|
|||||||
| رمضانيات ملف خاص بشهر رمضان المبارك / كيف نستعد / احكام / مسابقات |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
|||
|
|||
|
(منقول من موقع فضيلة الشيخ محمد الدبيسي حفظه الله تعالى) الوظيفة الرابعة : تجهيز أحسن الأعمال لرفعها إلى رب العالمين الجزء الأول وفي هذه الجزئية النقاط الآتية: رفع الأعمال حال الصوم أدعى للقبول. استعد في شعبان تجد حلاوة الطاعة في رمضان. لا يرتفع إلى الله إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم: التحذير من الخروج عن حد الإخلاص بركة الإخلاص شهر "شعبان" هو شهر الإخلاص ------ رفع الأعمال حال الصوم أدعى للقبول ------ وهنا معنى جديد في قوله: ((تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين))؛ ورفع الأعمال إلى رب العالمين:على ثلاثة أنواع يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النَّهار،ويُرفع إليه العمل يوم "الاثنين" و"الخميس" ويرفع إليه هذا العمل في شهر "شعبان" خاصةً. فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الأعمال تُرفع إلى الله تعالى رفعًا عامًا كل يوم , قال صلى الله عهليه وسلم: ((يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ- كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ))([1]) . ويوم "الاثنين" و"الخميس" تُرفع كذلك الأعمال إلى الله، وهذا الرفع في "شعبان" بالذات رفع مخصوص للمؤمنين، وهو الرفع الثالث الذي تُرفع فيه الأعمال، وتُعرض على الله تعالى، وانظر إلى قول النبي المهم في هذه الحالة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين, فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ))) فالأعمال ترفع كلها إلى الله في هذا الشهر، أتريد أن تُرفع لك أعمال أو لا؟ أو هل ترفع لك أحسن الأعمال أو لا؟ هذان الأمران المهمان: أن الأعمال كلها تُرفع، فيحب أن ترفع وهو صائم، ويحب أن تُرفع الأعمال على أحسن أحوالها. المعنى إذًا هنا: ماذا تريد أيها المسكين أن يرفع لك إلى الله؟ أن ترفع الملائكة صحائف النَّاس إلى الله ، فلا توجد في صحيفتك أعمال، هذه الأولى، أو أن ترفع الملائكة الصحائف إلى الله تعالى وفيها أعمالك، ولكنها أعمال خسيسة وقليلة، لا تساوي شيئًا.. (( تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين )) تُرفع فيها كلُّ الأعمال، فأحب أن يُرفع ليَ بعض الأعمال فقط؟ لا بل يحب أن يُرفع له كل الأعمال ، ليس كذلك فقط، ولكنه يحب أن ترفع فيه الأعمال إلى الله وهي في نهاية القبول. لا يمكن أبداً أن يكون قول النبي صلى الله عليه وسلم: أن ترفع بعض الأعمال، وأن يترك بقية الأعمال إلى الغَفِلَة؛ هذا يتعارض مع قوله: ((يغفل عنه النَّاس)). لذلك: يريد أن تُرفع فيه أحسن الأعمال وأكثر الأعمال –وأعماله كلها حسنة وأوقاته كلها عامرة-؛ لأنه لا يمكن أن يرضى بأن تُرفع فيه بعض الأعمال، ولا أن تُرفع فيه الأعمال التي لا تساوي أن تُرفع إلى الله، وإنما يريد أن يقول: تُرفع فيه ما يتمكن المرء فيه من عمل لا يقصر فيه، فيُرفع فيه له الأعمال كافة التي يمكن أن يعملها، في نفس الوقت يُرفع فيه أعمال تُبَيِّض وجهه عند الله. ((تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ))([2]). يعني: لمَّا رُفِعَت الأعمال، وعُرِضَت على الله تعالى، فماذا تختار لنفسك أن يُعْرَضَ عليه؟ ما يُبَيِّضُ وجهك أو يُسَوِّدُ وجهك؟! ما يُقْبَل أو ما يرد؟! ما يكون سببًا لجزيل الثواب أو لقلة الثواب؟.. لا شك أنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم يختار الدرجة العالية، الدرجة الرفيعة التي يؤدي بها، التي تكون سببًا، يُعلِّم بها، ويُنبِّه بها المؤمنين على أن يكونوا على هذا الحال الذي يحبه النبي صلى الله عليه وسلم. وَرَفْعُ الأعمال إلى الله تعالى مع كونه صائمًا أدعى إلى القبول عند الله تعالى، وأحب إلى الله جل وعلا، وأن يتقبل صالح عمله كله سبحانه وتعالى، وأن يثيبه عليه أعظم الإثابة، وأن يكافئه عليه أعظم مكافئة، وهو ما يسعى إليه المؤمنون تأسيًا واقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم. ----- استعد في شعبان تجد حلاوة الطاعة في رمضان ----- ولهذا المعنى كان "شعبان" تقدمة لـ"رمضان".. إذا كان الحال كذلك في "شعبان" وهو شهر يصوم فيه استحبابًا فما بالك عندما يجيء صوم الواجب الذي به تُغفر الذنوب، ويُرحم النَّاس، وتُعتق رقابهم من النار؟! فإذا جاء "رمضان" كما يقول صلى الله عليه وسلم: (( إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ))([3]) . تُرى ماذا تكون حاله في رمضان؟ وكأنَّ إذا رُفع له في "شعبان" أعظم الأعمال وهو صائم، وأحسنها وهو صائم، وأقربها إلى القبول وهو صائم من كل ما يمكن من عمل؛لأنه يقول: ((ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين)). تُراه يرفع فقط الصوم، تراه فقط يرفع القرآن، تراه فقط يرفع الذكر، تراه فقط يرفع القيام، تراه فقط يرفع العلم النافع، أو تراه فقط يرفع الدعوة، والأمر بالمعروف، أو الصدقة أو الزكاة، أو السعي على مصالح المسلمين، أو القيام بحوائجهم، أو الإصلاح بينهم؟ أو الأخلاق العالية الحسن. كل ذلك يرفع له فإذا جاء "رمضان" إذًا: كان على هذا الحال الحسن، قد رُفعت الأعمال وقُبلت ، وتزكت ، وزُكيت النفوس، والقلوب، وصار أهلًا لهذه العبادة وأهلًا لهذه الرحمة، وأهلًا للعتق من النار، دخل المرء على "رمضان" وقد وجد حلاوة الإيمان، ووجد حلاوة الصيام، ووجد حلاوة القيام، ووجد حلاوة الذكر، ووجد حلاوة الطاعة، وأخرج زكاته، وأخرج صدقته، وأخذ حظه من أنوار المجاهدة التي بها تُرفع الأعمال إلى رب العالمين كان جديرا برحمة الله وفضله أن يخرج على أحسن حال. |
|
#2
|
|||
|
|||
|
الوظيفة الرابعة : تجهيز أحسن الأعمال لرفعها إلى رب العالمين الجزء الثاني ----- لا يرتفع إلى الله إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم ----- هناك معنى آخر في قوله صلى الله عليه وسلم : ((ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين)). أي الأعمال هذه التي تُرفع؟ الأعمال التي أخلص العبد فيها لربه. إن عمل المرء إذا رُفع إلى الله على هذه الحالة السيئة أُلْقِيَ به في وجهه، وإذا كان هذا العمل ضعيفًا كيف يُرفع إلى الله تعالى؟ وإنما يرفع باجتماع الهمة وقوة القلب، وعلى قدر قوة القلب وقوة العزيمة، وارتفاع الهمة وعلوها ترتفع الأعمال إلى الله تعالى. على قدر ما في القلوب من الإخلاص والمحبة وتوابعها. فينبغي التنبه إلى أن أيام الغفلة، أيام الإخلاص , ليس للنفس فيها نصيب. إن أيام الغفلة التي تُرفع فيها الأعمال إلى الله، لا تُرفع إلا بالإخلاص لأنه أشق شئ أن تعمل والناس لا يعملون ثم لا يداخلك العجب وإظهار العمل. والله تعالى يقول :﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ ﴾[البينة:5]. يعني: ألا يريد بعمله ذلك إلا الله؛ لأنه تُرفع الأعمال إلى الله تعالى، فإذا بالله تعالى يلقي بهذه الأعمال ويَرُدَّها، وتسأله الملائكة فيخبرهم أنَّ هذه الأعمال لم يريدوا بها وجه الله تعالى. تُراك أيها المسلم المؤمن! وأنت تعمل العمل على غير الإخلاص لله تعالى، تُراه يرتفع إلى الله؟! لا يرتفع إلى الله تعالى إلا ما كان خالصًا يُبْتَغَى به وجه سبحانه وتعالى، وكذلك في الآخرة؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم « إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ » . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ؟ قَالَ: « الرِّيَاء ُ, إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمُ : اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِى الدُّنْيَا , فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً ؟»لا يجدون عندهم شيئًا! -----التحذير من الخروج عن حد الإخلاص ------ إنَّ معاملات المؤمنين اليوم - إلا من رحم ربي - قد خرجت عن حدِّ الإخلاص لله تعالى؛ حتى وهم يعبدون الله -تبارك وتعالى- يحبون أن يُمدحوا على هذه العبادة، حتى الذي يُوَفِّقَه الله تعالى مثلًا لِأَنْ يقوم ليلة، وهو يصلي بالليل يَوَدُّ أن يطلع عليه النَّاس ليروه وهو يصلي، وهو يقوم، وهو يفعل. وهذا الصائم يود أن يعلم النَّاس بصيامه، وأنه صائم، لا يريد أن يخفي صيامه، ولا أن يخفي عبادته، وإنما يريد أن يطلع النَّاس عليها ليمدحوه عليها، أو يريد من النَّاس ترك المذمة، أو يريد من النَّاس العِوَض على ذلك، حتى في معاملاته هذا المسكين مع النَّاس إذا أحسنوا إليه أحسن إليهم، أو أحسن إلى النَّاس إذا به لو أساءوا إليه، يقول: (قد فعلت لهم كذا وكذا، وعملت لهم كذا وكذا، ثم يعاملونني بكذا وكذا، وهذا آخرته وهذا رد الجميل، وهذا.. ) فيتضح بذلك أنه لم يكن مخلصًا في عمله، ولم يكن مخلصًا في صحابته وصداقته،ولم يكن مخلصًا في مقاطعته، إنما غضبه لنفسه،وصداقته لنفسه، وانتظاره لأجر النَّاس له، ورد المكافئة ورد الجميل، وكفُّ الشر، وكف الأذى، إلى آخر هذه النوايا السيئة التي لا يفهمها المرء من نفسه، فإذا ما ظهرت الحقائق، وجاء الامتحان، وجدتَّ أنَّ كلَّ ذلك لم يكن لله تعالى، وإنما كان لأنفسهم، وكان لتحصيل مصالحهم النفسية والمالية وهي بعيدة كل البعد عن الله تعالى، بعيدة عن إرادة وجهه سبحانه وتعالى. قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً ﴾[الإنسان9] لا يريدون جزاءً ولا شكورًا مِن أحد، وإنما قدموا ما قدموا ينتظرون ما عند الله، فإذا لم يعطهم المولى سبحانه وتعالى لن يعطيهم أحد، وإذا ما عملوا هذه الأعمال على انتظار هذا الرياء، أو على انتظار السُّمعة، أو على انتظار الشُّهرة بين النَّاس، والمدح لهم، أو مكافئتهم، أو القيام بحقوقهم، أو الحزن عند التقصير على القيام بواجباتهم، و السؤال عنهم، سألت عنه فلم يسأل عني، وأعطيته واحتجت فلم يعطني، وفعلت.. وفعلت.. كل ذلك ليس من الإخلاص لله تعالى. قال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا, قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ , قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِىءٌ, فَقَدْ قِيلَ , ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِى النَّار ِ, وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا , قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ , قَالَ :كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ , وَقَرَأْتَ الْقَرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ , فَقَدْ قِيلَ , ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِى النَّارِ , وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا, قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ , قَالَ : كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ , فَقَدْ قِيلَ, ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِىَ فِى النَّارِ » ([5]) ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أوَّل من تُسِعَّر بهم النار يوم القيامة، هذا الذي قد تصدَّق لله تعالى، وهذا الذي قُتِلَ في سبيل الله، وهذا الذي تعلَّم العلم، كل هؤلاء أول من تُسَعَّر بهم النار. هذا الذي استُشْهِدَ وقتل في سبيل الله، يُعَرِفَه نعمه فيعرفها، فيقول: ماذا فعلت فيها؟ يقول: قاتلت فيك حتى استشهدت، يُقال له: كذبت، مع أنه قاتل وأتعب نفسه، كل هذا التعب، ولكنه يُقال في النهاية: كذبت، لم تفعل ذلك لله تعالى، نعم! قد قتلت، نعم! قد حدث لك، وحدث، ولكنك في نهاية الأمر كنت كذابًا، كذبت لم ترد به وجه الله إنما ليقال شجاع.. اذهبوا به إلى النار. والرجل قد تصدَّق، وأعطى وأنفق، ولم يترك شيئًا إلا قد أنفق فيه، وأعطى لهذا وفعل لذلك, وقام بخدمة هذا، وسَوَّى لهذا، يُعَرِّفه نِعَمَهُ فيعرفها، فيقول: ماذا فعلت فيها؟ يقول: ما تركت بابًا لك إلا أنفقت فيه، فيُقال له: كذبت! هو أنفق وقام وسعى وأعطى وتصدق، ولكن يقال، كذبت أيها الكذاب! إنما تصدقت ليُقال: جواد وقد قيل، أنت تريد أن يُقال: كذا وكذا؛ قد أخذت حظك أيها المسكين! حظك هذا الحقير الزائل، اذهبوا به إلى النار، فيُذهب به إلى النار. ----- بركة الإخلاص ----- وهذا الأمر هو أهم الأمور التي نفتقدها اليوم؛ لأنَّ بركة الإخلاص هي قبول العمل ونماؤه ورفعه إلى الله مع عود ذلك على القلب بالنور والقوة والحياة والترقي. أن يعمل المرء لله تعالى، أن يُصاحب لله تعالى، أن يُقاطِع لله تعالى، لا ينتظر جزاءً ولا شكورًا، وهذا المعنى المهم سواء في معاملته لله، أو في معاملته للنَّاس. وقد روى الحسن رضي الله عنه قصةَ الإخلاص التي تُبَيِّن هذه البركة؛ لأن بركة الإخلاص تظهر في الأعمال، وتزكيها وترفعها إلى الله، وربما كان العمل قليلًا، ولكنه مُخْلِصُّ فيه إذا به يُرفع إلى الله تعالى والعمل الكثير يُلقى في وجهه هباء منثورًا، كما ذكرت الآية ، لأنه لا يريد به وجه الله تعالى. يذكر الحسن هذه القصة يقول: كانت شجرة تُعبد من دون الله تعالى، فخرج إليها عابد قال: لأقطعن هذه الشجرة التي تُعبد من دون الله، فاعترضه الشيطان قال: إلى أين؟ قال: إلى أن أقطع هذه الشجرة التي تُعبد من دون الله، قال: ليس لك إليها سبيل، قال: لا، بلى، فتعاركا، فغلب الشيطان، ثم قال له: هل أقول لك ما أفضل من ذلك؟ قال نعم.. قال: دعها ولك بذلك كل يوم دينارين، قال: من يضمن لي ذلك، قال: أنا، تحت وسادتك، فرجع الرجل فوجد الدينارين تحت وسادته في اليوم الأول، وفي اليوم التالي لم يجد الدينارين، فقام ليقطع الشجرة، فاعترضه الشيطان قال: ليس لك إليها سبيل، فتعاركا فخنقه الشيطان. اُنظُر إلى بركة الإخلاص في المرة الأولى: يقول له الشيطان ذلك، قال له الشيطان، وأنك قد خرجت لله في المرة الأولى، فلم يكن لي عليك سبيل، لم يتمكن منك الشيطان، فلما خرجت في المرة الثانية خرجت للدينارين، خرجت لحظ نفسك، لمصلحتها، لمدحها، لحظوظ الدنيا، لشهواتها، خرجت لأنك تُعَظِّم ما في نفسك من شهوة إلى المال، إلى الجاه، إلى المدح، إلى السلطان، إلى أن يقال عنك كذا وكذا, فلم يكن لك عليَّ سبيل.. فتمكن منه الشيطان. وهي أعمال اليوم التي تُبَيِّن هذه القصة، وهو أن بركة الإخلاص ألّا يتمكن الشيطان من العبد، فإذا ما عمل الأعمال على غير الإخلاص لا يعبأ به الشيطان، يتلاعب به الشيطان؛ لأنه لم يكن لله تعالى في عمله، لا يريد به وجه الله فإذا به لا بركة له، ولا قوة في قلبه له، ولا قوة في بدنه عليه من هذه الأعمال الصالحة، فإذا بالشيطان يَصْرَعُه، فإذا قام يصرعه الشيطان ، فإذا قام يصرعه وهكذا، كلما أراد بعمل غير الله تعالى إذا بالشيطان يتمكن منه، وإذا به لا يستطيع أن يتقدم إلى الله تعالى، وكل أعمالنا إلا من رحم الله تبارك وتعالى يشوبها ذلك , ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ----- شهر"شعبان" هو شهر الإخلاص ----- التركيز اليوم على أن شهر "شعبان" هو شهر