الخلاصة في تدبر القرآن الكريم -----يوميا فى رمضان - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حصِّن نفسَك الدكتور محمد الزغبي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 3 - عددالزوار : 59 )           »          سحور 6 رمضان.. طريقة عمل الفول بالصلصة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          شرحُ العقيدةِ الطحاوية الشيخ سيد البشبيشي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 3 - عددالزوار : 44 )           »          أسألك حبَّك الشيخ عمرو أحمد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 3 - عددالزوار : 55 )           »          أيام أبي بكر الموسم الثاني | د متولي البراجيلي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 4 - عددالزوار : 24 )           »          ميزة "حذف الرسائل للجميع" تصل رسميًا إلى تطبيق Google Messages (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          جوجل تعلن عن ميزات الذكاء الاصطناعى فى هاتف Pixel 10 (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          روبوت بعصبية بشر: Claude AI يمكنه الآن إغلاق المحادثة "في وشك" (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          دراسة: الذكاء الاصطناعى أكثر إقناعا من البشر ويمكنه تغيير آرائك السياسية فى دقائق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          لو بتصيف وتليفونك وقع فى البحر.. اعرف أسرع الطرق لإصلاحه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 19-02-2026, 01:17 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,408
الدولة : Egypt
افتراضي الخلاصة في تدبر القرآن الكريم -----يوميا فى رمضان


  • الخلاصة في تدبر القرآن الكريم*
  • خالد بن عثمان السبت
  • (1)





المقدمة

الحمد لله الذي جعل كتابه موعظةً وشفاء لما في الصدور، والصلاة والسلام على من نزل عليه الكتاب تبيانًا لكلِّ شيء، وهدًى ورحمة وبشرى للمسلمين، أما بعد:
فإن الله تعالى حَمِدَ نَفسَه على إنزال هذا القرآن العظيم فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} (الكهف: 1، 2) ، {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} (الفرقان: 1) ، وجعله مُيَسَّرًا

للأفهام: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} (القمر: 17) ، {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} (الشعراء: 195) ، وضَمَّنَه ألوان الهدايات: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الإسراء: 9) ، {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل: 89) ، وجعله في غاية التأثير: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} (الحشر: 21) ، {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} (الرعد: 31) ، {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (الزمر: 23) ، ودعا عباده إلى تدبُّره: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}

(ص: 29)، وأنكر على من لم يرفع بذلك رأسًا: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} (النساء: 82، محمد: 24) ، {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} (المؤمنون: 68) ؛ في أربع آيات من القرآن الكريم؛ وذلك دليلٌ على عظيم
شأن التدبر، وجلالة قدره؛ إذ إنه الطريق لِتَعَقُّل معاني القرآن، والاعتبار بأمثاله وزواجره، والتأدُّب بآدابه، والامتثال لأوامره، والاتعاظ بمواعظه.
ومن هنا كانت هذه الرسالة التي أكتبها لنفسي أولًا؛ لتكون باعثةً على تحقيق هذا المطلب، ثم لإخواني المسلمين؛ تواصيًا بالحقِّ والصبر.

وقد تناولتُ فيها جملةً من الجوانب المهمَّة المتعلِّقة بهذا الباب الشريف؛ من جهة بيان حقيقته، وما له من تعلُّق ببعض المعاني المُقارِبة، مع بيان أركانه، وأنواعه، وشروطه، وموانعه. ولم أقصد الاستيعاب؛ إذ بعضُ القول قد يغني اللبيبَ عن تطويل العبارة، كما حرَصت على تضمينه كثيرًا من عبارات أهل العلم؛ ليقفَ القارئ عليها ويكونَ ذلك أنفعَ لمن أراد أن يُلقيَ درسًا أو يكتب في هذا الموضوع.

بيان معنى التدبر

1 -
التدبُّر في اللغة:
التَّدَبُّر: مصدر (تَدَبَّر) ، وأصل هذه المادة: (د ب ر) يدل على آخر الشيء وخَلْفِه [1]؛
يقال: دَبَر السهمُ الهدفَ: سقط خلفه، ودَبَر فَلانٌ القوم: صار خلفهم [2].
وقد اشتقوا من (الدُّبُر) فعلًا، فقالوا: تَدَبَّر: إذا نظر في دُبُر الأمر؛ أي: في غائبه أو عاقبته [3].
فهو من الأفعال التي اشتُقَّت من الأسماء الجامدة [4].

ودُبُر كل شيء: عَقِبُه ومُؤَخَّرُه.
ومنه (الدُّبُر) خلاف القُبُل، وفي الحديث: «لا تدابروا» [5]؛ وذلك أن يترك كلُّ واحد منهما الإقبالَ على صاحبه بوجهه [6]؛ أي: لا يُوَلِّ بعضكم بعضًا دبره [7].
قال أبو عُبيد: «التدابر: المُصَارَمة والهجران؛ مأخوذ من أن يُوَلِّي الرجلُ صاحبَه دُبُرَه وقفاه، ويُعْرِض عنه بوجهه» [8].

