الوفاء.. من أخلاق الإسلام الراقية - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         اصناف لاكلات ووصفات رمضان ثلاثون اكله لثلاثين يوما (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 29 - عددالزوار : 45 )           »          غربة زوجي تنهشني! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 42 )           »          هن لباس لكم وأنتم لباس لهن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          واجعلوا بيوتكم قِبْلة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 35 )           »          10 نصائح لجلب الطاقة الإيجابية بين الزوجين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          معاول هدم إلكترونية للعلاقات الزوجية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          حكم اشتراط المهر المؤخر عند الطلاق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 35 )           »          حوار الحضارات .. ضوابط تحفظ العقيدة والهوية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          الدنيا في نظر القرآن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          بيان القرآن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 40 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى حراس الفضيلة
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى حراس الفضيلة قسم يهتم ببناء القيم والفضيلة بمجتمعنا الاسلامي بين الشباب المسلم , معاً لإزالة الصدأ عن القلوب ولننعم بعيشة هنية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 14-07-2026, 09:59 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,570
الدولة : Egypt
افتراضي الوفاء.. من أخلاق الإسلام الراقية

الوفاء.. من أخلاق الإسلام الراقية (١-٢)


  • من أعظم أنواع الوفاء الوفاء للوالدين وردُّ جميلهما وما بذلاه من تعبٍ وصبرٍ في تربية أولادهما
  • الوفاء بالعهد من صفات المؤمنين وهي عبادة يُتقرب بها إلى الله تعالى
  • من الوفاء حفظُ حقوق أهل الفضل وعدم نكران جميلهم وفي مقدمتهم المشايخ والعلماء والمربون
خُلقُ الوفاء من أخلاق الإسلام العظيمة الراقية، التي متى انتشرت بين الناس ملأت حياتهم صفاءً ونقاءً، وأشاعت بينهم المحبة والمودة والألفة. والوفاء من التوفية، يقال: وفَّاه حقَّه؛ أي أعطاه حقَّه كاملًا غير منقوص، وهذا الخلق من شيم الصالحين، وأخلاق المؤمنين، وهو ـ كما قال العلماء ـ علامة على صدق الإيمان.
يُعرَّف الوفاء بأنه: حفظ العهود والوعود، وأداء الأمانات، والاعتراف بالجميل، وصيانة المودة والمحبة، وشكر المعروف، وضده الغدر، والخيانة، ونكران الجميل؛ ولذلك كان هذا الخلق من الأخلاق النادرة في الناس، حتى كانت العرب تضرب به المثل في الندرة، فتقول: «أعزُّ من الوفاء»، ويقول الأصمعي -رحمه الله-: إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل وصدق عهده، فانظر إلى حنينه إلى أوطانه، وتشوقه إلى إخوانه، وبكائه على ما مضى من زمانه؛ فالوفاء معدن نفيس، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الناس معادن، كمعادن الذهب والفضة»، ومن أشرف هذه المعادن معدن الوفاء، وقد قال أهل المروءة: آفة المروءة خُلْف الوعد؛ لأن الوفاء من أعلى مراتب المروءة وأكملها.
أولًا: منزلة الوفاء في القرآن الكريم
أثنى الله -سبحانه وتعالى- على أهل الوفاء في مواضع كثيرة من كتابه، فقال -تعالى-: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا}، وقال -سبحانه-: {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}، بل وصف الله -سبحانه- نفسه بالوفاء، فقال: {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ}، فالله -سبحانه- أوفى الواعدين، وأكرم المعاهدين.
ثانيًا: الوفاء من صفات الأنبياء والصالحين
الوفاء خلق الأنبياء جميعًا؛ ولذلك أثنى الله -تعالى- على نبيه إبراهيم -عليه السلام- بقوله: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى}، كما جاء في حديث هرقل مع أبي سفيان، لما سأله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «بماذا يأمركم؟»، فقال: «يأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة «فقال هرقل: «هذه صفة نبي»، فجمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أعظم الأخلاق، وكان الوفاء واحدًا من أبرز تلك الصفات.
ثالثًا: التحذير من الغدر والخيانة
وفي مقابل الوفاء، حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - أشد التحذير من الغدر والخيانة، فقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، يُرفع لكل غادر لواء، فيقال: هذه غَدْرة فلان بن فلان»، وكانت العرب قديمًا يرفعون للوفي رايةً بيضاء؛ تعظيمًا له وإشادةً بوفائه، ويرفعون للغادر رايةً سوداء؛ تشهيرًا به وذمًّا له، فجاء الإسلام مقرِّرًا هذا المعنى، إلا أن التشهير بالغادر يكون يوم القيامة على رؤوس الخلائق، جزاءً لغدره وخيانته.
رابعًا: من أنواع الغدر ونكران الجميل
من أنواع الغدر وعدم الوفاء ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال: «أُريت النار، فإذا أكثر أهلها النساء، فقيل: بم يا رسول الله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط»، وفي هذا الحديث تحذير من نكران المعروف، وبيان أن من أعظم أنواع الغدر أن ينسى الإنسان إحسان من أحسن إليه، ولا يذكر إلا الزلات والهفوات.
خامسًا: وفاء النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى مع مخالفيه
من أعظم ما يلفت النظر في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان أوفى الناس عهدًا، حتى مع من خالفه وحاربه، ومن ذلك ما وقع بعد وفاة خديجة -رضي الله عنها- وأبي طالب، حين خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف يدعو أهلها إلى الإسلام، فلم يستجيبوا له، فرجع إلى مكة، وما يُذكر في بعض كتب السيرة من أنهم أغروا به صبيانهم ومجانينهم فرموه بالحجارة، أو أنه جلس يدعو بالدعاء المشهور: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي...»؛ فهذه الروايات لا تثبت بإسناد صحيح. ولما أراد - صلى الله عليه وسلم - دخول مكة، لم يدخلها حتى دخل في جوار المطعم بن عدي، وكان من سادات قريش، فقبل المطعم جواره، وجمع أبناءه وقومه، ولبسوا السلاح، وأعلن أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - في جواره، فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة، وطاف بالبيت، وصلى ركعتين، ثم مضت الأيام، وهاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، ووقعت غزوة بدر، وأُسر سبعون من المشركين، وكان المطعم بن عدي قد مات قبل ذلك، ومع ذلك لم ينس النبي - صلى الله عليه وسلم - جميله، فقال: «لو كان المطعم بن عدي حيًّا، ثم كلمني في هؤلاء النَّتْنَى، لتركتهم له»، وهذا من أعظم صور الوفاء وردِّ الجميل، حتى مع من لم يكن مسلمًا.
سادسًا: وفاؤه - صلى الله عليه وسلم - لأبي البختري
من وفائه - صلى الله عليه وسلم - أيضًا ما كان من أبي البختري بن هشام، فقد كان هذا الرجل ـ مع بقائه على كفره ـ لا يؤذي النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل كان ممن سعى في نقض صحيفة مقاطعة بني هاشم، وكان له مواقف حسنة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر: »إذا رأى أحدكم أبا البختري فلا يقتله«، فكان الصحابة يتحاشونه في أرض المعركة؛ وفاءً من النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن أحسن إليه، وإن كان على غير الإسلام.
سابعًا: الوفاء بالعهود والمواثيق
من أعظم صور الوفاء المحافظة على العهود، ولو كان فيها مشقة، ومن ذلك ما وقع لحذيفة بن اليمان -رضي الله عنهما-، فقد خرجا يريدان المدينة، فأمسك بهما كفار قريش، وقالوا: إنكما تريدان محمدًا، فقالا: ما نريد إلا المدينة، فأخذوا عليهما عهد الله وميثاقه ألا يقاتلا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم أطلقوا سبيلهما، فلما قدما على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبراه بما وقع، قال: «انصرفا، نَفِي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم، فأبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ينقض عهدًا أعطاه، مع شدة حاجة المسلمين إلى الرجال يوم بدر».
ثامنًا: موقف أبي جندل في صلح الحديبية
ومن أعظم المواقف التي تجلَّى فيها خلق الوفاء موقف أبي جندل بن سهيل بن عمرو - رضي الله عنه -، فبعد أن تمَّ الصلح بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وقريش، جاء أبو جندل يرسف في قيوده، يستغيث بالمسلمين بعدما عذبه المشركون، فقال سهيل بن عمرو: لقد تمَّ الأمر بيننا، وهذا أول من أقاضيك عليه، فكان موقفًا شديدًا على المسلمين، حتى قال أبو جندل: يا معشر المسلمين، أتردونني إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ ومع ذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنا قد صالحنا هؤلاء القوم، وأعطيناهم على ذلك، وإنا لا نغدر»، فقدَّم - صلى الله عليه وسلم - الوفاء بالعهد على ما تميل إليه النفوس؛ لأن الإسلام دين الوفاء، لا دين الغدر والخيانة.
تاسعًا: أنواع الوفاء
الوفاء له أنواع كثيرة، ومن أهمها الوفاء بما التزم به الإنسان، فما يلتزمه العبد لا يخرج عن ثلاثة أمور: (العقد، والعهد، والوعد)، وهذه كلها داخلة في قول الله -تعالى-: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا}، فكل إنسان سيسأل يوم القيامة عن وعوده، وعهوده، وعقوده: هل وفَّى بها أم فرَّط فيها؟
عاشرًا: أعظم مراتب الوفاء مع الله
إذا عرفنا ما يجب الوفاء به، فإن من المهم أيضًا أن نعرف لمن يكون الوفاء، وأول من يستحق الوفاء هو الله سبحانه وتعالى، وذلك بإقامة العبودية له، والوفاء بعهوده، والقيام بأوامره، واجتناب نواهيه، ثم يأتي بعد ذلك الوفاء لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باتباع سنته، والاقتداء به، وتعظيم أمره ونهيه، ثم بعد ذلك يكون الوفاء للناس، كلٌّ بحسب حقه ومنزلته.
الحادي عشر: الوفاء للوالدين
ومن أعظم الوفاء: الوفاء للوالدين، وردُّ جميلهما، وما بذلاه من تعبٍ وصبرٍ في تربية أولادهما؛ فالوالدان تحمَّلا المشقة، وسهرا الليالي، وصبرا على الأذى والتقصير، حتى كبر الولد، واستقام أمره، فمن الوفاء أن يقابل ذلك بالبر والإحسان، والصبر عليهما، والقيام بحقوقهما، ولا سيما عند الكبر، وهذا من أعظم الحقوق بعد حق الله -تعالى-.
الثاني عشر: الوفاء لأهل الفضل والعلم
ومن الوفاء كذلك: الوفاء لأهل الفضل، ممن علَّموك، وأدَّبوك، وأخذت عنهم العلم، أو انتفعت بخبرتهم وإحسانهم، فلا يليق بطالب العلم أن ينسى فضل شيوخه، أو يتنكر لمن أحسن إليه، وقد كان السلف -رحمهم الله- مضرب المثل في هذا الباب، فقد كان الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- يقول: «ما صليت صلاة منذ مات حماد بن أبي سليمان إلا استغفرت له مع والدي، وإني لأستغفر لمن تعلمت منه علمًا، أو علَّمتُه علمًا» وكان الإمام أحمد -رحمه الله- يكثر الدعاء للإمام الشافعي، حتى قال: «إني لأدعو للشافعي منذ أربعين سنة»، ولما سأله ابنه عن سبب ذلك، قال: «يا بني، كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس»؛ فتأمل هذا الوفاء، وكيف حفظوا لأهل العلم فضلهم، ولم ينسوا جميلهم.


اعداد: الشيخ محمد السنين





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 14-07-2026, 10:40 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,570
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الوفاء.. من أخلاق الإسلام الراقية

الوفاء.. من أخلاق الإسلام الراقية (٢-٢)


  • من أقل درجات الوفاء أن يحفظ الإنسان لسانه عن إخوانه فلا يذكرهم بسوء ولا يخوض في أعراضهم فليس كل خلاف يبيح الكلام ولا كل خصومة تسوغ الوقيعة
  • الوفاء خلق عظيم لا يحمله إلا أصحاب النفوس الكريمة وهو من دلائل صدق الإيمان وكمال المروءة وحسن الخلق
  • الوفاء بين الزوجين من أعظم أسباب استقرار الأسرة ودوام المودة والرحمة وتعميق أواصر المحبة
مازال حديثنا مستمرا عن خلق الوفاء؛ حيث ذكرنا أنه من أخلاق الإسلام العظيمة الراقية، التي متى انتشرت بين الناس ملأت حياتهم صفاءً ونقاءً، وعمت بينهم المحبة والمودة والألفة، والوفاء من التوفية، وذكرنا منزلة الوفاء في القرآن الكريم كما ذكرنا عددا من صور الوفاء منها: وفاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، والوفاء للوالدين، والوفاء لأهل الفضل والعلم، واليوم نكمل الحديث عن تلك الصور.
الوفاء للإخوان والأصدقاء
من الوفاء، الوفاء للإخوان والأصدقاء، الذين صاحبتهم في الحياة، وعاشرتهم سنين طويلة، فهؤلاء لهم حق الصحبة، وحق العِشرة، وحق المعروف ولا يليق بالمؤمن، إذا وقع بينه وبين أخيه خلاف، أن ينسى سنوات المحبة، أو يتنكر لما بينهما من المعروف بل من قلة الوفاء أن يتحول الخلاف إلى سبٍّ، أو طعن، أو انتقاص، أو تتبعٍ للعثرات ومع الأسف، فهذا مما ابتُلي به كثير من الناس في زماننا فالوفاء يقتضي أن تحفظ لأخيك سابق إحسانه، وإن وقع بينكما اختلاف. ومن أقل درجات الوفاء أن يحفظ الإنسان لسانه عن إخوانه، فلا يذكرهم بسوء، ولا يخوض في أعراضهم فليس كل خلاف يبيح الكلام، ولا كل خصومة تسوغ الوقيعة؛ ولهذا قال يحيى بن معاذ الرازي -رحمه الله- كلمات ينبغي أن تُكتب بماء الذهب: ليكن حظ أخيك منك ثلاثًا: «إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تفرحه فلا تغمه، وإن لم تمدحه فلا تذمه»، فهذه الكلمات من أجمع ما قيل في الوفاء فليس مطلوبًا منك أن تنفع كل أحد، ولا أن تمدح كل أحد، ولكن أقل الوفاء أن تكف أذاك، وأن تحفظ لسانك عن الناس.
الوفاء بين الزوجين
ومن أعظم صور الوفاء: الوفاء بين الزوجين، وهو من أهم أسباب استقرار الأسرة ودوام المودة والرحمة، وقد ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - أروع الأمثلة في الوفاء لزوجاته، كما حثَّ الزوجة على الوفاء لزوجها، وحذر من نكران إحسانه، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «أُريت النار، فإذا أكثر أهلها النساء» قيل: لِمَ يا رسول الله؟ قال: «يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان؛ لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط»، فمن أعظم صور الوفاء أن يحفظ كل واحد من الزوجين فضل صاحبه، وألا ينسى سنوات الإحسان بسبب موقف عابر أو خطأ يسير. وكما تُطالب المرأة بالوفاء لزوجها، فإن الزوج كذلك مأمور بالوفاء لزوجته، وألا ينسى ما قدمته من تضحية، وصبر، وخدمة، وتربية للأبناء؛ فالذي يبيت معك على وسادة واحدة، ويشاركك هموم الحياة، أولى الناس بحسن العشرة، والصبر، والتغافل عن الزلات.
وفاء النبي - صلى الله عليه وسلم -
لخديجة -رضي الله عنها-
ومن أعظم صور الوفاء ما كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أم المؤمنين خديجة -رضي الله عنها-، تقول عائشة -رضي الله عنها-: «ما غِرتُ على أحدٍ من نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - ما غرتُ على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر من ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعث بها إلى صديقات خديجة»، وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقول: «كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة»! فيقول - صلى الله عليه وسلم -: «إنها كانت وكانت»، ويذكر من فضائلها: «صدقتني إذ كذبني الناس، وآمنت بي إذ كفر الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إني قد رُزقت حبها»، وهذا من كمال الوفاء، إذ لم ينسَ فضلها بعد وفاتها بسنوات طويلة.
حسن العهد من الإيمان
وروى الحاكم عن عائشة -رضي الله عنها-، أن عجوزًا جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو عندها، فقال لها: «من أنت؟» قالت: أنا جثامة المزنية، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «بل أنتِ حسَّانة المزنية، كيف أنتم؟ وكيف كنتم بعدنا؟» فلما خرجت، قالت عائشة: يا رسول الله، تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان»، فحفظ - صلى الله عليه وسلم - ودَّها؛ لأنها كانت من صديقات خديجة -رضي الله عنها-.
نماذج من وفاء السلف
ومن صور الوفاء: لما حوصر عثمان - رضي الله عنه -، ألقت زوجته نائلة نفسها عليه؛ لتقيه ضرب السيوف، فقطعت أصابعها وهي تدافع عنه، حتى قُتل - رضي الله عنه -، وهذا من أعظم صور الوفاء بين الزوجين، كما يذكر أهل السير أن زوجة مصعب بن الزبير لما قُتل، أُكرهت على التبرؤ منه، فأبت، وشهدت له بالصلاح، مع علمها بما قد يصيبها من الأذى.
الوفاء للوالدين عند الكبر
ومن أعظم ما يبتلى به الناس في زماننا قلة الوفاء للوالدين عند الكبر، وقد رأيت بنفسي رجلًا كبيرًا في السن، قد فقد وعيه، وليس عنده أحد من أولاده، فلما لقيت أحد أبنائه وعاتبته، قال: إنه لا يعرفنا، فقلت له: هو لا يعرفكم، ولكن هل نسيتم أنتم فضله؟ هل نسيتم تعبه؟ هل نسيتم تربيته؟ هل نسيتم سهره عليكم؟ إن الأب والأم إذا بلغا من الكبر مبلغًا لا يعرفان معه من حولهما، فهما أحوج ما يكونان إلى أولادهما! فوجودك عند أبيك، وإمساك يده، وترطيب فمه، والدعاء له، والجلوس بجانبه، كل ذلك من أعظم الوفاء، ومن أعظم رد الجميل، أما أن يترك وحده بحجة أنه لا يعرف أحدًا، فهذا من قلة الوفاء التي ابتلي بها كثير من الناس.
الدعاء بظهر الغيب من الوفاء
ومن صور الوفاء كذلك: الدعاء بظهر الغيب، فادعُ لإخوانك، ولمعلميك، ولوالديك، ولمن أحسن إليك، ولا حاجة إلى أن تخبره بذلك، أو تقول له: دعوت لك عند الكعبة، أو دعوت لك في الحرم، بل اجعل الدعاء بينك وبين الله، فإن الملك يقول: «ولك بمثل»، وهذا من أعظم الوفاء، وأصدق الإخاء.
أصحاب النفوس الكريمة
إن الوفاء خلق عظيم، لا يحمله إلا أصحاب النفوس الكريمة، وهو من دلائل صدق الإيمان، وكمال المروءة، وحسن الخلق، فدرِّب نفسك على الوفاء مع الله، ومع رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ومع والديك، وزوجتك، وأولادك، وأرحامك، وإخوانك، ومعلميك، وكل من أسدى إليك معروفًا وتذكر دائمًا أن الناس قد ينسون الإحسان، أما المؤمن الحق فلا ينسى فضلًا، ولا ينكر جميلًا، ولا يقابل المعروف إلا بالمعروف، مصداقًا لقوله -تعالى-: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}


اعداد: الشيخ محمد السنين






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 65.84 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 63.75 كيلو بايت... تم توفير 2.09 كيلو بايت...بمعدل (3.17%)]