التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الاعتبار بتاريخ الحج والحجاج (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 38 )           »          عيد الأضحى في ضوء الدين والقرآن والصلاة وذكر الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          عيد الأضحى... حين يسأل القلب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          شمولية التعبد وحراسة شعيرة الأضحية: قراءة عقدية في فقه النوازل وتفكيك المقاصد الموهوم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          يوم عرفة: سيد الأيام وموقف الرحمات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          فضل وأحداث يوم عرفة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5297 - عددالزوار : 2697261 )           »          عشر ذي الحجة: فضائل وأحكام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 79 )           »          الحج في سورة الحج (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 80 )           »          تفسير سورة الفاتحة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 67 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #40  
قديم 02-05-2026, 08:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,740
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (16)
من صـــ 351 الى صـــ 370
الحلقة (477)






١٦ - باب بِمَنْ يُبْدَأُ بِالهَدِيَّةِ؟
٢٥٩٤ - وَقَالَ بَكْرٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ-: إِنَّ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً لَهَا، فَقَالَ لَهَا: «وَلَوْ وَصَلْتِ بَعْضَ أَخْوَالِكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ». [انظر: ٢٥٩٢ - مسلم: ٩٩٩ - فتح: ٥/ ٢١٩]

٢٥٩٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الجَوْنِيِّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ- عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَي أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: «إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا». [انظر: ٢٢٥٩ - فتح: ٥/ ٢١٩]
ذكر فيه تعليق بكر عن عمرو الذي في الباب قبله.
وحديث عائشة: إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: «إِلَى أَقْرَبِهِمَا منك بَابًا».
وفيه: أن أقرب الجيران أولى بالصلة والبر والرعاية، وأن صلة الأقرب منهم أفضل من صلة الأبعد؛ إذ لا يقدر على عموم جميعهم بالهدية، وقد أكد الله تعالى في كتابه فقال: ﴿وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]، فدل على تفضيل الأقرب، وقد سلف ذلك في باب: أي الجوار أقرب في كتاب الشفعة (١).
--------
(١) سلف برقم (٢٢٥٩).


١٧ - باب مَنْ لَمْ يَقْبَلِ الهَدِيَّةَ لِعِلَّةٍ
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ كَانَتِ الهَدِيَّةُ فِي زَمَنِ النبي - ﷺ - هَدِيَّةً، وَاليَوْمَ رِشْوَةٌ.

٢٥٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيَّ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - يُخْبِرُ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - حِمَارَ وَحْشٍ وَهْوَ بِالأَبْوَاءِ -أَوْ بِوَدَّانَ- وَهْوَ مُحْرِمٌ، فَرَدَّهُ، قَالَ صَعْبٌ: فَلَمَّا عَرَفَ فِي وَجْهِي رَدَّهُ هَدِيَّتِي قَالَ: «لَيْسَ بِنَا رَدٌّ عَلَيْكَ، وَلَكِنَّا حُرُمٌ». [انظر: ١٨٢٥ - مسلم: ١١٩٣ - فتح: ٥/ ٢٢٠]

٢٥٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الأتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي. قَالَ: «فَهَلاَّ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟! وَالَّذِي نَفْسِى بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَيْعَرُ -ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ، حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ- اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ». ثَلَاثًا. [انظر: ٩٢٥ - مسلم: ١٨٣٢ - فتح: ٥/ ٢٢٠]
ثم ساق حديث الصعب بن جثامة السالف في الحج (١).
وحديث أبي حميد الساعدي: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ عَلَى الصَّدَقَةِ .. الحديث.
والرشوة: السحت، مثلث الراء أشهرها الضم (٢)، وهي كل ما يأخذ
-----------
(١) سلف برقم (١٨٢٥) كتاب: جزاء الصيد، باب: إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًّا.
(٢) انظر: «لسان العرب» ٣/ ١٦٥٣ مادة (رشا).


الإنسان على غير عوض، ويلزم آخذه العار، يعني بذلك الأمراء ومن في معناهم ممن يتقى شره.
والرغاء: صوت الإبل (١)، والخوار -بالخاء-: صوت البقر (٢)، وقال ابن التين: هو بالخاء والجيم، وهو في «المطالع» بلفظ الجرار الصوت، وروي حوار، والمعنى واحد، إلا أنه بالخاء يستعمل في الظباء والشاء والجيم للبقر والناس. و(تيعر): تصيح، واليعار: صوت الشاة، يعرت تيعر يعارًا (٣).
و(عفرة إبطيه): بياضهما، قال صاحب «العين»: العفرة: غبرة في حمرة كون الظبي الأعفر (٤).
وتكريره: «اللهم هل بلغت» ليسمع من لم يسمع؛ وليبلغ الشاهد الغائب، كرره للتأكيد.
وفيه -أعني حديث الصعب-: رد الهدية وهو غاية الأدب فيه؛ لأنها لا تحل للمهدى إليه؛ من أجل أنه محرم.
ومن حسن الأدب أن يكافأ المهدي، وربما عسرت المكافأة فردها إلى من يجوز له الانتفاع بها أولى من تكلف المكافأة، مع أنه لو قبله لم يكن له سبيل إلى غير تسريحه؛ لأنه لا يجوز له ذبحه، وهو محرم.
ويؤخذ منه أنه لا يجوز قبول هدية من كان ماله حراصًا على المهدى إليه، وكذا من عرف بالغصب والظلم.
---------
(١) انظر: «لسان العرب» ٣/ ١٦٨٤ (رغا).
(٢) انظر: «لسان العرب» ٣/ ١٢٨٥ (خور).
(٣) انظر: «مقاييس اللغة» (١١١٠) مادة (يعر).
(٤) «العين» ٢/ ١٢٣.


وفي حديث ابن اللتبية أن هدايا العمال يجب أن تجعل في بيت المال، وأنه ليس لهم منها شيء إلا أن يستأذنوا الإمام في ذلك، كما جاء في قصة معاذ أنه - عليه السلام - طيب له الهدية فأنفذها له أبو بكر بعد رسول الله، لما كان دخل عليه في ماله من الفلس (١).
وفيه كراهية قبول هدية طالب العناية، ويدخل في معنى ذلك كراهية هدية المديان والمقارض، وكل من لهديته سبب غير سبب الجيرة أو صلة الرحم.
--------
(١) رواه الطبراني ٢٠/ ١٣١، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٤/ ١٤٤: رواه الطبراني في «الكبير» مرسلًا ورجاله رجال الصحيح.


١٨ - باب إِذَا وَهَبَ هِبَةً أَوْ وَعَدَ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ
وَقَالَ عَبِيدَةُ: إِنْ مَاتَ وَكَانَتْ فُصِلَتِ الهَدِيَّةُ وَالمُهْدَى لَهُ حَيٌّ فَهْيَ لِوَرَثَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فُصِلَتْ فَهْيَ لِوَرَثَةِ الذِي أَهْدَى. وَقَالَ الحَسَنُ أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلُ فَهْيَ لِوَرَثَةِ المُهْدَى لَهُ. إِذَا قَبَضَهَا الرَّسُولُ.

٢٥٩٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ المُنْكَدِرِ، سَمِعْتُ جَابِرًا رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَوْ جَاءَ مَالُ البَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا ثَلَاثًا». فَلَمْ يَقْدَمْ حَتَّى تُوُفِّيَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ مُنَادِيًا فَنَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا. فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَعَدَنِي. فَحَثَى لِي ثَلَاثًا. [انظر: ٢٢٩٦ - مسلم: ٢٣١٤ - فتح: ٥/ ٢٢١]
ثم ذكر حديث جابر «لَوْ جَاءَ مَالُ البَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا ثَلَاثًا». وقد سلف (١).
واختلف العلماء في الذي يهب أو يتصدق على رجل ثم يموت الواهب أو المتصدق قبل أن يصل إلى الموهوب له: فذكر البخاري قول عبيدة -وهو السَلْماني بفتح العين- والحسن، وبمثل قول الحسن
قال مالك: إن كان أشهد عليها أو أبرزها أو دفعها إلى من يدفعها إلى الموهوب له، فهي جائزة.
كذا نقله عنه ابن بطال (٢).
----------
(١) سلف برقم (٢٢٩٦) كتاب: الكفالة، باب: من تكلف عن ميت دينًا.
(٢) «شرح ابن بطال» ٧/ ١١٣.