ويُقال: أدبر القوم: مضى أمرهم إلى آخره [9].
ودَبَر القومُ يَدْبُرون دَبارًا: إذا هلكوا [10].
ودَبِرَ البعير دَبَرًا، فهو أدبر: صار بِقَرْحِه دَبِرًا؛ أي: متأخرًا [11].
ومنه: دُبُر الشهر: آخره.
ودابر الشيء: آخره.
ودُبُر الأمر: آخره.

والدَّبَار: الهلاك الذي يقطع دابرتهم [12].
ويُقال: فلان ما يدري قِبَالَ الأمر من دِبَارِه؛ أي: أوَّلَه من آخره.
ومن ذلك: {وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} (ق: 40) ؛ أي: أواخر الصلوات [13].
ومنه قيل للنحل: (الدَّبْر) ؛ لأنه يُعْقِب ما يُنتفع به [14]، أو لأن سلاحها في أدبارها [15].
وهكذا قيل للمال الكثير: (الدِّبْر) ؛ لأنه يبقى للأعقاب [16].
ويُقال: دَبَّر الأمر وتَدَبَّره؛ أي: نظر وتَفَكَّر في عاقِبَتِهِ [17].
ويُقال: اسْتَدْبَرَه؛ أي: رأى في عاقبته ما لم يره في صدره [18].
ويُقال: عرف الأمر تَدَبُّرًا؛ أي: بأَخَرَة.
ومنه قول جرير:

ولا تَتَّقُونَ الشَّرَّ حتّى يُصيبَكُم ... ولا تعرفونَ الأمرَ إلا تَدَبُّرَا [19]
قال أَكْثَمُ بنُ صَيفيٍّ لبنيه: «يا بَنِيَّ، لا تَتَدَبَّروا أعجاز أمور قد ولّت صُدُورُها» [20].
والتدبير في الأمر: أن تنظر إلى ما تؤول إليه عاقبته [21]، فهو بمعنى التفكير في دُبُر الأمور [22]، وذلك بأن يُدَبِّر الإنسان أمره كأنه ينظر إلى ما تصير إليه عاقبته [23].
ولذا قيل: هو النظر في العواقب بمعرفة الخير، أو إجراء الأمور على علم العواقب [24].

------------------------------------------------
  • *كتاب الخلاصة في تدبر القرآن الكريم
  • لفضيلة الشيخ خالد بن عثمان السبت
  • (1)
    ينظر: مقاييس اللغة (مادة: دبر) ، (2/ 324) .
    (2)
    ينظر: المفردات ص: 164 (مادة: دبر) .
    (3)
    ينظر: معاني القرآن للزجاج (2/ 82) ، تفسير البغوي (1/ 566) ، تفسير الكشاف (1/ 546) .
    (4)
  • ينظر: التحرير والتنوير لابن عاشور (5/ 137) .
    (5)
    رواه البخاري (6065، 6076) ، ومسلم (2558، 2559) ؛ من حديث أنس - رضي الله عنه -، وجاء أيضًا من حديث أبي هريرة وأبي بكر - رضي الله عنهما -.
    (6)
    ينظر: مقاييس اللغة (مادة: دبر) ، (2/ 324) .
    (7)
    ينظر: معاني القرآن للزجاج (2/ 82) ، تفسير القرطبي (5/ 290) .
    (8)
    غريب الحديث لأبي عبيد (2/ 232) .
  • (9)
    ينظر: تفسير القرطبي (5/ 290) .
    (10)
    ينظر: معاني القرآن للزجاج (2/ 82) .
    (11)
    ينظر: المفردات ص: 165 (مادة: دبر) .
    (12)
    ينظر: السابق ص: 165. (مادة: دبر) .
  • (13)
    ينظر: السابق ص: 164. (مادة: دبر) .
    (14)
    ينظر: معاني القرآن للزجاج (2/ 82) .
    (15)
    ينظر: المفردات ص: 165 (مادة: دبر) .
    (16)
    ينظر: معاني القرآن للزجاج (2/ 82) .
  • (17)
    ينظر: معاني القرآن للزجاج (2/ 82) ، الكشاف (1/ 284) ، تفسير القرطبي (5/ 290) ، تفسير الخازن (1/ 563) ، نظم الدرر للبقاعي (5/ 340) .
    (18)
    ينظر: تاج العروس، (فصل الدال من باب الراء) (مادة: دبر) ، (11/ 266) .
    (19)
    ديوان جرير ص: 479.
    (20)
    ينظر: تفسير الرازي (10/ 196) ، تفسير النيسابوري (2/ 455) ، اللسان (4/ 273) ، تاج العروس (11/ 265) .
    (21)
    ينظر: (اللسان 4/ 273) (مادة: دبر) ، تاج العروس (11/ 265) .
    (22)
    ينظر: المفردات ص: 165.
    (23)
    ينظر: فتح القدير (1/ 781) .
    (24)
    ينظر: التعريفات ص: 56.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 20-02-2026, 12:37 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,408
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخلاصة في تدبر القرآن الكريم -----يوميا فى رمضان



    • الخلاصة في تدبر القرآن الكريم*
    • خالد بن عثمان السبت
    • (2)

والتدبير: عِتق العبد عن دُبُر؛ وهو أن يقول له: أنت حرٌّ بعد موتي [1]، ويقال للعبد: مُدَبَّر.
ويقال: إن فلانًا لو استقبل في أمره ما استدبره لهُدي لوِجْهَةِ أمرِه؛ أي: لو علم في بَدْءِ أمرِه ما عَلِمَه في آخره لاسترشد لأمره [2].
ومما تقدم يُعْلَم أن أصل التدبُّر: التأمُّل والتفكُّر في أدبار الأمور وعواقبها؛ أي: فيما لا يظهر منها للمُتَأَمِّل بادئ ذي بَدْء [3].
ثم استُعمل في كل تَأَمُّل [4]، سواء كان نظرًا في حقيقة الشيء وأجزائه، أو سوابقه وأسبابه،
أو لواحقه وأعقابه [5].
2 -
التدبُّر بمعناه العام:

التدبر في الأمر: التفكر فيه [6]؛ أي: تحصيل المعرفتين لتحصيل معرفة ثالثة [7].
وهو بمعنى قول بعضهم: «إعمال النظر العقلي في دلالات الدلائل على ما نُصبت له» [8]

أي: تَصَرُّف القلب بالنظر في الدلائل [9]، وهذا تفسير له بالتفكر.
وبعضهم يفرق بينهما؛ باعتبار أن التدبر: تَصَرُّف القلب بالنظر في العواقب، وأما التفكر: فتَصَرُّفه بالنظر في الدليل [10].
وعبَّر عنه بعضهم بأنه: التفكر في عاقبة الشيء وما يؤول إليه أمره [11].
وهو بمعنى قول من فَسَّره بالنظر في أعقاب الأمور وتأويلات الأشياء [12].
وهما تعريفان مُتقَارِبان، والله أعلم.
3 -
معنى تدبُّر القرآن خاصَّة (المعنى الشرعي) :

هناك تعريفات متعددة لتدبر القرآن وبينها تقارب؛ فمن ذلك:
-
قال في الكشاف: «معنى تدبر القرآن: تأمل معانيه وتَبَصُّر ما فيه» [13].
وقال: «وتدبر الآيات: التفكر فيها، والتأمل الذي يؤدي إلى معرفة ما يَدْبُر ظاهرَها من
التأويلات الصحيحة والمعاني الحسنة؛ لأن من اقتنع بظاهر المتلوِّ لم يَحْل منه بكثير طائل، وكان مَثَلُه كمَثَل من له لِقْحَة دَرُورٌ لا يحلبها، ومُهْرَة نَثُورٌ لا يستولدها» [14].
وقال القرطبي: «هو التفكر فيه وفي معانيه» [15].

وقال الخازن: «ومعنى تدبر القرآن: تَأَمُّل معانيه، وتَفَكُّر في حِكَمِه، وتَبَصُّر ما فيه من الآيات» [16].
-
وقال أبو حيان: «هو التفكر في الآيات، والتَّأَمُّل الذي يُفْضِي بصاحبه إلى النظر في عواقب
الأشياء» [17].
-
وقال ابن القيم: «هو تَحْدِيق نَاظِر القلب إلى معانيه، وجَمْع الفكر على تَدَبُّره وتَعَقُّله» [18].
-
وقال السعدي: «هو التأمل في معانيه، وتحديق الفكر فيه، وفي مبادئه وعواقبه، ولوازم
ذلك» [19].
-
وقال ابن عاشور: «هو تَعَقُّب ظواهر الألفاظ؛ لِيُعْلَم ما يَدْبُر ظواهرَها من المعاني المكنونة والتأويلات اللائقة» [20].

وقال عبدالرحمن حبنَّكة: «هو التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة» [21].
وقيل: هو التفكر والتَّأَمُّل لآيات القرآن من أَجْل فهمه، وإدراك معانيه، وحِكَمه، والمراد منه.

-
وقيل: هو تَفَهُّم معاني ألفاظه، والتفكر فيما تدل عليه آياته مُطَابَقَة، وما دخل في ضمنها، وما لا تتم تلك المعاني إلا به مما لم يُعَرِّج اللفظ على ذِكْره من الإشارات والتنبيهات، وانتفاع القلب بذلك بخشوعه عند مواعظه، وخضوعه لأوامره، وأخذ العِبْرَة منه.
ويجمع ذلك: النظر إلى ما وراء الألفاظ من المعاني والعِبَر والمقاصد، الذي يثمر العلوم النافعة والأعمال الزاكية.
وإنما ذكرت هذه الجملةَ الأخيرة؛ لأنه قد ورد عن جماعة من السلف تفسير التدبر بالعمل
والامتثال وما إلى ذلك مما يقع في القلب، ويظهر على الجوارح، ولا ريب أن هذا يكون أعلى مراتب التدبر، وإلا فقد يحصل ببعض ذلك كما لا يخفى.
4 -
ذكر بعض عبارات المفسِّرين في معنى التدبر:

من عبارات المفسرين في قوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} (النساء: 82، محمد: 24) ، وقوله تعالى: {لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} (ص: 29) :
ابن جرير: «أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون مواعظ الله التي يعظهم بها في آي القرآن الذي أنزله
على نبيه عليه الصلاة والسلام، ويتفكرون في حُجَجِه التي بينها لهم في تنزيله؟ ! » [22].
البغوي: «أفلا يتفكرون في القرآن؟ ! » [23].
ابن الجوزي: «ليتفكروا فيها» [24].

القرطبي: «أي: يتفهمونه» [25].
-
الخازن: «يتفكرون فيه وفي مواعظه وزواجره» [26].
-
أبو حيان: «أي: فلا يتأملون ما نزل عليك من الوحي ولا يعرضون عنه؛ فإنه في تدبره
يظهر برهانه ويسطع نوره، ولا يظهر ذلك لمن أعرض عنه ولم يتأمله» [27].
-
البقاعي: «أي: يتأملون» [28].
-
الشوكاني: «أفلا يتفهمونه ... » [29].

-
ابن عاشور: «يتأملون دلالته ... » [30].
وبهذا نعلم أن كلامهم يدور على إعمال الفكر والنظر بالتأمل والتفهم في آي القرآن الكريم للتوصل إلى معانيه ومقاصده. والله أعلم.
-------------------------------------
(1)
ينظر: المفردات (مادة: دبر) ص: 165، التعريفات ص: 56، تاج العروس (فصل الدال من باب الراء) (مادة: دبر) ، (11/ 265) .
(2)


ينظر: اللسان (4/ 273) ، تاج العروس (11/ 266) .
(3)
ينظر: تفسير الرازي (10/ 196) ، تفسير الخازن (1/ 563) ، تفسير النيسابوري (2/
456) ، روح المعاني (5/ 92) ، التحرير والتنوير لابن عاشور (5/ 137) (18/ 87) .
(4)
ينظر: تفسير الكشاف (1/ 546) ، تفسير الخازن (1/ 563) ، فتح القدير (1/ 781) ، روح المعاني (5/ 92) .

(5)
ينظر: روح المعاني (5/ 92) .
(6)
ينظر: اللسان (4/ 273) ، مختار الصحاح ص: 101.
(7)
ينظر: تاج العروس (11/ 265) .
(8)
ينظر: التحرير والتنوير (18/ 87) .
(9)
ينظر: الكليات ص: 287.
(10)
ينظر: التعريفات ص: 56.

(11)
ينظر: تفسير الخازن (6/ 182) .
(12)


ينظر: المحرر الوجيز (2/ 612) ، التعريفات ص: 56.

(13)
الكشاف (1/ 546) .
(14)
السابق (3/ 372) .

(15)
تفسير القرطبي (5/ 290) .
(16)
تفسير الخازن (1/ 563) .
(17)
البحر المحيط (7/ 379) .
(18)
مدارج السالكين (1/ 451) .

(19)
تفسير السعدي (ص 193) .

(20)
التحرير والتنوير (3/ 252) .
(21)
قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله (ص 10) .

(22)


تفسير الطبري (21/ 215) .
(23)
تفسير البغوي (1/ 566) .
(24)
زاد المسير (2/ 144) .
(25)
تفسير القرطبي (16/ 246) .
(26)
تفسير الخازن (6/ 182) .

(27)
البحر المحيط (3/ 317) .
(28)
نظم الدرر للبقاعي (5/ 340) .

(29)
فتح القدير (5/ 46)
(30)
التحرير والتنوير (5/ 137) .





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 21-02-2026, 12:09 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,408
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخلاصة في تدبر القرآن الكريم -----يوميا فى رمضان



      • الخلاصة في تدبر القرآن الكريم*
      • خالد بن عثمان السبت
      • (3)

العلاقة بين التدبر وما يقاربه من الألفاظ
أولًا: علاقته بالتفسير:
إن أصل مادة (التفسير) تدور على الكشف والبيان؛ يقال: فسَّر الكلام؛ أي: أبان معناه وأظهره، فهو إخراج الشيء من مقام الخفاء إلى مقام التَّجَلِّي [1].
وأما في الاصطلاح: فهو علم يُبحث فيه عن أحوال القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية [2].

وبناء على ذلك، يقال في العلاقة بين التفسير والتدبر: بأن بينهما ملازمة؛ وذلك أن التوصل إلى مراد الله تعالى من كلامه يحتاج إلى تدبر ونظر وتأمل، كما أن التدبر يتوقف على معرفة المعنى. والله أعلم.
ثانيًا: علاقته بالتأويل:
التأويل يأتي لمعنيين [3]:
الأول: بمعنى التفسير؛ ومن ذلك قوله تعالى: {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} (الكهف: 78) ، وقوله: {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} (الكهف: 82) ، وقوله: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} (آل عمران: 7) ؛ على أحد الأوجه في التفسير.

فتأويل القرآن بمعنى تفسيره، وهو المراد بقوله - صلى الله عليه وسلم - في دعائه لابن عباس - رضي الله عنهما: «وعَلِّمْه التأويل» [4].
وهكذا تأويل الرؤيا يأتي بمعنى تفسيرها؛ كما في قوله تعالى: {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ}(يوسف: 36) ، وقوله: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} (يوسف: 6) ، وقوله: {وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} (يوسف: 21) ، وقوله: {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ} (يوسف: 44) ، وقوله: {وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} (يوسف: 101) ، وقوله: {أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ} (يوسف: 45) ؛ فهذا كله بمعنى تفسير الرؤيا.
الثاني: بمعنى ما يصير إليه الشيء في ثاني حال؛ فتأويل الخبر بوقوع المُخْبَر؛ ومن ذلك قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} (الأعراف: 53) ، وقوله: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} (يونس: 39) .
وهكذا يُعَبَّر بـ (التأويل) في الرؤيا بمعنى تحقق الوقوع، ومن ذلك قوله تعالى: {وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ} (يوسف: 100) .
كما ورد بمعنى العاقبة؛ ومن ذلك قوله تعالى في موضعين من القرآن: {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (النساء: 59، الإسراء: 35) .

وهكذا يُعبر بـ (التأويل) عن امتثال المأمور، ومن ذلك حديث عائشة - رضي الله عنها: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُكْثِر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي»؛ يتأَوَّل القرآن [5].
بعد ذلك يمكن أن يُقَال بأن التأويل له تَعَلُّق بالتدبر باعتبار الإطلاقين السابقين، وبيان ذلك: أن تَعَلُّقه به من جهة إطلاقه مُرادًا به التفسير لا يخفى؛ إذ القول فيه كالقول في التفسير.
وأما وجه تَعَلُّقه بالتأويل إذا أُريد به المعنى الآخر: فإن ذلك يكون بالامتثال والعمل والتطبيق، وذلك من المعاني الداخلة تحت التدبر، إضافة إلى التفكر فيما يؤول إليه الإنسان، وما يقع في الدنيا والآخرة مما وعد الله به أهل طاعته وأهل معصيته، والله أعلم.
ثالثًا: علاقته بالبيان:
البيان: من بان الشيء: إذا اتضح وانكشف.
هذا من حيث الجملة، ويتقيَّدُ معناه بحسب مُتَعَلَّقِه، والمقصود هنا: ما يتعلق بالتدبر؛ وذلك بإطلاق البيان على ما يُشْرَح به المُجْمَل والمُبْهَم ويُكْشَف به عن المعنى، ومن ذلك قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} (القيامة: 19) ، وقوله: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (النحل: 44) [6].

رابعًا: علاقته بالاستنباط:
ترجع مادة (الاستنباط) إلى الاستخراج [7]؛ قال ابن جرير - رحمه الله: «وكل مُسْتَخرِج شيئًا كان مُسْتترًا عن أبصار العيون أو عن معارف القلوب، فهو له مُسْتَنْبِط» اهـ [8].
وبناء على ذلك، فإن الاستنباط من القرآن يكون بمعنى استخراج المعاني والأحكام وألوان الهدايات في العقائد والسلوك وغير ذلك، وهذا يكون نتيجة للتدبر كما لا يخفى، وهو قدر زائد على مجرد فهم اللفظ والكشف عن معناه، والله أعلم.
قال ابن القيم - رحمه الله: «وقد مدح الله تعالى أهل الاستنباط في كتابه، وأخبر أنهم أهل العلم، ومعلوم أن الاستنباط إنما هو استنباط المعاني والعِلَل، ونِسْبة بعضها إلى بعض، فيُعْتَبَر ما يَصِحّ منها بصحة مِثْلِه ومُشْبِهه ونَظِيره، ويُلْغَى ما لا يَصِحّ. هذا الذي يَعْقِله الناس من الاستنباط.
قال الجوهري: «الاستنباط: كالاستخراج» [9]، ومعلوم أن ذلك قَدْر زائد على مُجَرّد فَهْم اللفظ؛ فإن ذلك ليس طَرِيْقُه الاستنباط؛ إذ موضوعات الألفاظ لا تُنَال بالاستنباط، وإنما تُنَال به العِلَل والمعاني والأشباه والنظائر ومقاصد المتكلم، والله سبحانه ذَمّ من سمع ظاهرًا مُجَرَّدًا فأَذَاعَه وأَفْشَاه، وحَمِد من استنبط من أُولي العلم حقيقتَه ومعناه.

ويُوَضِّحه: أن الاستنباط استخراج الأمر الذي من شأنه أن يَخْفَى على غير مُسْتَنْبِطه، ومنه: استنباط الماء من أرض البئر والعين، ومن هذا قول علي بن أبي طالب -رضي الله عنه - وقد سئل: هل خَصَّكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء دون الناس؟ فقال: «لا، والذي فَلَق الحَبّة، وبَرَأ النَّسَمَة؛ إلا فَهْمًا يُؤْتِيه الله عبدًا في كتابه» [10].
ومعلوم أن هذا الفَهْم قَدْر زائد على معرفة موضوع اللفظ وعمومه أو خصوصه؛ فإن هذا قَدْر مُشْتَرك بين سائر من يَعْرِف لغة العرب، وإنما هذا فَهْم لَوَازِم المعنى ونظائره، ومُرَاد المُتَكَلِّم بكلامه، ومعرفة حدود كلامه، بحيث لا يدخل فيها غير المُرَاد، ولا يَخْرُج منها شيء من المراد ... » اهـ [11]، ثم ذكر أمثلة لذلك.
خامسًا: علاقته بالفهم:
الفهم: قيل: هو تصور المعنى من اللفظ، وقيل: هيئة للنفس يتحقق بها ما يَحْسُن [12].
وبناء على ذلك، فإن الفهم يكون نتيجة للتدبر، كما أنه يكون وسيلة لما وراء ذلك من المعاني الداخلة تحت التدبر، فإن من التدبر ما لا يكون إلا بعد الفهم، والله أعلم.
وبهذا نعلم أن بين التدبر والفهم ملازمة، ولا يخفى أن الناس يتفاوتون في الفهم تفاوتًا كبيرًا، وكلٌّ يحصل له من التدبر بحسبه.


----------------------------------------------
(1)
ينظر: مقاييس اللغة (كتاب الفاء، باب الفاء والسين وما يثلثهما) (4/ 504) ، الصحاح (مادة: فسر) (2/ 781) ، المصباح المنير (مادة: فسر) ص: 385، واللسان (مادة: فسر) (5/ 55) ، المفردات (مادة: فسر) ، ص: 38.
(2)
ينظر: قواعد التفسير (1/ 29) .
(3)
وذلك هو المعهود في القرآن، وفي كلام العرب. وللمتأخرين إطلاق ثالث لا حاجة لذكره هنا.
(4)
رواه أحمد في المسند (2397، 2422، 2879، 3032، 3102) .
والقول فيه بهذا الاعتبار كالقول في التفسير من جهة المُلازَمة بينه وبين التدبر.
(5)
رواه البخاري (817، 4968) ، ومسلم (484) .
(6)
ينظر: مقاييس اللغة (كتاب الباء، باب الياء وما يثلثهما) (1/ 328) ، والمفردات (مادة: بان) ص: 69.
(7)
ينظر: السابق (كتاب النون، باب النون والباء وما يثلثهما) (5/ 381) .
(8)
تفسير الطبري (8/ 571) .
(9)
انظر: الصحاح (باب الطاء، فصل النون) (مادة: نبط) (3/ 1162) .
(10)
أخرجه البخاري (111، 3047، 6915) .
(11)
إعلام الموقعين عن رب العالمين (2/ 397) .
(12)
ينظر: القاموس (باب الميم، فصل الفاء) (4/ 162) ، المعجم الوسيط (مادة: فهم) (2/ 704) .





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم يوم أمس, 04:11 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,408
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخلاصة في تدبر القرآن الكريم -----يوميا فى رمضان



    • الخلاصة في تدبر القرآن الكريم*
    • خالد بن عثمان السبت
    • (4)


سادسًا: علاقته بالتَّفَكُّر:
ظهر جليًّا من خلال عرض عبارات أهل العلم في التدبر بمعناه العام، أو الخاص، وما ذكره المفسرون عند تفسير الآيات المتعلقة بذلك- أن الكثيرين يُفَسِّرون التدبر بالتفكر؛ وذلك لما بينهما من المُقَاربة الشديدة، وقد فَرَّق بعضهم- كما سبق- بأن التدبر: تَصَرُّف القلب بالنظر في العواقب، وأما التفكر: فَتَصَرُّفه بالنظر في الدلائل.
والذي يظهر أنهما يرجعان إلى معنًى واحد في الأصل، وقد يَفْتَرِقان في بعض المعاني الدِّلَالية الخاصة بكل لفظة؛ وذلك أن كلمة (التدبر) تحمل معنى زائدًا، وهو (دُبُر الشيء، وعاقبته) ، ومن هنا جاء التفريق السابق بينهما.
ولا يخفى أن الواقع في الاستعمال أوسع من ذلك؛ حيث صار يُعَبَّر بكلٍّ منهما من غير مراعاة لِمُتَعَلَّق النظر في كل لفظة، والله أعلم.
فضله وشرفه

معلوم أن شرف الشيء بشرف مُتَعَلَّقِه، ولما كان التدبر يتعلق بكتاب الله تعالى، صار من أشرف الأمور وأَجَلِّها وأفضلها.
للتدبر من النتائج والثمرات ما هو في غاية النفع كما سيأتي.
قال الآجري - رحمه الله: «والقليل من الدرس للقرآن مع الفكر فيه وتدبُّره، أحبُّ إليَّ من قراءة الكثير من القرآن بغير تدبر ولا تفكر فيه، وظاهر القرآن يدل على ذلك، والسنة، وأقوال أئمة المسلمين» [1].
التدبر شأن العَالِمِين الذين يعقلون آيات الله ويتفهمونها.
أهمية التدبر

يمكن أن نستبين أهمية التدبر من وجوه عدة؛ منها:
أن الله تعالى جعل ذلك مقصودًا من إنزاله؛ كما في قوله: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌلِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (ص: 29) .
قال الشيخ محمد الأمين الشِّنقيطي - رحمه الله - تعليقًا على هذه الآية: «وأمَّا كون تَدبُّر آياته، من حِكَم إنزاله: فقد أشار إليه في بعض الآيات، بِالتَّحْضِيضِ على تَدبُّره، وتوبيخ من لم يتدبره؛ كقوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (محمد: 24) ، وقوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (النساء: 82) ، وقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} (المؤمنون: 68) » اهـ [2].

أن الله تعالى أنكر على من لم يتدبره؛ كما في قوله - عز وجل: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (النساء: 82) ، وقوله: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (محمد: 24) .
قال الشيخ الشنقيطي - رحمه الله - تعليقًا على هذه الآية: «ومعلوم أن كلَّ من لم يشتغل بتدبُّر آيات هذا القرآن العظيم- أي: تَصَفُّحِها وتَفَهُّمِها، وإدراك معانيها والعمل بها- فإنه مُعْرِض عنها، غير متدبِّر لها؛ فيستحق الإنكار والتوبيخ المذكور في الآيات إن كان الله أعطاه فهمًا يقدر به على التدبر، وقد شكا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ربه من هجر قومه هذا القرآن؛ كما قال تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} (الفرقان: 30) .
وهذه الآيات المذكورة تدل على أن تدبر القرآن وتَفَهُّمَه وتَعَلُّمَه والعمل به، أمر لا بد منه للمسلمين.

وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن المشتغلين بذلك هم خير الناس؛ كما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - فِي الصحيح، من حديث عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» [3]، وقال تعالى: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} (آل عمران: 79) .
فإعراض كثير من الأقطار عن النظر في كتاب الله وتَفَهُّمه والعمل به وبالسنة الثابتة المُبَيِّنة له، من أعظم المناكر وأشنعها، وإنْ ظن فاعلوه أنهم على هدى ... » [4].

أنه لا سبيل إلى تحصيل المطالب العالية والكمالات إلا بالإقبال عليه وتدبره وتَفَهُّمه.
قال الحافظ ابن القيم - رحمه الله: «فلما كان كمال الإنسان إنما هو بالعلم النافع، والعمل الصالح، وهما الهدى ودين الحقِّ، وبتكميله لغيره في هذينِ الأمرين؛ كما قال تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (العصر: 1 - 3) ، أقسم سبحانه أنّ كلَّ أحد خاسر إِلا من كَمَّل قوته العلمية بالإيمان، وقوته العملية بالعمل الصالح، وكَمَّل غيره بالتوصية بالحق والصبر عليه، فالحقُّ هو الإيمان والعمل، ولا يَتِمَّان إلا بالصبر عليهما، والتواصي بهما-: كان حقيقًا بالإنسان أن ينفق ساعات عمره، بل أنفاسه، فيما ينالُ به المطالب العالية، ويخلص بهِ من الخسران المبين، وليس ذلك إلا بالإِقبال على القرآن وتَفَهُّمه وتدبره، واستخراج كنوزه، وإثارة دفائنه، وصرف العناية إليه، والعكوف بالهمة عليه، فإنه الكفيل بمصالح العباد في المَعَاش والمعاد، والمُوصِل لهم إلى سبيل الرشاد» اهـ [5].

أنه الطريق إلى معرفة العبد لخالقه جل جلاله معرفة صحيحة بأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو الطريق إلى معرفة صراطه المستقيم الذي أمر العباد بسلوكه.
قال الآجري - رحمه الله: «ومن تدبر كلامه، عرف الربَّ - عز وجل -، وعرف عظيم سلطانه وقدرته، وعرف عظيم تَفَضُّله على المؤمنين، وعرف ما عليه من فَرْضِ عبادته، فألزم نفسه الواجب، فحذر مما حذَّره مولاه الكريم، ورغب فيما رَغَّبه فيه، ومن كانت هذه صفته عند تلاوته للقرآن وعند استماعه من غيره، كان القرآن له شفاء، فاستغنى بلا مال، وَعَزَّ بلا عشيرة، وأَنِس بما يستوحش منه غيره، وكان هَمُّه

عند التلاوة للسّورة إذا افتتحها: متى أتعظ بما أتلو؟ ! ولم يكن مراده: متى أختم السّورة؟ ! وإنما مراده: متى أعقل عن الله الخطاب؟ ! متى أزدجر؟ ! متى أعتبر؟ ! لأن تلاوته للقرآن عبادة، والعبادة لا تكون بغفلة» اهـ [6].
أن ذلك من النصيحة لكتاب الله تعالى.
قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله: «وأما النصيحة لكتاب الله، فَشِدَّة حُبِّه وتعظيم قَدْرِه؛ إذ هو كلام الخالق، وشِدَّة الرغبة في فهمه، وشِدَّة العناية لتدبره والوقوف عند تلاوته لطلب معاني ما أحب مولاه أن يفهمه عنه، أو يقوم به له بعد ما يفهمه، وكذلك الناصح من العباد يفهم وصية من ينصحه، وإن ورد عليه كتاب منه، عُني بفهمه؛ ليقوم عليه بما كتب به فيه إليه، فكذلك الناصح لكتاب ربه؛ يُعْنَى بفهمه ليقوم لله بما أمره به كما يُحِب ويرضى، ثم ينشر ما فهم في العباد ويديم دراسته بالمحبة له، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه» اهـ [7].

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: «فإنه قد عُلِم أنه من قرأ كتابًا في الطب أو الحساب أو النحو أو الفقه أو غير ذلك، فإنه لا بد أن يكون راغبًا في فهمه وتَصَوُّر معانيه، فكيف بمنْ قرؤوا كتاب الله تعالى المُنزل إليهم الذي به هداهم الله، وبه عَرَّفَهم الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال، والرشاد والغي؟ ! فمن المعلوم أن رغبتهم فِي فهمه وتصوُّرِ معانيه أعظم الرغبات، بل إذا سمع المتعلم من العالم حديثًا، فإنه يرغب في فهمه؛ فكيف بمن يسمعون كلام الله من المبلِّغ عنه؟ ! بل من المعلوم أن رغبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه؛ فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تُحَصِّل المقصود؛ إذ اللَّفظ إنما يُرَاد للمعنى» [8].

أن تدبر القرآن من أَجَلّ الأعمال وأفضل التَّعَبُّدَات.
قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله: «ومن أعظم ما يُتَقَرَّب به إلى الله تعالى من النوافل كثرة تلاوة القرآن، وسماعه بتفكُّر وتدبر وتَفَهُّم؛ قال خَبَّاب بن الأرت لرجل: تقرب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء هو أحبُّ إليه من كلامه» اهـ [9].

-------------------------------------
(1)
أخلاق أهل القرآن ص: 169.
(2)
أضواء البيان (6/ 345) .
(3)
رواه البخاري (5027) .
(4)
أضواء البيان (7/ 257) .
(5)
مدارج السالكين (1/ 30) .
(6)
أخلاق أهل القرآن ص: 36 - 37.
(7)
جامع العلوم والحكم (1/ 221) .
(8)
مجموع الفتاوى (5/ 157) .
(9)
جامع العلوم والحكم (2/ 342) .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم يوم أمس, 04:14 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,408
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخلاصة في تدبر القرآن الكريم -----يوميا فى رمضان


  • الخلاصة في تدبر القرآن الكريم*
  • خالد بن عثمان السبت
  • (5)











ثمراته ونتائجه
التدبر يورث اليقين، ويزيد الإيمان.
وهو طريق إلى العمل بما في القرآن من المأمورات، والكف عن المنهيات.
وهو سبيل إلى الاعتبار والاتعاظ بأمثاله وقصصه.

وأنه يحمل على محاسبة النفس ومراجعتها.
وهو الطريق إلى معرفة مَحَابّ الله ومَسَاخِطِه، وأوصاف أوليائه وصفات أعدائه.
وبه تكون معرفة الطريق إلى الله تعالى.
وهو أقوى الأسباب لترقيق القلب وتليينه.

قال ابن القيم - رحمه الله: «وبالجملة فلا شيْء أنفع للقلب من قراءَة القرآن بالتدبر والتَّفَكُّر؛ فَإنَّه جَامعٌ لجميع منازل السائرين، وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يُورث المحبة والشوق، وَالخوف والرجاء، والإنابة والتوكل، والرِّضَا والتفويض، وَالشكر وَالصبر، وَسَائِر الأحوال الَّتِي بها حَيَاة القلب وكماله، وكذلك يزْجر عَن جميع الصِّفات والأفعال المذمومة، والتي بها فساد القلب وهلاكه.

فَلَو علم النَّاس ما في قراءة القرآن بالتدبر، لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأهُ بتفكر حتى مر بآية وهو مُحْتَاج إليها في شفاء قلبه، كررها ولو مئَة مرّة ولو لَيْلَة، فقراءة آيَة بتفكر وتَفَهُّم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتَفَهُّم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن ... فقراءة القرآن بالتفكر هي أصل صلاح القلب ... ولهذا أنزل الله القرآن ليُتَدَبَّر ويُتَفكَّر فيه، ويُعمَلَ به، لا لمجرد الإعراض عنه» اهـ [1].

وقال السعدي - رحمه الله: «فَإنَّ تدبر كتاب الله مفتاح للعلوم والمعارف، وبه يُسْتَنْتَج كل خير، وتُسْتَخْرَج منه جميع العلوم، وبه يزداد الإيمان في القلب وترسخ شجرته؛ فإنه يُعرِّف بالرب المعبود، وما له من صفات الكمال، وما يُنَزَّه عنه من سمات النقص، ويُعرِّف الطريق المُوصِلة إليه وصفة أهلها، وما لهم عند القُدوم عليه، ويعرِّف العدو الذي هو العدو على الحقيقة، والطريق المُوصِلة إلى العذاب، وصفة أهلها، وما لهم عند وجود أسباب العقاب» اهـ [2].
مظاهره وعلاماته

التأثر بما يقرأ، والخشوع عند قراءته أو سماعه.
الإقبال عليه إقبالًا تامًّا دون الاشتغال بما يصرف عن تدبره، والإنصات عند سماعه.
العمل بما يدعو إليه، والكف عما يزجر عنه.
موضوعه
القرآن الكريم.

-------------------------------------------------
(1)
مفتاح دار السعادة (1/ 187) .
(2)
تفسير السعدي ص: 193.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 127.08 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 123.60 كيلو بايت... تم توفير 3.48 كيلو بايت...بمعدل (2.74%)]