، فإنَّما هو حدَّثَني حدَّثني"! ولكن سفيان أبدى حسرتَه آخر الأمر على استغراقِه في العِلم استغراقًا شغلَه عن العبادة، مع ما كان له فيها من قدَم الصِّدق، فقال: "وددتُ أنِّي حين قرأتُ القرآن وقفتُ عنده، فلم أتجاوزه إلى غيره"! وتمنَّى أن يكون كل علمٍ علمه سوى القرآن قد ذهب، مخافة أن يُسأل عنه، فقال: "وددتُ أن كلَّ حديثٍ حفظتُه، وكل علم علمتُه، قد نُسخَ من صدري، ألستُ أريد أن أُسأل عنه غدًا أيش أردتُ به؟". بل قال في صراحةٍ نادرة: "ليس طلَب الحديث من عدَّة الموت، ولكنَّه علَّة يتشاغل بها الرجل"! وآهٍ من قوله: "لو لم أعلم، كان أيسر لحزني"! واستشعر القومُ حسرةَ سفيان، وباتوا يتوارثونها، ويشفقون منها، ومَن لم يستشعرها منهم في حياته؛ استشعرها - لا محالة - عند مماته، فقد روى الخطيب أنَّ أبا نُعيم الفضل بن دكين دخل على زفر بن الهذيل وقد غرغرَت نفسُه في صدره، فرفع رأسَه إليه، فقال: "يا أبا نعيم، وددتُ أنَّ الذي كنَّا فيه كان تسبيحًا".
__________________
|
![]() |
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
أدوات الموضوع | |
انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |