قل اللهم مالك الملك - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         سحور 9 رمضان.. طريقة عمل البطاطس بالجبنة فى الفرن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          منيو فطار 8 رمضان.. طريقة عمل لحمة بالفلفل الرومى وأرز أبيض (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 35 )           »          تحذيرات من ثغرة أمنية خطيرة فى متصفح Comet من Perplexity AI قد تُعرّض بياناتك للاخترا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 35 )           »          جوجل تطلق ميزة "التحقق من الهوية" فى هواتف بيكسل.. تنقذك من السرقة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          جوجل تدعم مكالمات واتساب عبر الأقمار الصناعية فى هواتف Pixel 10.. تفاصيل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          بدون برامج.. جوجل درايف يقدم ميزة تحرير الفيديو مباشرة عبر Google Vids (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          كيفية استخدام (أو إيقاف) خريطة إنس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          جوجل تجعل حجز المطاعم أسهل عبر وضع الذكاء الاصطناعى فى البحث (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          أوعى تسيبه على تابلوه السيارة.. أفضل أماكن لوضع هاتفك لحمايته من حرارة الصيف (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          أرخص علبة كمبيوتر فى العالم لا تكلف سوى رسوم التوصيل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 35 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 31-12-2019, 05:41 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,566
الدولة : Egypt
افتراضي قل اللهم مالك الملك

قل اللهم مالك الملك




الشيخ عبدالله بن محمد البصري





أَمَّا بَعدُ:
فَأُوصِيكُم -أَيُّهَا النَّاسُ -وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 76].

أَيُّهَا المُسلِمُونَ:
كُلَّ يَومٍ يَعِيشُهُ العَاقِلُ في هَذِهِ الحَيَاةِ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّمُ جَدِيدًا وَيَكتَسِبُ مُفِيدًا، وَالكَيِّسُ مِنَ النَّاسِ مَنِ اعتَبَرَ بما غَبَرَ، وَالفَطِنُ مَن أَخَذَ مِنَ المَاضِي دُرُوسًا لِلحَاضِرِ، وَعَمِلَ بما يُنجِيهِ يَومَ التَّلاقِ ﴿ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ [غافر: 16]. ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [غافر: 17].

عِبَادَ اللهِ:
في شُهُورٍ مَضَت فِيمَا بَينَ العَامِ وَالعَامَينِ وَلا تَزِيدُ، تَوَالَت عَلَى عَالَمِنَا العَرَبيِّ وَالإِسلامِيِّ أَحدَاثٌ جِسَامٌ، وَمَرَّت بِهِ تَغَيُّرَاتٌ عِظَامٌ، سَقَطَت حُكُومَاتٌ وَقَامَت حُكُومَاتٌ، وَتَولىَّ المُلكَ رِجَالٌ وَسَقَطَ رِجَالٌ، وَمَاتَ حُكَّامٌ وَقُتِلَ رُؤَسَاءُ، وَأَمِنَت دُوَلٌ وَخَافَت دُوَلٌ، وَتَحَرَّرَت شُعُوبٌ وَاستُعبِدَت شُعُوبٌ، فَسُبحَانَ اللهِ الَّذِي بِيَدِهِ المُلكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ! سُبحَانَ مَن لا يَحُولُ وَلا يَزُولُ! سُبحَانَ الحَيِّ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [يس: 82،83] ﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ [الأنبياء: 22،23] ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [آل عمران: 26،27] هَذَا شَأنُ اللهِ في خَلقِهِ، وَذَلِكُم تَدبِيرُهُ في مُلكِهِ، لا رَادَّ لما قَضَى، وَلا مَانِعَ لما أَعطَى، وَلا مُعطِيَ لما مَنَعَ، وَلا رَافِعَ لما خَفَضَ وَلا خَافِضَ لما رَفَعَ.