الإخلاص، أن ينظر المرء في أقواله وأفعاله، وعباداته، ما يريد به وجه الله تعالى، وما لا يريد، ولكن أن يدخل "رمضان" عليه وهو على هذه الحالة السيئة، لا ينتظر مغفرة ولا رحمة، فهذا سبب من الأسباب العظيمة التي يخرج بها المرء من "رمضان" ليس مغفوراً له، يخرج من "رمضان" وما أحسَّ بعتقه من النار، يخرج من رمضان وما أحسَّ بإقباله ومحبته واستقامته وزهده،لم يحس بتوكله وقربه إلى الله تعالى. وقصة الإخلاص هي أعظم القصص، وأيام الغفلة هي أيام تربية النفس عليه بأن يكون المرء في ظاهره وباطنه لا يريد إلا الله سبحانه وتعالى في قوله وفعله وسره وعلانيته وظاهره وباطنه يريد وجه الله تبارك تعالى، لا يريد وجه الزائلين الذين لن يغنوا عنه من الله شيئًا. وهذا الشهر إذًا شهر الغفلة هو الذي يُظهر الإخلاص، لذلك كان كثير مِن السَّلف: كعبد الله بن مسعود يقول: إذا أصبحتم صائمين فَأَصْبِحُوا مُدَّهِنين. حتى تذهب غُبْرَةُ الصيام، حتى لا يظن بك أحد أنك صائم، وأنك تُظْهِرُ الصوم، وأنك عصبي لأنك صائم، وأنك مصفر الوجه لأنك صائم، وكذا، وكذا مما يظهره المرء، ويحاول أن يداريها، وهو يحب أن يظهر، وتصرفات المؤمنين يعلمها الله تعالى منهم قبل أن يتميزها البشر. لذلك قال: "يصبحوا مُدَّهِنين "حتى تذهب عنهم غُبْرَة الصوم , فيظهرون للناس أنهم لا صوم، ولا شيء، وإنما يستخفون بذلك بينهم وبين الله تعالى؛ يكفيهم أن الله تعالى يعرفهم لأن النبي قال صلى الله عليه وسلم فيما روى عن ربه: ((إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي)) , فهو سر بينه وبين الله تعالى، ((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ))([4]). فيتعلم المرء من الصوم الإخلاص في بقية أعماله، وشهر "شعبان" شهر المجاهدة على هذا الإخلاص التي يتهيأ بها ل"رمضان". ([1]) أخرجه البخاري (555) ، ومسلم (632) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . ([2]) سبق تخريجه. ([3]) أخرجه البخاري (1899) ، ومسلم (1079) وهذا لفظه وعند البخاري "سُلْسِلَت " بدلًا من "صُفِّدَت" . ([4]) أخرجه البخاري (5927) ، ومسلم (1151) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . ([5]) أخرجه مسلم (1905) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . __________________________________________________ ______ روابط ذات صلة : وظائف شهر شعبان ملف "إيقاظ أهل الإيمان لمغفرة رمضان" __________________________________________________ __________________________________________________ ____________ تنبيه هام : هذه الوظائف استخرجها محررو الموقع -بحسب ما أدى إليه فهمهم واجتهادهم - من كتاب فضيلة الشيخ حفظه الله تعالى "حال المؤمنين في شعبان " , وقد تم التصرف فيها كثيرا لتبسيطها وحتى يستفاد إخواننا من بعض الدرر الذي يحتويه هذا الكتاب , لذا فإن أي خطأ يتحمله المحررون وحدهم , وفضيلة الشيخ عافاه الله تعالى ليست له علاقة به , ولا تنس أخي الكريم أن الكتاب أصله تفريغ لخطب "حال المؤمنين في شعبان" وخطب "الاستعداد لشهر رمضان" , لذا فإن أسلوب الاستطراد غالب عليه , والله الموفق |
|
#3
|
|||
|
|||
|
(منقول من هذا الرابط: http://debiessy.awardspace.com/general/halla-ramadan.htm) ها قد هَلَّ رمضانُ موسم المغفرة والعتق من النار ها قد أتى رمضان موسم المغفرة،وينبغي على كل أحد - يريد الله تعالى، والدار الآخرة - أن يهتم لهذه المغفرة، وأن يبذل لها وسعه. وذلك لما هيأ الله تعالى فيه من أسباب الرحمة والمغفرة والرضوان والعتق من النار. فقد قال صلى الله عليه وسلم :(( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))([1]) . وقال :((مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)([2]) وقال : (( وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ , مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ , وَلاَ يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلاَّ مَحْرُومٌ ٍ))([3]), وزاد: (( مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانَاً واحْتِسَابَاً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَّدَّمَ مِنْ ذَنْبِهَ ))([4]). وقال : (( إِنَّ لِلَّهِ عُتَقَاءَ فِى كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ , لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ )) ([5]) وقد أعان المؤمنين على تحقيق ذلك بقوله: ((إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ , وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ, وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ , وَيُنَادِى مُنَاد: يَا بَاغِىَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ , وَيَا بَاغِىَ الشَّرِّ أَقْصِرْ))([6]) . ومن ثم لم يكن عذر حينئذ لأحد فقال حاكيا عن جبريل عليه السلام : "من أتى عليه رمضان فلم يغفر له أبعده الله, أدخله النار قل آمين", فقلت آمين ([7]) ها قد أتى رمضان، أتى موسم المغفرة الذي طالما فرّط فيه المؤمنون، أتى موسم المغفرة الذي طالما انتظره المشتاقون إلى مغفرة الله تعالى ورحمته والعتق من النار، وقد علمنا تلك الحال التي كنا عليها من سنين مضت، وهي أن المرء عندما يخرج من رمضان إذا به يتحسر على ما مضى منه، وأنه لم يشعر أنه قد غفرت ذنوبه وخطاياه، وتخفف من أثقاله، وتخفف من سيئاته، لذلك كنت تراه يقول: في رمضان القادم سأكون أفضل، سأحاول أن أبدأ من أول يوم، سأستعد له، سأحسن الصيام والقيام، سأقضي ما مضى من الاعتكاف، سأهيئ نفسي – إن شاء الله تعالى - لهذه المغفرة ولذلك العتق من النار، أتى بعد ما أعد العدة في شعبان حيث علم حال المؤمنين في شعبان، وجاهد نفسه عليها، ووطن نفسه على تحقيق أسباب المغفرة في رمضان، وأخذ زاده الذي يحمله إلى رمضان. وها قد جاء رمضان، جاء موعد الوفاء بالعهد الذي قد أخذته على نفسك لله تعالى أنك ستكون أفضل، وأنك ستبذل قصارى جهدك لتحصل هذه المغفرة، وستخرج من اللهو واللعب ومن التكاسل والتواني، ومن ضعف العزيمة وخمود الهمة التي نحن فيها لينقلب المرء إلى اجتهاد زائد، ولينقلب إلى مجاهدة النفس والهوى والشيطان حتى يكون أهلاً لمغفرة الله له، وأنه سيري الله تعالى من نفسه ما كان قد قصر فيه من قبل، وأنه سيوفي بذلك ولو على حساب نفسه وماله وبدنه ووقته وجهده وراحته؛ لأن المغفرة أعلى وأجل وأعظم، وأنه مهما بذل في تحصيلها فهو لا شك لم يبذل شيئًا يوازيها ولا يدانيها. جاء موعد الوفاء إذن، والذي قد حدده الناس لأنفسهم موعدًا له، وأنهم سيُبدون لله تعالى ما يكون سبب فرح الله بهم، وتوبة الله عليهم، وإنزال رحمته بهم سبحانه وتعالى، فهلَّا جهزت نفسك لهذا الوفاء، وهلا أعددت وقتك وجهدك لتحصل ذلك أم أن هذه البداية التي بدأت بها تُنذر بنفس النهاية التي قد كانت من قبل؟ لعلك قد أخذت العبرة من ذلك، وأثرت فيك الموعظة، وعلمت كيف أن المؤمنين يأخذون حذرهم في هذه الحياة الدنيا لعلمهم أنهم يوشك أن يرحلوا إلى الله تعالى، وأنهم بين لحظة وأخرى يكونون عند ربهم، وهم لا يودون أن يلاقوا الله تعالى على مثل هذه الحال التي هم عليها من التقصير ؛ لذلك دخلوا رمضان ذلك وهم مصممون أشد التصميم، وعازمون أشد العزم على ألا يفوتهم من أول يوم وألا يّقصِّروا في لحظة من لحظاته، وأن يقضوا نهارهم وليلهم ينتظرون رحمة الله، ويعملون لمغفرة الله سبحانه وتعالى، فإذ قد أتاهم رمضان فقد أتاهم موعد حلول الدَين الذي في أعناقهم. هم قد أخذوا على أنفسهم تلك المواثيق أنهم سيُبدون لله تعالى أفضل أعمالهم من توبة وعمل صالح ومن قيام ومن صيام ومن ذكر ومن قرآن، وسيرفعون ما حدث بينهم وبين ربهم من الجفاء والبعد، وما نزل عليهم منه من الحرمان والفقر من عطائه وفضله وقربه وتقريبه سبحانه وتعالى، ها قد جاء رمضان وأول ما يتفكر فيه المرء يتفكر في أن الله تبارك وتعالى قد فتح في عمره هذه المدة وأوصله إلى ذلك الموسم وأنه كما قال صلى الله عليه وسلم: (( وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ )) ([8])، وقال: « مَنْ أَتَى عَلَيْهِ رَمَضَانُ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ قُلْ: آمِينَ، قُلْتُ: آمِينَ»([7])............ قد هَلَّ رمضانُ هذا العام ـ نرجو الله تعالى أن يغفر لنا فيه ـ فلا بُدَّ أن يكون المؤمنون على أُهْبَةِ الاستعداد له، مُصَمِّمِين على تحقيق أسباب المغفرة مهما كان البذل, أن يجعل شعارَه هذه الأيام التصميمَ على تحقيق أسباب المغفرة مهما كانت ظروفُه، وأنه إذا سار إلى الله تعالى بالصِّدْق والإخلاص؛ فإن الله تعالى يَفْتح عليه، وإن الله تعالى يُقَوِّيه، ويُؤَيِّده، وإن الله - تبارك وتعالى كذلك - يَمُدُّه بمدَدِه؛ فلا يَتَمَلْمَل، ولا يَزِيغ، ولا يَتَّبِع الشهوات، ولا يَغْلِبُه شيطانه وهواه؛ لأن الله تعالى قَوَّاه وحَفِظه، وأن الله تعالى دَافَع عنه، وأَمَدَّه، حينئذٍ كان الله له، وإذا كان الله له فمن يكون عليه. فإذا ما وَقَفَ المرءُ باب الله تعالى طالبًا مددَه، وطالبًا منه العَوْنَ والتيسير، وطالبًا منه الهداية والقُرْبَ، وطالبًا منه سبحانه وتعالى العَوْنَ على هذه الأعمال والطاعات، ويَتَضرَّع إليه بقلب مسكين، منكسِرًا، خاشعًا، يَعْلَمُ أنه لا حول له ولا قوة، وأنه لا قُدرةَ له ولا استطاعة على تحقيق ذلك إلا بربه سبحانه وتعالى، يدعوه ويتمَلَّقُه - جل وعلا - بإخلاصٍ، وإقبالٍ، وصِدْقٍ مع الله تعالى أن يفتح الله - تبارك وتعالى - عليه. وليعلم المرءُ إنَّ في رمضان جِهَادَيْنِ: جهادٌ بالليل وجهادٌ بالنهار ...... ([1]) متفقٌ عَلَيْهِ, البخاري (38), مسلم (760) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ([2]) متفقٌ عَلَيْهِ, البخاري (2009), مسلم (759 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ([3]) قال المنذري في الترغيب: رواه ابن ماجه (1644) وإسناده حسن. ([4]) متفقٌ عَلَيْهِ, البخاري (2014), مسلم (760 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ([5])رواه الإمام احمد في مسنده , قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح (2/ 254 ميمنية) ([6]) رواه بنحوه الترمذي وقال: غريب (682) , ورواه ابن خزيمة في صحيحه (ح 1883) , وابن حبان - قال الشيخ شعيب الأرنؤوط : إسناده قوي - (صحيح ابن حبان(8/221), وقوله صلى الله عليه وسلم: (ذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين،) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (البخاري: 1899, مسلم : 1079 , واللفظ لمسلم) ([7]) من حديث أبي هريرة, رواه ابن حبان (3/188) في صحيحه, وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط : إسناده حسن. ([8]) رواه الإمام أحمد في مسنده (2/254 ) - قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح - والترمذي وقالَ: حسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ (3545 ). |
|
#4
|
|||
|
|||
|
( منقول من هذا الرابط:http://debiessy.awardspace.com/books...an-gehadan.htm)
في رمضان جهادان: جهاد بالليل وجهاد بالنهار وهو المعنى الذي يشير إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «الصِّيَامُ وَالقُرْآن يَشْفَعَانِ فِي الْمَرْءِ يَوْمَ القِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: مَنَعْتُهُ الشَّرَابَ والطَّعَامَ وَالشَّهْوَةَ، وَيَقُولُ القُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ فَشَفِّعْنِي فِيهِ فَيَشْفَعَانِ» ([1]) جهاد الصيام بالنهار: أن يَسْتَوْفي فيه صيامَه الذي به تَتَحَقَّق المغفرة والعتق من النار، يعني: أن يكون الصيام سببَ مَنْعِه من المحرمات والشهوات، وأن يكون سببَ إقبالِه على ربه سبحانه وتعالى بالأذكار والطاعات - فإن هذا الصيام الذي منع العبد محرمات فضول الكلام، والسماع، والبصر، والمكاسب المحرمة، ومَنَعَهُ محرماتِ الشهوات من الطعام والشراب والنكاح، إذا استكمل شروطه كان ذلك الصيام سببًا لهذه المغفرة، وإنْ تَحَقَّقَ صيامُه بهذه الشروط التي يُكَّفِرَ الله تعالى بها الخطايا كان سببًا لشفاعته يوم القيامة، تراه منعه كذا وكذا وكذا ثم عاد إليه على حالة أسوأ أو أنه منعه ذلك فكان سببًا لترقيه إلى الله تعالى، وسببًا لخلوص قلبه ونقاء نفسه، سببًا لإقباله على ربه سبحانه وتعالى واستقامته على أمره، سببًا لطول مغفرته عند الله تعالى، فكان الصيام سببًا لصلاح النفس وصلاح القلب والإقبال على الرب والخروج به من العتقاء من النار، والخروج من رمضان بهذه المغفرة والرحمة, وإلا ضُرِبَ به في وَجْهِهِ كما ذُكِر في الصلاة ويقول له ضيعك الله كما ضيعتني([2]). والجهاد الثاني: جهاد القرآن بالليل, فهذا القرآن الذي قد أنزله تعالى لرحمة العباد، ولنور قلوبِهم، وأعمالِهم، وطَرَائِقِهم إلى الله - جل وعلا – وكذلك لبركتهم، ولشفائهم، وهدايتهم. انْظُر إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: « اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِِ» ([3]) ليكون سببَ هذه الشفاعة والزاد فيها ، ويأتي حديثُ النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى فيقول، وهو حديث أصله في الصحيحين: «رَأَى فِي مَنَامِهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا مُسْتَلْقٍ عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلًا وَاقِفًا عَلَيْهِ، وَفِي يَدَيْهِ فِهْرٌ أَوْ صَخْرَةٌ، فَيَخْدِشُ بِهَا رَأْسَهُ - يَكْسِرُ بِهَا دِمَاغَهُ - فيَتَدَهْدَهُ الحَجَرُ؛ فَيَأْتِي لِيَأْخُذَهُ؛ فيَعُودُ رَأْسَهُ كَمَا كَانَ فَيَخْدِشَهُ بِهِ، يَفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ فَسَأَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى الْقُرْآنَ؛ فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ فِي النَّهَارِ» ([4]) وهذا حديث صحيح. لذلك ورد: إذا جاء مَلَكُ الموت إلى المرء قال له: شُمَّ رأسَه يقول: أَجِدُ فيه القرآنَ، شُمَّّ قَلْبَه يقول: أَجِدُ فيه الصيام، يقول: شُمَّّ رجليه. أَجِدُ فيه القيام، يقول: حَفِظَ اللهُ فحَفِظه اللهُ، حَفِظَ نفسَه؛ فحَفِظَهُ ربُّه. وإنّ القرآن - كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه - يَلْقى صاحِبَه يوم القيامة حين يُشَقُّ عنه قبرُه كالرجل الشاحب يقول له: أَتَعْرِفُنِي؟ أَنَا الَّذِي أَظْمَأْتُ مِنْكَ الْهَوَاجِرَ، وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ، أَنَا سَبَبُ صِيَامِكَ، وَسَبَبُ ظَمَأِكَ فِي الْهَوَاجِرِ - في الأيام الصعبة الصائفة الشديدة الحر- وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ، وَإِنَّ كُلَّ رَجُلٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ؛ فيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ، والْخُلْدَ بِشِمَالِهِ، ويُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، ويُقَالُ لَهُ: اقْرَأْ، وَارْقَ فِي غُرُفَاتِ الْجَنَّةِ، فِي دَرَجِ الْجَنَّةِ وَغُرفَاتِهَا، ولا يزال يصعد، ما دام يقرأ هذا كان، أو ترتيلًا. وانْظُرْ إلى ما رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم في عكس هذا: يَأْتِي الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ خَصْمًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فيُمْسِكُ بالرَّجُلِ الَّذِي قَدْ حَمَلَ الْقُرْآنَ، وَقَدْ خَالَفَ أَمْرَهُ؛ فيَتَمَثَّلُ خَصْمًا لَهُ؛ فيَقُولُ: أيْ رَبِّ حَمَّلْتَنِي إِيَّاهُ؛ فَبِئْسَ حَامِلٌ تَعَدَّ حُدُودِي، وضَيَّعَ فَرَائِضي، ورَكِبَ مَعْصِيَتِي، وَتَرَكَ طَاعَتِي؛ فَمَا يَزَالُ يُلْقِي عَلَيْهِ بِالْحُجَجِ حَتَّى يُقَالُ لَهُ: شَأْنَكَ بِهِ؛ فَيَأْخُذُهُ مِنْ يَدِهِ؛ فَمَا يَدَعُهُ حَتَّى يَكُبَّهُ عَلَى مِنْخَرِهِ فِي النَّارِ. وَيُؤْتَى بِالرَّجِلِ الصَّالِحِ قَدْ حَمَلَ الْقُرْآنَ، وَحَفِظَ أَمْرَهُ؛ فَيَتَمَثَّلُ خَصْمًا لَهُ؛ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ حَمَّلْتَنِي إِيَّاهُ؛ فَنِعْمَ حَامِلٌ حَفِظَ حُدُودِي، وَقَامَ بِفَرَائِضِي، وَلَمْ يَرْتَكِبْ مَعْصِيَتِي، وَأَتَى بِطَاعَتِي، أَوِ اتَّبَعَ طَاعَتِي، فَمَا يَزَالُ يُقِيمُ لَهُ الْحُجَجَ حَتَّى يُقَالَ: شَأْنَكَ بِهِ؛ فَيَأْخُذَهُ حَتَّى يَدْخُلَ بِهِ الْجَنَّةَ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ.... إلى آخر الحديث([5]). فها قد جاء موعد تحقيق ذلك. فلما جمع الله تعالى هذه المعاني في شهر رمضان كان لها قيمتها التي يجب أن ينظر إليها المرء، ومعناها أن المرء يخرج عن أحواله التي هو فيها ليحقق المغفرة، فيخرج عن عوائده ومألوفاته في نومه وشربه وأكله، وفي كلامه وفي عمله وفي جوارحه وفي إقباله وإدباره. فالمرء الذي يريد المغفرة، ويريد العتق من النار تنعكس في هذا الشهر أحواله وتتغير، فهل لو كانت أحواله كما هي كما كانت قبل رمضان ولم يغير من هذه المألوفات، كان ذلك صدقًا في تصميمه على تحقيق المغفرة؟ فهل يأتي رمضان ليأخذ حظه من النوم ومن الراحة ومن الكسل ومن الدعة، وحتى إذا منع نفسه الطعام والشراب أتى في إفطاره ليعوض ما كان !! ثم جاء إلى سحوره ليزداد تخمة، ويصبح ممتلئًا كأنه في يوم فطره !! فلا يكون يوم فطره ويوم صيامه سواء، لا في أكله ولا في شربه ولا في نومه ولا في شهواته ولا في غفلته, النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن كذلك, بل أنه كان إذا أتى أهله فلم يجد طعامًا وشرابًا قال: إني صائم، وليس مثلنا نتعارك ونتشاجر وكل منا ينتظر الأصناف المعدودة ليأكلها ويمتلئ بها حتى إذا جاء القيام جاء متأخرًا، حتى إذا دخل القيام فإنما هي ألعاب رياضية ليهضم بها ما أكله في فطره..لا، وإنما كان صلى الله عليه وسلم على عكس ذلك كله إذا لم يجد الطعام والشراب يقول: إني صائم, فلم تكن القيمة للطعام والشراب إذن. وحال المؤمن الصادق في طلب المغفرة يدل على ذلك, فما أن يأتي رمضان إذا به غيَّر طريقة نومه، فقلل من هذا النوم، وقلل الأكل والشرب والنكاح والشهوة وقلل الكلام، وقلل الإقبال على الخلق، والائتناس بهم، وزاد في أعمال الطاعة والذكر والإقبال ووسع على المحتاجين، وبذل الصدقة، وبذل الإحسان، وبذل من وقته وجهده ليحصل المغفرة، فإذا به قد انقلبت أحواله، وخرجت هذه الأحوال عن المألوف؛ لأنه شهر غير مألوف في أعمال المؤمنين، فلابد أن يتحمل فيه المرء هذه المجاهدة, لتكون دليلا على تصميمه التحقق بالمغفرة. ونختم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ » ([6])، وقال: « إن جبريل أتاني فقال : من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله قل آمين فقلت آمين َ» ([7])..«رَغِمَ أَنْفِ امْرِئٍ أَتَى عَلَيْهِ رَمَضَانُ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، قُلْ: آمِينَ. فَقُلْتُ: آمِينَ» ([1]) رواه الإمام أحمد في المسند (6466) ، والطبراني في الكبير (13563)، وصححه الحاكم في المستدرك (1994) . ([2]) أخرجه أبو داود الطيالسي (1 / 80)، والطبراني في الأوسط (3/ 263)، والبيهقي في الشعب (3 / 143). ([3]) أخرجه مسلم (804) من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه. ([4]) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (1320) من حديث طويل رواه سمرة بن جندب رضي الله عنه. ([5]) [حسن] أخرجه أحمد في المسند (5 / 348) من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه. ([6]) [حسن] أخرجه الترمذي (3545 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ([7]) [حسن] أخرجه ابن حبان في صحيحه (3 / 188)، وقال الشيخ شعيب: إسناده حسن ) انتهى النقل __________________________________________________ ______ روابط ذات صلة : باقة الريحان من مقالات شهر رمضان ملف "إيقاظ أهل الإيمان لمغفرة رمضان" __________________________________________________ __________________________________________________ ____________ تنبيه هام : هذه المقالات استخرجها محررو الموقع -بحسب ما أدى إليه فهمهم واجتهادهم - من كتابي فضيلة الشيخ حفظه الله تعالى "حال المؤمنين في شعبان " , وحال المؤمنين في رمضان , وقد تم التصرف فيها كثيرا لتبسيطها وحتى يستفاد إخواننا من بعض الدرر الذي يحتويه هذا الكتاب , لذا فإن أي خطأ يتحمله المحررون وحدهم , وفضيلة الشيخ عافاه الله تعالى ليست له علاقة به , ولا تنس أخي الكريم أن الكتابين أصلهما تفريغ لخطب صوتية , لذا فإن أسلوب الاستطراد غالب عليه , والله الموفق |
|
#5
|
|||
|
|||
|
(منقول من هذا الرابط:http://debiessy.awardspace.com/books/aldo3a2.htm) من وسائل تحقيق الفوز في شهر رمضان المعظم: الدعاء الجزء الأول حضور القلب. اغتنام أوقات الإجابة. الخشوع والانكسار والتذلل بين يدي الربّ سبحانه وتعالى التحقق بآداب الدعاء . تقديم التوبة والاستغفار. الإلحاح في المسألة وتملق الرب جلّ وعلا. الدعاء رغبًا ورهبًا. تقديم صدقة بين يدي الدعاء. التوسل بأسماء الله الحسنى. الدعاء باسم الله الأعظم الدعاء وهو الباب الذي فتحه الله تعالى, ذلك الباب الذي ينبغي أن يهتم له المؤمنون وهو أن دعوة الصائم لا ترد، قد فتح الله هذا الشهر وفيه كما قال صلى الله عليه وسلم: « ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرٌ» ([1])، ليحاول المرء ويبكي ويدعو ويتضرع أن يكون رمضان خيرًا مما كان ويدعو ويتضرع أن يعينه ربه سبحانه وتعالى على الوفاء بذلك ويدعو ويبكي ويتضرع ويخاف أن يمر عليه رمضان كما مر من قبل. فأنت أيها المسكين قد دخلت ولم تتأهل له قد دخلت بذنوبك ومعاصيك وبكسلك وتوانيك ودخلت كذلك بضعف الهمة وضعف العزيمة ودخلت وقد محقت بركة الوقت والجهد، وإذا بك مسكين فقير قد دخلت على الله تعالى بذلك فتح لك الباب الذي يمدك منه فتح لك الباب الذي يعطيك منه فتح لك الباب الذي يفيض عليك سبحانه وتعالى فيه من رحمته، وهو باب إجابة الدعاء. إذا يَئِس المرء من نفسه، بأن أراد أن يُصْلِحها من جهةٍ تشتت عليه من جهة، أو يَقوم بالذِّكْر من جهةٍ غَفَلَتْ من جهة، أو لِيترك تَكاسُلَه من جهةٍ نامَتْ من جهة، يُجاهدُ يومًا ويومًا فيَرجع يومًا ويومين وثلاثة، ويَقِف الحال به على حَدِّ العَجْز , فقد فُتِح له بابُ الدعاء؛ ليكون هذا الباب سببًا في رَفْع هذا البلاء النازل، وإصلاحِِ هذه الأحوال السيئة؛ حيث إن التَّضَرُّع لله تعالى، ورَفْعَ اليدين له، والانكسارَ بين يديه، والخروجَ عن الحَوْل والطَّوْل والقوة؛ كلُّ ذلك سببٌ في أن يَتقبَّل الله تعالى دعاءَ المرء، خاصة إذا رأى بكاءه، وخوفَه، وحُزْنَه وضِيقَه من حاله ومن نفسه، إذا رأى ذلك فإنَّه يَمُنَّ عليه سبحانه وتعالى فيُخَفِّفَ عليه القيامَ، ويُهَوِّنَ عليه الصيامَ، ويَرْزقه تلاوةَ كتابِه والاستشفاءَ به، ويَقْبل منه عملَه، ويُبارِك له وقتَه وجهدَه سبحانه وتعالى، إذا صَحَّ الدعاء، نَفَعَ، بأن يخرج من قلبٍ سليم. فالدعاءُ من أهم الأسباب في دَفْع المكروه الذي نحن فيه، كل هذه المصائب التي نحن فيها، الدعاءُ أهمُّ شيءٍ يَدْفَعُها، وأهم سببٍ لحصول المقصود، ولكن الدعاء يَتَخلَّف أَثَرُه، فيدعو الإنسان ويدعو، وإذا لم ير إجابة يَسْتَحْسر، وييأس، ويَسْأَم، ويَمَلَّ, فإذا به يَتْرُك الدعاء! وهو الحال الذي نحن فيه اليوم؛ مَن الذي دَعَا، ودعا، ودعا، ودعا، واستَمَرَّ على الدعاء، واستمر على الوقوف بباب الله تعالى مُتَضَرِّعًا، كلَّما رأى عَيْبًا مَحَاهُ، وكلَّما رأى خَلَلًا سَدَّهُ، وكلَّما رأى ذَنْبًا تاب منه، وهو واقفٌ يَتضَرَّع ويدعو ويَتَمَلْمل ولا يُفارِق بابَ الله حتى يَستجيب دعاءه؛ لأنه سبحانه وتعالى قال: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [غافر: 60]. من الذي فعل ذلك؟! من فعل ذلك فلا بُدَّ مِن تَحَقُّقِ الاستجابة له بفضل الله لإنَّ الله تعالى لا يَتَخَلَّفُ وَعْدُه - جل وعلا – للمؤمنين، ولكنه لا يرى إجابةً فيترك الدعاء. ويَتَخَلَّفُ أَثَر الدعاء لعدة أسباب : 1- إما لضعف الدعاء؛ نتيجة للدعاء بهذه الأدعية الضعيفة التي فيها اعتداءٌ وعُدْوان. 2- وإما لِكَوْنِ المرء لم يَجْمع قلبَه بِكُلِّيَّته على مطلوبِهِ حالَ الدعاء. 3- وإما لِوجود الموانع التي تَمنع الإجابة من الله تعالى؛ كأَكْلِ الحرام، ورَيْنِ الذنوب على القلب، وغلبة الغفلة، والشهوة واللهو على القلب: «إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ» ([2]) أي: دعاء يدعوه به، فهو كالسَّهم، فالسَّهْمُ الضعيف يَخْرج من القَوْس الضعيف الرخوة، فلا يَصِلُ إلى مقصودِهِ، فإذا جاءته موانِعُ الإجابة أيضاً من أَكْلِ الحرام، وكثرةِ الذنوب والخطايا والسيئات، وغلبةِ الغفلة، واللهوِ، والشهوةِ على المرء؛ أنَّى يستجاب له؟! مع أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: « ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ» ([3])، ادعوا الله وأنتم متيقنون أن الله تعالى سوف يستجيب سبحانه وتعالى لكم هذه الأدعية. والدعاءُ أنفع شيءٍ للبلاء، هو عدوُّ البلاء النازل على المرء في دينِه ونفسِه ومالِه وأهلِه وأُمَّةِ الإسلام، الدعاءُ عدوُّ هذا البلاء، يَدْفَعُه ويُعالِجُه ويَمْنع نزولَه من أصلِه، وإذا نَزَل يَرْفعه، وإذا نَزَل يُخَفِّفه على حسب قوة الدعاء. فالدعاءُ له حالات مع البلاءِ؛ فقد يكون الدعاء أقوى من البلاء فيَرْفَع البلاءَ، أو أن يكون أقلَّ منه فيَرْفع من البلاء بقَدْرِه، أو أن يكون مِثْلَهُ فيَتَعالَجانِ إلى يوم القيامة ([4]). لذلك يقول الرسول صلى الله عليه وآل وسلم: «لَنْ يَنْفَعَ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ» ([5])، ويقول صلى الله عليه وسلم: «وَلَكِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ فَعَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ عِبَادَ اللَّهِ» ([6]). لذلك ينبغي على المؤمنين أن يكون هَمَّهُم هذه الأيام كيف يتحققون بإجابة الدعاء من الله تعالى؟ إِنَّ أنفسَهم قد مُلِئَتْ بالذنوب والمعاصي، وأعمالَهم قد مُحِقَتْ منها البركة، وإقبالَهم على الله تعالى ضعيفٌ لهذه الحالة، وكذلك استعدادُهم للقاء الله تعالى أشدّ ضعفاً، وأن المرء يحتاج إلى ربه في كل شيء، لا يستغنى عنه في كلِّ ذرة من ذراته، وفي أحوالِه في الدنيا وأحوالِه في الآخرة. ولذلك كان لا بُدَّ له أن يكون له طريقٌ إلى الله، وبابٌ إلى الله؛ لأنه إذا لم يُقَوِّهِ ربُّه لن يُقَوِّيه أحدٌ، وإذا لم يَغْفر له لن يَغْفر له أحدٌ، وإذا لم يَرْزقه لا يَرْزقه أحدٌ، وإذا لم يُخَفِّف عليه لا يُخَفِّف عليه أحدٌ. مَنِ الذي يُخَفِّفُ عليه؟ من الذي يَرْزقه؟ من الذي يَشْفيه؟ من الذي يُبارِك في وقتِه؟ من الذي يأخذُ بيده إليه؟ من الذي يَغْفر له؟ من الذي يَرْفَع عنه الكربَ والبلاءَ؟ من الذي يُصْلِح أخلاقَه وعادَاته؟ من الذي يتوب عليه؟ هو الله تبارك وتعالى ولا أحدَ سواه, فإذا لم يكنِ اللهُ له فكلُّ شيءٍ عليه، ويراها ضَنْكًا، ويراها ضِيقًا وتُسَدُّ في وجهِه، وكُلَّما سَلَكَ بابًا وَجَدَه مسدودًا، لا يَنْفع في ذلك حينئذٍ إلا الدعاءُ الذي ذكرنا، وإذا عَرَفَ المرءُ هذا الأمرَ فلا يَسْتَبْطِأ الدعاءَ؛ لأن من الأسباب التي تَمْنع استجابتَه أن يقول المرءُ: قد دَعَوْتُ فلم يَسْتَجِبْ لي، قد دَعَوْتُ فلم يَسْتَجِبْ لي, قال«لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي» ([7]). وهكذا يَعلم المرءُ كيف أَنَّ الإلحاحَ في الدعاء، والوقوفَ بباب الله تعالى - لا يَتحرَّك ولا يَتَزحْزح - سبَبٌ من أسباب استجابةِ الدعاء، وورَفْعِ البلاء، وسببُ ما يريدُ من ربِّه سبحانه وتعالى في كل أحوالِه في الدنيا والآخرة، في الظاهرِ والباطن، أَلَّا يَمَلَّ من ذلك، وألا يَسْتَحْسِر، لذلك قال في الرواية الأخرى: «يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» ([8]). كما هو حالُنا؛ إذا دعا المرء مرةً ولم يُسْتَجَبْ له غَفَل عن الدعاء وتَناساه، وعَلِمَ أَنَّ مِثلَه لا يُسْتَجَابُ له فيَسْتَحْسِر عند ذلك، ويترك الدعاءَ، وذلك من أسباب عدمِ البلوغ عند الله تبارك وتعالى؛ أن يَرتَفِع الدعاءُ، وقد مَثَّلُوه بهذا الرجل الذي بَذَر البذر وتعاهدَهُ بالسَّقْيِ والحَرْث، وكذا وكذا، ثم طال عليه إدراكُه ونُمُوُّه، فأَهْمَلَهُ وتَركه. |
|
#6
|
|||
|
|||
|
(منقول من هذا الرابط:http://debiessy.awardspace.com/books/aldo3a2.htm) من وسائل تحقيق الفوز في شهر رمضان المعظم: الدعاء الجزء الثاني ---- أسباب استجابة الدعاء ----- ويَجْمَعُ الإمام ابنُ القيم إجابةَ الدعاء في هذه الجملة من الكلام ([9])، نَحْفظُها ونُشير إلى معانيها سريعًا؛ بحيث يَتَّضِح المقصودُ وهو كيف يستجاب له؟ يقول: إِذَا جَمَع الْمَرءُ مع الدُّعَاء حَضُورَ القَلْب بِكُلِّيَّته وجَمْعِيَّتِه عَلَى الله تَعَالَى، وصَادَفَ وَقتًا مِنْ أوقَاتِ الْإِجَابَةِ السِّتة وَهِي: الثُّلُث الْأَخِير مِنْ اللَّيل, وَعِنْدَ الْآذَان, وَبَيْنَ الْآذَانِ وَالإِقَامَةِ. وَدُبُر الصَّلوَات الْمَكْتُوبَات, وَيَوم الْجُمُعَة حَتَى يَنْزِلَ الْإِمَامُ مِنْ عَلَى الْمِنْبَرِ, وَآخِر سَاعَة مِنْ سَاعَاتِ يَومِ الْجُمُعَة، يعني: مِن بعدِ العصر إلى غروب الشمس. ثُمَّ بعد ذلك صادف خشوعًا في القلب، وانكسارًا بين يَدَيِ الربِّ، وذُلًّا له سبحانه وتعالى، وتضرعًا، ورقةً، ثم استَقْبَل الداعي القبلةَ، وكان على طهارة، ورَفَع يديه إلى الله تبارك وتعالى، وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنى بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قَدَّم بين يَدَيْ حَاجَتِه التوبةَ والاستغفارَ للرب جل وعلا، ثم دَخَل على ربِّه، فَأَلَحَّ عليه في المسألة وتَمَلَّقَه، ودعاه برغبةٍ ورهبةٍ، وتَوَسَّل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وتوحيدِه، وقدَّم بين يَدَيْ دعائِه صدقةً، فإنَّ مثل هذا الدعاء، لا يكاد يُرَدُّ أبدًا، لا سيما إن صادَف دعاءً من الأدعية التي تتضمن اسمَ الله العظيم؛ اسمَه الأعظم سبحانه وتعالى الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سُئِلَ به أعطى. وانْظُرْ إلى هذه الكلمات التي قالها الإمامُ؛ لِتَرَى شيئًا من تفصيلها، وتحاول أن تَسِير على هذا النهج في هذه الأيام، لِيَتَّخِذَ المرءُ الدعاءَ منهجًا ودَيْدنًا، وأن لا يَسْتَحْسِر ويَدَعَ الدعاءَ، وأن يُقْبِل عليه بهذه الأَحوال الحَسَنة التي تُسبب استجابةَ الدعاء، والتي يُوشِك معها ألا يُرَدَّ دعاؤه أبدًا. أن يُحْضِر قلبَه على الدعاء، فإِنَّ الله لا يَقْبل دعاءً من قلبٍ غافلٍ أو لَاهٍ، وإنما إذا حَضَر القلبُ مع الدعاء كان هذا أَنْجَحَ في استجابة الدعاء، وكان أَرْجى لتحقيق المطلوب؛ حيث يَتواطأ القلب واللسان على دعائه لله تبارك وتعالى، وكلما خَرج الدعاء من قلبٍ قويٍّ مُجْتَمِعٍ على الله تبارك وتعالى، لا يَرى إلا الله هو الذي يَقْبل دعائَه، ولا يرى إلا الله هو الذي يَسْتَجِيب له ذلك، فإن هذا القلب الحاضر، هذا القلب الحي، هذا القلب المتعلِّق بالله تبارك وتعالى، هذا القلب الذي خَرَج عن الأسباب إلا لله سبحانه وتعالى، والذي فَقَدَ الرجاءَ في كل شيء إلا في الله جل وعلا، فإِنَّه يوشِك أن يُستجاب له؛ لأنه عَلِمَ أَنَّ له ربًّا هو الذي يَقْبَل، وهو الذي يَغْفِر، فَيُقبل عليه ويَتْرُك الأندادَ والأسبابَ، ويَتَضرَّع إليه سبحانه وتعالى بهذا الافتقار، وذلك الجَمْع على الله تعالى، يوشِك أن يَسْتَجِيب له، ويَنْظُر أن الله هو الذي يَستجيب، فيتعلَّق به قلبُه ويُقْبل عليه، ويَنْخَلِع من قُوَّتِه وحَوْلِه وطَوْلِه، ومن حَوْلِ الناس وطَوْلهِم وسلطانهم، فلا يَلْتَفِت قلبُه إِلَّا إلى ربه، يوشِك أن يَستجيب له. فإنَّ الربُّ يَتَنَزَّل في الثلث الأخير من الليل ويقول: «هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فأَغْفِرَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فأُعْطِيَهُ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ؟ حتى يطلُع الفجرُ» ([10])، وهذا وقت الإجابة؛ إذا ما كان المرء ساجدًا كان أقربَ وأشدَّ للاستجابة، فإِنَّ الله تعالى يَقْرَب من عبده في جوف الليل الآخر، أَقْرَبُ ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، وأَقْرَبُ ما يكون العبد من الرب وهو ساجد، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» ([11]). " قَمِنٌ " يعني: جَدِيرٌ أن يُستجابَ لكم، فإنْ تَحَقَّقَتْ هذه الثلاثة: قُرْبُ العبدِ من الربِّ، وقرب الرب من العبد، في ثلث الأخير من الليل الذي يَستجيب فيه الدعاء، يوشِك أن يستجيب اللهُ تعالى دعائَه. ومن أوقات الإجابة أيضا عند الآذان، وبين الآذان والإقامة، لا تُرَدُّ الدعوةُ، وقد صَحَّ هذا الحديث بإسنادٍ جيد أنه بين الآذان والإقامة لا تُرَدُّ الدعوة، وكذلك - كما أشرنا - دُبُر الصلوات المكتوبات، وعند صُعود الإمام إلى المنبر حتى تنتهي الصلاة، وآخرُ ساعة يوم الجمعة. وهذه الأيام وتلك الليالي وتلك الساعات إنما شَرُفَت لأسبابٍ وأسرارٍ لا يَعْلَمُها البشرُ عن الله تعالى، ولأسباب يَعْلَمُها البشر: ففي نهاية الليل في الثلث الأخير: تَصْفُو النَّفْسُ، ويَزدادُ الإخلاص، ويزداد الإقبالُ على الله تبارك وتعالى,وفي الجمعة: تَجْتَمِع الهِمَمُ، والقلوبُ تتعاون على استِدْرارِ رحمةِ الله تعالى؛ فيكون ذلك أقربَ إلى استجابة الدعاء، وهكذا عندما يُصادِف العبد بعد ذلك خشوعًا في القلب وانكسارًا بين يَدَيِ الرب، وذُلًّا له، وتَضَرُّعًا، ورِقةً، يعني: يصادف هذا الخشوع. لذلك عمر رضي الله عنه ما كان يُعَوِّلُ على الدعاء في الاستجابة قَدْرَ ما يُعَوِّلُ على فَتْحِ باب الدعاء له، يعني: يقول إذا فُتِحَ بابُ الدعاء فقد فُتِحَ بابُ الإجابة، إذا وُفِّقَ المرء للدعاء بهذا المعنى - يعني: بانكسار أن يكون القلب خاشعًا، ويكون المرء منكسِرًا بين يَدَيِ الرب ذليلًا بين يديه، يَتَمَلَّقه سبحانه وتعالى، ويتضرَّع إليه ويَرِق قلبُه حال الدعاء وتَدْمَع عيناه - يَعْلم أن هذا الدعاء قد صادَف الإجابةَ. رابعا التحقق بآداب الدعاء : فإذا ما استَقْبل القبلةَ، وكان على طهارة، ورَفَع يديه , كما كان حالُ النبي صلى الله عليه وسلم أنه يَرفع يديه في الدعاء حتى يَظْهر بَياضُ إبِطَيْهِ ([12])، ويَستقبل القبلة، ويدعو على هذا الخشوع الذي ذكرنا، وقد رأيناه كيف يفعل ذلك في كل المواقف صلى الله عليه وسلم، لذلك يقول في الحديث: كان إذا أَهَمَّهُ أمرٌ رَفَع رأسُه إلى السماء صلى الله عليه وسلم، وإذا اجتَهد في الدعاء قال: «يا حيُّ يا قيوم» فيُقْبِل على الله تعالى حالئذ، ويدعو ويرفع يديه مع الخشوع الذي ذكرنا والتضرع والرقة وبكاء العين وحضور القلب , ثم يحمد الله تعالى ويثنى عليه، ثم يصلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأوقات الفاضلة، يوشِك كما أشرنا أن يكون هذا الدعاء مقبولًا عند الله تعالى. هذه القلوب الحاضرة والمنكسرة، وتلك الأعين الباكية، وتلك الرقة، وقد وقف في هذه الأوقات التي يُرجى فيها استجابةُ الدعاء مع رَفْعِ يديه، واستقبال القبلة، والدعاء على طهارة، فلا بُدَّ حينئذٍ أن يُحقِّق هذا المعنى الذي تكلَّمنا عليه في النصف من شعبان، والذي لا يُغفر للمرء به في رمضان إلا أن يَتحقَّق به أن يكون تائبًا بينه وبين ربِّه، وأن يكون قد خَرَج من المظالم بينه وبين الناس، فإن هذه الذنوب والسيئات تمنع وصولَ الدعاء إلى الله تعالى، وهذه المظالم بينه وبين الناس تَرُدُّ الدعاءُ؛ لذلك بَيَّنَ النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الذي «يَرْفَع يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ويُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَقُولُ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، ومَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ » ([13]). فبَيَّن صلى الله عليه وسلم شيئًا من أسباب الموانع التي تمنع الإجابة؛ أن مَطْعَمه ومَشْرَبه وغُذِيَ، وهذا دليلٌ على بقية المعاصي والذنوب، إذا كان مطعمه ومشربه وغُذِي بالحرام، يعني: إذا كان الحرام سببًا لاستبعاد أن يُستجاب الدعاء، فإن بقية المعاصي والذنوب كذلك تَمنع وصول الدعاء إلى ربه سبحانه وتعالى. دَخَل المؤمن إذن على الله تعالى وألَحَّ عليه في المسألة، دَخَل على الله تعالى يدعو ويُلِحَّ في المسألة، ويُكرر كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرر الدعاء ثلاثة صلوات الله وسلامه عليه. والإلحاح في المسألة من العبد للرب، يوشِك الربُّ إذا رأى عبدَه مُتضرعاً، أسِيفًا حَزِينًا، يدعو بقلبٍ حاضر وبقلب حزين خاشع لله منكسِرًا له، باكي العين، يوشِك أن يقول: أَعْطُوهُ، كما قال سبحانه تعالى: هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ ([14])، أعطوه ما أمر به سبحانه وتعالى، أو ما دعا به العبد، كما هو الحديث. يقول له: يا ربّ أنتَ كريم، وأنتَ غفور، وأنتَ بَرٌّ، وأنتَ رحيم، وأنتَ الوَهَّاب، وأنتَ الجَوَّاد، وأنتَ المحسن، وليس لنا إِلَّاكَ، لا ملجأ لنا ولا مَنْجى منك إلا إليك، هذه نَواصِينا الخاطئة الكاذبة بين يديك... نَدْعوكَ دعاءَ المسكين، ونَتَضَرَّع ونَبْتَهِل إليك ابتهالَ الخاضعِ الذليلِ... ويَتملَّق ربَّه، أين نَذْهَب؟ لا ملجأ ولا مَفَّر، إلى مَنْ نَقِفُ؟ وإلى مَنْ نَتَضَرَّع؟ إلى مَنْ نَرْفَعُ أيديَنا وأَكُفَّنا؟ إلى مَنْ نَبْكي ونَخْشع ونسعى ونحفد؟ لِمَنْ؟ |