وقال ابن التين: قول مالك: إن شهد الباعث والمبعوث إليه حي يومئذ. وفي كتاب محمد: من مات منهما رجحت إلى ورثة الميت، إن لم يشهد.
وفيها قول ثالث وهو: إن كان بعث بها المهدي مع رسوله، فمات الذي أهديت إليه، فإنها ترجع إليه، وإن كان أرسل بها مع رسول الذي أهديت إليه، فمات المهدي إليه، فهي لورثته.
هذا قول الحكم وأحمد وإسحاق.
وقالت طائفة: لا تتم الهبة إلا بقبض الموهوب له أو وكيله، فأيهما مات قبل أن تصل الهبة إلى الموهوب له، فهي راجعة إلى الواهب أو إلى ورثته. هذا قول الشافعي (١).
وروى مسلم بن خالد، عن موسى بن عقبة، عن أبيه، عن أم كلثوم: لما تزوج النبي - ﷺ - أم سلمة قال: «إني أهديت للنجاشي أواقي من مسك وحلة، ولا أراه إلا قد مات، ولا أرى الهدية التي أهديت إليه إلا سترد إليَّ، فإذا ردت فهي لك» (٢).
واختلف الفقهاء فيما يلزم من العِدَة، وفيما لا يلزم منها، فقال الكوفيون والأوزاعي والشافعي: لا يلزم من العِدَة شيء؛ لأنها منافع لم تقبض، فلصاحبها الرجوع فيها. وقال مالك: أما العِدَة مثل أن
يسأل الرجل الرجل أن يهب له هبة، فيقول له: نعم، ثم يبدو له ألا يفعل، فلا أرى ذلك يلزمه.
-----------
(١) انظر «شرح ابن بطال» ٧/ ١١٣ - ١١٤، «الإشراف» ٢/ ٢٢٦.
(٢) «المعجم الكبير» ٢٣/ ٣٥٢ (٨٢٥) وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٨/ ٢٨٩: رواه الطبراني وأم موسى بن عقبة لا أعرفها ومسلم بن خالد وثقه ابن معين وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح.


قال مالك: ولو كان ذلك في قضاء دين فسأله أن يقضيه عنه فقال: نعم، وثَمَّ رجال يشهدون عليه فما أحراه أن يلزمه إذا شهد عليه اثنان.
وقال ابن القاسم: إذا وعد الغرماء فقال: أشهدكم أني قد وهبت لهذا من أين يؤدى إليكم، فإن هذا يلزمه، وأما أن يقول: نعم، أنا أفعل. ثم يبدو له، فلا أرى ذلك عليه (١).
وقال سحنون: الذي يلزمه في العدة في السلف والعارية أن يقول للرجل: اهدم دارك وأنا أسلفك ما تبنيها به، أو أخرج إلى الحج وأنا أسلفك ما يبلغك، أو اشتر سلعة كذا، أو تزوج وأنا أسلفك.
ذلك مما يدخله فيه وينشئه به، فهذا كله يلزمه، قال: وأما أن يقول: أنا أسلفك وأنا أعطيك بغير شيء، يلزمه المأمور نفسه، فإن هذا لا يلزمه شيء. وقال أصبغ: يلزمه في ذلك كل ما وعد به (٢).
قال ابن العربي: وأجلُّ من ذهب إلى هذا المذهب عمر بن عبد العزيز، ورجح الأول ابن بطال وقال: إنه أشبه بمعنى الحديث، ألا ترى فُتيا عبيدة السلماني والحسن في أن الهبة والعدة إنما تتم إذا وصلت إلى المهدي له قبل موت الواهب والموهوب له في قول الحسن، وفي قول عبيدة: إن مات الموهوب له قبل أن تصل إليه الهبة، فهي لورثة الواهب.
وذكر عبد الرزاق، عن قتادة كقول الحسن (٣)، وهذا يدل من فتياهم أنهم تأولوا قوله - عليه السلام - لجابر: «لو قد جاء مال البحرين أعطيك». أنها عدة
--------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ١٢/ ٢٠٣.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥.
(٣) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ٨٤ (١٦٤٣٩) كتاب: المواهب، باب: الرجل يوصي للرجل فيموت قبله.


