تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد - الصفحة 43 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الإنفاق على الأيتام سبيل إلى مرافقة النبي في الجنة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          الأندلس المفقود (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          سيرٌ بنصف وحي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          الحب الجنوني للساحرة، كرة القدم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          دعاء المقر بالذنب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          حقيقة العشق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          أرأيتم إن أخذ الله سمعكم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          سر الاستعداد في أيام الطهر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          جزء من تقديرك لنفسك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 21-01-2023, 12:33 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,539
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ الْقَصَصِ
الحلقة (424)
صــ 191 إلى صــ 200







[ ص: 191 ] والثالث : أن وجهها وجه رجل ، وسائر خلقها كخلق الطير ، قاله وهب .

والرابع : أن لها أربع قوائم وزغبا وريشا وجناحين ، قاله مقاتل .

وفي المكان الذي تخرج منه خمسة أقوال .

أحدها : من الصفا . روى حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم [أنه] قال : " بينما عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون ، تضطرب الأرض تحتهم ، وينشق الصفا مما يلي المسعى ، وتخرج الدابة من الصفا ، أول ما يبدو منها رأسها ، ملمعة ذات وبر وريش ، لن يدركها طالب ، ولن يفوتها هارب " . وفي حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " طولها ستون ذراعا " ، وكذلك قال ابن مسعود : تخرج من الصفا . وقال ابن عمر : تخرج من صدع في الصفا كجري الفرس ثلاثة أيام وما خرج ثلثها . وقال عبد الله بن عمر : تخرج الدابة فيمس رأسها السحاب ورجلاها في الأرض ما خرجتا .

والثاني : أنها تخرج من شعب أجياد ، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن ابن عمر مثله .

والثالث : تخرج من بعض أودية تهامة ، قاله ابن عباس .

والرابع : من بحر سدوم ، قاله وهب بن منبه .

[ ص: 192 ] والخامس : أنها تخرج بتهامة بين الصفا والمروة ، حكاه الزجاج وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " تخرج الدابة معها خاتم سليمان ، وعصا موسى ، فتجلو وجه المؤمن بالعصا وتحطم أنف الكافر بالخاتم ، حتى إن أهل البيت ليجتمعون ، فيقول هذا : يا مؤمن ، ويقول هذا : يا كافر " . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " تسم المؤمن بين عينيه وتكتب بين عينيه : مؤمن ، وتسم الكافر بين عينيه وتكتب بين عينيه : كافر ، وتصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين الخافقين " . وقال حذيفة بن أسيد : إن للدابة ثلاث خرجات ، خرجة في بعض البوادي ثم تنكتم ، وخرجة في بعض القرى ثم تنكتم ، فبينما الناس عند أشرف المساجد - يعني المسجد الحرام - إذ ارتفعت الأرض ، فانطلق الناس هرابا ، فلا يفوتونها ، حتى إنها لتأتي الرجل وهو يصلي ، فنقول : أتتعوذ بالصلاة ، والله ما كنت من أهل الصلاة ، فتخطمه ، وتجلو وجه المؤمن . وقال عبد الله بن عمرو: [ ص: 193 ] إنها تنكت في وجه الكافر نكتة سوداء فتفشو في وجهه ، فيسود وجهه وتنكت في وجه المؤمن نكتة بيضاء فتفشو في وجهه حتى يبيض وجهه ، فيعرف الناس المؤمن والكافر ، ولكأني بها قد خرجت في عقب ركب من الحاج .

قوله تعالى: تكلمهم قرأ الأكثرون بتشديد اللام ، فهو من الكلام .

وفيما تكلمهم به ثلاثة أقوال .

أحدها : أنها تقول لهم : إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ، قاله قتادة .

والثاني : تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين الإسلام ، قاله السدي .

والثالث : تقول : هذا مؤمن ، وهذا كافر ، حكاه الماوردي .

وقرأ ابن أبي عبلة ، والجحدري : بتسكين الكاف وكسر اللام [وفتح التاء] ، فهو من الكلم ; قال ثعلب : والمعنى : تجرحهم . وسئل ابن عباس عن القراءتين ، فقال كل ذلك والله تفعله ، تكلم المؤمن ، وتكلم الفاجر والكافر ، أي : تجرحه .

قوله تعالى: أن الناس قرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائي بفتح الهمزة ، وكسرها الباقون; فمن فتح أراد : تكلمهم بأن الناس ، وهكذا قرأ ابن مسعود ، وأبو عمران الجوني : " تكلمهم بأن الناس " بزيادة باء مع فتح الهمزة ; ومن كسر ، فلأن معنى " تكلمهم " : تقول لهم إن الناس ، والكلام قول .
[ ص: 194 ] ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون . حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أماذا كنتم تعملون ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون . ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون

قوله تعالى: ويوم نحشر من كل أمة فوجا الفوج : الجماعة من الناس كالزمرة ، والمراد به : الرؤساء والمتبوعون في الكفر ، حشروا وأقيمت الحجة عليهم . وقد سبق معنى يوزعون [النمل : 17] . حتى إذا جاءوا إلى موقف الحساب ، قال الله تعالى لهم : أكذبتم بآياتي؟! هذا استفهام إنكار عليهم ووعيد لهم ، ولم تحيطوا بها علما فيه قولان .

أحدهما : لم تعرفوها حق معرفتها .

والثاني : لم تحيطوا علما ببطلانها . والمعنى : إنكم لم تتفكروا في صحتها ، أماذا كنتم تعملون في الدنيا فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه؟! .

قوله تعالى: ووقع القول عليهم قد شرحناه آنفا [النمل : 82] بما ظلموا أي : بما أشركوا فهم لا ينطقون بحجة عن أنفسهم . ثم احتج عليهم بالآية التي تلي هذه . ومعنى قوله : والنهار مبصرا أي : يبصر فيه لابتغاء الرزق . ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين . وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل [ ص: 195 ] شيء إنه خبير بما تفعلون من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون . ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون

قوله تعالى: ويوم ينفخ في الصور قال ابن عباس : هذه النفخة الأولى .

قوله تعالى: ففزع من في السماوات ومن في الأرض [قال المفسرون : المعنى : فيفزع من في السماوات ومن في الأرض] ، والمراد أنهم ماتوا ، بلغ بهم الفزع إلى الموت .

وفي قوله : إلا من شاء الله ثلاثة أقوال .

أحدها : أنهم الشهداء ، قاله أبو هريرة ، وابن عباس ، وسعيد بن جبير .

والثاني : جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ، ثم إن الله تعالى يميتهم بعد ذلك ، قاله مقاتل .

والثالث : أنهم الذين في الجنة من الحور وغيرهن ، وكذلك من في النار ، لأنهم خلقوا للبقاء ، ذكره أبو إسحاق بن شاقلا من أصحابنا .

قوله تعالى: وكل أي : من الأحياء الذين ماتوا ثم أحيوا آتوه وقرأ حمزة ، وحفص عن عاصم : " أتوه " بفتح التاء مقصورة ، أي : يأتون الله يوم القيامة داخرين قال ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة : صاغرين . قال أبو عبيدة : " كل " لفظه لفظ الواحد ، ومعناه يقع على الجميع ، فهذه الآية في موضع جمع .

قوله تعالى: وترى الجبال قال ابن قتيبة : هذا يكون إذا نفخ في الصور ، تجمع الجبال وتسير ، فهي لكثرتها تحسب جامدة أي : واقفة [ ص: 196 ] وهي تمر أي : تسير سير السحاب ، وكذلك كل جيش عظيم يحسبه الناظر من بعيد واقفا وهو يسير ، لكثرته ، قال الجعدي يصف جيشا :


بأرعن مثل الطود تحسب أنهم وقوف لحاج والركاب تهملج


قوله تعالى: صنع الله قال الزجاج : هو منصوب على المصدر ، لأن قوله : وترى الجبال تحسبها جامدة دليل على الصنعة ، فكأنه قال : صنع الله ذلك صنعا ، ويجوز الرفع على معنى : ذلك صنع الله . فأما الإتقان ، فهو في اللغة : إحكام الشيء .

قوله تعالى: إنه خبير بما تفعلون قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر : " يفعلون " بالياء . وقرأ نافع ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي بالتاء .

قوله تعالى: من جاء بالحسنة قد شرحنا الحسنة والسيئة في آخر (الأنعام : 160) .

قوله تعالى: فله خير منها فيه قولان .

أحدهما : فله خير منها يصل إليه ، وهو الثواب ، قاله ابن عباس ، والحسن ، وعكرمة .

والثاني : فله أفضل منها ، لأنه يأتي بحسنة فيعطى عشر أمثالها قاله زيد بن أسلم .

قوله تعالى: وهم من فزع يومئذ قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر : " من فزع يومئذ " مضافا . وقرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائي : " من فزع " بالتنوين " يومئذ " بفتح الميم . وقال الفراء : الإضافة أعجب [ ص: 197 ] إلي في العربية ، لأنه فزع معلوم ، ألا ترى إلى قوله : لا يحزنهم الفزع الأكبر [الأنبياء : 103] فصيره معرفة ، فإذا أضفت مكان المعرفة كان أحب إلي . واختار أبو عبيدة قراءة التنوين وقال : هي أعم التأويلين ، فيكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم . قال أبو علي الفارسي : إذا نون جاز أن يعنى به فزع واحد ، وجاز أن يعنى به الكثرة ، لأنه مصدر ، والمصادر تدل على الكثرة وإن كانت مفردة الألفاظ ، كقوله : إن أنكر الأصوات لصوت الحمير [لقمان : 19] ، وكذلك إذا أضيف جاز أن يعنى به فزع واحد ، وجاز أن يعنى به الكثرة ; وعلى هذا القول ، القراءتان سواء ، فإن أريد به الكثرة ، فهو شامل لكل فزع يكون يوم القيامة ، وإن أريد به الواحد ، فهو المشار إليه بقوله : لا يحزنهم الفزع الأكبر [الأنبياء: 103] . وقال ابن السائب : إذا أطبقت النار على أهلها فزعوا فزعة لم يفزعوا مثلها ، وأهل الجنة آمنون من ذلك الفزع .

قوله تعالى: ومن جاء بالسيئة قال المفسرون : هي الشرك فكبت وجوههم يقال : كببت الرجل : إذا ألقيته لوجهه ; وتقول لهم خزنة جهنم : هل تجزون إلا ما كنتم تعملون أي : إلا جزاء ما كنتم تعملون في الدنيا من الشرك . إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين . وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون

[ ص: 198 ] قوله تعالى: إنما أمرت المعنى : قل للمشركين : إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وقرأ ابن مسعود ، وأبو عمران الجوني : " التي حرمها " ، وهي مكة ، وتحريمها : تعظيم حرمتها بالمنع من القتل فيها والسبي والكف عن صيدها وشجرها ، وله كل شيء لأنه خالقه ومالكه ، وأمرت أن أكون من المسلمين أي : من المخلصين لله بالتوحيد ، وأن أتلو القرآن عليكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه أي : فله ثواب اهتدائه ومن ضل أي : أخطأ [طريق] الهدى فقل إنما أنا من المنذرين أي : ليس علي إلا البلاغ ; وذكر المفسرون أن هذا منسوخ بآية السيف . وقل الحمد لله أي : قل لمن ضل : الحمد لله الذي وفقنا لقبول ما امتنعتم منه سيريكم آياته .

ومتى يريهم . فيه قولان .

أحدهما : في الدنيا . ثم فيها ثلاثة أقوال . أحدها : أن منها الدخان وانشقاق القمر ، وقد أراهم ذلك ، رواه أبو صالح عن ابن عباس . والثاني : سيريكم آياته [فتعرفونها] في السماء ، وفي أنفسكم ، وفي الرزق ، قاله مجاهد . والثالث : القتل ببدر ، قاله مقاتل .

والثاني : سيريكم آياته في الآخرة فتعرفونها على ما قال في الدنيا ، قاله الحسن .

[ ص: 199 ] قوله تعالى: وما ربك بغافل عما تعملون وقرأ نافع ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم : " تعلمون " بالتاء ، على معنى : قل لهم . وقرأ الباقون بالياء ، على أنه وعيد لهم بالجزاء على أعمالهم .

[ ص: 200 ] سُورَةُ الْقَصَصِ

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا غَيْرَ آَيَةٍ مِنْهَا ، وَهِيَ قَوْلُهُ : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ [الْقَصَصِ : 85] فَإِنَّهَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ بِالْجُحْفَةِ فِي وَقْتِ خُرُوجِهِ لِلْهِجْرَةِ ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَعِكْرِمَةَ : أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا . وَزَعَمَ مُقَاتِلٌ : أَنَّ فِيهَا مِنَ الْمَدَنِيِّ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ [الْقَصَصِ : 52] إِلَى قَوْلِهِ : لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [الْقَصَصِ : 55] . وَفِيهَا آَيَةٌ لَيْسَتْ بِمَكِّيَّةٍ وَلَا مَدَنِيَّةٍ وَهِيَ قَوْلُهُ : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ [الْقَصَصِ : 85] نَزَلَتْ بِالْجُحْفَةِ .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

طسم . تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 21-01-2023, 12:36 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,539
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ الْقَصَصِ
الحلقة (425)
صــ 201 إلى صــ 210







[ ص: 201 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: طسم قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [الشُّعَرَاءِ]

قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ أَيْ : طَغَى وَتَجَبَّرَ فِي أَرْضِ مِصْرَ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا أَيْ : فِرَقًا وَأَصْنَافًا فِي خِدْمَتِهِ يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ وَهْم بَنُو إِسْرَائِيلَ ، وَاسْتِضْعَافُهُ إِيَّاهُمْ : اسْتِعْبَادُهُمْ ، إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ بِالْقَتْلِ وَالْعَمَلِ بِالْمَعَاصِي . يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَقَرَأَ أَبُو رَزِينٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ ، وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ : " يَذْبَحُ " بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الذَّالِ خَفِيفَةً .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ أَيْ : نُنْعِمُ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا وَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ ، وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهِمْ فِي الْخَيْرِ وَقَالَ قَتَادَةُ : وُلَاةً وَمُلُوكًا وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ لِمُلْكِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ غَرَقِهِ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا وَقَرَأَ حَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ ، وَخَلَفٌ : " وَيَرَى " بِيَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَإِمَالَةِ الْأَلِفِ الَّتِي بَعْدَ الرَّاءِ " فِرْعَوْنُ وَهَامَانُ وَجُنُودُهُمَا " بِالرَّفْعِ . وَمَعْنَى الْآيَةِ : أَنَّهُمْ أَخْبَرُوا أَنَّ هَلَاكَهُمْ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَكَانُوا عَلَى وَجَلٍ مِنْهُمْ ، فَأَرَاهُمُ اللَّهُ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ .وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين . فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون

قوله تعالى: وأوحينا إلى أم موسى فيه ثلاثة أقوال .

أحدها : أنه إلهام ، قاله ابن عباس . والثاني : أن جبريل أتاها بذلك، [ ص: 202 ] قاله مقاتل . والثالث : أنه كان رؤيا منام ، حكاه الماوردي . قال مقاتل : واسم أم موسى " يوخابذ " .

قوله تعالى: أن أرضعيه قال المفسرون : كانت امرأة من القوابل مصافية لأم موسى ، فلما وضعته تولت أمرها ثم خرجت فرآها بعض العيون فجاؤوا ليدخلوا على أم موسى ، فقالت أخته : يا أماه هذا الحرس بالباب ، فلفت موسى في خرقة ووضعته في التنور وهو يسجر، فدخلوا ثم خرجوا ، فقال لأخته : أين الصبي ، قالت : لا أدري ، فسمعت بكاءه من التنور فاطلعت وقد جعل الله عليه النار بردا وسلاما ، فأرضعته بعد ولادته ثلاثة أشهر ، وقيل : أربعة أشهر ، فلما خافت عليه صنعت له التابوت .

وفي قوله : فإذا خفت عليه قولان .

أحدهما : إذا خفت عليه القتل ، قاله مقاتل .

والثاني : إذا خفت [عليه] أن يصيح أو يبكي فيسمع صوته ، قاله ابن السائب .

وفي قوله : ولا تخافي قولان .

[ ص: 203 ] أحدهما : أن يغرق ، قاله ابن السائب . والثاني : أن يضيع ، قاله مقاتل .

وقال الأصمعي : قلت لأعرابية : ما أفصحك! فقالت : أوبعد هذه الآية فصاحة وهي قوله : وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ، ولا تخافي ولا تحزني ، إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين جمع فيها بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين؟!

قوله تعالى: فالتقطه آل فرعون الالتقاط : إصابة الشيء من غير طلب . والمراد بآل فرعون : الذين تولوا أخذ التابوت من البحر .

وفي الذين التقطوه ثلاثة أقوال .

أحدها : جواري امرأة فرعون ، قاله السدي . والثاني : ابنة فرعون ، قاله محمد بن قيس . والثالث : أعوان فرعون ، قاله ابن إسحاق .

قوله تعالى: ليكون لهم عدوا أي : ليصير بهم الأمر إلى ذلك لا أنهم أخذوه لهذا ، وهذه اللام تسمى لام العاقبة ، وقد شرحناه في (يونس : 88) .

وللمفسرين في معنى الكلام قولان .

أحدهما : ليكون لهم عدوا في دينهم وحزنا لما يصنعه بهم .

والثاني : عدوا لرجالهم وحزنا على نسائهم ، فقتل الرجال بالغرق ، واستعبد النساء . وقالت امرأت فرعون وهي آسية بنت مزاحم ، وكانت من بني إسرائيل تزوجها فرعون : قرت عين قال الزجاج : رفع " قرة عين " على إضمار " هو " . قال المفسرون : كان فرعون لا يولد له إلا البنات ، فقالت : عسى [ ص: 204 ] أن ينفعنا فنصيب منه خيرا أو نتخذه ولدا ، وهم لا يشعرون فيه أربعة أقوال .

أحدها : لا يشعرون أنه عدو لهم ، قاله مجاهد . والثاني : أن هلاكهم على يديه ، قاله قتادة . والثالث : لا يشعر بنو إسرائيل أنا التقطناه ، قاله محمد بن قيس . والرابع : لا يشعرون أني أفعل ما أريد لا ما يريدون ، قاله محمد بن إسحاق .
وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين . وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون . فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون

قوله تعالى: وأصبح فؤاد أم موسى فارغا فيه أربعة أقوال .

أحدها : فارغا من كل شيء إلا من ذكر موسى ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد وعكرمة ، وقتادة ، والضحاك .

والثاني : أصبح فؤادها فزعا ، رواه الضحاك عن ابن عباس ، وهي قراءة أبي رزين ، وأبي العالية ، والضحاك ، وقتادة ، وعاصم الجحدري ، فإنهم قرؤوا : " فزعا " بزاي معجمة .

والثالث : فارغا من وحينا بنسيانه ، قاله الحسن ، وابن زيد . [ ص: 205 ] والرابع : فارغا من الحزن ، لعلمها أنه لم يقتل ، قاله أبو عبيدة . قال ابن قتيبة : وهذا من أعجب التفسير ، كيف يكون كذلك والله يقول : لولا أن ربطنا على قلبها ؟! وهل يربط إلا على قلب الجازع المحزون؟!

قوله تعالى: إن كادت لتبدي به في هذه الهاء قولان .

أحدهما : أنها ترجع إلى موسى . ومتى أرادت هذا؟ فيه ثلاثة أقوال .

أحدها : أنه حين فارقته ; روى سعيد بن جبير عن ابن عباس [أنه] قال : كادت تقول : يا بنياه . قال قتادة : وذلك من شدة وجدها . والثاني حين حملت لرضاعه ثم كادت تقول : هو ابني ، قاله السدي . والثالث : أنه لما كبر وسمعت الناس يقولون : موسى بن فرعون ، كادت تقول : لا بل هو ابني ، قاله ابن السائب .

والقول الثاني : أنها ترجع إلى الوحي ; والمعنى : إن كادت لتبدي بالوحي ، حكاه ابن جرير .

قوله تعالى: لولا أن ربطنا على قلبها قال الزجاج : المعنى : لولا ربطنا على قلبها ، والربط : إلهام الصبر وتشديد القلب وتقويته .

قوله تعالى: لتكون من المؤمنين أي : من المصدقين بوعد الله . وقالت لأخته قصيه قال ابن عباس : قصي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكرا ، [أي] : أحي هو ، أو قد أكلته الدواب؟ ونسيت الذي وعدها الله فيه . وقال وهب : إنما قالت لأخته: قصيه ، لأنها سمعت أن فرعون قد أصاب صبيا في تابوت . قال مقاتل : واسم أخته : مريم . قال ابن قتيبة : ومعنى " قصيه " : قصي أثره واتبعيه فبصرت به عن جنب أي : عن [ ص: 206 ] بعد منها عنه وإعراض ، لئلا يفطنوا ، والمجانبة من هذا . وقرأ أبي بن كعب ، وأبو مجلز : " عن جناب " بفتح الجيم والنون وبألف بعدهما . وقرأ ابن مسعود ، وأبو عمران الجوني : " عن جانب " بفتح الجيم وكسر النون وبينهما ألف . وقرأ قتادة ، وأبو العالية ، وعاصم الجحدري : " عن جنب " بفتح الجيم وإسكان النون من غير ألف .

قوله تعالى: وهم لا يشعرون فيه قولان .

أحدهما : وهم لا يشعرون أنه عدو لهم ، قاله مجاهد .

والثاني : لا يشعرون أنها أخته ، قاله السدي .

قوله تعالى: وحرمنا عليه المراضع وهي جمع مرضع من قبل أي : من قبل أن نرده على أمه ، وهذا تحريم منع ، لا تحريم شرع . قال المفسرون : بقي ثمانية أيام ولياليهن ، كلما أتي بمرضع لم يقبل ثديها ، فأهمهم ذلك واشتد عليهم فقالت لهم أخته : هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم فقالوا لها : نعم ، من تلك؟ فقالت : أمي ، قالوا : وهل لها لبن قالت لبن هارون . فلما جاءت قبل ثديها . وقيل : إنها لما قالت : وهم له ناصحون قالوا : لعلك تعرفين أهله ، قالت : لا ، ولكني إنما قلت : وهم للملك ناصحون .

قوله تعالى: فرددناه إلى أمه قد شرحناه في (طه : 40) .

قوله تعالى: ولتعلم أن وعد الله يرد ولدها حق وهذا علم عيان ومشاهدة ولكن أكثرهم لا يعلمون أن الله وعدها أن يرده إليها .
[ ص: 207 ] ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين . ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم . قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين .

ولما بلغ أشده قد فسرنا هذه الآية في سورة (يوسف : 22) ، وكلام المفسرين في لفظ الآيتين متقارب ، إلا أنهم فرقوا بين بلوغ الأشد وبين الاستواء ; فأما بلوغ الأشد ، فقد سلف بيانه [الأنعام : 152] .

وفي مدة الاستواء لهم قولان .

أحدهما : أنه أربعون سنة ، قاله مجاهد ، وقتادة ، وابن زيد .

والثاني : ستون سنة ، ذكره ابن جرير . قال المفسرون : مكث عند أمه حتى فطمته ، ثم ردته إليهم ، فنشأ في حجر فرعون وامرأته واتخذاه ولدا .

قوله تعالى: ودخل المدينة فيها قولان .

أحدهما : أنها مصر . والثاني مدينة بالقرب من مصر .

قال السدي : ركب فرعون يوما وليس عنده موسى ، فلما جاء موسى ركب في أثره فأدركه المقيل في تلك المدينة . وقال غيره : لما توهم فرعون في موسى أنه عدوه أمر بإخراجه من مدينته ، فلم يدخل إلا بعد أن كبر فدخلها يوما على حين غفلة من أهلها .

[ ص: 208 ] وفي ذلك الوقت أربعة أقوال .

أحدها : أنه كان يوم عيد لهم ، وكانوا قد اشتغلوا فيه بلهوهم ، قاله علي عليه السلام .

والثاني : أنه دخل نصف النهار ، رواه جماعة عن ابن عباس ، وبه قال سعيد بن جبير .

والثالث : بين المغرب والعشاء ، قاله وهب بن منبه .

والرابع : أنهم لما أخرجوه لم يدخل عليهم حتى كبر ، فدخل على حين غفلة عن ذكره ، لأنه قد نسي أمره ، قاله ابن زيد .

قوله تعالى: هذا من شيعته أي : من أصحابه من بني إسرائيل وهذا من عدوه أي : من أعدائه من القبط ، والعدو يذكر للواحد وللجمع . قال الزجاج : وإنما قيل في الغائب : " هذا " و " هذا " ، على جهة الحكاية للحضرة ; والمعنى : أنه إذا نظر إليهما الناظر قال : هذا من شيعته ، وهذا من عدوه . قال المفسرون : وإن القبطي كان قد سخر الإسرائيلي أن يحمل حطبا إلى مطبخ فرعون فاستغاثه أي : فاستنصره ، فوكزه قال الزجاج : الوكز : أن يضربه بجميع كفه . وقال ابن قتيبة : " فوكزه " أي : لكزه ، يقال : وكزته ولكزته ولهزته : إذا دفعته ، فقضى عليه أي : قتله ; وكل شيء فرغت منه فقد قضيته وقضيت عليه . وللمفسرين فيما وكزه به قولان .

أحدهما : كفه ، قاله مجاهد . والثاني : عصاه ، قاله قتادة .

فلما مات القبطي ندم موسى لأنه لم يرد قتله ، و قال هذا من عمل الشيطان أي : هو الذي هيج غضبي حتى ضربت هذا ، إنه عدو [ ص: 209 ] لابن آدم مضل له مبين عداوته . ثم استغفر ف قال رب إني ظلمت نفسي أي : بقتل هذا ، ولا ينبغي لنبي أن يقتل حتى يؤمر . قال رب بما أنعمت علي بالمغفرة فلن أكون ظهيرا للمجرمين قال ابن عباس : عونا للكافرين . وهذا يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافرا .
فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين . فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين

قوله تعالى: فأصبح في المدينة وهي التي قتل بها القبطي خائفا على نفسه يترقب أي : ينتظر سوءا يناله منهم ويخاف أن يقتل به فإذا الذي استنصره بالأمس وهو الإسرائيلي يستصرخه أي : يستغيث به على قبطي آخر أراد أن يسخره أيضا قال له موسى في هاء الكناية قولان .

أحدهما : أنها ترجع إلى القبطي . والثاني : إلى الإسرائيلي ، وهو أصح .

فعلى الأول يكون المعنى : إنك لغوي بتسخيرك وظلمك .

وعلى الثاني فيه قولان .

أحدهما : أن يكون الغوي بمعنى المغوي ، كالأليم والوجيع بمعنى المؤلم [ ص: 210 ] والموجع ; والمعنى : إنك لمضل حين قتلت بالأمس رجلا بسببك ، وتدعوني اليوم إلى آخر .

والثاني : أن يكون الغوي بمعنى الغاوي ; والمعنى إنك غاو في قتالك من لا تطيق دفع شره عنك .

قوله تعالى: فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما أي : بالقبطي قال يا موسى هذا قول الإسرائيلي من غير خلاف علمناه بين المفسرين ; قالوا : لما رأى الإسرائيلي غضب موسى عليه حين قال [له] : إنك لغوي مبين ورآه قد هم أن يبطش بالفرعوني ، ظن أنه يريده فخاف على نفسه ف قال يا موسى أتريد أن تقتلني وكان قوم فرعون لم يعلموا من قاتل القبطي ، إلا أنهم أتوا إلى فرعون فقالوا : إن بني إسرائيل قتلوا رجلا منا فخذ لنا بحقنا ، فقال : ابغوني قاتله ومن يشهد عليه لآخذ لكم حقكم ، فبينا هم يطوفون ولا يدرون من القاتل ، وقعت هذه الخصومة بين الإسرائيلي والقبطي في اليوم الثاني ، فلما قال الإسرائيلي لموسى : أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس انطلق القبطي إلى فرعون فأخبره أن موسى هو الذي قتل الرجل ، فأمر بقتل موسى ، فعلم بذلك رجل من شيعة موسى فأتاه فأخبره ، فذلك قوله : وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى . فأما الجبار ، فقال السدي : هو القتال ، وقد شرحناه في (هود : 59) ، وأقصى المدينة : آخرها وأبعدها ، ويسعى ، بمعنى يسرع . قال ابن عباس : وهذا الرجل هو مؤمن آل فرعون ، وسيأتي الخلاف في اسمه في سورة (المؤمنون : 28) . فأما الملأ ، فهم الوجوه من الناس والأشراف .

وفي قوله : يأتمرون بك ثلاثة أقوال .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 21-01-2023, 12:39 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,539
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ الْقَصَصِ
الحلقة (426)
صــ 211 إلى صــ 220






[ ص: 211 ] أحدها : يتشاورون فيك ليقتلوك ، قاله أبو عبيدة . والثاني : يهمون بك ، قاله ابن قتيبة . والثالث : يأمر بعضهم بعضا بقتلك ، قاله الزجاج .
فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين . ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل و لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير . فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين . قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين . قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل

قوله تعالى: فخرج منها أي : من مصر خائفا وقد مضى تفسيره [القصص : 18 ] .

قوله تعالى: نجني من القوم الظالمين يعني المشركين أهل مصر .

ولما توجه تلقاء مدين قال ابن قتيبة : أي : تجاه مدين ونحوها ، وأصله : اللقاء ، وزيدت فيه التاء ، قال الشاعر :

[ ص: 212 ]
[ أملت خيرك هل تأتي مواعده] فاليوم قصر عن تلقائك الأمل
.

أي : عن لقائك .

قال المفسرون : خرج خائفا بغير زاد ولا ظهر ، وكان بين مصر ومدين مسيرة ثمانية أيام ، ولم يكن له بالطريق علم ، ف قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل أي : قصده . قال ابن عباس : لم يكن له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه . وقال السدي : بعث الله له ملكا فدله ، قالوا : ولم يكن له في طريقه طعام إلا ورق الشجر ، فورد ماء مدين وخضرة البقل تتراءى في بطنه من الهزال ; والأمة : الجماعة ، وهم الرعاة ، يسقون مواشيهم ووجد من دونهم أي : من سوى الأمة امرأتين وهما ابنتا شعيب ; قال مقاتل : واسم الكبرى : صبورا والصغرى : عبرا تذودان قال ابن قتيبة : أي : تكفان غنمهما ، فحذف الغنم اختصارا قال المفسرون : وإنما فعلتا ذلك ليفرغ الناس وتخلو لهما البئر ، قال موسى : ما خطبكما أي : ما شأنكما لا تسقيان؟! قالتا لا نسقي وقرأ ابن مسعود ، وأبو الجوزاء ، وابن يعمر ، وابن السميفع : " نسقي " برفع النون حتى يصدر الرعاء وقرأ أبو عمرو ، وابن عامر ، وأبو جعفر : " يصدر " بفتح الياء وضم الدال ، أي : حتى يرجع الرعاء . وقرأ الباقون : " يصدر " بضم الياء وكسر الدال ، أرادوا : حتى يرد الرعاء غنمهم عن الماء . والرعاء : جمع راع ، كما يقال : صاحب وصحاب . وقرأ عكرمة، [ ص: 213 ] وسعيد بن جبير ، وابن يعمر ، وعاصم الجحدري : " الرعاء " بضم الراء ، والمعنى : نحن امرأتان لا نستطيع أن نزاحم الرجال وأبونا شيخ كبير لا يقدر أن يسقي ماشيته من الكبر ; فلذلك احتجنا نحن إلى أن نسقي ، وكان على تلك البئر صخرة عظيمة ، فإذا فرغ الرعاء من سقيهم أعادوا الصخرة ، فتأتي المرأتان إلى فضول حياض الرعاء فتسقيان غنمهما . فسقى لهما موسى .

وفي صفة ما صنع قولان .

أحدهما : أنه ذهب إلى بئر أخرى عليها صخرة لا يقتلعها إلا جماعة من الناس ، فاقتلعها وسقى لهما ، قاله عمر بن الخطاب ، وشريح .

والثاني : أنه زاحم القوم على الماء ، وسقى لهما ، قاله ابن إسحاق ، والمعنى : سقى غنمهما لأجلهما .

ثم تولى أي : انصرف إلى الظل وهو ظل شجرة فقال رب إني لما اللام بمعنى إلى ، فتقديره : إني إلى ما أنزلت إلي من خير فقير وأراد بالخير : الطعام . وحكى ابن جرير أنه أسمع المرأتين [ ص: 214 ] هذا الكلام تعريضا أن تطعماه . فجاءته إحداهما المعنى : فلما شربت غنمهما رجعتا إلى أبيهما فأخبرتاه خبر موسى ، فبعث إحداهما تدعو موسى . وفيها قولان . أحدهما : الصغرى . والثاني : الكبرى . فجاءته تمشي على استحياء قد سترت وجهها بكم درعها .

وفي سبب استحيائها ثلاثة أقوال .

أحدها : أنه كان من صفتها الحياء ، فهي تمشي مشي من لم يعتد الخروج والدخول .

والثاني : لأنها دعته لتكافئه ، وكان الأجمل عندها أن تدعوه من غير مكافأة .

والثالث : لأنها رسول أبيها .

قوله تعالى: ليجزيك أجر ما سقيت لنا قال المفسرون : لما سمع موسى هذا القول كرهه وأراد أن لا يتبعها ، فلم يجد بدا للجهد الذي به من اتباعها ، فتبعها ، فكانت الريح تضرب ثوبها فيصف بعض جسدها ، فناداها : يا أمة الله ، كوني خلفي ودليني الطريق فلما جاءه أي : جاء موسى شعيبا وقص [ ص: 215 ] عليه القصص أي : أخبره بأمره من حين ولد والسبب الذي أخرجه من أرضه قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين أي : لا سلطان لفرعون بأرضنا ولسنا في مملكته . قالت إحداهما وهي الكبرى : يا أبت استأجره أي : اتخذه أجيرا إن خير من استأجرت القوي الأمين أي : خير من استعملت على عملك من قوي على عملك وأدى الأمانة ; وإنما سمته قويا ، لرفعه الحجر عن رأس البئر ، وقيل : لأنه استقى بدلو لا يقلها إلا العدد الكثير من الرجال ، وسمته أمينا ، لأنه أمرها أن تمشي خلفه . وقال السدي : قال لها شعيب : قد رأيت قوته ، فما يدريك بأمانته؟ فحدثته . قال المفسرون : فرغب فيه شعيب ، فقال له : إني أريد أن أنكحك أي : أزواجك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج قال الفراء : تأجرني وتأجرني ، بضم الجيم وكسرها ، لغتان . قال الزجاج : والمعنى : تكون أجيرا لي ثماني سنين فإن أتممت عشرا فمن عندك أي : فذلك تفضل منك ، وليس بواجب عليك .

قوله تعالى: وما أريد أن أشق عليك أي : في العشر ستجدني إن شاء الله من الصالحين أي : في حسن الصحبة والوفاء بما قلت . قال له موسى ذلك بيني وبينك أي : ذلك الذي وصفت وشرطت علي فلك ، وما شرطت لي من تزويج إحداهما فلي ، فالأمر كذلك بيننا وتم الكلام هاهنا . ثم قال : أيما الأجلين يعني : الثماني والعشر . قال أبو عبيدة : " ما " زائدة .

قوله تعالى: قضيت أي : أتممت فلا عدوان علي أي : لا سبيل علي ; والمعنى : لا تعتد علي بأن تلزمني أكثر منه والله على ما نقول وكيل قال الزجاج : أي : والله شاهدنا على ما عقد بعضنا على بعض .

[ ص: 216 ] واختلف العلماء في هذا الرجل الذي استأجر موسى على أربعة أقوال .

أحدها : أنه شعيب نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى هذا أكثر [أهل] التفسير ، وفيه أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل عليه ، وبه قال وهب ، ومقاتل .

والثاني : أنه صاحب مدين ، واسمه يثرى ، قاله ابن عباس .

والثالث : رجل من قوم شعيب : قاله الحسن .

والرابع : أنه يثرون ابن أخي شعيب ، رواه عمرو بن مرة عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، وبه قال ابن السائب .

واختلفوا في التي تزوجها موسى من الإبنتين على قولين .

أحدهما : الصغرى ، روي عن ابن عباس . والثاني : الكبرى ، قاله مقاتل .

[ ص: 217 ] وفي اسم التي تزوجها ثلاثة أقوال .

أحدها : صفوريا ، حكاه أبو عمران الجوني . والثاني : صفورة ، قاله شعيب الجبائي . والثالث : صبورا ، قاله مقاتل . فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون . فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين . اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون .

قوله تعالى: فلما قضى موسى الأجل روى ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل : أي الأجلين قضى موسى ، قال : أوفاهما وأطيبهما . قال مجاهد مكث بعد قضاء الأجل عندهم عشرا [ ص: 218 ] أخر . وقال وهب بن منبه : أقام عندهم بعد أن أدخل عليه امرأته سنين ، وقد سبق تفسير هذه الآية [طه : 10] إلى قوله : أو جذوة وقرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، والكسائي : " جذوة " بكسر الجيم . وقرأ عاصم بفتحها . وقرأ حمزة ، وخلف ، والوليد عن ابن عامر بضمها ، وكلها لغات . قال ابن عباس : الجذوة : قطعة حطب فيها نار ، وقال أبو عبيدة : قطعة غليظة من الحطب ليس فيها لهب ، وهي مثل الجذمة من أصل الشجرة ، قال ابن مقبل :


باتت حواطب ليلى يلتمسن لها جزل الجذا غير خوار ولا دعر


والدعر : الذي قد نخر ، ومنه رجل داعر ، أي : فاسد

قوله تعالى: نودي من شاطئ الواد وهو : جانبه الأيمن وهو الذي عن يمين موسى في البقعة وهي القطعة من الأرض المباركة بتكليم الله موسى فيها من الشجرة أي : من ناحيتها . وفي تلك الشجرة قولان .

أحدهما : [أنها] شجرة العناب ، قاله ابن عباس .

والثاني : عوسجة ، قاله قتادة ، وابن السائب ، ومقاتل .

[ ص: 219 ] وما بعد هذا قد سبق بيانه [النمل : 10] إلى قوله : إنك من الآمنين أي : من أن ينالك مكروه .

قوله تعالى: اسلك يدك أي : أدخلها ، واضمم إليك جناحك قد فسرنا الجناح في (طه : 22) إلا أن بعض المفسرين خالف بين تفسير اللفظين ، فشرحناه . وقال ابن زيد : جناحه : الذراع والعضد والكف . وقال الزجاج : الجناح هاهنا : العضد ، ويقال لليد كلها : جناح . وحكى ابن الأنباري عن الفراء أنه قال : الجناح هاهنا : العصا . قال ابن الأنباري : الجناح للإنسان مشبه بالجناح للطائر ، ففي حال تشبه العرب رجلي الإنسان بجناحي الطائر ، فيقولون : قد مضى فلان طائرا في جناحيه ، يعنون ساعيا على قدميه ، وفي حال يجعلون العضد منه بمنزلة جناحي الطائر ، كقوله : واضمم يدك إلى جناحك ، وفي حال يجعلون العصا بمنزلة الجناح ، لأن الإنسان يدفع بها عن نفسه كدفع الطائر عن نفسه بجناحه ، كقوله : واضمم إليك جناحك من الرهب ، وإنما يوقع الجناح على هذه الأشياء تشبيها واستعارة ، كما يقال : قد قص جناح الإنسان ، وقد قطعت يده ورجله : إذا وقعت به جائحة أبطلت تصرفه ; ويقول الرجل للرجل : أنت يدي ورجلي ، أي : أنت من به أصل إلى محابي ، قال جرير :

سأشكر أن رددت إلي ريشي وأنبت القوادم في جناحي

وقالت امرأة من العرب ترثي زوجها الأغر :


يا عصمتي في النائبات ويا ركني [الأغر] ويا يدي اليمنى
لا صنت وجها كنت صائنه أبدا ووجهك في الثرى يبلى


فأما الرهب ، فقرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو : " من الرهب " بفتح [ ص: 220 ] الراء والهاء . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم : " من الرهب " بضم الراء وسكون الهاء . وقرأ حفص [وأبان] عن عاصم : " من الرهب " بفتح الراء وسكون الهاء [وهي قراءة ابن مسعود ، وابن السميفع] . وقرأ أبي بن كعب ، والحسن ، وقتادة : بضم الراء والهاء . قال الزجاج : الرهب ، والرهب بمعنى واحد ، مثل الرشد ، والرشد . وقال أبو عبيدة : الرهب والرهبة بمعنى الخوف والفرق . وقال ابن الأنباري : الرهب ، والرهب ، والرهب ، مثل الشغل ، والشغل ، والشغل والبخل ، والبخل ، والبخل ، وتلك لغات ترجع إلى معنى الخوف والفرق .

وللمفسرين في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال .

أحدها : أنه لما هرب من الحية أمره الله أن يضم إليه جناحه ليذهب عنه الفزع . قال ابن عباس : المعنى : اضمم يدك إلى صدرك من الخوف ولا خوف عليك . وقال مجاهد : كل من فزع فضم جناحه إليه ذهب عنه الفزع .

والثاني : أنه لما هاله بياض يده وشعاعها ، أمر أن يدخلها في جيبه ، فعادت إلى حالتها الأولى .

والثالث : أن معنى الكلام : سكن روعك ، وثبت جأشك . قال أبو علي : ليس يراد به الضم بين الشيئين ، إنما أمر بالعزم [على ما أمر به] والجد فيه ، ومثله : اشدد حيازيمك للموت .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 21-01-2023, 12:41 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,539
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ الْقَصَصِ
الحلقة (427)
صــ 221 إلى صــ 230





قوله تعالى: فذانك قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو : " فذانك " بالتشديد . وقرأ الباقون : " فذانك " بالتخفيف . قال الزجاج : التشديد تثنية " ذلك " ، والتخفيف تثنية " ذاك " ، فجعل اللام في " ذلك " بدلا من تشديد النون في " ذانك " ، برهانان أي : بيانان اثنان . قال المفسرون : " فذانك " يعني [ ص: 221 ] العصا واليد ، حجتان من الله لموسى على صدقه ، إلى فرعون أي : أرسلنا بهاتين الآيتين إلى فرعون . وقد سبق تفسير ما بعد هذا [الشعراء : 14] إلى قوله : هو أفصح مني لسانا أي : أحسن بيانا ، لأن موسى كان في لسانه أثر الجمرة التي تناولها ، فأرسله معي ردءا قرأ الأكثرون : " ردءا " بسكون الدال وبعدها همزة . وقرأ أبو جعفر : " ردا " بفتح الدال وألف بعدها من غير تنوين ولا همز ; وقرأ نافع كذلك إلا أنه نون . وقال الزجاج : الردء : العون ، يقال : ردأته أردؤه ردءا : إذا أعنته .

قوله تعالى: يصدقني قرأ عاصم ، وحمزة : " يصدقني " بضم القاف . وقرأ الباقون . بسكون القاف قال الزجاج : من جزم " يصدقني " فعلى جواب المسألة : أرسله يصدقني ; ومن رفع ; فالمعنى : ردءا مصدقا لي . وأكثر المفسرين على أنه أشار بقوله : " يصدقني " إلى هارون ; وقال مقاتل بن سليمان : لكي يصدقني فرعون .

قوله تعالى: سنشد عضدك بأخيك قال الزجاج : المعنى : سنعينك بأخيك ، ولفظ العضد على جهة المثل ، لأن اليد قوامها عضدها ، وكل معين فهو عضد ، ونجعل لكما سلطانا أي : حجة بينة . وقيل للزيت : السليط ، لأنه يستضاء به ; والسلطان : أبين الحجج .

قوله تعالى: فلا يصلون إليكما أي : بقتل ولا أذى . [ ص: 222 ] وفي قوله : بآياتنا ثلاثة أقوال .

أحدها : أن المعنى : تمتنعان منهم بآياتنا وحججنا فلا يصلون إليكما .

والثاني : أنه متعلق بما بعده ، فالمعنى : بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون ، أي : تغلبون بآياتنا .

والثالث : أن في الكلام تقديما وتأخيرا ، تقديره : ونجعل لكما سلطانا بآياتنا فلا يصلون إليكما . فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين . وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون

قوله تعالى: ما هذا إلا سحر مفترى أي : ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر افتريته من قبل نفسك ولم تبعث به وما سمعنا بهذا الذي تدعونا إليه في آبائنا الأولين ، وقال موسى ربي أعلم وقرأ ابن كثير : " قال موسى " بلا واو ، وكذلك هي في مصاحفهم بمن جاء بالهدى أي : هو أعلم بالمحق منا ، ومن تكون له عاقبة الدار وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف ، [والمفضل] : " يكون " بالياء والباقون بالتاء .وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين . واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين [ ص: 223 ] وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين

قوله تعالى: فأوقد لي يا هامان على الطين قال ابن قتيبة : المعنى : اصنع لي الآجر فاجعل لي صرحا أي : قصرا عاليا . وقال الزجاج : الصرح : كل بناء متسع مرتفع . وجاء في التفسير أنه لما أمر هامان- وهو وزيره- ببناء الصرح ، جمع العمال والفعلة حتى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الأتباع ، فرفعوه وشيدوه حتى ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد قط ، فلما تم ارتقى فرعون فوقه ، وأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء ، فردت وهي متلطخة بالدم ، فقال : قد قتلت إله موسى ، فبعث الله تعالى جبريل فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع ، فوقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل ، ووقعت قطعة أخرى في البحر ، وأخرى في المغرب .

قوله تعالى: لعلي أطلع إلى إله موسى أي : أصعد إليه وأشرف عليه وإني لأظنه يعني موسى من الكاذبين في ادعائه إلها غيري . وقال ابن جرير : المعنى : أظن موسى كاذبا في ادعائه أن في السماء ربا أرسله . واستكبر هو وجنوده في الأرض يعني أرض مصر بغير الحق أي : بالباطل والظلم وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون بالبعث للجزاء . قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وعاصم ، وابن عامر : " يرجعون " برفع الياء ; وقرأ نافع ، وحمزة ، والكسائي : بفتحها .

[ ص: 224 ] قوله تعالى: وجعلناهم أي : في الدنيا أئمة أي : قادة في الكفر يأتم بهم العتاة يدعون إلى النار لأن من أطاعهم دخلها ; و " ينصرون " بمعنى : يمنعون من العذاب . وما بعد هذا مفسر في (هود : 60 ، 99) .

قوله تعالى: من المقبوحين أي : من المبعدين الملعونين ; قال أبو زيد : يقال : قبح الله فلانا ، أي : أبعده من كل خير . وقال ابن جريج : معنى الآية : وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة لعنة أخرى ، ثم استقبل الكلام ، فقال : هم من المقبوحين .ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون . وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين . وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين

قوله تعالى: من بعد ما أهلكنا القرون الأولى يعني قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم بصائر للناس أي : ليبصروا به ويهتدوا .

[ ص: 225 ] قوله تعالى: وما كنت بجانب الغربي قال الزجاج : أي : وما كنت بجانب الجبل الغربي .

قوله تعالى: إذ قضينا إلى موسى الأمر أي : أحكمنا الأمر معه بإرساله إلى فرعون وقومه وما كنت من الشاهدين لذلك الأمر ; وفي هذا بيان لصحة نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ، لأنهم يعلمون أنه لم يقرإ الكتب ، ولم يشاهد ما جرى ، فلولا أنه أوحي إليه ذلك ، ما علم .

قوله تعالى: ولكنا أنشأنا قرونا أي : خلقنا أمما من بعد موسى فتطاول عليهم العمر أي : طال إمهالهم فنسوا عهد الله وتركوا أمره ; وهذا [ ص: 226 ] يدل على أنه قد عهد إلى موسى وقومه عهودا في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، وأمروا بالإيمان به ، فلما طال إمهالهم ، أعرضوا عن مراعاة العهود ، وما كنت ثاويا أي : مقيما في أهل مدين فتعلم خبر موسى وشعيب وابنتيه فتتلو ذلك على أهل مكة ولكنا كنا مرسلين أرسلناك إلى أهل مكة وأخبرناك خبر المتقدمين ، ولولا ذلك ما علمته . وما كنت بجانب الطور أي : بناحية الجبل الذي كلم عليه موسى إذ نادينا موسى وكلمناه ، هذا قول الأكثرين ; وقال أبو هريرة : كان هذا النداء : يا أمة محمد ، أعطيتكم قبل أن تسألوني ، وأستجيب لكم قبل أن تدعوني .

قوله تعالى: ولكن رحمة من ربك قال الزجاج : المعنى : لم تشاهد قصص الأنبياء ، ولكنا أوحينا إليك وقصصناها عليك ، رحمة من ربك .

