|
|
|
|||||||
| ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#2
|
||||
|
||||
|
وَمِنْ أَهَمِّ مَا يَكُونُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنْ يَتَحَلَّى الْمُسْلِمُ بِالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ، وَالْآدَابِ الْكَامِلَةِ، الَّتِي هِيَ عُنْوَانٌ لِفَلَاحِ صَاحِبِهَا؛ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ـ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ـ: «كَادَ الْأَدَبُ أَنْ يَكُونَ ثُلُثَيِ الدِّينِ». قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: «الَّذِي نَقَلْنَا مِنْ أَدَبِ مَالِكٍ أَكْثَرُ مِمَّا تَعَلَّمْنَا مِنْ عِلْمِهِ». يَقُولُ مُعَاذٌ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ؛ فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُدَارَسَتَهُ تَسْبِيحٌ، وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ، وَهُوَ الْأَنِيسُ فِي الْوَحْدَةِ، وَالصَّاحِبُ فِي الْخَلْوَةِ». وَقَالَ الْحَسَنُ: «لَوْلَا الْعُلَمَاءُ، لَصَارَ النَّاسُ كَالْبَهَائِمِ، لَا يَدْرُونَ كَيْفَ يَعْبُدُونَ، وَلَا كَيْفَ يَنْكِحُونَ». وَهُنَالِكَ آدَابٌ عَامَّةٌ، وَآدَابٌ خَاصَّةٌ، يَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَتَحَلَّى بِهَا فِي حَضْرَةِ شَيْخِهِ، وَحَالَ مُخَاطَبَتِهِ إِيَّاهُ مُسْتَفْسِرًا أَوْ مُخْبِرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. وَمِنْ تِلْكَ الْآدَابِ الْعَامَّةِ مَا نَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ «إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ»، وَأَسْنَدَهُ إِلَى عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ:قَالَ عَلِيٌّ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ: «إِنَّ مِنْ حَقِّ الْعَالِمِ أَلَّا تُكْثِرَ عَلَيْهِ بِالسُّؤَالِ، وَلَا تُعَنِّتَهُ فِي الْجَوَابِ، وَلَا تُلِحَّ عَلَيْهِ إِذَا كَسِلَ، وَلَا تَأْخُذْ بِثَوْبِهِ إِذَا نَهَضَ، وَلَا تُفْشِ لَهُ سِرًّا، وَلَا تَغْتَابَنَّ أَحَدًا عِنْدَهُ، وَلَا تَطْلُبَنَّ عَثْرَتَهُ، وَإِنْ زَلَّ قَبِلْتَ مَعْذِرَتَهُ، وَعَلَيْكَ أَنْ تُوَقِّرَهُ وَتُعَظِّمَهُ لِلَّهِ تَعَالَى، مَا دَامَ يَحْفَظُ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَقْصِدُ بِهِ الرِّيَاسَةَ وَالْمَالَ وَالْجَاهَ وَمُمَارَاةَ السُّفَهَاءِ وَمُبَاهَاةَ الْأَقْرَانِ». وَمِنْ آدَابِ طَالِبِ الْعِلْمِ: أَنْ يُخْلِصَ لِلَّهِ فِي نِيَّتِهِ، فَلَا يَطْلُبَ الْعِلْمَ الشَّرْعِيَّ وَوَسَائِلَهُ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، طَلَبًا لِلثَّوَابِ، وَهَرَبًا مِنَ الْعِقَابِ، نَاوِيًا رَفْعَ الْجَهْلِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ؛ فَهَذِهِ هِيَ النِّيَّةُ النَّافِعَةُ. أَمَّا مَنْ طَلَبَهُ لِيَنَالَ بِهِ الدُّنْيَا، وَالشَّرَفَ، وَالشُّهْرَةَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَلَيْسَ لَهُ فِي طَلَبِهِ إِلَّا التَّعَبُ وَالنَّصَبُ.قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ مُحَذِّرًا مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ لِغَيْرِ اللَّهِ: «مَنْ طَلَبَ الْحَدِيثَ لِغَيْرِ اللَّهِ مُكِرَ بِهِ».إِنَّ مُعَالَجَةَ النِّيَّةِ وَاسْتِصْلَاحَهَا مِنْ أَصْعَبِ الْأُمُورِ، وَلَكِنْ مَنْ صَدَقَ مَعَ اللَّهِ وَجَاهَدَ نَفْسَهُ لَمْ يُخَيِّبْهُ اللَّهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ؛ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ.وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ؛ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ.وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ؛ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ» وَمِنْ آدَابِهِ: تَقْوَى اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ؛ فَالتَّقْوَى وَالْعِلْمُ النَّافِعُ مُرْتَبِطَانِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ﴾، أَيْ: يَهَبْ لَكُمْ عِلْمًا وَنُورًا وَبَصِيرَةً تُفَرِّقُونَ بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَبَيْنَ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ، وَبَيْنَ خَيْرِ الْخَيْرَيْنِ وَشَرِّ الشَّرَّيْنِ.﴿ وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾، أَيْ: يَفْتَحُ لَكُمْ مِنْ أَبْوَابِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ مَا يَكُونُ كَفَّارَةً لِسَيِّئَاتِكُمْ، فَإِنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ كَفَّارَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ.﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾، أَيْ: يُلْهِمُكُمُ الِاسْتِغْفَارَ وَالتَّوْبَةَ مِنْ ذُنُوبِكُمْ إِذَا زَلَّتْ أَقْدَامُكُمْ، فَإِنَّ مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَا يُكَفِّرُهُ إِلَّا التَّوْبَةُ.وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾.وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾.فَدَلَّتِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ عَلَى أَنَّ التَّقْوَى، الَّذِي هُوَ الْعَمَلُ بِالْعِلْمِ، سَبَبٌ عَظِيمٌ فِي التَّوْفِيقِ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ، وَالزِّيَادَةِ فِيهِ، وَالثَّبَاتِ عَلَيْهِ.أَمَّا مَنْ تَعَلَّمَ ثُمَّ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ، وَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ، فَوَيْلٌ لَهُ، ثُمَّ وَيْلٌ لَهُ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ، وَمِنْهُمْ رَجُلٌ عَالِمٌ، مَا تَعَلَّمَ وَعَلَّمَ إِلَّا لِأَجْلِ الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا، فَلَمْ يُرِدْ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ. نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ. وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ سُلِبَ الْعِلْمَ، وَمُحِقَتْ مِنْهُ بَرَكَتُهُ، وَارْتَدَّ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَهُوَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ. يَقُولُ تَعَالَى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾. وَمِنْ آدَابِ طَالِبِ الْعِلْمِ: تَوْقِيرُ مُعَلِّمِهِ، وَذَلِكَ بِحُسْنِ الْإِنْصَاتِ إِلَيْهِ إِذَا تَكَلَّمَ، وَحُسْنِ السُّؤَالِ عَمَّا يُشْكِلُ، وَالدُّعَاءِ لَهُ مُكَافَأَةً لَهُ عَلَى مَعْرُوفِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَالصَّبْرِ عَلَى مَا قَدْ يَكُونُ مِنْهُ مِنْ جَفَاءٍ أَوْ غِلْظَةٍ، وَاجْتِنَابِ مُعَامَلَتِهِ بِسُوءِ الْأَدَبِ وَمَرْذُولِ الْخُلُقِ. وَكُلَّمَا نَقَصَ أَدَبُ الطَّالِبِ مَعَ مُعَلِّمِهِ، كُلَّمَا أَثَّرَ ذَلِكَ نَقْصًا فِي انْتِفَاعِهِ بِهِ. وَمِنْ آدَابِ طَالِبِ الْعِلْمِ: أَنْ يَخْتَارَ الصُّحْبَةَ الطَّيِّبَةَ الَّتِي تُعِينُهُ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ، وَمُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ، وَالَّتِي تُعِينُهُ عَلَى التَّحَلِّي بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَعَالِيهَا، وَتُعِينُهُ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ وَالثَّبَاتِ؛ فَيُذَكِّرُونَهُ إِذَا نَسِيَ، وَيُعَلِّمُونَهُ إِذَا جَهِلَ، وَيُقَوِّمُونَهُ إِذَا مَالَ. قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ».وَلْيَحْذَرْ مِنْ صُحْبَةِ الْمُتَلَبِّسِينَ بِالْبِدَعِ؛ فَإِنَّهُمْ يُفْسِدُونَ عَلَيْهِ عَقِيدَتَهُ، وَلْيَحْذَرْ مِنْ صُحْبَةِ أَهْلِ الشَّهَوَاتِ وَالْبَطَالَةِ وَالْكَسَلِ؛ فَإِنَّهُمْ يُفْسِدُونَ عَلَيْهِ أَخْلَاقَهُ، وَيُضَيِّعُونَ عَلَيْهِ عُمْرَهُ وَأَيَّامَهُ. وَمِنْ آدَابِ طَالِبِ الْعِلْمِ: الْعِنَايَةُ بِالْوَقْتِ، فَيَسْتَغِلُّهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ حِفْظًا وَفَهْمًا وَمُرَاجَعَةً؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ إِذَا أَعْطَيْتَهُ كُلَّكَ أَعْطَاكَ بَعْضَهُ، وَإِذَا أَعْطَيْتَهُ بَعْضَكَ لَمْ يُعْطِكَ شَيْئًا. وَإِذَا كَانَ لَدَيْهِ وَقْتُ فَرَاغٍ قَضَاهُ فِيمَا يَعُودُ عَلَيْهِ بِالنَّفْعِ فِي دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ.إِنَّ الْوَقْتَ أَعْظَمُ الْكُنُوزِ وَأَثْمَنُهَا، وَمَا ذَهَبَ مِنْهُ فَلَا يَعُودُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾.فَأَقْسَمَ اللَّهُ بِالزَّمَانِ أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ خَاسِرٌ، إِلَّا مَنْ اغْتَنَمَ زَمَانَهُ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالتَّوَاصِي بِالْحَقِّ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ. وَمِنْ آدَابِ طَالِبِ الْعِلْمِ: عِنَايَتُهُ بِكُتُبِهِ وَمُذَكِّرَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهَا كُتُبُ عِلْمٍ مُحْتَرَمَةٌ، فَلَا يَمْتَهِنُهَا بِعَبَثٍ أَوْ تَقْطِيعٍ أَوْ رَمْيٍ فِي الْمَزَابِلِ، أَوْ يَجْعَلَهَا مَقْعَدًا يَجْلِسُ عَلَيْهِ، لَا فِي أَوَّلِ الْعَامِ وَلَا فِي آخِرِهِ، بَلْ يُحَافِظُ عَلَيْهَا، وَإِذَا انْتَهَتْ حَاجَتُهُ مِنْهَا أَعْطَاهَا لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهَا، أَوْ أَحْرَقَهَا ثُمَّ دَفَنَهَا فِي مَكَانٍ طَاهِرٍ؛ لِأَنَّ كُتُبَ الْعِلْمِ كُتُبٌ مُحْتَرَمَةٌ لِمَا فِيهَا مِنَ الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ. وَمِنْ آدَابِ طَالِبِ الْعِلْمِ: مُحَافَظَتُكَ عَلَى الْمَنَافِعِ الْعَامَّةِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَدْرَسَتِكَ وَمَا فِيهَا مِنَ الْأَدَوَاتِ وَالْخِدْمَاتِ الَّتِي وُفِّرَتْ لِمَصْلَحَتِكَ وَمَصْلَحَةِ غَيْرِكَ. إِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِلْكًا لَكَ لَمَا صَلَحَ أَنْ تُتْلِفَهَا دُونَ مُسَوِّغٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، وَاللَّهُ كَرِهَ لَنَا إِضَاعَةَ الْمَالِ.