حر، لازم الوفاء بها في القضاء؛ لأنها لم تكن فصلت من عند رسول الله - ﷺ - قبل موته، وإنما وعد بها جابرًا، وهو قوله: «لو قد جاء مال البحرين» فمات رسول الله - ﷺ - قبل ذلك، ولذلك ذكر البخاري قول عبيدة والحسن في أول الباب؛ ليدل أن فعل الصديق في قضائه عدات رسول الله - ﷺ - بعد موته، أنها كانت منه على التطوع ولم يكن يلزم الشارع ولا الصديق قضاء شيء منها؛ لأنه لم يرو عن أحد من السلف وجوب القضاء بالعدة، وإنما أنفذ ذلك الصديق بعد موته - عليه السلام -؛ اقتداءً بطريقة رسول الله - ﷺ - ولفعله، فإنه كان أوفى الناس بعهدٍ وأصدقهم لوعدٍ (١).
قلت: قد ذكر البخاري أن ابن أشوع وسمرة قضيا به (٢) وفي «تاريخ المنتجيلي» أن عبد الله بن شبرمة قضى على رجل بوعد وحبسه فيه، وتلى قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٣].
تنبيهان:
أحدهما: اعترض الإسماعيلي فقال: هذا الباب لا يدخل في الهبة بحال، وليس ما قاله لجابر هبة، وإنما هو عِدَة على وصف إذا كان صح الوعد، ولكن لما كان وعده لا يجوز أن يعترضه خُلْف أو يعوق دون الوفاء به معنى جعلوا وعده بمنزلة الضمان في الصحة، فرقًا بين وعده الذي لا خلف له وبين وعد غيره من الأمة، ممن يجوز أن يفي به وقد لا يفي.
----------
(١) «شرح ابن بطال» ٧/ ١١٤ - ١١٥.
(٢) سيأتي قبل حديث (٢٦٨١) كتاب: الشهادات، باب: من أمر بإنجاز الوعد.


ثانيهما: قال المهلب: إنجاز الوعد مندوب إليه، وليس بواجب فرضًا، والدليل على ذلك اتفاق الجمع على أن من وعد بشيء لم يضارب به مع الغرماء.
ولا خلاف أنه مستحسن ومن مكارم الأخلاق، وعدة جابر لم تكن في ذمة رسول الله - ﷺ -، إنما ادعى شيئًا في بيت المال والفيء، وذاك موكول إلى اجتهاد الإمام. وقال ابن التين: إنما أعطاه الصديق؛ ليبلغ مراد رسول الله - ﷺ -.
وقول جمهور العلماء: إن هذا لو كان من غير مراد رسول الله - ﷺ - لم يقبض له في ماله بعد موته في العدة، قال: والحاصل في العدة ثلاثة أقوال: لا، نعم، إن كانت العدة سبب مثل أن يقول: اهدم دارك وأنا أبنيها. أن ذلك يلزم وإن لم يهدم، وأما أن يهدمها فمتفق عليه أن ذلك يلزمه ما شاء، وعاش في ذمته أو فلس كالدين.

١٩ - باب كَيْفَ يُقْبَضُ العَبْدُ وَالمَتَاعُ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ كُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ، فَاشْتَرَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - وَقَالَ: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ». [انظر: ٢١١٥]

٢٥٩٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ رضي الله عنهما قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَقْبِيَةً، وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيَّ، انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَقَالَ: ادْخُلْ فَادْعُهُ لِي. قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا، فَقَالَ: «خَبَأْنَا هَذَا لَكَ». قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ. [٢٦٥٧، ٣١٢٧، ٥٨٠٠، ٥٨٦٢، ٦١٣٢ - مسلم: ١٠٥٨ - فتح: ٥/ ٢٢٢]
ثم ذكر حديث المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أنه قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أقْبِيَةً، وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ .. قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا، فَقَالَ: «خَبَأْنَا هذا لَكَ». قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ.
الشرح:
التعليق سلف قريبًا، والحديث ذكره البخاري في مواضع أخر تأتي (١).
وفيه: فخرج ومعه قباء وهو يريه محاسنه (٢).
وفي آخره في الجهاد: أهديت له أقبية من ديباج مزررة بالذهب، فقسمها بين أصحابه، وعزل منها واحدًا لمخرمة (٣).
-----------
(١) سيأتي برقم (٢٦٥٧) كتاب: الشهادات، باب: شهادة الأعمى، (٥٨٠٠) كتاب: اللباس، باب: القباء وفروج حرير …
(٢) يأتي برقم (٢٦٥٧).
(٣) يأتي برقم (٦١٣٢) كتاب: الأدب، باب: المداراة مع الناس.


وفيه: فاستقبله بأزراره (١). وفي بعض الطرق: يا بني إنه قدمتْ عليه أقبية وهو يقسمها. وفيه: (يا بني ادعه لي). قال: فأعظمت ذلك. فقال: (يا بني، إنه ليس بخيار فدعوته فخرج) (٢).
وأخرجه مسلم وقال: (ولم يعط منه) (٣) بضمير الواحد، كأنه عائد على نوع الأقبية في المعنى.
والقباء: ممدود، قال ابن دريد: هو من قبوت الشيء: جمعته (٤).
وقوله: («خبأنا هذا»). وقبله: (فخرج إليه وعليه قباء) وقال ابن التين: قوله: «خبأنا لك هذا».
وقال: (وخرج وعليه قباء) فقال: «خبأنا لك هذا».
فيه إشكال؛ للباسه - عليه السلام - بعد أن خبأه لمخرمة.
ويحمل قوله: (فخرج وعليه قباء). أنه كان في يده. وفيه بُعْد يُبَيّنه حديث أنه خرج ومعه قباء، وهو يريه محاسنه ويقول: «خبأت هذا لك».
وقد قيل: قد كان في خلقه شيء ولاطفه. كما ذكره في الجهاد، ولفظه: وكان في خلقه شدة (٥).
وقوله: «رضي مخرمة؟» هو من قوله - عليه السلام -، وصرح به الداودي، قال: أي: هل رضيت.
----------
(١) يأتي برقم (٣١٢٧) كتاب: فرض الخمس، باب: قسمة الإمام ما يقدم عليه ويخبأ لمن لم يحضره أو غاب.
(٢) يأتي معلقا برقم (٥٨٦٢) كتاب: اللباس، باب: المزرر بالذهب.
(٣) مسلم (١٠٥٨) كتاب: الزكاة، باب: إعطاء من سأل بفحش وغلظة.
(٤) «الجمهرة» ١/ ٣٧٥ مادة: (بقو).
(٥) سيأتي برقم (٣١٢٧) كتاب: فرض الخمس، باب: قسمة الإمام ما يقدم عليه ويخبأ لمن لم يحضره أو غاب عنه.


ويحتمل أن يكون من قول مخرمة.
وقوله: (فخرج إليه وعليه قباء منها). ظاهره استعمال الحرير، ويجوز أن يكون قبل النهي، وأن يكون المراد أنه نشره على أكتافه؛ ليراه مخرمة كله.
وفيه ائتلاف أهل اللسانة وغيرهم.
فرع: مجرد التخبية لا يصيره ملكًا؛ لانتفاء الحوز، وممن صرح باشتراط الحوز الصديق والفاروق (١)، وعثمان وابن عباس ومعاذ (٢) وشريح ومسروق والشعبي (٣)، وإليه ذهب الثوري والكوفيون والشافعي، وقالوا: ليس للموهوب له مطالبة الواهب بالتسليم إليه؛ لأنها ما لم تقبض عِدَة يحسن الوفاء بها ولا تقضى عليه (٤)، وعندنا مع اشتراط الحوز لابد من إذنه فيه، على الأصح.
وقال آخرون: يصح بالكلام دون القبض كالبيع (٥).
روي عن علي وابن مسعود (٦) والحسن البصري والنخعي (٧)، وبه قال مالك وأحمد وأبو ثور (٨)، إلا أن أحمد وأبا ثور قالا: للموهوب
---------
(١) رواهما ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٥ (٢٠١١٦).
(٢) رواها ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٥، ٢٨٦ أما عثمان (٢٠١١٨)، وأما ابن عباس (٢٠١٣٠)، وأما معاذ (٢٠١٢٣).
(٣) رواها عبد الرزاق ٩/ ١٢١ - ١٢٢ (١٦٥٩٠، ١٦٥٩١، ١٦٥٩٢).
(٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ١٣٧، «الإشراف» ٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣، «البيان» ٨/ ١١٥.
(٥) «التمهيد» ١/ ٢١١.
(٦) رواهما عبد الرزاق ٩/ ١٢٢ (١٦٥٩٥).
(٧) أثر النخعي رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٦ (٢٠١٣١).
(٨) انظر: «الاستذكار» ٢٢/ ٣٠٣.