ولولا أن تصيبهم مصيبة جواب " لولا " محذوف ، تقديره : لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة . وقيل : لولا ذلك لم نحتج إلى إرسال الرسل ومؤاثرة الاحتجاج .فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون . قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا [ ص: 227 ] لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين . ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون . وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون . وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين

قوله تعالى: فلما جاءهم يعني أهل مكة الحق من عندنا وهو محمد عليه السلام والقرآن قالوا لولا أي : هلا أوتي محمد من الآيات مثل ما أوتي موسى كالعصا واليد . قال المفسرون : أمرت اليهود قريشا أن تسأل محمدا مثل ما أوتي موسى ، فقال الله تعالى : أولم يكفروا بما أوتي موسى أي : فقد كفروا بآيات موسى ، و قالوا في المشار إليهم قولان . أحدهما : اليهود . والثاني : قريش . سحران قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر : " ساحران " . تظاهرا أي : تعاونا . وروى العباس الأنصاري عن أبي عمرو : " تظاهرا " بتشديد الظاء .

وفيمن عنوا ثلاثة أقوال .

أحدها : موسى ومحمد ، قاله ابن عباس ، والحسن ، وسعيد بن جبير ; فعلى هذا هو من قول مشركي العرب .

والثاني : موسى وهارون ، قاله مجاهد ; فعلى هذا هو من قول اليهود لهما في ابتداء الرسالة .

[ ص: 228 ] والثالث : محمد وعيسى ، قاله قتادة ; فعلى هذا هو من قول اليهود الذين لم يؤمنوا بنبينا .

وقرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائي : " سحران " وفيه ثلاثة أقوال .

أحدها : التوراة والفرقان ، قاله ابن عباس ، والسدي .

والثاني : الإنجيل والقرآن ، قاله قتادة .

والثالث : التوراة والإنجيل ، قاله أبو مجلز ، وإسماعيل بن أبي خالد . ومعنى الكلام : كل سحر منهما يقوي الآخر ، فنسب التظاهر إلى السحرين توسعا في الكلام ، وقالوا إنا بكل كافرون يعنون ما تقدم ذكره على اختلاف الأقوال ، فقال الله لنبيه قل لكفار مكة فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أي : من التوراة والقرآن ، إن كنتم صادقين أنهما ساحران . فإن لم يستجيبوا لك أي : فإن لم يأتوا بمثل التوراة والقرآن ، فاعلم أنما يتبعون أهواءهم أي : أن ما ركبوه من الكفر لم يحملهم عليه حجة ، وإنما آثروا فيه الهوى ومن أضل أي : ولا أحد أضل ممن اتبع هواه بغير هدى أي : بغير رشاد ولا بيان جاء من الله . ولقد وصلنا لهم القول وقرأ الحسن ، وأبو المتوكل ، وابن يعمر : " وصلنا " بتخفيف الصاد .

وفي المشار إليهم قولان .

أحدهما أنهم قريش ، قاله الأكثرون ، منهم مجاهد .

والثاني : اليهود ، قاله رفاعة القرظي .

والمعنى : أنزلنا القرآن يتبع بعضه بعضا ، ويخبر عن الأمم الخالية كيف عذبوا لعلهم يتعظون .

الذين آتيناهم الكتاب وفيهم ثلاثة أقوال . [ ص: 229 ] أحدها : أنهم مؤمنو أهل الكتاب ، رواه العوفي عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد .

والثاني : مسلمو أهل الإنجيل ، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن أربعين من أصحاب النجاشي قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدوا معه أحدا ، فنزلت فيهم هذه الآية .

والثالث : مسلمو اليهود ، كعبد الله بن سلام وغيره ، قاله السدي .

قوله تعالى: من قبله أي : من قبل القرآن هم به في هاء الكناية قولان . أحدهما : أنها ترجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، لأن ذكره كان مكتوبا [عندهم] في كتبهم ، فآمنوا به . والثاني : إلى القرآن .

قوله تعالى: وإذا يتلى عليهم يعني القرآن قالوا آمنا به ، إنا كنا من قبله أي : من قبل نزول القرآن مسلمين أي : مخلصين لله مصدقين بمحمد ، وذلك لأن ذكره كان في كتبهم فآمنوا به أولئك يؤتون أجرهم مرتين في المشار إليهم قولان .

أحدهما : أنهم مؤمنو أهل الكتاب ، وهذا قول الجمهور ، وهو الظاهر [ ص: 230 ] وفيما صبروا عليه قولان . أحدهما : أنهم صبروا على الكتاب الأول ، وصبروا على اتباعهم محمدا ، قاله قتادة ، وابن زيد . والثاني : أنهم صبروا على الإيمان بمحمد قبل أن يبعث ، ثم على اتباعه حين بعث ، قاله الضحاك .

والقول الثاني : أنهم قوم من المشركين أسلموا ، فكان قومهم يؤذونهم ، فصبروا على الأذى ، قاله مجاهد .

قوله تعالى: ويدرءون بالحسنة السيئة فيه أقوال قد شرحناها في (الرعد : 22) .

قوله تعالى: وإذا سمعوا اللغو فيه ثلاث أقوال .

أحدها : الأذى والسب ، قاله مجاهد . والثاني : الشرك ، قاله الضحاك . والثالث : أنهم قوم من اليهود آمنوا ، فكانوا يسمعون ما غير اليهود من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكرهون ذلك ويعرضون عنه ، قاله ابن زيد . وهل هذا منسوخ ، أم لا؟ فيه قولان .

وفي قوله : وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم قولان .

أحدهما : لنا ديننا ولكم دينكم . والثاني : لنا حلمنا ولكم سفهكم .

سلام عليكم قال الزجاج : لم يريدوا التحية ، وإنما أرادوا : بيننا وبينكم المتاركة ، وهذا قبل أن يؤمر المسلمون بالقتال . وذكر المفسرون أن هذا منسوخ بآية السيف .

وفي قوله : لا نبتغي الجاهلين ثلاثة أقوال .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 21-01-2023, 12:43 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,539
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ الْقَصَصِ
الحلقة (428)
صــ 231 إلى صــ 240







أحدها : لا نبتغي دين الجاهلين . والثاني : لا نطلب مجاورتهم . والثالث : لا نريد أن نكون جهالا .[ ص: 231 ] إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين . وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين

قوله تعالى: إنك لا تهدي من أحببت قد ذكرنا سبب نزولها عند قوله : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين [التوبة : 113] ، وقد روى مسلم فيما انفرد به عن البخاري من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه : " قل : لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة " ، فقال : لولا أن تعيرني نساء قريش ، يقلن : إنما حمله على ذلك الجزع ، لأقررت بها عينك ، فأنزل الله عز وجل : إنك لا تهدي من أحببت . قال الزجاج : أجمع المفسرون أنها نزلت في أبي طالب .

[ ص: 232 ] وفي قوله : من أحببت قولان .

أحدهما : من أحببت هدايته . والثاني : من أحببته لقرابته .

ولكن الله يهدي من يشاء أي : يرشد لدينه من يشاء وهو أعلم بالمهتدين أي : من قدر له الهدى .

قوله تعالى: وقالوا إن نتبع الهدى معك قال ابن عباس في رواية العوفي : هم ناس من قريش قالوا ذلك . وقال في رواية ابن أبي مليكة : أن الحارث بن عامر بن نوفل قال ذلك . وذكر مقاتل أن الحارث بن عامر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا لنعلم أن الذي تقول حق ، ولكن يمنعنا أن نتبع [الهدى] معك مخافة أن تتخطفنا العرب من أرضنا ، يعنون مكة . ومعنى الآية : إن اتبعناك على دينك خفنا العرب لمخالفتنا إياها . والتخطف : الانتزاع بسرعة ; فرد الله عليهم قولهم ، فقال : أولم نمكن لهم حرما أي : أو لم نسكنهم [ ص: 233 ] حرما ونجعله مكانا لهم ، ومعنى آمنا :ذو أمن يأمن فيه الناس ، وذلك أن العرب كان يغير بعضها على بعض ، وأهل مكة آمنون في الحرم من القتل والسبي والغارة ، أي : فكيف يخافون إذا أسلموا وهم في حرم آمن؟! يجبى [قرأ نافع : " تجبي " بالتاء] ، أي : تجمع إليه وتحمل من [كل] النواحي الثمرات ، رزقا من لدنا أي : من عندنا ولكن أكثرهم يعني أهل مكة لا يعلمون أن الله هو الذي فعل بهم ذلك فيشكرونه . ومعنى الآية : إذا كنتم آمنين في حرمي تأكلون رزقي وتعبدون غيري ، فكيف تخافون إذا عبدتموني وآمنتم بي؟! ثم خوفهم عذاب الأمم الخالية فقال : وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها قال الزجاج : " معيشتها " منصوبة بإسقاط " في " ، والمعنى : بطرت في معيشتها ، والبطر : الطغيان في النعمة . قال عطاء : عاشوا في البطر فأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام .

قوله تعالى: فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا قال ابن عباس : لم يسكنها إلا المسافرون ومار الطريق يوما أو ساعة ، والمعنى : لم تسكن من بعدهم إلا سكونا قليلا وكنا نحن الوارثين أي : لم يخلفهم أحد بعد هلاكهم في منازلهم ، فبقيت خرابا غير مسكونة . وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون . أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين

وما كان ربك مهلك القرى يعني القرى الكافر أهلها حتى يبعث [ ص: 234 ] في أمها أي : في أعظمها رسولا ، وإنما خص الأعظم ببعثة الرسول ، لأن الرسول إنما يبعث إلى الأشراف ، وأشراف القوم ملوكهم وإنما يسكنون المواضع التي هي أم ما حولها . وقال قتادة : أم القرى : مكة ، والرسول : محمد .

قوله تعالى: يتلو عليهم آياتنا قال مقاتل : يخبرهم الرسول أن العذاب نازل بهم إن لم يؤمنوا .

قوله تعالى: وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون أي : بظلمهم أهلكهم . وظلمهم : شركهم . وما أوتيتم من شيء أي : ما أعطيتم من مال وخير فمتاع الحياة الدنيا تتمتعون به أيام حياتكم ثم يفنى وينقضي ، وما عند الله من الثواب خير وأبقى أفضل وأدوم لأهله أفلا تعقلون أن الباقي أفضل من الفاني؟!

قوله تعالى: أفمن وعدناه وعدا حسنا اختلف فيمن نزلت على أربعة أقوال . أحدها : أنها نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي جهل . والثاني : في علي وحمزة عليهما السلام ، وأبي جهل . والقولان مرويان عن مجاهد . والثالث : في المؤمن والكافر ، قاله قتادة . والرابع : في عمار والوليد بن المغيرة ، قاله السدي . [ ص: 235 ] وفي الوعد الحسن قولان . أحدهما : الجنة . والثاني : النصر .

قوله تعالى: فهو لاقيه أي : مصيبه ومدركه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا أي : كمن هو ممتع بشيء يفنى ويزول عن قريب ثم هو يوم القيامة من المحضرين فيه قولان . أحدهما : من المحضرين في عذاب الله ، قاله قتادة . والثاني : من المحضرين للجزاء ، حكاه الماوردي . ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون . قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون . ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون . فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين

قوله تعالى: ويوم يناديهم أي : ينادي الله تعالى المشركين يوم القيامة فيقول أين شركائي هذا على حكاية قولهم ; والمعنى : أين شركائي في قولكم؟! قال الذين حق عليهم القول أي : وجب عليهم العذاب ، وهم رؤساء الضلالة، [ ص: 236 ] وفيهم قولان . أحدهما : أنهم رؤوس المشركين . والثاني : أنهم الشياطين ربنا هؤلاء الذين أغوينا يعنون الأتباع أغويناهم كما غوينا أي : أضللناهم كما ضللنا تبرأنا إليك أي : تبرأنا منهم إليك ; والمعنى أنهم يتبرأ بعضهم من بعض ويصيرون أعداء . وقيل لكفار بني آدم ادعوا شركاءكم أي : استغيثوا بآلهتكم لتخلصكم من العذاب فدعوهم فلم يستجيبوا لهم أي : فلم يجيبوهم إلى نصرهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون قال الزجاج : جواب " لو " محذوف ; والمعنى : لو [أنهم] كانوا يهتدون لما اتبعوهم ولما رأوا العذاب .

قوله تعالى: ويوم يناديهم أي : ينادي الله الكفار ويسألهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين . فعميت عليهم الأنباء وقرأ أبو رزين العقيلي ، وقتادة ، وأبو العالية ، وأبو المتوكل ، وعاصم الجحدري : " فعميت " برفع العين وتشديد الميم . قال المفسرون : خفيت عليهم الحجج ، وسميت أنباء ، لأنها أخبار يخبر بها . قال ابن قتيبة : والمعنى : عموا عنها- من شدة الهول- فلم يجيبوا ، و " الأنباء " هاهنا : الحجج .

قوله تعالى: فهم لا يتساءلون فيه ثلاثة أقوال . أحدها : لا يسأل بعضهم بعضا عن الحجة ، قاله الضحاك . والثاني : أن المعنى سكتوا فلا يتساءلون في تلك الساعة ، قاله الفراء . والثالث : لا يسأل بعضهم بعضا أن يحمل عنه شيئا من ذنوبه ، حكاه الماوردي .

فأما من تاب من الشرك وآمن أي : صدق بتوحيد الله وعمل صالحا أدى الفرائض فعسى أن يكون من المفلحين و " عسى " من الله واجب . [ ص: 237 ] وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون . وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون

قوله تعالى: وربك يخلق ما يشاء ويختار روى العوفي عن ابن عباس في قوله : وربك يخلق ما يشاء ويختار قال : كانوا يجعلون لآلهتهم خير أموالهم في الجاهلية . وقال مقاتل : نزلت في الوليد بن المغيرة حين قال : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم [الزخرف : 31] ; والمعنى أنه لا تبعث الرسل باختيارهم . قال الزجاج : والوقف الجيد على قوله : ويختار وتكون " ما " نفيا ; والمعنى : ليس لهم أن يختاروا على الله ; ويجوز أن تكون " ما " بمعنى " الذي " ، فيكون المعنى : ويختار الذي لهم فيه الخيرة مما يتعبدهم به ويدعوهم إليه ; قال الفراء : والعرب تقول لما تختاره : أعطني الخيرة والخيرة والخيرة ، قال ثعلب : كلها لغات .

قوله تعالى: ما تكن صدورهم أي : ما تخفي من الكفر والعداوة وما يعلنون بألسنتهم .

[ ص: 238 ] قوله تعالى: له الحمد في الأولى والآخرة [أي] : يحمده أولياؤه في الدنيا ويحمدونه في الجنة وله الحكم وهو الفصل بين الخلائق والسرمد : الدائم . قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون . قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون . ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون

قوله تعالى: أفلا تسمعون أي : سماع فهم وقبول فتستدلوا بذلك على وحدانية الله تعالى؟! ومعنى تسكنون فيه : تستريحون من الحركة والنصب أفلا تبصرون ما أنتم عليه من الخطأ والضلالة؟! ثم أخبر أن الليل والنهار رحمة منه . وقوله : لتسكنوا فيه يعني في الليل ولتبتغوا من فضله أي : لتلتمسوا من رزقه بالمعاش في النهار ولعلكم تشكرون الذي أنعم عليكم بهما .

قوله تعالى: ونزعنا من كل أمة شهيدا أي : أخرجنا من كل أمة رسولها الذي يشهد عليها بالتبليغ فقلنا هاتوا برهانكم أي : حجتكم على ما كنتم تعبدون من دوني فعلموا أن الحق لله أي : علموا أنه لا إله إلا هو وضل عنهم أي : بطل في الآخرة ما كانوا يفترون في الدنيا من الشركاء . [ ص: 239 ] إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين . وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين

قوله تعالى: إن قارون كان من قوم موسى أي : من عشيرته ; وفي نسبه إلى موسى ثلاثة أقوال .

أحدها : أنه كان ابن عمه ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وبه قال عبد الله بن الحارث ، وإبراهيم ، وابن جريج .

والثاني : ابن خالته ، رواه عطاء عن ابن عباس .

والثالث : أنه كان عم موسى ، قاله ابن إسحاق .

قال الزجاج : " قارون " اسم أعجمي لا ينصرف ، ولو كان " فاعولا " من العربية من " قرنت الشيء " لا نصرف .