أَيُّهَا المُسلِمُونَ:
إِنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ العَظِيمَةَ، كَانَت وَمَا زَالَت وَلَن تَزَالَ إِلى أَن يَرِثَ اللهُ الأَرضَ وَمَن عَلَيهَا، وَمَن قَرَأَ كِتَابَ اللهِ وَفَقِهَهُ، وَوَعَى التَّأرِيخَ وَتَأَمَّلَ أَحدَاثَهُ، وَجَدَ مِن ذَلِكَ مَا يَملأُ قَلبَهُ يَقِينًا بِأَنَّهُ لا بَقَاءَ إِلاَّ للهِ، وَلا مَالِكَ حَقِيقِيَّ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّهُ لا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِيَدِهِ، وَأَنَّهُ لا شِدَّةٌ تَدُومُ وَلا رَخَاءٌ ﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [النور: 44].

عَاشَ آدَمُ وَزَوجُهُ في الجَنَّةِ مَا شَاءَ اللهُ لهما أَن يَعِيشَا، ثم أَنزَلَهُمَا اللهُ إِلى الأَرضِ لِحِكمَةٍ يَعلَمُهَا، وَعَلَى هَذِهِ الأَرضِ انتَشَرَ بَنُوهُمَا وَتَكَاثَرَ نَسلُهُم، وَابتُلُوا بِالشَّرِّ وَالخَيرِ، وَجُعِلَ بَعضُهُم لِبَعضٍ فِتنَةً، وَعَاشُوا في شَدٍّ وَجَذبٍ وَقُوَّةٍ وَضَعفٍ، يَرتَفِعُ بَعضُهُم حِقبَةً ثم يَقَعُ، وَيَعتَلِي آخَرُونَ حِينًا ثم يَهبِطُونَ، وَالعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ. وَلَو تَأَمَّلَ مُتَأَمِّلٌ مَا جَرَى لأَنبِيَاءِ اللهِ وَأَولِيَائِهِ وَأَصفِيَائِهِ مَعَ أَقوَامِهِم وَمَن حَولَهُم، لَوَجَدَ هَذِهِ السُّنَّةَ مَاضِيَةً جَارِيَةً، لا يَكَادُ زَمَانٌ يَخلُو مِن صِرَاعٍ بَينَ حَقٍّ وَبَاطِلٍ، وَلا مِن تَغلُّبِ جَانِبٍ وَانهِزَامِ جَانِبٍ، وَالعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ.

دَعَا نُوحٌ قَومَهُ مِئَاتِ السِّنِينَ، وَلم يَزدَادُوا إِلاَّ فِرَارًا، وَأَصَرُّوا وَاستَكبَرُوا استِكبَارًا، وَسَخِرُوا مِنهُ وَاستَهزَؤُوا بِهِ، ثم كَانَتِ الغَلَبَةُ لَهُ عَلى سَفِينَةٍ صَنَعَهَا بِيَدِهِ، فَجَرَت في مَوجٍ كَالجِبَالِ تَحتَ عَينِ اللهِ، حَتى ﴿ قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ﴾ [هود: 48].

وَحَاوَلَ قَومُ إِبرَاهِيمَ قَتلَهُ، وَرَمَوهُ في النَّارِ لِحَرقِهِ، فَقَاوَمَهُم وَحدَهُ وَهَاجَرَ إِلى رَبِّهِ ﴿ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [العنكبوت: 24].

وَأُرسِلَ هُودٌ إِلى عَادٍ، فَجَحَدُوا بِآيَاتِ اللهِ وَعَصَوا رُسُلَهُ، فَكَانَتِ النَّتِيجَةُ ﴿ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ [هود/58].

وَبَعَثَ اللهُ في ثمودٍ صَالحًا، فَمَا زَالُوا في شَكٍّ ممَّا جَاءَهُم بِهِ وَرِيبَةٍ، حَتى أَخَذَهُمُ اللهُ بِالصَّيحَةِ ﴿ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ ﴾ [هود: 66،68].

وَأَمَّا لُوطٌ فَبُعِثَ في قَومٍ أُشرِبُوا في قُلُوبِهِم حُبَّ الفَوَاحِشِ وَالعُدُولَ عَنِ الفِطرَةِ السَّوِيَّةِ إِلى الشَّهوَةِ البَهِيمِيَّةِ ﴿ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾ [هود: 82،83].