له المطالبة في حياة الواهب، فإن مات الواهب بطلت الهبة (١).
قال ابن بطال: وتقبض الهبات والمتاع عند جماعة العلماء بإسلام الواهب لها إلى الموهوب له.
وحيازة الموهوب له كركوب ابن عمر الجمل، وكإعطاء رسول الله - ﷺ - القباء لمخرمة وتلقيه بأزراره، كما ذكر البخاري في الجهاد أنه عليه (٢).
حجة أهل المقالة الأولى: أنه - عليه السلام - قال لابن عمر وهو راكب الجمل: «هو لك» (٣).
فكان حكم الهبات كلها كذلك لا تتم إلا بالقبض.
حجة الثاني: أنه - عليه السلام - قال لابن عمر في الجمل: «هو لك» مَلَّكَهُ إياه، ولا يُمَلِّك الشارع شيئًا أحدًا إلا وهو مالك له ويستحقه، فكان لابن عمر المطالبة بهذا الجمل لو لم يركبه لحقه الذي تعين فيه، فوجب له طلبه، وكذلك دل فعله في القباء الذي تلقى به مخرمة واسترضاه به قبل سؤاله إياه، أنه قد تعين للمسور فيه حق وجب للمسور طلبه على ما ذهب إليه مالك، فإن قلت: فإذا بقي في الهبة حق للموهوب له وجبت به مطالبة الواهب في حياته، فكذلك يجوز
-----------
(١) انظر: «المغني» ٨/ ٢٤٣.
(٢) كذا بالأصل، والكلام ناقص، وتمامه من ابن بطال ٧/ ١١٦: وذكر البخاري في كتاب الجهاد أن النبي - ﷺ - أهديت إليه أقبية من ديباج مزررة بالذهب، فقسمها بين أصحابه، وعزل منها واحدًا لمخرمة، فجاء مخرمة إلى النبي - عليه السلام - فسمع صوته فتلقاه به، واستقبله بأزراره، فقالى: يا أبا المسور خبأت لك هذا مرتين وكان في خلقه شدة.
(٣) سيأتي قريبًا (٢٦١٠) باب: من أهدي له هدية وعنده جلساؤه فهو أحق به.


مطالبته بعد مماته كسائر الحقوق. قيل: هذا هو القياس، لولا حكم الصديق بين ظهراني الصحابة وهم متوافرون فيما وهب لابنته جداد عشرين وسقًا من ماله بالغابة، ولم تكن قبضته، وقال لها: لو كنت حُزْتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث.
ولم يرو عن أحد من الصحابة أنه أنكر قوله ذلك، ولا رد عليه، فكان هذا دليلًا لصحة قول مالك (١).
-------
(١) «شرح ابن بطال» ٧/ ١١٦ - ١١٧.


٢٠ - باب إِذَا وَهَبَ هِبَةً وَقَبَضَهَا الآخَرُ، وَلَمْ يَقُلْ: قَبِلْتُ
٢٦٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ مَحْبوبٍ، حَدَّثَنَا عبد الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: هَلَكْت. فَقَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟». قَالَ: وَقَعْتُ بِأَهْلِي فِي رَمَضَانَ. قَالَ: «تَجِدُ رَقَبَةً؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ». قَالَ: لَا. قَالَ: «فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟». قَالَ: لَا. قَالَ: فَجَاءَ رجلٌ مِنَ الأنصَارِ بِعَرَقٍ -وَالعَرَقُ: الِمكْتَل- فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: «اذْهَبْ بهذا فَتَصَدَّقْ بِه». قَالَ: عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللهِ؟! وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالَحْقِّ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا. قَالَ: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ». [انظر: ١٩٣٦ - مسلم: ١١١١ - فتح: ٥/ ٢٢٣]
ذكر فيه حديث المجامع في رمضان وفيه قال: «اذْهَبْ بهذا فَتَصَدَّقْ بِه».
رواه عن محمد بن محبوب (خ. د. س)، وهو محمد بن الحسن (خ. د. س) بن هلال بن أبي زينب القرشي البناني، أبو جعفر، وقيل: أبو عبد الله المعروف بابن محبوب، ومحبوب لقب لأبيه الحسن، مات محمد سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وقيل: سنة اثنتين وعشرين، روى عنه البخاري وأبو داود، وروى النسائي عن رجل عنه (١).
ولا شك أن القبض في الهبة هو غاية القبول، قال ابن بطال: ولا يحتاج القابض أن يقول قبلت، وهو قد قبضها، قال: وعلى هذا جماعة العلماء، ألا ترى أن الواقع على أهله في رمضان قبض من
--------
(١) انظر: «الجرح والتعديل» ٨/ ١٠٢ (٤٤٠)، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٧٤ (٥١٥٢)، «لسان الميزان» ٥/ ١٥٠ (٨١١٩).


الشارع المكتل من التمر ولم يقل قد قبلت، إذ كان مستغنيًا عنه بالقبض، ومثل هذا المعنى في حديث جابر حين اشترى منه الشارع الجمل، فلما رجع إليه الثمن قال: «الثمن والجمل لك» (١). ولم يقل له جابر: قد قبلته يا رسول الله.
فدل ذلك أن الهبة تتم بإعطاء الواهب وقبض الموهوب له، دون قوله باللسان: قد قبلت.
وأما إذا قال: قبلت ولم يقبض. فتعود المسألة إلى ما سلف من اختلافهم في قبض الهبة في الباب قبله (٢).
قلت: مذهبنا أنه لا بد من الإيجاب والقبول لفظًا، كما في البيع وسائر التمليكات فلا يقوم الأخذ والإعطاء مقامهما كما في البيع (٣)، قال الإمام: ولا شك أن من يصير إلى انعقاد البيع بالمعاطاة يجزئه
في الهبة.
واختار ابن الصباغ من أصحابنا أن الهبة المطلقة لا تتوقف على إيجاب وقبول.
----------
(١) تقدم برقم (٢٤٧٠) كتاب: المظالم، باب: من عقل بعيره على البلاط أو باب المسجد.
(٢) «شرح ابن بطال» ٧/ ١١٨.
(٣) انظر: «روضة الطالبين» ٥/ ٣٦٥.


٢١ - باب إِذَا وَهَبَ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ
قَالَ شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ: هُوَ جَائِزٌ. وَوَهَبَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ لِرَجُلٍ دَيْنَهُ وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: «مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيُعْطِهِ، أَوْ لِيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ». وَقَالَ جَابِرٌ: قُتِلَ أَبِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - غُرَمَاءَهُ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حَائِطِي، وَيُحَلِّلُوا أَبِي.

٢٦٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، فَاشْتَدَّ الغُرَمَاءُ فِي حُقُوقِهِمْ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَكَلَّمْتُهُ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حَائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي، فَأَبَوْا، فَلَمْ يُعْطِهِمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَائِطِي، وَلَمْ يَكْسِرْهُ لَهُمْ، وَلَكِنْ قَالَ: «سَأَغْدُو عَلَيْكَ». فَغَدَا عَلَيْنَا حَتَّى أَصْبَحَ، فَطَافَ فِي النَّخْلِ، وَدَعَا فِي ثَمَرِهِ بِالبَرَكَةِ، فَجَدَدْتُهَا فَقَضَيْتُهُمْ حُقُوقَهُمْ، وَبَقِيَ لَنَا مِنْ ثَمَرِهَا بَقِيَّةٌ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَهْوَ جَالِسٌ، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِعُمَرَ: «اسْمَعْ -وَهْوَ جَالِسٌ- يَا عُمَرُ». فَقَالَ: أَلاَّ يَكُونُ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ؟ وَاللهِ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ. [انظر: ٢١٢٧ - فتح: ٥/ ٢٢٤]
ثم ساقه من حديثه.
الشرح:
أثر الحكم أخرجه ابن أبي شيبة، عن ابن أبي زائدة، عن شعبة، عنه في رجل وهب لرجل دينًا له عليه، قال: ليس له أن يرجع فيه.
وحدثنا (١) أبو داود الطيالسي عن شعبة قال: قال لي الحكم: أتاني ابن أبي ليلى فسألني عن رجل كان له على رجل دين، فوهبه له، أله أن
----------
(١) الضمير هنا يعود على ابن أبي شيبة.


يرجع فيه؟ قلت: لا. فسألت حمادًا فقال: بلى، له أن يرجع فيه (١).
وقوله: «عليه حق ..» إلى آخره، ذكره مسندًا بلفظ: فإنه ليس في الآخرة دينار ولا درهم (٢). وحديث جابر قد أسنده، وقد سلف أيضًا في الصلاة (٣).
ولا خلاف بين العلماء أن من كان عليه دين لرجل فوهبه له ربه (أو) (٤) أبرأه منه. وقبل البراءة أنه لا يحتاج فيه إلى قبض؛ لأنه مقبوض في ذمته، وإنما يحتاج في ذلك إلى قبول الذي عليه الدين؛ لأنه - عليه السلام - سأل غرماء أبي جابر أن يقبضوا ثمر حائطه ويحللوه من بقية دينه، فكان ذلك إبراء لذمة جابر لو رضوا بما دعاهم إليه رسول الله، ولم يكن يعرف ذلك إلا بقولهم: قد قبلنا ذلك ورضينا. فلم يتم التحلل في ذلك إلا بالقول.
واختلفوا إذا وهب دينًا له على رجل لرجل آخر، فقال [مالك] (٥): تجوز الهبة إذا سلم إليه الوثيقة بالدين، وأحله به محل نفسه، وإن لم يكن له وثيقة وأشهد على ذلك وأعلن فهو جائز (٦). وقال أبو ثور: الهبة جائزة أشهد أو لم يشهد إذا تقارا على ذلك (٧)، وقال الكوفيون والشافعي: الهبة غير جائزة؛ لأنها لا تجوز عندهم إلا مقبوضة (٨).
----------
(١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٤٩٠ (٢٢٣٨٤، ٢٢٣٨٥).
(٢) تقدم برقم (٢٤٤٩).
(٣) لم أعثر عليه، ولم يشر إليه المزي في «تحفة الأشراف» ٢/ ٢١٠ (٢٣٦٤). والله أعلم.
(٤) في الأصول (و)، والمثبت من ابن بطال، وهو الصواب.
(٥) زيادة يقتضيها السياق، لإبهام القائل، وهو من «شرح ابن بطال» ٧/ ١١٩.
(٦) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ١١٩.
(٧) انظر: «الإشراف» ٢/ ٢٢٥.
(٨) انظر: «الهداية» ٣/ ٢٥١، «الإشراف» ٢/ ٢٢٥.


وقد سلف قريبًا مذاهب العلماء في قبض الهبات.
والحجة لمالك وأبي ثور أنهم جعلوا الموهوب له حل محل الواهب في ملك الدين، وينزل منزلته في اقتضائه.
ولما أجمعوا أنه يجوز للرجل أن يحيل الرجل على من له عليه دين، كذلك يجوز له أن يجعل ماله من المطالبة بدينه على رجل لرجل آخر، يحله محله وينزل منزلته إن شاء الله.
وحديث جابر فيه الشفاعة في وضع بعض الدين، وتأخير الغريم المدة اليسيرة التي لا تضر المطالب.
وجاء في رواية: اعزل كل صنف على حدة، وأنه جلس عليه وأمرهم أن يكيلوه (١).
وهنا أن جابرًا قضاهم ثم أخبر رسول الله - ﷺ -.
ويحتمل أن يكون - عليه السلام - جلس حتى اكتالوا بعض حقهم، ثم ذهب ووفاهم، ثم أخبر رسول الله - ﷺ - بما كان بعده. ومعنى: جددتها: قطعتها، بالدال المهملة والمعجمة (٢).
-----------
(١) سلف برقم (٢٤٠٥) كتاب: الاستقراض وأداء الديون، باب: الشفاعة في وضع الدين.
(٢) انظر: «لسان العرب» ١/ ٥٧٤ مادة (جذذ).


٢٢ - باب هِبَةِ الوَاحِدِ لِلْجَمَاعَةِ
وَقَالَتْ أَسْمَاءُ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَابْنِ أَبِي عَتِيقٍ: وَرِثْتُ عَنْ أُخْتِي عَائِشَةَ بِالغَابَةِ، وَقَدْ أَعْطَانِي بِهِ مُعَاوِيَةُ مِائَةَ أَلْفٍ، فَهُوَ لَكُمَا.

٢٦٠٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: «إِنْ أَذِنْتَ لِي أَعْطَيْتُ هَؤُلَاءِ». فَقَالَ: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَحَدًا. فَتَلَّهُ فِي يَدِهِ. [انظر: ٢٣٥١ - مسلم: ٢٠٣٠ - فتح: ٥/ ٢٢٥]
ثم ساق حديث سهل بن سعد أنَّه - عليه السلام - أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ، .. الحديث، وقد سلف (١).
وقوله: (وابن أبي عتيق). كذا هو في الأصول، ونقل ابن التين عن الشيخ أبي الحسن أن في كتابه إسقاط الواو من (وابن).
وأبو عتيق: هو عبد الرحمن (س) بن أبي عتيق، واسم أبيه عبد الله، قال: وأظن الواو سقْطٌ من كتابي، وعند أبي ذر بإثباتها.
وقال الداودي: القاسم ابن أخي عائشة وابن أبي عتيق ابن أختها فوصلتهما بما أعطت فيه مائة ألف، وكانت من أجود الناس، كما أن رسول الله - ﷺ - أجودهم، وهي ضلع منه.
وظاهر إيراده أن المتصدقة عائشة، وهو خالف ما في البخاري أنها أسماء.(١) سلف برقم (٤٣٥١) كتاب: المساقاة، باب: في الشرب ومن رأى صدقة الماء وهبته ووصيته.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,668.51 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,666.84 كيلو بايت... تم توفير 1.68 كيلو بايت...بمعدل (0.10%)]