التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - الصفحة 33 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5176 - عددالزوار : 2485917 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4769 - عددالزوار : 1817833 )           »          التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 336 - عددالزوار : 9050 )           »          {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ}ا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 411 - عددالزوار : 127165 )           »          طريقة تغيير السطوع فى ويندوز 11 بسرعة فى خطوات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          كيف تُخفى ظهورك "أونلاين" على واتساب دون قطع الاتصال بالإنترنت؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          طريقة تثبيت النسخة التجريبية العامة من iOS 26 على الآيفون: الهواتف المدعومة والمزايا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          رسائل جوجل تستخدم تحديث rcs الجديد لتعزيز الصوت والأمان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          Who-Fi: تقنية واى فاى مدعومة بالذكاء الاصطناعى يمكنها تحديد هوية الأفراد وتتبعهم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          ماذا تفعل إذا تعرض حسابك على إنستجرام للاختراق؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #321  
قديم يوم أمس, 06:03 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,828
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (11)
من صـــ 371 الى صـــ 390
الحلقة (321)






وقال ابن سيده (١): استلم الحجر واستلأمه -بالهمز -أي: قبله أو اعتنقه، وليس أصله الهمز وبخط الدمياطي: الاستلام افتعال من السِّلام وهي الحجارة، وبضم السين: ظاهر عروق الكف.
----------
(١) «المحكم» ٨/ ٣٣٨.


٥٧ - باب الرَّمَلِ فِي الحَجِّ وَالعُمْرَةِ
١٦٠٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَعَى النَّبِيُّ - ﷺ - ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، وَمَشَى أَرْبَعَةً فِي الحَجِّ وَالعُمْرَةِ.
تَابَعَهُ اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيَّ - ﷺ -. [انظر: ١٦٠٣ - مسلم: ١٢٦١ - فتح: ٣/ ٤٧٠]

١٦٠٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ - رضي الله عنه - قَالَ لِلرُّكْنِ: أَمَا وَاللهِ إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ. فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ قَالَ: فَمَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ المُشْرِكِينَ، وَقَدْ أَهْلَكَهُمُ اللهُ. ثُمَّ قَالَ: شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ. [انظر: ١٥٩٧ - مسلم: ١٢٧٠ - فتح: ٣/ ٤٧١]

١٦٠٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ مُنْذُ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَسْتَلِمُهُمَا.
قُلْتُ لِنَافِعٍ: أَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَمْشِي بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ؟ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَمْشِي لِيَكُونَ أَيْسَرَ لاِسْتِلَامِهِ. [١٦١١ - مسلم: ١٢٦٨ - فتح: ٣/ ٤٧١]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها:
حَدَّثَنا مُحَمَّدٌ، ثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعمانِ، ثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِع، عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: سَعَى النَّبِيُّ - ﷺ - ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، وَمَشَى أَرْبَعَةً فِي الحَجِّ وَالعُمْرَةِ.
تَابَعَهُ اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي كَثيرُ بْنُ فَرْقَدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.


محمد شيخ البخاري هو ابن يحيى الذهلي كما قاله الحاكم، وقيل: ابن رافع، حكاه الجياني، ونسبه ابن السكن: ابن سلام (١). ويقال: محمد بن عبد الله بن نمير، حكاه أبو نعيم في «مستخرجه»، فهذِه أربعة أقوال فيه. وقال المزي: محمد بن رافع عن سريح (٢). روى عنه البخاري وروى عن محمد -غير منسوب- عن سريج (٣) ولم يذكر ابن سلام ولا الذهلي فيمن روى عن سريج.
وهذِه المتابعة أخرجها النسائي من حديث شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه، عن كثير بن فرقد، عن نافع، عن ابن عمر: كان يخب في طوافه حين يقدم في حج أو عمرة ثلاثًا ويمشي أربعًا. وقال: كان رسول الله - ﷺ - يفعل ذَلِكَ (٤). ورواه البيهقي من حديث يحيى بن بكير: ثَنَا الليث، ثَنَا كثير بن فرقد (٥).
الحديث الثاني:
حديث زيد بن أسلم عن أبيه أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّاب قَالَ لِلرُّكْنِ: أَمَا والله إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ. فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ قَالَ: فَمَا لَنَا وَللرَّمَلِ إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ المُشْرِكِينَ، وَقَدْ أَهْلَكَهُمُ اللهُ، ثُمَّ قَالَ: شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ.

--------------
(١) «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٣٦ - ١٠٣٧.
(٢) «تهذيب الكمال» ٢٥/ ١٩٢ (٥٢٠٩).
(٣) «تهذيب الكمال» ١٠/ ٢٢٠ (٢١٩٠).
(٤) «سنن النسائي» ٥/ ٢٣٠ كتاب: مناسك الحج، باب: الرمل في الحج والعمرة.
(٥) «السنن الكبرى» ٥/ ٨١ كتاب: الحج، باب: الرمل في الطواف في الحج والعمرة.



وهو من أفراده، وكذلك قول عمر.
الثالث: حديث ابن عمر: مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ مُنْذ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَسْتَلِمُهُمَا.
قُلْتُ لِنَافِعٍ: أَكَانَ ابن عُمَرَ يَمْشِي بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ؟ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَمْشِي ليَكُونَ أَيْسَرَ لاِسْتِلَامِهِ.
واعترض الإسماعيلي فقال: هذا الحديث ليس من هذا الباب في شيء. قلتُ: لا فإن مشيه بين الركنين يؤذن أنه يرمل فيما عداه، وقد أسلفنا اختلاف العلماء في مشروعية الرمل الآن، ونقلنا أن المشهور عن المالكية أنه لا دم بتركه، وهو المشهور عن ابن عباس، وبه قَالَ عطاء وأبو حنيفة والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وبوجوبه قَالَ الحسن والثوري. قَالَ ابن القاسم: ورجع عنه مالك (١).
وروى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وابن القاسم أن عليه الدم في قليل ذَلِكَ وكثيره. واحتج بقول ابن عباس: من ترك من نسكه شيئًا فعليه دم، وفيه نظر؛ لأن المشهور عن ابن عباس أن من شاء
رمل، ومن شاء لم يرمل، ومذهبه أنه لا شيء عليه في تركه.
وقال الطبري: قد ثبت أن الشارع رمل، ولا مُشرك يومئذٍ بمكة يراءى الرمل، فكان معلومًا أنه من مناسك الحج، غير أنا لا نرى عَلَى من تركه عامدًا ولا ساهيًا قضاءً ولا فدية؛ لأن من تركه فليس بتارك لعمل، وإنما هو تارك منه لهيئة وصفة كالتلبية التي فيها الحج، ورفع الصوت، فإن خفض صوته بها كان غير مضيع لها ولا تاركها، وإنما ضيع صفة من صفاتها، ولا شيء عليه.

------------
(١) سبق تخريج المسألة.


فرع:
قام الإجماع عَلَى أنه لا رمل عَلَى من أحرم بالحج من مكة من غير أهلها؛ لأنهم رملوا حين دخولهم مكة حين طافوا للقدوم (١)، واختلفوا في أهل مكة هل عليهم رمل؟
فكان ابن عمر لا يراه عليهم، وبه قَالَ أحمد (٢)، واستحبه مالك
والشافعي للمكي (٣)، وعلة الأول أنه من سنة القادم، وليس المكي بقادم، وعلة من استحبه للمكي في طواف الإفاضة؛ لأنه طواف ينوب عن طواف القدوم والإفاضة، فاستحب له؛ ليأتى بسنة هي في أحد الطوافين، فتتم له السنة في ذَلِكَ، كما أنه يسعى فيه، وغيره لا يسعى، إلا في طواف القدوم، كذا وقع في ابن بطال (٤)، ولم نسلم له.

-------------
(١) انظر «الاستذكار» ١٢/ ١٤٠، «الإقناع» لابن القطان ٢/ ٨٢٧.
(٢) انظر «المستو عب» ٤/ ٢٢٣، «المغني» ٥/ ٢٢١، «المبدع» ٣/ ٢١٨.
(٣) انظر «النوادر والزيا دات» ٢/ ٣٧٦، «الاستذكار» ١٢/ ١٤٠، «روضة الطالبين» ٣/ ٨٦، «العزيز» ٣/ ٤٠٣.
(٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٨٨ - ٢٨٩.



٥٨ - باب اسْتِلَامِ الرُّكْنِ بِالمِحْجَنِ
١٦٠٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، وَيَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ. تَابَعَهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمِّهِ. [١٦١٢، ١٦١٣، ١٦٣٢، ٥٢٩٣ - مسلم: ١٢٧٢ - فتح: ٣/ ٤٧٢]
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، وَيَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَا: ثَنَا ابن وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ. تَابَعَهُ الدَّرَاوَرْديُّ، عَنِ ابن أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمِّهِ.
هذا الحديث رواه مسلم عن أبي الطاهر وحرملة عن ابن وهب به (١)، وخالف ابن وهب الليثَ وأسامةَ، وزمعة، فرووه عن الزهري.
قَالَ: بلغني عن ابن عباس. والمتابعة أخرجها الإسماعيلي عن الحسن، ثَنَا محمد بن عباد المكي، ثَنَا عبد العزيز بن محمد، عن ابن أخي الزهري، عن عمه، عن عبيد الله، عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - طاف بالبيت؛ يستلم الركن بمحجن معه.
وأخرجه مسلم من حديث أبي الطفيل (٢) وجابر (٣) وعائشة (٤)،

----------
(١) «صحيح مسلم» (١٢٧٢) كتاب: الحج، باب: جواز الطواف على بعير وغيره واستلام الحجر بمحجن ونحوه للراكب.
(٢) «صحيح مسلم» (١٢٧٥) كتاب: الحج، باب: جواز الطواف على بعير وغيره واستلام الحجر بمحجن ونحوه للراكب.
(٣) «صحيح مسلم» (١٢٧٣).
(٤) «صحيح مسلم» (١٢٧٤).



وأبو داود من حديث صفية بنت شيبة (١).
وأخرجه الحاكم من حديث قدامة بن عبد الله وقال: صحيح عَلَى شرط البخاري (٢).
وأما حكم الباب فإذا عجز عن تقبيل الحجر استلمه بيده أو بعصا كما ذكر في الحديث، ثم قبل ما استلم به كما في صحيح مسلم من حديث أبي الطفيل السالف.
قَالَ القاضي عياض: وانفرد مالك عن الجمهور فقال: لا يقبل يده (٣). وأصح الأوجه عندنا أن التقبيل بعد الاستلام، وثانيها: قبله، وكأنه ينقل القبلة إليه، وثالثها: يتخير، فإن عجز عن الاستلام أشار بيده (٤)؛ لما سيأتي من حديث ابن عباس، وكذا بما في يده، ولا يشير إلى القبلة بالفم؛ لأنه لم يُنْقَل ويراعي ذَلِكَ في كل طوفة، فإن لم يفعل فلا شيء عليه.
والمحجن: عصا محنية الرأس أي: معوجة، وكل معطوف معوج كذلك، وهو شبيه الصولجان (٥).
وقوله: يستلم. يعني: يصيب السلم، والسلام الحجر، وإنما يستلم يستفعل منه.

------------
(١) «سنن أبي داود» (١٨٧٨) كتاب: المناسك، باب: الطواف الواجب.
وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (١٦٤١).
(٢) «المستدرك» ١/ ٤٦٦.
(٣) «إكمال المعلم» ٤/ ٣٤٤ وانظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٧٤، «المعونة» ١/ ٣٦٧، «الذخيرة» ٣/ ٢٣٦.
(٤) انظر «الأم» ٢/ ١٤٦، «البيان» ٤/ ٢٨٤، «روضة الطالبين» ٣/ ٨٥.
(٥) انظر: «النهاية في غريب الحديث» ١/ ٣٤٧، و«لسان العرب» ٢/ ٧٩١.



قَالَ ابن بطال: واستلامه بالمحجن يحتمل أن يكون لشكوى به (١).
وقد أخرجه أبو داود، وفي مسلم من حديث عائشة مُعَلِلًا كراهة أن يصرف عنه الناس فيؤذيهم بالمزاحمة (٢)، ويحتمل أيضًا غيره مما ستعلمه.
قلتُ: والظاهر أنه للعجز عن التقبيل. قَالَ المهلب: واستلامه به يدل عَلَى أن استلام الركن ليس بفرض، وإنما هو سنة، ألا ترى قول عمر: لولا أني رأيت رسول الله - ﷺ - قبَّلك ما قبلتك. وأما طوافه راكبًا؛ لبيان الجواز وللاستفتاء، وقد ترجم البخاري كما سيأتي قريبا: الطواف راكبًا، وذكر حديث ابن عباس وزينب بنت أم سلمة (٣)، ولأبي داود: أنه قدم مكة وهو مشتك فطاف عَلَى راحلته (٤)، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد (٥). وقال عبدان: الوجه في طوافه راكبًا أنه كان في طواف الإفاضة. وعن طاوس: أنه - ﷺ - أمر أصحابه أن يهجروا بالإفاضة، وأفاض في نسائه ليلًا فطاف عَلَى راحلته (٦).
وقال أصحابنا: والأفضل أن يطوف ماشيًا ولا يركب إلا لعذر بمرض أو نحوه، أو كان ممن يحتاج إلى ظهوره، ليستفتى ويقتدى، فإن كان لعذر جاز بلا كراهة، لكنه خلاف الأولى. وقال إمام

-------------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٨٩.
(٢) سبق تخريجهما.
(٣) يأتيا برقم (١٦٣٢ - ١٦٣٣).
(٤) «سنن أبي داود» (١٨٨١) كتاب: المناسك، باب: الطواف الواجب.
(٥) لذا ضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٢٧) قائلًا: يزيد بن أبي زياد مولاهم، لا يحتج به.
(٦) رواه البيهقي ٥/ ١٠١ كتاب: الحج، باب: الطواف راكبًا.



الحرمين: في النفس من إدخال البهيمة التي لا يؤمن تلويثها المسجد شيء، فإن أمكن الاستيثاق فذاك، وإلا فإدخالها المسجد مكروه (١).
وجزم جماعة من أصحابنا بكراهة الطواف راكبًا من غير عذر، ومنهم: الماوردي، والبندنيجي، وأبو الطيب، والعبدري، والمشهور الأول (٢). والمرأة والرجل في ذَلِكَ سواء، والمحمول عَلَى الأكتاف كالراكب، وبه قَالَ أحمد وداود وابن المنذر (٣). وطوافه زحفًا عندنا مكروه (٤). وقال أبو حنيفة ومالك والليث: إن طاف راكبًا لعذر أجزأه ولا شيء عليه، وإن كان لغير عذر فعليه دم، وإن كان بمكة أعاد الطواف، واعتذر عن ركوب النبي - ﷺ - بما سلف (٥).
وفي مسلم من حديث جابر: طاف النبي - ﷺ - بالبيت في حجة الوداع عَلَى راحلته يستلم الركن بمحجنه؛ لأن يراه الناس، وليشرف وليسألوه، فإن الناس غشوه (٦).
وفيه من حديث ابن عباس: كثر عليه الناس، يقولون: هذا محمد، حتى خرج العواتق من الخدور وكان - عليه السلام - لا يعرف، فلمَّا كثر عليه ركب (٧).

------------
(١) انظر: «المجموع» ٨/ ٣٧.
(٢) انظر «الأم» ٢/ ١٤٨، «البيان» ٤/ ٢٨١، «روضة الطالبين» ٣/ ٨٤.
(٣) انظر «المستوعب» ٤/ ٢١٣، «المغني» ٥/ ٢٥٠، «المبدع» ٣/ ٢١٨.
(٤) انظر «المجموع» ٨/ ٣٨، «نهاية المحتاج» ٣/ ٢٨٣ «طرح التثريب» ٥/ ١٠٠.
(٥) انظر «المبسوط» ٤/ ٤٤، «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ٥١٤، «الاستذكار» ١٢/ ١٨٦، «الذخيرة» ٣/ ٢٤٦.
(٦) «صحيح مسلم» (١٢٧٣).
(٧) مسلم (١٢٦٤).



وفيه من حديث عائشة طاف النبي - ﷺ - في حجة الوداع حول الكعبة عَلَى بعيره، ليستلم الناس كراهية أن يصرف عنه الناس (١).
فرع:
ينبغي للراكب أن يبعد بحيث لا يؤذى، فإن أُمن قرب كما فعل - ﷺ -.
فائدة:
في الحديث رد عَلَى من كره تسمية حجة رسول الله - ﷺ - حجة الوداع، والمنكر غالط (٢)، واستدل به من يرى بطهارة بول وروث ما يؤكل لحمه. خلافًا للشافعي وأبي حنيفة (٣).
قَالَ المهلب: وفيه أنه لا يجب أن يطوف أحد في وقت صلاة الجماعة إلا من وراء الناس، ولا يطوف بين المصلين وبين البيت فيشغل الإمام والناس ويؤذيهم كما في حديث أم سلمة. وأن ترك أذى المسلم أفضل من صلاة الجماعة، كما قَالَ: «من أكل هذِه الشجرة فلا يقربن مساجدنا» (٤) (٥).

-------
(١) مسلم (١٢٧٤).
(٢) انظر «المجموع» ٨/ ٢٦٨.
(٣) انظر «شرح معاني الآثار» ١/ ١٠٨، «المبسوط» ٦/ ٤٧، «بدائع الصنائع» ١/ ٦١، «إحكام الأحكام» ٣/ ٤٨، «نيل الأوطار» ٣/ ٣٨٣.
(٤) سلف برقم (٨٥٣) كتاب: الأذان، باب: ما جاء في الثوم النيئ والبصل والكراث، ورواه مسلم (٥٦٣) كتاب: المساجد، نهى من أكل ثومًا أو بصلًا.
(٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في التاسع بعد العشرين، كتبه مؤلفه.



٥٩ - باب مَنْ لَمْ يَسْتَلِمْ إِلَّا الرُّكْنَين اليَمَانِيَين
١٦٠٨ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ يَتَّقِي شَيْئًا مِنَ البَيْتِ؟ وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: إِنَّهُ لَا يُسْتَلَمُ هَذَانِ الرُّكْنَانِ. فَقَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ البَيْتِ مَهْجُورًا، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما يَسْتَلِمُهُنَّ كُلَّهُنَّ. [فتح: ٣/ ٤٧٣]

١٦٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنهما قَالَ: لَمْ أَرَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَسْتَلِمُ مِنَ البَيْتِ إِلاَّ الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ.
[انظر: ١٦٦ - مسلم: ١١٨٧ - فتح: ٣/ ٤٧٣]
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ (١): أَنَا ابن جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ يَتَّقِي شَيْئًا مِنَ البَيْتِ؟ وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ كلها، فَقَالَ لَهُ ابن عَباسٍ: إِنَّهُ لَا يُسْتَلَمُ هَذَانِ الرُّكْنَانِ. فَقَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ البَيْتِ مَهْجُورًا، وَكَانَ ابن الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما يَسْتَلِمُهُنَّ كُلَّهُنَّ.
ثم ذكر حديث سالم عن أبيه قال: لَمْ أَرَ النَّبِيِّ - ﷺ - يَسْتَلِمُ مِنَ البَيْتِ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ اليَمَانيِيْنِ
الشرح:
هذا التعليق أسنده الإمام أحمد من وجه آخر فقال: حَدَّثَنَا عبد الرازق، ثَنَا معمر والثوري ح. وحَدَّثنَا روح، ثَنَا الثوري، عن ابن

-----------
(١) وقع في الأصل في المتن: زكرياء، وبالهامش تعليق: كذا، صوابه محمد بن بكر، وكذا هو في أصلنا وهو البرساني.


خثيم، عن أبي الطفيل قَالَ: كنت مع ابن عباس ومعاوية، فكان معاوية لا يمر بركن إلا استلمه، فقال له عبد الله، الحديث (١)، وحَدَّثَنَا روح، ثَنَا سعيد وعبد الوهاب، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي الطفيل (٢). وحَدَّثَنَا مروان بن شجاع، حَدَّثَني خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس فذكره (٣). وأخرجه مسلم من حديث عمرو بن الحارث، عن قتادة، دون قصة معاوية، بلفظ: لم أر رسول الله - ﷺ - يستلم غير الركنين اليمانيين (٤). وفي «سؤالات عبد الله بن أحمد»: ثَنَا أبي، ثَنَا يحيى بن سعيد، عن شعبة، حَدَّثَني قتادة، عن أبي الطفيل قَالَ: حج معاوية وابن عباس، فجعل ابن عباس يستلم الأركان كلها، فقال معاوية: إنما استلم رسول الله - ﷺ - هذين الركنين الأيمنين، فقال ابن عباس: ليس من أركانه شيء مهجور. وقال حنبل: سمعتُ أبا عبد الله يقول: شعبة قلب حديث معاوية وابن عباس، قلب الفعل والكلام قَالَ: وقال شعبة: الناس يخالفوني في هذا الحديث، ولكني سمعته من قتادة هكذا.
وأما أثر ابن الزبير فأخرجه ابن أبي شيبة، عن عبد الأعلى، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه أنه رأى ابن الزبير استلم الأركان كلها، وقال: إنه ليس شيء منه مهجور (٥).
ورواه الشافعي في «مسنده»: أخبرنا سعيد، أنا موسى الربذي، عن

-----------
(١) «المسند» ١/ ٣٧٢.
(٢) «مسند أحمد» ١/ ٣٧٢.
(٣) «مسند أحمد» ١/ ٢١٧.
(٤) «صحيح مسلم» (١٢٦٩) باب: استحباب استلام الركنين اليمانيين .....
(٥) «المصنف» ٣/ ٣٤٨ (١٤٩٩١) كتاب: المناسك، باب: فيما يستلم من الأركان.



محمد بن كعب، أن ابن عباس كان يمسح عَلَى الركنين: اليماني والحجر، وكان ابن الزبير يمسح الأركان كلها ويقول: لا ينبغي لبيت الله أن يكون شيء منه مهجورًا، وكان ابن عباس يقول: لقد كان لكم في رسول الله - ﷺ - أسوة حسنة (١).
وأما حديث ابن عمر فأخرجه مسلم أيضًا (٢). ولابن أبي شيبة من حديث ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن يعلق بن أمية، ورآه عمر يستلم الأركان كلها: يا يعلى ما تفعل؟ قَالَ: أستلمها كلها؛ لأنه ليس شيء من البيت يهجر. فقال عمر: أما رأيت رسول الله - ﷺ - يستلم منها إلا الحجر؟ قَالَ يعلى: بلى. قَالَ: فما لك به أسوة؟ قَالَ: بلى، ثم روى عن مجاهد قَالَ: الركنان اللذان يليان الحجر لا يستلمان (٣).
وعن عطاء قَالَ: أدركت مشيختنا: ابن عباس وجابر وأبا هريرة وعبيد بن عمير، لا يستلمون غيرهما من الأركان، يعني: الأسود واليماني، وممن كان يستلم الأركان كلها بإسناد جيد: سويد بن غفلة، وجابر بن زيد، وعروة بن الزبير (٤)، زاد ابن المنذر: وجابر بن عبد الله والحسن والحسين وأنس. قَالَ: وقال أكثر أهل العلم: لا يسن استلامها، يعني: الركنين الشاميين.

------------
(١) «مسند الشافعي» ١/ ٣٤٤ (٨٨٨) كتاب: الحج، باب: فيما يلزم الحاج بعد دخول مكة.
(٢) «صحيح مسلم» (١٢٦٧) كتاب: الحج، باب: استحباب استلام الركنين اليمانيين.
(٣) «المصنف» ٣/ ٣٤٨ (١٤٩٨٧، ١٤٩٩١) كتاب: الحج، باب: فيما يستلم من الأركان.
(٤) «المصنف» ٣/ ٣٤٨ - ٣٤٩ (١٤٩٨٥ - ١٤٩٨٦، ١٤٩٩٢ - ١٤٩٩٣).



وقال الشافعي: إذا استلم الحجر واليماني استحب له أن يقبله بعد استلامهما، وقد سلف ما فيه (١).
وفي البيهقي مضعفًا من حديث جابر أن النبي - ﷺ - استلم الحجر وقبله، واستلم الركن اليماني وقبل يده. ومن حديث ابن عباس: كان - ﷺ - إذا استلم الركن اليماني قبله ووضع خده عليه. وقال: لا يثبت مثله. تفرد به عبد الله بن مسلم بن هرمز، وهو ضعيف (٢).
وقال الشافعي في «مسنده»: أنا سعيد، عن ابن جريج: قلتُ لعطاء: هل رأيت أحدًا من الصحابة إذا استلموا قبلوا أيديهم؟ فقَالَ: نعم رأيت جابر بن عبد الله وابن عمر وأبا سعيد وأبا هريرة إذا استلموا قبلوا أيديهم، قلتُ: وابن عباس؟ قَالَ: نعم، قلت: هل تدع أنت إذا استلمت لأن تُقبل يدك؟ قال: فلم أستلمه إذًا (٣)؟!
وأجاب الشافعي عن قول معاوية فقال: لم يدع أحد استلامهما هجرًا للبيت، ولكنا نستلم ما استلمه رسول الله - ﷺ -، ونمسك عما أمسك عنه، وجمهور الصحابة عَلَى أنهما لا يستلمان ولا يُقبلان، وأما اليماني الذي لا حجر فيه، فيستلم ولا يُقبل (٤).

-------------
(١) فيه نظر؛ فقد قال الشافعي في «الأم»: «وأحب أن يقبل الحجر الأسود وإن استلمه بيده قبل يده وأحب أن يستلم الركن اليماني بيده ويقبلها ولا يقبله لأني لم أعلم أحدا روى عن النبي - ﷺ - أنه قبل إلا الحجر الأسود وإن قبله فلا بأس به». «الأم» ٢/ ١٤٥.
(٢) «السنن الكبرى» ٥/ ٧٦ كتاب: الحج، باب: استلام الركن اليماني بيده.
(٣) «مسند الشافعي» ١/ ٣٤٣ (٨٨٦) كتاب: الحج، باب: فيما يلزم الحاج بعد دخول مكة إلى فراغه من مناسكه.
(٤) «الأم» ٢/ ١٤٧.



وروى الدارقطني من حديث ابن عباس أنه - ﷺ - كان يُقبل اليماني ويضع خدَّه عليه (١). ورواه الحاكم أيضًا في «مستدركه» بلفظ: أنه قبَّله ووضع خده عليه، ثم قَالَ: هذا حديث صحيح الإسناد (٢). ورواه البخاري في «تاريخه» بلفظ: أنه كان إذا استلم الركن اليماني قبله (٣).
وأما البيهقي فضعفه كما سلف، ثم قَالَ: والأخبار عن رسول الله - ﷺ - إلى ابن عباس في تقبيل الحجر الأسود والسجود عليه، إلا أن يكون أراد بالركن اليماني الحجر الأسود، فإنه أيضًا يسمى بذلك فيكون موافقًا لغيره (٤).
وفي «البدائع» من كتب الحنفية: لا خلاف أن تقبيل الركن اليماني ليس بسنة (٥)، وقال في «الأصل»: إن استلمه فحسن، وإن تركه لا يضره، هذا عند أبي حنفية، وقال محمد: يستلمه ولا يتركه (٦)، وفي «المحيط»: يستلمه ولا يقبله، وعن محمد: يستلمه ويقبله، وعنه: يُقبل يده ولا يستلم الركنين الباقيين عند أئمة الحنفية؛ لأن الأولين عَلَى القواعد.
وقال الخرقي: الصحيح عن أحمد أنه لا يقبل الركن اليماني. قَالَ ابن قدامة: وهو قول أكثر أهل العلم (٧).
وزعم ابن المنير أن اختصاص الركن مرجح بالسنة، ومستند التعميم الرأي والقياس، وهو قول معاوية السالف، وهذا يُقال بموجبه وليس

------------
(١) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٩٠ كتاب: الحج، باب: المواقيت.
(٢) «المستدرك» ١/ ٤٥٦ كتاب: الحج.
(٣) «التاريخ الكبير» ١/ ٢٩٠ ترجمة (٩٣٠).
(٤) «السنن الكبرى» ٥/ ٧٦.
(٥) «بدائع الصنائع» ٢/ ١٤٧.
(٦) «الأصل» ٢/ ٤٠٥.
(٧) انظر: «المغني» ٥/ ٢٢٦، وذكر قول الخرقي.



ترك الاستلام هجرانًا، وكيف يهجرها وهو يطوف، فالحجة مع ابن عمر وغيره (١).
وفي كتاب الحميدي من حديث النخعي عن عائشة مرفوعًا: «ما مررت بالركن اليماني قط إلا وجدت جبريل قائمًا عنده» ومن حديث الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله بزيادة: «فيقول: يا محمد، ادن فاستلم» وفي حديث أبي هريرة: «وكَّل الله به سبعين ألف ملك» وفي حديث ابن عمر مرفوعًا: «مسحهما كفارة للخطايا». رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد عَلَى ما بينته من حال عطاء بن السائب (٢)، وكذا قَالَ الطحاوي: إنما لم يستلم إلا اليمانيين؛ لأنهما مبنيان عَلَى منتهى البيت مما يليهما بخلاف الآخرين؛ لأن الحجر وراءهما وهو من البيت، وقام الإجماع عَلَى الأولين (٣)، ومنهم الأربعة وإسحاق، وقد نزع ابن عمر بذلك، حيث قالت له عائشة كما سلف في باب فضل مكة.
وروي عن أنس وجابر ومعاوية وابن الزبير وعروة: أنهم كانوا يستلمون الأركان كلها كما سلف والحجة عند الاختلاف في السنة وكذلك قال ابن عباس لمعاوية حين قال له معاوية: ليس شيءٌ من البيت مهجورًا قال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة وقال ابن التين: إنما كان ابن الزبير يستلمهن كلهن (٤)؛ لأنه

-----------
(١) «المتواري» ص ١٤٠ - ١٤١.
(٢) «المستدرك» ١/ ٤٨٩ كتاب: المناسك.
(٣) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٨٤.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤٨ - ٣٤٩ (١٤٩٩٠ - ١٤٩٩٣)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٨٣ - ١٨٤.



استوفي القواعد، والذي في «الموطأ» أنه عروة بن الزبير (١).
وقال الداودي: جعلهما عوضًا من الركنين الذين بقيا في الحجر،
قَالَ: وظن معاوية أنهما هما ركنا البيت الذي وضع عليه من أول.

------------
(١) «الموطأ» ص ٢٤٠ كتاب: المناسك، باب: الاستلام في الطواف بالبيت.


٦٠ - باب تَقْبِيلِ الحَجَرِ
١٦١٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا وَرْقَاءُ، أَخْبَرَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ - رضي الله عنه - قَبَّلَ الحَجَرَ وَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ. [انظر: ١٥٩٧ - مسلم: ١٢٧٠ - فتح: ٣/ ٤٧٥]

١٦١١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ اسْتِلَامِ الحَجَرِ. فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ. قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتُ؟ أَرَأَيْتَ إِنْ غُلِبْتُ؟ قَالَ: اجْعَلْ أَرَأَيْتَ بِاليَمَنِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ. [انظر: ١٦٠٦ - مسلم: ١٢٦٨ - فتح: ٣/ ٤٧٥]
ذكر فيه حديث زيد بن أسلم عن أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قَبَّلَ الحَجَرَ وَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ.
وحديث حماد عن الزبير بن عربي سَأَلَ رَجُلٌ ابن عُمَرَ عَنِ اسْتِلَامِ الحَجَرِ. فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتُ؟ أَرَأَيْتَ إِنْ غُلِبْتُ؟ قَالَ: اجْعَلْ أَرَأَيْتَ بِاليَمَنِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ.
الشرح:
الحديث الأول أخرجه مسلم من طريق ابن عمر أيضًا (١)، والثاني من أفراد البخاري، وروى الزبير هذا الحديث فقط، وفي بعض نسخه: قَالَ الفربري وجدت في كتاب أبي جعفر: قَالَ أبو عبد الله: الزبير بن عربي بصري، والزبير بن عدي كوفي وعند الترمذي من غير رواية الكروخي: الزبير هذا هو ابن عربي روى عنه حماد بن زيد،

-----------
(١) «صحيح مسلم» (١٢٧٠) باب: استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف.


والزبير بن عدي كوفي يكنى أبا سلمة قلت: يروي عن أنس وذكر البخاري وابن أبي حاتم وغيرهما أن أبا سلمة كنية الزبير بن عربي، والزبير بن عدي كنيته أبو عدي (١)، ولمَّا. ذكر أبو داود هذا الحديث من رواية، حماد ثَنَا الزبير بن عربي. الحديث وفيه: اجعل أرأيت مع ذَلِكَ الكوكب (٢). وقال الجياني: وقع في نسخة الأصيلي عن أبي أحمد: الزبير بن عدي -بدال مهملة- وهو وهم، وصوابه: عربي -بباء موحدة- وكذا رواه سائر الرواة عن الفربري (٣).
وفقه الباب سلف.

-----------
(١) «التاريخ الكبير» ٣/ ٤١٠ (١٣٦١، ١٣٦٣)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٥٧٩ - ٥٨٠ (٢٦٣٢ - ٢٦٣٣)، وانظر: «تهذيب الكمال» ٩/ ٣١٥، ٣١٨ (١٩٦٩ - ١٩٧٠).
(٢) «مسند أبي داود الطيالسي» ٣/ ٣٩٠ (١٩٧٦).
(٣) «تقييد المهمل» ٢/ ٦٠٨.



٦١ - باب مَنْ أَشَارَ إِلَى الرُّكْنِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ
١٦١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ. [انظر: ١٦٠٧ - مسلم: ١٢٧٢ - فتح: ٣/ ٤٧٦]
ذكر فيه حديث ابن عباس: طَافَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ.
وقد سلف بفقهه.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #322  
قديم يوم أمس, 06:08 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,828
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (11)
من صـــ 391 الى صـــ 410
الحلقة (322)






٦٢ - باب التَّكْبِيرِ عِنْدَ الرُّكْنِ
١٦١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ. تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ. [انظر: ١٦٠٧ - مسلم: ١٢٧٢ - فتح: ٣/ ٤٧٦]
ذكر فيه حديث مسدد: ثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: طَافَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ. تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ.
هذا الحديث من أفراده، وُيستحب أن يقول أول طوافه وهو حالة استلام الحجر: باسم الله والله أكبر. ويُستحب أيضًا في كل طوفة. نعم، في الأولى آكد.
وقال ابن بطال: التكبير عند الركن دون استلام لا يُفعل اختيارًا، وإنما يفعل؛ لعذر مرض أو زحام الناس عند الحجر (١). وسلف حكم الطواف راكبًا.

---------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٩٣.


٦٣ - باب مَنْ طَافَ بِالبَيْتِ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا.
١٦١٤ و١٦١٥ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ذَكَرْتُ لِعُرْوَةَ، قَالَ: فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ رضي الله عنها أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رضي الله عنهما مِثْلَهُ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ - رضي الله عنه - فَأَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ، ثُمَّ رَأَيْتُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ يَفْعَلُونَهُ، وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا.
الحديث ١٦١٤ - [١٦٤١ - مسلم: ١٢٣٥ - فتح: ٣/ ٤٧٧]
الحديث ١٦١٥ - [١٦٤٢، ١٧٩٦ - مسلم: ١٢٣٥ - فتح: ٣/ ٤٧٧]

١٦١٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَأ أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا طَافَ فِي الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ سَعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. [انظر: ١٦٠٣ - مسلم: ١٦٢١ - فتح: ٣/ ٤٧٧]

١٦١٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا طَافَ بِالبَيْتِ الطَّوَافَ الأَوَّلَ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَيَمْشِي أَرْبَعَةً، وَأَنَّهُ كَانَ يَسْعَى بَطْنَ المَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. [انظر: ١٦٠٣ - مسلم: ١٢٦١ - فتح: ٣/ ٤٧٧]
ذكر فيه حديث محمد بن عبد الرحمن: ذَكَرْتُ لِعُرْوَةَ، قَالَ: فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ أَوَّلَ شَيءٍ يدأه بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ .. الحديث.


وحديث ابن عمر: أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ إذا طَافَ فِي الحَجِّ أَوِ العُمْرَة أَوَّلَ ما يَقْدَمْ سَعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطوُفُ بَيْنَ الصَفَا وَالمَرْوَةِ.
وحديثه أيضًا: كَانَ إِذَا طَافَ بِالبَيْتِ الطَّوَافَ الأَوَّلَ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَشواط، وَيَمْشِى أَرْبَعَةً، وَأَنَّهُ كَانَ يَسْعَى بَطْنَ المَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ.
الشرح:
أما الحديث الأول: فقوله: (ذكرته لعروة)، فالبخاري اختصره من حديث طويل، وأخرجه مسلم من حديث عمرو، عن محمد بن عبد الرحمن، أن رجلًا من أهل العراق قَالَ له: سل عروة عن رجل مهل بالحج، فإذا طاف بالبيت أيحل أم لا؟ فإن قَالَ: لا يحل، فقل له: إن رجلًا يقول ذَلِكَ. ثم ساقه بطوله (١).
وأما حديث ابن عمر فقد سلف بعضه (٢)، وهو في مسلم أيضًا (٣).
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
أول الحديث قول عائشة إلى قوله: (ثم حج أبو بكر وعمر مثله)، وقوله: (ثم حَججت مع أبي الزبير) إلى آخره. لعروة بن الزبير ومذهبه الإفراد؛ لأنه قَالَ عن عائشة: إنها لم تكن عمرة، ففيه حجة (علي) (٤) عليها، فيما ذكرت أنه - ﷺ - فسخ، إلا أن يؤول أنه أمر به أو يكون

-----------
(١) «صحيح مسلم» (١٢٣٥) باب: ما يلزم من طاف بالبيت …
(٢) برقم (١٦١٦).
(٣) «صحيح مسلم» (١٢٦١) باب: استحباب الرمل في الطواف والعمرة ..
(٤) كذا صورتها في الأصل ولعلها زائدة.



وهمًا من المحدث عنها.
وقوله: (ثم حججت مع أبي الزبير) كذا لأبي الحسن، ولأبي ذر: مع ابن الزبير. والصواب الأول، والضمير عائد إلى عروة، أي: أنه حج مع والده الزبير، فافهمه.
ثانيها:
غرض البخاري في هذا الباب: أن يبين أن سنة من قدم مكة حاجًّا أو معتمرًا، أن يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، فإن كان معتمرًا حل وحلق، وإن كان حاجًّا ثبت عَلَى إحرامه، حَتَّى يخرج إلى منى يوم التروية لعمل حجه، وكذلك قَالَ العلماء: إذا دخل مكة فلا يبدأ بشيء قبل الطواف للاتباع، أو لأنه تحية المسجد الحرام (١).
واستثنى الشافعي من هذا، المرأة الجميلة والشريفة التي لا تبرز للرجال، فيُستحب لها تأخيره ودخول المسجد ليلًا؛ لأنه أستر لها وأسلم من الفتنة (٢).
فرع:
الابتداء بالطواف مستحب لكل داخل وإن لم يكن محرمًا، إلا إذا خاف فوت مكتوبة أو سنة راتبة أو مؤكدة أو جماعة مكتوبة، وإن وسع الوقت أو كان عليه فائتة، فإنه يقدم ذَلِكَ كله عَلَى الطواف، ثم يطوف.

-----------------
(١) «تبيين الحقائق» ٢/ ١٥، «حاشية رد المحتار» ٢/ ٤٩٢، ٤٩٣، «المدونة» ١/ ٣١٣، «الفروع» ٣/ ٤٩٥، ٤٩٦، «المبدع» ٣/ ٢١٣، «كشاف القناع» ٢/ ٤٧٧.
(٢) «الأم» ٢/ ١٤٥، انظر «البيان» ٤/ ٢٧٣، «المجموع» ٨/ ١٤، ١٥.



الثالث:
فيه مطلوبية الوضوء للطواف، واختلفوا هل هو واجب أو شرط؟ فعند أبي حنيفة أنه ليس بشرط، فلو طاف عَلَى غير وضوء صح طوافه، فإن كان ذَلِكَ للقدوم فعليه صدقة، وإن كان طواف الزيارة فعليه شاة (١).
الرابع:
قوله: (ثم لم تكن عمرة).
كذا هو في البخاري بعين مهملة من الاعتمار قالوا: وهذا هو الصحيح، ووقع في جميع روايات مسلم: (غيره) بالغين المعجمة ثم ياء وهو تصحيف كما قاله القاضي (٢)، وكأن السائل إنما سأله عن فسخ الحج إلى العمرة عَلَى مذهب من يراه، واحتج بأمر النبي - ﷺ - لهم في حجة الوداع. فأعلمه عروة أنه لم يفعل ذَلِكَ بنفسه ولا من جاء بعده. قَالَ: ويدل عَلَى صحة ذَلِكَ قوله في الحديث نفسه: وآخر من فعل ذَلِكَ ابن عمر ولم ينقضها بعمرة.
وأما النووي فقال: (غيره) صحيحة وليست تصحيفًا؛ لأن قوله: غيره يتناول العمرة وغيرها، والتقدير: ثم حج أبو بكر. فكان أول ما بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره أي: لم يغير الحج، ولم ينقله، ولم يفسخه إلى غيره، لا عمرة ولا قران (٣).
قَالَ القرطبي: وأفادهم ذَلِكَ أن طوافهم الأول لم يكن للعمرة بل للقدوم (٤).

---------
(١) «مختصر الطحاوي» ص ٦٤، «المبسوط» ٤/ ٣٨، ٣٩، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٢٩.
(٢) «كمال المعلم» ٤/ ٣١٤.
(٣) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٢٢١/ ٨.
(٤) «المفهم» ٣/ ٣٦٢.



وقال ابن بطال: قوله: ثم لم تكن عمرة يعني: أنه - ﷺ - طاف بالبيت، ثم لم يحل من حجه بعمرة من أجل الهدي، وكذلك أبو بكر وعمر افردا الحج، وقال ابن المنذر: سنَّ الشارع للقادمين المحرمين بالحج تعجيل الطواف، والسعي بين الصفا والمروة عند دخولهم، وفعل هو ذَلِكَ عَلَى ما روته عائشة وأمر من حل من أصحابه أن يحرموا إذا انطلقوا إلى منى، فإذا أحرم من هو منطلق إلى منى، فغير جائز أن يكون طائفًا وهو منطلق إلى منى. فدل هذا الحديث عَلَى أن من أحرم من مكة من أهلها أو غيرهم أن يؤخروا طوافهم وسعيهم إلى يوم النحر، بخلاف فعل القادمين؛ لتفريق السنة بين الفريقين، وأيضًا فإن هذا هو طواف القدوم، وليس من إنشاء الحج من مكة، واردًا بحجه عليها، فسقط بذلك عنهم تعجيله.
وكان ابن عباس يقول: يا أهل مكة، إنما طوافكم بالبيت وبين الصفا والمروة يوم النحر، وأما أهل الأمصار فإذا قدموا، وكان يقول: لا أرى لأهل مكة أن يحرموا بالحج حَتَّى يخرجوا، ولا أن يطوفوا بين الصفا والمروة حَتَّى يرجعوا، هذا قول ابن عمر وجابر. وقالوا: من أنشا الحج من مكة فحكمه حكم أهل مكة.
قَالَ ابن المنذر: هذا قول مالك وأهل المدينة وطاوس، وبه قَالَ أحمد وإسحاق، واختلف قول مالك فيمن طاف وسعى قبل خروجه، فكان يقول: يعيد إذا رجع ولا يجزئه طوافه الأول ولا سعيه، وقال أيضًا: إن رجع إلى بلاده قبل أن يعيد فعليه دم (١)، ورخصت طائفة في ذَلِكَ، ورأت المكي ومن دخل مكة إن طافا وسعيا قبل خروجهما، أن ذَلِكَ جائز، هذا قول عطاء والشافعي، غير أن عطاء كان يرى

--------
(١) «المدونة» ١/ ٣٠٢.


تأخيره أفضل، وقد فعل ذَلِكَ ابن الزبير، أهلَّ لما أهلَّ هلال ذي الحجة، ثم طاف وسعى وخرج، وأجازه القاسم بن محمد، وقال عطاء: منزلة من جاور بمنزله أهل مكة إن أحرم أول العشر، طاف حين يحرم، وإن أخَّرَ إلى يوم التروية أَخَّر الطواف إلى يوم النحر.
واختلفوا فيمن قَدم مكة فلم يطف حَتَّى أتى منى، فقالت طائفة: عليه دم، هذا قول أبي ثور، واحتج بقول ابن عباس: من ترك من نسكه شيئًا فليهرق لذلك دمًا. وحكى أبو ثور عن مالك أنه يجزئه طواف الزيارة لطواف الدخول والزيارة والصدر (١)، وحكى غيره عن مالك أنه إن كان مراهقًا فلا شيء عليه، فإن دخل غير مراهق فلم يطف حَتَّى مضى إلى عرفات، فإنه يهريق دمًا؛ لأنه فرط في الطواف حين قدم حَتَّى أتى إلى عرفات (٢)، وقال أبو حنيفة والشافعي وأشهب: لا شيء عليه إن ترك طواف القدوم (٣).
قَالَ ابن المنذر: أجمع أهل العلم عَلَى أن من ترك طواف القدوم وطاف للزيارة، ثم رجع إلى بلده، أن حجه تام، ولم يوجبوا عليه الرجوع كما أوجبوه عليه في طواف الإفاضة، فدل إجماعهم عَلَى ذَلِكَ أن طواف القدوم ليس بفرض، وفي وجهٍ بعيد عندنا: أنه يلزمه بتركه دم، فإن آخره ففي فواته وجهان حكاهما إمام الحرمين؛ لأنه يشبه تحية المسجد، وكان ابن عمر، وسعيد بن جبير ومجاهد والقاسم بن محمد لا يرون باسًا إذا طاف الرجل أول النهار أن يؤخر

--------------
(١) «المدونة» ١/ ٣١٧.
(٢) «المدونة» ١/ ٢٩٨.
(٣) «المبسوط» ٤/ ٣٤، «البناية» ٤/ ٨١، «البيان» ٢/ ٢٧٣، «المجموع» ٨/ ١٥، ١٦.



السعي حَتَّى يبرد (١)، وكذا قَالَ أحمد (٢) وإسحاق: إذا كانت به علة، وقال الثوري: لا بأس إذا طاف أن يدخل الكعبة، فإذا خرج سعى.
خامسها:
قوله: (وأخبرتني أمي أنها أهلت هي وأختها)، يُريد بأختها: عائشة، وأمه: أسماء رضي الله عنهما.
وقوله: (فلما مسحوا الركن حلوا)، يريد: بعد أن سعوا بين الصفا والمروة؛ لأن العمرة إنما هي الطواف والسعي، ولا يحل من قدم مكة بأقل من هذا، فخشي البخاري أن يتوهم متوهم أن قوله: لما مسحوا الركن حلوا أن العمرة إنما هي الطواف بالبيت فقط، فإن المعتمر يحل به دون السعي، وهو مذهب ابن عباس، وروي عنه أنه قَالَ: العمرة الطواف، وقال به إسحاق بن راهويه، ويمكن أن يحتج من قَالَ هذا بقراءة ابن مسعود: (وأتموا الحج والعمرة إلى البيت). أي: أن العمرة لا يجاوز بها البيت، فأراد البخاري بيان فساد هذا التأويل بما أردف في آخر الباب من حديث ابن عمر: أنه - ﷺ - كان إذا قدم مكة للحج أو العمرة طاف بالبيت وسعى. وعلى هذا جماعة فقهاء الأمصار (٣).
وقال ابن التين: يُريد بالركن ركن المروة، وأما ركن البيت فلا يحل بمسحه حتى يسعى، ولا بأس بما ذكره، ثم قَالَ: إن كان يريد أنها أخبرته عن حجة الوداع فغلط؛ لأن عائشة لم تدخل بعمرة، وكان

-------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٤١ (١٣٩٢٢) كتاب: الحج، باب: في التفريق بين الطواف والسعي.
(٢) انظر «المغني» ٥/ ٢٤٠.
(٣) انتهى من «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٩٥ - ٢٩٧.



الزبير وأسماء ممن فسخ الحج في عمرة ذَلِكَ العام، وإن كان غيَّرها بعد رسول الله - ﷺ - فلعلة، وهذا قليل.
سادسها:
في حديث ابن عمر: أنه بعد أن سجد سجدتين سعى بين الصفا والمروة.
وثبت في «صحيح مسلم» من حديث جابر الطويل: أنه - ﷺ - لما فرغ من ركعتي الطواف رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا والسعي بينهما سبعًا، ذهابه من الصفا إلى المروة مرة، وعوده منها إلى الصفا أخرى، وهكذا سبعًا يبدأ بالصفا ويختم بالمروة (١)، وقيل إن الذهاب والإياب مرة واحدة، قَالَه ابن بنت الشافعي، وأبو بكر الصيرفي من أصحابنا.
وقوله: وكان يسعى ببطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة، هذا هو المشهور من فعله - ﷺ - وعليه جماعة الفقهاء.
وروي عن ابن عمر التخيير في ذَلِكَ وقال: إن مشيتهُ فقد رأيت النبي - ﷺ - يمشي، وروي عنه: طفت مع رسول الله - ﷺ - فلم أره يسعى ورأيتهم سعوا، ولا أراهم سعوا إلا لسعيه (٢). ويحتمل أن يكون ذَلِكَ في موطن.
فرع:
موضع السعي بينهما معروف، وقد عملت الخلفاء ذَلِكَ حَتَّى صار إجماعًا، وصفة السعي أن يكون سعيًا بين سعيين وهو الخبب.

------------
(١) «صحيح مسلم» (١٢١٨) كتاب: الحج، باب: حجة النبي - ﷺ -.
(٢) رواه ابن عبد البر في «تمهيده» ٢/ ١٠٣.



فرع:
لو تركه فقال مالك مرة: عليه الدم. ثم رجع.
فرع:
المرأة لا تسعى بل تمشي؛ لأنه أستر لها، وقيل: إن سعت في الخلوة بالليل سعت كالرجل، وفروع السعي محلها الفروع.


٦٤ - باب طَوَافِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ
١٦١٨ - وَقَالَ [لِي] عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنَا قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ -إِذْ مَنَعَ ابْنُ هِشَامٍ النِّسَاءَ الطَّوَافَ مَعَ الرِّجَالِ- قَالَ: كَيْفَ يَمْنَعُهُنَّ، وَقَدْ طَافَ نِسَاءُ النَّبِيِّ - ﷺ - مَعَ الرِّجَالِ؟! قُلْتُ: أَبَعْدَ الحِجَابِ أَوْ قَبْلُ؟ قَالَ: إِي لَعَمْرِي، لَقَدْ أَدْرَكْتُهُ بَعْدَ الحِجَابِ. قُلْتُ: كَيْفَ يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنَّ يُخَالِطْنَ، كَانَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها تَطُوفُ حَجْرَةً مِنَ الرِّجَالِ لَا تُخَالِطُهُمْ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: انْطَلِقِي نَسْتَلِمْ يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ. قَالَتْ: [انْطَلِقِي] عَنْكِ. وَأَبَتْ. [وَكُنَّ] يَخْرُجْنَ مُتَنَكِّرَاتٍ بِاللَّيْلِ، فَيَطُفْنَ مَعَ الرِّجَالِ، وَلَكِنَّهُنَّ كُنَّ إِذَا دَخَلْنَ البَيْتَ قُمْنَ حَتَّى يَدْخُلْنَ وَأُخْرِجَ الرِّجَالُ، وَكُنْتُ آتِي عَائِشَةَ أَنَا وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَهِيَ مُجَاوِرَةٌ فِي جَوْفِ ثَبِيرٍ، قُلْتُ: وَمَا حِجَابُهَا؟ قَالَ: هِىَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ لَهَا غِشَاءٌ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَرَأَيْتُ عَلَيْهَا دِرْعًا مُوَرَّدًا. [فتح: ٣/ ٤٧٩]

١٦١٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنِّي أَشْتَكِي. فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ، وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ». فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ البَيْتِ، وَهْوَ يَقْرَأُ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾ [الطور: ١، ٢]. [انظر: ٤٦٤ - مسلم: ١٢٧٦ - فتح: ٣/ ٤٨٠]
- وَقَالَ [لِي] عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَا قَالَ: أَنَا قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ -إِذْ مَنَعَ ابْنُ هِشَامٍ النِّسَاءَ الطَّوَافَ مَعَ الرِّجَالِ- قَالَ: كَيْفَ يَمْنَعُهُنَّ، وَقَدْ طَافَ نِسَاءُ النَّبِيِّ - ﷺ - مَعَ الرِّجَالِ؟! قُلْتُ: أَبَعْدَ الحِجَابِ أَوْ قَبْلُ؟ .. الحديث.
وهو من أفراده، وهو من باب العرض والمذاكرة أعني قوله: وقال


لي عمرو. وفي بعض النسخ إسقاطها، والأول هو ما في الأصول و«أطراف خلف»، وكذا ذكره البيهقي (١)، وصاحبا المستخرجين، زاد أبو نعيم: وهو حديث عزيز ضيق، ثم قَالَ: وحَدَّثَنَا محمد بن إبراهيم، ثَنَا الحميدي، ثَنَا أبو حميد، ثَنَا أبو قرة قَالَ: ذكر ابن جريج: أخبرني عطاء: إذ منع ابن هشام النساء الطواف، فذكره عن قصة الخروج مع عبيد بن عمير، ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج وفيه: إذا دخلن البيت سترن حين يدخلن مكان قمن حتى يدخلن، وابن جريج هو راويه عن عطاء وهو السائل عن هذِه القصة وبينهما جرى الخطاب، وعطاء هو القائل: وكنت آتي عائشة أنا وعبيد بن عمير.
وابن هشام هو إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، خال هشام بن عبد الملك بن مروان ووالي المدينة، كما قاله الكلبي وأخو محمد بن هشام، وكانا خاملين قبل الولاية، وفي إبراهيم يقول أبو زيد الأسلمي: وكان قصده بمدحٍ أوله: يا ابن هشام يا أخا الكرام، فقال إبراهيم: وإنما أنا أخوهم، وكأني لست منهم، ثم أمر به فضرب بالسياط، فقال يهجوه ويذكر حاله وخموله، فيما ذكره المبرد في «كامله».
قَالَ الأصمعي: ما رويت للعرب في الهجاء مثلها. قَالَ خليفة بن خياط في «تاريخه»: وفي سنة خمس وعشرين ومائة كتب الوليد بن يزيد إلى يوسف بن عمر يقدم عليه خالد بن عبد الله القسري ومحمدًا وإبراهيم ابني هشام بن إسماعيل المخزوميين، وأمره بقتلهم فعذبهم حَتَّى ماتوا (٢).

----------
(١) «السنن الكبرى» ٥/ ٧٨ كتاب: الحج، باب: طواف النساء مع الرجال.
(٢) «تاريخ خليفة بن خياط» ١/ ١٠١.



وقول عطاء: (قد طاف نساء رسول الله - ﷺ - مع الرجال) (١)، يريد: أنهم طافوا في وقت واحد غير مختلطات بالرجال؛ لأن سنتهن أن يطفن ويصلين من وراء الرجال ويستترن عنهم كما في حديث أم سلمة الآتي.
وفيه: أنَّ السنة إذا أراد النساء دخول البيت أن يخرج الرجال عنه بخلاف الطواف.
وفيه: طوافهن متنكرات.
وفيه: طواف الليل.
وفيه: سفر نسائه بعده وحجهن.
وفيه: رواية المرأة عن المرأة.
وفيه: كما قَالَ الداودي: النقاب للنساء في الإحرام.
وفيه: المجاورة بمكة، وهو نوع من الاعتكاف، وهو ضربان: مجاورة ليلًا ونهارًا، ومجاورة نهارًا فقط.
وفيه: جواز المجاورة في الحرم كله، وإن لم يكن في المسجد الحرام، كذا قَالَ ابن بطال، قَالَ: لأن ثبيرا خارج مكة وهو في طريق منى (٢).
قلتُ: ذكر ياقوت أنَّ بمكة شرفها الله سبعة أجبل كل منها يُسمى ثبيرًا بفتح المثلثة ثم باء موحدة ثم ياء مثناة تحت ثم راء.
أولها: أعظم جبالها بينها وبين عرفة (٣)، وهو المراد بقولهم: أشرق ثبير كيما نغير، وسيأتي في بابه، قَالَ البكري: ويُقال: ثبير الأثبرة، وقال

------------
(١) «مصنف عبد الرزاق» ٥/ ٦٦ - ٦٧ (٩٠١٨) كتاب: المناسك، باب: طواف الرجال والنساء معًا.
(٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٩٩.
(٣) «معجم البلدان» ٢/ ٧٢ - ٧٣.



الأصمعي: هو ثبير حراء (١).
ثانيها: ثبير الزنج؛ لأن الزنج كانوا يلعبون عنده.
ثالثها: ثبير الأعرج.
رابعها: ثبير الخضراء.
خامسها: ثبير النصع، وهو جبل المزدلفة عَلَى يسار الذاهب إلى منى.
سادسها: ثبير غينى (٢).
سابعها: ثبير الأحدب. قَالَ البكري: وهو عَلَى الإضافة وكذا ضبطناه، وحكاه ابن الأنباري عَلَى النعت (٣)، وقال الزمخشري: ثبير جبلان متفرقان تصب بينهما أفاعية، وهي واد يصب من منى يُقال لأحدهما: ثبير عيناء، وللآخر: ثبير الأعرج.
وقوله: وكانت عائشة تطوف حَجْرَةً من الرجال. أي: ناحية أخرى.
كما قَالَ الفراء من قولهم: نزل فلان حجرة من الناس أي: معتزلًا ناحية وهو بفتح الحاء وسكون الجيم. قَالَ صاحب «المطالع»: لا غير. قلتُ: لا. فقد قَالَ ابن سيده: وقعد حجرة. وحجرة أي: ناحية وجمعها: حواجر عَلَى غير قياس (٤). وبخط الدمياطي: الجمع: حجرات، وحكى الضم أيضًا: حجرة ابن عديس في «مثناه»، وفي ابن بطال، وقال عبد الرزاق: يعني محجورًا بينها وبين الناس بثوب (٥).

-------------
(١) «معجم ما استعجم» ١/ ٣٣٦.
(٢) ذكرهم ياقوت في «معجم البلدان» ٢/ ٧٢ - ٧٣.
(٣) انظر: التخريج السابق.
(٤) «المحكم» ٣/ ٤٨.
(٥) «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٠٠.



والتركية: قبة صغيرة من لبود.
وذكر فيه أيضًا حديث أم سلمة أم المؤمنين قالت: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنِّي أَشْتَكِي. فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكبَةٌ». فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ البَيْتِ، وَهْوَ يَقْرَأ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾
وهذا الحديث سلف في الصلاة في القراءة في الفجر (١). فإن قراءته بالطور كانت في الفجر، وذكره بعد هذا في باب من صلى ركعتي الطواف خارجًا من المسجد أنه - ﷺ - قَالَ لها: «إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي عَلَى بعيرك والناس يصلون» (٢) ففعلت ذَلِكَ فلم يصل حَتَّى خرجت ولما شكت إليه أنها لا تُطيق الطواف ماشية لضعفها، فقال: «طوفي راكبة». ففيه: إشعار بوجوب المشي لغير المعذور، وقد سلف ما فيه، وعند المالكية تركب بعيرًا غير جلالة لطهارة بوله
عندهم، إذ لا يؤمن أن يكون ذَلِكَ منه في المسجد. قالوا: وإن كان محمولًا فيكون حامله لا طواف عليه، وعللوه بأن الطواف صلاة فلا يُصلي عن نفسه وغيره (٣)، وعندنا فيه تفصيل محله كتب الفروع، وفيه: طواف النساء من وراء الرجال.
قَالَ ابن التين: ويحتمل أن يكون طوافها طوافًا واجبًا وهو الأظهر.
قَالَ: ويحتمل أن يكون طواف الوداع. قَالَ: وفيه: الصلاة بجنب البيت والجهر بالقراءة، وعن سحنون أنها كانت نافلة، وحديث البخاري أنه في الصبح يردّه.

---------
(١) سلف معلقًا قبل الرواية (٧٧١).
(٢) سيأتي برقم (١٦٢٦).
(٣) «المنتقى» ٢/ ٢٩٥.



٦٥ - باب: الكَلَامِ فِي الطَّوَافِ
١٦٢٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ، أَنَّ طَاوُسًا أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ رَبَطَ يَدَهُ إِلَى إِنْسَانٍ بِسَيْرٍ، أَوْ بِخَيْطٍ، أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: «قُدْهُ بِيَدِهِ». [١٦٢١، ٦٧٠٢، ٦٧٠٣ - فتح: ٣/ ٤٨٢]
ذكر فيه حديث ابن عباس: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ رَبَطَ يَدَهُ إِلَى إِنْسَانٍ بِسَيْرٍ، أَوْ خَيْطٍ، أَوْ بِشَيءٍ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - بيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: «قُدْهُ بِيَدِهِ» هذا الحديث من أفراده.
وترجم له بعد:


٦٦ - باب إِذَا رَأَى سَيْرًا أَوْ شَيْئًا يُكْرَهُ فِي الطَّوَافِ قَطَعَهُ
١٦٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ بِزِمَامٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَطَعَهُ. [انظر: ١٦٢٠ - فتح: ٣/ ٤٨٣]
وذكره بلفظ: أنه رأى رجلًا يطوف بالكعبة بزمام، أو غيره، فقطعه.
وخرجه في كتاب الأيمان والنذور بلفظ: بإنسان يقول إنسانًا بخزامة في أنفه فقطعها النبي - ﷺ -، ثم أمره أن يقوده بيده (١).
وفي رواية للحاكم مصححة: مرَّ برجل قد رُبق بسير، أو خيط أو بشيء غير ذَلِكَ، فقطعه وقال: «قده بيدك» (٢).
وكأن البخاري أشار أيضًا إلى حديث ابن عباس مرفوعًا: «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله قد أحل لكم فيه الكلام، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير».
صححه الحاكم، وابن حبان، والبيهقيُّ صحح وقفه (٣)، وقد

----------
(١) سيأتي برقم (٦٧٠٣) باب: النذر فيما لا يملك.
(٢) «المستدرك» ١/ ٤٦٠ كتاب: المناسك، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(٣) «المستدرك» ١/ ٤٥٩ كتاب: المناسك، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد أوقفه جماعة.
«صحيح ابن حبان» ٩/ ١٤٣ - ١٤٤ (٣٨٣٦) كتاب: الحج، باب: دخول مكة.
«السنن الكبرى» ٥/ ٨٧ كتاب: الحج، باب: الطواف على طهارة، وقال البيهقي: ووقفه عبد الله بن طاوس، وإبراهيم بن ميسرة في الرواية الصحيحة.



أوضحت طرقه في تخريجي لأحاديث الرافعي، فليراجع منه (١). وروى الشافعي، عن سعيد بن سالم، عن حنظلة، عن طاوس، عن ابن عمر أنه قَالَ: أقلوا الكلام في الطواف؛ فإنما أنتم في صلاة (٢). وعن إبراهيم بن نافع قَالَ: كلمت طاوسًا في الطواف فكلمني (٣).
وفي كتاب الجندي من حديث إسماعيل بن عياش، ثَنَا حميد بن أبي سويد، سمعتُ أبا هاشم يسأل عطاء بن أبي رباح عن الطواف، فقال: أخبرني أبو هريرة، عن النبي - ﷺ - قَالَ: «من طاف بالبيت سبعًا ما يتكلم إلا: بسبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، مُحيت عنه عشر سيئات، وكتبت له عشر حسنات، ورفع له عشر درجات» (٤).
قلتُ: لا جرم كان عطاء يكره الكلام فيه، إلا الشيء اليسير فيما حكاه ابن عبد البر، وعن مجاهد أنه كان يقرأ عليه القرآن في الطواف (٥)، وقال مالك: لا أرى ذَلِكَ، وليقبل عَلَى طوافه (٦).

------------
(١) «البدر المنير» ٢/ ٤٨٧ - ٤٩٨ والحديث صححه الألباني في «الإرواء» (١٢١).
(٢) «الأم» ٢/ ١٧٣، و«المسند» ١/ ٣٤٨ (٩٨٨).
(٣) «الأم» ٢/ ١٧٣.
(٤) هذا الحديث رواه ابن ماجه (٢٩٥٧) كتاب: المناسك، باب: فضل الطواف، والطبراني في «الأوسط» ٨/ ٢٠١ - ٢٠٢ (٨٤٠٠)، وابن عدي في «الكامل» ٣/ ٧٨، وذكره العجلوني في «كشف الخفاء» ٢/ ٢٦٠ وقال: أخرجه الطبراني في «الأوسط» وابن ماجه بسند ضعيف.
وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٥٦٨٣)، وانظر: «ضعيف الترغيب والترهيب» ١/ ٣٥٩ (٧٢١).
(٥) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٤٩٥ (٩٧٨٥) كتاب: الحج، باب: القراءة في الطواف والحديث، والفاكهي في «أخبار مكة» ١/ ٢٠٧ (٣٤٧).
(٦) «الاستذكار» ١٢/ ١٩٧.



ورواه الحليمي من أصحابنا أيضًا. وقال الشافعي: أنا أحب القراءة في الطواف، وهو أفضل ما تكلم به الإنسان (١). والأصح عند أصحابه أن الإقبال عَلَى مأثور الدعاء أفضل للتأسي، وهو أفضل من غير مأثوره (٢). وعن الجويني أنه يحرص عَلَى أن يختم أيام الموسم في طوافه ختمة.
فرع:
يكره له الأكل والشرب، والشرب أخف حالًا؛ لأنه - ﷺ - شرب ماءً فيه. رواه الحاكم من حديث ابن عباس، وقال: غريب صحيح (٣).
تتمة لما مضى.
قَالَ ابن المنذر: أولى ما شغل به المرء نفسه في الطواف: ذكر الله، وقراءة القرآن، ولا يشتغل فيه بما لا يجدي عليه نفعه في الآخرة، مع أنا لا نحرم الكلام المباح فيه، غير أن الذكر أسلم؛ لأن من تخطى الذكر إلى غيره لم يأمن أن يخرجه ذَلِكَ إلى ما لا تحمد عاقبته.
وقد قَالَ ابن عباس: الطواف صلاة، ولكن الله قد أذن لكم فيه بالكلام، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير (٤)، وقال عطاء: كانوا يطوفون ويتحدثون (٥).

-------------
(١) «الأم» ٢/ ١٤٧.
(٢) انظر «البيان» ٤/ ٢٨٧، «روضة الطالبين» ٣/ ٨٥.
(٣) «المستدرك» ١/ ٤٦٠ كتاب: المناسك.
(٤) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٤٩٦ (٩٧٩١) كتاب: الحج، باب: القراءة في الطواف والحديث، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ١٣٤ (١٢٨٠٦) كتاب: الحج، في الكلام من كرهه في الطواف.
(٥) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٤٩٥ (٩٧٨٤)، والفاكهي في «أخبار مكة» ١/ ٢٠٩ (٣٥٤).



قَالَ: وقال مالك: لا بأس بالكلام فيه، فأما الحديث فاكرهه في الواجب (١)، كذا قيده ابن التين به بعد أن حكى خلافًا عن أصحابهم في الكراهة فيه، وعن «الموطأ»: لا أحب الحديث فيه (٢).
وعن ابن حبيب: الوقوف للحديث في السعي والطواف أشد بغير وقوف، وهو في الطواف الواجب أشد، ثم حكى خلافًا في الكلام فيه بغير ذكر ولا حاجة (٣).
قَالَ ابن المنذر: واختلفوا في قراءة القرآن، فقال ابن المبارك: ليس شيء أفضل من قراءة القرآن، واستحبه الشافعى وأبو ثور، وقال الكوفيون: إذا قرأ في نفسه.
وكرهت طائفة قراءة القرآن، وروي ذَلِكَ عن عروة والحسن ومالك، وقال مالك: وما القراءة فيه من عمل الناس القديم، ولا بأس به إذا أخفاه ولا يُكثر منه (٤). وقال عطاء: قراءة القرآن في الطواف مُحدَث (٥).
قَالَ ابن المنذر: والقراءة أحب إليَّ من التسبيح، وكل حسن.
ومن أباح القراءة في الطُّرق والبوادي، ومنعه الطائف متحكم مدع لا حجة له به.
فائدة:
ينبغي أن يفتتح الطواف بالتوحيد، كما تفتتح الصلاة بالتكبير، ويخشع لربه، ويعقل بيت مَن يطوف، ولمعروف مَن يتعرض، وليسأل

-------------
(١) انظر «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٧٥.
(٢) «الموطأ» ١/ ٥٠٧ (١٣٠٩) كتاب: المناسك، جامع ما جاء في الطواف.
(٣) المصدر السابق.
(٤) المصدر السابق وانظر «المدونة» ١/ ٣١٨.
(٥) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٤٩٥ (٩٧٨٤).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #323  
قديم اليوم, 01:35 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,828
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (11)
من صـــ 411 الى صـــ 430
الحلقة (323)






غفران ذنوبه، والتجاوز عن سيئاته، ويشغل نفسه بذلك وخواطره، ويترك أمور الدنيا، كما فعل ابن عمر حين خطب إليه عروة بن الزبير ابنته في الطواف، فلم يرد عليه كلامًا، فلما جاء إلى المدينة لقيه عروة، فقال له ابن عمر: أدركتني في الطواف، ونحن بمرأى من الله بين أعيننا؛ فذلك الذي منعني أن أرد عليك. ثم زوَّجه (١).
والذي سأل عروة باب من أبواب المباح فأبى ابن عمر أن يجيبه تعظيمًا لله، إذ هو طائف ببيته الحرام.
تنبيه: في قطعه - عليه السلام - السير من يد الطائف من الفقه أنه يجوز للطائف فعل ما خف من الأفعال، وأنه إذا رأى منكرًا فله أن يغيره بيده، وإنما قطعه -والله أعلم- لأن القَوْد بالأزِمَّة إنما يفعل بالبهائم، وهو مُثلةٌ.
وفيه: أن من نذر ما لا طاعة فيه، لا يلزمه. ذكره الداودي، واعترضه ابن التين فقال: ليس هنا نذر ذلك، وغفل أنه ذكره في النذور، كما أسلفناه، قَالَ: وظاهره أنه كان ضرير البصر، وأنه فعله لذلك؛ لأنه قَالَ: «قده بيده». والسير: الشراك.
فرع:
يجوز له إنشاد الشعر والرجز في الطواف إذا كان مباحًا، قاله الماوردي، واستشهد له بشواهد، وتبعه صاحب «البحر».
فرع:
يُكره له أيضًا البيع والشراء فيه إلا لحاجة.

------------
(١) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٤/ ١٦٧ - ١٦٨، والفاكهي في «أخبار مكة» ١/ ٢٠٤ (٣٣٩).


فرع:
يُكره أن يبصق فيه أو يتنخم أو يغتاب أو يشتم ولا يفسد طوافه بشيء من ذَلِكَ وإن أثم، صرح به الماوردي.
فرع:
قيل: لا يكره التعليم فيه كما في الاعتكاف، قاله الروياني هناك.
فرع:
يكره أن يضع يده عَلَى فيه كما في الصلاة، قاله الروياني هنا، نعم لو احتاج إليه في التثاؤب، فلا كراهة كما في الصلاة.
فرع:
لو طافت منتقبة وهي غير محرمة، فمقتضى مذهبنا كراهته كما في الصلاة (١)، وحكى ابن المنذر عن عائشة أنها كانت تطوف منتقبة (٢)، وبه قَالَ أحمد وابن المنذر (٣)، وكرهه طاوس، وغيره (٤).

-------------
(١) انظر «أسنى المطالب» ١/ ٤٨٣، «مغني المحتاج» ١/ ٤٩١، «نهاية المحتاج» ٣/ ٢٨٨.
(٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٢٤ - ٢٥ (٨٨٥٩) كتاب: الحج، باب: طواف المرأة منتقبة، والأزرقي في «أخبار مكة» ٢/ ١٤، والفاكهي في «أخبار مكة» ١/ ٢٣٣ (٤٢٨).
(٣) انظر «المجموع» ٨/ ٨٣.
(٤) رواه عبد الرزاق ٥/ ٢٥ (٨٨٦١) كتاب: الحج، باب: طواف المرأة منتقبة، والأزرقي في «أخبار مكة» ٢/ ١٤، والفاكهي في «أخبار مكة» ١/ ٢٣٣ - ٢٣٤ (٤٢٩ - ٤٣٢) وانظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٧٥.



٦٧ - باب لَا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ، [وَلَا يَحُجُّ مُشْرِكٌ] (١)
١٦٢٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ يُونُسُ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رضي الله عنه - بَعَثَهُ فِي الحَجَّةِ التِي أَمَّرَهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَبْلَ حَجَّةِ الوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي رَهْطٍ، يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ: «أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ». [انظر: ٣٦٩ - مسلم: ١٣٤٧ - فتح: ٣/ ٤٨٣]
ذكر فيه حديث أبي هريرة:
اُّنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَعَثَهُ فِي الحَجَّةِ التِي أَمَّرَهُ عَلَيْهِا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَبْلَ حَجَّةِ الوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي رَهْطٍ، يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ أن: «لَا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ».
هذا الحديث ذكره في أوائل الصلاة كما سلف، وفي آخره. قَالَ حميد بن عبد الرحمن: ثم أردف رسول الله - ﷺ - عليًّا، فأمرهُ أن يؤذن ببراءة. قَالَ أبو هريرة: فأذن معنا عليّ .. الحديث (٢).
وفي المغازي قَالَ أبو عبد الله: وذلك في سنة تسع (٣)، وفي لفظ: قَالَ الزهري: فكان حميد بن عبد الرحمن يقول: يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة (٤).
وفي الجزية فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذَلِكَ العام، فلم يحج في العام

-----------
(١) ليست في الأصل وهي في اليونينية ٢/ ١٥٣، ولم يعلق عليها.
(٢) سلف هذا الحديث برقم (٣٦٩) باب: ما يستر من العورة.
(٣) سيأتي برقم (٤٣٦٣) باب: حج أبي بكر بالناس في سنة تسع.
(٤) سيأتي برقم (٤٦٥٧) كتاب: التفسير، باب: ﴿إلاَّ اَلذِينَ عَهَدتُم مِنَ اَلمُشركِينَ﴾.



المقبل مشرك (١)، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا اَلمُشرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وكان المشركون يوافون بالتجارة، فقال تعالى: ﴿وَإِن خِفتُم عَيْلَة﴾ [التوبة: ٢٨] الآية، ثم أحل في الآية التي فيها تتبعنا الجزية، ولم تؤخذ قبل ذَلِكَ فجعله عوضًا مما منعهم من موافاة المشركين بتجاراتهم فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية، فلما أحل الله ذَلِكَ للمسلمين علموا أنه قد عاضهم أفضل مما خافوا، ووجدوا عليه مما كان المشركون يوافون به من التجارة. وقد سلف فقه الباب هناك، وأنه حجة لاشتراط ستر العورة في الطواف.
قَالَ السهيلي: كان سيدنا رسول الله - ﷺ - حين قدم من تبوك أراد الحج، فذكر مخالطة المشركين للناس في حجهم، وتلبيتهم بالشرك، وطوافهم عراة بالبيت. وكانوا يقصدون بذلك أن يطوفوا كما وُلدِوا بغير الثياب التي أذنبوا فيها وظلموا، فأمسك عن الحج في ذَلِكَ العام، وبعث أبا بكر بسورة براءة لينبذ إلى كل ذي عهد عهده من المشركين إلا بعض بني بكر الذين كان لهم عهد إلى أجل خاص، ثم أردف بعلي فرجع أبو بكر إلى رسول الله - ﷺ - فقال: هل أُنزل في قرآن؟ قَالَ: «لا، ولكن أردت أن يبلغ عني من هو من أهل بيتي». قَالَ أبو هريرة: فأمرني علي أن أطوف في المنازل من منى ببراءة، فكنتُ أصيح حَتَّى ضحل حلقي فقلتُ له: بم كنت تنادي؟ قَالَ: بأربع: أن لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأن لا يحج بعد العام مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد فله أجل أربعة أشهر، ثم لا عهد له، وكان المشركون إذا سمعوا النداء ببراءة يقولون لعلي:

--------------
(١) سيأتي برقم (٣١٧٧) باب: كيف ينبذ إلى أهل العهد.


سترون بعد الأربعة الأشهر أنه لا عهد بيننا وبين ابن عمك إلا الطعن والضرب، ثم إن الناس في تلك المدة رغبوا في الإسلام حَتَّى دخلوا فيه طوعًا وكرهًا (١).
وكانوا بالبيت عَلَى أصناف ثلاثة فالحمس فيما ذكر ابن إسحاق أن قريشًا ابتدعت بعد الفيل -أو قبله- أن لا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحُمْسِ، فإن لم يجدوا منها شيئًا طافوا عراة، فإن تلوم منهم متلوم من رجل أو امرأة ولم يجد ثياب أحمس فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل ألقاها إذا فرغ من طوافه، ثم لم ينتفع بها، ولم يمسها.
أما الرجال فيطوفون عراة، وأما النساء فتضع إحداهن ثيابها، إلا درعًا مفرجًا عليها، ثم تطوف فيه. فقالت امرأة وهي تطوف:
اليوم يبدو بعضه أو كله … وما بدا منه فلا أحله (٢)
والحلة: وهم ما عدا الحمس، كانوا يطوفون عراة إن لم يجدوا ثياب أحمس. والطلس: كانوا يأتون من أقصى اليمن طلسًا من الغبار، فيطوفون بالبيت في تلك الثياب الطلس قَالَ ابن حبيب: فسموا بذلك، وروى المطلب بن أبي وداعة أن قائلة هذا البيت:

-------------
(١) انظر: «الروض الأنف» ٤/ ٢٠٠.
(٢) انظر: «سيرة ابن أسحاق» ص: ٨٠ - ٨٢.
قلت: وقد روى مسلم في «صحيحه» (٣٠٢٨) كتاب: التفسير، باب: في قوله تعالى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ من حديث ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوفا؟ تجعله على فرجها، وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله … فما بدا منه فلا أحله
فنزلت هذِه الآية ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.



ضباعة بنت عامر، وأنها طافت عريانة واضعة يديها عَلَى فخذيها، وقريش قد أحدقت بها. وعند الرياشي زيادة فيه:
كم من لبيب لبه يضله
وناظر ينظر ما يمله
جهم من الجسم عظيم ظله
فطافت أسبوعًا.
وفي «تاريخ ابن عساكر»: كانت تغطي جسدها بشعرها، وكانت إذا جلست أخذت من الأرض شيئًا كثيرًا لعظم خلقها (١).
وقد أسلفنا أن هذِه الحجة كانت سنة تسع، وحج - ﷺ - في العاشرة.
وسيأتي في البخاري في باب الخطبة أيام منى أنه - ﷺ - لما وقف يوم النحر بين الجمرات في حجته وقال: «هذا يوم الحج الأكبر» (٢).
وهو نص أخذ به مالك، وهو قول علي (٣)، والمغيرة (٤)، وابن عباس (٥) وابن عمر (٦).

--------------
(١) «تاريخ دمشق» ٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥.
(٢) سيأتي برقم (١٧٤٢) كتاب: الحج، باب: الخطبة أيام منى.
(٣) رواه الترمذي (٣٠٨٩) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة التوبة، وابن جرير في «تفسيره» ٦/ ٣١٤ (١٦٤٥٠، ١٦٤٥٥)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٣/ ٣٨١ إلى ابن أبي شيبة والترمذي وأبي الشيخ، وصححه الترمذي وصححه الألباني في «صحيح الترمذي».
(٤) رواه ابن جرير في «تفسيره» ٦/ ٣١٢ (١٦٤٢٥ - ١٦٤٢٧)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٣/ ٣٨١ إلى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير.
(٥) رواه ابن جرير في «تفسيره» ٦/ ٣١٢، ٣١٤ (١٦٤٢٨، ١٦٤٤٧ - ١٦٤٤٩).
وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٣/ ٣٨١ إلى ابن أبي شيبة، وابن جرير.
(٦) رواه الطبري ٦/ ٣١٥ (١٦٤٦٦).



وروي عن ابن عباس أنه قَالَ: هو يوم عرفة (١). وقاله طاوس (٢) ومجاهد (٣)، وقال ابن سيرين: الحج الأكبر: العام الذي حج فيه رسول الله - ﷺ - اتفق فيه جميع الملل (٤)، وأراد - ﷺ - أن ينظف البيت من المشركين والعراة، ويكون حجه له عَلَى نظافة من هذين الطائفتين، فبعث الصديق أولًا وأردفه بعلي يؤذن ببراءة، ثم حج.
وقد اختلف الناس في حجة أبي بكر هذِه إن كانت حجة الإسلام بعد نزول فرضه، وإن كانت عَلَى حج الجاهلية ومواسمها، والذي يعطيه النظرُ الأولَ؛ لأن وقوفه كان بعرفة مع الناس كافة، وإنما كان الحمس -وهم قريش- يقفون بالمشعر الحرام، فلمَّا خالف أبو بكر العادة لقريش وأخرجهم من الحرم إلى عرفات، دل أنه إنما وقف بأمره، وأنه - ﷺ - امتثل قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٩] يعني: العربَ كافة، وقوله تعالى هذا هو متقدم بفرض الحج، ووصف لشرائعه كلها، فثبت بهذا ما ذكرناه مع أنه أيضًا حج في ذي الحجة، وكانت العرب لا تتوخى بحجها إلا ما كانت عليه من النسيء، يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا آخر، وقد اختلف الناس في الحج هل هو عَلَى الفور أم لا؟ كما سلف في أول الحج.

---------
(١) رواه الطبري ٦/ ٣١١، ٣١٥ (١٦٤٠٥، ١٦٤٦٦)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٦/ ١٧٤٨ (٩٢٣٠)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٣/ ٣٨٢ إلى أبي عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.
(٢) انظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن أبي حاتم ٦/ ١٧٤٨ (٩٢٣٠)، و«معالم التنزيل» للبغوي ٤/ ١١.
(٣) رواه الطبري في «تفسيره» ٦/ ٣١٠ (١٦٤٠٤)، وانظر: «معالم التنزيل» ٤/ ١٢.
(٤) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» ٣/ ٣٨٢ وعزاه إلى ابن أبي شيبة.



٦٨ - باب إِذَا وَقَفَ فِي الطَّوَافِ
وَقَالَ عَطَاءٌ فِيمَنْ يَطُوفُ فَتُقَامُ الصَّلَاةُ، أَوْ يُدْفَعُ عَنْ مَكَانِهِ: إِذَا سَلَّمَ يَرْجِعُ إِلَى حَيْثُ قُطِعَ فيبني عَلَيْهِ. وَيُذْكَرُ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ.
قال المروذي: قرئ عَلَى أبي عبد الله، عن عبد الرزاق، أنا معمر، حَدَّثَني يزيد بن أبي مريم السلولي قَالَ: رأيت ابن عمر يطوف بين الصفا والمروة فأعجله البول، فتنحى فبال، ثم دعا بماء، فتوضأ ولم يغسل أثر البول، فاجتمع عليه الناس، فقال سالم: إن الناس يرون أن هذِه سنة، فقال ابن عمر: كلا إنما أعجلني البول. ثم قام فأتم عَلَى ما مضى، فقال أبو عبد الله: ما أحسنه وأتمه (١).
قَالَ مالك: لا ينبغي الوقوف ولا الجلوس في الطواف، فإن فعل منه شيئًا بنى فيما خف ولم يتطاول، وأجزأه (٢).
وقال نافع: ما رأيت ابن عمر قائمًا قط إلا عند الركن (٣).
وقال عمرو بن دينار: رأيت ابن الزبير يطوف فيسرع (٤).
قَالَ نافع: ويُقال: القيام في الطواف بدعة (٥)، وأجاز عطاء أن

-----------
(١) انظر: «تغليق التعليق» ٣/ ٧٥.
(٢) «المدونة» ١/ ٣١٩، وانظر «المنتقى» ٢/ ٢٩٨، «الذخيرة» ٣/ ٢٥١.
(٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٥٦ (٨٩٨١) كتاب: المناسك، باب: الجلوس في الطواف والقيام فيه.
(٤) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٥٦ (٨٩٨٢)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ٢٩٣ (١٤٤٥٤) كتاب: الحج، في السرعة والتؤدة في الطواف.
(٥) «مصنف عبد الرزاق» ٥/ ٥٦ (٨٩٨٣).



يجلس، ويستريح في الطواف (١).
وابن بطال خلط هذا الباب بالباب الذي بعده، ثم أبدى سؤالًا فقال: فإن قيل: فما معنى ذكره - ﷺ - طاف أسبوعًا وصلى ركعتين في هذا الباب والبخاري لم يذكره فيه، وإنما ذكره فيما بعده كما ستعلمه؟ قيل: معناه -والله أعلم- أنه صلى حين طاف وركع بإثره ركعتين لم يحفظ عنه أنه وقف ولا جلس في طوافه؛ ولذلك قَالَ نافع: إن القيام فيه بدعة، إلا أن يضعف فلا بأس بالوقوف والقعود اليسير فيه للراحة، ويبني عليه.
وإنما كره العلماء الوقوف والقعود فيه لغير عذر؛ لأن من أجاب دعوة أبيه إبراهيم عَلَى بعد الشقة وشدة المشقة لا يصلح إذا بلغ العمل أن يتوانى فيه بوقوف أو قعود لغير عذر، ولهذا المعنى كان ابن الزبير يسرع في طوافه (٢).
وجمهور العلماء يرون لمن أقيمت عليه الصلاة البناء عَلَى طوافه إذا فرغ من صلاته، روي ذَلِكَ عن ابن عمر (٣) وعطاء (٤) والنخعي (٥) وابن المسيب (٦) وطاوس (٧).

-------------
(١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ٣٤٦ (١٤٩٦٧ - ١٤٩٦٩) كتاب: الحج، في الاستراحة في الطواف.
(٢) روى ذلك عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٥٦ (٨٩٨٢).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٨٤ (١٥٣٤٨).
(٤) رواه عبد الرزاق ٥/ ٥٤ - ٥٥ (٨٩٧٥) باب: القراءة في الطواف والحديث، وابن أبي شيبة ٣/ ٣٨٣ (١٥٣٤٦) في الرجل يبتدئ الطواف تطوعًا.
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٨٣ (١٥٣٤٥).
(٦) رواه عبد الرزاق ٥/ ٥٥ (٨٩٧٨).
(٧) رواه عبد الرزاق ٥/ ٥٤ (٨٩٧٤)، وابن أبي شيبة ٣/ ٣٨٣ (١٥٣٤٦).



وبه قَالَ الأربعة (١)، وإسحاق، وأبو ثور، إلا الحسن فإنه قَالَ: يبتدئ الطواف. وحجة الجماعة قيام العذر وغير جائز أن يبطل عمله بغير حجة.
وفي المسألة خلاف آخر ذكره عبد الرزاق، عن أبي الشعثاء، أنه أقيمت عليه الصلاة وطاف خمسة أطواف فلم يتم ما بقي (٢)، وعن سعيد بن جبير مثله (٣).
وعن عطاء: إن كان الطواف تطوعًا وخرج في وتر، فإنه يجزئ عنه، وكذلك إن عرضت له حاجة فخرج فيها (٤).
وعن ابن عباس: من بدت له حاجة فخرج لها، فليخرج عَلَى وتر من طوافه، ويركع ركعتين ولا يعد لبقيته (٥).
وقال مالك: من طاف بعد طوافه ثم خرج لصلاة عَلَى جنازة، أو خرج لنفقة نسيها فليبتدئ الطواف ولا يبني، ولا يخرج من طوافه لشيء إلا لصلاة الفريضة.
وهو قول الشافعي وأبى ثور (٦).
وقال أشهب: يبني إذا صلى عَلَى جنازة. وهو قول أبي حنيفة (٧).

-------------
(١) انظر «الأصل» ٢/ ٤٠٣، و«مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٣٣، و«المدونة» ١/ ٣١٨، ٣١٩، «المنتقى» ٢/ ٣٠٣، و«المجموع» ٨/ ٦٥، و«نهاية المحتاج» ٣/ ٢٨٩، و«المستوعب» ٤/ ٢١٧، و«المغني» ٥/ ٢٤٦.
(٢) «المصنف» ٥/ ٥٣ (٨٩٧٠).
(٣) «مصنف عبد الرزاق» ٥/ ٥٢ (٨٩٦٩).
(٤) المصدر السابق ٥/ ٥٤ (٨٩٦٩).
(٥) المصدر السابق ٥/ ٥٥ (٨٩٧٧).
(٦) انظر «المدونة» ١/ ٣١٨، و«الأم» ٢/ ١٥٢، و«المجموع» ٨/ ٦٥.
(٧) «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٧٨، و«الأصل» ٢/ ٤٠٣، و«بدائع الصنائع» ٢/ ١٣٠.



وقال ابن المنذر: لا يخرج من بِرٍّ هو فيه إلى بِرٍّ وَلْيُتِمَّ طوافه (١).
وقال النووي في «شرح المهذب» فيمن حضرته جنازة في أثناء الطواف: إن مذهب الشافعي، ومالك أن إتمام الطواف أولى، وبه قَالَ عطاء وعمرو بن دينار. وقال أبو ثور: لا يخرج، وإن خرج استأنف. وقال أبو حنيفة والحسن بن صالح: يخرج لها (٢).

------------
(١) انتهى من «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٠٥ - ٣٠٦.
(٢) «المجموع» ٨/ ٨٣.



٦٩ - باب صَلاة (١) النَّبِيُّ - ﷺ - لِسُبُوعِهِ رَكْعَتَيْنِ.
وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي لِكُلِّ سُبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: إِنَّ عَطَاءً يَقُولُ: تُجْزِئُهُ المَكْتُوبَةُ مِنْ رَكْعَتَي الطَّوَافِ. فَقَالَ: السُّنَّةُ أَفْضَلُ، لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ - ﷺ - سُبُوعًا قَطُّ إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.

١٦٢٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَيَقَعُ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي العُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ؟ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَطَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، ثُمَّ صَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. [الأحزاب: ٢١]. [انظر: ٣٩٥ - مسلم: ١٢٣٤ - فتح: ٣/ ٤٨٤]

١٦٢٤ - قَالَ: وَسَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما فَقَالَ: لَا يَقْرَبِ امْرَأَتَهُ حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. [انظر: ٣٩٦ - فتح: ٣/ ٤٨٥]
ثم ذكر حديث سفيان عن عمرو، سألنا ابن عمر: أيقع الرجل على امرأته في العمرة .. الحديث.
وقد سلف بطوله في الصلاة في باب قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] (٢).
وترجم له أيضًا بعد باب: من صلى ركعتي الطواف خلف المقام (٣).
والسنة أن يصلي بعد فراغه من طوافه ركعتين؛ للاتباع كما قررناه،

-----------
(١) كذا في الأصل وفي اليونينة ٢/ ١٥٤: (صلى) ولم يعلق عليها.
(٢) برقم (٣٩٥).
(٣) سيأتي برقم (١٦٢٧).



فإن تعدد طوافه فلكل طواف كذلك، فإن تعدد من غير صلاة، ثم صلى لكل طواف ركعتيه جاز، لكنه تارك للأفضل، ولا يكره، فقد رُوِي عن عائشة رضي الله عنها، والمسور بن مخرمة (١)، حَتَّى قَالَ الضميري من أصحابنا: لوطاف أسابيع متصلة ثم صلى ركعتين جاز. وحكى ابن التين عن بعض أصحابنا أنه - ﷺ - طاف أسابيع وركع لها ركعتين، وقال ابن الجلاب: يُكره أن يطوف أسابيع، ويؤخر ركوعها حَتَّى يركعه في موضع واحد، وليركع لكل أسبوع ركعتين إن فعل ذَلِكَ، هذا هو المشهور من مذهبه (٢).
وقَالَ ابن القاسم: يصلي ركعتين فقط كسائر الأسابيع (٣)، وقيل: يجوز أن يُصلي أسابيع عَلَى الوتر، كالثلاثة والخمسة والسبعة، ولا يجوز عَلَى الشفع، وقيل: يجوز واحد وثلاثة، ولا يجوز أكثر من ذَلِكَ، حكاها ابن التين، قَالَ: وهذِه أقاويل ليس منها شيء في مذهب مالك، ولو صلى فريضة أخرى أجزأت عندنا عنهما، كتحية المسجد، نص عليه الشافعي في القديم (٤)، واستبعده الإمام، وهو غلط، نعم هي مسأله خلافية، فمن طاف أسبوعًا ثم وافق صلاة مكتوبة، هل تجزئه من ركعتي الطواف؟ فروي عن ابن عمر: إجازته (٥) خلاف ما ذكره البخاري عنه أنه كان يفعله، وروي مثله عن

---------------
(١) سيأتي تخريجه قريبًا.
(٢) «التفريع» ١/ ٣٣٩.
(٣) «المدونة» ١/ ٣١٨.
(٤) «المجموع» ٨/ ٧٣.
(٥) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٥٨ (٨٩٩١) باب: هل تجزئ المكتوبة من وراء السبع.



سالم وعطاء وأبي الشعثاء (١). قَالَ أبو الشعثاء: ولو طاف خمسة. وقال الزهري ومالك وأبو حنيفة: لا يجزئه (٢).
قَالَ ابن المنذر: ويشبه مذهب الشافعي، وهو قول أبي ثور، واحتجاج ابن شهاب عَلَى عطاء في هذا الباب أنه - عليه السلام - لم يطف سبعًا قط إلا صلى ركعتين، في أنه لا تجزئه المكتوبة منهما. وكان طاوس يُصلي لكل أسبوع أربع ركعات، فذكر لابن جريج فقال: حدثنا عطاء أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي كل سبوع ركعتين (٣)، وعلى هذا مذاهب الفقهاء.
وقال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله - ﷺ - طاف بالبيت سبعًا وصلى ركعتين، وأجمعوا أن من فعل فعلته - ﷺ - فهو مُتبع للسنة (٤).
ورخصت طائفة أن يجمع أسابيع، ثم يركع لها كلها. رُوِي ذَلِكَ عن عائشة كما سلف وعطاء وطاوس (٥)، وبه قَالَ أبو يوسف، وأحمد، وإسحاق (٦).
وكره ذَلِكَ ابن عمر، والحسن البصري، وعروة، والزهري، وهو قول مالك، والكوفيين، وأبي ثور، وهذا القول أولى؛ لأن فاعلهم متبع للسنة (٧).

--------------
(١) رواه عبد الرزاق ٥/ ٥٧ - ٥٨ (٨٩٨٧ - ٩٨٨٨، ٨٩٩٢).
(٢) انظر «الأصل» ٢/ ٤٠٢، «حاشية ابن عابدين» ٢/ ٤٩٩، «الذخيرة» ٣/ ٢٤٣.
(٣) رواه عبد الرزاق ٥/ ٦٠ - ٦١ (٩٠٠٢).
(٤) انظر «الاستذكار» ١٢/ ١٦٦، «المجموع» ٨/ ٧١.
(٥) رواه عبد الرزاق ٥/ ٦٤ (٩٠١٤ - ٩٠١٦) باب: قرن الطواف.
(٦) انظر «المبسوط» ٤/ ٤٧، «المغني» ٥/ ٢٣٣، «المبدع» ٣/ ٢٢٤.
(٧) انظر «الاستذكار» ١٢/ ١٦٦.



قَالَ ابن المنذر: وأرجو أن يجزئ القول الأول، وهو كمن صلى وعليه صلاة ثم صلاها بعد طوافه. قَالَ: وثبت أنه - ﷺ - صلى ركعتي الطواف عند المقام، وأجمع العلماء أن الطائف يجزئه أن يركعها حيث شاء، إلا مالكًا، فإنه كره أن يركعهما في الحجر (١)، وقد صلى ابن عمر ركعتي الطواف في البيت (٢) وصلاها ابن الزبير في الحجر. قَالَ مالك: ومن صلى ركعتي الطواف الواجب في الحجر أعاد الطواف والسعي بين الصفا والمروة، وإن لم يركعهما حَتَّى بلغ بلده أهراق دمًا، ولا إعادة عليه (٣).
والهدي للتفرقة بين الطواف وصلاته. قَالَ ابن المنذر: ولا يخلو من
صلى في الحجر ركوع الطواف أن يكون قد صلاهما، فلا إعادة عليه، أو يكون في معنى من لم يصلهما فعليه أن يعيد أبدًا، فأما أن يكون بمكة في معنى من لم يصلهما، وإن رجع إلى بلاده في معنى من قد صلاهما، فلا أعلم لقائله حجة في التفريق بين ذَلِكَ، ولا أعلم الدم يجب في شيء من أبواب الطواف، وقول عمرو: وسألنا ابن عمرو: أيقع الرجل عَلَى امرأته في العمرة قبل أن يطوف بين الصفا والمروة؟ قَالَ: قدم رسول الله - ﷺ - فذكره، وأنه لا بد من السعي، قال: وسألت جابرًا فذكر مثله، وفيه خلاف للعلماء، والأظهر عندنا: أنه ركن فيها (٤)، فإذا وطئ قبله فسدت، وتقضى كالحج، وخالف داود فقال: لا يُقضى فاسد الحج والعمرة.

--------------
(١) انظر: «الإجماع» ٥٣، و«الاستذكار» ١٢/ ١٢٠، ١٦٦، و«المجموع» ٨/ ٨٦.
(٢) رواه عبد الرزاق ٥/ ٦٠ (٩٠٠٠) باب: هل تجزئ المكتوبة من وراء السبع.
(٣) «الاستذكار» ١٢/ ١٢١.
(٤) انظر «البيان» ٤/ ٣٠٢، «المجموع» ٨/ ١٠٣.



وفي إرداف الحج عَلَى العمرة قولان في مذهب مالك أجازه ابن الماجشون، ومنعه ابن القاسم.

٧٠ - باب: مَنْ لَمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ، وَلَمْ يَطُفْ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى عَرَفَةَ، وَيَرْجِعَ بَعْدَ الطَّوَافِ الأَوَّلِ
١٦٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَكَّةَ، فَطَافَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلَمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ. [انظر: ١٥٤٥ - فتح: ٣/ ٤٨٥]
ذكر فيه حديث ابن عباس: قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَكَّةَ، فَطَافَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلَمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ.
هذا الحديث من أفراده، ومعنى الترجمة: من لم يطف طوافًا آخر غير طواف القدوم؛ لأنه إذا فعله ليس بين يديه طواف غير الإفاضة والوداع، فإذا وقف ومضى نصف ليلة النحر دخل وقت أسباب التحلل، ومنها طواف الإفاضة، وهو معنى حديث الباب، وهو اختيار مالك أن لا يتنفل بطواف بعد طواف القدوم حتى يتم حجه، وقد جعل الله له في ذلك سعة، فمن أراد أن يطوف بعد فله ذَلِكَ ليلًا كان أو نهارًا، لا سيما إن كان من أقاصي البلدان، ولا عهد له بالطواف، وقد قَالَ مالك: الطواف بالبيت أفضل من النافلة لمن كان من البلاد البعيدة؛ لقلة وجود السبيل إلى البيت (١).

--------
(١) انظر «مواهب الجليل» ٤/ ١٦٥.


وروي عن عطاء والحسن: إذا أقام الغريب بمكة أربعين يومًا كانت الصلاة له أفضل من الطواف (١). وقال أنس: الصلاة للغرباء أفضل (٢).
وقال الماوردي: الطواف أفضل من الصلاة. وظاهر كلام غيره أن الصلاة أفضل، وقال ابن عباس وغيره: الصلاة لأهل مكة أفضل والطواف للغرباء أفضل (٣).
وأما الاعتمار أو الطواف أيهما أفضل؟ فحكى بعض المتأخرين هنا ثلاثة أوجه: ثالثها: إن استغرق الطواف وقت العمرة كان أفضل، وإلا فهي أفضل. وادعى الداودي أن الطواف الذي طافه - ﷺ - حين قدم مكة من فروض الحج، ولا يكون إلا السعي بعده إلا أنه يجوز للمراهق والمتمتع أن يجعلا مكانه طواف الإفاضة، وما قاله غير صحيح، فإنه - ﷺ - كان عندنا مفردًا، والمفرد لا يجب طواف القدوم عليه، بل لا يجب أصلًا، فمن لم يكن مراهقًا طاف لقدومه، ومن كان مراهقًا سقط عنه عند المالكية (٤)، وأجزأه طواف الإفاضة، والسعي بعده، قالوا: وإن لم يكن مراهقًا ولم يطف ولم يسع عند قدومه طاف للإفاضة، وأجزأه ذَلِكَ من الطوافين، ويهدي، وبئس ما صنع، ولو كان من فروض الحج ما أجزأه الهدي عنه.

-------------
(١) رواه عبد الرزاق ٥/ ٧١ (٩٠٣٠) باب: الطواف أفضل أم الصلاة؟ وطواف المجزوم.
(٢) رواه عبد الرزاق ٥/ ٧٠ - ٧١ (٩٠٢٨).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٥٣ - ٣٥٤ (١٥٠٣٨ - ١٥٠٤٠) في الطواف للغرباء أفضل أم الصلاة؟
(٤) انظر «المدونة» ١/ ٣١٧، و«المعونة» ١/ ٣٧٤، و«المنتقى» ٢/ ٢٩٦، ٢٩٧.



٧١ - باب: مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ خَارِجًا مِنَ المَسْجِدِ
وَصَلَّى عُمَرُ - رضي الله عنه - خَارِجًا مِنَ الحَرَمِ.

١٦٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -.
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ الغَسَّانِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنهازَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ وَهْوَ بِمَكَّةَ، وَأَرَادَ الخُرُوجَ، وَلَمْ تَكُنْ أُمُّ سَلَمَةَ طَافَتْ بِالبَيْتِ وَأَرَادَتِ الخُرُوجَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ». فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، فَلَمْ تُصَلِّ حَتَّى خَرَجَتْ. [انظر: ٤٦٤ - مسلم: ١٢٧٦ - فتح: ٣/ ٤٨٦]
ذكر فيه حديث أم سلمة: في طوافها راكبة وهي شاكية.
وقد سلف (١)، وانفرد به من حديث عروة عنها. قَالَ أبو نعيم: حديث عزيز جدًّا. وأخرجه مسلم (٢) وغيره من طريق زينب -بنتها- عنها (٣).
ويحيى ابن أبي زكريا الغساني (٤) -هو بغين معجمة ثم سين مهملة ثم

--------------
(١) برقم (٤٦٤) كتاب: الصلاة، باب: إدخال البعير في المسجد.
(٢) ورد فوقها في الأصل (د. س. ق)
(٣) رواه مسلم (١٢٧٦) كتاب: الحج، باب: جواز الطواف على بعير وغيره واستلام الحجر بمحجن ونحوه للراكب، وأبو داود (١٨٨٢) كتاب: المناسك، باب: الطواف الواجب، والنسائي ٥/ ٢٢٣ كتاب: مناسك الحج، كيف طواف المريض، وابن ماجه (٢٩٦١) كتاب: المناسك، باب: المريض يطوف راكبًا، وأحمد ٦/ ٢٩٠، ٣١٩.
(٤) ورد في هامش الأصل ما نصه: توفي يحيى سنة ١٨٨ قاله في «الكاشف»، وحكى تضعيفه عن أبي داود كذلك في «السير».



ألف، ثم نون ثم ياء النسب- ضعفه أبو داود، وقال أبو علي الجياني: وقع لأبي الحسن القابسي في إسناد هذا الحديث تصحيف في نسب يحيى بن أبي زكريا، قَالَ: العُشاني -بعين مهملة مضمومة ثم شين معجمة- والصواب: الغساني -بغين معجمة وسين مهملة- وقال فيه في موضع آخر: العثماني، والصواب ما قلناه (١).
وقيل: العشايي -بالياء- منسوب إلى بني عشاة- حكاه ابن التين.
قَالَ الدارقطني في كتاب «التتبع»: هذا الحديث مرسل أعني طريق عروة عنها، وقد رواه حفص بن غياث، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة، ووصله مالك عن أبي الأسود (٢).
وقال (الغساني) (٣): هكذا رواه أبو علي بن السكن، عن الفربري مرسلًا، لم يذكر بين عروة وأم سلمة زينب، وكذا هو في نسخة عبدوس الطليطلي، عن أبي زيد المروزي، ووقع في نسخة الأصيلي: عروة عن زينب، عنها متصلًا، ورواية ابن السكن المرسلة أصح في هذا الإسناد، وهو المحفوظ (٤).
قلت: وسماع عروة لأم سلمة ممكن؛ لأن مولده سنة ثلاث وعشرين، ووفاتها قرب الستين (٥)، وهو قطين بلدها، فيجوز أن يكون سمعه مرة عن زينب عنها، ومرة عنها، يؤيده أنه روى البخاري: أخبرتني أم سلمة، كما ستعلمه.

--------------
(١) «تقييد المهمل» ٢/ ٦١٠.
(٢) «الإلزامات والتتبع» ص: ٢٤٧، ووصله مالك في «الموطأ».
(٣) كذا في الأصل وهو خطأ -أظنه من سبق القلم- وصوابه: الجياني.
(٤) «تقييد المهمل» ٢/ ٦٠٩.
(٥) ورد في هامش الأصل ما نصه: قال الواقدي سنة ٥٩.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #324  
قديم اليوم, 01:40 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,828
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (11)
من صـــ 431 الى صـــ 450
الحلقة (324)






وقال الأثرم: قَالَ لي أبو عبد الله: حَدَّثَنَا معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة أن النبي - ﷺ - أمرها أن توافيه يوم النحر بمكة قال: لم يسنده غيره، وهو خطأ، وقال وكيع: عن أبيه مرسل أن النبي - ﷺ - أمرها أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة، أو نحو هذا. قال: وهذا أيضًا عجيب، النبي يوم النحر ما يصنع بمكة؟! ينكر ذلك. قال: فجئت إلى يحيى بن سعيد فسألته فقال: عن هشام، عن أبيه أن النبي - ﷺ - أمرها أن توافي ليس توافيه.
قَالَ: وبين هذين فرق، يوم النحر صلاة الفجر بالأبطح. قَالَ: وقال لي يحيى: سل عبد الرحمن، فسأله، فقال: هكذا توافي، قَالَ الخلال: يرى الأثرم في حكايته عن وكيع: توافيه، وإنما قَالَ وكيع: توافي بمنى، وأصاب في قوله: توافي كما قَالَ أصحابه، وأخطأ وكيع أيضًا في قوله: بمنى.
أخبرنا علي بن حرب: ثَنَا هارون بن عمران، عن سليمان بن أبي داود، عن هشام، عن أبيه قَالَ: أخبرتني أم سلمة قالت: قدمني النبي - ﷺ - فيمن قدم من أهل مكة ليلة المزدلفة، قالت: فرميت بليل، ومضيت إلى مكة فصليت بها الصبح، ثم رجعت قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت (١)، وكان ذَلِكَ اليوم الثاني الذي يكون عندها رسول الله - ﷺ -.
وأما أثر عمر: فأخرجه البيهقي من حديث ابن بكير: ثَنَا مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن: أن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري

--------------
(١) رواه الطبراني ٢٣/ ٢٦٨ (٥٧٠) بهذا الإسناد، قال: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن ثنا على بن حرب .. الحديث. وأورده الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٥٧ وقال: رواه الطبراني في «الكبير»، وفيه: سليمان بن أبي داود، قال ابن القطان: لا يعرف.


أخبره: أنه طاف مع عمر بن الخطاب بعد صلاة الصبح بالكعبة، فلما قضى طوافه نظر، فلم ير الشمس، فركب حَتَّى أناخ بذي طوى، فسبح ركعتين (١).
وأخرجه ابن أبي شيبة: حَدَّثَنَا علي بن مسهر ثنا ابن أبي ليلى، عن عطاء قَالَ: طاف عمر بعد الفجر، وفيه: فلما طلعت الشمس وارتفعت صلى ركعتين، ثم قَالَ: ركعتان مكان ركعتين (٢).
قَالَ ابن المنذر: اختلفوا فيمن نسي ركعتي الطواف، حَتَّى خرج من الحرم أو رجع إلى بلاده، فقال عطاء والحسن البصري: يركعهما حيثما ذكر من حل، أو حرم (٣)، وبهذا قَالَ أبو حنيفة، والشافعي (٤).
وهو موافق لحديث أم سلمة؛ لأنه ليس في الحديث أنها جعلتهما في الحل، أو في الحرم، وقال الثوري: يركعهما حيث شاء، ما لم يخرج من الحرم (٥).
وقال في «المدونة»: من طاف في غير إبان صلاة أجزأ الركعتين، وإن خرج إلى الحل ركعهما فيه ويجزئانه ما لم ينتقض وضوؤه، وإن انتقض قبل أن يركعهما، وكان طوافه ذَلِكَ واجبًا، فابتدأ الطواف

-------------
(١) «السنن الكبرى» ٢/ ٤٦٣ كتاب: الصلاة، باب: ذكر البيان أن هذا النهي مخصوص ببعض الأمكنة دون بعض.
(٢) «المصنف» ٣/ ١٧٦ - ١٧٧ (١٣٢٥٨) من كان يكره إذا طاف بالبيت بعد العصر وبعد الفجر أن يصلي حتى تغيب أو تطلع.
(٣) روى ذلك ابن أبي شيبة ٣/ ٣٠٣ (١٤٥٥٩ - ١٤٥٦٠)
(٤) انظر «الأصل» ٢/ ٤٠٣، «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٣٥، «البناية» ٤/ ٨٠، «البيان» ٤/ ٣٠١، «المجموع» ٨/ ٧٥.
(٥) انظر «الاستذكار» ١٢/ ١٧٠.



بالبيت وركع، لأن الركعتين من الطواف يوصلان به، إلا أن تتباعد فليركعهما ويهدي ولا يرجع (١).
قَالَ ابن المنذر: ليس ذَلِكَ أكثر من صلاة مكتوبة، وليس عَلَى من تركهما إلا قضاؤهما حيث ذكرهما.

----------
(١) «المدونة» ١/ ٣١٨.


٧٢ - باب: مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ خَلْفَ المَقَامِ
١٦٢٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَطَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. [انظر: ٣٩٥ - مسلم: ١٢٣٤ - فتح: ٣/ ٤٨٧].
حديثه فيها سلف في باب: صلاة رسول الله - ﷺ - لسبوعه ركعتين (١).
وأسلفنا فقهه هناك، وهما عندنا مستحبتان، لا واجبتان عَلَى الأصح، خلافًا لمالك، وأبي حنيفة، فإن نسيهما في الحج، أو العمرة أعاده عند مالك ثم ركعهما (٢).
وقال ابن القاسم: لا يُعيد الطواف، ولا السعي، ويركعهما، ولو أعاده كان أحب (٣).
فائدة:
(المقام) حجر. قَالَ مالك في «العتبية»: سمعتُ أهل العلم يقولون: إن إبراهيم قام هذا المقام، فيزعمون أن ذَلِكَ أثر مقامه، فأوحى الله إلى الجبال أن تفرج عنه حَتَّى يرى أثر المناسك.
وقال ابن حبيب: نداء إبراهيم كان عليه فتطأطأ له كل شيء (٤).

-------------
(١) برقم (١٦٢٣).
(٢) انظر «تحفة الفقهاء» ١/ ٤٠٢، «البناية» ٤/ ٧٩، «عيون المجالس» ٢/ ٨١٣، «المنتقى» ٢/ ٢٨٧، «البيان» ٤/ ٢٩٨، «روضة الطالبين» ٣/ ٨٣.
(٣) انظر «المنتقى» ٢/ ٢٨٧.
(٤) المصدر السابق.



٧٣ - باب: الطَّوَافِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالعَصْرِ
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ. وَطَافَ عُمَرُ بَعْدَ الصُّبْحِ، فَرَكِبَ حَتَّى صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ بِذِي طُوًى.

١٦٢٨ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عُمَرَ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ نَاسًا طَافُوا بِالبَيْتِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ قَعَدُوا إِلَى المُذَكِّرِ، حَتَّى إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامُوا يُصَلُّونَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: قَعَدُوا حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّاعَةُ التِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ قَامُوا يُصَلُّونَ. [فتح: ٣/ ٤٨٨]

١٦٢٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَنْهَى عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا. [مسلم: ٨٢٨ - فتح: ٣/ ٤٨٨]

١٦٣٠ - حَدَّثَنِي الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ -هُوَ: الزَّعْفَرَانِيُّ- حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما يَطُوفُ بَعْدَ الفَجْرِ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. [فتح: ٣/ ٤٨٨]

١٦٣١ - قَالَ عَبْدُ العَزِيزِ: وَرَأَيْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، وَيُخْبِرُ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها حَدَّثَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَهَا إِلَّا صَلاَّهُمَا. [انظر: ٥٩٠ - مسلم: ٨٣٥ - فتح: ٣/ ٤٨٨]
ثم ذكر أثر عائشة مسندًا أنَّ نَاسًا طَافُوا بِالبَيْتِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ قَعَدُوا إِلَى المُذَكِّرِ، حَتَّى إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامُوا يُصَلُّونَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ قَعَدُوا حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّاعةُ التِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلاةُ قَامُوا يُصَلُّونَ.


ثم ذكر حديث عبد الله -يعني: ابن عمر- قال سمعت النبي - ﷺ - نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وعن عبد العزيز بن رفيع، قال: رأيت عبد الله بن الزبير يطوف بعد الفجر ويصلي ركعتين ركعتين، قال عبد العزيز: ورأيت عبد الله بن الزبير يصلي ركعتين بعد العصر ويخبر أن عائشة حدثته أن النبي - ﷺ - لم يدخل بيتها إلاصلاهما.
أما أثر ابن عمر فقد أسنده ابن أبي شيبة، عن يعلى، عن الأجلح عن عطاء قَالَ: رأيتُ ابن عمر وابن الزبير طافا بالبيت قبل صلاة الفجر، ثم صليا ركعتين قبل طلوع الشمس.
وحَدَّثَنَا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عطاء قَالَ: رأيت ابن عمر طاف بالبيت بعد الفجر، وصلى الركعتين قبل طلوع الشمس.
وحَدَّثَنَا أبو الأحوص، عن ليث، عن عطاء رأيتُ ابن عمر وابن عباس طافا بعد العصر وصليا.
وحَدَّثَنَا ابن فضيل عن ليث، عن أبي سعيد أنه رأى الحسن الحسين طافا بالبيت بعد العصر وصليا. وحدثنا ابن فضيل عن الوليد بن جميع عن أبي الطفيل: أنه كان يطوف بعد العصر ويصلي حين تصفر الشمس (١).
قلتُ: وقد رُوِي عن ابن عمر خلاف هذا، بإسناد صحيح، أخرجه الطحاوي، عن ابن خزيمة: حَدَّثَنَا حجاج ثنا همام، ثنا نافع أن ابن عمر: قَدم عند صلاة الصبح فطاف، ولم يصل إلا بعد ما طلعت الشمس (٢).

----------------
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ١٧٥ - ١٧٦ (١٣٢٤٣ - ١٣٢٤٤، ١٣٢٤٩ - ١٣٢٥٠) و٧/ ٣١٧ (٣٦٤٣٢ - ٣٦٤٣٣، ٣٦٤٣٥ - ٣٦٤٣٦).
(٢) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٨٧.



ولما ذكر ابن أبي شيبة الآثار السالفة، شرع يعيب أبا حنيفة بأنه خالفها، وقال: لا يصلى حَتَّى تغيب، أو تطلع، وتمكن الصلاة! (١).
وأما أثر عمر: فذكره مالك في «الموطأ»، عن ابن شهاب (٢)، وقد سلف في الباب قبله، ورواه سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري (٣).
قَالَ أحمد: أخطأ سفيان، وقد خالفوه فقالوا: الزهري، عن حميد.
قَالَ الأثرم: هذا من وهم سفيان، يقول فيه: عن عروة، فقيل له: هذا نوح بن يزيد، رواه، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهري عن عروة أيضًا، فأنكره فرجعتُ إلى نوح فأخرجه لي من أصل كتابه فإذا هو عن عروة، وإذا صالح أيضًا يرويه عن عروة، قَالَ أبو عبد الله: ذاك -يعني: نوحًا- ونوح لم يكن به بأس، كان مستثبتًا (٤).
ولعل إبراهيم أن يكون حدَّث من حفظه، وكان ربما حدث بالشيء من حفظه، وكتاب صالح عندي، ما أدري كيف قَالَ فيه؟!
وقال أبو حاتم: حديث سفيان خطأ (٥).
وأثر عائشة وحديثها من أفراده. وحديث ابن عمر سلف في الصلاة (٦). وعبيدة بن حُميد في حديث عائشة بفتح العين.

-----------
(١) انظر: «المصنف» ٧/ ٣١٧.
(٢) «الموطأ» ٢٤١.
(٣) رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ١/ ٢٦٤ (٥٢٠)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٨٧، والبيهقي في «سننه» ٢/ ٤٦٣ كتاب: الصلاة، باب: ذكر البيان أن هذا النهي مخصوص ببعض الأمكنة دون بعض.
(٤) انظر: «تاريخ بغداد» ١٣/ ٣١٩.
(٥) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢٨٢.
(٦) سلف برقم (٥٩٠ - ٥٩٣) باب: ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها.



أمَّا حكم الباب: فقد ذكر البخاري الخلاف فيه عن الصحابة، وكان مذهبه فيه التوسعة، إن صلى فلا حرج، وإن أخرها عَلَى ما فعله عمر فلا حرج، وكان ابن عباس يُصلي بعد الصبح والعصر ركعتي
الطواف، وهو قول عطاء وطاوس والقاسم وعروة، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور (١).
وحجتهم حديث جبير بن مطعم (٢) يبلغ به النبي - ﷺ - قَالَ: «يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أيَّ ساعة شاء من ليل أو نهار»، رواه أصحاب السنن الأربعة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم، وزاد: عَلَى شرط مسلم (٣). فعم الأوقات كلها.
وروي عن أبي سعيد الخدري مثل قول عمر: لا بأس بالطواف بعد الصبح والعصر، ويؤخر الركعتين إلى بعد طلوع الشمس، وبعد غروبها،

--------------
(١) انظر «الاستذكار» ١٢/ ١٧٦، «المجموع» ٨/ ٧٩، «روضة الطالبين» ١/ ١٩٣، «مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج» ١/ ٥٦١، «المبدع» ٢/ ٣٧.
(٢) في هامش الأصل: من خط الشيخ: رواه ابن عباس أيضًا، ذكره في كتاب «الإمام» من وراية سليم بن مسلم.
(٣) «سنن أبي داود» (١٨٩٤) كتاب: المناسك، باب: الطواف بعد العصر، «سنن الترمذي» (٨٦٨) كتاب: الحج، باب: ما جاء في الصلاة بعد العصر وبعد الصبح لمن يطوف، و«سنن النسائي» ١/ ٢٨٤ كتاب: المواقيت، إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة، «سنن ابن ماجه» (١٢٥٤) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الرخصة في الصلاة بمكة في كل وقت، «صحيح ابن حبان» ٤/ ٤٢٠ (١٥٥٢) كتاب: الطهارة، فصل في الأوقات المنهي عنها، «المستدرك» ١/ ٤٤٨ كتاب: المناسك، والحديث صححه الألباني في «صحيح الجامع» (٧٩٠٠)، وانظر: «الإرواء» ٢/ ٢٣٨ (٤٨١).



وهو قول مالك، وأبي حنيفة والثوري (١).
قَالَ الطحاوي: فهذا عمر لم يركع حين طاف؛ لأنه لم يكن عنده وقت صلاة، وأخَّر ذَلِكَ إلى أن دخل عليه وقت الصلاة، وهذا بحضرة جماعة من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فلم ينكره عليه منهم أحد، ولو كان ذَلِكَ الوقت عنده وقت صلاة الطواف لصلى وما أخر ذَلِكَ؛ لأنه لا ينبغي لأحد طاف بالبيت إلا أن يُصلي حينئذٍ إلا من عذر، وقد رُوِي ذَلِكَ عن معاذ (٢) بن عفراء، وعن ابن عمر (٣).
قَالَ المهلب: وما ذكره البخاري عن ابن عمر أنه كان يركعهما ما لم تطلع الشمس، وهو يروي نهيه - ﷺ - عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، فيدل أن النهي عنده عن ذَلِكَ إنما هو موافقتهما، وأما إذا أمن أن يوافق ذَلِكَ فله أن يصليهما؛ لأن الوقت لهما واسع، ومن سنتهما الاتصال بالطواف.
وقد بين ذَلِكَ ما رواه الطحاوي: حَدَّثَنَا يعقوب بن حميد، حَدَّثَنَا ابن أبي غنية، عن عمر بن ذر، عن مجاهد قَالَ: كان ابن عمر يطوف بعد العصر، ويصلي ما كانت الشمس بيضاء حية، فإذا اصفرت وتغيرت طاف طوافًا واحدًا حَتَّى يُصلي المغرب، ثم يُصلي ويطوف بعد الصبح ما كان في غلس، فإذا أسفر طاف طوافًا واحدًا، ثم يجلس حَتَّى ترتفع الشمس ويمكن الركوع، وهذا قول مجاهد والنخعي وعطاء، وهو قول ثالث في المسألة ذكره الطحاوي (٤).

-------------
(١) انظر «الأصل» ٢/ ٤٠٢، «مختصر الطحاوي» ٦٣، «عيون المجالس» ٢/ ٩٠٣، «الاستذكار» ١٢/ ١٧٦.
(٢) في هامش الأصل من خط الشيخ: أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد جيد.
(٣) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٨٧.
(٤) السابق ٢/ ١٨٨.



وفي «مسند أحمد» بإسناد جيد (١) عن أبي الزبير قَالَ: سألتُ جابرًا قَالَ: كنا نطوف فنمسح الركن الفاتحة والخاتمة، ولم نكن نطوف بعد صلاة الصبح حَتَّى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حَتَّى تغرب. وقال:
سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «تطلع الشمس في قرني شيطان» (٢).
وقد سلف حديث أم سلمة أنها طافت ولم تصل حَتَّى خرجت (٣).
وفي «سنن سعيد بن منصور» و«مصنف ابن أبي شيبة» عن أبي سعيد الخدري أنه طاف بعد الصبح، فلما فرغ، جلس حَتَّى طلعت الشمس (٤).
قَالَ سعيد بن منصور: وكان سعيد بن جبير والحسن ومجاهد يكرهون ذَلِكَ أيضًا.
قَالَ ابن عبد البر: وهو قول مالك وأصحابه (٥)، ولابن أبي شيبة بإسناد جيد أن المسور بن مخرمة كان يطوف بعد الغداة ثلاثة أسابيع، فإذا طلعت الشمس صلى لكل سبوع ركعتين، وبعد العصر يفعل ذَلِكَ، فإذا غابت الشمس صلى لكل أسبوع ركعتين، وله عن أيوب قَالَ: رأيتُ سعيد بن جبير ومجاهدًا يطوفان بالبيت حَتَّى تصفر الشمس ويجلسان.
وعن عائشة أنها قالت: إذا أردت الطواف بالبيت بعد صلاة الفجر، أو بعد صلاة العصر فطف وأخر الصلاة حَتَّى تغيب الشمس، أو حَتَّى

-------------
(١) في هامش الأصل: في سنده ابن لهيعة والعمل على تضعيف حديثه.
(٢) «مسند أحمد» ٣/ ٣٩٣.
(٣) سلف برقم (١٦٢٦).
(٤) «المصنف» ٣/ ١٧٧ (١٣٢٥٩) من كان يكره إذا طاف بالبيت بعد العصر وبعد الفجر أن يصلي حتى تغيب أو تطلع.
(٥) «الاستذكار» ١٢/ ١٧٦.



تطلع، فصل لكل أسبوع ركعتين (١)، وأبعد من أَوَّلَ الصلاة في حديث جبير السالف بالدعاء؛ لأنه خلاف الحقيقة، وكذا من حمله عَلَى غير أوقات النهي؛ لأنه عام في الإباحة. وحديث النهي خاص في التحريم فيحمل عَلَى ما عداه، ولأن الإباحة والتحريم إذا اجتمعتا عمل بالثاني؛ لأنه مقتضى الاحتياط، وما فعله ابن الزبير من صلاة ركعتين بعد العصر تبع فيه رواية عائشة.
لكن الصحيح أن المداومة عليهما في هذِه الحالة كانت من خصائصه. وقال ابن التين: انفرد داود من بين الفقهاء، فقال: لا بأس بالنافلة بعد العصر حَتَّى تغرب الشمس، والنصوص ترده (٢).

------------
(١) «المصنف» ٣/ ١٧٦ (١٣٢٥٤ - ١٣٢٥٦) كتاب: الحج، من كان يكره إذا طاف بالبيت بعد العصر وبعد الفجر أن يصلي حتى تغيب، أو تطلع.
(٢) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الثلاثين، كتبه مؤلفه.



٧٤ - باب: المَرِيضِ يَطُوفُ رَاكِبًا
١٦٣٢ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - طَافَ بِالبَيْتِ، وَهْوَ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ وَكَبَّرَ. [انظر: ١٦٠٧ - مسلم: ١٢٧٢ - فتح: ٣/ ٤٩٠]

١٦٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنِّي أَشْتَكِي. فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ». فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ البَيْتِ، وَهْوَ يَقْرَأُ بِـ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١، ٢] [انظر: ٤٦٤ - مسلم: ١٢٧٦ - فتح: ٣/ ٤٩٠]
ذكر فيه حديث ابن عباس (١): والسالف في باب التكبير عند الركن.
وحديث أم سلمة في طوافها راكبة (٢) وقد سلف تحريره، وسلف فقهه أيضًا.
قَالَ ابن المنذر: أجمع أهل العلم عَلَى جواز طواف المريض عَلَى الدابة، ومحمولًا، إلا عطاء فروي عنه فيها قولان: أحدهما: أن يطاف به، والثاني: أن يستأجر من يطوف عنه (٣).

---------------
(١) ورد بهامش الأصل: جاء في أبي داود أنه - ﷺ - كان في طوافه هذا مريضًا، وهذا المعنى الذي أفاده البخاري بترجمته عليه.
(٢) برقم (١٦١٣).
(٣) «الإجماع» لابن المنذر ٥٣.



٧٥ - باب سِقَايَةِ الحَاجِّ
١٦٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: اسْتَأْذَنَ العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ - رضي الله عنه - رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. [١٧٤٣، ١٧٤٤، ١٧٤٥ - مسلم: ١٣١٥ - فتح: ٣/ ٤٩٠]

١٦٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ، فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا فَضْلُ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ، فَأْتِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا. فَقَالَ: «اسْقِنِي». قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ. قَالَ: «اسْقِنِي». فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ، وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا، فَقَالَ: «اعْمَلُوا، فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ -ثُمَّ قَالَ:- لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الحَبْلَ عَلَى هَذِهِ». - يَعْنِي: عَاتِقَهُ، وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ. [فتح: ٣/ ٤٩١]
ذكرْ فيه حديث ابن عمر: اسْتَأْذَنَ العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ - رضي الله عنه - رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ.
وحديث ابن عباس أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ، فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا فَضْلُ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ، فَأْتِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا .. الحديث.
أما حديث ابن عمر فأخرجه مسلم (١)، وأما حديث ابن عباس فهو من أفراده، وانفرد مسلم من وجه آخر عن ابن عباس يأتي (٢).

-----------
(١) «صحيح مسلم» (١٣١٥) كتاب: الحج، باب: وجوب المبيت بمنى ليالي أيام التشريق، والترخيص في تركه لأهل السقاية.
(٢) «صحيح مسلم» (١٣١٦).



ومن حديث جابر: «انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس عَلَى سقايتكم لنزعت معهم» (١).
والثاني: (٢) رواه البخاري، عن إسحاق: حَدَّثَنَا خالد، عن خالد، عن عكرمة، وإسحاق (خ، س) هو ابن شاهين أبو بشر الواسطي، ذكره أبو نعيم، وخالد هو ابن عبد الله الطحان، وخالد الثاني هو ابن مهران الحذاء.
إذا عرفت ذَلِكَ:
فالسقاية كانت للعباس مكرمة يسقي الناس نبيذ التمر، فأقرها - عليه السلام - في الإسلام، وموضوعها من باب إكرام الضيف، واصطناع المعروف.
قَالَ ابن إسحاق في «سيره»: لما ولي قصي بن كلاب البيت كانت إليه الحجابة، والسقاية، والرفادة، والندوة، واللواء، فأعطى ابنه عبد الدار بن قصي ذَلِكَ كله، فلما هلك قصي نازعتْ بنو عبد مناف بني عبد الدار ذَلِكَ، فتصالحوا عَلَى أن يكون لبني عبد مناف السقاية والرفادة، ولأولئك الحجابة واللواء والندوة (٣).
قَالَ طاوس: والشرب من سقاية العباس من تمام الحج (٤).
قَالَ عطاء: لقد أدركتُ هذا الشراب، وإن الرجل ليشرب فتلتزق شفتاه، من حلاوته، فلما ذهبت الحرية ووليه العبيد، تهاونوا بالشراب واستخفوا به (٥).

---------
(١) «صحيح مسلم» (١٢١٨) كتاب: الحج، باب: حجة النبي - ﷺ -.
(٢) في الأصل فوقها: يعني: حديث ابن عباس.
(٣) «سيرة ابن هشام» ١/ ١٤٢ - ٢٤٤.
(٤) رواه الأزرقي في «أخبار مكة» ٢/ ٥٥، ٥٧ مطولًا، الفاكهي كذلك في «أخبار مكة» ٢/ ٦٠ (١١٤٨).
(٥) رواه الفاكهي ٢/ ٦١ - ٦٢ (١١٥١)، والبيهقي في «سننه» ٨/ ٣٠٥ كتاب: الأشربة، باب: ما جاء في الكسر بالماء.



وروى ابن أبي شيبة عن السائب بن عبد الله أنه أمر مجاهدًا مولاه بأن يشرب من سقاية العباس، ويقول: إنه من تمام السنة. وفي لفظ: فقد شرب منها المسلمون.
وقال الربيع بن سعد: أتى أبو جعفر السقاية فشرب وأعطى جعفرًا فضله.
وقال بكر بن عبد الله: أحب للرجل أن يشرب من نبيذها. وممن شرب منها سعيد بن جبير، وأمر به سويد بن غفلة.
وروى ابن جريج، عن نافع أن ابن عمر لم يكن يشرب من النبيذ في الحج، وكذا روى خالد بن أبي بكر، أنه حج مع سالم ما لا يحصى، فلم يره يشرب من نبيذ السقاية (١).
وروى الطبري من حديث ابن عباس في قصة السقاية أتم مما ذكره البخاري: حَدَّثَنَا أبو بكر بن عياش، عن يزيد بن أبي زياد، عن عكرمة، عن ابن عباس قَالَ: لما طاف رسول الله - ﷺ - أتى العباس وهو في السقاية فقال: «اسقوني». فقال العباس: إن هذا قد مُرت -يعني: مُرس- أفلا أسقيك مما في بيوتنا؟ قَالَ: «لا، ولكن اسقوني مما يشرب الناس». فأتى به، فذاقه فقطب، ثم دعا بماءٍ فكسره، ثم قَالَ: «إذا اشتد نبيذكم فاكسروه بالماء». وتقطيبه منه إنما كان لحموضته فقط (٢).
وكسره قيل: بغيره ليهون عليه شربه، ومثل ذَلِكَ يحمل عَلَى ما رُوِي عن عمر وعلي فيه لا غير، وإنما أذن للعباس في المغيب عن منى وهو

-----------
(١) «المصنف» ٣/ ١٨٢ (١٣٣١١، ١٣٣١٣ - ١٣٣١٥، ١٣٣١٩ - ١٣٣٢٠) في الشرب في نبيذ السقاية.
(٢) رواه الطبري في «تهذيب الآثار» السفر الأول من مسند ابن عباس ص: ٥٥ - ٥٦.



واجب، ولم يوجب عليه الهدي من أجل السقاية؛ لأنها عمل من أعمال الحج. ألا ترى قوله إذ ورد زمزم وهم يسقون: («اعملوا فإنكم عَلَى عمل صالح»).
وقوله: («لولا أن تغلبوا لنزلت») -أي: لاستقاء الماء- فهذِه ولاية للعباس وآله السقاية، وإنما خشي أن يتخذها الملوك سنة يغلبون عليها من وليها من ذرية العباس، ولا تختص رخصة السقي للعباسية عَلَى الأصح؛ لأن المعنى عام، وقيل: يختص ببني هاشم من آل عباس وغيرهم، وقيل: بآل العباس، ولا تختص أيضًا بتلك السقاية عَلَى الأصح بل ما حدث للحاج كذلك.
فوائد: الأولى: هذا الحديث أصل في أن المبيت بمنى ليالي منى مأمور به، وإلا فكان يجوز للعباس ذَلِكَ ولغيره دون إرخاص له، وإذا ترك -غير من رخص له الثلاث ليال فدم واحد عَلَى الأصح.
وفي قول: لكل ليلة دم، وإن ترك ليلة فالأظهر أنه يجبر بدم، وفي قول: بدرهم. ونقل عن عطاء، وفي قول: بثلاث دم، وإن ترك ليلتين فعلى هذا القياس (١).
وقال أبو حنيفة: لا شيء عليه (٢)، وقال ابن عباس: المبيت بمكة مباح ليالي منى، وعن عكرمة نحوه، ومنع عمر في «الموطأ» أن يبيت وراء العقبة (٣).

-----------
(١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ٢٨٥ (١٤٣٧٦) من كره أن يبيت ليالي منى بمكة.
(٢) انظر «بدائع الصنائع» ٢/ ١٣٥، «تبيين الحقائق» ٢/ ٣٥، «البناية» ٤/ ١٢٣.
(٣) «الموطأ» ١/ ٥٤٢ (١٤٠٩ - ١٤١٠) كتاب: المناسك، باب: البيتوتة بمنى ليالي منى.



وهو إجماع لعدم الخلاف فيه إلا شيئًا عن ابن عباس وعكرمة.
الثانية: لا يحصل المبيت إلا بمعظم الليل، وفي قول: أن الاعتبار بوقت طلوع الفجر، وفي «المدونة»: من بات عنها جل الليل فعليه دم.
الثالثة: الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، والثانية الوسطى، وهما بمنى، وثالثها جمرة العقبة، وليست من منى، فمنى من بطن مُحَسِّر إلى العقبة.
وقال ابن التين: المبيت بمنى هو أن يبيت من جمرة العقبة إليها.
وقال مالك: من بات وراء الجمرة عليه الفدية؛ لأنه بات بغير منى (١).
وروى ابن أبي شيبة من حديث ليث، عن طاوس، عن ابن عباس أنه قَالَ: لا يبيتن أحد من وراء العقبة ليلًا بمنى أيام التشريق.
ومن حديث عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن عمر كان ينهى أن يبيت أحد من وراء العقبة، وكان يأمرهم أن يدخلوا منى.
وعن عروة: لا يبيتن أحد من وراء العقبة أيام التشريق.
وقال إبراهيم: إذا بات دون العقبة أهراق لذلك دمًا.
وعن عطاء: يتصدق بدرهم أو نحوه (٢)، وعن سالم: يتصدق بدرهم (٣).
الرابعة: قَالَ ابن عباس: من كان له متاع بمكة يخشى عليه ضياعه بات بها (٤)، ومقتضاه إباحته للعذر وعليه دم، عَلَى مقتضى قول ابن نافع

------------
(١) انظر «المنتقى» ٣/ ٤٥.
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٢٨٥ (١٤٣٦٨ - ١٤٣٦٩، ١٤٣٧٤ - ١٤٣٧٦).
(٣) «المصنف» ٣/ ٢٨٥ (١٤٣٧٨) من حديث بكير بن مسمار عن سالم قال: يتصدق بدينار، يعني إذا بات عن منى.
(٤) رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ٢/ ٦٥ (١١٦٠).



في «مبسوطه»: من زار البيت فمرض وبات بمكة فعليه هدي يسوقه من الحل إلى الحرم، وإن بات الليالي كلها بمكة.
قَالَ الداودي: فقيل: عليه شاة، وقيل: بدنة. وروى ابن المغلس في «موضَّحه» عن ابن عباس: أنه كان لا يرى بأسًا إن بات بمكة وقفل إذا رمى. وعن سعيد، عن قتادة أنه كان يكره إذا زار البيت أن يبيت بمكة.
قلتُ: فإن بات بها. قَالَ: ما علمتُ عليه شيئًا.
وروى ابن أبي شيبة، عن ابن عباس قَالَ: إذا رميت الجمار بن حيث شئت. وعن عطاء: لا بأس أن يبيت الرجل بمكة ليالي منى إذا كان في ضيعته.
وعن ابن عمر: أنه كان يكره أن ينام أحد أيام منى بمكة.
ومن حديث ليث، عن مجاهد: لا بأس أن يكون أول النهار بمكة وآخره بمنى. ولا بأس أن يكون أول الليل بمنى وآخره بمكة. وعنه أنه كره أن يبيت ليلة تامة عن منى.
وعن محمد بن كعب: من السنة إذا زرت البيت أن لا تبيت إلا بمنى.
وعن أبي قلابة: اجعلوا أيام منى بمنى (١).
الخامسة: هذا الماء مرصد لمصالح المسلمين أرصده العباس للمارة وابن السبيل، لا يُقال: إنه من الصدقات، فإنها محرمة عليه الفرض والتطوع.
وفيه: أنه لا يكره الاستسقاء، وقد استسقى اللبن في مخرجه إلى المدينة (٢).

---------------
(١) «المصنف» ٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦ (١٤٣٧٠ - ١٤٣٧٣، ١٤٣٧٧، ١٤٣٨٠ - ١٤٣٨١).
(٢) يشير المصنف رحمه الله استسقاء أبي بكر اللبن له -في مهاجره - عليه السلام -- من الراعي، =



وفيه: استعمال التواضع فإنهم كانوا يجعلون أيديهم فيه، وشرب منه ولم يخص بماء، كما أشار إليه العباس تسهيلًا للناس.
وفيه: رد ما قد يهدى له.
وفيه: حرص أصحابه وقرابته عَلَى إبراره.
وفيه: من التواضع أيضًا قوله: «لولا أن تغلبوا لنزلت حَتَّى أضع الحبل عَلَى هذِه» يعني: عاتقه.
وفيه: أن أفعاله للوجوب فتركه مع الرغبة في الفضل شفقة أن تتخذ واجبًا للاقتداء. نبه عليه الخطَّابي (١).
وقال الداودي: يريد إنكم لا تدعوني إلى الاستقاء، ولا أحب أن أفعل بكم ما تكرهون، وهذا إنما يجيء إذا كان «تغلبوا» مبنيًا للفاعل، والرواية المعروفة مبنيًا للمفعول الذي لم يسم فاعله.
قَالَ ابن بزيزة: وأراد بقوله: «(لولا أن تغلبوا») قصر السقاية عليهم، وأن لا يشاركوا فيها.
وقوله: (يعني: عاتقه) أي: ما قاربه.
قَالَ ابن سيرين: خرج عليُّ من مكة إلى المدينة فقال للعباس: يا عم، ألا تهاجر؟ ألا تمضي لرسول الله - ﷺ -؟ فقال: أنا أعمر البيت

-------
= ويأتي برقم (٢٤٣٩) كتاب: في اللقطة، باب لم يسم ومواضع أخر.
أو ما في حديث أم معبد وهو في «المستدرك» ٢/ ٩ عن هشام بن حبيش قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
والطبراني ٤/ ٤٨ من حديث حبيش بن خالد الخزاعي والد هشام.
قال الهيثمي في «المجمع» ٦/ ٥٦ - ٥٨، رواه الطبراني وفي إسناده جماعة لم أعرفهم.
(١) «أعلام الحديث» ٢/ ٨٨٣.



وأحجبه، فنزلت ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ﴾ (١) [التوبة: ١٩] الآية. أي: هم أرفع منزلة من ذَلِكَ، وهم مشركون، أولئك الذين وصيناهم بالإيمان والهجرة والجهاد، هم الفائزون بالجنة من النار.
السادسة: في «شرح الهداية»: يُكره أن لا يبيت بمنى ليالي الرمي؛ لأن الشارع بات بها، وكذا عمر وكان يؤدب عَلَى تركه، فلو بات في غيره متعمدًا لا يلزمه شيء، وقال بعض الشيوخ: المبيت في هذِه
الليالي سنة عندنا، وبه قَالَ أهل الظاهر (٢).
قَالَ القرطبي: وروي نحوه عن ابن عباس (٣) والحسن البصري قَالَ: والمبيت بمنى ليالي التشريق من سنن الحج بلا خلاف، إلا لذوي السقاية، أو الرعاة، ومن تعجل بالنفر في ترك ذَلِكَ في ليلة واحدة، أو جميع الليالي، كان عليه دم عند مالك (٤)، وللشافعي فيه قولان: أصحهما وجوبه (٥)، وبه قَالَ أحمد (٦).
السابعة: من المعذورين عن المبيت:
من له مال يخاف ضياعه إن اشتغل بالمبيت، أو يخاف عَلَى نفسه، أو كان به مرض، أو له مريض، أو يطلب آبقًا، وشبه ذَلِكَ ففي هؤلاء وجهان عندنا أصحهما وهو المنصوص: يجوز لهم ترك المبيت ولا شيء

----------------
(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» ٣/ ٣٩٥ وعزاه إلى الفريابي.
(٢) انظر: «المحلى» ٧/ ١٨٤.
(٣) في هامش الأصل: من خط الشيخ: رواه ابن عيينة عن عمرو عنه، قاله ابن بطال.
(٤) انظر «التفريع» ١/ ٣٤٢، «عيون المجالس» ٢/ ٨٢٤.
(٥) انظر «البيان» ٤/ ٣٥٦، «المجموع» ٨/ ١١١، «روضة الطالبين» ٣/ ٩٩، ١٠٤.
وانظر «المستوعب» ٤/ ٢٥٧، «المغني» ٥/ ٣٢٥.
(٦) انتهى من «المفهم» ٣/ ٤١٤.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #325  
قديم اليوم, 01:45 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,828
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (11)
من صـــ 451 الى صـــ 470
الحلقة (325)






عليهم بسببه (١).
وقد أسلفنا نحو ذَلِكَ عن ابن عباس، ولهم النفر بعد الغروب، ولو ترك البيات ناسيًا كان كتركه عامدًا.
الثامنة: في مسلم -من أفراده- من حديث بكر بن عبد الله المزني قَالَ: كنتُ جالسًا مع ابن عباس عند الكعبة، فأتاني أعرابي فقال: ما لي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ؟ أومن حاجة بكم أم من بخل؟ فقال ابن عباس: الحمد لله ما بنا من حاجة ولا بخل، قدم رسول الله - ﷺ - عَلَى راحلته وخلفه أسامة فاستسقى، فأتيناه بإناء من نبيذ فشرب، وسقى فضله أسامة وقال: «أحسنتم وأجملتم، كذا فاصنعوا». فلا نُريد تغيير ما أمر به رسول الله - ﷺ - (٢).
التاسعة: في أفراد مسلم أيضًا: من حديث جابر: أتى النبي - ﷺ - بني عبد المطلب وهم يسقون عَلَى زمزم، فقال: «انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس عَلَى سقايتكم لنزعت معكم» فناولوه دلوًا فشرب منه (٣)، وأفاد ابن السكن أن الذي ناوله الدلو العباس بن عبد المطلب.

------------
(١) انظر «البيان» ٤/ ٣٥٧، «روضة الطالبين» ٣/ ١٠٥.
(٢) مسلم (١٣١٦).
(٣) مسلم (١٢١٨).



٧٦ - باب مَا جَاءَ فِي زَمْزَمَ
١٦٣٦ - وَقَالَ عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ - رضي الله عنه - يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «فُرِجَ سَقْفِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ - عليه السلام - فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ». [انظر: ٣٤٩ - مسلم: ١٦٣ - فتح: ٣/ ٤٩٢]

١٦٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ: ابْنُ سَلَامٍ -، أَخْبَرَنَا الفَزَارِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما حَدَّثَهُ قَالَ: سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مِنْ زَمْزَمَ فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ. قَالَ عَاصِمٌ: فَحَلَفَ عِكْرِمَةُ مَا كَانَ يَوْمَئِذٍ إِلاَّ عَلَى بَعِيرٍ. [٥٦١٧ - مسلم: ٢٠٢٧ - فتح: ٣/ ٤٩٢]
وَقَالَ عَبْدَانُ: أَنَا عَبْدُ الله، أَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قال: "فُرِجَ سَقْفِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأفْرَغَهَا فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي .. الحديث.
ثم ذكر حديث ابن عباس: سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مِنْ زَمْزَمَ فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ، قَالَ عَاصِمٌ: فَحَلَفَ عِكْرِمَةُ: مَا كَانَ يَوْمَئِذٍ إِلَّا عَلَى بَعِيرِ.
الشرح:
أما الحديث المعلق فقد أسنده في أوائل الصلاة مطولًا (١)، وذكر

--------
(١) سبق برقم (٣٤٩) باب: كيف فرضت الصلاة في الإسراء.


حديث المعراج، ورواه الإسماعيلي، عن الحسن بن سفيان، ثَنَا حرملة بن يحيى، أنا عبد الله بن وهب، أنا يونس، قَالَ: وأخبرنيه موسى: ثَنَا أحمد، ثَنَا ابن وهب، أنا يونس، فذكرهُ.
وأما حديث ابن عباس، فأخرجهُ مسلم أيضًا، بلفظ: استسقى، فأتيته بدلو وهو عند البيت (١). ولابن ماجه: سقيتهُ من زمزم فشرب قائمًا (٢).
إذا عرفت ذَلِكَ: فمقصود البخاري بالحديث الأول قوله: («ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ»). وقد سلف الكلام عليه في أول الصلاة واستشكاله، وجاء في فضل مائها عدة أحاديث لكنها ليست عَلَى شرطه، وبعضها عَلَى شرط مسلم، ذكرتها في تخريجي لأحاديث الرافعي (٣) وغيره، وصححنا «ماء زمزم لما شرب له» (٤) ويكفي أن

-----------
(١) «صحيح مسلم» ٢٠٢٧/ ١٢٠ كتاب الأشربة، باب: في الشرب من زمزم قائمًا.
(٢) «سنن ابن ماجه» (٣٤٢٢) كتاب: الأشربة، باب: الشرب قائمًا.
(٣) انظر: «البدر المنير» ٦/ ٢٩٩ - ٣٠٣.
(٤) انظر تصحيحه للحديث في المصدر السابق.
والحديث رواه ابن ماجه (٣٠٦٢) كتاب: المناسك، باب: الشرب من زمزم، وأحمد ٣/ ٣٥٧، ٣٧٢، وابن أبي شيبة ٥/ ٦٢ (٢٣٧١٣) كتاب: الطب، من كان يقول: ماء زمزم فيه شفاء، والأزرقي في «أخبار مكة» ٢/ ٥٢، والعقيلي في «الضعفاء» ٢/ ٢٠٣، والطبراني في «الأوسط» ١/ ٢٥٩ (٨٤٩)، ٩/ ٢٦ (٩٠٢٧)، وابن عدي في «الكامل» ٥/ ٢٢١ - ٢٢٢ في ترجمة عبد الله بن المؤمل (٩٧٤)، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» ٢/ ٣٧، والبيهقي في «سننه» ٥/ ١٤٨ كتاب: الحج، باب: سقاية الحاج والشرب منها ومن ماء زمزم، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٣/ ١٧٩ من طريق عبد الله بن المؤمل، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا.
قال العقيلي: عبد الله بن المؤمل لا يتابع على هذا الحديث، وكذا قال ابن حبان =

------------




. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= في «المجروحين» ٢/ ٢٨، وقال البيهقي: تفرد به عبد الله بن المؤمل، وقال ابن التركماني: لم ينفرد به، بل تابعه إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير، كذا أورده البيهقي نفسه فيما بعد اهـ، وضعفه من هذا الطريق أيضًا ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» ٣/ ٤٧٧ - ٤٧٨ فقال: وذكر من طريق عبد الله بن المؤمل، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا -قلت: يقصد عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الوسطى» ٢/ ٣٣٨ - ثم قال: ويظهر من أمره من حيث ذكر هذِه القطعة من إسناده أنه مضعف له، ويجب أن يكون كذلك، فإن عبد الله بن المؤمل سيئ الحفظ، وتدليس أبي الزبير معلوم. كذا قال ابن القطان.
قلت: ويظهر من أمر عبد الحق تصحيح الحديث، وإن كان قد أورد قطعة من إسناده، وذلك لأنه قد صرح في مقدمة كتابه، أن كل حديث يسكت عنه فهو تصحيح له، ولم يفصل بين ما يذكر فيه قطعة من إسناده، وبين ما لا يذكر فيه.
قال الحافظ في «تلخيص الحبير» ٢/ ٢٦٨: أعله ابن القطان بعنعنة أبي الزبير -قلت: لأنه مدلس-وهو مردود؛ ففي رواية ابن ماجه التصريح بالسماع، وضعفه أيضًا النووي فقال في «المجموع» ٨/ ٢٤٦: رواه البيهقي بإسناده ضعيف، وكذا البوصيري فقال في «زوائد ابن ماجه» ص ٤٠٣: هذا إسناد ضعيف؛ لضعف عبد الله بن المؤمل.
والحديث رواه الطبراني في «الأوسط» ٤/ ١٣٩ - ١٤٠ (٣٨١٥)، وابن عدي في «الكامل» ٥/ ٢٢٣ من طريق حمزة الزيات، عن أبي الزبير، عن جابر، مرفوعًا به.
ورواه البيهقي في «سننه» ٥/ ٢٠٢ من طريق إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير: كنا عند جابر بن عبد الله فتحدثنا فحضرت صلاة العصر، فقام فصلى بنا في ثوب واحد قد تلبب به ورداؤه موضوع، ثم أتى بماء من زمزم فشرب ثم شرب، فقالوا: ما هذا، قال: ماء زمزم، وقال فيه رسول الله - ﷺ -: «ماء زمزم لما شرب له …» الحديث.
ورواه البيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٤٨١ - ٤٨٢ (٤١٢٨)، والخطيب «تاريخ بغداد» ١٠/ ١٦٦ من طريق سويد بن سعيد قال: رأيت عبد الله بن المبارك بمكة أتى زمزم فاستقى منه شربة، ثم استقبل الكعبة، ثم قال: اللهم إن ابن أبي الموال حدثنا عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي - ﷺ - أنه قال: "ماء زمزم لما =



الإمام أبا محمد سفيان بن عيينة سئل عنه فقال: حديث صحيح. كما أخرجه عنه (الدينوري) (١) في «المجالسة»، وابن الجوزي في
-----------
= شرب له«، وهذا أشربه لعطش القيامة، ثم شربه.
قال البيهقي: غريب من حديث ابن أبي الموال، عن ابن المنكدر، تفرد به سويد، عن ابن المبارك من هذا الوجه. قال الحافظ في»تلخيص الجبير«٢/ ٢٦٨: قال البيهقي: غريب تفرد به سويد، قلت: وهو ضعيف جدًا، وإن كان مسلم قد أخرج له في المتابعات، وأيضًا فكان أخذ عنه قبل أن يعمى ويفسد حديثه، وقد خلط في هذا الإسناد وأخطأ فيه عن ابن المبارك، وإنما رواه ابن المبارك، عن ابن المؤمل، عن أبي الزبير، كذا رويناه في»فوائد أبي بكر بن المقري«من طريق صحيحة، واغتر الدمياطي بظاهر هذا الإسناد، فحكم عليه بأنه على رسم الصحيح؛ لأن ابن أبي الموال انفرد به البخاري، وسويدًا انفرد به مسلم، وغفل عن أن مسلمًا إنما أخرج لسويد ما توبع عليه اهـ بتصرف. وقال في»الفتح«٣/ ٤٩٣: المحفوظ عن ابن المبارك عن ابن المؤمل.
والحديث في الجملة صححه جمع من الأئمة، فحسنه ابن القيم في»زاد المعاد«٤/ ٣٩٣، والمنذري في»الترغيب والترهيب«٢/ ٢١٠، وصححه أيضا المصنف كما ذكر في»البدر المنير«٦/ ٢٩٩، وكذا في»خلاصة البدر«٢/ ٢٦ - ٢٧، وقال الحافظ في»الفتح«٣/ ٤٩٣: رجاله ثقات إلا عبد الله بن المؤمل، وقال السخاوي في»كشف الخفاء«٢/ ١٧٦ (٢١٦٨) سنده جيد، وصححه الألباني في»الإرواء«(١١٢٣) وفيه فوائد غير ما ذكرنا فراجعه.
قال ابن القيم في»زاد المعاد«٤/ ٣٩٣: قد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أمورًا عجيبة، واستشفيت به من عدة أمراض، فبرأت بإذن الله اهـ.
وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، رواه البيهقي في»شعب الإيمان«٣/ ٤٨١ (٤١٢٧) من طريق عبد الله بن المؤمل، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبد الله به عمرو مرفوعًا:»ماء زمزم لما شرب له«وفي الباب أيضًا عن جماعة من الصحابة سوف يذكرها المصنف تباعًا.
(١) ورد في هامش الأصل: الدينوري اسمه أحمد بن مروان المالكي اتهمه الدارقطني ومشاه غيره، ذكره الذهبي في»ميزانه" برقم (٦٢٠).



«الأذكياء» (١)، وقد شربه العلماء لمقاصد، كالشافعي، والخطيب البغدادي وغيرهما، لمقاصد نالوها والحمد لله (٢).
وفي «صحيح مسلم»: «إنها طعام طعم» (٣)، زاد الطيالسي: «وشفاء سقم» (٤)، وفي الدارقطني من حديث ابن عباس مرفوعًا: «وهي هزمة جبريل، وسقيا إسماعيل» (٥).

------------
(١) «الأذكياء» ص ٩٨.
(٢) قلت: روى الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٥/ ٣٤ في ترجمة الخطيب البغدادى، أنه لما حج شرب من ماء زمزم ثلاث شربات، وسأل الله ثلاث حاجات، أن يحدث بـ «تاريخ بغداد» بها، وأن يملي الحديث بجامع المنصور، وأن يدفن عند بشر الحافي، فقضيت له الثلاث، وكذا ذكره ابن الجوزي في «المنتظم» ٨/ ٢٦٩، والسبكي في «طبقات الشافعية» ٣٥، والذهبي في «السير» ١٨/ ٢٧٩، وفي «تذكرة الحفاظ» ٣/ ١١٣٩.
وأورد الذهبي في ترجمة ابن خزيمة في «تذكرة الحفاظ» ٢/ ٧٢١ (٧٣٤) قال: قال أبو بكر محمد بن جعفر، سمعت ابن خزيمة، وسئل: من أين أوتيت هذا العلم؟ فقال: قال رسول الله - ﷺ -: «ماء زمزم لما شرب له»، وإني لما شربت ماء زمزم سألت الله علمًا نافعًا.
وأورد الذهبي كذلك في ترجمة الحاكم في «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ١٧١، «تذكرة الحفاظ» ٣/ ١٠٤٤ قال: قال الحافظ أبو حازم العبدوي: سمعت الحاكم يقول: شربت ماء زمزم وسألت الله أن يرزقني حسن التصنيف.
وقال السيوطي في «ذيل طبقات الحفاظ» ص: ٣٨١: حكي عن الحافظ ابن حجر العسقلاني أنه شرب ماء زمزم ليصل إلى مرتبة الذهبي في الحفظ، فبلغها وزاد عليها.
(٣) «صحيح مسلم» (٢٤٧٣) كتاب: «فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي ذر - رضي الله عنه -.
(٤)»مسند الطيالسي«١/ ٣٦٤ (٤٥٩).
(٥)»سنن الدارقطني«٢/ ٢٨٩، ورواه الحاكم في»المستدرك" ١/ ٤٧٣ من طريق محمد بن هشام المروزي عن محمد بن حبيب الجارودي، عن سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعًا. =



ولابن ماجه بإسناد جيد أن ابن عباس قَالَ لرجل: إذا شربت من زمزم فاستقبل الكعبة، واذكر اسم الله، وتنفس ثلاثًا، وتضلع منها، فإذا فرغت فاحمد الله -عز وجل-، فإن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم» (١).
-------------
= وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد إن سلم من الجارودي ولم يخرجاه.
ورواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ١١٨ (٩١٢٤)، والأزرقي في «أخبار مكة» ٢/ ٥٠، والفاكهي في «أخبار مكة» ٢/ ١٠ (١٠٥٦) من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله.
قال الذهبي في «الميزان» ٤/ ١٠٥ في ترجمة عمر بن الحسن الأشناني (٦٠٧١) وقد أورد الحديث من طريق الدارقطني: محمد بن حبيب صدوق، فآفة الحديث هو عمر -قلت: يعني شيخ الدارقطني عمر بن الحسن بن علي- فلقد أثم الدارقطني بسكوته عنه، فإنه بهذا الإسناد باطل، ما رواه ابن عيينة قط اهـ.
وقال الحافظ في «لسان الميزان» ٤/ ٢٩١ رادًّا على الذهبي: إن الذهبي هو الذي أثم بتأثيمه الدارقطني، فإن الأشناني لم ينفرد بهذا، بل تابعه عليه في «مستدركه» الحاكم، ولقد عجبت من قول المؤلف: ما رواه ابن عيينة قط، مع أنه رواه ابن أبي عمرو سعيد بن منصور، وغيرهم، إلا أنهم وقفوه على مجاهد، فغايته أن يكون محمد بن حبيب وهم في رفعه اهـ بتصرف. وقال في «التلخيص» ٢/ ٢٦٨: الجارودي صدوق إلا أن روايته شاذة، فقد رواه حفاظ أصحاب ابن عيينة عن مجاهد، قوله، وقال في «الفتح» ٣/ ٤٩٣: رجاله موثقون، إلا أنه اختلف في إرساله ووصله، وإرساله أصح. وقال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (٩٢٨): الجارودي صدوق؛ إلا أنه تفرد عن ابن عيينة بوصله، ومثله إذا انفرد لا يحتج به، فكيف إذا خالف، فقد رواه الحفاظ عن ابن عيينة بدون ابن عباس، فهو مرسل، وإن لم يصرح فيه أكثرهم بالرفع لكن مثله لا يقال بالرأى. اهـ
وقال الألباني في «الإرواء» (١١٢٦): باطل موضوع، والصواب وقفه على مجاهد اهـ. والحديث أعله الشيخ رحمه الله بثلاث علل فراجعه.
(١) «سنن ابن ماجه» (٣٠٦١) كتاب: المناسك، باب: الشرب من زمزم، ورواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ١١٢ - ١١٣ (٩١١١)، والفاكهي في «أخبار مكة» =



وللدارقطني: كان عبد الله إذا شرب منها قَالَ: اللَّهُمَّ إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاء من كل داء (١).
ولأحمد -بإسناد جيد- من حديث جابر في ذكر حجته - ﷺ -: ثم عاد إلى الحجر، ثم ذهب إلى زمزم فشرب منها، وصبّ عَلَى رأسه، ثم رجع فاستلم الركن، الحديث (٢).
وفي «شرف المصطفي» -المصنف الكبير- عن أم أيمن قالتْ: ما رأيتُ النبي - ﷺ - شكى جوعًا قط، ولا عطشًا، كان يغدو إذا أصبح، فيشرب من ماء زمزم شربة، فربما عرضنا عليه الطعام فيقول: «لا أنا شبعان» (٣).

-------------
= ٢/ ٢٨ (١٠٧٩)، ٢/ ٤١ - ٤٢ (١١٠٧)، والطبراني ١١/ ١٢٤ (١١٢٤٦)، والدارقطني ٢/ ٢٨٨، والحاكم ١/ ٤٧٢ - ٤٧٣ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، إن كان عثمان بن الأسود سمع من ابن عباس، وقال الذهبي: لا والله ما لحقه، توفي عام خمسين ومائة، وأكبر مشيخته سعيد بن جبير، والبيهقي ٥/ ١٤٧ كتاب: الحج، باب: سقاية الحاج والشرب منها ومن ماء زمزم. من طريق عثمان بن الأسود، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل .. الحديث. قال البوصيري في «زوائده» ص ٤٠٣ (١٠٠٨): هذا إسناد صحيح رجاله موثقون، وضعفه الألباني في «الإرواء» (١١٢٥)، وفيه تعقيب على توثيق البوصيري وتصحيح إسناده.
(١) «سنن الدراقطني» ٢/ ٢٨٨ من طريق حفص بن عمر العدني، عن الحكم، عن عكرمة، عن ابن عباس، قوله.
قال الألباني في «الإرواء» ٤/ ٣٣٣: هذا إسناد ضعيف من أجل العدني، والحكم وهو ابن أبان العدني، صدوق له أوهام كما في «التقريب» اهـ.
(٢) «مسند أحمد» ٣/ ٣٩٤.
(٣) أورده ابن سعد في «طبقاته» ١/ ١٦٨.
قلت: وقد جاء في فضلها أحاديث أخرى أكثرها ضعاف، منها ما رواه الديلمي كما في «الفردوس» ٤/ ١٥٢ (٦٤٧١) عن صفية مرفوعًا: "ماء زمزم شفاء من كل =



وعن عقيل بن أبي طالب قَالَ: كنا إذا أصبحنا وليس عندنا طعام، قَالَ لنا أبي: ائتوا زمزم، فنأتيها، فنشرب منها فنجتزئ.
وروى ابن إسحاق، عن عليٍّ: قَالَ عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت، فقال: احفر طيبة، قلت: وما طيبة؟ قَالَ: ثم ذهب عني، فلما كان الغد نمتُ فيه، فجاءني فقال لي: احفر بَرَّة، قَالَ: قلت: وما بَرَّة؟ قَالَ: ثم ذهب عني، فلمَّا كان الغد رجعتُ إلى مضجعي، فنمتُ فيه، فجاءني فقال لي: احفر المضنونة، قَالَ: قلتُ: وما المضنونة؟ قَالَ: ثم ذهب عني، فلمَّا كان الغد رجعتُ إلى مضجعي، فنمتُ فيه، فجاءني فقال: احفر زمزم، قَالَ: قلتُ: وما زمزم؟ قَالَ: لا تنزف أبدًا ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم (١) عند قرية النمل (٢).

------------
= داء«لكنه حديث ضعيف؛ قال المناوي في»الفيض«: قال ابن حجر: سنده ضعيف جدًا. وقال السخاوي في»المقاصد الحسنة«ص ٤٢٢: إسناده واهٍ، وكذا قال العجلوني في»الكشف«٢/ ١٧٦، وضعفه الألباني في»الضعيفة«(٤٤٠٧). ومنها ما عزاه السيوطي في»الجامع الصغير«(٧٧٦١) للمستغفري في»الطب«عن جابر مرفوعًا:»ماء زمزم لما شرب له، من شربه لمرض شفاه الله، أو لجوع أشبعه الله، أو لحاجة قضاها الله«.
وأشار السيوطي لحسنه، لكن ضعفه الألباني في»ضعيف الجامع«(٤٩٧٣).
ولمزيد من الاطلاع على هذِه الأحاديث ينظر:»المقاصد الحسنة«(٩٢٨)، و»كشف الخفاء«(٢١٦٨)، وكتاب»إزالة الدهش والوله عن المتحير في صحة حديث ماء زمزم لما شرب له«للعلامة القادري، بتخريج الشيخ ناصر الدين الألباني، وهو من أجود ما صُنف في هذا الباب.
(١) ورد في هامش (م): الأعصم هو الذي في جناحيه ريشة بيضاء.
(٢)»سيرة ابن إسحاق«ص ٣ - ٤، ورواه الفاكهي في»أخبار مكة«٢/ ١٦ عن علي بن أبي طالب.
ورواه أبو نعيم في»الحلية" ١٠/ ١١٥ عن ابن عباس.



وذكر الزمخشري في «ربيعه» (١): أن جبريل أنبط بئر زمزم مرتين، لآدم (حين) (٢) انقطعتْ زمن الطوفان، ومرة لإسماعيل.
قَالَ السهيلي: كان الحارث بن مضاض الجرهمي لما أخرج من مكة عفي أثرها، فلم تزل دارسة إلى أيام عبد المطلب. وسُميت طيبة؛ لأنها للطيبين والطيبات.
وفي إنباط جبريل إياها بعقبه دون يده إشارة أنها لعقبه وراثة.
وسميت بَرةَّ؛ لأنها فاضت للأبرار عن الأشرار. والمضنونة، لأنها ضن بها عَلَى غير المؤمنين، فلا يتضلع منها منافق، قاله وهب بن منبه.
وفي كتاب الزبير: قيل لعبد المطلب: احفر المضنونة، ضننت بها عن الناس لا عليك. وقوله: عند نقرة الغراب، الغراب عند أهل التعبير: فاسق وهو أسود، فدلت نقرته عند الكعبة عَلَى نقرة الأسود الحبشي بمعوله يهدمها حجرًا حجرًا في آخر الزمان، ونعت (ذَلِكَ) (٣) بذي السويقتين (٤)، كما نعت الغراب بصفة في ساقيه، وكونها عند الفرث

--------------
(١) هو كتاب: «ربيع الأبرار ونصوص الأخبار» لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري، قال: هذا كتاب قصدت به إحجام خواطر الناظرين في «الكشاف» وترويح قلوبهم المتعبة بإحالة الفكر في استخراج ودائع علمه وخباياه، وقد اختصر هذا الكتاب في كتاب آخر سمي «أنوار الربيع». انظر: «كشف الظنون» ١/ ٨٣٢ - ٨٣٣.
(٢) في هامش الأصل: لعله أو البتُّ: حتى.
قلت: وبها يستقيم المعنى. والله أعلم.
(٣) من (م).
(٤) سلف برقم (١٥٩٥) كتاب: الحج، باب: هدم الكعبة، من حديث ابن عباس مرفوعًا: «كأني به أسود أفحج يقلعها حجرًا حجرًا».
وسلف أيضًا برقم (١٥٩١) باب: قول الله تعالى: جعل الله الكعبة البيت، وروى مسلم (٢٩٠٩) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة».



والدم؛ لأن ماءها طعام طعم وشفاء سقم، ولما شرب له كما سلف، فهي كاللبن الخارج من بين فرب ودم خالصًا سائغًا لشاربه، وكونها عند قرية النمل؛ لأنها هي عين مكة التي يردها الحاج من كل جانب، فيحملون إليها البر والشعير وغير ذَلِكَ، وهي لا تحرث ولا تزرع، وكذلك قرية النمل تجلب الحبوب إلى قريتها من كل جانب (١).
وسميت زمزم لما ذكر الكلبي في «بلاده» عن الشرقي؛ لأن بابل بن ساسان حيث سار إلى اليمن دفن سيوف قلعته وحلي الزمازمة في موضع بئر زمزم، فلما احتفرها عبد المطلب أصاب السيوف والحلي، فيه سميت زمزم.
وفي «الاشتقاق» للنحاس، عن أبي زيد: (الزمزة) (٢) من الناس: خمسون ونحوهم.
وقال ابن عباس: سميت زمزم؛ لأنها زمت بالتراب؛ لئلا يأخذ الماء يمينًا وشمالًا، ولو تركت لساحت عَلَى وجه الأرض حَتَّى تملأ كل شيء.
وعن ابن هشام: الزمزمة عند العرب: الكثرة والاجتماع. وذكر المسعودي أن الفرس كانت تحج إليها في الزمن الأول، والزمزم صوت يخرجه الفرس من خياشيمها.
وقال الحربي: سميتْ بزمزمة (٣) الماء حولها، وهو حركته.

-------------
(١) «الروض الأنف» ١/ ١٦٦ - ١٦٩ بتصرف.
(٢) كذا الأصل، والصحيح (الزِّمْزِمة).
انظر: «تهذيب اللغة» ٢/ ١٥٥٩، مادة (زمزم)، «المخصص» ١/ ٣١٤.
(٣) ورد في هامش النسخة (م) ما نصه:
قال ابن هبيرة في آخر مصنف فتاوى له: خاتمةٌ: أخبرني بعض مشايخنا -رحمه =



وفي كتاب أبي عبيد قَالَ بعضهم: إنها مشتقة من قولهم: ماء زمزوم وزمزام، أي: كثير، وهو ما في «الموعب»: زمزم وزمازم (١)، وهو الكثير.
قَالَ البكري في «معجمه»: وهو بفتح الأول وسكون الثاني وفتح الزاي الثانية، ويُقال: بضم الأول، وبفتح الثاني مخففًا ومشددًا وكسر الزاي الثانية (٢)، فهذِه ثلاثة أوجه. وقال الأزهري في «تهذيبه»، عن ابن الأعرابي: زَمْزَم، وَزَمَّم، وَزُمَّزم. قلتُ: ولها أسماء أخر: رَكْضَة جبريل، وهزمة الملك، والشَّبَّاعة (٣). وحكى الزمخشري ضم الشين (٤)، وهمزة جبريل بتقديم الميم وتأخيرها بعد الزاي، وتكتم،
ذكره صاعد في «الفصوص» وغير ذَلِكَ.
ومقصود البخاري: أن شرب ماء زمزم من سنن الحج، لفضله

------------
= الله تعالى- قال: وزنت ماء زمزم بماء عين مكة، فوجدت زمزم أثقل، من ثم اعتبرتها بميزان الطب فوجدتها تفضل مياه الأرض كلها طبًّا وشرعًا، لا جرم أن فيها معنى زائدًا على المياه، وهو أنها طعام طعم وشفاء سقم، وفيها للأبدان ما في الأمراق من التغذية والتقوية وإطفاء نار الحُمِّيَّات، وقد روي: «الحمى من فيح جهنم فأبردوها بماء زمزم» قال: ومن خواصها أن البيت المشرف لما اتصف بصفة من صفات الله تعالى، وهي: الأولية، قال تعالى ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ﴾ شاركته زمزم في هذِه الصفة فكانت أول رزق استجيب في دعوة إبراهيم - عليه السلام - ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ فهي أول ثمرة، كذا قال. اهـ.
شفيت يا زمزم داء السقيم … فالله أضفى ما تعالجي النديم
أصبح للأشواق إليك بعد … الشيب مثل الفطيمِ
يا زمزم الطبيبة المخبر … يا من غلت بمور أعطى المشتري
رضيع أخلاقك أشتهي … فكأنه إلا لدى الكوثر.
(١) في (ج): زمزام.
(٢) «معجم ما استعجم» ٢/ ٧٠٠ - ٧٠١.
(٣) «تهذيب اللغة» ٢/ ١٥٥٩.
(٤) «الفائق» ٢/ ٢٢٠.



وبركته، وقد نص أصحابنا عَلَى شربه.
قَالَ وهب بن منبه: نجدها في كتاب الله، شراب الأبرار، وطعام طعم، وشفاء سقم، لا تنزح ولا تزم، من شرب منها حَتَّى يتضلع أحدثت له شفاء وأخرجت منه داء.
وروى ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان لا يشرب منها في الحج (١)، ولعله لئلا يظن أن شربه من الفرض اللازم، وقد فعله أولًا مع أنه كان شديد الاتباع للآثار بل لم يكن أحد أتبع لها منه.
قَالَ معمر، عن الزهري: إن عبد المطلب لما أنبط ماء زمزم بنى عليه حوضًا فطفق هو وابنه الحارث ينزعان فيملآن ذَلِكَ الحوض، فيشرب منه الحاج، فيكسره الناس من حسدة قريش بالليل، ويصلحه عبد المطلب حين يصبح، فلما أكثروا إفساده دعا عبد المطلب ربه، فأُرِي في المنام فقيل له: قل: اللَّهُمَّ إني لا أحلها لمغتسل، ولكن هي للشارب حل وبل، ثم كفيتهم، فقام فنادى بالذي أري، فلم يكن أحد يفسد عليه حوضه ليلًا إلا رُمي بداء في جسده، ثم تركوا له حوضه وسقايته. قَالَ سفيان: بل حل محل.
وفيه: الشرب قائمًا كما سلف، وحلف عكرمة عَلَى نفيه، وقد ثبت شربه قائمًا (٢).
وقوله: «فُرِجَ سَقْفِي وَأَنَا بِمَكَّةَ». وفي رواية أخرى: «في المسجد الحرام» ومحل الخوض فيه الإسراء، وقد سلف.
(١) رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ٢/ ٦١ (١١٥٠).
(٢) سيأتي برقم (٥٦١٥ - ٥٦١٧) كتاب: الأشربة، باب: الشرب قائمًا من حديث علي وابن عباس ما يثبت أنه - ﷺ - شرب قائمًا.



فرع:
يُكره أن يستعمل ماء زمزم في نجاسة. وقال الماوردي: يحرم الاستنجاء به. وفي غسل الميت به قولان عند المالكية (١)، قَالَ ابن شعبان منهم: لا يستعمل في مرحاض، ولا يخلط بنجس، ولا يُزال به نجس، ويتوضأ به، ويتطهر من ليس باعضائه نجس، ولا يغسل به ميت -بناء عَلَى أصله في نجاسة الميت- ولا يقرب ماء زمزم بنجاسة، ولا يستنجى به.
وذُكر أن بعض الناس استعمله في ذَلِكَ فحدث به الباسور، والناس وأهل مكة وغيرهم عَلَى إبقاء ذَلِكَ إلى اليوم.

-----------
(١) انظر: «المنتقى» ٢/ ٤، «حاشية الدسوقي» ١/ ٤٠٧.


٧٧ - باب طَوَافِ القَارِنِ
١٦٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا». فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَلَمَّا قَضَيْنَا حَجَّنَا أَرْسَلَنِي مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ - ﷺ -: «هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ». فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالعُمْرَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٤٩٣]

١٦٣٩ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما دَخَلَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَظَهْرُهُ فِي الدَّارِ، فَقَالَ: إِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَكُونَ العَامَ بَيْنَ النَّاسِ قِتَالٌ، فَيَصُدُّوكَ عَنِ البَيْتِ، فَلَوْ أَقَمْتَ. فَقَالَ: قَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ، فَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَفْعَلُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ثُمَّ قَالَ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ مَعَ عُمْرَتِي حَجًّا. قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا. [١٦٤٠، ١٦٩٣، ١٧٠٨، ١٧٢٩، ١٨٠٦، ١٨٠٧، ١٨٠٨، ١٨١٠، ١٨١٢، ١٨١٣، ٤١٨٣، ٤١٨٤، ٤١٨٥ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٣/ ٤٩٤]

١٦٤٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما أَرَادَ الحَجَّ عَامَ نَزَلَ الحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ. فَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] إِذًا أَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، إِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً. ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ البَيْدَاءِ قَالَ: مَا شَأْنُ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ إِلاَّ وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا مَعَ عُمْرَتِي. وَأَهْدَى هَدْيًا اشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يَنْحَرْ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَلَمْ يَحْلِقْ وَلَمْ يُقَصِّرْ حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَنَحَرَ وَحَلَقَ، وَرَأَى


أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الَحجِّ وَالعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الأَوَّلِ. وَقَالَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. [انظر: ١٦٣٩ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٣/ ٤٩٤]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث عائشة:
خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ .. الحديث بطوله. كما سلف في باب: كيف تهل الحائض والنفساء (١).
ثانيها: حديث نافع:
أَنَّ ابن عُمَرَ دَخَلَ ابنهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ ..، فذكر إيجابه الحج والعمرة والإحصار، وقد سلف أيضًا، إلا الإحصار.
ثالثها:
حديثه أيضًا عن ابن عمر أنه أَرَادَ الحَجَّ عَامَ نَزَلَ الحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ .. الحديث بطوله.
وأخرجه والذي قبله مسلم أيضًا (٢)، وأسلفنا هناك اختلاف العلماء في حكم طواف القارن، وأن الثلاثة قالوا: يكفيه طواف واحد، وسعي واحد، وبه قَالَ ابن عمر، وجابر بن عبد الله اعتمادًا عَلَى أحاديث الباب خلافًا، لأصحاب الرأي.
قَالَ ابن بطال: وروي ذَلِكَ عن الشافعي أيضًا وهذا غريب عنه (٣)، واحتجوا بأن العمرة إذا أفردها لزمته أفعالها.

---------
(١) سلف برقم (١٥٥٦).
(٢) مسلم (١٢٣٠) كتاب: الحج، باب: بيان جواز التحلل بالإحصار.
(٣) انظر: «البيان» ٤/ ٣٧١، «أسنى المطالب» ١/ ٤٦٢، «نهاية المحتاج» ٣/ ٣٢٣.



فلم يكن ضمها إلى الحج موجبًا لسقوط جميع أفعالها، دليله التمتع، وهو منتقض بالحلق؛ لما كان عليه حلاقتان كان عليه طوافان.
ولما كان القارن يكفيه حلق واحد، كفاه طواف واحد، فإن قيل: القياس منتقض؛ لأن المستحق في الحلق عن كل إحرام مقدار الربع، فمتى حلق جميع رأسه فقد أتى بما يقع عليه لكل واحد منهما، ولأنه يجري الموسى عَلَى رأسه بعد الحلق، فيقوم مقام الحلق الآخر عند العجز.
وجوابه: ما يقولون: إذا اقتصر القارن عَلَى حلق ربع رأسه، ولم يتجاوزه، ولم يجر الموسى عَلَى رأسه، هل يجزئه أو يحتاج إلى زيادة ربع آخر؟
فإن قلتم به فليس مذهبكم، وإن كفاه واحد فقد ثبت ما قلناه، وأيضًا فإن القارن إذا قتل صيدًا واحدًا فعليه جزاء، والحجة لهم لازمة؛ بحديث عائشة وابن عمر؛ لأنهم يأخذون بحديث عائشة في رفض العمرة مع احتماله في ذَلِكَ للتأويل، ويتركونه في طواف القارن، وهو لا يحتمل التأويل.
وقول ابن عمر: (إذن أصنع كلما صنع رسول الله - ﷺ -) يعني: حين صُدَّ عام الحديبية فحلق، ونحر، وحل، فلم يُصد ابن عمر، فقرن الحج إلى العمرة، وكان عمله لهما واحدًا، وطوافًا واحدًا.
وقد احتج أبو ثور لذلك فقال: لما لم يجز أن يجمع بين عملين إلا الحج والعمرة فأجزنا ومن خالفنا لهما سفرًا واحدًا وإحرامًا واحدًا وكذلك التلبية كان كذلك يجزئ عنهما طواف واحد، وسعي


واحد (١)، وابن عمر - رضي الله عنه - لما أحرم علم بالعدو ولم يعلم هل يصده أم لا.
ومنصوص مذهب مالك: أن من أحرم بعد علمه بالعدو أنه لا يحل بحال لأنه ابتدأه بعد علمه به، ولا يحل دون البيت، قاله ابن الماجشون (٢) ويبينه أنه - ﷺ - لم يتيقن الصد؛ لأنه لم يأتهم محاربًا، وإنما قصد العمرة، ولم تكن قريش تمنع من قصدها.
وذكر عروة، عن عائشة: أنها أهلتْ بعمرة، وقد سلف، وأنها لم تتمادى عليها؛ لأنها حاضت، وقد تريد بهذا: أهل غيري، وتريد أنه - ﷺ - لم يهل بها، إذ لو أهل بها لبدأت بذكره.
وقوله: (وَأَمَّا الذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا).
روي أنهم طافوا طوافين، وسعوا سعيين، والأول أثبت، وعليه عوام العلماء، وقد سلف.
وقوله: (وَظَهْرُهُ فِي الدَّارِ) يعني: بعيره.
وقوله: (فقال: إِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَكُونَ العَامَ بَيْنَ النَّاسِ).
قَالَ ابن التين: بعد أن ذكره بلفظ: لا إيمن، أصله: لا أمن بفتح الألف، فكسروها؛ لأن الماضي عَلَى فعل بالكسر، والعرب تكسر أول مستقبل فعل، إلا أن يكون ياء، نحو: أنت تعلم، وأنا إعهد، وإخاف ربي، وإخال، ولا يكسرون أول مستقبل فعَل بالفتح، إلا أن يكون فيه حرف حلق، فيقولون: أنا إذهب، وإلحق، وهي لغة تميم، وقيل أنه أمال، وفي بعض الكتب: إني لا أيمن، بفتح الهمزة، ولا أعلم له وجهًا.

-------------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٣١٨ - ٣٢٠.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٣٣.



وقوله في الحديث الثالث: (أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةَ) إلى أن قَالَ: (حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَنَحَرَ وَحَلَقَ، وَرَأى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الأَوَّلِ. وَقَالَ ابن عُمَرَ: كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ الله - ﷺ -).
لعله يريد بطوافه الأول أنه لما قدم طاف وسعى مرة واحدة، وذلك الطواف ليس من أركان الحج، وإنما هو طواف القدوم، وإنما الواجب لهما طواف الإفاضة الذي يفعله يوم النحر أو بعده، ومخرج هذا الإشكال ما ذكره الداودي، قَالَ: يعني قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول يعني: الذي معه سعي.
وقوله: (كَذَلِكَ صنع رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) يُحتمل أنه يريد أنه قرن، ويحتمل أن يريد صنعنا كما صنعنا مع رسول الله - ﷺ -.
وقوله: (ولم يزد عَلَى ذَلِكَ) يعني: ولم يزد عَلَى السعي، ولكن طاف طواف الإفاضة.
وأما الصد المذكور في حديث ابن عمر، فلنتكلم عليه هنا؛ ليُحالَ فيما بعدُ عليه، فنقول: اختلف العلماء في المحصر في الآية الكريمة، بالعدوِّ أو بالمرض؟ فمن قَالَ بالأول احتج بذكر المرض فيه، فلو كان المحصر هو المحصر بمرض، لما كان لذكر المرض بعد ذَلِكَ فائدة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] ومن قَالَ بالثاني قَالَ: لا يُقال: أحصر في العدو، وإنما يقال: حصره العدو، وأحصره المرض، وإنما ذكر المرض بعد ذَلِكَ؛ لأنه صنفان: صنف محصر، وغير محصر، وقال: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ أي: من المرض، وعكس ذَلِكَ، فأحصر بالعدو، وحصر بالمرض؛ لأن العدو إنما عرض للإحصار، والمرض فاعله.
وعند الحنفية: أن كل مانع يمنع المحرم من الوصول إلى الحرم


لإتمام حج أو عمرة من خوف أو مرض أو سلطان فهو محصر، أي: ممنوع (١).
والإحصار لغة: المنع، وإليه ذهب ابن حزم (٢)، حيث قَالَ: اختلف الصحابة فمن بعدهم في الإحصار، فرُوِّينا عن ابن عمر أنه قَالَ: لا إحصار إلا من عدو (٣)، وفي مسلم عن البراء: لما أحصر رسول الله - ﷺ - عن البيت .. الحديث (٤).
وقال إبراهيم النخعي: الإحصار من الخوف والمرض والكسر، وقال عطاء: من كل شيء يحبسه، وسيأتي في البخاري في بابه (٥).
وقال ابن مسعود: هو المرض والكسر وشبهه. وعن ابن عباس: لا حصر إلا من حبس عدو (٦)، وقال طاوس: لا حصر إلا أن (يذهب) (٧) الحصر.

-----------
(١) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٧١، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٧٥، «حاشية ابن عابدين» ٢/ ٥٩٠.
(٢) «المحلى» ٧/ ٢٠٣ - ٢٠٤.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٠٦ (١٣٥٥٣) كتاب: الحج، في الإحصار في الحج ما يكون.
(٤) مسلم (١٧٨٣) كتاب: الجهاد، باب: صلح الحديبية.
(٥) سيأتي معلقًا في أول كتاب المحصر، ووصله ابن أبي شيبة ٣/ ٢٠٦ (١٣٥٥٢) كتاب: الحج، في الإحصار في الحج ما يكون. عن عطاء قال: لا إحصار إلا من مرض أو عدو أو أمر حابس.
(٦) رواه الطبراني ٢/ ٢٢١ (٣٢٤٠ - ٣٢٤٢) وابن أبي حاتم ١/ ٣٣٦ (١٧٦٨)، والبيهقي ٥/ ٢١٩، وفي «معرفة السنن والآثار» ٧/ ٤٩١ (١٠٧٩٥)، وعزاه في «الدر المنثور» ١/ ٣٨٤ لسفيان بن عيينة، والشافعي في «الأم» وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
(٧) عليها في الأصل: كذا.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #326  
قديم اليوم, 01:51 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,828
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (11)
من صـــ 471 الى صـــ 490
الحلقة (326)






وعن علقمة: الحصر: الخوف والمرض (١)، وعن عروة: الحصر ما حبسه من وجع، أو خوف، أو ابتغاء ضالة (٢).
وعن الزهري: الحصر ما حصره من وجع أو عدو حَتَّى يفوته الحج.
قَالَ: وقد فرق قوم بين الإحصار والحصر، فروينا عن الكسائي: أنه قال: ما كان من المرض فإنه يقال فيه: أحصر فهو محصر، وما كان من حبس قيل: حُصِر. وعن أبي عبيدة: ما كان من مرض أو ذهاب نفقة قيل فيه أحصر فهو محصر، وما كان من حبس قيل: حصر، وبه قَالَ أبو عبيد.
قَالَ ابن حزم: هذا لا معنى له، وقول ربنا هو الحجة؛ قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وإنما نزلت في الحديبية، إذ منعه الكفار من إتمام عمرته، فسماه تعالى: إحصارًا، وكذلك قَالَ البراء وابن عمر والنخعي، وهو في اللغة قول أبي عبيدة، وأبي عبيد، والكسائي، وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] فهذا هو منع العدو بلا شك؛ لأن المهاجرين إنما منعهم في الأرض الكفار، وبيَّن ذَلِكَ -جل وعز- بقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فصحَّ أن الإحصار والحصر بمعنى واحد، وأنهما اسمان يقعان عَلَى كل مانع من عدو أو مرض أو غير ذَلِكَ (٣).
وقال الفراء: لو نويت بقهر السلطان أنها علة مانعة، ولم يذهب إلى فعل الفاعل جاز أحصر، ولو قلت في أحصر من المرض وشبهه أنه حصره، جاز حصر.

--------
(١) رواه الطحاوي ٢/ ٢٥١.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٠٦ (١٣٥٥٤)، وابن جرير ٢/ ٢٢٠ (٣٢٣٧).
(٣) انتهى من «المحلى» ٧/ ٢٠٣ - ٢٠٤.



وقوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] ويُقال: إنه المحصر عن النساء لأنها علة، وليس بممنوع محبوس، وعلى هذا فابنِ. قَالَ الرماني (١) في «اشتقاقه»: الأصل فيه الحبس، ومعنى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾: منعتم من علة أو عائق. وذكر الزجاج في «معانيه»: أن الرواية عن أهل اللغة أنه يُقال للذي يمنعه خوف أو مرض من التصرف: أحصر فهو محصر، وللرجل الذي حبس: حصر فهو محصور.
ورد كلام الفراء وقال: الحق فيه ما عليه أهل اللغة؛ لأن الممنوع من التصرف حبس نفسه، فكأن المرض أحبسه أي: جعله يحبس نفسه، وتقول: حصرتُ فلانًا، إنما هو حبسته لا أنه حبس نفسه، فلا يجوز فيه أحصر، والتي هذا ذهب ثعلب وشراحه، وفي «نوادر اليزيدي»: حصرني الشيء، وأحصرني: حبسني، لغة بني أسد.
وقال أبو عبيدة، عن يونس: حصرته وأحصرته لغتان، قَالَ: ولم نجد أحصرته.
وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: إذا حبسته عن الذهاب في كل وجهٍ فقد حصرته، وإن حبسته عن المتقدم خاصةً فقد أحصرته.

-----------
(١) هو العلامة أبو الحسن، علي بن عيسى الرماني النحوي المعتزلي، أخذ عن الزجاج وابن دريد، صنف في التفسير واللغة والنحو والكلام، وشرح «كتاب سيبويه» شرحًا كبيرًا، وله كتاب «الاشتقاق»، وكتاب «التصريف»، وكان مع اعتزاله يتشيع ويقول: علي أفضل الصحابة.
كان أبو حيان التوحيدي يبالغ في تعظيم الرماني حتى قال: إنه لم ير مثله قط علمًا بالنحو وغزارة في الكلام توفي -غفر الله له- في جمادى الأولى من سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، عن ثمان وثمانين سنة.
انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ١٢/ ١٦، «وفيات الأعيان» ٣/ ٢٩٩، «تاريخ الإسلام» ٢٧/ ٨٢، «سير أعلام النبلاء» ١٦/ ٥٣٣ (٣٩٠).



وقال النحاس: جميع أهل اللغة عَلَى أن الإحصار إنما هو بالمرض ومن العدوِّ، لا يُقال: إلا حصر (١).
والمحصر لا يتحلل إلا بالذبح عند الحنفية والحنابلة (٢)، وعندنا به وبنية التحلل، وكذا الحلق إن جعلناه نسكًا.
وقال مالك: لا هدي عليه إلا أن يكون معه هدي ساقه (٣).
وذهب أبو حنيفة في جماعة إلى أن الإحصار يكون في العمرة أيضًا (٤).
وقال ابن القاسم: ليس للعمرة حد بل يتحلل، وإن لم يخش، الفوات (٥). ولا يجوز ذبح الإحصار إلا في الحرم في الحج والعمرة، قاله أبو حنيفة (٦).
قَالَ الرازي في «أحكامه»: وهو قول ابن مسعود وابن عباس -إن قدر عليه- وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن والنخعي والثوري.
وقال الشافعي ومالك وأحمد: يذبح في العمرة هديه حيث أحصر (٧).

-----------
(١) «معاني القرآن» للنحاس ١/ ١١٧.
(٢) انظر «البناية» ٤/ ٣٨٦، «البحر الرائق» ٣/ ٩٥، «حاشية ابن عابدين» ٢/ ٥٩١، «البيان» ٤/ ٣٩٣، «روضة الطالبين» ٣/ ١٧٤، «المستوعب» ٤/ ٣٠١، «كشاف القناع» ٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦.
(٣) «التاج والإكليل» ٤/ ٢٩٢، وانظر: «المنتقى» ٢/ ٢٧٣، «الاستذكار» ١٢/ ٧٩.
(٤) «الأصل» ٢/ ٤٦٢.
(٥) «شرح منح الجليل» ١/ ٥٥٨.
(٦) «البناية» ٤/ ٣٨٧، «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ٥٣٥.
(٧) «الاستذكار» ٢/ ٨٣، «الذخيرة» ٣/ ١٨٧، «البيان» ٤/ ٣٩٤، «المجموع» ٨/ ٣١٩، «المستوعب» ٤/ ٣٠٨، «المغني» ٥/ ١٩٨.



وعن أحمد في الحج روايتان: الأولى: تختص بيوم النحر (١)، وعندنا إذا أمكنه ذبحه في الحرم لا يجوز ذبحه في غيره في أحد الوجهين (٢).
وأجمعوا أنه لو أحصر في الحرم لا يجوز ذبحه في الحل، وبالعكس يجوز بلا خلاف، واستدلوا بأنه - ﷺ - وأصحابه عام الحديبية لما أحصروا في ذي القعدة سنة ست نحروا هداياهم بها، وهي من الحل.
والحنفية استدلوا بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] فلو كان محله حيث أحصر لم يكن لقوله: ﴿مَحَلَّهُ﴾ ومعنى؛ لأنه يكون قد بلغ محله في كل موضع أحصر فيه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] وهو عام في كل هدي، وهو بيان المحل المجمل.
وقال في جزاء الصيد: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وقوله: (أن يبلغ الهدي محله) (٣) أي: وصدوا الهدي أن يبلغ محله.
وفي النسائي بإسناد جيد أنه - ﷺ - قَالَ له ناجية بن جندب الأسلمي حين صد الهدي: يا رسول الله، ابعث به معي أنا أنحره، قَالَ: «وكيف؟» قَالَ: آخذ به في أودية لا يقدر عليه، فدفعه رسول الله - ﷺ -، فانطلق به حَتَّى نحره في الحرم (٤).

------------
(١) «المسائل الفقهية» ١/ ٢٩٦.
(٢) «البيان» ٤/ ٣٩٤، «روضة الطالبين» ٣/ ١٧٥.
(٣) كذا في الأصل و(م)، والتلاوة: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.
(٤) «السنن الكبرى» ٢/ ٤٥٣ (٤١٣٥) كتاب: الحج، باب: هدي المحصر، ورواه الطحاوي «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٤٢.



وذكر الطحاوي، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، أنهما ذكرا أن خباء رسول الله - ﷺ - كان في الحل، ومصلاه في الحرم، وقال مالك: الحديبية من الحرم، حكاه صاحب «لمطالع» عنه، وقال ابن القصار: بعضها الحل.
وذكر علي بن الجعد، عن أبي يوسف: سألتُ أبا حنيفة عن الحصر في الحرم، قَالَ: لا يكون محصرًا، قلتُ: فرسول الله - ﷺ - أحصر بالحديبية وهي من الحرم. فقال: إن مكة كانت دار حرب والآن دار إسلام (١).
ويجوز ذبحه قبل يوم النحر في العمرة بالاتفاق، وكذا في الحج عند أبي حنيفة، وخالفه صاحباه والثوري وأحمد في رواية الأثرم وحنبل، فقالوا: لا يجوز قبل يوم النحر، ولا يحتاج إلى الحلق، بل يتحلل بالذبح عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يحلق، فإن لم يحلق فلا شيء عليه. وروي عنه دم (٢).
وعن أحمد روايتان، وكذا عن مالك والشافعي، ولا بدل له عند الحنفية (٣)، والأظهر عند الشافعي: نعم، وأنه طعام بقيمة الشاة (٤)، ومالك في أحد قوليه، وفي الآخر: يصوم عشرة أيام كالمتمتع، وهو
قول أحمد (٥).

----------
(١) «المبسوط» ٤/ ١١٤، «شرح فتح القدير» ٣/ ١٣٤ - ١٣٥.
(٢) «مختصر الطحاوي» ص ٧٢، «البناية» ٤/ ٣٨٧، «المستوعب» ٤/ ٣٠٣، «المغني» ٥/ ١٩٨.
(٣) «شرح فتح القدير» ٣/ ١٣٤.
(٤) «البيان» ٤/ ٣٩٦، «روضة الطالبين» ٣/ ١٨٦.
(٥) «الذخيرة» ٣/ ١٨٩، «المغني» ٥/ ٢٠٠، «الفروع» ٣/ ٥٣٣.



وكان عطاء يقول: إذا عجز عن الهدي ينظر إلى قيمته فيطعم به لكل مسكين نصف صاع من برٍ أو يصوم (١).
قَالَ أبو يوسف: وهذا أحبُّ إليَّ (٢). وقال الزهري وعروة: لا إحصار عَلَى أهل مكة (٣). قَالَ أبو يوسف: إن غلب العدو فحال بينه وبين البيت فهو محصور (٤).
وفي «شرح الهداية»: الأصح أنه إن مُنع من الوقوف والطواف فهو محصر، وإن لم يمنع من أحدهما فلا (٥).
وذهب بعضهم إلى أنه لا إحصار اليوم؛ لزوال الشرك عن جزيرة العرب، وهذا شذوذ فإن العدو لم يزل، فإن حبسه السلطان تحلل عند الجماعة، خلافًا لمالك (٦).
والحاج عن غيره إذا أحصر يجب عَلَى الآمر دم للإحصار عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف عَلَى الحاج (٧).
وقال عبد الله وعروة ابنا الزبير بن العوام: إن العدوَّ والمرض سواء، لا يحل المحصر منهما إلا بالطواف.
قَالَ الرازي: لا نعلم لهما موافقًا من فقهاء الأمصار، ويتحقق الإحصار عند أبي حنيفة بعد الإحرام.

----------
(١) «المبسوط» ٤/ ١١٣.
(٢) انظر: «البناية» ٤/ ٣٨٧.
(٣) «البناية» ٤/ ٣٨٨.
(٤) «المسبوط» ٤/ ١١٤، «شرح فتح القدير» ٣/ ١٣٥.
(٥) «شرح العناية على الهداية» ٣/ ١٣٥.
(٦) «البناية» ٤/ ٣٨٩.
(٧) «البناية» ٤/ ٣٩٠.



وقال مالك: لا يكون محصرًا حَتَّى يفوته الحج، إلا أن يدركه فيما بقي فيتحلل في مكانه (١).
وفي «شرح الموطأ» لأبي عبد الله القرطبي: من أحصر بمرض أو كسر أو عرج فقد حل في موضعه ولا هدي، وعليه القضاء، وعزاه إلى أبي ثور تعلقًا بحديث الحجاج بن عمرو، وخالف بذلك الجماعة.
وحديث الحجاج حسَّنه الترمذي، وصححه الحاكم عَلَى شرط البخاري بلفظ: «من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل». وفي لفظ أبي داود: «أو مرض».
قال عكرمة: فسألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذَلِكَ فقالا: صدق (٢).
وقال بعضهم فيما حكاه المنذري: ثبت عن ابن عباس أنه قَالَ: لا حصر إلا حصر العدو (٣)، فكيف بهذِه الرواية؟! وتأوله بعضهم إنما يحل بالكسر إذا كان قد اشترط ذَلِكَ في عقد الإحرام عَلَى معنى حديث ضباعة المشهور (٤)، قالوا: ولو كان الكسر عذرًا لم يكن لاشتراطها معنى (٥) (٦).

-------------
(١) «مواهب الجليل» ٣/ ١٩٧.
(٢) سيأتي تخريج هذا الحديث بإستيفاء في باب: إذا أحصر المعتمر، من كتاب المحصر، حديث (١٨٠٦ - ١٨٠٩) فانظره.
(٣) تقدم تخريجه، وسيأتي أيضًا.
(٤) سيأتي برقم (٥٠٨٩) كتاب: النكاح، باب: الأكفاء في الدين، ورواه مسلم (١٢٠٧ - ١٢٠٨) كتاب: الحج، باب: جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه.
(٥) في هامش الأصل تعليق نصه: آخر ٣ من ٧ من تجزئة الشيخ.
(٦) «مختصر سنن أبي داود» للمنذري ٢/ ٣٦٨.



٧٨ - باب الطَّوَافِ عَلَى وُضُوءٍ
١٦٤١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ رضي الله عنها أَنَّهُ أَوَّلُ شَىْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً. ثُمَّ عُمَرُ - رضي الله عنه - مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ - رضي الله عنه - فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ مُعَاوِيَةُ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي -الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ- فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ رَأَيْتُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا عُمْرَةً، وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ فَلَا يَسْأَلُونَهُ، وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَضَعُوا أَقْدَامَهُمْ مِنَ الطَّوَافِ بِالبَيْتِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ، وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي وَخَالَتِي، حِينَ تَقْدَمَانِ لَا تَبْتَدِئَانِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنَ البَيْتِ، تَطُوفَانِ بِهِ، ثُمَّ لَا تَحِلاَّنِ. [انظر: ١٦١٤ - مسلم: ١٢٣٥ - فتح: ٣/ ٤٩٦]

١٦٤٢ - وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا. [انظر: ١٦١٥ - مسلم: ١٢٣٥ - فتح: ٣/ ٤٩٧]
ذكر فيه حديث مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلِ القُرَشِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّهُ أَوَّلُ شَيءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأ، ثُمَّ طَافَ بِالبَيْتِ. الحديث.
وقد سلف في باب: من طاف بالبيت إذا قدم مكة (١).
وفيه: ما ترجم به أن سنة الطواف أن يكون عَلَى طهارة.

-----------
(١) برقم (١٦١٤ - ١٦١٥).


واتفق جمهور العلماء عَلَى أنه لا يجزئ بغير طهارة كالصلاة (١)، وخالف ذَلِكَ أبو حنيفة كما أسلفته هناك، فقال: إن طاف بغير طهارة فإن أمكنه إعادة الطواف أعاده، وإن رجع إلى بلده جبره بالدم (٢)، وحجة الجماعة هذا الحديث، وفعله للوجوب إلا أن تقوم دلالة، وأيضًا فإن فعله خرج مخرج البيان لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]؛ لأن الطواف مجمل يحتاج إلى بيان صفته؛ لأنه يقتضي طوفة واحدة، وقد تقدم تسميته صلاة، وقد يكون في الشرع صلاة لا ركوع فيها ولا سجود كصلاة الجنازة، لا يقال: فينبغي أن يكون لها تحريم وتسليم، لأنه ليس كل ما كان صلاة يحتاج إلى ذَلِكَ؛ لأن كثيرًا من الناس من يقول في سجود السهو أنه صلاة ولا يحتاج إلى ذَلِكَ، وكذلك سجود التلاوة إذا كان في صلاة.
وحديث صفية لما حاضت فقال: «أحابستنا هي؟» فقيل: قد أفاضت، فقال: «فلا إذًا» (٣) حجة لنا؛ فلو كان الدم يقوم مقام طوافها بغير طهارة لكان - ﷺ - لا يحتاج أن يقيم هو وأصحابه إلى أن تطهير ثم تطوف.
فإن قلت: إن الطواف -أعني: طواف الزيارة- لا يصح الحج إلا به، فلا يحتاج إلى طهارة كالوقوف بعرفة.

-----------
(١) انظر: «الا ستذكار» ١٢/ ١٧١.
(٢) «المبسوط» ٤/ ٣٨، «بدائع الصنائع» ٢/ ٣٨.
(٣) سيأتي برقم (١٧٥٧) كتاب: الحج، باب: إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت،
ورواه ومسلم (١٢١١) كتاب: الحج، باب: وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض.



قلتُ: لما كان بعقب كل أسبوع من الطواف ركعتان، لا فصل بينه وبينها، وجب أن يكون الطائف متوضئًا؛ ليصلّ صلاته بطوافه، والوقوف بعرفة لا صلاة بإثره فافترقا، واختلفوا فيمن انتقض وضوؤه وهو في
الطواف.
فقال عطاء ومالك: يتوضأ ويستأنف الطواف (١). قَالَ مالك: بخلاف السعي لا يقطع ذَلِكَ عليه ما أصابه من انتقاض وضوئه (٢).
وقال النخعي: يبني، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، إلا أن الشافعي قَالَ: إن تطاول استأنف (٣)، وقال مالك: إن كان تطوَّع فأراد إتمامه توضأ واستأنف، وإن لم يرد إتمامه تركه (٤).
وفيه: حجة لمن اختار الإفراد، وأن ذَلِكَ كان عمل النبي - ﷺ -، وأصحابه بعده لم يعدل أحد منهم إلى تمتع ولا قران؛ لقولها: (ثم لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ) وهو يبين لك أن ما وقع لعائشة أنه اعتمر أو فسخ وَهْم، أو يكون عَلَى تأويل الأمر.
وقوله: (ثمَّ لَمْ يكُنْ عُمْرَةٌ). هذا آخر كلام عائشة، وما بعده لعروة، قاله أبو عبد الملك، وقال الداودي: ما ذكر من حج عثمان من كلام عروة، وما قبله لعائشة، قَالَ: وما احتج به عروة لا مزيد فوقه، وإنما كان الفسخ في تلك الحجة خاصة.

-----------
(١) «المنتقى» ٢/ ٢٨٩.
(٢) «المنتقى» ٢/ ٢٩٠.
(٣) «الأم» ٢/ ١٧٨، «مغني المحتاج» ١/ ٤٨٥، «مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج» ١/ ٥٣٢.
(٤) «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٧٩.



٧٩ - باب وُجُوبِ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَجُعِلَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ
١٦٤٣ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ عُرْوَةُ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها فَقُلْتُ لَهَا: أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فَوَاللهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ. قَالَتْ: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي، إِنَّ هَذِهِ لَوْ كَانَتْ كَمَا أَوَّلْتَهَا عَلَيْهِ، كَانَتْ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَطَوَّفَ بِهِمَا، وَلَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي الأَنْصَارِ، كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ التِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ المُشَلَّلِ، فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] الآيَةَ. قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا. ثُمَّ أَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَعِلْمٌ مَا كُنْتُ سَمِعْتُهُ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، يَذْكُرُونَ أَنَّ النَّاسَ -إِلاَّ مَنْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ بِمَنَاةَ- كَانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهُمْ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَلَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى الطَّوَافَ بِالبَيْتِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ فِي القُرْآنِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كُنَّا نَطُوفُ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَإِنَّ اللهَ أَنْزَلَ الطَّوَافَ بِالبَيْتِ، فَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا، فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ نَطَّوَّفَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] الآيَةَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَأَسْمَعُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا: فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالجَاهِلِيَّةِ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَالَّذِينَ يَطُوفُونَ ثُمَّ تَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهِمَا فِي الإِسْلَامِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالطَّوَافِ بِالبَيْتِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا ذَكَرَ الطَّوَافَ بِالبَيْتِ. [١٧٩٠، ٤٤٩٥، ٤٨٦١ - مسلم: ١٢٧٧ - فتح: ٣/ ٤٩٧]


ذكر فيه عن (عروة) (١) قال: سَألْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها فَقُلْتُ لَهَا: أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] .. الحديث بطوله، وقد أخرجه مسلم والأربعة أيضًا (٢).
وقوله: (حَتَّى أَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ): قائل هذا هو الزهري، كما صرح به مسلم (٣)، وزعم الحميدي أن أبا معاوية الضرير تفرد عن هشام بقوله: إن الأنصار كانوا يطوفون بين الصفا
والمروة. وسائر الروايات عن هشام أنه قَالَ: أنهم كانوا لا يطوفون بينهما (٤).
وما ذكرته عائشة رضي الله عنها من بديع فقهها، ومعرفتها بأحكام الألفاظ؛ لأن الآية الكريمة إنما اقتضى ظاهرها رفع الحرج عمن طاف بين الصفا والمروة، وليس بنص في سقوط الوجوب، فأخبرته أن ذَلِكَ محتمل، ولو كان نصًّا في ذَلِكَ لكان يقول: فلا جناح عليه أن لا يطَّوَّف بهما؛ لأن هذا يتضمن سقوط الإثم عمن ترك الطواف، ثم أخبرته أن ذَلِكَ إنما كان بسبب الأنصار، وقد يكون الفعل واجبًا ويعتقد المعتقد أنه قد منع من إيقاعه عَلَى صفة، وهذا كمن عليه صلاة ظهر فيظن أن

----------
(١) فوقها في الأصل: مسند.
(٢) مسلم (١٢٧٧) كتاب: الحج، باب: بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به، أبو داود (١٩٠١٠) كتاب: المناسك، باب: أمر الصفا والمروة، الترمذي (٢٩٦٥) كتاب: تفسير القرآن سورة البقرة، النسائي ٥/ ٢٣٧ - ٢٣٨، ابن ماجه (٢٩٨٦) كتاب: المناسك، باب: السعي بين الصفا والمروة.
(٣) مسلم (١٢٧٧) كتاب: الحج، باب: بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به.
(٤) «الجمع بين الصحيحين» للحميدي ٤/ ٥٧.



لا يسوغ له إيقاعها بعد المغرب، فيسأل فيقال: لا حرج عليك إن صليت، فيكون الجواب صحيحًا، ولا يقتضي نفي وجوب الظهر عليه، وقد جاء أن الأنصار قالوا: إنما أمرنا بالطواف ولم نؤمر بين الصفا والمروة، فنزلت الآية، وعروة أَوَّلَ الآية بأن لا شيء عليه في تركه؛ لأن هذا اللفظ أكثر ما يستعمل في المباح دون الواجب، ولكن سببه أنه خوطب به من رأى الحرج فيه.
وجاء أن من العرب من كان يقول: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية، فقال أبو بكر بن عبد الرحمن: أراها نزلت في هؤلاء وهؤلاء.
وفي «أسباب النزول» للواحدي: قَالَ ابن عباس: كان عَلَى الصفا صنم عَلَى صورة رجل، يقال له إساف، وعلى المروة صنم عَلَى صورة امرأة تدعى نائلة، يزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة، فمُسخا حجرين، فوضعا عَلَى الصفا؛ ليُعتبر بهما، فلما طالت المدة عُبدا، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بينهما مسحوا الوثنين، فلما جاء الإسلام، وكُسرت الأصنام، كره المسلمون الطواف بينهما؛ لأجل الصنمين، فنزلت هذِه الآية (١).
وقَالَ السدي: كان في الجاهلية تعزف الشياطينُ في الليل بين الصفا والمروة، وكانت بينهما آلهة، فلما ظهر الإسلام قَالَ المسلمون: يا رسول الله، لا نطوف بينهما فإنه شرك، كنا نصنعه في الجاهلية، فنزلت الآية (٢).

--------
(١) «أسباب النزول» ص ٤٩.
(٢) رواه ابن جرير الطبري في «تفسيره» ٢/ ٥٠ (٢٣٤٨).



وقال الفراء: فيما نقله الأزهري: كانت العرب عامة لا يرون الصفا والمروة من الشعائر، فلا يطوفون بينهما، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ﴾ [المائدة: ٢] أي: لا تستحلوا ترك ذَلِكَ (١).
وفي «معانيه»: كره المسلمون الطواف بينهما لصنمين كانا عليهما، فكرهوا أن يكون ذَلِكَ تعظيمًا لهما (٢).
وقال أبو عبيدة: شعائر الله واحدها شعيرة (٣). وقيل: شعاره، حكاه في «الموعب» و«المطالع»، وهو ما أشعر الهدي إلى الله تعالى.
وقال الزجاج: هي جميع متعبدات الله التي أشعرها الله، أي: جعلها أعلامًا لنا، وهي كل ما كان من موقف أو سعي وذبح، وإنما قيل: شعائر لكل علم مما تعبد به.
وقال الحسن: شعائره: دينه. وقال السجستاني في «مصاحفه»: وجدت في مصحف أُبي بن كعب: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما (٤).
وقال الزمخشري: هي قراءة ابن مسعود (٥)، زاد غيره: وابن عباس.
وقال الزجاج: يجوز أن يطوف، وأن يطوف ويتطوف، فالثاني عَلَى الإدغام، لقرب مخرج التاء من الطاء، ومَنْ ضم أوله، فهو من طوّف إذا أكثر التطواف.
إذا تقرر ذَلِكَ: فاختلف العلماء في السعي بينهما، فروي عن ابن مسعود وأُبي بن كعب وابن عباس أنه غير واجب، ولا دم في تركه.

------
(١) «تهذيب اللغة» ٢/ ١٨٨٤.
(٢) «معاني القرآن» ١/ ٩٥.
(٣) «مجاز القرآن» لأبي عبيدة ١/ ٦٢، ١٤٦.
(٤) «المصاحف» ص ٥٣.
(٥) «الكشاف» للزمخشري ١/ ١٩١.



وحكي أيضًا عن أنس وابن الزبير وابن سيرين، وقال عطاء والحسن وقتادة والثوري: هو واجب، يجبر بدم (١).
وعن عطاء: سنة لا شيء فيه (٢)، وبه قَالَ الكوفيون، وقالتْ عائشة: هو فرض لا يصح الحج إلا به (٣).
وبه قَالَ مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود، ويأمرون من بقي عليه منه شيء بالرجوع إليه من بلده، فإذا كان وطئ النساء قبل أن يرجع كان عليه إتمام حجه أو عمرته، وحج قابل والهدي (٤)، كذا حكاه ابن بطال عنهم (٥)، ونقل المروذي عن أحمد أنه مستحب، واختيار القاضي وجوبه وانجباره بالدم (٦).
قَالَ ابن قدامة: وهو أقرب إلى الحق (٧). وعن طاوس: من ترك منه أربعة أشواط لزمه دم، وإن ترك دونها لزمه لكل شوط نصف صاع، وليس هو بركن.
وذكر ابن القصار، عن القاضي إسماعيل: أنه ذكر عن مالك فيمن تركه حَتَّى تباعد فأصاب النساء أنه يجزئه ويهدي.

-----------
(١) رواه عن الحسن وعطاء: ابن أبي شيبة ٣/ ٢٦٩ (١٤٢٠٠ - ١٤٢٠١)، وانظر: «المجموع» ٨/ ١٠٤.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٧٠ (١٤٢٠٤).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٧٠ (١٤٢٠٥).
(٤) «المبسوط» ٤/ ٥٠، «التفريع» ١/ ٣٣٨، «عيون المجالس» ٢/ ٨١٦، «الاستذكار» ١٢/ ٢٠١، «البيان» ٤/ ٢٠٣، «المجموع» ٨/ ٧٦، «المستوعب» ٤/ ٢٢١، «المبدع» ٣/ ٢٢٤.
(٥) «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٢٣.
(٦) «الروايتين والوجهين» ١/ ٢٨٤.
(٧) «المغني» ٥/ ٢٣٨.



احتج من لم يره واجبًا بقراءة من قرأ: (فلا جُنَاحَ عليه أن لا يَطَّوَّفَ بهما) (١) فعلى هذا لا جناح عليه في تركه، كما قالته عائشة.
واحتج بعضهم بقراءة الجماعة وقالوا: الآية تقتضي أن يكون السعي مباحًا لا واجبًا؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] والقصر مباح لا واجب، وبقول عائشة في هذا الحديث: (وقد سن رسول الله - ﷺ - الطواف بينهما).
والجواب: أن عائشة قد رَدَّتْ عَلَى عروة تأويل المخالف في الآية وقالت: (بئس ما قلت يا ابن أختي، إن الآية لو كانت كما أولتها لكان: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، وإنما نزلت في الأنصار الذين كانوا يتحرجون في الجاهلية أن يطوفوا بينهما، وفي الذين كانوا يطوفون في الجاهلية، ثم تحرجوا أن يطوفوا في الإسلام)، وهذا يبطل تأويلهم؛ لأن عائشة علمتْ سبب الآية، وضبطته، وتفسير الراوي مقدم عَلَى غيره، والمراد بقولها: أنه - ﷺ - سنَّه، أي: جعله طريقة، لا كما تحرجوا منه، وقد صح من مذهبها أنه فرض، كما قاله ابن بطال (٢)، وإن حكى الخطابي عنها: أنه تطوع (٣)، وأما القراءة الأولى فشاذة، وقد يجوز أن ترجع إلى معنى المشهورة؛ لأن العرب تصل بلا وتزيدها كقوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ [القيامة: ١ - ٢]، وكقوله: ﴿

---------
(١) هي قراءة علي وابن مسعود وأنس بن مالك وابن عباس، وهي شاذة كما سيشير المصنف. انظر: «مختصر في شواذ القرآن» ص ١٨.
(٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٢٤.
(٣) «معالم السنن» للخطابي ٢/ ١٦٩، والذي فيه أنه قال: كانت عائشة ترى أن السعي بين الصفا والمروة فرض.



فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ [الواقعة: ٧٥]، و﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] أقسم بيوم القيامة، وأقسم بكل ما ذكر و﴿ما منعك ألا تسجد﴾ [الأعراف: ١٢] أي: ما منعك أن تسجد، فيحتمل قول عائشة لعروة: (كلا لو كانت كما تقول كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) عَلَى معنى الصلة التي رجع بها إلى معنى قوله: ﴿أَن يَطَّوَّفَ بِهمَا﴾، وقد جعلهما من شعائره: وهي العلامات، وقد قَالَ تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ﴾.
وقال الشارع لما طاف بهما: «نبدأ بما بدأ الله به» (١) وقال: «خذوا عني مناسككم» (٢) وطاف بينهما.
ودلَّ حديث حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالتْ: ما تمتْ حجة أحد ولا عمرته، لم يطف بين الصفا والمروة (٣) - أن ذَلِكَ مما لا يكون مأخوذًا من جهة الرأي، وإنما يُؤخذ من جهة التوقيف، وقولها ذَلِكَ يدل عَلَى وجوب السعي بينهما في الحج والعمرة جميعًا.
قَالَ ابن المنذر: إن ثبت حديث بنت أبي تجراة (٤): «اسعوا فإن الله

------------
(١) رواه مسلم (١٢١٨) كتاب: الحج، باب: حجة النبي - ﷺ -.
(٢) رواه مسلم (١٢٩٧) كتاب: الحج، باب: استحباب رمي جمرة العقبة، بنحوه.
(٣) رواه مسلم (١٢٧٧) كتاب: الحج، باب: بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به. من حديث أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة به.
(٤) قال الدارقطني: هي حبيبة بنت أبي تجراة -بالتاء- ووهم أبو نعيم الفضل بن دكين، فقال: هي بنت أبي بجراة -بالباء- وثبت على ذلك، والصواب بالتاء. اهـ.»المؤتلف والمختلف" ١/ ٣١٥.



كتب عليكم السعي» (١) فالسعي ركن، كما قَالَ الشافعي وإلا فهو
---------
(١) هذا الحديث اختلف في إسناده، فرواه أحمد ٦/ ٤٢١، والشافعي في «مسنده» ٢/ ٢٦٣ - ٢٦٤ (٩٨١) (سنجر)، وابن سعد ٨/ ٢٤٧، وابن عدي في «الكامل» ٥/ ٢٢٦ في ترجمة عبد الله بن المؤمل (٩٧٤)، والدارقطني في سننه«٢/ ٢٥٦، وفي»المؤتلف والمختلف«١/ ٣١٦ - ٣١٧، والحاكم ٤/ ٧٠ وسكت عليه، وقال الذهبي: لم يصح، وأبو نعيم في»الحلية«٩/ ١٥٩، والبيهقي ٥/ ٩٨، وابن عبد البر في»التمهيد«٢/ ١٠١، والبغوي في»شرح السنة«٧/ ١٤٠ - ١٤١ (١٩٢١)، وفي»معالم التنزيل«١/ ١٧٣ - ١٧٤، وابن الأثير في»أسد الغابة«٧/ ٥٩ من طريق عبد الله بن المؤمل عن عمر بن عبد الرحمن بن محيصن، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفية بنت شيبة قالت: أخبرتني حبيبة بنت أبي تجراة -إحدى نساء بني عبد الدار- قالت: دخلنا دار أبي حسين في نسوة من قريش، ورسول الله - ﷺ - يطوف بين الصفا والمروة، ورأيته يسعى، وإن مئزره ليدور من شدة السعي، حتى لأقول: إني لأرى ركبتيه، وسمعته يقول:»اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي«.
قلت: وقع في بعض المصادر عن بنت أبي تجراة، بدون ذكر حبيبة، وفي»الكامل«: عن فلانة بنت أبي تجراة، وسقط في بعض المصادر أيضًا قوله: إحدى نساء بني عبد الدار.
ورواه أحمد ٦/ ٤٢١ - ٤٢٢، وأبو نعيم في»معرفة الصحابة«٦/ ٣٢٩٦ (٧٥٧١)، وابن عبد البر في»التمهيد«٢/ ٩٩ - ١٠٠، وابن الجوزي في»التحقيق«٢/ ١٤٥ - ١٤٦ (١٣٠٦) من طريق عبد الله بن المؤمل، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تجراة قالت: الحديث. هكذا منقطعًا؛ فبين عطاء وعبد الله بن المؤمل عمر بن عبد الرحمن بن محيصن، كما في الرواية
السابقة.
ورواه ابن أبي شيبة كما في»نصب الراية«٣/ ٥٦، وعنه ابن أبي عاصم في»الآحاد والمثاني«٦/ ٨٣ - ٨٤ (٣٢٩٦)، والطبراني ٢٤/ ٢٢٦ - ٢٢٧ (٥٧٥)، وابن عبد البر في»التمهيد" ٢/ ١٠١ من طريق ابن أبي شيبة عن محمد بن بشر، عن عبد الله بن المؤمل، عن عبد الله بن أبي حسين عن عطاء عن حبيبة بنت أبي تجراة قالت: الحديث. =

-----------




. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= ورواه الدارقطني ٢/ ٢٥٥ من طريق ابن المؤمل عن عبد الله بن محيصن، عن عطاء، عن صفية بنت شيبة عن حبيبة بنت أبي تجراة قالت: .. الحديث.
ورواه الطبراني ٢٤/ ٢٢٥ (٥٧٢) من طريق عبد الله بن المؤمل، عن عمر بن عبد الرحمن بن محيصن، عن صفية بنت شيبة قالت: حدثتنا حبيبة بنت أبي تجراة قالت: الحديث، هكذا بإسقاط عطاء.
ورواه ابن عبد البر في «التمهيد» ٢/ ١٠٠ من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين، عن ابن المؤمل، عن عمر بن عبد الرحمن السهمي، عن عطاء، عن صفية، عن حبيبة بنت أبي تجراة- امرأة من أهل اليمن قالت: .. الحديث.
قال ابن عبد البر: رواية ابن أبي شيبة -السابقة- أخطأ فيها إما هو وإما محمد بن بشر، أخطأ في موضعين من الإسناد، أحدهما: أنه جعل في موضع عمر بن عبد الرحمن، عبد الله بن أبي حسين، والآخر: أنه أسقط صفية من الإسناد، فأفسد إسناد هذا الحديث، ولا أدري ممن هذا، أمن أبي بكر؟ أم من محمد بن بشر؟ ومن أيهما كان فهو خطأ لا شك فيه. اهـ
قال ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ١٥٨ - ١٥٩ متعقبًا ابن عبد البر: وعندي أن الخطأ فيه إنما هو من عبد الله بن المؤمل فإن محمد بن بشر راويه عنه ثقة، وابن أبي شيبة إمام، وعبد الله بن المؤمل، يحتمل سوء حفظه أن يحمل عليه، وقد ظهر اضطرابه في هذا الحديث. اهـ.
ثم قال ابن عبد البر: والصحيح في إسناد هذا الحديث ومتنه ما ذكره الشافعي وأبو نعيم، إلا أن قول أبي نعيم: امرأة من أهل اليمن ليس بشيء، والصواب ما قال الشافعي والله أعلم، فإن قال قائل: إن عبد الله بن المؤمل ليس ممن احتج بحديثه لضعفه، وقد انفرد بهذا الحديث، قيل له: هو سيئ الحفظ، فلذلك اضطربت الرواية عنه، وما علمنا له خربة تسقط عدالته، وقد روى عنه جماعة من جلة العلماء، وهذا يرفع من حاله، والاضطراب عنه لا يسقط حديثه؛ لأن الاختلاف على الأئمة كثير، ولم يقدح ذلك في روايتهم، وقد اتفق شاهدان عدلان عليه وهما الشافعي وأبو نعيم، وليس من لم يحفظ ولم يقم، حجة على من أقام وحفظ. اهـ.
بتصرف.
ثم قال ابن القطان ٥/ ١٥٩: هذا الاضطراب بإسقاط عطاء تارة، وابن محيصن أخرى، وصفية بنت شيبة أخرى، وإبدال ابن محيصن بابن أبي حسين أخرى، =

------------




. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= وجعل المرأة عبدرية تارة، ومن أهل اليمن أخرى، من أبي محمد، هو رد روايات ابن المؤمل. اهـ
قلت: يقصد عبد الحق الأشبيلي.
وقد روى كذلك أحمد ٦/ ٤٣٧، وابن خزيمة ٤/ ٢٣٣ (٢٧٦٥) من طريق معمر، عن واصل مولى أبي عيينة، عن موسى بن عبيدة، عن صفية بنت شبة أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي - ﷺ - بين الصفا والمروة يقول: «كتب عليكم السعي فاسعوا».
ورواه ابن خزيمة ٤/ ٢٣٢ (٢٧٦٤)، والطبراني ٢٤/ ٢٢٧ (٥٧٦)، والحاكم ٤/ ٧٠ من طريق عبد الله بن نبيه، عن جدته صفية بنت شبة، عن حبيبة بنت أبي تجراة قالت: الحديث.
وسكت عليه الحاكم، وقال الذهبي: لم يصح.
وروى الدارقطني ٢/ ٢٥٥، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» ٦/ ٣٢٧٥ (٧٥٣٧)، والخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢/ ٤٦٨ من طريق الواقدي عن علي بن محمد العمري، عن منصور الحجبي، عن أمه، عن برة بنت أبي تجراة قالت: رأيت رسول الله - ﷺ - حين انتهي إلى المسعى قال: «اسعوا فإن الله كتب عليك السعي ..» الحديث.
ومما يشهد لهذا الحديث أيضًا ما رواه الدارقطني ٢/ ٢٥٥، والبيهقي ٢/ ٩٧، وابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ١٤٦ (١٣٠٧) من طريق ابن المبارك، عن معروف بن مشكان، عن منصور بن عبد الرحمن، عن أمه صفية قالت: أخبرني نسوة من بني عبد الدار اللاتي أدركن رسول الله - ﷺ - قلن: .. الحديث، وفيه: فقال: «يا أيها الناس، اسعوا فإن السعي قد كتب عليكم».
قال ابن الجوزي: فإن قيل: قد قال أبو حاتم: لا يحتج بمنصور، قلنا: قد قال ابن معين: هو ثقة. وقال الذهبي في «التنقيح» ٦/ ٢٠: إسناده صحيح، وقال الألباني في «الإرواء» ٤/ ٢٧٠: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات معروفون غير ابن مشكان.
والحديث في الجملة أشار الحافظ في «الفتح» ٣/ ٤٩٨ إلى تصحيحه، وصححه الألباني في «الإرواء» (١٠٧٢).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #327  
قديم اليوم, 01:56 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,828
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (11)
من صـــ 491 الى صـــ 510
الحلقة (327)






تطوع (١).
قَالَ ابن عبد البر: تفرد به عبد الله بن المؤمل، وكان سيئ الحفظ، ولا نعلم له خربة تسقط عدالته (٢).
وزعم بعض الشافعية: أن الآية الكريمة تم الكلام فيها عند قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾، ثم ابتدأ فقال: ﴿عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
والجواب: أن الأمر يقتضي رفع الجناح والحرج عمن تطوف بهما، والكلام فيمن سعى بينهما.
فائدة:
مناة: صنم كان نصبه عمرو بن لحي لجهة البحر. قَالَ ابن الكلبي: وقيل: هي صخرة لهذيل بقديد، سميت مناة لأن النسائك كانت تجبى بها أي: تراق.
وقال الحازمي: هي عَلَى سبعة أميال من المدينة، وإليه نسبوا زيد مناة، والمُشلل: -بضم الميم وفتح الشين المعجمة ولامين الأولى مفتوحة- الجبل الذي يهبط منه إلى قديد من ناحية البحر.

----------
(١) «الأم» ٢/ ١٧٨.
(٢) «الاستذكار» ١٢/ ٢٠٧. وعبد الله بن المؤمل، هو ابن وهب الله القرشيُّ، المخزوميُّ، العائذيُّ، المدَنيُّ، ويقال المكيُّ.
قال أحمد: أحاديثه مناكير، وعن يحيى بن معين قال: ضعيف.
وقال في موضع آخر: صالح الحديث، وقال مرة: ليس به بأس.
وضعفه النسائي: وقال أبو داود: منكر الحديث. ومات بمكة عام قتل الحسين بفخ.
«التاريخ الكبير» ٥/ ٢٠٩ (٦٦٤)، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٧٥ (٨٢١)، «تهذيب الكمال» ١٦/ ١٨٧ (٣٥٩٩). وقال الحافظ في «التقريب» (٣٦٤٨): ضعيف الحديث.



وقال البكري: هي ثنية مشرفة عَلَى قديد (١). وقال ابن التين: هي عند الجحفة. وفي رواية أبي معاوية: أن الأنصار كانوا يهلون لصنمين عَلَى شط البحر يُقال لهما: إساف ونائلة (٢)، وإساف بن بغي، ونائلة بنت ديك، قاله ابن إسحاق وغيره (٣)، ووقع في كلام القرطبي: ابن بغا، ويُقال: عمرو، ونائلة بنت سهيل، ويُقال: ذئب، والمعروف ما قدمناه.
قَالَ: ولم يكونا قط عَلَى شاطئ البحر، وإنما كانا -فيما يقال- من جرهم زنيا في الحرم داخل الكعبة فمُسخا حجرين فنصبا عند الكعبة.
وقيل: عَلَى الصفا والمروة؛ ليعتبر بهما الناس، ثم حولهما قصي بن كلاب فجعل أحدهما ملاصق الكعبة والآخر بزمزم.
وقيل: جعلهما بزمزم ونحر عندهما، وأمر بعبادتهما (٤). وما ذكره من أن قصيًّا هو الذي نحر عندهما خلاف ما ذكره الأزرقي أن فاعل ذَلِكَ عمرو بن لحي الذي ابتدع عبادة الأوثان (٥).
وذكر الواقدي أن نائلة حين أمر الشارع بكسرها عام الفتح خرجت منها سوداء شمطاء تخمش وجهها، وتنادي بالويل والثبور، وهادمها أبو سفيان فيما ذكره ابن هشام، ويقال: علي بن أبي طالب.
فائدة أخرى: قوله: (قَالَ أبُو بَكْرٍ -يعني: ابن عبد الرحمن- فأسْمَعُ هذِه الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الفَرِيقَيْنِ كلاهما فِي الذِينَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا

--------
(١) «معجم ما استعجم» ٤/ ١٢٣٣.
(٢) رواه مسلم (١٢٧٧).
(٣) انظر: «سيرة ابن هشام» ١/ ٨٦.
(٤) «المفهم» ٣/ ٣٨٤.
(٥) «أخبار مكة» ص ١٢٠.



في الجَاهِلِيَّةِ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَالَّذِينَ يَطُوفُونَ ثُمَّ تَحَرَّجُوا فِي الإِسْلَامِ)، يحتمل أن يكون: (فاسمع) أمرًا.
قال ابن التين: وكذلك هو مضبوط في الأصل، ويحتمل أن يكون خبرًا عن نفسه. قلت: وهو ما ضبطه الدمياطي بخطه. وعلى الوجهين فإن الآية نزلت فيمن خاف الحرج إذا طاف بينهما.


٨٠ - باب مَا جَاءَ فِي السَّعْىِ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: السَّعْيُ مِنْ دَارِ بَنِي عَبَّادٍ إِلَى زُقَاقِ بَنِي أَبِي حُسَيْنِ.

١٦٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا طَافَ الطَّوَافَ الأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعَى بَطْنَ المَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. فَقُلْتُ لِنَافِعٍ: أَكَانَ عَبْدُ اللهِ يَمْشِي إِذَا بَلَغَ الرُّكْنَ اليَمَانِيَ؟ قَالَ: لَا. إِلاَّ، أَنْ يُزَاحَمَ عَلَى الرُّكْنِ، فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَدَعُهُ حَتَّى يَسْتَلِمَهُ. [انظر: ١٦٠٣ - مسلم: ١٢٦١ - فتح: ٣/ ٥٠٢]

١٦٤٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ - رضي الله عنه - عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالبَيْتِ فِي عُمْرَةٍ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَطَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، فَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعًا ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. [الأحزاب: ٢١] [انظر: ٣٩٥ - مسلم: ١٢٣٤ - فتح: ٣/ ٥٠٢]

١٦٤٦ - وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، فَقَالَ: لَا يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. [انظر: ٣٩٦ - فتح: ٣/ ٥٠٢]

١٦٤٧ - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَكَّةَ، فَطَافَ بِالبَيْتِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ تَلَا ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. [الأحزاب: ٢١]. [انظر: ٣٩٥ - مسلم: ١٢٣٤ - فتح: ٣/ ٥٠٢]

١٦٤٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه -: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ شَعَائِرِ الجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ


أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. [البقرة: ١٥٨] [٤٤٩٦ - مسلم: ١٢٧٨ - فتح: ٣/ ٥٠٢]

١٦٤٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: إِنَّمَا سَعَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ لِيُرِيَ المُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ.
زَادَ الُحمَيدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، سَمِعْتُ عَطَاءً، عَنِ ابن عَبَّاسٍ مِثلَهُ. [انظر: ١٦٠٢ - مسلم: ١٢٦٦ - فتح: ٣/ ٥٠٢]
ثم ساق خمسة أحاديث:
أحدها: حديث ابن عمر: كَانَ النبي - ﷺ - إِذَا طَافَ الطَّوَافَ الأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا .. الحديث.
وسلف في باب: من طاف إذا قدم مكة (١)، وهنا أتم من ذاك، وشيخ البخاري فيه محمد بن عبيد بن ميمون. وقال الجياني في نسخة خلف: ابن حاتم بدل: ابن ميمون (٢). وخب: هرول، وكذا السعي.
ثانيها: حديث ابن عمر أيضًا، وقد سلف في باب صلاة النبي - ﷺ - لسبوعه ركعتين (٣).
ثالثها: حديثه أيضًا: قال: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَكَّةَ … إلى آخره.
وسلف في باب من صلى ركعتي الطواف خلف المقام (٤).
رابعها: حديث عاصم: قُلْتُ لأَنَسِ: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بَيْنَ

----------
(١) برقم (١٦١٦ - ١٦١٧).
(٢) «تقييد المهمل» ٢/ ٦١١.
(٣) سلف برقم (١٦٢٣).
(٤) برقم (١٦٢٧).



الصَّفَا وَالمَرْوَةِ؟ فقَالَ: نَعَمْ؛ لأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ شَعَائِرِ الجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨].
وهو في مسلم (ت. س) أيضًا (١)، ويأتي في التفسير (٢).
وشيخ البخاري فيه أحمد بن محمد، ثَنَا عبد الله، قَالَ الحاكم: هو أحمد بن محمد بن موسى مردويه، وقال الدارقطني: هو أحمد بن محمد بن ثابت شبويه (٣).
خامسها: حديث سفيان، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، أن ابن عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّما سَعَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ ليُرِيَ المُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ.
وهو في مسلم أيضًا (٤)، ثم قَالَ (٥): زاد الحميدي، ثَنَا سفيان، ثَنَا عمرو، سمعت عطاء، عن ابن عباس مثله.
وظاهر هذا أنه لم يروه عن شيخه الحميدي، لكن أبو نعيم الحافظ لما رواه عن أبي علي محمد بن أحمد، ثَنَا بشر بن موسى، ثَنَا الحميدي، ثَنَا سفيان، فذكره. ثم قَالَ: رواه -يعني البخاري- عن الحميدي- وعلي بن عبد الله جميعًا، عن سفيان. إذا عرفت ذَلِكَ فمعنى هذا الباب كالذي قبله.

----------
(١) مسلم (١٢٧٨) كتاب: الحج، باب: بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن، الترمذي (٢٩٦٦) والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٤١٠ (٣٩٥٩).
(٢) سيأتي برقم (٤٤٩٦) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾.
(٣) انظر: «تهذيب الكمال» ١/ ٤٣٦ (٩٤).
(٤) مسلم (١٢٦٦) كتاب: الحج، باب: استحباب الرمل في الطواف والعمرة.
(٥) ورد في الأصل: أعلاها. يعني البخاري.



وفيه: بيان صفة السعي، وأنه شيء معمول به، غير مرخّص فيه، ألا ترى ابن عمر حين ذكره قَالَ: وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة.
والأثر المصدَّر به الباب أخرجه ابن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد وعطاء قَالَ: رأيتهما يسعيان من خوخة بني عباد، إلى زقاق ابن أبي حسين، فقلتُ لمجاهد، فقال: هذا بطن المسيل الأول، ولكن الناس انتقصوا منه (١).
وفي نسخة: عزو ذَلِكَ إلى ابن عمر، وذكر ابن عباس في الباب سبب مشروعية السعي في الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة؛ ليري المشركين قوته؛ لأنهم قالوا: إن حمى يثرب أنهكتهم، فكان - ﷺ - يرمل في طوافه بالبيت، مقابل المسجد ومقابل السوق، موضع جلوسهم، فإذا توارى عنهم مشى كما سلف، فالسنة التزام الخبب في الأشواط الثلاثة الأول في الطواف تبركًا بفعله وسنته، وإن كانت العلة قد ارتفعت بذلك من تعليم شعائر الله، وسيأتي في «الصحيح» في كتاب الأنبياء علة أخرى للسعي والهرولة بين الصفا والمروة، في قصة هاجر مع ولدها إسماعيل ترقب الماء حَتَّى كملت سبعًا (٢).
قَالَ - ﷺ -: «فلذلك سعى الناس بينهما» (٣)، فبين فيه أن سبب ذَلِكَ فعل هاجر عليها السلام، وقد روى مسلم (٤) من حديث أبي الطفيل

----------
(١) «المصنف» ٣/ ٢٤٢ (١٣٩٣٦).
(٢) سيأتي برقم (٣٣٦٥) باب: ﴿يَزِفُّونَ﴾.
(٣) سيأتي برقم (٣٣٦٤) باب: ﴿يَزِفُّونَ﴾.
(٤) ورد في هامش الأصل ما نصه:- من خط الشيخ: عزاه ابن بطال لابن أبي شيبة [قلت (المحقق): وهو كما قال، انظر: «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٢٧ - ٣٢٨].



أنه - ﷺ - إنما ركب فيه لما كثر عليه الناس (١)، وقد اختلف الناس في ذَلِكَ، فكرهتْ عائشة الركوب فيه، وكذا عروة، وهو قول أحمد وإسحاق (٢).
وقال أبو ثور: لا يجزئه وعليه أن يُعيد (٣)، وقال الكوفيون: إن كان بمكة أعاد ولا دم عليه، وإن رجع إلى الكوفة فعليه دم (٤)، ورخصت طائفة فيه، وروي عن أنس أنه طاف عَلَى حمار (٥)، وعن عطاء ومجاهد مثله (٦).
وقال الشافعي: يجزئه، ولا إعادة عليه إن فعل (٧)، وحجة من أجاز ذَلِكَ فعله - ﷺ -، وحجة من كرهه أنه ينبغي امتثال فعل هاجر في ذَلِكَ، وركوبه - ﷺ - لمعنى كما سلف.
وأما قول أنس: إنهم كانوا يكرهون الطواف بهما لأنهما من شعائر الجاهلية حَتَّى نزلت الآية، فقد كان ما سواهما من الوقوف بعرفة والمزدلفة، والطواف من شعائر الحج في الجاهلية، فلما جاء

-----------
(١) مسلم (١٢٦٤) كتاب: الحج، باب: استحباب الرمل في الطواف والعمرة وفي الطواف الأول في الحج.
(٢) «مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج» (١/ ٥٣٠).
(٣) «التمهيد» ٢/ ٩٥.
(٤) «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٤٣.
(٥) رواه الشافعي في «المسند» ٢/ ٢٦١ (٩٧٣ - سنجر) كتاب: الحج، باب: الطواف على الراحلة واستلام الركن بالمحجن، وابن أبي شيبة ٣/ ١٦٦ (١٣١٤٣) كتاب: الحج، في السعي بين الصفا والمروة، والفاكهي في «أخبار مكة» ٢/ ٢٣٨ (١٤٣١).
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٦٦ (١٣١٤٧).
(٧) «الأم» ٢/ ١٤٨.



الإسلام، وذكر الله ذَلِكَ في كتابه صار من شعائر الحج في الإسلام، فإن قلت: فما تقول في قوله آخر الآية: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ إلى آخره؟
قلتُ: يلزمك التطوع به مفردًا ولا قائل به إجماعًا، وهذا راجع إلى أول الآية، لا إلى هذا، أي: من تطوع بحج أو غيره فإن الله شاكر عليم.
ثم اعلم أن واجبات السعي عندنا أربعة:
أحدها: قطع جميع المسافة بين الصفا والمروة، فلو بقي منها بعض خطوة لم يصح سعيه، ولو كان راكبًا اشترط أن يسير دابته حَتَّى تضع حافرها عَلَى الجبل، وإن صعد عَلَى الصفا والمروة فهو أكمل، وكذا فعله سيدنا رسول الله - ﷺ - الصحابة بعده، وليس هذا الصعود شرطًا ولا واجبًا، بل هو سنة متأكدة، وبعض الدرج مستحدث، فالحذر من أن يخلفها وراءه، فلا يصح سعيه حينئذٍ، وينبغي أن يصعد عَلَى الدرج حَتَّى يستيقن، ولنا وجه شاذ: أنه يجب الصعود عَلَى الصفا والمروة قدرًا يسيرًا، ولا يصح سعيه إلا بذلك ليستيقن قطع جميع المسافة، كما يلزمه غسل جزء من الرأس في غسل الوجه ليستيقن.
ثانيها: الترتيب: فلو بدأ بالمروة لم يجزئه؛ لأنه - ﷺ - قَالَ: «ابدءوا مما بدأ الله به» (١). قَالَ في «المحيط» من كتب الحنفية: لو بدأ بالمروة وختم بالصفا أعاد شوطًا (٢). ولا يجزئه ذَلِكَ، والبداءة بالصفا شرط، ولا أصل لما ذكره الكرماني (٣) من أن الترتيب في السعي ليس

-------
(١) رواه مسلم (١٢١٨) كتاب: الحج، باب: حجة النبي - ﷺ -، والنسائي ٥/ ٢٣٩، كتاب: الحج، باب: ذكر الصفا والمروة، وأحمد ٣/ ٣٩٤، من حديث جابر.
(٢) «المحيط البرهاني» ٣/ ٤٤٩.
(٣) جاء في هامش النسخة (م): هذا الكرماني من أئمة الحنفية وليس هو: شمس الدين الكرماني شارح البخاري، فافهم ذلك.



بشرط، حَتَّى لو (بدأ) (١) بالمروة وأتى بالصفا جاز، وهو مكروه لترك السنة، فيستحب إعادة الشوط.
الثالث: يحسب من الصفا إلى المروة مرة، ومن المروة إلى الصفا مرة، حَتَّى يتم سبعًا، هذا هو الصحيح، وفيه وجه سلف.
الرابع: يشترط أن يكون السعي بعد طواف صحيح، سواء كان بعد طواف قدوم أو إفاضة، ولا يتصور وقوعه بعد طواف الوداع، فلو طاف وسعى أعاده، وعند غيرنا يعيده إن كان بمكة، وإن رجع إلى أهله بعث بدم.
وشذ إمام الحرمين فقال: قَالَ بعض أئمتنا: لو قدَّم السعي عَلَى الطواف اعتد بالسعي، وهذا غلط. ونقل الماوردي وغيره الإجماع في اشتراط ذَلِكَ (٢). وقال عطاء: يجوز السعي من غير تقدم طواف، وهو غريب.
فرع:
الموالاة بين مرات السعي سنة، فلو تخلل يسير أو طويل بينهنّ لم يضر، وكذا بينه وبين الطواف الأول، وفيه قول.
فرع:
يستحب السعي عَلَى طهارة من الحدث والنجس ساترًا عورته.
فرع:
المرأة تمشي ولا تسعى؛ لأنه أستر لها، وقيل: إن سعت في الخلوة بالليل سعت كالرجل.

-----------
(١) في الأصل: أتى.
(٢) انظر: «الاستذكار» ١٢/ ٢٢٨، «الإقناع» للفاسي ٢/ ٨١٥.



فرع:
موضع المشي والعدو معروف، والعدو: يكون قبل وصوله إلى الميل الأخضر، وهو العمود المبني في ركن المسجد بقدر ستة أذرع إلى أن يتوسط بين العمودين المعروفين، وما عدا ذَلِكَ فهو محل المشي، فلو هرول في الكل لا شيء عليه، وكذا لو مشى عَلَى هينته، وعن سعيد بن جبير قَالَ: رأيتُ ابن عمر يمشي بين الصفا والمروة ثم قَالَ: إن مشيت فقد رأيت رسول الله - ﷺ - يمشي، وإن سعيت فقد رأيته يسعى، وأنا شيخ كبير. أخرجه أبو داود (١).

----------
(١) أخرجه أبو داود (١٩٠٤) كتاب: المناسك، باب: أمر الصفا والمروة، من طريق عطاء بن السائب عن كثير بن جمهان بلفظ: أن رجلًا قال لعبد الله بن عمر -بين الصفا والمروة-: يا أبا عبد الرحمن إني أراك تمشي والناس يسعون، قال: إن أمش، فقد رأيت رسول الله - ﷺ - يمشي، وإن أسع فقد رأيت رسول الله - ﷺ - يسعى، وأنا شيخ كبير. هكذا لفظ أبي داود.
وكذا رواه الترمذي (٨٦٤) كتاب: الحج، باب: ما جاء في السعي بين الصفا والمروة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وروي عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر نحوه. قلت: وهو الذي أشار إليه المصنف، وسيأتي تخريجه- والنسائي ٥/ ٢٤١ - ٢٤٢، وابن ماجه (٢٩٨٨) كتاب: المناسك، باب: السعي بين الصفا والمروة، وأحمد ٢/ ٦٠، ٦١، ١٢٠، والفاكهي في أخبار مكة«٢/ ٢١٧ - ٢١٨ (١٣٨٩)، والنسائي في»الكبرى«٢/ ٤١٤ (٣٩٧١) كتاب: الحج، المشي بين الصفا والمروة، وابن خزيمة ٤/ ٢٣٦ - ٢٣٧ (٢٧٧٠ - ٢٧٧١)، والبيهقي ٥/ ٩٩ كتاب: الحج، باب: بدء السعي بين الصفا والمروة، والمزي في»تهذيب الكمال«٢٤/ ١٠٧ - ١٠٨.
قال المنذري في»مختصر سنن أبي داود«٢/ ٣٨٧: في إسناده عطاء بن السائب، وقد أخرج له البخاري حديثًا مقرونًا، قال أيوب: هو ثقة، وتكلم فيه غير واحد. اهـ. وصححه الألباني في»صحيح أبي داود" (١٦٦٢).
وأما الحديث الذي ذكره المصنف، فرواه النسائي ٥/ ٢٤٢، وأحمد ٢/ ١٥١ - =



وفي رواية: كان يقول لأصحابه ارملوا، فلو استطعت الرمل لرملت، وعنه قَالَ: رأيتُ عمر يمشي، أخرجها سعيد بن منصور.
فرع:
يخرج من باب الصفا للسعي للاتباع، ولم يجد مالك له بابًا، ومعناه: أنه ليس من المناسك الخروج من باب الصفا، غير أنَّ من خرج إليه من غير بابه تكلف زيادة.
فرع:
قَالَ ابن التين: يكره للرجل أن يقعد على الصفا إلا لعذر.
فرع:
ضعف ابن القاسم في روايته عن مالك رفع يديه عَلَى الصفا والمروة (١).
وقال ابن حبيب: يرفع، وإذا قلنا: يرفع. فقال ابن حبيب: يرفعها حذو منكبيه وبطونها إلى الأرض، ثم يكبر ويهلل ويدعو (٢)، وقال غيره من المتأخرين: الدعاء والتضرع إنما يكون وبطونهما إلى السماء (٣). وما ذكره ابن حبيب إنما يكون عند الذكر والتعظيم، ولعله هو الذي ضعفه مالك.

--------------
= ١٥٢، وعبد بن حميد ٢/ ٣٤ (٧٩٨)، والفاكهي ٢/ ٢١٨ (١٣٩٠) والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٤١٤ (٣٩٧٠) وابن ماجه ٤/ ٢٣٧ (٢٧٧٢) من طريق عبد الكريم الجزري عن سعيد بن جبير قال: رأيت ابن عمر .. الحديث. وصححه الألباني في «صحيح النسائي» (٢٩٧٧).
(١) «المنتقى» ٢/ ٣٠٠.
(٢) «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٧٧، «المنتقى» ٢/ ٣٠٠.
(٣) «المنتقى» ٢/ ٣٠٠.



فرع:
لو ترك السعي ببطن المسيل، ففي وجوب الدم قولان عن مالك (١).

------------
(١) «المنتقى» ٢/ ٣٠٦.


٨١ - باب تَقْضِي الحَائِضُ المَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالبَيْتِ، وَإِذَا سَعَى عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ
١٦٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، قَالَتْ: فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٥٠٤]

١٦٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ. قَالَ: وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَبِيبٌ المُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ - ﷺ - هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالحَجِّ، وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ،، غَيْرَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَطَلْحَةَ، وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ اليَمَنِ وَمَعَهُ هَدْيٌ، فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ -. فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، وَيَطُوفُوا، ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا، إِلاَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ، فَقَالُوا: نَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى، وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لأَحْلَلْتُ». وَحَاضَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالبَيْتِ، فَلَمَّا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالبَيْتِ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَنْطَلِقُونَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ؟ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الحَجِّ. [انظر: ١٥٥٧ - فتح: ٣/ ٥٠٤]

١٦٥٢ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ، فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ، فَحَدَّثَتْ: أَنْ أُخْتَهَا كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَدْ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -


ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتِّ غَزَوَاتٍ، قَالَتْ: كُنَّا نُدَاوِي الكَلْمَى وَنَقُومُ عَلَى المَرْضَى، فَسَأَلَتْ أُخْتِي رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَتْ: هَلْ عَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ؟ قَالَ: «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، وَلْتَشْهَدِ الخَيْرَ، وَدَعْوَةَ المُؤْمِنِينَ». فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها سَأَلْنَهَا -أَوْ قَالَتْ: سَأَلْنَاهَا- فَقَالَتْ: وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - إِلَّا قَالَتْ: بِأَبِي. فَقُلْنَا: أَسَمِعْتِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، بِأَبِي. فَقَالَ: «لِتَخْرُجِ العَوَاتِقُ ذَوَاتُ الخُدُورِ -أَوِ العَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الخُدُورِ- وَالحُيَّضُ، فَيَشْهَدْنَ الخَيْرَ، وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ، وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلَّى». فَقُلْتُ: الحَائِضُ؟. فَقَالَتْ أَوَ لَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ، وَتَشْهَدُ كَذَا وَتَشْهَدُ كَذَا؟!
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث عائشة: «افْعَلِي كما يَفْعَلُ الحَاجُّ …» إلى آخره.
وقد سلف (١). وكذا حديث جابر وحديث حفصة. سلف في أبواب الحيض (٢)، وفي أبواب العيد (٣).
وقولها: (لَمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ). تريد أن طواف العمرة منعها منه حيضها، وقوله لها: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ» لا يكون إلا بأن تردف الحج عَلَى العمرة، وأبعد من قَالَ: إنها كانت حاجة، وإنما لم تسع لأن من شرط صحته سبق طواف، كما سلف في باب: كيف تهل الحائض؟ وانظر تبويب البخاري عليه، وإذا سعى عَلَى غير وضوء، كأنه فهم من قوله: («غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي») أنها تسعى.

-----------
(١) برقم (٢٩٤) كتاب: الحيض، باب: الأمر بالنفساء إذا نفسن.
(٢) برقم (٣٢٤) باب: شهود الحائض العيدين.
(٣) و(٩٧١) باب: التكبير أيام منى.



وروى البيهقي من حديث ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن الفقهاء من أهل المدينة أنهم كانوا يقولون: أيما امرأة طافت بالبيت، ثم توجهت لتطوف بالصفا والمروة فحاضت فلتطف بالصفا والمروة وهي
حائض، وكذلك الذي يحدث بعد أن تطوف بالبيت وقبل أن تسعى (١).
وقوله: («لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ»). فيه دليل عَلَى أن إحرامه - ﷺ - لم يكن بتوقيف، واستدل به بعض من يرى تفضيل التمتع والقران، ويتأول قوله: («لَوِ اسْتَقْبَلْتُ») إلى آخره، لفسخت الحج في العمرة كما أمر به أصحابه، ويستحب لمن أصابه ما أصاب عائشة أن يعتمر لهذا الحديث، قاله القاضي أبو محمد من المالكية.
وقول أم عطية: (بِيَبَا)، هي لغة كما يقال: بأبي تبدل الهمزة بياء، وروي: بأبا- وهي رواية أبي ذر هنا (٢). والعلماء مجمعون أن الحائض تشهد المناسك كلها غير الطواف بالبيت عَلَى طبق الحديث (٣).
وفي حكمها كل من ليس عَلَى طهارة من جنب وغير متوضئ؛ لأن ركوع الطواف متصل به لا فصل بينه وبينه، هذِه سنة، وإنما منعت الحائض الطواف تنزيهًا للمسجد عن النجاسات.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وقد أمر الشارع الحيَّض في العيدين بالاعتزال، فوجب تنزيهه عن الحائض والجنب ومن عليه نجاسة، وأما السعي بين الصفا والمروة فلا أعلم أحدًا شرط فيه الطهارة إلا الحسن البصري فقال: إن ذكر أنه سعى عَلَى غير طهارة
(١) «سنن البيهقي» ٥/ ٩٦ كتاب: الحج، باب: جواز السعي بين الصفا والمروة.
(٢) انظر: «اليونينية» ٢/ ١٦٠.
(٣) «الإقناع» للفاسي ٢/ ٨٢١، «المجموع» ٨/ ١٧.



قبل أن يحل فليعد، وإن ذكر ذَلِكَ بعد ما حل فلا شيء عليه (١).
وذكر ابن وهب عن ابن عمر: أنه كان يكره أن يطوف بينهما عَلَى غير طهارة، وحديث الباب دال عَلَى جوازه.

-------------
(١) انظر: «الاستذكار» ١٣/ ٢٥٩، «الإقناع» للفاسي ٢/ ٨١٨.


٨٢ - باب الإِهْلَالِ مِنَ البَطْحَاءِ، وَغَيْرِهَا لِلْمَكِّيِّ وَلِلْحَاجِّ إِذَا خَرَجَ إِلَى مِنًى
قال: وَسُئِلَ عَطَاءٌ عَنِ المُجَاوِرِ يُلَبِّي بِالحَجِّ، قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُلَبِّي يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إِذَا صَلَّى الظُّهْرَ، وَاسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ. وَقَالَ عَبْدُ المَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ: قَدِمْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَأَحْلَلْنَا حَتَّى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ لَبَّيْنَا بِالحَجِّ. وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: عَنْ جَابِرٍ: أَهْلَلْنَا مِنَ البَطْحَاءِ. وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ لاِبْنِ عُمَرَ: رَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الهِلَالَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ. فَقَالَ: لَمْ أَرَ النَّبِيَّ - ﷺ - يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ.
الشرح:
تعليق عطاء عن جابر أخرجه مسلم، عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن عطاء بن أبي رباح بلفظ: أهللنا مع النبي - ﷺ - بالحج، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل، ونجعلها عمرة،
وفيه: حَتَّى إذا كان يوم التروية، وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج (١).
وتعليق أبي الزبير عنه أخرجه مسلم أيضًا بلفظ: فأهللنا من الأبطح (٢).
وتعليق عبيد: سبق مسندًا في الطهارة وغيرها (٣)، ومراد جابر بالبطحاء:

------------
(١) مسلم (١٢١٦) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام.
(٢) مسلم (١٢١٤).
(٣) برقم (١٦٦) كتاب: الوضوء، باب: غسل الرجلين، وبرقم (١٥١٤) كتاب: الحج، باب قول الله تعالى: ﴿يَأتُوكَ رِجَالًا﴾.



الأبطح. قاله ابن التين. والإحرام منه مباح لهذا الحديث.
قَالَ الداودي: والأولى أن يحرم من خارج المسجد، ورواه ابن حبيب عن مالك: أنه يحرم من باب المسجد، ولم يُقل أنه أولى (١).
لكن في «الموطأ»: إنما يهل أهل مكة، أو المقيم من جوفها لا يُحرم إلا من الحرم (٢). وروى أشهب عنه: يُحرم من داخل المسجد (٣). وما سقناه عن مسلم: حَتَّى إذا كان يوم التروية، وجعلنا مكة بظهر أهللنا.
وفي حديث ابن عمر: أنه كان يهل يوم التروية، حين تنبعث به راحلته للاتباع (٤)، يريد أنه أخر الإحرام حَتَّى يعقبه بأعمال الحج، ورأى أن هذا أولى من تقدمه عليه.
وروى ابن وهب في «موطئه» عن مالك: أنه لا ينبغي لأحد أن يهل بحج أو عمرة، حَتَّى يقيم بأرض يهل بها، حَتَّى يخرج. ورواه ابن عبد الحكم عن مالك؛ لأن الإهلال إجابة.
قَالَ ابن التين: وهذا لغير المكي، أما من كان بها، فاختار أكثر الصحابة والعلماء الإهلال أول ذي الحجة.
ورواه ابن القاسم وابن عبد الملك، عن مالك: ليستديم المحرم الإحرام، ويأخذ بحظ من (الشعث) (٥) عَلَى حسب ما فعله - ﷺ - حين أحرم من ميقاته.

------------
(١) «المنتقى» ٢/ ٢٢٠.
(٢) «الموطأ» ١/ ٤٢٩ (١٠٨٥).
(٣) السابق.
(٤) سبق برقم (١٦٦) كتاب: الوضوء، باب: غسل الرجلين في النعلين ولا يمسح النعلين، ورواه مسلم (١١٨٧) كتاب: الحج، باب: الإهلال من حيث تنبعث الراحلة، مطولًا.
(٥) في الأصل: الشعب.



وقد قَالَ الفاروق في «الموطأ»: يا أهل مكة، ما بال الناس يأتون شعثًا وأنتم مدَّهِنُون، أهلوا إذا رأيتم الهلال. وأقام ابن الزبير بمكة تسع سنين. يهل بهلال ذي الحجة. وعروة أخوه معه يفعل ذَلِكَ (١)، وفعل ذَلِكَ بحضرة الصحابة والتابعين، ولم ينكر ولا يداوم إلا عَلَى الأفضل.
وعلى هذا أمر جمهور الصحابة، ولذلك قَالَ عبيد لابن عمر: أهل الناس ولم تهل أنت، حَتَّى يوم التروية) (٢) فيفعل ذَلِكَ من بمكة، ليستدرك ما فاته من شقة المسافة، والمراد بالانبعاث سلف.
قَالَ ابن التين: وتأوله بعض أصحابنا عَلَى معنى تنبعث به أي: من الأرض للقيام.
وفي رواية عبد الله بن إدريس: في هذا الحديث في «الموطأ»: حَتَّى تستوي به، وأكثر الرواة عَلَى خلافه. وقال المهلب: من أنشا الحج من مكة فله أن يهل من بيته، ومن المسجد الحرام، أو من البطحاء، وهي طرف من مكة، ومن حيث أحب مما دون عرفة، ذَلِكَ كله واسع؛ لأن ميقات أهل مكة منها، وليس عليه أن يخرج إلى الحل؛ لأنه خارج في حجته إلى عرفة؛ فيحصل له بذلك الجمع بين الحل والحرم، وهو بخلاف منشأ العمرة من مكة، وقد سلف في بابه، ويستحب للمكي والمتمتع إذا أنشأ الحج من مكة أن يهلا من حيث أهل ابن عمر من البطحاء، وكذلك قَالَ جابر. قَالَ غيره: وأما وجه احتجاج ابن عمر

---------------
(١) «الموطأ» ١/ ٤٢٩ (١٠٨٣ - ١٠٨٤) كتاب: المناسك، باب: إهلال أهل مكة ومن كان بها من غيرها.
(٢) «المنتقى» ٢/ ٢١٩.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #328  
قديم اليوم, 02:02 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,828
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (11)
من صـــ 511 الى صـــ 530
الحلقة (328)




بإهلاله - ﷺ - بذي الحليفة وهو غير مكي، عَلَى من أنشأ الحج من مكة، أنه يجب أن يهل يوم التروية، وهي في قصة أخرى، فوجهه [أنه]- ﷺ - أهل من ميقاته، في حين ابتدائه في عمل حجته، واتصل به عمله، ولم يكن بينهما مكث ينقطع به العمل؛ فكذلك المكي لا يهل إلا يوم التروية، الذي هو أول عمله للحج؛ ليتصل له عمله، تأسِّيًا به في ذَلِكَ، وقد تابع ابن عمر عَلَى ذَلِكَ ابن عباس قَالَ: لا يهل أحد من مكة بالحج حَتَّى يريد الرواح إلى منى، وبه قَالَ عطاء (١). واحتج بأن الصحابة إذ دخلوا في حجتهم معه - ﷺ - أهلوا عشية التروية حين توجهوا إلى منى.
وأما قول عبيد لابن عمر: إن أهل مكة يهلون إذا رأوا الهلال، فهو مذهب عمر وابن الزبير. وروى مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: أن عمر قَالَ: يا أهل مكة، إلى آخر ما سلف، فهو عَلَى وجه الاستحباب؛ لأن الإهلال إنما يجب عَلَى من اتصل عمله، وليس من السنة أن يقيم المحرم في أهله.
وقد روى ابن عمر ما يوافق مذهب عمر. ذكر مالك في «الموطأ» أن ابن عمر كان يهل بهلال ذي الحجة، ويؤخر الطواف بالبيت والسعي حَتَّى يرجع من منى (٢).
وقال نافع: أهل ابن عمر مرة بالحج حين رأى الهلال، ومرة أخرى بعد الهلال من جوف الكعبة، ومرة أخرى حين راح إلى منى (٣).

---------
(١) ذكرهما ابن عبد البر في «التمهيد» ٢١/ ٨٨ وعزاهما لعبد الرزاق.
(٢) «الموطأ» ١/ ٤٢٩ - ٤٣٠ (١٠٨٦).
(٣) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ٢١/ ٩٠ وعزاه لعبد الرزاق.



قَالَ مجاهد: فقلتُ لابن عمر: أهللت فينا إهلالًا مختلفًا، قَالَ: أما أول عام فأخذت بأخذ أهل بلدي -يعني: المدينة- ثم نظرت فإذا أنا أدخل عَلَى أهلي حرامًا وأخرج حرامًا، وليس كذلك كنا نصنع، إنما
كنا نهل ثم نقبل عَلَى شأننا، قلتُ: فبأي شيء نأخذ، قَالَ: تحرم يوم التروية (١).
فرع:
مذهب أبي حنيفة: أن أهل مكة ميقاتهم في الحج الحرم، ومن المسجد أفضل (٢)، وفي «مناسك الحصيري» الأفضل لهم أن يحرموا من منزلهم، ويسمعهم التأخير إلى آخر الحرم، بشرط أن يدخلوا الحل محرمين، فلو دخلوا من غير إحرام لزمهم دم (كالآفاقي) (٣)، وعند الشافعي ميقاته نفس مكة. وقال بعض أصحابه: كل الحرم (٤).
فائدة:
يوم التروية ثامن ذي الحجة، سُميَّ بذلك؛ لأنهم يتروون فيه من الماء لأجل الوقوف، أو لأن آدم رأى فيه حواء، أو لأن جبريل أرى إبراهيم فيه المناسك، أو لأنهم كانوا يروون إبلهم فيه، أو لأن إبراهيم رأى تلك الليلة في منامه ذبح ولده بأمره تعالى، فلما أصبح

-------------
(١) السابق.
(٢) «تبيين الحقائق» ٢/ ٤٦، «البناية» ٤/ ٣٥.
(٣) ورد في هامش الأصل تعليق نصه: الآفاق: النواحي، الواحد أُفقُ بضم الهمزة، والفاء، وأُفْق بإسكان الفاء، قالوا: إن النسبة إليه أُفقي بضم الهمزة والفاء وبفتحهما لغتان مشهورتان، وأما قول الغزالي وغيره في كتاب الحج: الحاج الآفاقي فمنكر، فإن الجمع إذا لم يسم به لا ينسب إليه إنما ينسب إلى واحده- قاله النووي في «التهذيب».
(٤) «المجموع» ٧/ ١٩٩.



كان يروى -من الرؤى وهو مهموز- في النهار كله أي: يتفكر، وقيل: هو من الرواية لأن الإمام يروي للناس مناسكهم.
فائدة ثانية: كان خروجه يوم التروية ضحى. ذكره أبو سعيد النيسابوري في كتاب «شرف المصطفي»، وفي «سيرة الملا» أنه خرج إلى منى بعدما زاغت الشمس، وفي «شرح الموطأ» لأبي عبد الله القرطبي: خرج إلى منى عشية يوم التروية، ويكون خروجهم بعد صلاة الصبح بمكة بحيث يصلون الظهر أول وقتها. هذا هو الصحيح عندنا (١). وفي قول: يخرجون بعد صلاة الظهر بمكة (٢).

-----------
(١) «الأم» ٢/ ١٧٩، «أسنى المطالب» ١/ ٤٨٥، «نهاية المحتاج» ٣/ ٢٩٥.
(٢) ورد في هامش الأصل تعليق: ثم بلغ في الحادي بعد الثمانين كتبه مؤلفه.



٨٣ - باب: أَيْنَ يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟
١٦٥٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى. قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ: بِالأَبْطَحِ. ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ. [١٦٥٤، ١٧٦٣ - مسلم: ١٣٠٩ - فتح: ٣/ ٥٠٧]

١٦٥٤ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ: لَقِيتُ أَنَسًا. وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى مِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَلَقِيتُ أَنَسًا - رضي الله عنه - ذَاهِبًا عَلَى حِمَارٍ، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - هَذَا اليَوْمَ الظُّهْرَ؟ فَقَالَ: انْظُرْ حَيْثُ يُصَلِّي أُمَرَاؤُكَ فَصَلِّ. [انظر: ١٦٥٣ - مسلم: ١٣٠٩ - فتح: ٣/ ٥٠٧]
ذكر فيه حديث إسحاق الأزرق، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِشَيءٍ عَقَلْتَهُ عَنِ رسول الله - ﷺ -، أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى. قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ: بِالأَبْطَحِ. ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ.
ثم ساقه من حديث علي، سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ: لَقِيتُ أَنَسًا. وَأخبرني إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى مِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَلَقِيتُ أَنَسًا ذَاهِبًا عَلَى حِمَارٍ، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - هذا اليَوْمَ الظُّهْرَ؟ فَقَالَ: انْظُرْ حَيْثُ يُصَلِّي أُمَرَاؤُكَ فَصَلِّ.
هذا الحديث أخرجه (مسلم) وأبو داود والترمذي والنسائي أيضًا،


إلى قوله: (أمراؤك) (١). واستغربه الترمذي من حديث الأزرق، عن الثوري (٢)، وللحاكم من حديث ابن عباس: أنه - ﷺ - صلى خمس صلوات بمنى (٣).
-----------
(١) مسلم (١٣٠٩) كتاب: الحج، باب: استحباب طواف الإفاضة يوم النحر، أبو داود (١٩١٢)، الترمذي (٩٦٤)، النسائي ٥/ ٢٤٩ - ٢٥٠.
(٢) «سنن الترمذي» ٣/ ٢٨٧ (٩٦٤) كتاب: الحج، قال: حديث حسن صحيح يستغرب من حديث إسحاق بن يونس الأزرق عن الثوري.
قال الحافظ في «الفتح» ٣/ ٥٠٧ - ٥٠٨ بعد أن ساق قول الترمذي، قال: يعني أن إسحاق تفرد به، وأظن أن لهذِه النكتة أردفه البخاري بطريق أبي بكر بن عياش عن عبد العزيز، ورواية أبي بكر -الثانية- وإن كان قصر فيها، لكنها متابعة قوية لطريق إسحاق -أي: الحديث الأول- وقد وجدنا له شواهد -ثم ساق له عدة شواهد- ثم قال: قوله: حدثنا علي، لم أره منسوبًا في شيء من الروايات، والذي يظهر لي أنه ابن المديني. اهـ. بتصرف.
قال العيني في «عمدة القاري» ٨/ ١٥١ منتقدًا ابن حجر: وقال بعضهم -يقصد ابن حجر-: والذي يظهر لي أنه ابن المديني، قلت: أخذه من الكرماني ثم نسبه إلى نفسه. اهـ.
ورد الحافظ ابن حجر على العيني فقال في «الانتقاض» ١/ ٤٢٠ بعدما أورد انتقاض العيني: أخذ العيني غالب هذا الفصل من كلامي ولم ينسبه، وفي أكثره ما لم يتوارد فيه مع من سبقه، فانظروا كيف يؤاخذ بموضع واحد مع احتمال التوارد، ثم يقع هو في أكثر من عشرين موضعًا يسلبها ويصرح بنسبتها إلى نفسه، حتى يقول في بعضها: قلت، وهو كلامي، وبعضها لا يحتمل التوارد والله المستعان. اهـ. بتصرف.
(٣) «المستدرك» ١/ ٤٦١.
ورواه أبو داود (١٩١١) كتاب: المناسك، باب: الخروج إلى منى، والترمذي (٨٨٠) كتاب: الحج، باب: ما جاء في الخروج إلى منى والمقام بها، وأحمد ١/ ٢٩٧، ٣٠٣، والدارمي ٢/ ١١٩٠ (١٩١٣) كتاب: المناسك، باب: كم صلاة يصلي بمنى حتى يغدو إلى عرفات، وابن خزيمة ٤/ ٢٤٧ (٢٧٩٩) كتاب: المناسك، باب: ذكر عدد الصلوات التي يصلي الإمام والناس بمنى قبل الغدو =



وقال القاسم عن عبد الله بن الزبير: من السنة في الحج أن يُصلي الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والصبح بمنى، ثم يغدو إلى عرفة (١).
وفي مسلم من حديث جابر: أنه - ﷺ - صلى بها الخمس (٢). وقد أسلفنا قريبًا الخلاف في ذَلِكَ في الآثار وعندنا.
وقال المهلب: الناس في سعة من هذا، يخرجون متى أحبوا، ويصلون حيث أمكنهم، ولذلك قَالَ أنس: (صل حيث يصلي أمراؤك)،

------------
= إلى عرفة، والطبراني ١١/ ٣٩٩ - ٤٠٠ (١٢١٢٦) من طريق سليمان بن مهران الأعمش، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قوله.
ولفظ أبي داود: صلى رسول الله - ﷺ - الظهر يوم التروية والفجر يوم عرفة بمنى.
ولفظ الترمذي: أن النبي - ﷺ - صلى بمنى الظهر والفجر ثم غدا إلى عرفات.
قال الترمذي: حديث مقسم عن ابن عباس، قال ابن المديني: قال يحيى: قال شعبة: لم يسمع الحكم من مقسم إلا خمسة أحاديث، وعدَّها، وليس هذا الحديث فيما عد شعبة.
قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وذكر المنذري في «مختصر سنن أبي داود» ٢/ ٣٩٥ كلام الترمذي وزاد قائلًا: فعلى هذا يكون هذا منقطعًا، والله -عز وجل- أعلم. اهـ. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٦٦٩): إسناده صحيح، ورجاله ثقات رجال الصحيح، وقد أعل بما لا يقدح عندي وأورد كلام الترمذي وقال: أعله به، وقد قال أحمد: وأما غير ذلك فأخذها من كتاب. قلت: وما أظن الكتاب في ذلك الزمان إلا موقوفًا، على أن للحديث طريقًا آخر من رواية إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس … نحوه.
رواه الترمذي (٨٧٩)، وابن ماجه (٣٠٠٤) وسنده حسن في المتابعات والشواهد. اهـ. بتصرف.
(١) «المستدرك» ١/ ٤٦١، ورواه ابن خزيمة ٤/ ٢٤٦ - ٢٤٧ (٢٧٩٨)، قال الحاكم: صحيح على شرط الشخين ولم يخرجاه.
(٢) مسلم (١٢١٨) كتاب: الحج، باب: حجة النبي - ﷺ -.



والمستحب من ذَلِكَ ما فعله الشارع، صلى الظهر والعصر بمنى، وهو قول مالك والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور (١).
وقال ابن حبيب: إذا مالت الشمس يطوف سبعًا ويركع ويخرج، فإن خرج قبل فلا حرج (٢)، وعادة أهل مكة أن يخرجوا إلى منى بعد صلاة العشاء، وكانت عائشة تخرج ثلث الليل، وهذا يدل عَلَى التوسعة، وكذلك المبيت في منى ليلة عرفة ليس فيه حرج، إذا وافى عرفة الوقت الذي يجب (فيه) (٣) ولا فيه جبر كما يجبر ترك المبيت بها بعد الوقوف أيام رمي الجمار، وبه قَالَ مالك وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور (٤).
والمستحب في ذَلِكَ أن يُصلي الظهر والعصر بمنى، وكذا المغرب والعشاء والصبح ثم يدفع بعد طلوع الشمس إلى نمرة، بقرب عرفات حَتَّى تزول الشمس، ثم يُصلي الظهر والعصر جميعًا، ثم يدفع إلى الموقف فيدعو بجبال الرحمة إلى الغروب، فإذا غربت دفع مع الإمام فصلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جمعًا، ثم يبيت بها ويأخذ منها حصى جمرة العقبة فقط، ثم يُصلي الصبح بها مغلسًا، ثم يدفع إلى منى لرمي جمرة العقبة، ثم يحل له باثنتين من أشياء ثلاثة: الرمي، والحلق، والطواف، جُميع المحرمات إلا النساء، وبالثالث: النساءُ. وعند مالك إلحاق الصيد والطيب بالنساء، ثم يرجع إلى منى فيبيت

----------
(١) «الأصل» ٢/ ٤٠٩، «مختصر الطحاوي» ص ٦٤، «البيان» ٤/ ٣٦٢، «روضة الطالبين» ٣/ ١١٥، «المغني» ٥/ ٢٦٢، «المبدع» ٣/ ٢٣٠.
(٢) «المنتقى» ٣/ ٣٧، «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٨٩.
(٣) من (ج).
(٤) سبق بيان المسألة.



بها، ويرمي أيام التشريق بعد الزوال إلا أن يتعجل في يومين وقد تم حجه، وكان منزله - ﷺ - من منى بالخيف.
وكره مالك المقام بمكة يوم التروية، حَتَّى يمسي إلا أن يدركه وقت الجمعة قبل أن يخرج، فعليه أن يُصلي الجمعة إلا أن يكون مسافرًا، فهو بالخيار، وأحب أن يصلوا؛ لفضيلة المسجد، قاله أصبغ.
وقال محمد: أحب إلى خروجهم إلى منى؛ ليدركوا بها الظهر فما بعدها، وإنما تكلم مالك عَلَى من لم يفعل حَتَّى أدركه الوقت (١). وكره مالك أن يتقدم الناس إلى منى قبل يوم التروية، وإلى عرفة قبل يوم عرفة، واختلف في تقدمة الأثقال، فكرهه مالك، كما يتقدم الناس ولأنه لا بد أن يكون معها من يحفظها، وأجازه أشهب في «المجموعة» (٢).
وقوله: (فَلَقِيتُ أَنَسًا. فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى النبي - ﷺ - هذا اليَوْمَ الظُّهْرَ؟).
قَالَ الداودي: هو وهم وإنما سأله عن صلاة العصر يوم النفر فأخبره: أنه صلى بالأبطح.
وقوله: (ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ: كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ). يعني: أنهم لا ينزلون بالأبطح، وليس من فروضه، واستحب مالك لمن يقتدى به أن لا يترك النزول به (٣).

-----------
(١) «المنتقى» ٣/ ٣٧، «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٩٠.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٩١.
(٣) «المدونة الكبرى» ١/ ٤٢١.



٨٤ - باب الصَّلَاةِ بِمِنًى
١٦٥٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ. [انظر: ١٠٨٢ - مسلم: ٦٩٤ - فتح: ٣/ ٥٠٩]

١٦٥٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيِّ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الخُزَاعِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - ﷺوَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ وَآمَنُهُ- بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ. [انظر: ١٠٨٣ - مسلم: ٦٩٦ - فتح ٣/ ٥٠٩]

١٦٥٧ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه - قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ - رضي الله عنه - رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ - رضي الله عنه - رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ، فَيَا لَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ. [انظر: ١٠٨٤ - مسلم: ٦٩٥ - فتح: ٣/ ٥٠٩]
ذكر فيه أحاديث ثلاثة.
أحدها: حديث ابن عمر: (صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ).
ثانيها: حديث حارثة بن وهب الخزاعي قَالَ: (صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - ﷺ - وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ وَآمَنُهُ- بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ).
ثالثها: حديث (عبد الله) (١) قال: (صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ، فَيَا لَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعٍ (ركعتين متقبلتين) (٢).

------------
(١) فوقها في الأصل: ابن مسعود.
(٢) في هامش الأصل: ج: ركعتان متقبلتان.



وقد سلف ذَلِكَ في قصر الصلاة (١) واضحًا بمذاهب العلماء فيمن يلزمه القصر بمنى، وبما نزع به كل فريق منهم، ونذكر نبذة منه؛ لبعد العهد به، فنقول: ذهب مالك والأوزاعي وإسحاق إلى أن أهل مكة ومن أقام بها من غيرها يقصرون بمنى وعرفة، وأن القصر سنة الموضع، وإنما يتم بها من كان مقيمًا فيها (٢).
وذهب الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وأبو ثور إلى أنهم يتمون الصلاة بها، وقالوا: إن من لم يكن سفره سفرًا تقصر فيه الصلاة فحكمه حكم المقيم، وكذا تقدم هناك معنى إتمام عثمان وعائشة الصلاة في السفر، وما للعلماء في ذَلِكَ من التأويلات (٣).
وقول ابن مسعود: (تفرقت بكم الطرق) أي: ذهبتم إلى التأويلات.
وقوله: (لَيْتَ حَظِّي ..) إلى آخره يريد أنه لو صلى أربعًا تكلفها فليتها تتقبل كما تتقبل الركعتان.
وقال الداودي: خشي ابن مسعود أن لا تجزئ الأربع فاعلها، وتبع عثمان؛ كراهةً لخلافه، وأخبر بما في نفسه.

---------
(١) سلف برقم (١٠٨٤) كتاب: تقصير الصلاة، باب: الصلاة بمني.
(٢) سبق بيان المسألة.
(٣) سبق بيان المسألة.



٨٥ - باب صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ
١٦٥٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا سَالِمٌ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا -مَوْلَى أُمِّ الفَضْلِ- عَنْ أُمِّ الفَضْلِ: شَكَّ النَّاسُ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَبَعَثْتُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ. [١٦٦١، ١٩٨٨، ٥٦٠٤، ٥٦١٨، ٥٦٣٦ - مسلم: ١١٢٣ - فتح: ٣/ ٥١٠]
ذكر فيه حديث أم الفضل: (شَكَّ النَّاسُ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِه - ﷺ -، فَبَعَثْتُ إِلَى النَّبِيِّ بِشَرَابِ فَشَرِبَهُ).
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١).
وذكره في باب الصيام بهذِه الترجمة (٢)، وزاد حديثًا آخر، كما تقف عليه هناك (٣).
فثبت أنه أفطر يوم عرفة بعرفة، وصح في مسلم أن صومه يكفر سنتين أخرجه من حديث أبي قتادة (٤)، وهو من أفراده، وهذا في غير الحجيج.
أما الحجيج فينبغي لهم أن لا يصوموا؛ كيلا يضعفوا عن الدعاء وأعمال الحج اقتداءً بالشارع.
وأطلق كثيرون من أئمة أصحابنا كونه مكروهًا لهم؛ لحديث أبي داود وغيره، وفي سنده جهالة (٥) فإن كان الشخص بحيث لا يضعف بسبب

----------
(١) مسلم (١١٢٣) كتاب: الصيام، باب: استحباب الفطر للحاج يوم عرفة.
(٢) سيأتي برقم (١٩٨٨).
(٣) هو حديث ميمونة (١٩٨٩).
(٤) مسلم (١١٦٢) كتاب: الصيام، باب: استجاب صيام ثلاثة أيام من كل شهر.
(٥) أبو داود (٢٤٤٠) كتاب: الصوم، باب: في صوم يوم عرفة بعرفه، ورواه ابن ماجه (١٧٣٢) كتاب: الصيام، باب: صيام يوم عرفة، وأحمد ٢/ ٣٠٤، ٤٤٦، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٧/ ٤٢٤ - ٤٢٥، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ١٥٥ - =

-------------




. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= ١٥٦ (٢٨٣٠ - ٢٨٣١) كتاب: الصيام، النهي عن صوم يوم عرفة، وابن خزيمة ٣/ ٢٩٢ (٢١٠١)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٧١ - ٧٢ كتاب: الصيام، باب: صوم يوم عرفة، والعقيلي في «الضعفاء» ١/ ٢٩٨، وابن عدي في «الكامل» ٣/ ٣٨٦ في ترجمة حوشب بن عقيل (٥٦٠)، والحاكم ١/ ٤٣٤، والبيهقي ٤/ ٢٨٤ كتاب: الصيام، باب: الاختيار للحاج في ترك صوم يوم عرفه بعرفات، والخطيب ٩/ ٣٤، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢١/ ١٦٠ - ١٦١، والمزي في «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٥٨٦ - ٥٨٧ من طريق حوشب بن عقيل عن مهدي بن حرب العبدي -أو ابن أبي مهدي الهجري- عن عكرمة، قال: كنا عند أبي هريرة في بيته فحدثنا أن رسول الله - ﷺ - نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة وهذا لفظ أبي داود.
قلت: حوشب وثقه وكيع وأحمد وابن معين، وقال مرة: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ووثقه كذلك أبو داود والنسائي، وضعفه الأزدي وابن حزم في «المحلى» ٧/ ١٨، ومعروف أن الأزدي متعنت في الحكم على الرجال، فلا يقبل منه مثل هذا التضعيف، خاصة أن الأزدي نفسه قد ضعف، وخولف هنا، فقد وثق حوشب من هو أوثق من الأزدي.
لكن علة الحديث الحقيقة هو مهدي الهجري، فهو مجهول كما أشار المصنف رحمه الله- قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ٨/ ٣٣٧ (١٥٤٩): عن ابن معين أنه سئل عنه فقال: لا أعرفه، وقال الذهبي في «الميزان» ٥/ ٣٢٠ (٨٨٢٤): قال أبو حاتم: لا أعرفه، وقال ابن حزم ٧/ ١٨: مجهول، وقال عبد الحق في «أحكامه» ٢/ ٢٤٦: مهدي ليس بمعروف.
قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه! وقال الذهبي في «السير» ١٠/ ٦٨٣: إسناده لا بأس به!! قال الألباني متعقبًا لهما: هذا من أوهامهما الفاحشة، فإن حوشب بن عقيل وشيخه مهدي لم يخرج لهما البخاري، بل إن الهجري مجهول، فأنى للحديث الصحة، وفيه هذا الرجل المجهول؟! اهـ «الضعيفة» ١/ ٥٨١ بتصرف.
والحديث ضعفه ابن حزم في «المحلى» ٧/ ١٨ فقال: مثل هذا لا يحتج به، وكذا ضعفه عبد الحق الأشبيلي كما ذكرنا، وقال العقيلي بعد روايته الحديث في ترجمة =



الصوم فقد قَالَ المتولي: الأولى أن يصوم؛ حيازةً للفضيلتين، ونسب غيره هذا إلى المذهب، وقال: الأولى عندنا أن لا يصوم بحال.
وقال الروياني في «الحلية»: إن كان قويًا وفي الشتاء ولا يضعف بالصوم عن الدعاء، فالصوم أفضل له، وبه قالت عائشة وجماعة من أصحابنا.
وقال البيهقي في «المعرفة»: قَالَ الشافعي في القديم: لو علم الرجل أن الصوم بعرفة لا يضعفه فصامه كان حسنًا (١)، واختار الخطابي هذا (٢)، والمذهب عندنا استحباب الفطر مطلقًا. وبه قَالَ جمهور أصحابنا وصرحوا بأنه لا فرق، ولم يذكر الجمهور الكراهة، بل قالوا: يستحب فطره، كما قَالَه الشافعي (٣). ونقل الماوردي وغيره: استحباب الفطر عن أكثر العلماء. وحكى ابن المنذر عن جماعة
منهم: استحباب صومه. وحكى صاحب «البيان» عن يحيى بن سعيد الأنصاري: أنه يجب عليه الفطر بعرفة (٤).

-----------
= حوشب (٣٧٢): لا يتابع عليه، وقد روي عن النبي - ﷺ - بأسانيد جياد أنه لم يصم يوم عرفة ولا يصح عنه أنه نهى عن صومه اهـ.
وقال ابن القيم في «زاد المعاد» ١/ ٦١: في إسناده نظر، فإن مهدي ليس بمعروف، ومداره عليه، وقال الحافظ في «التلخيص» ٢/ ٢١٣: فيه مهدي الهجرى مجهول، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود»، (٤٢١)، وفي «الضعيفة» (٤٠٤) وفيها فوائد غير ما ذكرنا عن الحديث فليراجع.
(١) «معرفة السنن والآثار» ٦/ ٣٤٨.
(٢) «معالم السنن» ٢/ ١١٢.
(٣) «مختصر المزني» ٢/ ٢٧، «المجموع» ٦/ ٤٢٨ - ٤٢٩، «أسنى المطالب» ١/ ٤٣٠، «نهاية المحتاج» ٣/ ٢٠٧.
(٤) «البيان» ٣/ ٥٤٩.



وقال ابن بطال: اختلف العلماء في صومه، فقال ابن عمر: لم يصمه رسول الله - ﷺ -، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، وأنا لا أصومه (١).
وقال ابن عباس يوم عرفة: لا يصحبنا أحد يريد الصيام، فإنه يوم تكبير وأكل وشرب (٢)، واختار مالك وأبو حنيفة والثوري: الفطر (٣).
وقال عطاء: من أفطر يوم عرفة؛ ليتقوى به عَلَى الذكر كان له مثل أجر الصائم (٤). وكان ابن الزبير وعائشة يصومان يوم عرفة (٥)، وروي أيضًا عن عمر، وكان إسحاق يميل إليه، وكان الحسن يعجبه صومه ويأمر به الحاج، وقال: رأيتُ عثمان بعرفات في يوم شديد الحر صائمًا، وهم يروحون عنه، وكان أسامة بن زيد وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وسعيد بن جبير: يصومون بعرفات. وقال قتادة: لا بأس بذلك إذا لم يضعف عن الدعاء (٦)، وبه قَالَ الداودي.

----------
(١) رواه الترمذي (٧٥١) كتاب: الصوم، باب: كراهية صوم عرفة بعرفة، وقال: حسن وعبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٢٨٥ (٧٨٢٩) كتاب: المناسك، باب: صيام يوم عرفة، وابن أبي شيبة ٣/ ١٨٩ (٣٣٧٩) كتاب: الحج، في صوم يوم عرفة بمكة، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ١٥٤ - ١٥٥ (٢٨٢٥) كتاب: الصيام، في إفطار يوم عرفة بعرفة، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٧٢ كتاب: الصيام، باب: صوم يوم عرفة. وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٥٩٩).
(٢) رواه عبد الرزاق ٤/ ٢٨٣ - ٢٨٤ (٧٨٢٠).
(٣) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٧٣، «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ٣٨٩، «الاستذكار» ١٢/ ٢٣٤، «المنتقى» ٢/ ٣٠٦.
(٤) رواه عبد الرزاق ٤/ ٢٨٤ (٧٨٢١).
(٥) رواه عن عائشة ابن أبي شيبة ٣/ ١٩٠ (١٣٣٩٣).
(٦) رواه عبد الرزاق ٤/ ٢٨٤ (٧٨٢٤).



وقال الشافعي: أحب صيامه لغير الحاج، أما من حج فأحب أن يفطر، ليقويه عَلَى الدعاء (١). وقال عطاء: أصومه في الشتاء ولا أصومه في الصيف (٢).
وقال الطبري: إنما أفطر - ﷺ - بعرفة ليدل عَلَى أن الاختيار في ذَلِكَ الموضع للحاج الإفطار دون الصوم؛ كيلا يضعف عن الدعاء، وقضاء ما لزمه من المناسك، وكذلك من كره صومه من السلف؛ وإنما كان لما بيناه من إيثارهم الأفضل من ثقل الأعمال عَلَى ما هو دونه، وإبقاءً عَلَى نفسه؛ ليقوى بالإفطار عَلَى الاجتهاد في العبادة، ومن آثر صومه أراد أن يفوز بثوابه، ويدخل من باب الريان (٣).
وقال المهلب: في شربه اللبن يوم عرفة أن العيان أقطع للحجج وأنه فوق الخبر، وقد قَالَ - ﷺ -: «ليس الخبر كالعيان» (٤).

----------
(١) «مختصر المزني» ٢/ ٢٧.
(٢) رواه عبد الرزاق ٤/ ٢٨٤ (٧٨٢٢).
(٣) يدل على ذلك حديث سيأتي برقم (١٨٩٦) كتاب: الصوم، باب: الريان للصائمين، ورواه مسلم (١١٥٢) كتاب: الصيام، باب: فضل الصيام، عن سهل بن سعد مرفوعًا: «إن في الجنة بابًا يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة ..» الحديث.
(٤) رواه أحمد ١/ ٢١٥، ٢٧١، وأحمد بن منيع في «مسنده» كما في «إتحاف الخيرة المهرة» ٥/ ٤١٦ (٤٩٣٠)، وابن حبان ١٤/ ٩٦ (٦٢١٣) كتاب: التاريخ، باب: بدء الخلق، والطبراني في «الأوسط» ١/ ١٢ (٢٥)، وابن عدي في «الكامل» ٨/ ٤٥٣، والحاكم ٢/ ٣٢١، والقضاعي في «مسند الشهاب» ٢/ ٢٠١ - ٢٠٢ (١١٨٢ - ١١٨٤)، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٦/ ٥٦، وفي «موضح الأوهام» ١/ ٥٣٠، والضياء في «المختارة» ١٠/ ٨٠ - ٨٢ (٧٣ - ٧٦) من طريق هشيم بن بشير، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس مرفوعًا به.
ورواه البزار كما في «الكشف» (٢٠٠)، وابن حبان ١٤/ ٩٧ (٦٢١٤)، والطبراني =

-----------




. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= ١٢/ ٥٤ (١٢٤٥١)، وابن عدي ٨/ ٤٥٣، والخطيب في «الموضح» ١/ ٥٣٠ من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به.
وعن الطريق الأول قال ابن عدي: يقال: إن هشيمًا لم يسمع الحديث من أبي بشر، إنما سمعه من أبي عوانة عن أبي بشر فدلسه، وكذا قال الضياء، وقال القضاعي: قال يحيى: لم يسمعه هشيم. قلت: يحيى هذا هو أحد رواة الحديث عن هشيم.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ١٥٣: رجاله رجال الصحيح، وصححه ابن حبان. وأورده السخاوي في «المقاصد الحسنة» (٩١٥) وذكر قول ابن عدي، ثم قال: وهذا لا يمنع صحته، لا سيما وقد رواه الطبراني وابن عدي وأبو يعلى الخليلي في «الإرشاد» من حديث ثمامة عن أنس. اهـ.
قلت: سيأتي تخريج هذا الحديث.
وقال العجلوني في «كشف الخفاء» ٢/ ١٦٩: قال في «اللآلئ»: فإن قيل: هو معلول بما قال ابن عدي في «الكامل» من أن هشيمًا لم يسمع هذا الحديث من أبي بشر، وإنما سمعه من أبي عوانة عن أبي بشر فدلسه، قلت: قال ابن حبان في «صحيحه» لم ينفرد به هشيم، فقد رواه أبو عوانه عن أبي بشر أيضًا. اهـ.
قلت: لم أقف على قول ابن حبان هذا في «صحيحه».
والحديث أشار السيوطي لصحته في «الجامع الصغير» (٧٥٧٥)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٣٧٤).
قال ابن عبد البر في «التمهيد» ٤/ ٣٣٤: «ليس الخبر كالمعاينة»، رواه ابن عباس عن النبي - ﷺ - ولم يروه غيره، والله أعلم. اهـ. ونقله عنه القرطبي في «تفسيره» ٣/ ١٢٩٨.
قلت: في الباب من حديث أنس وأبي هريرة وابن عمر.
حديث أنس رواه الطبراني في «الأوسط» ١/ ٩٠ (٦٩٤٣)، وابن عدي في «الكامل» ٧/ ٥٥١، والخطيب في «تاريخه» ٣/ ٢٠٠، والضياء ٥/ ٢٠٢ (١٨٢٧ - ١٨٢٨) من طريق محمد بن محمد بن مرزوق الباهلي، عن محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أبيه، عن عمه ثمامة، عن أنس بن مالك مرفوعًا به. =



وفيه: أن الأكل والشرب في المحافل مباح، إذا كان لتبيين معنى، أو دعت إليه ضرورة كما فعل يوم الكديد إذا علم مما يريد بيانه من سنته.
---------
= قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أنس إلا بهذا الإسناد، تفرد به محمد بن مرزوق، وقال نحوه الخطيب، وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ١٥٣: رواه الطبراني في «الأوسط» ورجاله ثقات، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٣٧٣).
وحديث أبي هريرة رواه الخطيب في «تاريخه» ٨/ ٢٨ من طريق مالك بن أنس، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعًا به.
وعزاه السيوطي في «الجامع» (٧٥٧٤) للخطيب، وأشار إلى حسنه، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٣٧٣).
وحديث ابن عمر رواه ابن عدي ٨/ ٢٦٩ في ترجمة النضر بن طاهر أبو الحجاج البصري (١٩٦٧)، من طريقه عن هشيم، عن يونس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر مرفوعًا به.
قال ابن عدي: قال لنا حمزة: فأنكر عليه أهل المعرفة بالحديث وقالوا: الحديث عن ابن عباس، فأخرج الأصل فكان فيه عن ابن عمر. اهـ
قلت: الظاهر أن الحديث محفوظ من رواية ابن عباس وأنس وأبي هريرة فقط والله أعلم.
وهذا الحديث مذكور في نوع المشهور من الأحاديث كما هو مقرر في مصطلح الحديث، وهو الذي يسمى عندهم بالمشهور غير الاصطلاحي وهو: ما اشتهر على الألسنة من غير شروط تعتبر، فمنه الصحيح ومنه الحسن ومنه الضعيف والموضوع، وهو أنواع، وهذا الحديث من المشهور بين العامة، هكذا ذكر السيوطي في «تدريب الراوي» ٢/ ٢٥٣.
وكذا هو مذكور في الكتب التي صنفت في هذا النوع من أنواع الحديث، وعنيت بذكر هذِه الأحاديث، انظر: «المقاصد الحسنة» (٩١٥)، و«الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة» للسيوطي (٣٥٢)، «وتمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنته من الحديث» لابن الديبع (١١٣٢)، و«كشف الخفاء» (٢١٣٧).



وفيه: جواز قبول الهدية من النساء (١)، ولم يسألها إن كان من مالها أو من مال زوجها إذ كان مثل هذا القدر لا يتشاحُّ الناس فيه.
وقال ابن التين: كان - ﷺ - يترك العمل يحب أن يعمل به لئلا يضيق عَلَى أمته.
فرع:
يستحب أيضًا صوم ثامن ذي الحجة وهو يوم التروية؛ احتياطًا لعرفة.

------------
(١) انتهى من «شرح ابن بطال» ٤/ ١٣٣ - ١٣٤.


٨٦ - باب: التَّلْبِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ إِذَا غَدَا مِنْ مِنى إِلَى عَرَفَةَ
١٦٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هَذَا اليَوْمِ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ فَقَالَ: كَانَ يُهِلُّ مِنَّا المُهِلُّ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ مِنَّا المُكَبِّرُ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ. [انظر: ٩٧٠ - مسلم: ١٢٨٥ - فتح: ٣/ ٥١٠]
ذكر فيه حديث مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيِّ: أَنَّهُ سَأَلَ أَنسًا وَهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هذا اليَوْمِ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ: كَانَ يُهِلُّ مِنَّا المُهِلُّ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ المُكَبِّرُ مِنَّا فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ.
هذا الحديث سلف في العيد (١) (٢)، وفي الحديث ابتداء قطع التلبية من الغدو من منى، وآخرها رمي جمرة العقبة في حديث الفضل وأسامة بن زيد وابن مسعود، عن رسول الله - ﷺ - (٣) (قَالَ: كان يهل

---------
(١) في هامش الأصل تعليق نصه: شيخه هنا عبد الله بن يوسف وهناك أبو نعيم.
(٢) برقم (٩٧٠).
(٣) حديث الفضل بن عباس رواه النسائي ٥/ ٢٧٦ كتاب: مناسك الحج، قطع المحرم التلبية إذا رمى الجمرة، وابن ماجه (٣٠٤٠) كتاب: المناسك، باب: متى يقطع التلبية، وأحمد ١/ ٢١٤.
وأصله في الصحيحين، دون ذكر لفظ التلبية، وفيه: أنه لم يزل يلبي حتى بلغ جمرة العقبة، سلف برقم (١٥٤٤) كتاب: الحج، باب: الركوب والإرداف في الحج، ورواه مسلم (١٢٨٢) كتاب: الحج، باب: استحباب إدامة الحاج التلبية حتى … وأما حديث أسامة بن زيد فسلف برقم (١٥٤٣ - ١٥٤٤).
وحديث ابن مسعود سيأتي برقم (١٦٨٣).



منا المهل فلا ينكر عليه ويكبر المكبر منا فلا ينكر عليه) (١).
والذي مضى عليه جمهور العلماء من الصحابة وأهل المدينة اختيار قطعها عند الرواح إلى عرفة، كما حكاه ابن أبي صفرة؛ لأنهم فهموا (٢) أن تعجيل قطعها وتأخيرها عَلَى الإباحة، يدل عَلَى ذَلِكَ ترك إنكار بعضهم عَلَى بعض، وهم فهموا السنن وتلقوها (٣)، فوجب الاقتداء بهم في اختيارهم لأنا أمرنا باتباعهم.
وقال الطحاوي: لا حجة لكم في هذا الحديث؛ لأن بعضهم كان يهل، وبعضهم كان يكبر، ولا يمنع أن يكونوا فعلوا ذَلِكَ ولهم أن يلبوا؛ لأن الحاج فيما قبل يوم عرفة له أن يكبر، وله أن يهل، وله أن يُلبي فلم يكن تكبيره وإهلاله يمنعانه من التلبية (٤). وقال المهلب: وجه قطع التلبية عند الرواح إلى الموقف من يوم عرفة؛ لأنه آخر السفر، وإليه منتهى الحاج وما بعد ذَلِكَ فهو رجوع. فالتكبير فيه أولى، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ فدل هذا عَلَى أن التكبير والدعاء لله عند المشعر الحرام وأيام منى أولى من التلبية؛ لأن معناها الإجابة، وإذا بلغ موضع النداء قطع التلبية، وأخذ في الدعاء، وسأل حاجاته، وسيأتي اختلافهم في قطع

---------
(١) من (ج).
(٢) في (ج): (زعموا).
(٣) في (ج): (نقلوها).
(٤) القول ليس للطحاوي رحمه الله بل نقله عن آخرين. يقول الطحاوي: واختلفوا في قطعه للتلبية متى ينبغي أن يكون؛ فقال قوم: …، وقالوا: لا حجة لكم في هذِه الآثار التي احتججتم بها علينا … إلخ. «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #329  
قديم اليوم, 02:07 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,828
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (11)
من صـــ 531 الى صـــ 550
الحلقة (329)




التلبية في حديث الفضل وأسامة بعد هذا قريبًا. والحديث دالٌ عَلَى إباحة التكبير والتهليل، ورواه محمد، عن مالك واحتج بهذا قَالَ: كان القوم يكبرون ويلبون.
فائدة:
الغدو: السير، وهو السنة أن يسير إذا طلعت الشمس كما أسلفناه، واستثنى مالك من كان ضعيفًا أو بدابته علة، فلا بأس أن يغدو قبل طلوعها. قَالَ: ويكره أن يمر إلى عرفة من غير طريق المازنين، فإن
مر عَلَى غيره فلا شيء عليه.


٨٧ - باب التَّهْجِيرِ بِالرَّوَاحِ يَوْمَ عَرَفَةَ
١٦٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ المَلِكِ إِلَى الحَجَّاجِ أَنْ لَا يُخَالِفَ ابْنَ عُمَرَ فِي الحَجِّ. فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ - رضي الله عنه - وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الحَجَّاجِ، فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ فَقَالَ: مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالَ الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ. قَالَ: هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنْظِرْنِي حَتَّى أُفِيضَ عَلَى رَأْسِي ثُمَّ أَخْرُجَ. فَنَزَلَ حَتَّى خَرَجَ الحَجَّاجُ، فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي، فَقُلْتُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَاقْصُرِ الخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الوُقُوفَ. فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ اللهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ قَالَ: صَدَقَ.
[١٦٦٢، ١٦٦٣ - فتح: ٣/ ٥١١]
ذكر فيه:
عن عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ المَلِكِ إِلَى الحَجَّاجِ أَنْ لَا يُخَالِفَ ابْنَ عُمَرَ فِي الحَجِّ. فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الحَجَّاجِ، فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ فَقَالَ: مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالَ: الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ. قَالَ: هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. وفي آخره: فَاقْصُرِ الخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الوُقُوفَ. فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ اللهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ قَالَ: صَدَقَ.
هذا الحديث ذكره في باب: الجمع بين الصلاتين بعرفة معلقًا، فقال: وقال الليث: حَدَّثَني عقيل، عن ابن شهاب قَالَ: أخْبرَنِي سالم أن الحجاج عام نزل بابن الزبير سأل عبد الله: كيف تصنع في الموقف يوم عرفة؟ فقال سالم: إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم


عرفة إلى آخره (١). وكأنه أراد بيان تصريح ابن شهاب بسماعه له من سالم، وقال معمر: إن الزهري سمعه من ابن عمر (٢)؛ لأنه شهد تلك القصة وحضرها. وسمع منه حديثًا آخر.
وفي «التمهيد»: روى معمر، عن الزهري أنه كان شاهدًا مع سالم وأبيه هذِه القصة مع الحجاج، ووهم معمر فيه، قَالَ يحيى بن معين: وهم فيه معمر، وابن شهاب لم ير ابن عمر ولم يسمع منه شيئًا (٣). وعند الإسماعيلي من حديث أبي مصعب والتنيسي، عن مالك: إن كنت تريد أن تصيب السنة اليوم في الموضعين، وعنده: فاقصر الخطبة وعجل الصلاة.
وروى حديث الليث في «صحيحه» عن أبي عمران إبراهيم بن هانئ، حدثَنَا الرمادي، ثَنَا ابن بكير، وأبو صالح، أن الليث حدثهما: ثَنَا عقيل، عن ابن شهاب، أنا سالم، فذكره.
إذا تقرر ذَلِكَ: فهذا الحديث يدخل في السنة؛ لقوله: (إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ)، والمراد سنة سيدنا رسول الله - ﷺ -، وكذلك إذا أطلقها غيره ما لم تضف إلى صاحبها، كقولهم: سنة العمرين وما أشبهه.
وقد أسلفنا توهيم معمر عن الزهري في شهوده القصة. وقال أحمد بن عبد الله بن صالح: قد روى الزهري عن ابن عمر نحو ثلاثة أحاديث.

--------
(١) سيأتي برقم (١٦٦٢).
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال العلائي في «المراسيل»: قال أحمد بن حنبل، وابن معين: لم يسمع من ابن عمر شيئًا، وقال ابن المديني: سمع الزهري من ابن عمر حديثين فقط، حدثنا به عبد الرزاق: انظر: «جامع التحصيل في أحكام المراسيل» للعلائي ص ٢٦٩ (٧١٢).
(٣) «التمهيد» ١٠/ ٧.



قَالَ ابن عبد البر: هذا لا يصححه أحد سماعًا، وليس لابن شهاب سماع من ابن عمر، وأما محمد بن يحيى الذهلي فقال: ممكن أن يكون قد شاهد ابن عمر مع سالم في قصة الحجاج، واحتج برواية معمر، وفيها: ركب هو وسالم وأنا معهما حين زاغت الشمس، وفيها: قَالَ الزهري: وكنت يومئذٍ صائمًا فلقيت من الحر شدة، قَالَ محمد بن يحيى: وقد روى ابن وهب، عن عبيد الله (١) بن عمر العمري، عن ابن شهاب نحو رواية معمر، وفي حديثه قَالَ ابن شهاب: وأصاب الناس في تلك الحجة شيء لم يصبنا مثله، واحتج أيضًا بأن عنبسة روى عن يونس، عن ابن شهاب قَالَ: وفدت إلى مروان وأنا محتلم قَالَ: ومروان مات سنة خمس وستين، ومات ابن عمر سنة ثلاث وسبعين، قَالَ: وأظن مولد الزهري في سنة خمسين أو نحو هذا، وموته سنة أربع وعشرين ومائة، فممكن أن يكون شاهد ابن عمر في تلك الحجة، فلست أدفع رواية معمر، هذا آخر كلام الذهلي.
وذكر الحلواني قَالَ: سمعتُ أحمد بن صالح يقول: قد أدرك الزهري الحرة وهو بالغ وعقلها -أظنه قَالَ: وشهدها- وكانت الحرة أول خلافة يزيد بن معاوية، وذلك سنة إحدى وستين، قَالَ عبد الرزاق: فقلتُ لمعمر: ورأى الزهري ابن عمر؟ قَالَ: نعم، وسمع منه حديثين، فسلني عنهما أحدثكهما (٢).

-------
(١) في «التمهيد» ١٠/ ٨: عبد الله، وما ذكره المصنف -رحمه الله- هو الصواب.
(٢) «التمهيد» ١٠/ ٧ - ٩ بتصرف.



ثم ها هنا أمور:
أحدها: قَالَ أبو عمر: رواية يحيى وابن القاسم وابن وهب ومطرف: (وعجل الصلاة). وقَالَ القعنبي وأشهب: (فأقم الخطبة وعجل الوقوف، جعلا موضع الصلاة الوقوف)، قَالَ أبو عمر: وهو عندي غلط؛ لأن أكثر الرواة عن مالك عَلَى خلافه (١).
ثانيها: تعجيل الصلاة يوم عرفة، سنة مجمع عليها في أول وقت الظهر، ثم يُصلي العصر بإثر السلام.
قَالَ أبو عمر: وقد يحتمل ما قاله القعنبي أيضًا؛ لأن تعجيل الوقوف بعد تعجيل الصلاة والفراغ منها سنة (٢). وقد أسلفنا رواية مصعب وغيره عن مالك وفيها: وعجل الصلاة، كما رواه الجماعة.
ثالثها: فيه أن إقامة الحج إلى الخلفاء، ومن جعلوا ذَلِكَ إليه، وهو واجب عليهم، فيقيمون من كان عالمًا به.
رابعها: في فوائده:
فيه: الصلاة خلف الفاجر من الولاة ما لم تخرجه بدعته عن الإسلام.
وفيه: أن الرجل الفاضل لا يؤخذ عليه في مشيه إلى السلطان الجائر فيما يحتاج إليه.
وفيه: أن تعجيل الرواح للإمام للجمع بين الظهر والعصر بعرفة في أول وقت الظهر سنة، وقد رُوِي عن مالك في هذا الحديث: وعجل الصلاة مكان الوقوف، كما سلف، وهو صحيح المعنى؛ لأن تعجيل الرواح إنما يراد لتعجيل الصلاتين والجمع بينهما، فدل عَلَى أن

--------
(١) و(٢) المرجع السابق ١٠/ ٢٠.


تعجيل الصلاة بعرفة سنة، ورواية: وعجل الوقوف في البخاري صحيح أيضًا كما سلف.
وفيه: الغسل للوقوف بعرفة لقول الحجاج لعبد الله: (أَنْظِرْنِي حَتَّى أُفِيضَ عَلَي ماء)، وأهل العلم يستحبونه.
وفيه: خروج الحجاج وهو محرم وعليه ملحفة معصفرة، ولم ينكر ذَلِكَ عليه ابن عمر، ففيه حجة لمن أجاز المعصفر للمحرم، وقد سلف في بابه (١).
وفيه: جواز تأمير الأدون عَلَى الأفضل والأعلم.
وفيه: أن الأمير يجب أن يعمل في الدين بقول أهل العلم ويصير إلى رأيهم.
وفيه: ابتداء العالم بالفتيا قبل أن يسأل عنه.
وفيه: الفهم بالإشارة والنظر.
وفيه: أن اتباع الشارع هي السنة، وإن كان في المسألة أوجه جائز غيرها.
وفيه: فتوى التلميذ بحضرة أستاذه عند السلطان وغيره.
واختلف العلماء في وقت أذان المؤذن بعرفة للظهر والعصر، وفي جلوس الإمام للخطبة قبلهما، فقال مالك: يخطب الإمام طويلًا، ثم يؤذن وهو يخطب، ثم يصلي، ومعنى ذَلِكَ: أن يخطب الإمام صدرًا من خطبته، ثم يؤذن المؤذن ويقيم، فيكون فراغه مع فراغ الإمام من الخطبة، ثم ينزل فيقيم (٢).

------------
(١) باب: ما يلبس المحرم من الثياب والأردية والأزر، حديث (١٥٤٥).
(٢) انظر: «التمهيد» ٩/ ١٤٧.



وحكى ابن نافع أنه قَالَ: الأذان بعرفة بعد جلوس الإمام للخطبة (قبلهما) (١) (٢). وقال الشافعي: يأخذ المؤذن في الأذان إذا قام الإمام للخطبة الثانية، فيكون فراغه من الأذان بفراغ الإمام من الخطبة ويقيم (٣). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا صعد الإمام المنبر أخذ المؤذن في الأذان كما في الجمعة (٤).
وسُئل مالك: إذا صعد الإمام عَلَى المنبر يوم عرفة أيجلس قبل أن يخطب؟ قَالَ: نعم، ثم يقوم فيخطب طويلًا، ثم يؤذن المؤذن وهو يخطب ثم يُصلي، قَالَ: ويخطب خطبتين (٥).
وأجمع العلماء عَلَى أنه - ﷺ - إنما صلى بعرفة صلاة المسافر لا صلاة جمعة، ولم يجهر بالقراءة، وكذلك أجمعوا أن الجمع بينهما يوم عرفة مع الإمام سنة مجمع عليها (٦)، واختلفوا فيمن فاتته الصلاة يوم عرفة مع الإمام، هل له أن يجمع بينهما أم لا؟ فقال مالك: نعم، وكذا بالمزدلفة (٧)، وقال أبو حنيفة: لا، إلا من صلاها مع الإمام (٨).
واختلف العلماء في الأذان للجمع بينهما: فقال مالك: يصليهما بأذانين وإقامتين، وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما وأبو ثور

---------
(١) من (ج).
(٢) «المدونة الكبرى» ١/ ٢٤٩.
(٣) «المجموع» ٨/ ١١٤.
(٤) «المبسوط» ٤/ ١٥، «شرح فتح القدير» ٢/ ٤٧٠.
(٥) «التمهيد» ٩/ ١٤٧، وينظر رأي الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف في: «المبسوط» ٤/ ١٥.
(٦) انظر: «التمهيد» ٩/ ١٤٧، «الاستذكار» ٣/ ١٣٧، «المغني» ٥/ ٢٦٥.
(٧) «الاستذكار» ١٣/ ١٣٧.
(٨) انظر: «المبسوط» ٤/ ١٥ - ١٦.



والطبري: يجمع بينهما بأذان واحد وإقامتين، وقد روي عن مالك مثله، والأول أشهر (١).
وقال أحمد وإسحاق: يجمع بينهما بإقامة إقامة، أو باذان وإقامتين إن شاء (٢)، وإن لم يخطب ويسر بالقراءة فيهما؛ لأنهما ظهر وعصر قصرا من أجل السفر، وقال أبو حنيفة: يجهر. وفي «شرح الهداية»: يسر.
وأجمعوا أن الخطبة قبل الصلاة يوم عرفة (٣)، وقد أسلفنا أنه لا يدخل عرفة إلا وقت الوقوف بعد فعل الظهر والعصر جمعًا بنمرة بقرب عرفات خارج الحرم من طرف الحرم إلى عرفات، وأما ما يفعله معظم الناس في هذِه الأزمان من دخولهم عرفة قبل وقت الوقوف فخطأ وبدعة، والصواب الأول، ويغتسل بنمرة للوقوف.
قَالَ جابر: ضرب النبي - ﷺ - قبة بنمرة فنزل بها، حَتَّى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحِّلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس،

----------
(١) انظر: «الاستذكار» ١٣/ ١٣٨، وينظر «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢١٤، «المبسوط» ٤/ ١٥.
(٢) المنصوص في رواية الكوسج: قلت: الجمع بين الصلاتين بعرفة أو يجمع بأذانٍ وإقامة، (أو بإقامة؟)
قال: لا، ولكن بإقامة إقامة، لكل صلاةٍ إقامة.
وهو خلاف ما روي عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر رضي الله عنهما، هذا سالم، عن ابن عمر رضي الله عنهما.
قال: إسحاق: كما قال، ولكن إن كان الإمام يتبع رواية سعيد بن جبير إقامة
واحدة كان أفضل لما لا ينبغي لكل من يجمع بين الصلاتين إلا أن يحدث بينهما عملًا فالإقامة، وإن كان مفتاح الصلاة فتركه أفضل. «مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج» ١/ ٥٣٣.
(٣) انظر: «الاستذكار» ١٢/ ١٤١، «الإقناع» للفاسي ٢/ ٨٣٦.



أخرجه مسلم في حديثه الطويل (١).
قَالَ عطاء ومجاهد والزهري وابن جريج والثوري ويحيى القطان وأبو ثور وأحمد وابن المنذر وعامة الفقهاء وأهل الحديث: قصر الصلاة غير جائز لأهل مكة بعرفات (٢). وقال القاسم بن محمد وسالم والأوزاعي ومالك: لهم قصرها (٣)، ومن صلى العصر في رحله وحده صلاه في وقته عند أبي حنيفة (٤)، وخالفاه فقالا: يجمع المنفرد.
وقوله: (فَأَنْظِرْنِي) أي: أخرني للغسل، فأنظره رفقًا به وعونًا، وهي بألف قطع فيما ضبطه بعضهم، وضبطه غيره بضم الظاء ووصل الهمزة، ذكرهما ابن التين.
وقوله: (حَتَّى أُفِيضَ) قَالَ: صوابه أُفِضْ؛ لأنه جواب الأمر.
وقول عبد الملك للحجاج: (لا تخالف ابن عمر في الحج)، إقرار بدينه وعلمه وبأنه القدوة في زمانه الذي يجب أن يقتدي به أهل وقته.
ومضي ابن عمر إلى الحجاج حين الزوال؛ مسارعة إلى الخير ومعونةً؛ وحرصًا عَلَى إثبات ما عنده من العلم ونشره وانتفاع الناس به، وتوجهه إليه حين زالت الشمس هو السنة، لما يلزم من تعجيل الصلاة ذَلِكَ اليوم، وصياحه عند سرادق الحجاج -وهو فسطاطه- ليكون أسرع لخروجه من إدخال الإذن عليه، وخروجه وعليه ملحفة معصفرة.

--------
(١) مسلم (١٢١٨) كتاب: الحج، باب: حجة النبي - ﷺ -.
(٢) «المبسوط» ١/ ٢٣٦، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٥٢، «الأم» ١/ ١٦٣ «روضة الطالبين» ٣/ ٩٣، «المجموع» ٨/ ١١٦، «المستوعب» ٤/ ٢٢٧، «المغني» ٥/ ٢٦٥.
(٣) «عيون المجالس» ٢/ ٨٢٠، «الاستذكار» ١٣/ ١٦٤، «المنتقى» ٣/ ٤١.
(٤) «العناية» ٢/ ٤٧١.



قَالَ ابن التين: يحتمل أن يكون غير مفدمة، وإن كان المصبوغ كله مكروهًا للآية، لكن ليس الحجاج ممن يقتدى به فيقال: مفدم من غيره.
وقوله: (هذِه السَّاعَةَ؟ قَالَ: نعم) فيه إعلام له بالسنة وأنه التعجيل؛ لأنه حج مع الشارع ورأى أفعاله.
وقوله: (فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي) يحتمل أن يكونوا ركبانًا؛ لأن السنة الركوب حينئذٍ لمن له راحلة.
وقوله: (فَنَزَلَ حَتَّى خَرَجَ الحَجَّاجُ) يدل عَلَى أنه كان راكبًا.
وقوله: (فَقُلْتُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَاقْصُرِ الخُطْبَةَ) يدل له أيضًا حديث عمار «اقصروا الخطبة»، أخرجه مسلم (١)، وكذا حديث جابر (٢)، وبه قَالَ ابن التين (٣)، والعراقيون من أصحابنا يطلقون أنه لا يخطب الإمام يوم عرفة، ومعناه: أنه ليس لما يأتي به من الخطبة تعلق بالصلاة كخطبة الجمعة؛ لأنها لا تغير حكم الصلاة، وبه قَالَ أبو حنيفة (٤).
وقال الشافعي: يخطب (٥)، وهو قول جميع أصحابنا المغاربة، والمدنيون يقولون: يخطب إلا أنهم لا يجعلون للخطبة حكم الخطبة بالصلاة، وإنما يجعلون لها حكم التعليم (٦).

-----------
(١) مسلم (٨٦٩) كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة.
(٢) مسلم (٨٦٦) من حديث جابر بن سمرة، و(٨٦٧) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري.
(٣) انظر قول ابن التين في «المنتقى» ٣/ ٣٦.
(٤) «المبسوط» ٢/ ١٣٠، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٥٢.
(٥) «روضة الطالبين» ٣/ ٩٣، «أسنى المطالب» ١/ ٤٨٥، «مغني المحتاج» ١/ ٤٩٦.
(٦) «التفريع» ١/ ٣٥٥، «عيون المجالس» ٢/ ٨٤٥، «المنتقى» ٣/ ٣٦.



وقد قَالَ ابن حبيب: يخطب قبل الزوال. وقال أبو محمد: فيه نظر.
وقال أشهب: إن خطب قبل الزوال لم يجزه ويعيدها، إلا أن يكون صلى الظهر بعد الزوال فيجزئه (١).
وقال مالك: كل صلاة يخطب لها، فإنه يجهر فيها بالقراءة، قيل له: فعرفة يخطب فيها ولا يجهر بالقراءة؟ فقال: إنما تلك للتعليم (٢).
فائدة:
خطب الحج أربع:
الأولى: سابع ذي الحجة بعد الزوال فردة، والمالكية: خطبتين يجلس بينهما خلافًا لمحمد، وقيل: قبل الزوال، حكاه محمد، وقال عطاء: أدركتهم يخرجون ولا يخطبون، وأدركتهم يخطبون بمكة.
ثانيها: ببطن عُرنة من عرفة يجلس بينهما.
ثالثها: يوم النحر.
رابعها: أوسط أيام التشريق، وهو يوم الرءوس (٣).

---------
(١) «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٩٦.
(٢) «المدونة» ١/ ١٥٧.
(٣) روى أبو داود (١٩٥٣) كتاب: المناسك، باب: أيُّ يوم يخطب بمنى؟ والبخاري في «التاريخ» ٣/ ٢٨٧، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٦/ ٩٢ (٣٣٠٥)، وابن خزيمة ٤/ ٣١٨ (٢٩٧٣)، والطبراني في «الأوسط» ٣/ ٤٧ (٢٤٣٠)، والبيهقي ٥/ ١٥١ - ١٥٢ كتاب: الحج، باب: خطبة الإمام بمنى أوسط أيام التشريق، والمزي في «تهذيب الكمال» ٩/ ١٢٢ من طريق أبي عاصم، عن ربيعة بن عبد الرحمن بن حصين: حدثتني جدتي سراء بنت نبهان -وكانت ربة بيت في الجاهلية- قالت: خطبنا رسول الله - ﷺ - يوم الرءوس، فقال: «أي يوم هذا؟»، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «أليس أوسط أيام التشريق؟». وهذا لفظ أبي داود.
قال الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٣٥): إسناده ضعيف، ربيعة فيه جهالة. =



قَالَ ابن حزم: خطبها رسول الله - ﷺ - يوم الأحد ثاني يوم النحر (١).
وهو مذهب أبي حنيفة أيضًا (٢)، وهو يوم القر.
وفيه حديث في أبي داود (٣)، وآخر في «مسند أحمد» (٤)، وآخر في

-------------
= وروى أيضًا أبو داود (١٩٥٢)، والبيهقي ٥/ ١٥١ من طريق ابن المبارك، عن إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن رجلين من بني بكر قالا: رأينا رسول الله - ﷺ - يخطب بين أوسط أيام التشريق ونحن عند راحلته، وهي خطبة رسول الله - ﷺ - التي خطب بمنى.
وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٧٠٦).
(١) «حجة الوداع» لابن حزم ص ٢٠٥.
(٢) «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٨٥.
(٣) أبو داود (١٧٦٥) كتاب: المناسك، باب: في الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ. ورواه أحمد ٤/ ٣٥٠، والبخاري في «التاريخ» ٥/ ٣٤ - ٣٥، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٤/ ٣٦٧ (٢٤٠٧)، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٤٤ (٤٠٩٨) كتاب: الحج، فضل يوم النحر، وابن خزيمة ٤/ ٢٧٣ - ٢٧٤ (٢٨٦٦)، ٤/ ٢٩٤ (٢٩١٧)، ٤/ ٣١٥ (٢٩٦٦)، وابن حبان ٧/ ٥١ (٢٨١١) كتاب: الصلاة، باب: العيدين، والطبراني في «الأوسط» ٣/ ٤٤ (٢٤٢١)، وفي «مسند الشاميين» ١/ ٢٧٢ - ٢٧٣ (٤٧٥)، والحاكم ٤/ ٢٢١، والبيهقي ٥/ ٢٣٧، ٧/ ٢٨٨، وابن الأثير في «أسد الغابة» ٣/ ٣٦٤ - ٣٦٥، والمزي في «تهذيب الكمال» ١٥/ ٤٤٥ من طريق ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن عبد الله بن عامر بن لحي، عن عبد الله بن قرط، عن النبي - ﷺ - قال: إن أعظم الأيام عند الله تعالى يوم النحر ثم يوم القر، قال عيسى: قال ثور: وهو اليوم الثاني، وقال: .. الحديث. هذا لفظ أبي داود.
قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٥٤٩): إسناده صحيح.
(٤) «المسند» ٥/ ٧٣ من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن أبي حرة الرقاشي، عن عمه قال: كنت آخذًا بزمام ناقة رسول الله - ﷺ - في أوسط أيام التشريق، أذود
عنه الناس فقال: .. الحديث مطولًا.
ومن هذا الطريق رواه الدارمي ٣/ ١٦٤٩ - ١٦٥٠ (٢٥٧٦) كتاب: البيوع، باب: =



الدارقطني (١).
----------
= في الربا الذي كان في الجاهلية، وأبو يعلى ٣/ ١٣٩ (١٥٦٩)، والطبراني ٤/ ٥٣ (٣٦٠٩)، وابن الأثير في «أسد الغابة» ٦/ ٣٦٦.
وذكره أبو داود معلقًا بعد حديث (١٩٥٣) كتاب: المناسك، باب: أي يوم يخطب بمنى؟ فقال: وكذلك قال عم أبي حرة الرقاشي: إنه خطب أواسط أيام التشريق.
وفي «علل ابن أبي حاتم» ٢/ ٣٢٤ - ٣٢٥ (٢٤٩٣) سئل أبو زرعة عن هذا الحديث قيل: هل يسمى أبو حرة، ويسمى عمه؟ فقال: لا يسمى أبو حرة ولا عمه، ولا أعرف له إلا هذا الحديث الواحد. وقال المنذري: أبو حرة الرقاشي: اسمه حنيفة، وقال أبو الفضل محمد بن طاهر: عمه حنيفة، ويقال: حكيم بن أبي زيد، وقيل: عامر بن عبدة الرقاشي، وقال عبد الله البغوي: عم أبي حرة بلغني أن اسمه حذلم بن حنيفة، وعلى بن زيد هذا هو ابن جدعان، لا يحتج بحديثه اهـ «مختصر أبي داود» ٣/ ٦٩، وتعقبه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على «المختصر»، فقال: علي بن زيد: اختلف فيه، والراجح عندنا أنه ثقة، ومن فقه ترجمته أيقن أن كلام من تكلم فيه لا يضر. اهـ. وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٦٥ - ٢٦٦: أبو حرة الرقاشي وثَّقه أبو داود، وضعَّفه ابن معين، وفيه: علي بن زيد، وفيه كلام، وقال في ٤/ ١١٦: فيه: علي بن زيد، وهو ضعيف، وقد وثق.
وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٣٦) وصله الإمام أحمد بسند فيه علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.
(١) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٤٥.
ورواه الروياني في «مسنده» ٢/ ٤٩٨ - ٤٩٩ (١٥٣٠)، والبغوي في «معجم الصحابة» ٥/ ١١٣ (٢٠١٤)، والطبراني ١٩/ ١٧٥ - ١٧٦ (٤٠٠ - ٤٠١) من طريق كرامة بنت الحسين بن جعفر بن الحارث قالت: سمعت أبي يحدث، عن أبي عياش، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن كعب بن عاصم الأشعري: أن رسول الله - ﷺ - خطب بمنى أوسط أيام الأضحى -يعني الغد من يوم النحر- وهذا لفظ الدارقطني، وعند بعضهم: أوسط أيام التشريق.
وقال البغوي: هذا حديث غريب، وقال الحافظ في «الإصابة» ٣/ ٢٩٧: أخرجه البغوي وقال: غريب، وأخرجه ابن السكن. اهـ. وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٧٢: فيه كرامة بنت الحسين، ولم أجد من ذكرها.



قَالَ ابن حزم: وقد روي أيضًا أنه خطبهم يوم الاثنين، وهو يوم الأكارع، وأوصى بذوي الأرحام خيرًا (١).
قَالَ ابن قدامة: وروي عن أبي هريرة أنه كان يخطب العشر كله، وفي «المصنف»: وكذا ابن الزبير (٢).

----------
(١) «حجة الوداع» ص ٢٠٥.
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٢٤٦ (١٣٩٧١) كتاب: الحج، في خطبة النبي - ﷺ - أي يوم يخطب؟



٨٨ - باب الوُقُوفِ عَلَى الدَّابَّةِ بِعَرَفَةَ
١٦٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ عُمَيْرٍ -مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ العَبَّاسِ- عَنْ أُمِّ الفَضْلِ بِنْتِ الحَارِثِ، أَنَّ نَاسًا اخْتَلَفُوا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ. فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهْوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ. [انظر: ١٦٥٨ - مسلم: ١١٢٣ - فتح: ٣/ ٥١٣]
ذكر فيه حديث أم الفضل السالف قريبًا في باب صوم يوم عرفة، وفي آخره: وَهْوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ (١).
والوقوف راكبًا أفضل من الترجل للاتباع.
وفيه: قوة عَلَى الدعاء والتضرع والتعظيم لشعائر الله، وهو ما اختاره مالك والشافعي وجماعة، وعنه قول: إنهما سواء (٢).
وقد سلف هذا المعنى.
وفيه: أن الوقوف عَلَى ظهر الدواب مباح، إذا كان بالمعروف ولم يجحف بالدابة، وأن النهي الوارد ألا تتخذ ظهورها منابر، معناه الأغلب الأكثر، بدليل هذا الحديث.
وإرسالا أم الفضل إلى الشارع؛ لتختبر صومه كما سلف وهو دال عليه، وإن كان قد تركه لغيره كشبع.
وذكر بعضهم فيما حكاه ابن التين: أن من سهل عليه بذل المال

------------
(١) برقم (١٦٥٨).
(٢) «الاستذكار» ١٣/ ٢٣، «المنتقى» ٣/ ١٩، «البيان» ٤/ ٣١٧، «مغني المحتاج» ١/ ٤٩٧.



وشق عليه المشي، فمشيه أكثر أجرًا له، ومن شق عليه بذله وسهل عليه المشي فركوبه أكثر أجرًا له، وهذا على اعتبار المشقة في الأجور، قَالَ: وذلك غير بعيد.

٨٩ - باب الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الإِمَامِ جَمَعَ بَيْنَهُمَا.

١٦٦٢ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، أَنَّ الحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ -عَامَ نَزَلَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما- سَأَلَ عَبْدَ اللهِ - رضي الله عنه -: كَيْفَ تَصْنَعُ فِي المَوْقِفِ يَوْمَ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ سَالِمٌ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَهَجِّرْ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: صَدَقَ، إِنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ فِي السُّنَّةِ. فَقُلْتُ لِسَالِمٍ: أَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ سَالِمٌ: وَهَلْ تَتَّبِعُونَ فِي ذَلِكَ إِلاَّ سُنَّتَهُ؟! [انظر: ١٦٦٠ - فتح: ٣/ ٥١٣]
ثم ذكر معلقًا حديث ابن عمر السالف قريبًا في التهجير (١)، وقد سلف مسندًا (٢)، وحكمة الجمع أول الوقت امتداد الوقوف والدعاء والتضرع والإنابة، وقد أسلفنا في باب: التهجير، اختلاف العلماء فيمن فاتته الصلاة بعرفة مع الإمام، فكان ابن عمر يجمع بينهما، كما حكاه البخاري، وهو قول عطاء ومالك وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وحكاه أبو ثور عن يعقوب ومحمد والشافعي (٣).
قال النخعي وأبو حنيفة والثوري: إذا فاتته مع الإمام صلى كل صلاة لوقتها، ولا يجوز الجمع إلا مع الإمام للاتباع. ووجه الدلالة عَلَى الكوفيين قول سالم للحجاج: (إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم عرفة)، وهذا خطاب يتوجه إلى كل أحد مأمومًا كان أو منفردًا أن سنة الصلاة ذَلِكَ الوقت، وكذلك قول ابن عمر: كانوا يجمعون

------------
(١) في هامش الأصل: بالرواح يوم عرفة.
(٢) برقم (١٦٦٠).
(٣) سبق بيان المسألة.



بينهما، فالسنة لفظ عام يدخل فيه كل مصلِّ، فمن زعم أنه لبعض المصلين فعليه الدليل.
قَالَ الطحاوي: وقد رُوِي عن ابن عمر وعائشة مثل قول الصاحبين من غير خلاف من الصحابة، وقال ابن القصار: قول (الكوفيين) (١) ليس بشيء؛ لقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢) وهذا خطاب لكل واحد في نفسه أن يُصلي الصلاتين في وقت إحداهما بعرفة كما فعل - ﷺ -؛ لأن الخطاب إنما يتوجه إلى هيئة الصلاة ووقتها لا إلى الإمامة.
واتفق مالك وأبو حنيفة والشافعي عَلَى أنه إذا وافق يوم عرفة يوم جمعة لم يصل بهم الإمام الجمعة، وكذلك قال الطحاوي (٣).
قَالَ أبو حنيفة وأبو يوسف: يجمع بمنى من له ولاية الصلاة هناك.
وقال محمد ومالك والشافعي: لا يجمع، وإنما يصلي بعرفة الظهر ركعتين سواء، هذا إن كان الإمام من غير أهل عرفة. وقال أبو يوسف: يجمع بها، وسأل أبو يوسف مالكًا عن هذِه المسألة

---------
(١) ورد بهامش (م) تعليق على هذِه الكلمة وهو: المراد بالكوفيين: الإمام إبراهيم النخعي والإمام سفيان الثوري والإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه -، يقول ابن القصار: إن قولهم: ليس بشيء، لعمري إنه ليس بشيء؛ لأن قولهم - رضي الله عنهم - جارٍ على القاعدة الأصولية، وبين أن الشيء إذا ورد على غير القياس يقتصر فيه على مورده ولا يتعدى إلى غيره، وتقديم الصلاة على وقتها على غير القياس. وقد ورد مع الجماعة والإمام، فيقتصر على مورده ألا يتعدى إلى حالة الانفراد.
وبقية الهامش غير واضح ثم بعد ذلك: إنه بخلاف الجمع في مزدلفة فإن الجمع فيها على كل حال بعدم تقديم الصلاة على وقتها … والله أعلم.
(٢) سبق برقم (٦٣١) كتاب: الأذان، باب: الأذان للمسافر، إذا كانوا جماعة والإقامة، وكذلك بعرفة وجمع. من حديث مالك بن الحويرث.
(٣) «المبسوط» ٤/ ٥٥، «المدونة» ١/ ٢٣٩، «المجموع» ٨/ ١١٧ - ١١٨.



بحضرة الرشيد فقال مالك: سبايانا بالمدينة يعلمون ألا جمعة بعرفة، وعلى هذا أهل الحرمين مكة والمدينة، وهم أعلم بذلك من غيرهم، وقد جمع الشارع بين الصلاتين بعرفة، وصادف ذَلِكَ يوم جمعة، ولم ينقل أنه جهر بالقراءة، فدلَّ أنه - ﷺ - صلى الظهر (بغير) (١) جهر، ولو جهر لنقل، وأيضًا فإن من شرط الجمعة الاستيطان، وليست عرفة بوطن لأهل مكة، فلم يجز لهم أن يصلوها.
وروى ابن وهب عن مالك: أنه إذا وافق يوم جمعة يوم التروية أو يوم عرفة أو يوم النحر أو أيام التشريق لا جمعة عليهم، من كان من أهل مكة أو من أهل الآفاق، قَالَ: ولا صلاة عيد يوم النحر.

----------
(١) في (ج): (لغير).


٩٠ - باب قَصْرِ الخُطْبَةِ بِعَرَفَةَ
١٦٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى الحَجَّاجِ أَنْ يَأْتَمَّ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ فِي الحَجِّ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ جَاءَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما وَأَنَا مَعَهُ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ -أَوْ زَالَتْ- فَصَاحَ عِنْدَ فُسْطَاطِهِ أَيْنَ هَذَا؟ فَخَرَحَ إِلَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الرَّوَاحَ. فَقَالَ: الآنَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَنْظِرْنِي أُفِيضُ عَلَيَّ مَاءً. فَنَزَلَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما حَتَّى خَرَجَ، فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي. فَقُلْتُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ اليَوْمَ فَاقْصُرِ الخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الوُقُوفَ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: صَدَقَ. [انظر: ١٦٦٠ - فتح ٣/ ٥١٤]
ذكر فيه حديث ابن عمر مع الحجاج السالف (١)
وقصر الخطبة بعرفة وغيرها سنة، وقد أسلفناه.

----------
(١) سلف برقم (١٦٦٠).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #330  
قديم اليوم, 02:12 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,828
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (11)
من صـــ 551 الى صـــ 570
الحلقة (330)






٩١ - باب الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ
١٦٦٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: كُنْتُ أَطْلُبُ بَعِيرًا لِي. وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَاقِفًا بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: هَذَا وَاللهِ مِنَ الحُمْسِ، فَمَا شَأْنُهُ هَا هُنَا؟ [مسلم: ١٢٢٠ - فتح: ٣/ ٥١٥]

١٦٦٥ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ عُرْوَةُ: كَانَ النَّاسُ يَطُوفُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ عُرَاةً إِلاَّ الحُمْسَ -وَالحُمْسُ: قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ- وَكَانَتِ الحُمْسُ يَحْتَسِبُونَ عَلَى النَّاسِ، يُعْطِي الرَّجُلُ الرَّجُلَ الثِّيَابَ يَطُوفُ فِيهَا، وَتُعْطِي المَرْأَةُ المَرْأَةَ الثِّيَابَ تَطُوفُ فِيهَا، فَمَنْ لَمْ يُعْطِهِ الحُمْسُ طَافَ بِالبَيْتِ عُرْيَانًا، وَكَانَ يُفِيضُ جَمَاعَةُ النَّاسِ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَيُفِيضُ الحُمْسُ مِنْ جَمْعٍ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الحُمْسِ ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] قَالَ: كَانُوا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ، فَدُفِعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ. [٤٥٢٠ - مسلم: ١٢١٩ - فتح: ٣/ ٥١٥]
ذكر فيه حديث مُحَمَّدٍ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: كُنْتُ أَطْلُبُ بَعِيرًا لِي، وفي لفظ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَاقِفًا بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: هذا والله مِنَ الحُمْسِ، فَمَا شَأْنُهُ هَا هُنَا؟
هذا الحديث زاد فيه الإسماعيلي في «صحيحه» والبرقاني فيما ذكره الحميدي. قَالَ سفيان: -يعني قريشًا- وكانت تسمى الحمس، وكانت قريش لا تجاوز الحرم، ويقولون: نحن أهل الله فلا نخرج من
الحرم، وكان سائر الناس يقفون بعرفة، وذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ


حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] قَالَ سفيان: الأحمس: الشديد في دينه (١). زاد أبو نعيم في «مستخرجه»: وكان الشيطان قد استهواهم فقال لهم: إن عظمتم غير حرمكم استخف الناس بحرمكم، فكانوا لا يخرجون من الحرم، وقيل: كانت قريش تتكبر أن تقف مع الناس.
ولابن إسحاق: حَدَّثَني عبد الله بن أبي بكر، عن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، عن عمه نافع، عن أبيه جبير قَالَ: رأيتُ النبي - ﷺ - قائمًا مع الناس قبل أن ينزل عليه الوحي توفيقًا من الله تعالى له (٢). وهذا يزيل شبهة من زعم أن رؤية جبير كانت بعد النبوة.
قَالَ ابن التين: وروي هذا الحديث، عن سفيان، عن عمرو، عن محمد، عن أبيه -مثل ما في البخاري- قَالَ فيه: رأيته - ﷺ - قائمًا مع الناس قبل أن يبعث. فمن ها هنا قَالَ بعضهم: إنه - ﷺ - حج في الجاهلية (٣)، أما بعد الهجرة فواحدة، وأحاطت قريش به.
ثم ذكر البخاري من حديث هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ عُرْوَةُ: كَانَ النَّاسُ يَطُوفُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ عُرَاةً إِلَّا الحُمْسَ- وَالحُمْسُ: قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ .. الحديث، وفي آخره قالت عائشة: إِنَّ هذِه الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الحُمْسِ ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ [البقرة: ١٩٩] قَالَ: كَانُوا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ، فَدُفِعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ.

---------------
(١) «الجمع بين الصحيحين» للحميدي ٣/ ٣٦٨ وقول سفيان رواه مسندًا، البيهقي في «سننه» ٥/ ١١٤، كتاب: الحج، باب: الوقوف بعرفة.
(٢) «سيرة ابن إسحاق» ص ٧٦.
(٣) ورد بهامش النسخة «م» ما نصه: قوله هذا هو الحج الأكبر يحمد له يكون الإشارة إلى يوم النحر ويؤيده رواية أبي داود عن ابن عمر أنه جعله وهو يوم النحر من الحمد له فقال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم النحر، قال: «هذا يوم الحج الأكبر» وإليه ذهب مالك، ويحمد له يكون إشارة أي يوم النحر الذي حج فيه النبي - ﷺ -.



وقد اختلف المفسرون في هذِه الآية:
فقال الضحاك: يريد إبراهيم - عليه السلام - (١). ويؤيده ما أخرجه الترمذي وحسنه، عن يزيد بن سفيان قَالَ: كنا وقوفًا مكانًا بعيدًا من الموقف فأتانا ابن مربع فقال: أتى رسول الله - ﷺ - إليكم يقول لكم: «كونوا عَلَى مشاعركم، فإنكم عَلَى إرث من إرث إبراهيم» (٢).
وروي عن الضحاك أنه الإمام (٣)، وقيل: آدم (٤)، وقد قرئ: (الناسي) (٥) وقيل: سائر الناس.
قَالَ ابن التين: وهو الصحيح بدليل حديث جبير (غير الحمس) وهم قريش، ومن ولدت من غيرها، وقيل: قريش ومن ولدت وأحلافها، وقيل: قريش ومن ولدت من قريش وكنانة وجديلة قيس، وكانوا إذا أنكحوا امرأة منهم غريبًا اشترطوا عليه أن ولدها عَلَى دينهم، ودخل في هذا الاسم من غير قريش ثقيف وليث بن بكر وخزاعة وبنو عامر بن صعصعة.
وقوله: (وَالحُمْسُ: قُرَيْش وَمَا وَلَدَتْ) قَالَ الداودي: يعني من مسه

-------------
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ٢/ ٣٠٥ (٣٨٤٥)، وابن أبي حاتم في «تفسير القرآن العظيم» ٢/ ٣٥٤ (١٨٦١).
(٢) «سنن الترمذي» (٨٨٣) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٤٥٨٦).
(٣) رواه ابن أبي حاتم ٢/ ٣٥٤ (١٨٦٢).
(٤) قاله الزهري، كذا ذكره البغوي في «معالم التنزيل» ١/ ٢٣١، وابن الجوزي في «زاد المسير» ١/ ٢١٤.
(٥) هي قراءة سعيد بن جبير، وهي شاذة. قال ابن خالويه: يعني: آدم عُهد إليه فنسي.
اهـ «مختصر شواذ القرآن» ص ٢٠.



ولادة قريش من نسل البنات، والأحمس والحمس: الشديد، وتحامس القوم تحامسًا وحماسًا: تنادوا واقتتلوا، والأحمس: المشدد عَلَى نفسه في الدين، والحماسة: الشدة في كل شيء، ذكره ابن سيده (١)، وتحامس عنيِّ: من غلط العامة، وحمس بالكسر، وأحمس: بين الحمس، وقيل: والحمسة: الحرمة، ذكره ابن فارس (٢).
قال الحربي عن بعضهم: سموا حمسًا بالكعبة؛ لأنها حمساء، وحجرها أبيض يضرب إلى السواد، وذكره الهروي.
قَالَ ابن إسحاق: وكانت قريش -لا أدري بعد الفيل أو قبله- ابتدعت أمر الحمس رأيًا رأوه، فتركوا الوقوف عَلَى عرفة والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج، إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم، نحن الحمس، والحمس أهل الحرم، قالوا: ولا ينبغي للحمس أن يأتقطوا الأقط، ولا يسلوا السمن وهم حرم، ولا يدخلوا بيتًا من شعر، ولا يستظلوا -إن استظلوا- إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرمًا، ثم قالوا: لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من (الحل إلى الحرم) (٣) إذا جاءوا حجاجًا أو عمارًا، ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس، ومما أحدثوه أن لا يطوفوا بالبيت عراة، ولا يطوفوا بين الصفا والمروة، وما سواهم من العرب يقال لهم: الحلة، كانوا إذا حجوا طافوا بالبيت عراة ورموا ثيابهم التي قدموا فيها، وقالوا: نكرم البيت أن نطوف به في ثيابنا التي جرحنا بها الآثام، فما طرحوا من

-------------
(١) «المحكم» ٣/ ١٥٧.
(٢) «مجمل اللغة» ١/ ٢٥١.
(٣) في الأصل: (الحلال الحرم).



ثوب لم يمسه أحد (١). وسُمَّي النسيء واللقاء والحريم، ذكره الكلبي.
وقال السهيلي: كانوا ذهبوا في ذَلِكَ مذهب الترهب والتأله، وكانت نساؤهم لا ينسجن الشعر ولا الوبر (٢)، وكذا قَالَ المهلب: إنما كان وقوف قريش -وهم الحمس- عند المشعر الحرام من أجل أنها كانت عزتها في الجاهلية- بالحرم وسكناها فيه، ويقولون: نحن جيران الله، فكانوا لا يرون الخروج عنه إلى الحل عند وقوفهم في الحج، ويقولون: نحن لا نفارق عزنا وما حرم الله به أموالنا ودماءنا،
وكانت طوائف العرب تقف في موقف إبراهيم من عرفة، وكان وقوف النبي - ﷺ - وطوائف العرب بعرفة ليدعوهم إلى الإسلام وما افترض الله تعالى عليه من تبليغ الدعوة وإفشاء الرسالة، وأمر الناس كلهم بالإفاضة من حيث أفاض الناس من عرفة، وقيل: كانت قريش تستكبر أن تقف مع الناس، وكذلك جبير، وقال: ما شأنه وقف في الحل؟ وانظر كيف أنكر جبير ذَلِكَ، وقد حج قبله عتَّاب سنة ثمان وأبو بكر سنة تسع (٣)، فإما أن يكونا وقفا بجمع عَلَى ما كانت قريش تفعل، أو لم يكن جبير شهد معهما الموسم، قاله ابن التين. وإنما كان ذَلِكَ في الجاهلية كما سلف، وجبير أسلم عام الفتح (٤).

---------
(١) «سيرة ابن إسحاق» ص ٨٠ - ٨١.
(٢) «الروض الأنف» ١/ ٢٢٩.
(٣) انظر: «السيرة النبوية» لابن هشام ٤/ ١٤٩، ٢٠١.
(٤) انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ١/ ٣٠٣ (٣١٥)، «أسد الغابة» ١/ ٣٢٣ (٦٩٨)، «الإصابة» ١/ ٢٢٥ (١٠٩١).
وورد في هامش الأصل ما نصه: قال الذهبي في «التجريد»: أسلم هو بعد الحديبية، انتهى. =



وقال الخطابي: قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] في ضمنه الأمر بالوقوف بعرفة؛ لأن الإفاضة والانتشار إنما يكون عن اجتماع قبله بها (١).
وكذا قَالَ ابن بطال: في الآية دليل أنه قد أمرهم بوقوف عرفة قبل إفاضتهم منها، غير أنا لم نجده، ذكر لنا ابتداء ذَلِكَ الوقوف، وبينه الشارع كما سيأتي.
فإن قلت: ثم يفيض (المهملة) (٢): وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، ثم قَالَ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ [البقرة: ١٩٩] وإنما الإفاضة من عرفات قبل المجيء إلى المشعر الحرام فالجواب أن (ثم) بمعنى الواو، والمختار أنها عَلَى بابها، والمعنى: ثم آمركم بالإفاضة من عرفات من حيث أفاض الناس، وفيه معنى التوكيد؛ لأنهم أمروا بالذكر عند المشعر الحرام إذا أفاضوا من عرفات، ثم أكد عليهم الإفاضة من حيث أفاض الناس لا من حيث كانت قريش تفيض.
وزعم الطحاوي أن ظاهر الآية: فإذا أفضتم من عرفات، وقوله: ﴿مِنْ حَيثُ أفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، والإفاضة الأولى من عرفات، والثانية من المشعر الحرام؛ لأنه قَالَ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، إلى ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيثُ أفَاضَ

-----------
= والحديبية سنة ست، وفي تهذيب النووي: أسلم عام خيبر، انتهى.
وخيبر سنة سبع، قال النووي: وقيل: أسلم عام الفتح، انتهى.
والفتح في السنة الثامنة في رمضان.
(١) «أعلام الحديث» ٢/ ٨٨٧.
(٢) كذا في الأصل ولعلها: (المهلة).



النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] غير أنا وجدنا قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] في معنى: وأفيضوا، وتجعل ثم في موضع الواو كما قَالَ تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ ثم قَالَ: ﴿ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ﴾ [يونس: ٤٦] عَلَى معنى: والله شهيد (١).
واختلفوا إذا دفع من عرفة قبل الغروب ولم يقف بها ليلًا، فذهب مالك إلى أن الاعتماد في الوقوف بعرفة عَلَى الليل من ليلة النحر والنهار من يوم عرفة تبع، فإن وقف جزءًا من النهار وحده ودفع قبل الغروب لم يجزئه، وإن وقف جزءًا من الليل أي جزء كان قبل طلوع الفجر من يوم النحر أجزأه؛ وأخذ في ذَلِكَ مما رواه عن نافع، عن ابن عمر أنه قَالَ: من لم يقف بعرفة ليلة المزدلفة قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج (٢). وعن عروة بن الزبير مثله (٣)، ورفعه ابن عمر مرة: «من فاته عرفات بليل فقد فاته الحج» (٤). وعن عطاء يرفعه «من أدرك عرنة بليل فقد أدرك الحج ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج» وعن عمرو بن شعيب رفعه قَالَ: «من أجاز بطن عرفة قبل أن تغيب الشمس فلا حج له» (٥).

---------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٤٤.
(٢) رواه مالك في «الموطأ» ١/ ٥٢٠ (١٣٤٣) كتاب: المناسك، باب: وقوف من فاته الحج بعرفة، «عيون المجالس» ٢/ ٨٢٢، ٨٢٣.
(٣) رواه مالك في «الموطأ» ١/ ٥٢٠ - ٥٢١ (١٣٤٤).
(٤) رواه ابن عدي في «الكامل» ٧/ ٣٩٣، والدارقطني في «سننه» ٢/ ٢٤١ كتاب: الحج، باب: المواقيت، وابن حزم في «حجة الوداع» ص ٤٧٥ (٥٤٠).
قال الزيلعي في «نصب الراية» ٣/ ١٤٥: فيه رحمة بن مصعب، قال الدارقطني: ضعيف، وقد تفرد به، ورواه ابن عدي في «الكامل» وأعله بمحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وضعفه جماعة اهـ.
(٥) رواه ابن وهب كما في «التمهيد» ٢٤/ ٤١٩.



وعن معمر عن رجل عن سعيد بن جبير رفعه: «إنا لا ندفع حَتَّى تغرب الشمس» (١) يعني: من عرفات. ضعفها كلها ابن حزم (٢).
وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري: الاعتماد عَلَى النهار من يوم عرفة من وقت الزوال، والليل كله تبع (٣).
وحديث عروة بن مضرس الطائي مرفوعًا: «من أدرك معنا هذِه الصلاة وأتى عرفات قبل ذَلِكَ ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه»، رواه أصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم (٤).
وفيها من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي أنه - ﷺ - قَالَ: «الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل صلاة الصبح فقد أدرك حجة». وصححه ابن حبان والحاكم (٥).

----------
(١) ذكره ابن حزم في «المحلى» ٧/ ١٢٣ من طريق عبد الرزاق.
(٢) «المحلى» ٧/ ١٢٣.
(٣) انظر: «المبسوط» ٤/ ٥٥، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٢٦، «روضة الطالبين» ٣/ ٩٧.
(٤) «سنن أبي داود» (١٩٥٠) كتاب: المناسك، باب: من لم يدرك عرفه، «سنن الترمذي» (٨٩١) كتاب: الحج، باب: ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج، «سنن النسائي» ٥/ ٢٦٣ - ٢٦٤ كتاب: مناسك الحج، فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة، «سنن ابن ماجه» (٣٠١٦) كتاب: المناسك، باب: من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع، «صحيح ابن حبان» ٩/ ١٦٢ (٣٨٥١) كتاب: الحج، باب: الوقوف بعرفة والمزدلفة والدفع منها، «المستدرك» ١/ ٤٦٣ وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط أئمة الحديث وهي قاعدة من قواعد الإسلام، وقد أمسك عن إخراجه الشيخان على أصلهما أن عروة بن مضرس لم يحدث عنه غير عامر الشعبي، وقد وجدنا عروة بن الزبير بن العوام حدث عنه، وصححه الألباني في «الإرواء» (١٠٦٦).
(٥) أبو داود (١٩٤٩)، الترمذي (٨٨٩ - ٨٩٠، ٢٩٧٥)، النسائي ٥/ ٢٥٦، ٢٦٤ - ٢٦٥، ابن ماجه (٣٠١٥). =



قالوا: فإن وقف جزءًا من النهار أجزأه، وإن وقف جزءًا من الليل أجزأه، إلا إنهم يقولون: إن وقف جزءًا من النهار بعد الزوال دون الليل كان عليه دم، والأظهر عند الشافعي: لا دم عليه، وإن وقف جزءًا من الليل دون النهار لم يجب عليه دم، أخذوا بحديث عروة بن مضرس إلا في إيجاب الدم لمن وقف نهارًا ودون الليل، وتفريقهم في وقت النهار بين بعد الزوال وقبله، فإنه من حين طلوع الفجر من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من ليلة النحر؛ تمسكًا بحديث عروة بن مضرس السالف، فسوى بين أجزاء الليل وأجزاء النهار.
قال ابن قدامة: وعلى من دفع قبل الغروب دم في قول أكثر أهل العلم، منهم عطاء والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي (١).
وقال ابن جريج: عليه بدنة. وقال الحسن بن أبي الحسن: عليه هدي من الإبل، فإن دفع قبل الغروب ثم عاد نهارًا فوقف حَتَّى غربت فلا دم عليه، وبه قَالَ مالك والشافعي. وقال الكوفيون وأبو ثور:
عليه دم (٢).

---------------
= وهو حديث مشهور -كما قال النووي في «شرح مسلم» ٩/ ١١٦ - صححه ابن حبان ٩/ ٢٠٣ (٣٨٩٢)، والحاكم ١/ ٤٦٣ - ٤٦٤ و٢/ ٢٧٨ - كما ذكر المصنف- وصححه أيضًا ابن خزيمة ٤/ ٢٥٧ (٢٨٢٢)، وابن الجارود ٢/ ٩٢ (٤٦٨)، وعبد الحق الإشبيلي في «أحكامه» ٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥، والنووي -قدس الله روحه- في «المجموع» ٨/ ١٢٤، ١٢٩، والحافظ ابن كثير -طيب الله ثراه- في «التفسير» ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤، وفي «الإرشاد» ١/ ٣٣٨، والمصنف -رحمه الله في «البدر المنير» ٦/ ٢٣٠ والألباني في «الإرواء» (١٠٦٤)، وفي «صحيح أبي داود» (١٧٠٣).
(١) انظر: «المغني» ٥/ ٢٧٣.
(٢) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٢٧، «روضة الطالبين» ٣/ ٩٧، «المغني» ٥/ ٢٧٣ - ٢٧٤.



والذي يظهر من المذاهب مذهب أحمد أنه يدخل إلا بالزوال، ومضي خطبتين وأربع ركعات اتباعًا للدليل القولي والفعلي.
وأجاب ابن القصار عن حديث عروة فقال: نحن نعلم أنه - ﷺ - وقف وقفة واحدة جمع فيها بين الليل والنهار، فصار معناه من ليل ونهار، واستفدنا من فعله أن المقصود آخر النهار، وهو الوقت الذي وقته، وعقلنا بذلك أن المراد جزء من النهار مع جزء من الليل؛ لأنه لم يقتصر عَلَى جزء من النهار دون الليل، ولو تجرد هذا من فعله لجاز أن يكون (أو) بمعنى الواو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] معناه: وكفورًا. فإن قيل: فأنتم لا توجبون الجمع بين الليل والنهار في الوقوف. قيل: لما قَالَ: «فقد تم حجه» علمنا أن التمام نقيض الكمال والفضل فيجمع فيه بين السنة والفرض، فالسنة الوقوف بالنهار، والفرض هو الليل؛ لأنه هو انتهاء الوقوف، فهو الوقت المقصود، وهو أخص به من النهار؛ لأنه لو انفرد وقوفه في هذا الجزء لأجزأه بالإجماع، ولو وقف هذا القدر من النهار لكان فيه خلاف، ووجب عليه الدم، فكيف يكون النهار أخص من الليل؟!
فائدة: سُميت عرفة؛ لأن الله تعالى بعث جبريل إلى إبراهيم فحج به، فلما أتى عرفة قَالَ: قد عرفت، وكان قد أتاها مرة قبل ذَلِكَ (١)، أو لأن جبريل يقول لإبراهيم: هذا موضع كذا وهذا موضع كذا، فيقول: قد عرفت قد عرفت. وقيل غير ذَلِكَ (٢).

----------
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ٢/ ٢٩٨ (٣٧٩٧) من قول علي بن أبي طالب، وكذا عزاه السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٤٠٢ لعبد الرزاق وابن جرير.
(٢) رواه الطبري في «تفسيره» ٢/ ٢٩٨ (٣٧٩٨) من قول ابن عباس، وكذا عزاه السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٤٠١ لوكيع وابن جرير وابن المنذر.



٩٢ - باب السَّيْرِ إِذَا دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ
١٦٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ سُئِلَ أُسَامَةُ وَأَنَا جَالِسٌ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ العَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ. قَالَ هِشَامٌ: وَالنَّصُّ فَوْقَ العَنَقِ. [قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ]: فَجْوَةٌ: مُتَّسَعٌ، وَالجَمِيعُ فَجَوَاتٌ وَفِجَاءٌ، وَكَذَلِكَ رَكْوَةٌ وَرِكَاءٌ. مَنَاصٌ: لَيْسَ حِينَ فِرَارٍ. [٢٩٩٩، ٤٤١٣ - مسلم: ١٢٨٦ - فتح: ٣/ ٥١٨]
ذكر فيه عن أسامة أنه سُئِلَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ العَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ. قَالَ هِشَامٌ: وَالنَّصُّ فَوْقَ العَنَقِ.
فَجْوَةٌ: مُتَّسَعٌ، وَالجَمعُ فَجَوَاتٌ وَفِجَاءٌ، وَكَذَلِكَ رَكْوَةٌ وَرِكَاءٌ. مَنَاصٌ: لَيْسَ حِينَ فِرَارٍ.
الشرح:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا والأربعة خلا الترمذي (١) ويأتي في الجهاد والمغازي (٢). والعنق -بفتح العين المهملة والنون- سير فوق المشي، أو أدنى المشي، أو أوله، أو المشي السريع الذي يتحرك فيه عنق البعير، أو سير سهل دون الإسراع، أقوال متقاربة.
والفجوة -بفتح الفاء، وحكي ضمها-: الفرجة المتسعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٧]، وقيل: ما اتسع منها وانخفض،

--------------
(١) مسلم (١٢٨٦)، أبو داود (١٩٢٣)، النسائي ٥/ ٢٥٨، ابن ماجه (٣٠١٧).
(٢) سيأتي برقم (٢٩٩٩) كتاب: الجهاد، باب: السرعة في السير، و(٤٤١٣) كتاب: المغازي، باب: حجة الوداع.



حكاه ابن سيده (١).
والنص: أرفع السير، ومنه قيل لمنصة العروس: منصة؛ لارتفاعها، فإذا ارتفع عن ذَلِكَ وصار إلى العدو فهو الخبب، فإذا ارتفع عن ذَلِكَ فهو الوضع والإيضاع. وقال أبو عبيد: النص أصله منتهى الأشياء وغايتها ومبلغ أقصاها (٢)، ومنه حديث علي: إذا بلغ النساء نص الحقاق فالعصبة أولى (٣). ونص الحقاق: غاية البلوغ.
وقال ابن المبارك: هو بلوغ العقل. وقال ابن أبي خالد في كتابه «الاحتفال»: النص والنصيص: السير، أن تسار الدابة، والبعير سيرًا شديدًا حَتَّى يستخرج أقصى ما عنده، والحاصل أنهما ضربان من السير.
إذا تقرر ذَلِكَ: فتعجيل الدفع من عرفة إنما هو لضيق الوقت؛ لأنهم إنما يدفعون من عرفة إلى المزدلفة عند سقوط الشمس، ومن عرفة إلى مزدلفة نحو ثلاثة أميال، وعليهم أن يجمعوا المغرب والعشاء بالمزدلفة، وذلك سببها، فتعجلوا السير لاستعجال الصلاة.
قَالَ الطبري: وبهذا قَالَ العلماء في صفة سيره - ﷺ - من عرفة إلى المزدلفة ومنها إلى منى (٤)، وبذلك عمل السلف. قَالَ الأسود: شهدتُ مع عمر الإفاضتين جميعًا، لا يزيد عَلَى العنق، لم يوضع في واحدة منهما. وكان ابن عمر سيره العنق. وعن ابن عباس مثله. وقال آخرون: الإفاضة من عرفات وجمع إيضاع دون العنق.

-------------
(١) «المحكم» ٧/ ٣٩٠.
(٢) «غريب الحديث» ٢/ ١٤٢.
(٣) رواه البيهقي في «سننه» ٧/ ١٢١ كتاب: النكاح، باب: ما جاء في إنكاح اليتيمة، وانظر: «الإرواء» (١٨٤٧).
(٤) «تفسير الطبري» ١٢٥/ ٦٧٠.



وروى معرور قَالَ: رأيت عمر بن الخطاب رجلًا أصلع عَلَى بعير يقول: يا أيها الناس أوضعوا فإنا وجدنا الإفاضة للإيضاع (١).
وروي عن الصديق: أنه وقف عَلَى قُزَح وقال: أيها الناس أصبحوا أصبحوا، ثم دفع كأني انظر إلى فخذه قد انكشف مما يخرش بعيره بمحجنه (٢). ومعنى يخرش بعيره: يخدشه بالمحجن، ومنه تخارش السنانير والكلاب.
قَالَ الطبري: والصواب في صفة السير في الإفاضتين جميعًا ما صحت به الآثار أنه كان يسير العنق إلا في وادي محسر، فإنه يوضع فيه، ولو أوضع أحد في الموضع الذي ينبغي أن يعنق فيه أو عكس لم يلزمه شيء؛ لإجماع الجميع عَلَى ذَلِكَ، غير أنه يكون مخطئًا سبيل الصواب، وما ذكره من تفسير ﴿فَجَوةٍ﴾ و﴿مَنَاصٍ﴾ هو كذلك في بعض النسخ. وقال ابن التين: فجوة: متسع لا أحد فيه.
فرع: قررنا أن السنة الإسراع، وإنما يميل عن بعضه لمانع زحام أو غيره، وأما ما رُوِي عنه - ﷺ - أنه أمر بالسكينة والوقار (٣)، فمعناه: لا تخرجوا من حدهما بالزجر والإيضاع. وأما سرعة لا تخرج عن حد الوقار فغير ممنوع بل هو سنة.

------------
(١) ذكره ابن كثير في «تفسيره» ٢/ ٢٥٦ قال: قال وكيع: عن شعبة، عن إسماعيل بن رجاء الزبيدي، عن المعرور بن سويد، فذكره.
(٢) رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ٤/ ٣٢٣ - ٣٢٤ (٢٧١٠)، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٣٧ (١٣٨٨١) كتاب: الحج، من قال: المزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر، والطبري في «تفسيره» ٢/ ٣٠٢ (٣٨٣٢)، والبيهقي ٥/ ١٢٥ كتاب: الحج، باب: الدفع من المزدلفة قبل طلوع الشمس.
(٣) انظر ما سيأتي برقم (١٦٧١).



فائدة:
سُميت حجة الوداع؛ لأنه - ﷺ - ودع الناس فيها، وقال: «لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا» (١).
وغلط من كره تسميتها بذلك، وقد سلف، وتسمى البلاغ أيضًا؛ لأنه قَالَ فيها: «هل بلغت؟» (٢) وحجة الإسلام؛ لأنها التي حج فيها بأهل الإسلام، ليس فيها مشرك.

--------
(١) قطعة من حديث رواه أبو يعلى ٤/ ١١١ (٢١٤٧)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٨/ ٣١٠، وابن عدي في «الكامل» ١/ ٣٠٥، والبيهقي في «دلائل النبوة» ٥/ ٤٤٨، والمزي في «تهذيب الكمال» ٩/ ١٢٢، من حديث جابر، والحديث رواه مسلم (١٢٩٧) بلفظ: «لعلي لا أحج بعد حجتي هذِه».
(٢) سلف برقم (١٠٥) كتاب: العلم، باب: ليبلغ العلم الشاهد الغائب، ورواه مسلم (١٦٧٩) كتاب: القسامة، باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال.



٩٣ - باب النُّزُولِ بَيْنَ عَرَفَةَ وَجَمْعٍ
١٦٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - حَيْثُ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ مَالَ إِلَى الشِّعْبِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، فَتَوَضَّأَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُصَلِّي؟ فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ». [انظر: ١٣٩ - مسلم: ١٢٨٠ - فتح: ٣/ ٥١٩]

١٦٦٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِجَمْعٍ، غَيْرَ أَنَّهُ يَمُرُّ بِالشِّعْبِ الذِي أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَيَدْخُلُ فَيَنْتَفِضُ وَيَتَوَضَّأُ، وَلَا يُصَلِّي حَتَّى يُصَلِّيَ بِجَمْعٍ.

١٦٦٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مِنْ عَرَفَاتٍ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الشِّعْبَ الأَيْسَرَ الذِي دُونَ المُزْدَلِفَةِ أَنَاخَ فَبَالَ ثُمَّ جَاءَ، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الوَضُوءَ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا، فَقُلْتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ». فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى، ثُمَّ رَدِفَ الفَضْلُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - غَدَاةَ جَمْعٍ. [انظر: ١٣٩ - مسلم: ١٢٨٠ - فتح: ٣/ ٥١٩]

١٦٧٠ - قَالَ كُرَيْبٌ: فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ الفَضْلِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الجَمْرَةَ. [انظر: ١٥٤٤ - مسلم: ١٢٨١ - فتح: ٣/ ٥١٩]
فيه أسامة (١): أن النبي - ﷺ - حَيْثُ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ مَالَ إِلَى الشعْبِ فَقَضَى حَاجَتَهُ .. الحديث.

-----------
(١) فوقها في الأصل: أي حديث أسامة.


وفيه نافع (١): كَانَ ابن عُمَرَ يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِجَمْع، غَيْرَ أَنَّهُ يَمُرُّ بِالشِّعْبِ الذِي أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَيَدْخُلُ فَيَنْتَفِضُ وَيتَوَضَّأُ، وَلَا يُصَلِّي حَتَّى يُصَلِّيَ بِجَمْعٍ.
وفيه أسامة (٢): مثل الأول وزيادة عن الفضل: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الجَمْرَةَ.
وحديث أسامة في مسلم (د. ت) (٣)، وقصة ابن عمر من أفراد البخاري.
والشِّعْب: الطريق في الجبل، بكسر الشين وفتحها: الجمع بين الشيئين، ونزوله الشعب إنما كان لأجل إزالة الحاجة، وليس ذَلِكَ من سنته، وهو مباح لمن أراد امتثال أفعاله، ويدير ناقته حيثما أدار ناقته، ويقتفي آثاره وحركاته، وليس ذَلِكَ بلازم إلا فيما تعلق منها بالشريعة.
قَالَ عكرمة: الشِّعْب: الذي كانت الأمراء تنزله، اتخذه رسول الله - ﷺ - مبالًا، واتخذتموه مصلى (٤).
وقوله: (فَبَالَ ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الوَضُوءَ، فتوضأ وضوءًا خفيفًا، فقلتُ: الصلاة، قَالَ: (الصلاة) (٥) أمامك» فركب حَتَّى أتى المزدلفة، فصلى) ظاهره الوضوء الشرعي لا الاستنجاء، وقال عيسى بن دينار: إنه استنجاء لا وضوء، قال: وفيه دليل أن الاستنجاء يسمى وضوءًا،

------------
(١) فوقها في الأصل: أي حديث نافع.
(٢) فوقها في الأصل: أي حديث أسامة.
(٣) «صحيح مسلم» (١٢٨٠) كتاب: الحج، باب: استحباب إدامة الحاج التلبية، وأبو داود (١٩٢١)، ولم أجده في الترمذي.
(٤) رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ٥/ ٤٥ (٢٨١١).
(٥) ساقطة من الأصل.



ودليل ذَلِكَ قوله فيما سيأتي: (ولم يسبغ الوضوء) (١)، ولذلك قَالَ له أسامة: الصلاة، فذكره لما رأى من تركه الاستعداد لها في الوضوء.
وقيل معنى: (ولم يسبغ (الوضوء) (٢) أي: لم يبالغ فيه مبالغته إذا أراد به الصلاة، وقد سلف ذَلِكَ في الحديث في الطهارة في باب: إسباغ الوضوء أيضًا (٣).
وقوله: («الصَّلَاةُ أَمَامَكَ»). مقتضاه أنه ليس بوقتها، أو أن ذَلِكَ ليس بموضعها أو هما، ومقتضاه أن موضعها المزدلفة.
وبه احتج مالك لذلك، أو تؤوّل عَلَى أن الصلاة الفاضلة أمامك.
ومن صلى قبل أن يأتيها دون عذر، فقال ابن حبيب: يعيد متى ما علم بمنزل المصلي قبل الزوال لقوله: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» وبه قَالَ أبو حنيفة.
وقال جابر بن عبد الله: لا صلاة إلا بجمع (٤)، وإليه ذهب محمد والثوري.
وقال مالك: لا يصليان إلا بها إلا من عذر به أو بدابته، قَالَ: فإن صلاهما بعذر لم يجمع بينهما حَتَّى يغيب الشفق.
وقال أشهب: بئس ما صنعه، ولا يعيد إلا أن يصليها قبل مغيب الشفق فيعيد العشاء وحدها أبدًا، وبه قَالَ الشافعي، ونصره القاضي أبو الحسن، واحتج عليه بأن ذَلِكَ -أعني: الجمع- سنة، فلم يكن شرطًا في صحتها، وإنما كان عَلَى معنى الاستحباب، كالجمع بعرفة.

------------
(١) سيأتي قريبًا برقم (١٦٧٢).
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) سلف برقم (١٩٣).
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٥١ (١٤٠٢٢).



ومن أسرع وأتى المزدلفة قبل مغيب الشفق. قَالَ ابن حبيب: لا يُصلي حَتَّى يغيب الشفق. ووجهه قوله: «الصَّلاةُ أَمَامَكَ» ثم صلاها بمزدلفة بعد مغيب الشفق (١).
وقال أشهب: يجمع حينئذٍ، وإن قضاهما قبل المغيب. وهو خلاف ما في «المدونة» وجمع هي: المزدلفة والمشعر الحرام.
وعند الفقهاء: أن المشعر جبل في آخر المزدلفة يُقال له: قُزح، سمي جمعًا؛ لأنها محل الجمع، أو لاجتماع آدم وحواء.
وقوله: (فَيَنْتَفِضُ) هو كناية عن البول. وقال الداودي: يعني يتنظف فيصير كالفضة. قَالَ: ويحتمل أنه يكون يتنصل مما به من ثقل ذَلِكَ، قَالَ: وقوله: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» ولم يسم موضعها.
فيه: تأخير البيان ما لم تدعُ الحاجة إليه.
وفيه: فضل أسامة وخصوصه بالشارع. والوضوء بفتح الواو عَلَى الأشهر، وقوله: (وُضُوءًا خَفِيفًا). هو بضم الواو وفتحها.
وقوله: (لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رمى جمرة العقبة) سلف الكلام فيه.
ومعنى قوله: (رَدِفْتُ): صوت له رديفًا، وكذلك: (ردف الفضل رسول الله).
قَالَ ابن التين: وضبط في بعض الكتب: (ردف الفضلَ)، بنصب اللام وضم اللام من (رسولُ الله - ﷺ -) وليس بصحيح؛ لأنه إنما يقال: أردف فلانًا: إذا جعله خلفه، كذلك فسره في حديث أسامة، والغرض أنه - ﷺ - أردفهما به، وردِف بكسر الدال، يقال: ردفه وردف له: إذا جاء بعده أو تبعه.

----------
(١) «المنتقى» ٣/ ٣٩.


فائدة:
سميت جمرة؛ لأنها حجارة مجتمعة، وكل شيء مجتمع فهو عند العرب جمرة وجمار، ومنه قولهم: أجمر السلطان جيشه في الثغر، بمعنى: جمعهم فيه، ومنه قيل لأحياء من العرب تجمعت: جمار وجمرات، ومنه قيل للمرأة إذا أمرت أن تجمع شعرها بعضه إلى بعض: أجمري شعرك.


٩٤ - باب أَمْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِالسَّكِينَةِ عِنْدَ الإِفَاضَةِ، وَإِشَارَتِهِ إِلَيْهِمْ بِالسَّوْطِ
١٦٧١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْدٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو -مَوْلَى المُطَّلِبِ- أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ -مَوْلَى وَالِبَةَ الكُوفِيُّ- حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا وَضَرْبًا وَصَوْتًا لِلإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ». أَوْضَعُوا: أَسْرَعُوا. ﴿خِلَالَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] مِنَ التَّخَلُّلِ: بَيْنَكُمْ، ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا﴾: [الكهف: ٣٣]: بَيْنَهُمَا. [فتح: ٣/ ٥٢٢]
ذكر فيه حديث ابن عباس: أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا وَضَرْبًا لِلإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالايضَاعِ». (أَوْضَعُوا: أَسْرَعُوا. ﴿خِلَلَكُم﴾ [التوبة: ٤٧] مِنَ التَّخَلُّلِ: بَيْنَكُمْ، ﴿وَفَجَّرنَا خِلَلَهُمَا﴾: ﴿الكهف: ٣٣﴾ بَيْنَهُمَا) (١).
هذا الحديث من أفراده.
قَالَ الداودي: السكينة في المشي هي السرعة ليس بالإبطاء ولا بالاشتداد ولا بالخبب، واحتج بالحديث السالف: فإذا وجد فجوةً نصَّ، والنص فوق العَنَق، كما سلف (٢).
وقوله: («فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ») أوضعوا إبلهم: أسرعوا بها، والإيضاع: العدو السريع، يقال: وضع البعير و(أوضع) (٣): ركبه، ذكره

------------
(١) من الأصل وعليها (لا .. إلى).
(٢) برقم (١٦٦٦).
(٣) كذا في الأصل، وفي (ج): واضعه.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 7 ( الأعضاء 0 والزوار 7)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 440.67 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 434.86 كيلو بايت... تم توفير 5.81 كيلو بايت...بمعدل (1.32%)]