قوله تعالى: فبغى عليهم فيه خمسة أقوال . أحدها : أنه جعل لبغي جعلا على أن تقذف موسى بنفسها ، ففعلت ، فاستحلفها موسى على ما قالت ، فأخبرته بقصتها ، فكان هذا بغيه ، قاله ابن عباس . والثاني : أنه بغى بالكفر بالله تعالى ، قاله الضحاك . والثالث : بالكبر ، قاله قتادة . والرابع : أنه زاد في طول ثيابه شبرا ، قاله عطاء الخراساني ، وشهر بن حوشب . والخامس : أنه كان يخدم فرعون فتعدى على بني إسرائيل وظلمهم حكاه الماوردي . [ ص: 240 ] وفي المراد بمفاتحه قولان .

أحدهما : أنها مفاتيح الخزائن التي تفتح بها الأبواب ، قاله مجاهد ، وقتادة . وروى الأعمش عن خيثمة قال : كانت مفاتيح قارون وقر ستين بغلا ، وكانت من جلود ، كل مفتاح مثل الإصبع .

والثاني : أنها خزائنه ، قاله السدي ، وأبو صالح ، والضحاك . قال الزجاج : وهذا الأشبه أن تكون مفاتحه خزائن ماله ; وإلى نحو هذا ذهب ابن قتيبة . قال أبو صالح : كانت خزائنه تحمل على أربعين بغلا .

قوله تعالى: لتنوء بالعصبة أي : تثقلهم وتميلهم . ومعنى الكلام : لتنئ العصبة ، فلما دخلت الباء في " العصبة " انفتحت التاء ، كما تقول : هذا يذهب بالأبصار ، وهذا يذهب الأبصار ، وهذا اختيار الفراء ، وابن قتيبة ، والزجاج في آخرين . وقال بعضهم : هذا من المقلوب ، وتقديره : ما إن العصبة لتنوء بمفاتحه ، كما يقال : إنها لتنوء بها عجيزتها ، أي : هي تنوء بعجيزتها وأنشدوا :


فديت بنفسه نفسي ومالي وما آلوك إلا ما أطيق


أي : فديت بنفسي وبمالي نفسه ، وهذا اختيار أبي عبيدة ، والأخفش . وقد بينا معنى العصبة في سورة (يوسف : 8) ، و[في] المراد بها [ها هنا] ستة أقوال . أحدها : أربعون رجلا ، رواه العوفي عن ابن عباس . والثاني : ما بين الثلاثة إلى العشرة ، رواه الضحاك عن ابن عباس . والثالث : خمسة عشر ، قاله مجاهد . والرابع : فوق العشرة إلى الأربعين ، قاله قتادة . والخامس : سبعون رجلا ، قاله أبو صالح . والسادس : ما بين الخمسة عشر إلى الأربعين ، حكاه الزجاج .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 21-01-2023, 12:46 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,539
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ الْقَصَصِ
الحلقة (429)
صــ 241 إلى صــ 250






[ ص: 241 ] قوله تعالى: إذ قال له قومه في القائل له قولان . أحدهما : أنهم المؤمنون من قومه ، قاله السدي . والثاني : أنه قول موسى له ، حكاه الماوردي .

قوله تعالى: لا تفرح قال ابن قتيبة : المعنى : لا تأشر ، ولا تبطر ، قال الشاعر :


ولست بمفراح إذا الدهر سرني ولا جازع من صرفه المتحول


أي : لست بأشر ، فأما السرور ، فليس بمكروه . إن الله لا يحب الفرحين وقرأ أبو رجاء ، وأبو حيوة ، وعاصم الجحدري ، وابن أبي عبلة : " الفارحين " [بألف] .

قوله تعالى: وابتغ فيما آتاك الله أي : اطلب فيما أعطاك الله من الأموال . وقرأ أبو المتوكل ، وابن السميفع : " واتبع " بتشديد التاء وكسر الباء بعدها وعين ساكنة غير معجمة (الدار الآخرة) وهي : الجنة ; وذلك يكون بإنفاقه في رضى الله تعالى وشكر المنعم به ولا تنس نصيبك من الدنيا فيه ثلاثة أقوال . أحدها : أن يعمل في الدنيا للآخرة ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، والجمهور . والثاني : أن يقدم الفضل ويمسك ما يغنيه ، قاله الحسن . والثالث : أن يستغني بالحلال عن الحرام ، قاله قتادة .

وفي معنى : وأحسن كما أحسن الله إليك ثلاثة أقوال حكاها الماوردي . أحدها : أعط فضل مالك كما زادك على قدر حاجتك . والثاني : أحسن فيما [ ص: 242 ] افترض عليك كما أحسن في إنعامه إليك . والثالث : أحسن في طلب الحلال كما أحسن إليك في الإحلال .

قوله تعالى: ولا تبغ الفساد في الأرض فتعمل فيها بالمعاصي .

قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون .

قوله تعالى: إنما أوتيته يعني المال على علم عندي فيه خمسة أقوال .

أحدها : على علم عندي بصنعة الذهب ، رواه أبو صالح عن ابن عباس ; قال الزجاج : وهذا لا أصل له ، لأن الكيمياء باطل لا حقيقة له . والثاني : برضى الله عني قاله ابن زيد . والثالث : على خير علمه الله عندي ، قاله مقاتل . والرابع : إنما أعطيته لفضل علمي ، قاله الفراء . قال الزجاج : ادعى أنه أعطي المال لعلمه بالتوراة . والخامس : على علم عندي بوجوه المكاسب ، حكاه الماوردي .

[ ص: 243 ] قوله تعالى: أولم يعلم يعني قارون أن الله قد أهلك بالعذاب من قبله من القرون في الدنيا حين كذبوا رسلهم من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا للأموال .

وفي قوله : ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ثلاثة أقوال . أحدها : لا يسألون ليعلم ذلك من قبلهم وإن سئلوا سؤال توبيخ ، قاله الحسن . والثاني : أن الملائكة تعرفهم بسيماهم فلا تسألهم عن ذنوبهم ، قاله مجاهد . والثالث : يدخلون النار بغير حساب ، قاله قتادة . وقال السدي : يعذبون ولا يسألون عن ذنوبهم .
فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم . وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون

قوله تعالى: فخرج على قومه في زينته قال الحسن : في ثياب حمر وصفر ; وقال عكرمة : في ثياب معصفرة . وقال وهب بن منبه : خرج على بغلة شهباء عليها سرج أحمر من أرجوان ومعه أربعة آلاف مقاتل ، وثلاثمائة وصيفة عليهن الحلي والزينة على بغال بيض . قال الزجاج : الأرجوان في اللغة : صبغ أحمر .

قوله تعالى: لذو حظ أي : لذو نصيب وافر من الدنيا .

[وقوله] : وقال الذين أوتوا العلم قال ابن عباس : يعني الأحبار من بني إسرائيل . وقال مقاتل : الذين أوتوا العلم بما وعد الله في الآخرة قالوا للذين تمنوا ما أوتي [قارون] ويلكم ثواب الله أي : ما عنده من الجزاء خير لمن آمن مما أعطي قارون .

[ ص: 244 ] قوله تعالى: ولا يلقاها قال أبو عبيدة : لا يوفق لها ويرزقها . وقرأ أبي بن كعب ، وابن أبي عبلة : " ولا يلقاها " بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف . وفي المشار إليها ثلاثة أقوال .

أحدها : أنها الأعمال الصالحة ، قاله مقاتل . والثاني : أنها الجنة ، والمعنى : لا يعطاها في الآخرة إلا الصابرون على أمر الله ، قاله ابن السائب .

والثالث : أنها الكلمة التي قالوها ، وهي قولهم : " ثواب الله خير " ، قاله الفراء .فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون

قوله تعالى: فخسفنا به وبداره الأرض لما أمر قارون البغي [ ص: 245 ] بقذف موسى على ما سبق شرحه [القصص: 76] غضب موسى فدعا عليه ، فأوحى الله تعالى إليه : إني قد أمرت الأرض أن تطيعك فمرها ; فقال موسى : يا أرض خذيه ، فأخذته حتى غيبت سريره ، فلما رأى ذلك ناشده بالرحم ، فقال : خذيه ، فأخذته حتى غيبت قدميه ; فما زال يقول : خذيه ، حتى غيبته ، فأوحى الله تعالى إليه : يا موسى ما أفظك ، وعزتي وجلالي لو استغاث بي لأغثته . قال ابن عباس : فخسفت به الأرض إلى الأرض السفلى . وقال سمرة بن جندب . إنه يخسف به كل يوم قامة ، فتبلغ به الأرض السفلى يوم القيامة . وقال مقاتل : فلما هلك قارون قال بنو إسرائيل : إنما أهلكه موسى ليأخذ ماله وداره ، فخسف الله بداره وماله بعده بثلاثة أيام .

قوله تعالى: ينصرونه من دون الله أي : يمنعونه من الله وما كان من المنتصرين أي : من الممتنعين مما نزل به . ثم أعلمنا أن المتمنين مكانه ندموا على ذلك التمني بالآية التي تلي هذه .

[ ص: 246 ] وقوله : لخسف بنا الأكثرون على ضم الخاء وكسر السين . وقرأ يعقوب ، والوليد عن ابن عامر ، وحفص ، وأبان عن عاصم : بفتح الخاء والسين .

فأما قوله : " ويك " فقال ابن عباس : معناه : ألم تر ، وكذلك قال أبو عبيدة ، والكسائي . وقال الفراء : " ويك أن " في كلام العرب تقرير ، كقول الرجل : أما ترى إلى صنع الله وإحسانه ، أنشدني بعضهم :


ويك أن من يكن له نشب يح بب ومن يفتقر يعش عيش ضر


وقال ابن الأنباري : في قوله " ويكأنه " ثلاثة أوجه .

إن شئت قلت : " ويك " حرف ، و " أنه " حرف ; والمعنى : ألم تر أنه ، والدليل على هذا قول الشاعر :
سألتاني الطلاق أن رأتاني قل مالي قد جئتماني بنكر
ويك أن من يكن له نشب يح بب ومن يفتقر يعش عيش ضر


والثاني : أن يكون " ويك " حرفا ، و " أنه " حرفا . والمعنى : ويلك أعلم أنه ، فحذفت اللام ، كما قالوا : قم لا أبا لك ، يريدون : لا أبا لك ، وأنشدوا :


أبالموت الذي لا بد أني ملاق لا أباك تخوفيني


أراد لا أبا لك فحذف اللام .

[ ص: 247 ] والثالث : أن يكون " وي " حرفا ، و " كأنه " حرفا ، فيكون معنى " وي " التعجب ، كما تقول : وي لم فعلت كذا كذا ، ويكون معنى " كأنه " : أظنه وأعلمه ، كما تقول في الكلام : كأنك بالفرج قد أقبل ; فمعناه : أظن الفرج مقبلا . وإنما وصلوا الياء بالكاف في قوله : ويكأنه لأن الكلام بهما كثر ، كما جعلوا " يا ابن أم " في المصحف حرفا واحدا ، وهما حرفان [طه : 94] . وكان جماعة منهم يعقوب ، يقفون على " ويك " في الحرفين ، ويبتدؤون " أن " و " أنه " في الموضعين . وذكر الزجاج عن الخليل أنه قال : " وي " مفصولة من " كأن " ، وذلك أن القوم تندموا فقالوا : " وي " متندمين على ما سلف منهم ، وكل من ندم فأظهر ندامته قال : وي . وحكى ابن قتيبة عن بعض العلماء أنه قال : معنى " ويكأن " : رحمة لك ، بلغة حمير .

قوله تعالى: لولا أن من الله علينا أي : بالرحمة والمعافاة والإيمان لخسف بنا .[ ص: 248 ] تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون

قوله تعالى: تلك الدار الآخرة يعني الجنة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض وفيه خمسة أقوال . أحدها : أنه البغي ، قاله سعيد بن جبير . والثاني : الشرف والعز ، قاله الحسن . والثالث : الظلم ، قاله الضحاك . والرابع : الشرك ، قاله يحيى بن سلام . والخامس : الاستكبار عن الإيمان ، قاله مقاتل .

قوله تعالى: ولا فسادا فيه قولان . أحدهما : العمل بالمعاصي ، قاله عكرمة . والثاني : الدعاء إلى غير عبادة الله ، قاله ابن السائب .

قوله تعالى: والعاقبة للمتقين أي : العاقبة المحمودة لهم .

قوله تعالى: من جاء بالحسنة قد فسرناه في سورة (النمل:89) .

[ ص: 249 ] قوله تعالى: فلا يجزى الذين عملوا السيئات يريد الذين أشركوا إلا ما كانوا يعملون أي : إلا جزاء عملهم من الشرك ، وجزاؤه النار . إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون

قوله تعالى: إن الذي فرض عليك القرآن قال مقاتل : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغار ليلا ، فمضى من وجهه إلى المدينة فسار في غير الطريق مخافة الطلب ; فلما أمن رجع إلى الطريق فنزل الجحفة بين مكة والمدينة ، فعرف الطريق إلى مكة ، فاشتاق إليها ، وذكر مولده ، فأتاه جبريل فقال : أتشتاق إلى بلدك ومولدك؟ قال : نعم ; قال : فإن الله تعالى يقول : إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ، فنزلت هذه الآية بالجحفة .

وفي معنى فرض عليك ثلاثة أقوال : أحدها فرض عليك العمل [ ص: 250 ] بالقرآن ، قاله عطاء بن أبي رباح ، وابن قتيبة . والثاني : أعطاك القرآن ، قاله مجاهد والثالث : أنزل عليك القرآن ، قاله مقاتل ، والفراء ، وأبو عبيدة .

وفي قوله : لرادك إلى معاد أربعة أقوال .

أحدها : إلى مكة ، رواه العوفي عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد في رواية ، والضحاك . قال ابن قتيبة : معاد الرجل : بلده ، لأنه يتصرف [في البلاد ويضرب في الأرض] ثم يعود إلى بلده .

والثاني : إلى معادك من الجنة ، رواه عكرمة عن ابن عباس ، وبه قال الحسن ، والزهري . فإن اعترض على هذا فقيل : الرد يقتضي أنه قد كان فيما رد إليه ; فعنه ثلاثة أجوبة . أحدها : أنه لما كان أبوه آدم في الجنة ثم أخرج . كان كأن ولده أخرج منها ، فإذا دخلها فكأنه أعيد . والثاني : أنه دخلها ليلة المعراج ، فإذا دخلها يوم القيامة كان ردا إليها ، ذكرهما ابن جرير . والثالث : أن العرب تقول : رجع الأمر إلى كذا ، وإن لم يكن له كون فيه قط ، وأنشدوا :


[وما المرء إلا كالشهاب وضوئه] يحور رمادا بعد إذ هو ساطع


وقد شرحنا هذا في قوله : وإلى الله ترجع الأمور [البقرة: 210] .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 21-01-2023, 12:49 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,539
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ
الحلقة (430)
صــ 251 إلى صــ 260






[ ص: 251 ] والثالث : لرادك إلى الموت ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وبه قال أبو سعيد الخدري .

والرابع : لرادك إلى القيامة بالبعث ، قاله الحسن ، والزهري ، ومجاهد في رواية ، والزجاج .

ثم ابتدأ كلاما يرد به على الكفار حين نسبوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الضلال ، فقال : قل ربي أعلم من جاء بالهدى والمعنى قد علم أني جئت بالهدى ، وأنكم في ضلال مبين . ثم ذكره نعمه ، فقال : وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب أي : أن تكون نبيا وأن يوحى إليك القرآن إلا رحمة من ربك قال الفراء : هذا استثناء منقطع ، والمعنى : إلا أن ربك رحمك فأنزله عليك فلا تكونن ظهيرا للكافرين أي : عونا لهم على دينهم ، وذلك أنهم دعوه إلى دين آبائه فأمر بالاحتراز منهم ; والخطاب بهذا وأمثاله له ، والمراد أهل دينه لئلا يظاهروا الكفار ولا يوافقوهم .

قوله تعالى: كل شيء هالك إلا وجهه فيه قولان .

[ ص: 252 ] أحدهما : إلا ما أريد به وجهه ، رواه عطاء عن ابن عباس ، وبه قال الثوري . والثاني : إلا هو ، قاله الضحاك ، وأبو عبيدة .

قوله تعالى: له الحكم أي : الفصل بين الخلائق في الآخرة دون غيره وإليه ترجعون في الآخرة .


[ ص: 253 ] سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ

فَصْلٌ فِي نُزُولِهَا

رَوَى الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَطَاءٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَمُقَاتِلٌ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ . وَقَالَ هِبَةُ اللَّهِ [ابْنُ سَلَامَةَ] الْمُفَسِّرُ: نَزَلَ مِنَ أَوَّلِهَا إِلَى رَأْسِ الْعَشْرِ بِمَكَّةَ، وَبَاقِيهَا بِالْمَدِينَةِ . وَقَالَ غَيْرُهُ عَكْسَ هَذَا: نَزَلَ الْعَشْرُ بِالْمَدِينَةِ، وَبَاقِيهَا بِمَكَّةَ .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الم . أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ

قَوْلُهُ تَعَالَى: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا فِي سَبَبِ نُزُولِهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

[ ص: 254 ] أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَمَّا أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ، كَتَبَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى إِخْوَانِهِمْ بِمَكَّةَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْكُمْ إِسْلَامُكُمْ حَتَّى تُهَاجِرُوا، فَخَرَجُوا نَحْوَ الْمَدِينَةِ فَأَدْرَكَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَرَدُّوهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ عَشْرَ آيَاتٍ، فَكَتَبُوا إِلَيْهِمْ يُخْبِرُونَهُمْ بِمَا نَزَلَ فِيهِمْ، فَقَالُوا: نَخْرُجُ، فَإِنِ اتَّبَعَنَا أَحَدٌ قَاتَلْنَاهُ، فَخَرَجُوا فَاتَّبَعَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَقَاتَلُوهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَجَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا [النَّحْلِ: 110]، هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ .

وَالثَّانِي: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ إِذْ كَانَ يُعَذَّبُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ .

وَالثَّالِثُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مِهْجَعٍ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِينَ قُتِلَ بِبَدْرٍ، فَجَزِعَ عَلَيْهِ أَبَوَاهُ وَامْرَأَتُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَبَوَيْهِ وَامْرَأَتِهِ هَذِهِ الْآيَةَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: أَحَسِبَ النَّاسُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ بِالنَّاسِ: الَّذِينَ آمَنُوا بِمَكَّةَ، كَعَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَسَلَمَةَ بْنِ هِشَامٍ، وَغَيْرِهِمْ .

قَالَ الزَّجَّاجُ: لَفْظُ الْآيَةِ اسْتِخْبَارٌ، وَمَعْنَاهُ مَعْنَى التَّقْرِيرِ وَالتَّوْبِيخِ; وَالْمَعْنَى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا بِأَنْ يَقُولُوا: آمَنَّا، وَلِأَنْ يَقُولُوا: آمَنَّا، أَيْ: أَحَسِبُوا أَنْ يُقْنَعَ مِنْهُمْ بِأَنْ يَقُولُوا: إِنَّا مُؤْمِنُونَ، فَقَطْ، وَلَا يُمْتَحَنُونَ بِمَا يُبَيِّنُ [ ص: 255 ] حَقِيقَةَ إِيمَانِهِمْ، وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ أَيْ: لَا يُخْتَبَرُونَ بِمَا يُعْلَمُ بِهِ صِدْقُ إِيمَانِهِمْ مِنْ كَذِبِهِ .

وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: لَا يُفْتَنُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ بِالْقَتْلِ وَالتَّعْذِيبِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ ٌ . وَالثَّانِي: لَا يُبْتَلَوْنَ بِالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَيِ: ابْتَلَيْنَاهُمْ وَاخْتَبَرْنَاهُمْ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: فَلَيَرَيَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا فِي إِيمَانِهِمْ عِنْدَ الْبَلَاءِ إِذَا صَبَرُوا لِقَضَائِهِ وَلَيَرَيَنَّ الْكَاذِبِينَ فِي إِيمَانِهِمْ إِذَا شَكُّوا عِنْدَ الْبَلَاءِ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ .

وَالثَّانِي: فَلْيُمَيِّزَنَّ، لِأَنَّهُ [قَدْ] عِلَمَ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ .

وَالثَّالِثُ : فَلَيُظْهِرَنَّ ذَلِكَ حَتَّى يُوجَدَ مَعْلُومًا، حَكَاهُ الثَّعْلَبِيُّ .

وَقَرَأَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: " فَلَيُعْلِمَنَّ اللَّهُ " " وَلَيُعْلِمَنَّ الْكَاذِبِينَ " " وَلَيُعْلِمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيُعْلِمَنَّ الْمُنَافِقِينَ " [الْعَنْكَبُوتِ: 11] بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: أَمْ حَسِبَ أَيْ: أَيَحْسَبُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ [ ص: 256 ] يَعْنِي الشِّرْكَ أَنْ يَسْبِقُونَا أَيْ: يَفُوتُونَا وَيُعْجِزُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ أَيْ: بِئْسَ مَا حَكَمُوا لِأَنْفُسِهِمُ حِينَ ظَنُّوا ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَنَى بِهِمُ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ، وَأَبَا جَهْلٍ، وَالْعَاصَ بْنَ هِشَامٍ، وَغَيْرَهُمْ .من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم . ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون .

قوله تعالى: من كان يرجو لقاء الله قد شرحناه في آخر (الكهف) فإن أجل الله لآت يعني الأجل المضروب للبعث; والمعنى: فليعمل لذلك اليوم وهو السميع لما يقول العليم بما يعمل . ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه أي: إن ثوابه إليه يرجع .

قوله تعالى: لنكفرن عنهم سيئاتهم أي: لنبطلنها حتى تصير بمنزلة ما لم يعمل ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون أي: بأحسن أعمالهم، وهو الطاعة، ولا نجزيهم بمساوئ أعمالهم .ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين

قوله تعالى: ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وقرأ أبي بن كعب، وأبو مجلز : وعاصم الجحدري: " إحسانا " بألف . وقرأ ابن مسعود ، وأبو رجاء : " حسنا " بفتح الحاء والسين .

[ ص: 257 ] روى أبو عثمان النهدي عن سعد بن أبي وقاص، قال: في أنزلت هذه الآية ،كنت رجلا برا بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد! ما هذا الدين الذي قد أحدثت، لتدعن دينك هذا أولا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي فيقال: يا قاتل أمه، قلت: لا تفعلي يا أماه، إني لا أدع ديني هذا لشيء، قال: فمكثت يوما وليلة لا تأكل، فأصبحت قد جهدت، ثم مكثت يوما آخر وليلة لا تأكل، فلما رأيت ذلك قلت: تعلمين والله يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشيء، فكلي، وإن شئت لا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت، فأنزلت هذه الآية . وقيل: إنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة، وقد جرى له مع أمه نحو هذا . وذكر بعض المفسرين أن هذه الآية، والتي في (لقمان): 15 وفي (الأحقاف): 15 نزلن في قصة سعد .

[ ص: 258 ] قال الزجاج: من قرأ: " حسنا " فمعناه: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن، ومن قرأ: " إحسانا " فمعناه: ووصينا الإنسان أن يحسن إلى والديه، وكان " حسنا " أعم في البر .

وإن جاهداك قال أبو عبيدة: مجاز هذا الكلام مجاز المختصر الذي فيه ضمير، والمعنى: وقلنا له: وإن جاهداك .

قوله تعالى: لتشرك بي معناه: لتشرك بي شريكا لا تعلمه لي وليس لأحد بذلك علم، فلا تطعهما .

قوله تعالى: لندخلنهم في الصالحين أي: في زمرة الصالحين في الجنة . وقال مقاتل: " في " بمعنى " مع " .ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين . وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين

قوله تعالى: ومن الناس من يقول آمنا بالله اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال .

أحدها: أنها نزلت في المؤمنين الذين أخرجهم المشركون إلى بدر فارتدوا، رواه عكرمة عن ابن عباس .

[ ص: 259 ] والثاني: نزلت في قوم كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الله أو مصيبة في أنفسهم وأموالهم افتتنوا، قاله مجاهد .

والثالث : نزلت في ناس من المنافقين بمكة . كانوا يؤمنون، فإذا أوذوا وأصابهم بلاء من المشركين رجعوا إلى الشرك، قاله الضحاك .

والرابع : أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة، كان أسلم، فخاف على نفسه من أهله وقومه، فخرج من مكة هاربا إلى المدينة، وذلك قبل قدوم رسول الله صلى الله وعليه وسلم إلى المدينة، فجزعت أمه فقالت لأخويه أبي جهل والحارث ابني هشام- وهما أخواه لأمه-: والله لا آوي بيتا ولا آكل طعاما ولا أشرب شرابا حتى تأتياني به، فخرجا في طلبه فظفرا به فلم يزالا به، حتى تابعهما وجاءا به إليها، فقيدته، وقالت: والله لا أحلك من وثاقك حتى تكفر بمحمد، ثم أقبلت تجلده بالسياط وتعذبه حتى كفر بمحمد عليه السلام جزعا من الضرب، فنزلت [فيه] هذه الآية، ثم هاجر بعد وحسن إسلامه، هذا قول ابن السائب، ومقاتل، وفي رواية عن مقاتل أنهما جلداه في الطريق مائتي جلدة، فتبرأ من دين محمد، فنزلت هذه الآية .

قوله تعالى: فإذا أوذي في الله أي: ناله أذى أو عذاب بسبب إيمانه جعل فتنة الناس أي: ما يصيبه من عذابهم في الدنيا كعذاب الله في [ ص: 260 ] الآخرة; وإنما ينبغي للمؤمن أن يصبر على الأذى في الله تعالى لما يرجو من ثوابه ولئن جاء نصر من ربك يعني دولة للمؤمنين ليقولن يعني المنافقين للمؤمنين إنا كنا معكم على دينكم، فكذبهم الله عز وجل وقال: أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين من الإيمان والنفاق . وقد فسرنا الآية التي تلي هذه في أول السورة .
وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون .

قوله تعالى: اتبعوا سبيلنا يعنون: ديننا . قال مجاهد: هذا قول كفار قريش لمن آمن من أهل مكة، قالوا لهم: لا نبعث نحن ولا أنتم فاتبعونا، فإن كان عليكم شيء فهو علينا .

قوله تعالى: ولنحمل خطاياكم قال الزجاج: هو أمر في تأويل الشرط والجزاء، يعني: إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم . وقال الأخفش: كأنهم أمروا أنفسهم بذلك . وقرأ الحسن: " ولنحمل " بكسر اللام . قال ابن قتيبة الواو زائدة، والمعنى: لنحمل خطاياكم .

قوله تعالى: إنهم لكاذبون أي: فيما ضمنوا من حمل خطاياهم .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 06-02-2023, 11:04 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,539
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ
الحلقة (431)
صــ 261 إلى صــ 270






[ ص: 261 ] قوله تعالى: وليحملن أثقالهم أي: أوزار أنفسهم وأثقالا مع أثقالهم أي: أوزارا مع أوزارهم، وهي أوزار الذين أضلوهم، وهذا كقوله: ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم [النحل: 25] وليسألن يوم القيامة سؤال توبيخ وتقريع عما كانوا يفترون من الكذب على الله عز وجل; وقال مقاتل: عن قولهم: نحن الكفلاء بكل تبعة تصيبكم من الله عز وجل .
ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون . فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين .

قوله تعالى: ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه في هذه القصة تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم حيث أعلم أن الأنبياء قد ابتلوا قبله، وفيها وعيد شديد لمن أقام على الشرك، فإنهم وإن أمهلوا، فقد أمهل قوم نوح أكثر ثم أخذوا .

قوله تعالى: فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما اختلفوا في عمر نوح على خمسة أقوال .

أحدها: بعث بعد أربعين سنة، وعاش في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم، وعاش بعد الطوفان ستين سنة، رواه يوسف بن مهران عن ابن عباس .

والثاني: أنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد ذلك سبعين عاما، فكان مبلغ عمره ألف سنة وعشرين سنة، قاله كعب الأحبار .

[ ص: 262 ] والثالث : أنه بعث وهو ابن خمسين وثلاثمائة، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلاثمائة، قاله عون بن أبي شداد .

والرابع : أنه لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلاثمائة سنة، [ودعاهم ثلاثمائة سنة] ولبث بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة، قاله قتادة . وقال وهب بن منبه: بعث لخمسين سنة .

والخامس: أن هذه الآية بينت مقدار عمره كله حكاه الماوردي .

فإن قيل: ما فائدة قوله: إلا خمسين عاما ، فهلا قال: تسعمائة وخمسين؟

فالجواب: أن المراد به تكثير العدد، وذكر الألف أفخم في اللفظ، وأعظم للعدد .

قال الزجاج: تأويل الاستثناء في كلام العرب: التوكيد، تقول: جاءني إخوتك إلا زيدا، فتؤكد أن الجماعة جاؤوا، وتنقص زيدا . واستثناء نصف الشيء قبيح جدا لا تتكلم به العرب، وإنما تتكلم بالاستثناء كما تتكلم بالنقصان، تقول: عندي درهم ينقص قيراطا، فلو قلت: ينقص نصفه، كان الأولى أن تقول: عندي نصف درهم، ولم يأت الاستثناء في كلام العرب إلا قليل من كثير .

قوله تعالى: فأخذهم الطوفان فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: الموت، روت عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: فأخذهم الطوفان قال: الموت .

[ ص: 263 ] والثاني: المطر، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة . قال ابن قتيبة : هو المطر الشديد .

والثالث : الغرق، قاله الضحاك .

قال الزجاج: الطوفان من كل شيء: ما كان كثيرا مطيفا بالجماعة كلها، فالغرق الذي يشتمل على المدن الكثيرة: طوفان، وكذلك القتل الذريع، والموت الجارف: طوفان .

قوله تعالى: وهم ظالمون قال ابن عباس: كافرون .

قوله تعالى: وجعلناها يعني السفينة، قال قتادة: أبقاها الله آية للناس بأعلى الجودي . قال أبو سليمان الدمشقي: وجائز أن يكون أراد: الفعلة التي فعلها بهم من الغرق (آية)، أي: عبرة للعالمين [بعدهم] .
وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون . وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين

قوله تعالى: وإبراهيم قال الزجاج: هو معطوف على نوح، والمعنى: أرسلنا إبراهيم .

قوله تعالى: ذلكم يعني عبادة الله خير لكم من عبادة الأوثان، [ ص: 264 ] إن كنتم تعلمون ما هو خير لكم مما هو شر لكم; والمعنى: ولكنكم لا تعلمون . إنما تعبدون من دون الله أوثانا قال الفراء: " إنما " في هذا الموضع حرف واحد، وليست على معنى " الذي " ، وقوله: وتخلقون إفكا مردود على " إنما " ، كقولك: إنما تفعلون كذا، وإنما تفعلون كذا . وقال مقاتل: الأوثان: الأصنام . قال ابن قتيبة : واحدها وثن، وهو ما كان من حجارة أو جص .

قوله تعالى: وتخلقون إفكا وقرأ ابن السميفع، وأبو المتوكل: " وتختلقون " بزيادة تاء . ثم فيه قولان . أحدهما: تختلقون كذبا في زعمكم أنها آلهة . والثاني: تصنعون الأصنام; والمعنى: تعبدون أصناما أنتم تصنعونها . ثم بين عجزهم بقوله: لا يملكون لكم رزقا أي: لا يقدرون على أن يرزقوكم فابتغوا عند الله الرزق أي: فاطلبوا من الله، فإنه القادر على ذلك .

قوله تعالى: وإن تكذبوا هذا تهديد لقريش فقد كذب أمم من قبلكم والمعنى: فأهلكوا .
أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير . قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون . وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم

أولم يروا [قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ، وابن عامر: [ ص: 265 ] " يروا " ] بالياء وقرأ حمزة، والكسائي: بالتاء . [وعن عاصم كالقراءتين] . وعنى بالكلام كفار مكة كيف يبدئ الله الخلق أي :كيف يخلقهم ابتداء من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة إلى أن يتم الخلق ثم يعيده أي: ثم هو يعيده في الآخرة عند البعث . وقال أبو عبيدة: مجازه: أولم يروا كيف استأنف الله الخلق الأول ثم يعيده . وفيه لغتان: أبدأ وأعاد، وكان مبدئا ومعيدا، وبدأ وعاد، وكان بادئا وعائدا .

قوله تعالى: إن ذلك على الله يسير يعني الخلق الأول والخلق الثاني .

قوله تعالى: قل سيروا في الأرض أي: انظروا إلى المخلوقات التي في الأرض، وابحثوا عنها هل تجدون لها خالقا غير الله، فإذا علموا أنه لا خالق لهم سواه، لزمتهم الحجة في الإعادة، وهو قوله: ثم الله ينشئ النشأة الآخرة أي: ثم الله ينشئهم عند البعث نشأة أخرى . وأكثر القراء قرؤوا: " النشأة " بتسكين الشين وترك المد . وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو : " النشاءة " بالمد .

قوله تعالى: يعذب من يشاء فيه قولان .

أحدهما: أنه في الآخرة بعد إنشائهم .

والثاني: أنه في الدنيا . ثم فيه خمسة أقوال حكاها الماوردي . أحدها: يعذب من يشاء بالحرص، ويرحم من يشاء بالقناعة . والثاني: يعذب بسوء الخلق ويرحم بحسن الخلق والثالث : يعذب بمتابعة البدعة، ويرحم بملازمة السنة . والرابع: يعذب بالانقطاع إلى الدنيا، ويرحم بالإعراض عنها . والخامس: يعذب من يشاء ببغض الناس له، ويرحم من يشاء بحب الناس له .

قوله تعالى: وإليه تقلبون أي: تردون . وما أنتم بمعجزين في الأرض فيه قولان حكاهما الزجاج .

[ ص: 266 ] أحدهما: وما أنتم بمعجزين في الأرض، ولا أهل السماء بمعجزين في السماء .

والثاني: وما أنتم بمعجزين في الأرض، ولا لو كنتم في السماء وقال قطرب: هذا كقولك: ما يفوتني فلان لا هاهنا ولا بالبصرة، أي: ولا بالبصرة لو صار إليها . قال مقاتل: والخطاب لكفار مكة; والمعنى: لا تسبقون الله حتى يجزيكم بأعمالكم السيئة، وما لكم من دون الله من ولي أي: قريب ينفعكم ولا نصير يمنعكم من الله .

قوله تعالى: والذين كفروا بآيات الله ولقائه أي: بالقرآن والبعث أولئك يئسوا من رحمتي في الرحمة قولان . أحدهما: الجنة، قاله مقاتل . والثاني: العفو والمغفرة، قاله أبو سليمان . قال ابن جرير: وذلك في الآخرة عند رؤية العذاب .
فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون . وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين

ثم عاد الكلام إلى قصة إبراهيم، وهو قوله: فما كان جواب قومه أي: حين دعاهم إلى الله ونهاهم عن الأصنام إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه وهذا بيان لسفه أحلامهم حين قابلوا احتجاجه عليهم بهذا .

قوله تعالى: فأنجاه الله المعنى: فحرقوه فأنجاه الله . من النار .

قوله تعالى: إن في ذلك يشير إلى إنجائه إبراهيم .

قوله تعالى: وقال يعني إبراهيم إنما اتخذتم من دون الله أوثانا [ ص: 267 ] مودة بينكم قرأ ابن كثير، وأبو عمرو : " مودة بينكم " بالرفع والإضافة . قال الزجاج: " مودة " مرفوعة بإضمار " هي " ، كأنه قال: تلك مودة بينكم، أي: ألفتكم واجتماعكم على الأصنام مودة بينكم; والمعنى: إنما اتخذتم هذه الأوثان لتتوادوا بها في الحياة الدنيا . ويجوز أن تكون " ما " بمعنى الذي .

وقرأ ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، وابن أبي عبلة : " مودة " بالرفع " بينكم " بالنصب .

وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: " مودة بينكم " قال أبو علي: المعنى: اتخذتم الأصنام للمودة، و " بينكم " نصب على الظرف، والعامل فيه المودة .

وقرأ حمزة، وحفص عن عاصم: " مودة بينكم " بنصب " مودة " مع الإضافة، وهذا على الاتساع في جعل الظرف اسما لما أضيف إليه .

قال المفسرون: معنى الكلام: إنما اتخذتموها لتتصل المودة بينكم واللقاء والاجتماع عندها، وأنتم تعلمون أنها لا تضر ولا تنفع، ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض أي: يتبرأ القادة من الأتباع ويلعن بعضكم بعضا يلعن الأتباع القادة لأنهم زينوا لهم الكفر .
فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم . ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين . أإنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه [ ص: 268 ] إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين قال رب انصرني على القوم المفسدين

قوله تعالى: فآمن له لوط أي: صدق بإبراهيم وقال يعني إبراهيم إني مهاجر إلى ربي فيه قولان . أحدهما: إلى رضى ربي . والثاني: إلى حيث أمرني ربي، فهاجر من سواد العراق إلى الشام وهجر قومه المشركين . ووهبنا له إسحاق بعد إسماعيل ويعقوب من إسحاق وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وذلك أن الله تعالى لم يبعث نبيا بعد إبراهيم إلا من صلبه وآتيناه أجره في الدنيا فيه أربعة أقوال .

أحدها: الذكر الحسن، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس . والثاني: الثناء الحسن والولد الصالح، رواه أبو صالح عن ابن عباس . والثالث: العافية والعمل الحسن والثناء، فلست تلقى أحدا من أهل الملل إلا يتولاه، قاله قتادة، والرابع : أنه أري مكانه من الجنة، قاله السدي .

قوله تعالى: وإنه في الآخرة لمن الصالحين قد سبق بيانه [البقرة: 130] . قال ابن جرير: له هناك جزاء الصالحين غير منقوص من الآخرة بما أعطي في الدنيا من الأجر . وما بعد هذا قد سبق بيانه [الأعراف: 80] إلى قوله: وتقطعون السبيل وفيه ثلاثة أقوال .

أحدها: أنهم كانوا يعترضون من مر بهم لعملهم الخبيث، قاله أبو صالح عن ابن عباس .

والثاني: أنهم كانوا إذا جلسوا في مجالسهم يرمون ابن السبيل بالحجارة، فيقطعون سبيل المسافر، قاله مقاتل .

والثالث : أنه قطع النسل للعدول عن النساء إلى الرجال، حكاه الماوردي .

[ ص: 269 ] قوله تعالى: وتأتون في ناديكم المنكر قال ابن قتيبة : النادي: المجلس، والمنكر يجمع الفواحش من القول والفعل .

وللمفسرين في المراد بهذا المنكر أربعة أقوال .

أحدها: أنهم كانوا يحذفون أهل الطريق ويسخرون منهم، فذلك المنكر، روته أم هانئ بنت أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال عكرمة، والسدي: كانوا يحذفون كل من مر بهم .

والثاني: لف القميص على اليد، وجر الإزار، وحل الأزرار، والحذف والرمي بالبندق، ولعب الحمام، والصفير، في خصال أخر رواها ميمون بن مهران عن ابن عباس .

والثالث : أنه الضراط، رواه عروة عن عائشة، وكذلك فسره القاسم بن محمد .

والرابع : أنه إتيان الرجال في مجالسهم، قاله مجاهد ، وقتادة وابن زيد .

[ ص: 270 ] وهذه الآية [تدل] على أنه لا ينبغي للمجتمعين أن يتعاشروا إلا على ما يقرب من الله عز وجل، ولا ينبغي أن يجتمعوا على الهزء واللعب .

قوله تعالى: رب انصرني أي: بتصديق قولي في العذاب .
ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين . قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون

قوله تعالى إنا مهلكو أهل هذه القرية يعنون قرية لوط .

قوله تعالى: لننجينه قرأ نافع، وأبو عمرو ، وابن عامر، وعاصم: " لننجينه " و " إنا منجوك " بتشديد الحرفين، وخففهما حمزة، والكسائي . وروى أبو بكر عن عاصم: " لننجينه " مشددة، و " إنا منجوك " مخففة ساكنة النون . وقد سبق شرح ما أخللنا بذكره [هود: 77] إلى قوله: إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا وهو الحصب والخسف .

قوله تعالى: ولقد تركنا منها في المكني عنها قولان .

أحدهما: أنها الفعلة التي فعل بهم; فعلى هذا في الآية ثلاثة أقوال . أحدها: أنها الحجارة التي أدركت أوائل هذه الأمة، قاله قتادة . والثاني: الماء الأسود على وجه الأرض، قاله مجاهد . والثالث: الخبر عما صنع بهم .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 06-02-2023, 11:19 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,539
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ الرُّومِ
الحلقة (432)
صــ 271 إلى صــ 280






[ ص: 271 ] والثاني: أنها القرية; فعلى هذا في المراد بالآية ثلاثة أقوال .

أحدها: أنها آثار منازلهم الخربة، قاله ابن عباس .

والثاني: أن الآية في قريتهم إلى الآن أن أساسها أعلاها وسقوفها أسفلها، حكاه أبو سليمان الدمشقي .

والثالث : أن المعنى: تركناها آية، تقول: إن في السماء لآية، تريد أنها هي الآية قاله الفراء .
وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين . فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين

قوله تعالى: وارجوا اليوم الآخر قال المفسرون: اخشوا البعث الذي فيه جزاء الأعمال .
وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين . وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون

قوله تعالى: وعادا وثمود قال الزجاج: المعنى: وأهلكنا عادا وثمود، لأن قبل هذا فأخذتهم الرجفة .

قوله تعالى: وقد تبين لكم من مساكنهم أي: ظهر لكم يا أهل مكة [ ص: 272 ] من منازلهم بالحجاز واليمن آية في هلاكهم، وكانوا مستبصرين قال الفراء: أي: ذوي بصائر . وقال الزجاج: أتوا ما أتوه وقد تبين لهم أن عاقبته عذابهم . وقال غيره: كانوا عند أنفسهم مستبصرين، يظنون أنهم على حق .

قوله تعالى: وما كانوا سابقين أي: ما كانوا يفوتون الله أن يفعل بهم ما يريد .

قوله تعالى: فكلا أخذنا بذنبه أي: عاقبنا بتكذيبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا يعني قوم لوط ومنهم من أخذته الصيحة يعني ثمود وقوم شعيب ومنهم من خسفنا به الأرض يعني قارون وأصحابه ومنهم من أغرقنا يعني قوم نوح وفرعون وما كان الله ليظلمهم فيعذبهم على غير ذنب ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بالإقامة على المعاصي .
مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون . إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون

قوله تعالى: مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء يعني الأصنام يتخذها المشركون أولياء يرجون نفعها ونصرها، فمثلهم في ضعف احتيالهم كمثل العنكبوت اتخذت بيتا قال ثعلب: والعنكبوت أنثى، وقد يذكرها بعض العرب، قال الشاعر:

[ ص: 273 ]
[على هطالهم منهم بيوت] كأن العنكبوت هو ابتناها

قوله تعالى: إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء أي: هو عالم بما عبدوه من دونه، لا يخفى عليه ذلك; والمعنى أنه يجازيهم على كفرهم . وتلك الأمثال يعني أمثال القرآن التي شبه بها أحوال الكفار; وقيل: إن " تلك " بمعنى " هذه " ، و العالمون : الذين يعقلون عن الله عز وجل .
خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين . اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون

خلق الله السماوات والأرض بالحق أي: للحق، ولإظهار الحق .

قوله تعالى: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر في المراد بالصلاة قولان .

أحدهما: أنها الصلاة المعروفة، قاله الأكثرون . وروى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد من الله إلا بعدا " .

[ ص: 274 ] والثاني: أن المراد بالصلاة: القرآن، قاله ابن عمر; ويدل على هذا قوله: ولا تجهر بصلاتك [الإسراء: 110] وقد شرحنا معنى الفحشاء والمنكر فيما سبق [البقرة : 168، النحل: 90] .

وفي معنى هذه الآية للعلماء ثلاثة أقوال .

أحدها: أن الإنسان إذا أدى الصلاة كما ينبغي وتدبر ما يتلو فيها، نهته عن الفحشاء والمنكر، هذا مقتضاها وموجبها .

والثاني: أنها تنهاه ما دام فيها .

والثالث : أن المعنى: ينبغي أن تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر .

قوله تعالى: ولذكر الله أكبر فيه أربعة أقوال .

أحدها: ولذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه، رواه ابن عمر عن [ ص: 275 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه قال ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد في آخرين .

والثاني: ولذكر الله أفضل من كل شيء سواه، وهذا مذهب أبي الدرداء، وسلمان، وقتادة .

والثالث : ولذكر الله في الصلاة أكبر مما نهاك عنه من الفحشاء والمنكر، قاله عبد الله بن عون .

والرابع : ولذكر الله العبد- ماكان في صلاته- أكبر من ذكر العبد لله، قاله ابن قتيبة .
ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون

قوله تعالى: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن في التي هي أحسن ثلاثة أقوال . أحدها: أنها لا إله إلا الله، رواه الضحاك عن ابن عباس . والثاني: أنها الكف عنهم إذا بذلوا الجزية، فإن أبوا قوتلوا، قاله مجاهد . والثالث: أنها القرآن والدعاء إلى الله بالآيات والحجج .

قوله تعالى: إلا الذين ظلموا منهم وهم الذين نصبوا الحرب وأبوا أن يؤدوا الجزية، فجادلوا هؤلاء بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية وقولوا [ ص: 276 ] لمن أدى الجزية منهم إذا أخبركم بشيء مما في كتبهم آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم [الآية] وقد روى أبو هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم " [الآية] .

فصل

واختلف في نسخ هذه الآية على قولين . [ ص: 277 ] أحدهما: أنها نسخت بقوله تعالى: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله إلى قوله: وهم صاغرون [التوبة: 29]، قاله قتادة، والكلبي .

والثاني: أنها ثابتة الحكم، وهو مذهب ابن زيد .
وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون . وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون

قوله تعالى: وكذلك أي: وكما أنزلنا الكتاب عليهم أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به يعني : مؤمني أهل الكتاب ومن هؤلاء يعني أهل مكة من يؤمن به وهم الذين أسلموا وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون قال قتادة: إنما يكون الجحد بعد المعرفة . قال مقاتل: وهم اليهود .

قوله تعالى: وما كنت تتلو من قبله من كتاب قال أبو عبيدة . مجازه: ما كنت تقرأ قبله كتابا، و " من " زائدة . فأما الهاء في " قبله " فهي عائدة إلى القرآن . والمعنى: ما كنت قارئا قبل الوحي ولا كاتبا، وهكذا كانت صفته في التوراة والإنجيل أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، وهذا يدل على أن الذي جاء به، من عند الله تعالى .

[ ص: 278 ] قوله تعالى: إذا لارتاب المبطلون أي: لو كنت قارئا كاتبا لشك اليهود فيك، ولقالوا: ليست هذه صفته في كتابنا . والمبطلون: الذين يأتون بالباطل، وفيهم ها هنا قولان . أحدهما: كفار قريش، قاله مجاهد . والثاني: كفار اليهود، قاله مقاتل .

قوله تعالى: بل هو آيات بينات في المكني عنه قولان .

أحدهما: أنه النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ثم في معنى الكلام قولان . أحدهما: أن المعنى: بل وجدان أهل الكتاب في كتبهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يكتب ولا يقرأ، وأنه أمي، آيات بينات في صدورهم، وهذا مذهب ابن عباس، والضحاك، وابن جريج . والثاني: أن المعنى: بل محمد ذو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب، لأنهم يجدونه بنعته وصفته، قاله قتادة .

والثاني: أنه القرآن والذين أوتوا العلم: المؤمنون الذين حملوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحملوه بعده . وإنما أعطي الحفظ هذه الأمة، وكان من قبلهم لا يقرؤون كتابهم إلا نظرا، فإذا أطبقوه لم يحفظوا ما فيه سوى الأنبياء، وهذا قول الحسن .

وفي المراد بالظالمين هاهنا قولان . أحدهما: المشركون، قاله ابن عباس . والثاني: كفار اليهود، قاله مقاتل .
وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين . أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم [ ص: 279 ] يؤمنون قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون

قوله تعالى: وقالوا يعني كفار مكة لولا أنزل عليه آيات من ربه قرأ نافع، وأبو عمرو ، وابن عامر، وحفص عن عاصم: " آيات " على الجمع . وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: " آية " على التوحيد . وإنما أرادوا: كآيات الأنبياء قل إنما الآيات عند الله أي: هو القادر على إرسالها، وليست بيدي . وزعم بعض علماء التفسير أن قوله: وإنما أنا نذير مبين منسوخ بآية السيف .