وَأَمَّا شُعَيبٌ فَأُرسِلَ إِلى أَهلِ مَديَنَ، فَأَبَوا إِلاَّ التَّعَلُّقَ بِدُنيَاهُم وَتَفضِيلَهَا عَلَى مَا عِندَ اللهِ، وَاستَهزَؤُوا بِشُعَيبٍ وَبِصَلاتِهِ، فَحَذَّرَهُم وَقَالَ لهم: ﴿ وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ﴾ [هود: 89] فَمَا ازدَادُوا إِلاَّ عُتُوًّا وَاستِكبَارًا، فَأَصَابَهُم مَا أَصَابَ مَن قَبلَهُم ﴿ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ [هود/94،95].

وَهَكَذَا حَدَثَ لِمُوسَى وَقَومِهِ مَعَ فِرعَونَ الَّذِي ﴿ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص: 4]، فَلَمَّا أَرَادَ اللهُ -تَعَالى -أن يَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ استُضعِفُوا في الأَرضِ وَيَجعَلَهُم أَئِمَّةً وَيَجعَلَهُمُ الوَارِثِينَ وَيُمَكِّنَ لَهُم في الأَرضِ وَيُرِيَ فِرعَونَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنهُم مَا كَانُوا يَحذَرُونَ، لَمَّا أَرَادَ اللهُ ذَلِكَ، دَبَّرَ -سُبحَانَهُ -بِحِكمَتِهِ لِمُوسَى أَلطَفَ التَّدَابِيرِ، وَوَقَاهُ كَيدَ فِرعَونَ وَقَومِهِ، بَل وَقَدَّرَ لَهُ العَيشَ في بَيتِ ذَلِكُمُ الطَّاغِيَةِ وَتَحتَ كَنَفِهِ وَكَفَالَتِهِ، لِيَكُونَ لَهُ بَعدَ ذَلِكَ عَدُوًّا وَحَزَنًا، حَتى إِذَا أَرَادَ -سُبحَانَهُ -نَصرَ المُستَضعَفِينَ، قَالَ -سُبحَانَهُ -: ﴿ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ * وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ﴾ [الأعراف: 136،137].

وَللهِ -تَعَالى -في كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ أَولِيَاءُ وَأَعدَاءٌ يَدفَعُ بِبَعضِهِم بَعضًا، وَقَد قَصَّ عَلَينَا في كِتَابِهِ كَثِيرًا مِن أَنبَائِهِم لِنَتَّعِظَ وَنَعتَبِرَ ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ * وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ﴾ [هود: 100،103].

أَلا فَاتَّقُوا اللهَ -أَيُّهَا المُسلِمُونَ -وَلا يَغتَرَّنَّ قَوِيٌّ بِقُوَّتِهِ، وَلا يَيأَسَنَّ ضَعِيفٌ لِضَعفِهِ، وَاعتَبِرُوا فَقَد قَرَأتُم وَسَمِعتُم، بَل وَرَأَيتُم وَشَهِدتُم، فَخُذُوا العِبرَةَ قَبلَ أَن تَكُونُوا عِبرَةً، وَكُونُوا مَعَ الصَّابِرِينَ، وَادعُوا اللهَ أَن يُفرِغَ عَلَى إِخوَانِكُمُ المُؤمِنِينَ المُستَضعَفِينَ صَبرًا وَأَن يُثَبِّتَ أَقدَامَهُم وَيَنصُرَهُم عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ. فَإِنَّهُ- تَعَالى- قَد نَصَرَ الفِئَةَ القَلِيلَةَ الصَّابِرَةَ عَلَى الكَثِيرَةِ البَاغِيَةِ ﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِين ﴾ [البقرة: 251].

الخطبة الثانية


أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللهَ -تَعَالى -وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ، وَاشكُرُوهُ وَلا تَكفُرُوهُ، وَكُونُوا مَعَهُ يَكُنْ مَعَكُم، فَإِنَّهُ -تَعَالى -الَّذِي بِيَدِهِ المُلكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، يُعِزُّ مَن يَشَاءُ بِأَن يَهدِيَهُ وَيَشرَحَ صَدرَهُ لِلإِسلامِ، فَيُقبِلَ عَلَى طَاعَتِهِ وَيَأنَسَ بِالقُربِ مِنهُ، وَيُوَفِّقَهُ لِلعَدلِ وَالإِحسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُربى، وَيُذِلُّ مَن يَشَاءُ بِأَن يَكِلَهُ إِلى نَفسِهِ فَيَجحَدَ رَبَّهُ وَيَكفُرَ بِهِ، وَيُعرِضَ عَن طَاعَتِهِ وَيَستَكبِرَ وَيَستَنكِفَ، وَيَستَوحِشَ بِالبُعدِ عَنهُ، فَيَكُونَ ظَالِمًا بَاغِيًا مُتَجَاوِزًا. وَإِنَّ في اعتِلاءِ حُكَّامٍ فِيمَا مَضَى وَنُزُولِ آخَرِينَ، وَارتِفَاعِ رُؤَسَاءَ وَانخِفَاضِ كُبَرَاءَ، ومَوتِ مَن مَاتَ وَسَجنِ مَن سُجِنَ، إِنَّ في ذَلِكَ لأَكبَرَ العِبَرِ وَأَعظَمَ الدَّلائِلِ، عَلَى كَونِ مُلكِ هَذِهِ الدُّنيَا قَصِيرًا وَإِنْ طَالَ، حَقِيرًا وَإِنْ تَعَاظَمَ، قَلِيلاً وَإِنْ تَكَثَّرَ، فَكَيفَ بما دُونَهُ مِن وِزَارَاتٍ أَو رِئَاسَةِ إِدَارَاتٍ، أَو مُلكِ أَموَالٍ وَأَسهُمٍ وَعَقَارَاتٍ، بَل كَيفَ بِدَرَاهِمَ مَعدُودَةٍ وَفُتَاتٍ.

فَهَنِيئًا لِمَن أَطَالَ الفِكرَةَ فَأَخَذَ العِبرَةَ، وَأَدَامَ النَّظَرَ فَاعتَبَرَ، وَيَا لَخَسَارَةِ مَنِ اغتَرَّ وَافتُتِنَ، فَبَاعَ بَاقِيًا بِفَانٍ.

فَاتَّقُوا اللهَ- عِبَادَ اللهِ- فَـ"﴿ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: 128] ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾ [الأنبياء: 105].

وَأَمَّا في يَومِ القِيَامَةِ فَإِنَّ المُلكَ كُلَّهُ للهِ، قَالَ - تَعَالى -: ﴿ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ [غافر: 16]، وَقَالَ- سُبحَانَهُ -: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾ [مريم: 40]

وَفي صَحِيحِ مُسلِمٍ وَغَيرِهِ قَالَ -عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ -: "يَطوِي اللهُ السَّمَاوَاتِ يَومَ القِيَامَةِ، ثم يَأخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمنى، ثم يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَينَ الجَبَّارُونَ؟ أَينَ المُتَكَبِّرُونَ؟ ثم يَطوِي الأَرَضِينَ، ثم يَأخُذُهُنَّ بِشِمَالِهِ، ثم يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَينَ الجَبَّارُونَ؟ أَينَ المُتَكَبِّرُونَ؟".

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ أَن تُوقِظَ قُلُوبَنَا مِن رَقَدَاتِ الغَفلَةِ، وَأَن تَغفِرَ لَنَا الذَّنبَ وَالزَّلَةَ، اللَّهُمَّ ارحَمْ مَن مَاتَ مِن وُلاتِنَا عَلَى الحَقِّ، اللَّهُمَّ وَوَفِّقِ الأَحيَاءَ لما تُحِبُّ وَتَرضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِم لِلبِرِّ وَالتَّقوَى، اللَّهُمَّ وَاجعَلْهُم هُدَاةً مُهتَدِينَ، غَيرَ ضَالِّينَ وَلا مُضِلِّينَ، سِلمًا لأَولِيَائِكَ، حَربًا عَلَى أَعدَائِكَ، يُحِبُّونَ بِحُبِّكَ مَن أَحَبَّكَ، وَيُعَادُونَ بِعَدَاوَتِكَ مَن عَادَاكَ، اللَّهُمَّ وَارزُقْهُمُ البِطَانَةَ الصَّالِحَةَ النَّاصِحَةَ، الَّتي تَدُلُّهُم عَلَى الخَيرِ وَتُعِينُهُم عَلَيهِ، وَجَنِّبْهُم بِطَانَةَ الفَسَادِ وَالسُّوءِ وَالفِتنَةِ يَا رَبَّ العَالمِينَ.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 59.57 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 57.89 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (2.81%)]