فَكَيْفَ بِمَنْ يُتْلِفُ مَا هُوَ مَنْفَعَةٌ مُشْتَرَكَةٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ مِنْ بَعْدِهِ؟ أَيُّهَا الطُّلَّابُ، اشْكُرُوا اللَّهَ عَلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ؛ تَدْرُسُونَ بِالْمَجَّانِ فِي مَدَارِسَ مُكْتَمِلَةِ الْخِدْمَاتِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.وَإِنَّ عَبَثَكُمْ بِهَا مِنْ كُفْرَانِ النِّعْمَةِ، وَإِنَّ كُفْرَانَ النِّعَمِ مِنْ أَسْبَابِ زَوَالِهَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾. ولله در الشافعي رحمه الله. أَخِي لَنْ تَنَالَ الْعِلْمَ إِلَّا بِسِتَّةٍ ![]() سَأُنْبِيكَ عَنْ تَفْصِيلِهَا بِبَيَانِ ![]() ذَكَاءٍ وَحِرْصٍ وَاجْتِهَادٍ وَبُلْغَةٍ ![]() وَصُحْبَةِ أُسْتَاذٍ وَطُولِ زَمَانِ ![]() بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. الخطبة الثانية الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا، وَجَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.❖ثَالِثًا وَأَخِيرًا: اللَّهَ اللَّهَ فِي دِرَاسَةِ العِلْمِ. أَيُّهَا السَّادَةُ: أَصْبَحَتِ الثَّقَافَاتُ الْإِلِكْتُرُونِيَّةُ مِنْ مُتَابَعَةِ الْمَشَاهِيرِ، وَالْأَسْوَاقِ، وَالْكَمَالِيَّاتِ، وَالرِّيَاضَةِ، وَمَوَاقِعِ الدَّرْدَشَةِ، هِيَ السَّائِدَةَ فِي ثَقَافَةِ الشَّبَابِ وَالْفَتَيَاتِ؛ مِمَّا كَانَ لَهُ الْأَثَرُ السَّلْبِيُّ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ عِنْدَهُمْ؛ لِذَا كَانَ عَلَيْنَا أَنْ نُعَلِّمَهُمْ مَحَبَّةَ طَلَبِ الْعِلْمِ، وَالشَّغَفَ بِهِ، وَالتَّأَسِّيَ بِالصَّحَابَةِ الْكِرَامِ فِي طَلَبِهِ لِلْعِلْمِ، فَقَدْ كَانَ شَبَابُ الصَّحَابَةِ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ـ يُدْرِكُونَ أَهَمِّيَّةَ الْعِلْمِ وَفَضْلَهُ، وَفَضْلَ الْعُلَمَاءِ. لذا عَلَى أَوْلِيَاءِ الْأُمُورِ: أَنْ يُوَجِّهُوا أَوْلَادَهُمْ إِلَى حُسْنِ الطَّلَبِ وَالْأَدَبِ، وَأَنْ يُشَجِّعُوهُمْ عَلَى التَّفَوُّقِ وَالرِّيَادَةِ وَالنَّجَاحِ، وَنَفْعِ أَنْفُسِهِمْ وَدِيـنِهِمْ وَأُمَّتِـهِمْ لِلْوُصُولِ إِلَى غَايَةِ الظَّفَرِ وَالفَلَاحِ، وَيَغْرِسُوا فِي نُفُوسِ أَبْنَائِهِمْ وَبَنَاتِهِمُ الطَّلَبَـةِ وَالطَّالِبَاتِ حُبَّ الْمُعَلِّمِ وَتَقْدِيرَهُ، وَاحْتِرَامَهُ وَتَوْقِيرَهُ؛ فَمَا مِنْ مُهَنْدِسٍ وَلَا طَبِيبٍ، وَلَا مُوَظَّفٍ وَلَا أُسْتَاذٍ وَلَا خَبِيرٍ، وَلَا مَسْؤُولٍ وَلَا وَزِيرٍ؛ إِلَّا وَلِلْمُعَلِّمِ عَلَيْهِ فَضْلٌ وَمِنَّةٌ، فَلْنُقَابِلِ الْإِحْسَانَ بِالْإِحْسَانِ، وَلْنُجَازِ صَاحِبَ الْجَمِيلِ بِالشُّكْرِ وَالْعِرْفَانِ.وَ**أَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ يُوصِلُ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَتَنْزِيهِهِ عَنِ النَّقْصِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٩].فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْعِلْمَ مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ؛ فَبِهِ تُعْرَفُ الْحَقَائِقُ، وَتُدْرَكُ الْمَقَاصِدُ، وَتُعْرَفُ طَرِيقُ الْهِدَايَةِ وَالسَّعَادَةِ.فَاللَّهَ اللَّهَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَالْمُثَابَرَةِ عَلَيْهِ، وَالصَّبْرِ عَلَى تَحْصِيلِهِ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يُنَالُ بِالتَّمَنِّي، وَلَا يُدْرَكُ بِالرَّاحَةِ وَالدَّعَةِ، وَلَكِنْ بِالْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ وَالْمُصَابَرَةِ. وَاعْلَمُوا أَنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ فِي عِبَادَةٍ مَا دَامَ يَطْلُبُهُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، فَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا فِي سَبِيلِهِ، وَكُلُّ وَقْتٍ يَبْذُلُهُ فِي تَعَلُّمِهِ، فَهُوَ ذُخْرٌ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. فَاحْرِصُوا عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ، وَعَلَى مُجَالَسَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ، وَعَلَى الْعَمَلِ بِمَا تَعَلَّمْتُمْ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ يَرْفَعُ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ آخَرِينَ، وَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ. وَاعْلَمُوا أَنَّ الْعِلْمَ هُوَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ، وَنُورُ الْبَصَائِرِ، وَسَبِيلُ الْهُدَى وَالرَّشَادِ؛ فَبِهِ يَعْرِفُ الْعَبْدُ رَبَّهُ، وَيَعْرِفُ مَا يُرْضِيهِ، وَيَسْلُكُ طَرِيقَ الْحَقِّ عَلَى بَصِيرَةٍ. فَاللَّهَ اللَّهَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، لَا تَجْعَلُوا أَعْمَارَكُمْ تَمْضِي فِي مَا لَا يَنْفَعُ، وَأَقْبِلُوا عَلَى مَجَالِسِ الْعِلْمِ، وَعَلَى قِرَاءَةِ كُتُبِهِ، وَمُذَاكَرَةِ أَهْلِهِ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ صَيْدٌ، وَالْكِتَابَةُ قَيْدُهُ، وَإِنَّ مَنْ جَدَّ فِي طَلَبِهِ بَلَغَ، وَمَنْ صَبَرَ عَلَيْهِ ظَفِرَ. عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ كَثْرَةَ مَعْلُومَاتٍ فَقَطْ، وَلَا حِفْظَ مَسَائِلَ فَقَطْ، بَلْ هُوَ عِلْمٌ يُورِثُ خَشْيَةَ اللَّهِ، وَيَحْمِلُ صَاحِبَهُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَيَزْجُرُهُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾. فَاحْرِصُوا عَلَى تَعْلِيمِ أَنْفُسِكُمْ، وَتَعْلِيمِ أَهْلِيكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ، وَاغْرِسُوا فِي نُفُوسِهِمْ حُبَّ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ ذُخْرٌ لَا يَفْنَى، وَرِفْعَةٌ لَا تَبْلَى، وَأَثَرٌ يَبْقَى لِلْإِنْسَانِ بَعْدَ رَحِيلِهِ. فاللَّهُمَّ ارْزُقْنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَقَلْبًا خَاشِعًا، وَعَمَلًا صَالِحًا، وَاجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِهِ وَيُعَلِّمُونَهُ لِلنَّاسِ.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, موقع الرقية الشرعية |