ثم بين الله عز وجل أن القرآن يكفي من الآيات التي سألوها بقوله: أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب ؟! وذكر يحيى بن جعدة أن ناسا من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتب قد كتبوها، فيها بعض ما يقول اليهود، فلما نظر إليها ألقاها وقال: " كفى بها حماقة قوم، أو ضلالة قوم، أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى قوم غيرهم " ، فنزلت: أولم يكفهم إلى آخر الآية .

قوله تعالى: قل كفى بالله قال المفسرون: لما كذبوا بالقرآن نزلت: [ ص: 280 ] قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يشهد لي أني رسوله، ويشهد عليكم بالتكذيب، وشهادة الله له: إثبات المعجزة له بإنزال الكتاب عليه، والذين آمنوا بالباطل قال ابن عباس: بغير الله . وقال مقاتل: بعبادة الشيطان .
ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون . يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون

قوله تعالى: ويستعجلونك بالعذاب قال مقاتل: نزلت في النضر بن الحارث حين قال: فأمطر علينا حجارة من السماء [الأنفال: 32] .

وفي [الأجل] المسمى أربعة أقوال . أحدها: أنه يوم القيامة، قاله سعيد بن جبير . والثاني: أجل الحياة إلى حين الموت، وأجل الموت إلى حين البعث، قاله قتادة . والثالث: مدة أعمارهم، قاله الضحاك . والرابع: يوم بدر، حكاه الثعلبي .

قوله تعالى: وليأتينهم يعني العذاب . وقرأ معاذ القارئ، وأبو نهيك، وابن أبي عبلة : " ولتأتينهم " بالتاء بغتة وهم لا يشعرون بإتيانه .

قوله تعالى: وإن جهنم لمحيطة بالكافرين أي: جامعة لهم .

قوله تعالى: ويقول ذوقوا قرأ ابن كثير: بالنون . وقرأ نافع: بالياء . فمن قرأ بالياء، أراد الملك الموكل بعذابهم; ومن قرأ بالنون فلأن ذلك لما كان بأمر الله تعالى جاز أن ينسب إليه . ومعنى ما كنتم تعملون أي: جزاء ما عملتم من الكفر والتكذيب .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 06-02-2023, 11:25 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,539
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ الرُّومِ
الحلقة (433)
صــ 281 إلى صــ 290





[ ص: 281 ] يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون . كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين . الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم

قوله تعالى: يا عبادي الذين آمنوا قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر: " يا عبادي " بتحريك الياء . وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: بإسكانها .

قوله تعالى: إن أرضي واسعة وقرأ ابن عامر وحده: " أرضي " بفتح الياء . وفيه ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه خطاب لمن [آمن] من أهل مكة، قيل لهم: " إن أرضي " يعني المدينة " واسعة " ، فلا تجاوروا الظلمة في أرض مكة، قاله أبو صالح عن ابن عباس; وكذلك قال مقاتل: نزلت في ضعفاء مسلمي مكة، [أي]: إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان، فأرض المدينة واسعة .

والثاني: أن المعنى: إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرجوا منها، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال عطاء .

والثالث : إن رزقي لكم واسع، قاله مطرف بن عبد الله .

قوله تعالى: فإياي فاعبدون أثبت فيها الياء يعقوب في الحالين، وحذفها الباقون . قال الزجاج: أمرهم بالهجرة من الموضع الذي لا يمكنهم فيه عبادة الله إلى حيث تتهيأ لهم العبادة; ثم خوفهم بالموت لتهون عليهم الهجرة، فقال: كل نفس ذائقة الموت المعنى: فلا تقيموا في دار الشرك خوفا من الموت ثم [ ص: 282 ] إلينا ترجعون بعد الموت فنجزيكم بأعمالكم، والأكثرون قرؤوا: " ترجعون " بالتاء على الخطاب; وقرأ أبو بكر عن عاصم بالياء .

قوله تعالى: لنبوئنهم [قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو ، وابن عامر: " لنبوئنهم " بالباء] أي: لننزلنهم . وقرأ حمزة، والكسائي، [وخلف]: " لنثوينهم " بالثاء، [وهو] من: ثويت بالمكان: إذا أقمت به قال الزجاج: [يقال]: ثوى الرجل: إذا أقام، وأثويته: إذا أنزلته منزلا يقيم فيه .

قوله تعالى: وكأين من دابة لا تحمل رزقها قال ابن عباس: لما أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج إلى المدينة، قالوا: يا رسول الله، نخرج إلى المدينة وليس لنا بها عقار ولا مال؟! فمن يؤوينا ويطعمنا؟ فنزلت هذه الآية . قال ابن قتيبة : ومعنى الآية: كم من دابة لا ترفع شيئا لغد، قال ابن عيينة: ليس يخبأ إلا الإنسان والفأرة والنملة . [ ص: 283 ] قال المفسرون: وقوله: الله يرزقها أي: حيثما توجهت وإياكم أي: ويرزقكم إن هاجرتم إلى المدينة وهو السميع لقولكم: لا نجد ما ننفق بالمدينة العليم بما في قلوبكم .
ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون . الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون

قوله تعالى: ولئن سألتهم يعني كفار مكة، وكانوا يقرون بأنه الخالق والرازق; وإنما أمره أن يقول: الحمد لله على إقرارهم، لأن ذلك يلزمهم الحجة فيوجب عليهم التوحيد بل أكثرهم لا يعقلون توحيد الله مع إقرارهم بأنه الخالق . والمراد بالأكثر: الجميع .
وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون . فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون .

قوله تعالى: وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب والمعنى: وما الحياة في هذه الدنيا إلا غرور ينقضي عن قليل وإن الدار الآخرة يعني الجنة لهي الحيوان قال أبو عبيدة: اللام في " لهي " زائدة للتوكيد، والحيوان والحياة واحد; والمعنى: لهي دار الحياة التي لا موت فيها، ولا تنغيص [ ص: 284 ] يشوبها كما يشوب الحياة الدنيا لو كانوا يعلمون أي: لو علموا لرغبوا عن الفاني في الباقي، ولكنهم لا يعلمون .

قوله تعالى: فإذا ركبوا في الفلك يعني المشركين دعوا الله مخلصين له الدين أي: أفردوه بالدعاء . قال مقاتل والدين بمعنى التوحيد; والمعنى أنهم لا يدعون من يدعونه شريكا له فلما نجاهم أي: خلصهم من أهوال البحر، وأفضوا إلى البر إذا هم يشركون في البر، وهذا إخبار عن عنادهم ليكفروا بما آتيناهم هذه لام الأمر، ومعناه التهديد والوعيد، كقوله: اعملوا ما شئتم [فصلت:40] والمعنى: ليجحدوا نعمة الله في إنجائه إياهم وليتمتعوا قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي بإسكان اللام على معنى الأمر; والمعنى: ليتمتعوا بباقي أعمارهم فسوف يعلمون عاقبة كفرهم . وقرأ الباقون بكسر اللام في " ليتمتعوا " ، فجعلوا اللامين بمعنى " كي " ، فتقديره: لكي يكفروا، ولكي يتمتعوا، فيكون معنى الكلام: إذا هم يشركون ليكفروا وليتمتعوا، أي: لا فائدة لهم في الإشراك إلا الكفر والتمتع بما يتمتعون به في العاجلة من غير نصيب لهم في الآخرة .
أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون . ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين

قوله تعالى: أولم يروا يعني كفار مكة أنا جعلنا حرما آمنا يعني مكة; وقد شرحنا هذا المعنى في (القصص: 75) [ ص: 285 ] ويتخطف الناس من حولهم أي: أن العرب يسبي بعضهم بعضا وأهل مكة آمنون أفبالباطل وفيه ثلاثة أقوال . أحدها: الشرك، قاله قتادة . والثاني: الأصنام، قاله ابن السائب . والثالث: الشيطان، قاله مقاتل .

قوله تعالى: يؤمنون وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وعاصم الجحدري: " تؤمنون وبنعمة الله تكفرون " بالتاء فيهما .

قوله تعالى: وبنعمة الله يعني: محمدا والإسلام; وقيل: بإنعام الله عليهم حين أطعمهم وآمنهم يكفرون ، ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أي: زعم أن له شريكا وأنه أمر بالفواحش أو كذب بالحق لما جاءه يعني محمدا والقرآن أليس في جهنم مثوى للكافرين ؟! وهذا استفهام بمعنى التقرير، كقول جرير:


ألستم خير من ركب المطايا [وأندى العالمين بطون راح]

والذين جاهدوا فينا أي: قاتلوا أعداءنا لأجلنا لنهدينهم سبلنا أي: لنوفقنهم لإصابة الطريق المستقيمة; وقيل: لنزيدنهم هداية وإن الله لمع المحسنين بالنصرة والعون . قال ابن عباس: يريد بالمحسنين: الموحدين; وقال غيره: يريد المجاهدين . وقال ابن المبارك: من اعتاصت عليه مسألة، فليسأل أهل الثغور عنها، لقوله: لنهدينهم سبلنا .
[ ص: 286 ] سُورَةُ الرُّومِ

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا بِإِجْمَاعِهِمْ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الم . غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ

قَوْلُهُ تَعَالَى: غُلِبَتِ الرُّومُ ذَكَرَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ فَارِسَ وَالرُّومِ حَرْبٌ فَغَلَبَتْ فَارِسُ الرُّومَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَفَرِحَ الْمُشْرِكُونَ بِذَلِكَ، لِأَنَّ فَارِسَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ كِتَابٌ وَكَانُوا يَجْحَدُونَ الْبَعْثَ وَيَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، وَالرُّومُ أَصْحَابُ كِتَابٍ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّكُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، وَالنَّصَارَى أَهْلُ كِتَابٍ، وَنَحْنُ أُمِّيُّونَ، وَقَدْ ظَهَرَ إِخْوَانُنَا مَنْ أَهْلِ فَارِسَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ مِنَ [ ص: 287 ] الرُّومِ، فَإِنْ قَاتَلْتُمُونَا لَنَظْهَرَنَّ عَلَيْكُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَخَرَجَ بِهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، فَقَالُوا: هَذَا كَلَامُ صَاحِبِكَ، فَقَالَ: اللَّهُ أَنْزَلَ هَذَا، فَقَالُوا لِأَبِي بَكْرٍ: نُرَاهِنُكَ عَلَى أَنَّ الرُّومَ لَا تَغْلِبُ فَارِسَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ، فَقَالُوا: الْوَسَطُ مِنْ ذَلِكَ سِتٌّ، فَوَضَعُوا الرِّهَانَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُحَرَّمَ الرِّهَانُ، فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى أَصْحَابِهِ فَأَخْبَرَهُمْ، فَلَامُوهُ وَقَالُوا: هَلَّا أَقْرَرْتَهَا كَمَا أَقَرَّهَا اللَّهُ؟! لَوْ شَاءَ أَنْ يَقُولَ: سِتًّا، لَقَالَ! فَلَمَّا كَانَتْ سَنَةُ سِتٍّ، لَمْ تَظْهَرِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ، فَأَخَذُوا الرِّهَانَ، فَلَمَّا كَانَتْ سَنَةُ سَبْعٍ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ . وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: الم غُلِبَتِ الرُّومُ نَاحَبَ أَبُو بَكْرٍ قُرَيْشًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَلَا احْتَطْتَ، فَإِنَّ الْبِضْعَ مَا بَيْنَ السَّبْعِ وَالتِّسْعِ " . وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُمْ ضَرَبُوا الْأَجَلَ خَمْسَ سِنِينَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ثَلَاثُ سِنِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّمَا الْبِضْعُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ " ، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ لَهُمْ: أُزَايِدُكُمْ [ ص: 288 ] فِي الْخَطْرِ وَأَمُدُّ فِي الْأَجَلِ إِلَى تِسْعِ سِنِينَ، فَفَعَلُوا، فَقَهَرَهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَأَخَذَ رِهَانَهُمْ .

وَفِي الَّذِي تَوَلَّى وَضْعَ الرِّهَانِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، قَالَهُ قَتَادَةُ . وَالثَّانِي: أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، قَالَهُ السُّدِّيُّ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَقَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو رَجَاءٍ ، وَابْنُ السَّمَيْفَعِ: " فِي أَدَانِي الْأَرْضِ " بِأَلِفٍ مَفْتُوحَةِ الدَّالِ; أَيْ: أَقْرَبُ الْأَرْضِ أَرْضُ الرُّومِ إِلَى فَارِسَ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهِيَ طَرَفُ الشَّامِ .

وَفِي اسْمِ هَذَا الْمَكَانِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ الْجَزِيرَةُ، وَهِيَ أَقْرَبُ أَرْضِ الرُّومِ إِلَى فَارِسَ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَالثَّانِي; أَذَرِعَاتٌ وَكَسْكَرُ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ . وَالثَّالِثُ: الْأُرْدُنُّ وَفِلَسْطِينُ، قَالَهُ السُّدِّيُّ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُمْ يَعْنِي الرُّومَ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ وَقَرَأَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَأَبُو رَجَاءٍ ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْأَعْمَشُ: " غَلْبِهِمْ " بِتَسْكِينِ اللَّامِ; أَيْ: مِنْ بَعْدِ غَلَبَةِ فَارِسَ إِيَّاهُمْ . وَالْغَلَبُ وَالْغَلَبَةُ لُغَتَانِ، سَيَغْلِبُونَ فَارِسَ فِي بِضْعِ سِنِينَ فِي الْبِضْعِ تِسْعَةُ أَقْوَالٍ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي (يُوسُفَ: 42) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: وَهِيَ هَاهُنَا سَبْعُ سِنِينَ، وَهَذَا مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ، لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ أَيْ: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَغْلِبَ الرُّومُ وَمِنْ بَعْدِ مَا غُلِبَتْ; وَالْمَعْنَى أَنَّ غَلَبَةَ الْغَالِبِ وَخِذْلَانَ الْمَغْلُوبِ، بِأَمْرِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ [ ص: 289 ] وَيَوْمَئِذٍ يَعْنِي يَوْمَ غَلَبَتِ الرُّومُ فَارِسَ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ لِلرُّومِ . وَكَانَ الْتِقَاءُ الْفَرِيقَيْنِ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ مِنْ غَلَبَةِ فَارِسَ إِيَّاهُمْ، فَغَلَبَتْهُمُ الرُّومُ، وَجَاءَ جِبْرِيلُ يُخْبِرُ بِنَصْرِ الرُّومِ عَلَى فَارِسَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقِيلَ: يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ .
وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون . يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون

قوله تعالى: وعد الله أي: وعد الله وعدا لا يخلف الله وعده أن الروم يظهرون على فارس ولكن أكثر الناس يعني كفار مكة لا يعلمون أن الله لا يخلف وعده في ذلك .

ثم وصف كفار مكة، فقال: يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا قال عكرمة: هي المعايش . وقال الضحاك: يعلمون بنيان قصورها وتشقيق أنهارها . وقال الحسن: يعلمون متى زرعهم و[ متى] حصادهم، ولقد بلغ والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقر الدرهم بظفره فيخبرك بوزنه ولا يحسن يصلي .

قوله تعالى: وهم عن الآخرة هم غافلون لأنهم لا يؤمنون بها . قال الزجاج: وذكرهم ثانية يجري مجرى التوكيد، كما تقول: زيد هو عالم، وهو أوكد من قولك: زيد عالم .

قوله تعالى: أولم يتفكروا في أنفسهم قال الزجاج: معناه: أولم يتفكروا فيعلموا، فحذف " فيعلموا " لأن في الكلام دليلا [عليه] ومعنى إلا بالحق : [ ص: 290 ] إلا للحق، أي: لإقامة الحق وأجل مسمى وهو وقت الجزاء . وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون المعنى: لكافرون بلقاء ربهم، فقدمت الباء، لأنها متصلة بـ " كافرون " ; وما اتصل بخبر " إن " جاز أن يقدم قبل اللام، ويجوز أن تدخل اللام بعد مضي الخبر من غير خلاف بين النحويين، لا يجوز أن تقول: إن زيدا كافر لبالله، لأن اللام حقها أن تدخل على الابتداء أو الخبر، أو بين الابتداء والخبر، لأنها تؤكد الجملة . وقال مقاتل في قوله: وأجل مسمى : للسماوات والأرض أجل ينتهيان إليه، وهو يوم القيامة، وإن كثيرا من الناس يعني كفار مكة بلقاء ربهم أي: بالبعث لكافرون .





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 471.77 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 465.92 كيلو بايت... تم توفير 5.85 كيلو بايت...بمعدل (1.24%)]