|
#7
|
|||
|
|||
|
(منقول من هذا الرابط:http://debiessy.awardspace.com/books/aldo3a2.htm) من وسائل تحقيق الفوز في شهر رمضان المعظم: الدعاء الجزء الثالث سابعا: ويدعوه رغبةً ورهبةً : كما قال سبحانه وتعالى : {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ }الأعراف55, وكما قال: { وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ }الأنبياء90, كما ذكر المولى فيه، وفي استجابة دعائهم كما ذكر سبحانه وتعالى: { وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ{89} فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ{90}} [الأنبياء: 88 - 90]. ثامنا: ويقدِّم بين يَدَيْ دعائِه صدقةً:والصدقة مع الدعاء مما يستجيب المولى بها ـ كما سبق وأشرنا ـ وقد كان ذلك مِن فِعْلِه صلى الله عليه وسلم إذا خرجوا للاستسقاء أو إلى غيره من الأمور التي يجتمعون فيها للدعاء، أن يتصدقوا وأن يَخْرجوا مُنْكَسِرين إلى الله تعالى، مُتَبَذِّلين له، خاشعين له، فإذا بالله تعالى يستجيب دعائَهم، فإن الصدقة في السر تُطْفِئ غضبَ الرب سبحانه وتعالى ([16])، كما ذكر النبي صلى الله وآله وسلم، وإن الصدقة من الأعمال الصالحة التي يَرْتَفِع بها الدعاء إلى الله تعالى كما قال :َ{ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } [فاطر: 10]. فكلما أردتَ أن ترفع عملًا صالحًا إلى الله تعالى؛ دعاءً أو غيره من أذكارٍ لله تعالى، فارْفَعْهُ بالأعمال الصالحة، ومن الأعمال الصالحة التي يرتفع بها الدعاء إلى الله سبحانه وتعالى، ويستجاب بها تلك الصدقات، سواءً في السر أو في العلن، فإن ذلك كله يرفع الدعاء، وقَمِنٌ أن يستجيب الله به سبحانه وتعالى. تاسعا: ثم يتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا: قال تعالى: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } [الأعراف: 180] ادْعُهُ باسمه الكريم والبر والجَوَّاد والتواب والغفار والقوي والغني والقادر سبحانه وتعالى، ادْعُهُ بهذه الأسماء، وتَمَلَّقُه بها، وارْفِعْ إليه يديكَ بهذه الأدعية، وأَقْبِلْ بِقَلْبِك وكلِّ جوارِحك عليه. فإنَّ التَّوَسُّل بالأسماء الحسنى والصفات العليا من أسباب استجابة الدعاء عند الله تعالى، كالتوسل بالأعمال الصالحة، بل هي أفضل، فإن التوسل بالأعمال الصالحة يَفِكُّ الصخرة كما ذكرنا في حديث الصخرة ([15])فكان الأَوْلَى أن يتوسل إلى ربه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وبتوحيده سبحانه وتعالى، لِيستجيب له. فإذا صادف الدعاء بعد ذلك أدعيةً من الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم التي تشتمل على الاسم الأعظم لله تعالى - على اسمه العظيم - فإن المولى سبحانه وتعالى يستجيب الدعاء،سَمِعَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً يَدْعُو وَهُوَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ بِأَنِّى أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِى لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) فَقَالَ « وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِى إِذَا دُعِىَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى » .([17]) ،ويقول أنس: كُنْتُ جَالِساً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى الْحَلْقَةِ وَرَجُلٌ قَائِمٌ يُصَلِّى فَلَمَّا رَكَعَ وَسَجَدَ جَلَسَ وَتَشَهَّدَ ثُمَّ دَعَا فَقَالَ : (اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ الْحَنَّانُ الْمَنَّانُ بَدِيعَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ يَا حَىُّ يَا قَيُّومُ إِنِّى أَسْأَلُكَ ) . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم « أَتَدْرُونَ بِمَا دَعَا » . قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ « وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِى إِذَا دُعِىَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى » ([18]) فإذا تَضَمَّن الدعاء هذه الأدعية من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم التي تشتمل على اسمه العظيم سبحانه وتعالى – هذه أحاديث صحيحة - فإنه يوشِك أن يَتقبَّل اللهُ تعالى دعائَه، إذا سأل الله تعالى أعطاه، وإذا دعاه أجابه. ومن هذه الأدعية التي وَرَدَتْ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يُستجابُ بها للمرءِ دعوةُ ذي النون، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ» ([19])، إذا دعا بها في شيء، يعني: في أي شيء يدعو بها المرء يَسْتجيب الله تعالى بها، ويقول في الرواية الأخرى: «أَلَا أُخبِرُكُم بِشَيءٍ إِذَا نَزَلَ رَجُل مِنْكُمْ كَرْبٌ أَوْ بَلَاءٌ مِنْ بَلَايَا الدُّنْيَا دَعَا بِهِ يُفَرِّجُ عَنَهُ فَقِيلَ لَهُ: بَلَى، فَقَالَ: دُعَاء ذِي النَّون» ([20]) فالنبي صلى الله عليه وسلم يُخْبِر بهذا الدعاء أنه إذا نَزَل أمرٌ مُهِمٌّ للرجل وأراد أن يُفَرِّجَه الله تعالى عنه يُخْبِرهم النبي صلى الله عليه وسلم بدعاء ذي النون إذا دَعَوْا به استجابَ الله لهم. فها قد فَتَح لك هذا الباب من أبواب الاستجابة لِتُصْلِح به هذه الأحوال، قد سَمِعْتَ القرآن، وقد سمعتَ الدعاء والذِّكر، وسمعتَ القيام، والصيام، وسمعتَ كل هذه المعاني، ولم يَسْتَجِبِ القلبُ لها، ومَنَعَ الهوى وحَظُّ النَّفْسِ مِن أن يُسارِع المرء ويَتنافس في تحقيقها بنفسه، عَلَّهُ يفوز بمغفرة الله تعالى، فإذا كنتَ قد وصلتَ إلى هذه الحال ويَئِسْتَ أن تُصْلِح هذه النفس بما سَمِعتَ فوجدتَ شيئًا ثقيلًا على نفسك أن تقوم به، ووجدتَ الموانع تَمْنَعكَ من أن تقوم بهذه القربات والطاعات فقد وجدتَ طريقك إلى تحقيق ذلك. هذا الدعاء بهذه الآداب التي أشرنا إليها يوشِك أن يكون سببًا لفكِّ هذه الكُرَب، وتلك العقد التي نحن فيها، ورفع البلاء الذي نَزَل بنا، كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم، فعلى المرء أن يُسارِع إلى الله تعالى، ويحاول أن يتحقَّق بهذه الأمور التي أشرنا إليها، وأن يَبذُل لها وقتًا، وجُهدًا، وأن يكون على أحسنِ حالٍ يمكن أن يَقْبل الله تعالى منه دعاءه، فإذا ما قُبِل الدعاء صَلحَتْ هذه الأحوال التي نحن فيها، واستَجابَتِ النفسُ والقلب لهذه الأعمال والطاعات والقربات، وسارعتْ إليها، وانشرحَ الصَّدْرُ، وثَبَتَتِ الأقدامُ على هذا الطريق إلى الله تعالى، وأُضِيء لها طريقُها إلى ربها، وتَنزَّلَتِ الرحمةُ، وارتفعَ الشقاء الذي نحن فيه، وإذا بالمرء الذي قد استجيب له قد انفتح بابه أمامَه، تلك الأبواب من أبواب الشفاء والهداية، ومن أبواب الرحمة والاستجابة , قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } [غافر:60]. فليحاول المرء ولا ييأس، ولْيُلِحَّ، ولْيَدْخُل على الله تعالى كما ذكرنا بهذه الآداب، فإنها المُعِينة له في تلك الأيام على تحصيل ما لم يحصل، وعلى الثبات فيما حَصَّله، وعلى التَّوَسُّع من رحمة الله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } [إبراهيم: 7] كما ذكر جل وعلا. |
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |