|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#311
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (11) من صـــ 171 الى صـــ 190 الحلقة (311) وسئل أيضًا: بم أهلَّ رسول الله - ﷺ -؟ قال: بالحج مفردًا، فلما كان في العام القابل سأله ذَلِكَ الرجل، فقال ابن عمر: أليس قد سألت عام أول، فقلت لك: أهل بالحج مفردًا؛ فقال: إن أنسًا يقول: قرن (١). فقال: كان أنس صغيرًا يتولج على النساء وهن متكشفات لا يستترن منه لصغره، وأنا آخذ بزمام ناقة رسول الله - ﷺ - يمسني لعابها. وفي رواية: يسيل علي لعابها، سمعته يهل بالحج مفردًا، وأهللنا مع النبي بالحج خالصًا لا يشوبه شيء، ففيه نظر؛ لأن حجة الوداع كانت وسن أنس نحو العشرين. وقد جاء في الصحيح أنه منع من الدخول على النساء حين بلغ عمره خمس عشرة سنة، وذلك قبل الحجة بنحو خمس سنين، وسنه نحو سن ابن عمر، ولعله لا يكون بينهما إلا نحو من سنة أو دونها. قال ابن حزم: روي عن جميع من روى الإفراد القرآن، وهم عائشة، وجابر، وابن عمر، وابن عباس. ووجدنا عليًّا وعمران بن حصين روي عنهما التمتع والقران، ووجدنا أم المؤمنين حفصة، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك لم تضطرب الرواية عنهم ولا اختلاف عنهم فيه، فنترك رواية كل من قد اضطربت الرواية عنه، ونرجع إلى رواية من لم تضطرب عنه، وهذا وجه العمل على قول من يرى إسقاط ما تعارض من الروايات، والأخذ بما لم يعارض منها. وأما من ذهب إلى الأخذ بالزائد، وهو وجه يجب استعماله إذا كانت الألفاظ والأفعال كلها منسوبة إلى سيدنا رسول الله - ﷺ -، ولم تكن موقوفة على من دونه، ولا تنازعًا ممن سواه، فوجهه أنَّا وجدنا ---------- (١) رواه بنحوه ابن حزم في «حجة الوداع» ص ٤٣٣. من روى الإفراد إنما اقتصر على ذكر الإهلال بالحج وحده دون عمرة معه، ووجدنا من روى التمتع إنما اقتصر على ذكر الإهلال بعمرة وحدها دون حج معها، ووجدنا من روى القرآن قد جمع الأمرين معًا، فزاد على من ذكر الحج وحده عمرة، وزاد على من ذكر العمرة وحدها حجًّا، وكانت هذِه زيادتي علم يذكرهما الآخرون، وزيادة حفظ، ونقل على كلتي الطائفتين المتقدمتين، وزيادة العدل مقبولة، وواجب الأخذ بها (١). سيما إذا روجع فيها فثبت عليها ولم يرجع، كما في «الصحيح» من حديث بكر عن أنس: سمعت النبي - ﷺ - يلبي بالحج والعمرة، قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر، فقال: لبى بالحج. قال: فلقيت أنسًا، فحدثته بقول ابن عمر، فقال أنس: ما يعدوننا إلا صبيانا، سمعت رسول الله في يقول: «لبيك عمرة وحجا» (٢) وفي لفظ: جمع بينهما -بين الحج والعمرة- وفي حديث يحيى بن أبي إسحاق وعبد العزيز بن صهيب، وحميد سمعوا أنسًا قال: سمعت رسول الله - ﷺ - أهل بهما: «لبيك عمرة وحجا لبيك عمرة وحجًا» (٣). وفي «الاستذكار» من رواية الحسن بإسناد جيد: وقرن القوم، فلما قدموا مكة قال لهم النبي - ﷺ -: «أحلوا» فهاب القوم فقال: «لولا أن معي هديًا لأحللت» (٤). -------------- (١) «حجة الوداع» ص ٤٤٦ - ٤٤٨ بتصرف. (٢) رواه مسلم (١٢٣٢). (٣) رواه مسلم (١٢٥١) باب: إهلال النبي - ﷺ - وهديه. (٤) «الاستذكار» ١١/ ١٤٩، وسيأتي بنحوه عن أنس برقم (١٥٥٨). وعند الحاكم على شرطهما أنه - عليه السلام - قال: «لبيك بحج وعمرة معًا» (١) وسيأتي عند الطحاوي اختلاف علي وعثمان، وقول علي: ما كنت لأدع سنة رسول الله - ﷺ - لقول أحدكم، أهل بهما: «لبيك بعمرة وحجة». وسلف قول عمر: سمعت رسول الله: «أتاني الليلة آت من ربي -عز وجل- فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة» (٢) ولمسلم من حديث عمران بن حصين أنه - عليه السلام - جمع بين حجة وعمرة، ثم لم ينه عنه حَتَّى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه (٣). ولأبي داود بإسناد جيد عن البراء، عن علي أنه - عليه السلام - لما قدم من اليمن قال: «إني قد سقت الهدي، وقرنت» (٤). ومن حديث الصبي بن معبد بإسناد جيد في حديث قال: «أهللت بالحج والعمرة». قال لي عمر: هديت لسنة رسول الله - ﷺ - مرتين (٥). صححه الدارقطني في «علله» (٦)، وقال أبو عمر: جيد الإسناد، رواه الثقات والأثبات، عن أبي وائل، عن الصبي، عن عمر. ومنهم من يجعله عن أبي وائل عن عمر، والأول مجود، ورواته أحفظ (٧). وللحاكم -وقال: على شرطهما- عن أبي قتادة: إنما قرن - عليه السلام - -------------- (١) «المستدرك» ١/ ٤٧٢ كتاب: المناسك. (٢) برقم (١٥٣٤) باب: العتيق وادٍ مبارك. (٣) «صحيح مسلم» (١٢٢٦/ ١٦٧) باب: جواز التمتع. (٤) «سنن أبي داود» (١٧٩٧) وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (١٥٧٧). (٥) ابن ماجه (٢٩٧٠)، وأحمد ١/ ١٤، ٢٥، ٣٤، ٣٧، ٥٣، وابن خزيمة في: «صحيحه» ٤/ ٣٥٧ - ٣٥٨ (٣٠٦٩)، وابن حبان ٩/ ٢١٩ - ٢٢٠ (٣٩١٠ - ٣٩١١)، والبيهقي ٥/ ١٦. (٦) «علل الدارقطني» ٢/ ١٦٥. (٧) «التمهيد» ٨/ ٢١٢ وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٥٧٨). بينهما؛ لأنه - عليه السلام - علم أنه ليس بحاج بعدها (١). وفي «الاستذكار» روى سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد: سمحت عبد الله بن أبي أوفي يقول بالكوفة: إنما جمع - عليه السلام - بينهما؛ لأنه علم أنه لا يحج بعدها (٢). ولأحمد عن سراقة بإسناد صالح قال: قرن رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع (٣). وعن أبي طلحة أنه - عليه السلام - جمع بينهما. أخرجه ابن ماجه، وفيه الحجاج بن أرطاة (٤). وللترمذي محسنًا عن جابر أنه - عليه السلام - قرن الحج والعمرة (٥). وقال أبو حاتم الرازي: إنه منكر (٦). وقال ابن حزم: صح عن عائشة وحفصة أنه - عليه السلام - كان قارنًا (٧)، يريد بذلك رواية أبي داود عن عائشة: «طوافك بالبيت، وبين الصفا والمروة، يكفيك لحجك وعمرتك» (٨). ----------- (١) «المستدرك» ١/ ٤٧٢. (٢) «الاستذكار» ١١/ ١٤٧. وورد بهامش الأصل: حديث سراقة رواه ابن ماجه بلفظه: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» قال: وقرن رسول الله - ﷺ -. فقوله في حجة الوداع ثبت فيه. (٣) «مسند أحمد» ٤/ ١٧٥. (٤) «سنن ابن ماجه» (٢٩٧١)، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٢٤٠٥). (٥) «سنن الترمذي» (٩٤٧). (٦) «علل الحديث» لابن أبي حاتم ١/ ٢٨٥ - ٢٨٦. (٧) «حجة الوداع» ص ٤٢٢. (٨) «سنن أبي داود» (١٨٩٧)، ورواه مسلم (١٢١١/ ١٣٣) بنحوه. وقال أبو حاتم: عن عطاء مرسلًا أصح، قال: وأما رواية عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس أنه - عليه السلام - قال لعائشة: «طوافك الأول بين الصفا والمروة الحج والعمرة» فهو حديث منكر (١). قال ابن حزم: فصح أنها كانت قارنة (٢)، وقال الطحاوي: قوله: «طوافك لحجك يكفيك لحجك وعمرتك» يبعد أن يكون من كلام النبي في القلوب؛ لأن الطواف وإن كان للحج فهو له دون العمرة، وإن كان لهما جميعًا لم يجز أن يضاف إلى أحدهما دون الآخر (٣). وحديث حفصة رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عنها يرفعه: «لا أحل حَتَّى أحل (٤) من الحج» (٥)، ولأحمد بإسناد جيد: عن أم سلمة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «أهلوا يا آل محمد بعمرة في حج» (٦). ولأبي داود من حديث أبي خَيْوان شيخ الهنائي أن معاوية قال للصحابة: هل تعلمون أن رسول الله - ﷺ - نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ قالوا: لا (٧). --------- (١) «علل الحديث» لابن أبي حاتم ١/ ٢٨٨. (٢) «المحلى» ٧/ ١٦٩، و«حجة الوداع» ص ٣١٨. (٣) انظر «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٠٠. (٤) في الأصل: أحلق، والصواب ما أثبتناه كما في «مسند أحمد» ٦/ ٢٨٣، وكثير من مصادر التخريج. (٥) رواه مالك في «الموطأ» ص ٢٥٦ بلفظ: «لا أحل حتى أنحر». (٦) «مسند أحمد» ٦/ ٢٩٧ - ٢٩٨. وورد بهامش الأصل: حديث أم سلمة مختصر هنا وكان الشيخ ذكر منه موضع كلامه والاقتصار على بعض الحديث جائز على الصحيح. (٧) «سنن أبي داود» (١٧٩٤) كتاب: المناسك، باب: في إفراد الحج، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٥٧٤): حديث صحيح، إلا النهي عن القرن بين الحج والعمرة؛ فهو منكر؛ لمخالفة الأحاديث المتقدمة. وقال المنذري: اختلف فيه اختلافًا كثيرًا، فذكره (١). ولابن أبي شيبة من حديث علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: سمعت أصحاب محمد يهلون بحجة وعمرة معًا (٢). ومن حديث عطاء بن السائب، عن كثير بن جمهان قال: سألنا ابن عمر عن رجل أهل بحج وعمرة معًا، وإنا عبنا ذَلِكَ عليه، ما كفارته؟ قال: كفارته أن يرجع بأجرين وترجعون بواحد (٣). وللكجي عن الهرماس بن زياد قال: سمعت النبي - ﷺ - على ناقته قال: «لبيك حجة وعمرة معًا» (٤). قال ابن أبي حاتم، عن أبيه: فذكرته لأحمد فأنكره قال أبي: أرى دخل لعبد الله بن عمران حديث في حديث، وسرقه الشاذكوني؛ لأنه حدث به بعد عن يحيى بن الضريس (٥). ولمسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: «والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجًّا أو معتمرًا، أو لَيَثْنينَّهما» (٦). والظاهر أن هذا شك من صحابي أو ممن دونه ورجح أصحابنا الإفراد بأن رواته أكثر، ومجمع على عدم كراهته بخلاف التمتع والقران، ولعدم وجوب الدم فيه بخلافهما. ------------ (١) «مختصر سنن أبي داود» ٢/ ٣١٨. (٢) «المصنف» ٣/ ٢٧٨ (١٤٢٩٥) كتاب: الحج، باب: فيمن قرن بين الحج والعمرة. (٣) «المصنف» ٣/ ٢٧٨ (١٤٢٩٦). (٤) ورد بهامش الأصل: وحديث الهرماس رواه عبد الله في «المسند» ولفظه: قال: كنت ردف أبي فرأيت النبي - ﷺ - على بعير وهو يقول: «لبيك بحج وعمرة معًا». (٥) «علل الحديث» ١/ ٢٩١ (٨٧٢). (٦) «صحيح مسلم» (١٢٥٢) كتاب: الحج، باب: إهلال النبي - ﷺ - وهديه. وقال الخطابي: يحتمل أن يكون بعضهم سمعه يقول: لبيك بحج فحكي أنه أفرد، وخفي عليه قوله: «وعمرة». ولم يحك إلا ما سمع ولا منافاة. ويحتمل أن يكون سمعه على سبيل التعليم لغيره. وأما من روى التمتع فأثبت ما حكته عائشة من إحرامه بالحج، وما رواه أنس من القرآن إلا أنه أفاد إيقاعهما في زمانين، وهو ما روته حفصة (١). ويحتمل أن يكون معنى قوله: «لأهللت بعمرة» أي: لتفردت بها يطيب به نفوس من تمتع، فتكون دلالته حينئذ على معنى الجواز، لا على معنى الاختيار، وسأذكر قريبًا من كلام إمامنا الشافعي في اختلاف الحديث ما يجمع به الشتات إن شاء الله، وسيأتي حجة من رجح التمتع مع المناقشة معه. ------------- (١) انظر: «معالم السنن» ٢/ ١٣٩. ٣٠ - باب التَّلْبِيَةِ إِذَا انْحَدَرَ فِي الوَادِي ١٥٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ، أَنَّهُ قَالَ: «مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ». فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ وَلَكِنَّهُ قَالَ: «أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذِ انْحَدَرَ فِي الوَادِي يُلَبِّي». [٣٣٥٥، ٥٩١٣ - فتح: ٣/ ٤١٤] ذكر فيه عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابن عَبَّاسٍ فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ، أَنَّهُ قَالَ: «مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كافِرٌ». فَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ وَلَكِنَّهُ قَالَ: «أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذِا انْحَدَرَ فِي الوَادِي يُلَبِّي». هذا الحديث ذكره في باب: الجعد، من كتاب: اللباس بزيادة: «أما إبراهيم - ﷺ - فانظروا إلى صاحبكم، وأما موسى - ﷺ - فرجل آدم، جعد، على جمل أحمر مخطوم بخلبة» (١). ولمسلم: مر رسول الله - ﷺ - بوادي الأزرق، فقال: «أي وادٍ هذا؟» قالوا: هذا وادي الأزرق. قال: «كأني أنظر إلى موسى - ﷺ - هابطًا من الثنية، واضعًا أصبعيه في أذنيه مارًّا بهذا الوادي، وله جؤار إلى الله تعالى بالتلبية» ثم أتى على ثنية هَرْشَى، فقال: «أي ثنية هذِه؟» قالوا: ثنية هَرْشَى. قال: «كأني أنظر إلى يونس بن متى - ﷺ - على ناقة حمراء جعدة عليه جبة من صوف خطام ناقته خلبة، وهو يلبي» (٢). قوله: (إذا انحدر). أنكر بعضهم إثبات الألف، وغلط رواته، وهو غلط منه. كما قال القاضي، إذ لا فرق بين إذا وإذ هنا؛ لأنه وصفه حالة ------------ (١) سيأتي برقم (٥٩١٣). (٢) «صحيح مسلم» (١٦٦) كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله - ﷺ -. انحداره فيما مضى (١). وفيه: أن التهليل في بطن الوادي من سنن المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين. فإن قيل: فكيف يحجون، ويلبون، وهم في الدار الآخرة، وليست دار عمل؟ فالجواب: أنهم أحياء في هذِه الدار عند ربهم -عز وجل-؛ ولأن عمل الآخرة ذكر ودعاء، قال تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] والتلبية دعاء، وحبب إليهم ذَلِكَ فيتعبدون بما يجدون من دواعي أنفسهم، لا بما يلزمون، كما يحمده، ويسبحه أهل الجنة. قال - عليه السلام -: «يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس» (٢) ويحتمل أن هذِه رؤية منام في غير ليلة الإسراء، أو في بعض ليلة الإسراء. ويحتمل أنه أري أحوالهم التي كانت في حياتهم، ومثلوا له في حال حياتهم كيف كانوا، وكيف حجهم وتلبيتهم، كما قال: «كأني أنظر إلى موسى» (٣) «كأني أنظر إلى عيسى» أو يكون أخبر عن الوحي في أمرهم، وما كان منهم، وإن لم يرهم رؤية عين. وزعم الداودي أن قول من روى «موسى» وهم من الرواة؛ لأنه لم يأت أثر ولا خبر عن موسى أنه حي، وأنه سيحج، إنما ذَلِكَ عن عيسى، فاختلط على الراوي، فجعل فعل عيسى لموسى، بيانه قوله في حديث آخر: «ليهلن ابن مريم بفج الروحاء» (٤). ------------ (١) «إكمال المعلم» ١/ ٥١٨. (٢) رواه مسلم من حديث جابر برقم (٢٨٣٥) كتاب: الجنة ونعيمها، باب: في صفات الجنة، وأحمد ٣/ ٣٤٩، وأبو يعلى في «مسنده» ٣/ ٤١٨ (١٩٠٦). (٣) رواه مسلم (١٦٦). (٤) رواه مسلم من حديث أبي هريرة (١٢٥٢) كتاب: الحج، باب: إهلال النبي - ﷺ - وهديه. ونقله ابن بطال عن المهلب أيضًا، قال: وذلك على رواية من روى «إذا انحدر»؛ لأنه إخبار عما يكون. وأما رواية من روى «إذ انحدر» يحكي عما مضى، فيصح عن موسى أن يراه - عليه السلام - في منامه، أو يوحى إليه بذلك، وأقره عليه (١). وكذا أقر ابن التين الداودي على مقالته، وهو عجيب؛ لما أسلفناه، وأنهم أحياء وشهداء، وإذا اختلط ذَلِكَ على الراوي في موسى، فكيف بعمل يونس بن متى، وغيره كما سلف. -------------- (١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٢٨. ٣١ - باب كَيْفَ تُهِلُّ الحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ أَهَلَّ: تَكَلَّمَ بِهِ، وَاسْتَهْلَلْنَا وَأَهْلَلْنَا الهِلَالَ كُلُّهُ مِنَ الظُّهُورِ، وَاسْتَهَلَّ المَطَرُ خَرَجَ مِنَ السَّحَابِ. ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] وَهْوَ مِنِ اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ. ١٥٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها - زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - في حَجَّهِ الوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَة، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا». فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالَمْرْوَة، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: «انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالحَجِّ، وَدَعِي العُمْرَةَ». فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الَحجَّ أَرْسَلَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - مَعَ عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ: «هذِه مَكَانَ عُمْرَتِكِ». قَالَتْ: فَطَافَ الذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالعُمْرَةِ بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالَمرْوَة، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الذِينَ جَمَعُوا الَحجَّ وَالعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٤١٥] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: خَرَجْنَا مَعَ رسول الله - ﷺ - فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَأهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ. فقال - ﷺ - لها «أَهِلِّي بِالحَجِّ، وَدَعِي العُمْرَةَ …» الحديث بطوله. وهذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة (١). ----------- (١) مسلم (١٢١١)، أبو داود (١٧٧٨، ١٧٨١)، الترمذي (٩٤٥)، النسائي ٥/ ١٥٦، ١٦٥ - ١٦٦، ابن ماجه (٢٩٦٣). والكلام عليه من وجوه: أحدها: قوله (أهل: تكلم به) قال ابن عرفة: الإهلال: رفع الذابح صوته بذكر الله. وقال ابن فارس: أهل الرجل إذا كبر عند نظره إلى الهلال أو غيره (١). وقوله: (كله من الظهور) اعترضه الداودي فقال: إن أراد أن يسمي الشيء بالشيء لما قاربه فيحتمل، وأما نفس اللفظ فهي من الصراخ، ألا ترى أن الصبي يظهر من بطن أمه فلا يقال: استهل حَتَّى يبكي. قال: وقوله: (واستهل المطر خرج من السحاب) هو الصوت لا من الظهور. وقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] أي ذبح على الأصنام. ثانيها: خروجها كان في حجة الوداع سنة عشر من الهجرة، ولم يحج - عليه السلام - من المدينة بعد الهجرة غيرها، وأما قبلها -لما كان بمكة- حج حججًا لا يعلم عددها إلا الله، وسميت حجة الوداع؛ لأنه - عليه السلام - وعظهم فيها، وودعهم فسميت بذلك حجة الوداع. ثالثها: قوله: (فأهللنا بعمرة). اختلفت الروايات عن عائشة فيما أحرمت به اختلافًا كثيرًا -كما قال القاضي (٢) - فهنا (فأهللنا بعمرة)، وفي أخرى: فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج. قالت: ولم أهل إلا بعمرة. وفي أخرى: خرجنا لا نريد إلا الحج. وفي أخرى: لبينا بالحج. وفي أخرى: ------------ (١) «مجمل اللغة» ٤/ ٨٩٢. (٢) «إكمال المعلم» ٤/ ٢٣٤ - ٢٣٥. مهلين بالحج. والكل صحيح (١). وفي رواية: وكنت ممن تمتع، ولم يسق الهدي (٢). قال مالك: ليس العمل عندنا على حديث عروة عنها قديمًا ولا حديثًا. وكذا قال أبو عمر: الأحاديث عن عائشة في هذا مضطربة جدًا (٣). وفي «المشكل» للطحاوي: فلما جئنا سرفًا طمثت، فلما كان يوم النحو طهرت. وفي لفظ فقال لها: «انفري فإنه يكفيك» (٤) فألحت، فأمرها أن تخرج إلى التنعيم. وفي لفظ قالت: يا رسول الله، إني حضت وقد حل الناس ولم أحل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن. قال: «اغتسلي ثم أهلي بالحج» ففعلت، وقفت المواقف حَتَّى إذا طهرت طافت بالكعبة، وبين الصفا والمروة، ثم قال: «قد حللت من حجك وعمرتك جميعا». فقلت: يا رسول الله، إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت قال: «اذهب بها يا عبد الرحمن فاعمرها» (٥) وذلك ليلة الحصبة. قال الطحاوي: لما اختلفت الرواية عن عطاء وجابر عنها، نظرنا ------------ (١) رواها مسلم برقم (١٢١١) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام. (٢) سيأتي برقم (٣١٦) كتاب: الحيض، باب: امتشاط المرأة عند غلسها من المحيض. (٣) «الاستذكار» ١١/ ١٢٩. (٤) سيأتي برقم (١٥٦١) كتاب: الحج، باب: التمتع والإقران. (٥) رواه مسلم من حديث جابر (١٢١٣) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران، وأبو داود (١٧٨٥) كتاب: المناسك، باب: في إفراد الحج، والنسائي ٤/ ١٦٥ كتاب: الحج، باب: في المهلة بالعمرة تحيض وتخاف فوت الحج. إلى رواية غيرهما عنها، فوجدنا الأسود قد روى عنها: قالت: خرجنا، ولا نرى إلا الحج، فلما قدم النبي - ﷺ - مكة طاف بالبيت ولم يحل، وكان معه الهدي، فحاضت هي، قالت: فقضينا مناسكنا من حجنا، فلما كانت ليلة الحصبة ليلة النفر، قالت: يا رسول الله، أيرجع أصحابك كلهم بحجة وعمرة، وأرجع بالحج؟ قال: «أما كنت تطوفت بالبيت ليالي قدمنا؟»: قُلْتُ: لا (١). وقال ابن حزم: حديث أبي الأسود عن عروة عنها، وحديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عنها، منكران وخطأ عند أهل العلم بالحديث. وقد سبقنا إلى تخطئة حديث أبي الأسود هذا أحمد بن حنبل (٢). وقال ابن عبد البر في «تمهيده»: دفع الأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وابن علية حديث عروة هذا، وقالوا: هو غلط (٣). ولم يتابع عروة على ذَلِكَ أحد من أصحاب عائشة، وقال إسماعيل بن إسحاق: قد اجتمع هؤلاء يعني القاسم، والأسود، وعمرة على أن أم المؤمنين كانت محرمة بحجة لا بعمرة، فعلمنا بذلك أن الرواية التي رويت عن عروة غلط. أي: لأن عروة قال في رواية حماد بن سلمة، عن هشام، عنه؛ حَدَّثَني غير واحد أن النبي - ﷺ - قال لها: «دعي عمرتك» فدل أنه لم يسمع الحديث منها. وفي «المستدرك» صحيحًا على شرط مسلم عنها: خرجنا مع النبي - ﷺ - على أنواع ثلاثة: منا من أهل بحجة وعمرة، فلم يحل مما حرم عليه ---------- (١) «شرح مشكل الآثار» كما في «تحفة الأخيار» ٣/ ١٦٤ - ١٦٧. (٢) «المحلى» ٧/ ١٠٤ - ١٠٥. (٣) «التمهيد» ٨/ ٢١٧. حَتَّى قضى مناسك الحج. ومنا من أهل بحج مفردًا لم يحل من شيء حَتَّى يقضي مناسك الحج، ومنا من أهل بعمرة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة حل ثم استقبل الحج (١). وقال ابن حزم: الصحيح أنها كانت قارنة (٢)، وقال: رواه وكيع فجعل قولها: ولم يكن في ذَلِكَ هدي ولا صوم. من قول هشام، لكنْ عبدُ الله بن نمير وعبدُة جعلاه من كلام عائشة، وأما ابن نمير دون وكيع في الحفظ والثقة، وكذلك عبدة. وفي «الموطآت» للدارقطني: قال غندر في حديثه عن مالك: فليهل بالحج والعمرة. وقال: ولا بالصفا والمروة. وقال معن ولما رجعوا من منى طافوا طوافًا آخر لحجهم. وقال أبو سعيد: كان الصحابة الذين ليسوا من مكة لم يطوفوا حَتَّى رجعوا من منى. وقال موسى بن داود: لم يطوفوا حَتَّى رموا الجمرة. وقال أبو المطرف: فأما من أهل بالحج والعمرة، فإنه قدم فطاف طوافًا واحدًا، وسعى بين الصفا والمروة، ثم ثبت على إحرامه حَتَّى خرج إلى منى. ورواه مالك أيضًا عن ابن شهاب وهشام، عن عروة (٣). ورواه ابن أبي أويس وغيره، عن مالك، عن هشام، عن أبيه. من غير ذكر ابن شهاب. قال: ابن الحصار في «تقريبه»: تفرد يحيى بروايته، عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. وقال أبو عمر في «تمهيده»: لم يتابعه أحد من رواة «الموطأ»، ولا غيرهم عن مالك، ------------ (١) «المستدرك» ١/ ٤٨٥ كتاب: المناسك. (٢) «المحلى» ٧/ ١٦٩. (٣) «الموطأ» ص ٢٦٥. وليس بمحفوظ، ولا معروف بهذا الإسناد (١). وفي «الموطأ»: مالك، عن أبي الأسود، عن عروة عنها، فذكر الحديث، وفيه: فأهل رسول الله - ﷺ - بالحج (٢)، وفي لفظ: أفرد بالحج. وعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، عنها أن رسول الله - ﷺ - أفرد الحج (٣). قال أبو عمر: وزاد يحيى بن يحيى: «حتى تطهري». وقد تابعه على هذِه اللفظة أكثرهم، وذكر ألفاظًا أخر (٤)، وكذا قال المهلب: إهلالها بعمرة، يعارضه رواية عمرة عن عائشة أنها قالت: خرجنا لخمس بقين من ذي القعدة، ولا نرى إلا أنه الحج. وقال أبو نعيم في حديثه: مهلين بالحج، فلما دنونا من مكة، قال - عليه السلام - لأصحابه: «من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي فلا». والتوفيق بينهما أن يكون معنى قولها: (فأهللنا بعمرة). تريد: حين دنونا من مكة حين أمر النبي - ﷺ - من لم يسق الهدي بفسخ الحج في العمرة فأهلوا بها. وبينت عمرةُ عن عائشة ابتداء القصة من أولها. وعروة إنما ذكر ما آل إليه أمرهم حين دنوا من مكة، وفسخوا الحج في العمرة إلا من كان ساق الهدي من المفردين، فإنه مضى على إحرامه من أجل هديه، ولم يفسخه في عمرة، لقوله تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلَا الشَّهْرَ الحَرَامَ وَلَا الهَدْيَ﴾ (٥) [المائدة: ٢]، وقال ابن التين: يحتمل أن تريد بذلك أزواجه - ﷺ -، ويحتمل أن تريد به طائفة أشارت إليهم، ولا يصح -------- (١) «التمهيد» ٨/ ١٩٩. (٢) «الموطأ» ص ٢٢١. (٣) «الموطأ» ص ٢٢١. (٤) «التمهيد» ١٩/ ٢٦١. (٥) انظر «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٢٩ - ٢٣٠. إرادتها جماعة من الصحابة؛ لأنها ذكرت أن منهم من أهل بحج، ومنهم من أهل بعمرة، ومنهم من أهل بهما. الثالث: قوله: («من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة») الظاهر أنه قال ذَلِكَ لمن أحرم بالعمرة أولًا، لا كما قال القرطبي: أن ظاهره أمرهم بالقران. ويكون قوله ذَلِكَ لهم عند إحرامهم. ثم قال: ويحتمل، فأبدى ما فلناه، فيكون أمر بالإرداف ويؤيده قوله: «لا يحل حَتَّى يحل منهما جميعًا»؛ لأن هذا بيان حكم القارن، فإنه لا يحل إلا بفراغه من طواف الإفاضة (١). وقد اتفق العلماء -كما قال القاضي- على جواز إدخال الحج على العمرة (٢). وشذ بعض الناس فمنعه، وقال: لا يدخل إحرام على إحرام كما في الصلاة (٣). واختلفوا في عكسه، وهو إدخال العمرة على الحج. فجوزه أبو حنيفة (٤)، والشافعي في القديم (٥)، ومنعه آخرون، وقالوا: هذا كان خاصًّا بالنبي - ﷺ - لضرورة الاعتمار ------------- (١) «المفهم» ٣/ ٢٩٩. (٢) «الإجماع» لابن المنذر ص ٥٤، «الاقناع» للفاس ٢/ ٧٨٣، ٧٨٤، «المجموع» للنووي ٤/ ١٥٧. (٣) وهو قول أبي ثور نقله عنه ابن عبد البر في «الاستذكار» ١١/ ١٤٠. (٤) نسب الشافعية هذا القول إلى الأحناف وفيه نظر إذ أن مذهبهم عدم جواز إدخال العمرة على الحج وهذا بناء على ما جاء في كتبهم «الأصل» لمحمد بن الحسن ٢/ ٥٣١: ٥٣٣، «مختصر الطحاوي» ص ٦١، «مختصر اختلاف العلماء» للجصاص ٢/ ١٠١، «المبسوط» للسرخسي ٣/ ١٨٠. (٥) «البيان» للعمراني ٤/ ٧٣، «روضة الطالبين» للنووي ٣/ ٤٥، «المجموع» ٧/ ١٥٧. حينئذ في أشهر الحج (١). الرابع: الهدي بإسكان الدال -وهو أفصح من كسرها- مع التشديد، وسوى بينهما ثعلب، وغيره، والتخفيف لغة أهل الحجاز، والتثقيل لغة تميم، وهو اسم لما يهدى إلى الحرم من الأنعام (٢)، ثم عدي إلى ذبح جزاء ما يرتكبه من المحظورات. قال اللحياني: وواحد الهدي: هدية. وقد قرئ بالوجهين جميعًا: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال: والتشديد قول الأكثرين. وفي الحديث: «هلك الهدي، ومات الودي». قال الهروي: أي هلكت الإبل، ويبست النخل. والعرب تقول: كم هدي بني فلان؟ أي: كم إبلهم (٣)؟ الخامس: قوله: («لا يحل حَتَّى يحل منهما جميعًا») استدل به بعض أصحاب أبي حنيفة على أن المتمتع إذا فرغ من أعمال العمرة لم يحل، ثم يحرم بالحج إن كان معه هدي عملًا بقوله: «ثم لا يحل» (٤) إلى آخره. -------------- (١) وهو قول الشافعي في الجديد وقول المالكية والحنابلة. انظر: «البيان» للعمراني ٤/ ٧٣، «روضة الطالبين» للنووي ٣/ ٤٥، «المجموع» ٧/ ١٥٧، «التفريع» لابن الجلاب ١/ ٣٣٥، «عيون المجالس» ٢/ ٩٠٠، «الاستذكار» لابن عبد البر ١١/ ١٣٨، «المستوعب» للسامري ٤/ ٥٣، ٥٤، «المغني» لابن قدامة ٥/ ٣٧١ - ٣٧٢، «المبدع» لابن مفلح ٣/ ١٢٣ - ١٢٤. (٢) انظر: «النهاية في غريب الحديث» ٥/ ٢٥٤، «لسان العرب» ٨/ ٤٦٤٢. (٣) انظر: «النهاية في غريب الحديث» ٥/ ٢٥٤. (٤) «الاختيار» للموصلي ١/ ١٥٨ - ١٥٩، «حاشية ابن عابدين» ٢/ ٥٣٨ - ٥٣٩. وجوابه: أنه يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قاله عند الإهلال، فقال: من شاء فليقرن؛ ليبين جوازه، ويكون معنى من معه هدي الآن فليقلده بالقران؛ لأنه إن كان متمتعًا فلا يجب أن يقلد هديه؛ لتمتعه عند إحرامه بعمرة، وإنما يقلده إذا أحرم بحجة، فالفائدة الحض على الحج في ذَلِكَ العام لمن معه هدي، ولعله علم عزم بعضهم على ترك الحج والاقتصار على فعل العمرة؛ لأجل الهدي، فحض واجد الهدي على القرآن؛ ليحج من عامه. ويحتمل أنه أمر بذلك بعد الإحرام لما يأتي من قوله: (فقدمت مكة وأنا حائض) فأمر بذلك بعد الإحرام بالعمرة، وبعد تقليد الهدي، وإشعاره على أن ينحووا بمنى في حجتهم، وأن يحل من عمرته عند وصوله إلى مكة، ثم يبقى حلالًا وهديه مقلدًا مشعرًا حَتَّى يحرم بالحج يوم التروية، ثم ينحر هديه بمنى، فأمرهم بإرداف الحج على العمرة، ويعودوا قارنين. ومعنى ذَلِكَ المنع لهم من التحلل مع بقاء الهدي، وذلك ممنوع لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وادعى ابن التين أن هذا الاحتمال هو الأظهر. ويخدشه قوله أولًا: «ثم لايحل حَتَّى يحل منهما جميعًا». فرع: اختلف قول مالك فيمن قلد هديًا وأشعره، وأحرم بعمرة، ثم قرن، هل يجزئه ذَلِكَ الهدي عن قرانه؟ فقال: لا يجزئه؛ لأن أوله كان على التطوع، ثم قال بعد ذَلِكَ يجزئه، فقد فعله الصحابة، يريد هذا الحديث، فترك القياس؛ لأن أوله كان على التطوع. السادس: قولها: (فقدمت مكة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة) فيه دلالة على أن الحائض لا يجزئ طوافها بالبيت، قال ابن بطال: ولا خلاف بين العلماء أن الحائض لا تطوف بالبيت ولا تسعى بين الصفا والمروة؛ لأن السعي بينهما موصول بالطواف، والطواف موصول بالصلاة، ولا تجوز صلاة بغير طهارة (١). وقال ابن التين: إنما لم تطف ولم تسع؛ لأن الطواف من شرطه الطهارة، والسعي مرتب عليه، وإن كان ليس من شرطه الطهارة، بدليل أنها لو حاضت بعد أن فرغت الطواف وسعت لأجزأها، وهذِه العبادة أحسن من تلك. وقال ابن الجوزي: فيه دلالة على أن طواف المحدث لا يجزئ، ولو كان ذَلِكَ لأجل المسجد لقال: لا يدخل المسجد. وقد اختلفت الرواية عن أحمد في طواف المحدث والنجس، فروي عنه لا يصح، وروي عنه يصح، ويلزمه دم (٢). ومذهب الجمهور -كما قاله في «شرح المهذب»- أن السعي يصح من المحدث، والجنب، والحائض (٣). وعن الحسن أنه إن كان قبل التحلل أعاد السعي، وإن كان بعده، فلا شيء عليه. وعن أبي حنيفة أن الطهارة من الحدث والنجس ليس شرطًا للطواف، فلو طاف وعليه نجاسة، أو محدثًا، أو جنبًا صح طوافه. واختلف أصحابه في كون الطهارة واجبة مع اتفاقهم على أنها ليست ---------- (١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٣٠. (٢) انظر: «المستوعب» للسامري ٤/ ٢١٦، ٢١٧، «المغني» لابن قدامة ٥/ ٢٢٢، ٢٢٣، «المبدع» لابن مفلح ٣/ ٢٢١. (٣) «المجموع» للنووي ٨/ ٢٣. ![]()
__________________
|
|
#312
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (11) من صـــ 191 الى صـــ 210 الحلقة (312) شرطًا، فمن أوجبها منهم قال: إن طاف محدثًا لزمه شاة، وإن كان جنبًا لزمه بدنة. قالوا: ويعيده ما دام بمكة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] (١) وعن داود: الطهارة له واجبة، فإن طاف محدثًا أجزأه إلا الحائض (٢). السابع: كنت وعدت فيما مضى أن أذكر كلام إمامنا الشافعي في جمعه بين مختلف الروايات. قال في «اختلاف الحديث»: ليس في هذِه الأحاديث المختلفة أحرى أن لا يكون متفقًا من وجهين مختلفين لا ينسب صاحب إلى الغلط من حديث أنس قال: قرن رسول الله - ﷺ -، ثم حديث من قال: كان ابتداء إحرامه حجًّا لا عمرة معه؛ لأنه - عليه السلام - لم يحج من المدينة إلا حجة واحدة ولم يختلف في شيء من السنن الاختلاف فيه أيسر من هذا من جهة أنه مبا، وإن كان الغلط فيه قبيحًا فيما حمل من الاختلاف، ومن فعل شيئًا مما قيل فيه: أن النبي - ﷺ - فعله كان له واسعًا؛ لأن الكتاب ثم السنة ثم ما لا نعلم فيه خلافًا يدل على أن التمتع بالعمرة إلى الحج والإفراد والقران واسع كله. وأشبه الروايات أن يكون محفوظًا في الحج ما روى جابر أن النبي - ﷺ - خرج لا يسمي حجًّا ولا عمر (٣)، وقال طاوس: خرج محرمًا ينتظر ------------- (١) «مختصر الطحاوي» ص ٦٤، «المبسوط» للسرخسي ٤/ ٣٨، ٣٩، «بدائع الصنائع» للكاساني ٢/ ١٢٩. (٢) انظر: «المجموع» ٨/ ٢٣. (٣) «مسند الشافعي» ١/ ٣٧٠ (٩٥٧) كتاب: الحج، باب: في الإفراد والقران والتمتع. القضاء (١)؛ لأن رواية يحيى بن سعيد عن القاسم، وعمرة عن عائشة توافق روايته، وهؤلاء تقصَّوا الحديث، ومن قال: أفرد الحج فيشبه أن يكون قال على ما يعرف من أهل العلم الذين أدرك دون سيدنا رسول الله - ﷺ - أن أحدًا لا يكون مقيمًا على حج إلا وقد ابتدأ إحرامه بحج. وأحسب أن عروة حين حدث أن النبي - ﷺ - أهل بحج، إنما ذهب إلى أنه سمع عائشة تقول: فعل النبي - ﷺ - في حجه، وذكر أن عائشة أهلت بعمرة، إنما ذهب إلى أنها قالت: فعلت في عمرتي كذا إلا أنه خالف خلافًا بينًا لحديث جابر وأصحابه في قول عائشة: ومنا من جمع الحج والعمرة. فإن قال قائل: فقد قرن الصبي بن معبد، وقال له عمر: هديت لسنة نبيك، قيل: حكي لعمر أن رجلين قالا: هذا أضل من جمل أهله، فقال: أي: هديت لسنة نبيك. أي: من سنة نبيك القرآن، والإفراد، والعمرة هدى لا ضلال. فإن قيل: فما دل على هذا؟ قيل: أمر عمر بأن يفصل بين الحج والعمرة، وهو لا يأمر إلا بما يسمع، ويجوز في سنة رسول الله - ﷺ -، وإفراده الحج. فإن قيل: فما قول حفصة لرسول الله - ﷺ -: ما بال الناس حلوا ولم تحل من عمرتك؟ قيل: أكثر الناس مع رسول الله - ﷺ - لم يكن معه هدي، وكانت حفصة معهم، فأمروا أن يجعلوا إحرامهم عمرة ويحلوا، فقالت: لم حل (٢) الناس ولم تحل أنت من عمرتك؟ تعني من إحرامك الذي ابتدأته، وهم وهو بنية واحدة، قال: «لبدت رأسي وقلدت هديي، ------------- (١)»مسند الشافعي" ١/ ٣٧٢ (٩٦٠). (٢) في الأصل: أحل. فلا أحل حَتَّى أنحر هديي» (١) يعني والله أعلم حيث يحل الحاج؛ لأن القضاء نزل بأن يجعل من كان معه هدي إحرامه حجًّا، وهذا من سعة لسان العرب الذي تكاد تعرف بالجواب فيه. فإن قيل: من أين ثبت حديث عائشة، وجابر، وابن عمر، وطاوس دون حديث من قال: قرن؟ قيل: لتقدم صحبة جابر، وحسن سياقه ابتداء الحديث وآخره، وقرب عائشة من سيدنا رسول الله - ﷺ -، وفضل حفظها عنه، وقرب ابن عمر منه؛ ولأن من وصف انتظاره للقضاء، إذا لم يحج من المدينة بعد نزول فرض الحج قبل حجته -حجة الإسلام- طلب الاختيار فيما وسع له من الحج والعمرة يشبه أن يكون حفظ عنه؛ لأنه قد أتى في المتلاعنين فانتظر القضاء فيهما، وكذلك حفظه عنه في غيرهما، هذا آخر كلامه، ولا مزيد عليه (٢). الثامن: قولها: (فشكوت ذَلِكَ إلى رسول الله - ﷺ -)، يقال: شكوت وشكيت لغتان. وسبب شكواها أنها لم تسق هديًا ولا أمرت بإرداف الحج على العمرة، وكان من حقها التمادي إلى الفراغ من عمرتها، ثم تهل بالحج، فلما لم يمكنها إتمام عمرتها شكت ذَلِكَ. التاسع: قوله - عليه السلام -: («انقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بالحج، ودعي العمرة») احتج به الكوفيون، فقالوا: إن المعتمرة إذا حاضت قبل الطواف وضاق عليها وقت الحج رفضت عمرتها وألقتها واستهلت ------------ (١) سيأتي برقم (١٥٦٦) كتاب: الحج، باب: التمتع والإقران والإفراد بالحج. (٢) انتهى من «اختلاف الحديث» ص ٢٢٨ - ٢٣٠. بالحج، وعليها لرفض عمرتها دم، ثم تقضي عمرة بعد. ونقض الرأس والامتشاط دليل على رفضها؛ لأن القارنة لا تمتشط ولا تنقض رأسها، فجاوبهم مخالفوهم بما أسلفناه عن مالك أن حديث عروة عن عائشة ليس عليه العمل عندنا قديمًا ولا حديثًا، وأظنه وهمًا يعني ليس عليه العمل في رفض العمرة؛ لأن الله تعالى أمر بإتمام الحج والعمرة لمن دخل فيهما. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] ورفضها قبل إتمامها هو إبطالها، وكذا لو أحرمت بالحج، ثم حاضت قبل الطواف، لا ترفضه. فكذا العمرة بعلة أنه نسك يجب المضي في فاسده فلا يجوز تركه قبل إتمامه مع القدرة عليه. والذي عليه العمل عند مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأبي ثور في المعتمرة تحيض قبل الطواف، وتخشى فوات عرفة وهي حائض أنها تهل بالحج، وتكون كمن نوى الحج والعمرة ابتداء وعليها هدي القرآن، ولا يعرفون رفض العمرة ولا رفض الحج لأحد دخل فيهما أو في أحدهما. قالوا: وكذلك المعتمر يخاف فوات عرفة قبل أن يطوف لا يكون إهلاله رفضًا للعمرة بل يكون قارنًا بإدخاله الحج على العمرة (١). ودفعوا حديث عروة عن عائشة بضروب من الاعتلال منها: أن القاسم والأسود، وعمرة رووا عن عائشة ما دل أنها كانت محرمة بحج، فكيف يجوز أن يقال لها دعي العمرة، وقال إسماعيل بن إسحاق: حديث عروة غلط؛ لأن ثلاثة خالفوه، وقد أسلفنا هذا. ---------- (١) انظر: «المدونة» ١/ ٣٢٨ - ٣٢٩، «المنتقى» ٢/ ٢٢٤، «الاستذكار» ١١/ ١٩٠ - ١٩١، «عيون المجالس» ٢/ ٨٩٨ - ٨٩٩، «التمهيد» ٨/ ٢١٦ - ٢١٧. وقال غيره: أقل الأحوال في ذَلِكَ سقوط الاحتجاج بما صح فيه التعارض، والرجوع إلى قوله -عز وجل-: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وأجمعوا على الخائف لقرب عرفة أنه لا يحل له رفض العمرة، فكذلك من خاف فوت عرفة؛ لأنه يمكنه إدخال الحج على العمرة، ويكون قارنًا فلا وجه لرفض العمرة في شيء من النظر. قال ابن أبي صفرة: ولو ثبت قوله: «دعي العمرة» لكان له تأويل سائغ، فيكون معنى قوله: أهلي بالحج الذي أنت فيه أي: استديمي ما أنت عليه، ودعي العمرة التي أردت أن تفسخ حجك فيها، لأنها إنما طهرت بمنى وقد رهقها الوقوف بعرفة. وهذا أصل في المراهق أن له تأخير طواف الورود. ومما يوهن رواية عروة ما رواه حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه قال: حَدَّثَني غير واحد أن النبي - ﷺ - قال لها: «دعي عمرتك»، فدل أن عروة لم يسمعه من عائشة، وهذا قد أسلفناه. ولو ثبت قوله: «انقضي رأسك، وامتشطي» لما نافي ذَلِكَ إحرامها ولجبرته بالفدية كما أمر - عليه السلام - كعب بن عجرة بالحلق والفدية لما بلغ به أذى القمل، فيكون أمره لها بنقضها رأسها وامتشاطها؛ لضرورة كانت بها مع الفدية، هذا سائغ ومحتمل، فلا تعارض به الأصول. وقد يمكن أن يكون أمره بغسل رأسها وإن كانت حائضًا لا يجب عليها غسله، ولا نقضه لتغتسل للإهلال بالحج، وذلك من سنة الحائض والنفساء كما أمر - عليه السلام - أسماء بنت عميس حين ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء بالاغتسال والإهلال (١). لا سيما إن كانت -------- (١) رواه مسلم (١٢٠٩ - ١٢١٠، ١٢١٨). لبدته، ولو أمرها بذلك لوجوب الغسل عليها لكانت قد طهرت فتطوف للعمرة التي تركت. وقوله لها: «غير أن لا تطوفي بالبيت». يدل أنها لم تنقض رأسها إلا لمرض كان بها، أو لأهلال كما ذكرنا. قال الشافعي: ليس معناها اتركيها وأخريها على القضاء، إنما هو أنه أمرها أن تدخل الحج على العمرة، فتصير قارنة. قال: وعلى هذا المذهب تكون عمرتها من التنعيم تطوعًا لا عن واجب، ولكن أراد أن تطيب نفسها فأعمرها، وكانت قد سألته ذَلِكَ. وقد روي ما يشبه هذا المعنى في حديث جابر (١) المذكور، يعني قبل. وقاله مالك أيضًا. وقال الخطابي: أمره عائشة بالامتشاط مشكل جدًا، وكان الشافعي تأوله على أنه أمرها أن تدع العمرة وتدخل عليها الحج، فتكون قارنة، قال: وهذا لا يشاكل القصة (٢). وقيل: يحتمل أن تكون مضطرة، وحمله غيره على ما أسلفناه من أذى أو نحوه. وقيل: إنما أمرها بفسخ العمرة وإنشاء الحج مفردًا، وأبعد من قال: إنها لم تكن أوجبت حجًا ولا عمرة، وإنما نوت أن تعتمر، ولم تطف حَتَّى حاضت، فقال لها ما قال، يؤيده: خرجنا لا نرى إلا الحج، وقيل: كان من مذهبها أن المعتمر إذا أحل استباح ما يستبيحه الحاج إذا رمى جمرة العقبة، ووهاه الخطابي (٣). ------------ (١) جاء في هامش الأصل ما نصه: حاشية من خط الشيخ: لما ذكر ابن أبي حاتم حديث جابر قال: قال أبي: إنه منكر بهذا الإسناد يعني رواته عباد بن العوام، عن حجاج، عن أبي الزبير، عنه أنه - عليه السلام - جمع الحج والعمرة فطاف لهما طوافا واحدًا. (٢) «أعلام الحديث» ٢/ ٨٤٨. (٣) التخريج السابق. ومعنى «دعي العمرة» دعي العمل بها، أو دعي أعمالها حَتَّى تطوفي وتسعي للحج والعمرة طوافًا واحدًا. ومذهب عطاء، ومجاهد، والحسن، وطاوس: أن الطواف الواحد والسعي الواحد يجزآن القارن عن حجه وعمرته (١)، كما جاء في حديث عائشة، وبه قال مالك، وأحمد والشافعي، وإسحاق، ومحمد بن سيرين، وسالم، والزهري، وداود، وإسحاق، وأبو ثور. وعن الشعبي أن القارن يطوف طوافين، وهو قول أصحاب الرأي، وكذلك قال الثوري، وحكي أيضًا عن مجاهد، وجابر بن زيد، وشريح القاضي، والشعبي، ومحمد بن علي بن حسين، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، والأسود بن يزيد، والحسن بن حي، وحماد بن سلمة، وحماد بن أبي سليمان، والحكم بن عتيبة، وزياد بن مالك، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى، وحكي عن عمر، وعلي، وابنيه الحسن والحسين وابن مسعود، وإحدى الروايتين عن أحمد. وروى مجاهد، عن ابن عمر أنه جمع بين الحج والعمرة، وقال: سبيلهما واحد، وطاف طوافين، وسعى لهما سعيين، وقال: هكذا رأيت سيدنا رسول الله - ﷺ - يصنع كما صنعت. قال الدارقطني: لم يروه عن الحكم غير الحسن بن عمارة، وهو متروك (٢)، وعن علي أنه جمع بينهما، وفعل ذَلِكَ ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - فعل، ثم ضعف سنده (٣). --------- (١) رواها ابن أبي شيبة ٣/ ٢٨٠ (١٤٣١٧ - ١٤٣١٨، ١٤٣٢١، ١٤٣٢٥)، كتاب: الحج، باب: من قال: يجزئ للقارن طواف. (٢) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٥٨ كتاب: الحج، باب: المواقيت. (٣) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٦٣، باب: المواقيت. وكذا عن علقمة عن ابن مسعود قال: طاف رسول الله - ﷺ - لعمرته وحجته طوافين وسعى سعيين، وأبو بكر وعمر، وعلي، قال: علقمة، وابن مسعود. ورواه الدارقطني أيضًا من حديث عمران بن حصين وضعفه، وقال: الصواب بهذا الإسناد أنه - عليه السلام - قرن الحج والعمرة، وليس فيه ذكر الطواف ولا السعي (١). ثم ذكر عن علي مرفوعًا فيه أيضًا ذَلِكَ (٢). قال منصور: فذكرت ذَلِكَ لمجاهد، فقال: ما كنا نفتي إلا بطواف واحد، فأما الآن فلا نفعل (٣). وحديث الصبي بن معبد الماضي أنه فعل ذَلِكَ، لكنها من رواية النخعي عنه، وهو منقطع، قال ابن حزم: لم يدركه (٤). وفي «مصنف عبد الرزاق» مثله من حديث علي بإسناد ضعيف، ورواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رسول الله - ﷺ -. وقال ابن حزم: خبر ساقط لا يجوز الاحتجاج به، وكذا كل ما روي عنه في هذا، وكذا كل ما رووا عن الصحابة في ذَلِكَ لا يصح عنه ولا كلمة، ولكنه عن مجاهد، وجابر بن زيد، وشريح، والشعبي، ومحمد بن علي، والنخعي، وحماد بن أبي سليمان، والحكم بن عتيبة صحيح (٥)، وكذا قال ابن المنذر: الرواية عن علي لا تثبت؛ لأن راويها عن علي أبو نصر، وهو مجهول. ولو كان ثابتًا لكانت سنة رسول الله - ﷺ - أولى. ثم قد أسلفنا رواية عبد الرزاق عنه، وهو خلاف رواية أهل العراق عنه. --------- (١) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٦٤. (٢) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٦٣. (٣) المصدر السابق ٢/ ٢٦٥. (٤) «المحلى» ٧/ ١٧٦. (٥) المصدر السابق، بتصرف. العاشر: قولها: (فلما قضينا الحج أرسلني مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت) إنما عبرت بقضاء الحج؛ لأنه أتم النسكين. وفيه: أن الإحرام بالعمرة إنما يكون من الحل وأعمرها منه تطييبًا لنفسها يدل له «هذِه مكانُ عمرتك» برفع مكان على الخبر أي: عوض عمرتك الفائتة، وبالنصب على الظرف. قال بعضهم: والنصب أوجه، ولا يجوز غيره، والعامل فيه محذوف تقديره هذِه كائنة مكان عمرتك أو مجعولة مكانها. قال القاضي عياض: والرفع أوجه عندي إذ لم يرد به الظرف إنما أراد عوض عمرتك فمن قال: كانت قارنة، قال: مكان عمرتك التي أردت أن تأتي بها مفردة ومن قال: كانت مفردة. قال: مكان عمرتك التي فسخت الحج إليها، ولم تتمكني من الإتيان بها للحيض وكان ابتداء حيضها يوم السبت، لثلاث خلون من ذي الحجة بسرف وطهرت يوم السبت وهو يوم النحر (١). وقال ابن التين: يحتمل أن يريد أنها عمرة مفردة بالعمل مكان عمرتك التي أردت أن تفرديها به فلم تكمليها على ذَلِكَ. الحادي عشر: قولها: (فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم حلوا)، تريد: عند ورودهم للعمرة، قاله ابن التين. وقولها: (وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا) فيه دلالة على أنه لا يتكرر، وقد قدمنا ما فيه من الخلاف. ---------- (١) «إكمال المعلم» ٤/ ٢٣٤ - ٢٣٥. وفي «الموطأ»: وأما الذين أهلوا بالحج أو جمعوهما يحتمل أن يريد أنهم لم يطوفوا غير طواف واحد للقدوم وآخر للإفاضة، إن كانوا قرنوا قبل دخول مكة، وإن كانوا أردفوا بمكة فلم يطوفوا غير طواف واحد وهو طواف الإفاضة، ويحتمل أن يريد أنهم سعوا إليهما سعيا واحدًا، والسعي يسمى طوافًا، ويحتمل أن يريد طوافهم على صفة واحدة لم يزد القارن فيه على طواف المفرد (١). وذلك أن القارن لم يفرد العمرة بطواف وسعي، بل طاف لهما كما طاف المفرد للحج، وهذا نص في أنه لا يتعدد وقد سلف ما فيه. قال مالك في «الموطأ»: إذا دخلت مكة بعمرة، وهي حائض وخشيت الفوات أهلت بالحج، وكانت قارنة (٢). وذكر البخاري بعد هذا أن إذنه لعائشة بما ذكر كان في يوم عرفة. --------- (١) «الموطأ» ص ٢٦٥. (٢) «الموطأ» ص ٢٦٦. ٣٢ - باب مَنْ أَهَلَّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. ١٥٥٧ - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ - رضي الله عنه -: أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلِيًّا - رضي الله عنه - أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ. وَذَكَرَ قَوْلَ سُرَاقَةَ. [١٥٦٨، ١٥٧٠، ١٦٥١، ١٧٨٥، ٢٥٠٥، ٤٣٥٢، ٧٢٣٠، ٧٣٦٧ - مسلم: ١٢١٦ - فتح: ٣/ ٤١٦] ١٥٥٨ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الخَلاَّلُ الهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ: سَمِعْتُ مَرْوَانَ الأَصْفَرَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَدِمَ عَلِيٌّ - رضي الله عنه - عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - مِنَ اليَمَنِ، فَقَالَ: «بِمَا أَهْلَلْتَ؟». قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ -. فَقَالَ «لَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْىَ لأَحْلَلْتُ». وَزَادَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - «بِمَا أَهْلَلْتَ يَا عَلِيُّ؟». قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ: «فَأَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا كَمَا أَنْتَ». [مسلم: ١٢٥٠ - فتح: ٣/ ٤١٦] ١٥٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه - قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى قَوْمٍ بِاليَمَنِ فَجِئْتُ وَهْوَ بِالبَطْحَاءِ، فَقَالَ: «بِمَا أَهْلَلْتَ؟». قُلْتُ: أَهْلَلْتُ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «هَلْ مَعَكَ مِنْ هَدْيٍ؟». قُلْتُ: لَا. فَأَمَرَنِي فَطُفْتُ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ أَمَرَنِي فَأَحْلَلْتُ فَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي فَمَشَطَتْنِي، أَوْ غَسَلَتْ رَأْسِي، فَقَدِمَ عُمَرُ - رضي الله عنه - فَقَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ، قَالَ اللهُ: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الهَدْيَ. [١٥٦٥، ١٧٢٤، ١٧٩٥، ٤٣٤٦، ٤٣٩٧ - مسلم: ١٢٢١ - فتح: ٣/ ٤١٦] ذكر فيه حديث ابن جُرَيْجٍ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلِيًّا أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ. وَذَكَرَ قوْلَ سُرَاقَةَ. وَزَادَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ: قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «بِمَا أَهْلَلْتَ يَا عَلِيٍّ؟». قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ -. قَالَ: «فَأَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا كَمَا أَنْتَ». وحديث أنس قال: قدم علي على النبي - ﷺ - من اليمن، فقال: «بما أهللت» قلت: بما أهل به النبي - ﷺ -. قال: «لولا أن معي الهدي لأحللت». وحديث أبي موسى أنه قدم من اليمن مهلًا بما أهل به رسول الله - ﷺ -. الشرح: حديث ابن عمر المعلق أسنده في المغازي كما ستعلمه بعد (١). وحديث جابر أخرجه مسلم عن محمد بن حاتم، ثنا يحيى القطان، أنا ابن جريج، أخبرني عطاء سمعت جابرًا قال: قدم علي من سعايته فقال: «بم أهللت»؟ قال: بما أهل به النبي - ﷺ -. قال له: «فامكث حرامًا» الحديث (٢). وذكره البخاري أيضًا في باب: بعث النبي - ﷺ - علي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد من كتاب المغازي عن المكي بسنده (٣). وذكره في باب: عمرة التنعيم من حديث حبيب المعلم عن عطاء، حَدَّثَني جابر الحديث (٤). -------- (١) سيأتي برقم (٤٣٥٣) كتاب: المغازي، باب: بعث علي بن أبي طالب - عليه السلام -. (٢) «صحيح مسلم» (١٢١٦) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام. (٣) سيأتي برقم (٤٣٥٢). (٤) سيأتي برقم (١٧٨٥). وزيادة محمد بن بكر البرساني رواها أبو نعيم عن محمد بن أحمد، ثنا عمران بن موسى، ثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج به. وفي البخاري في كتاب الشركة من حديث حماد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، وفيه: فجاء علي فقال أحدهما يقول: لبيك بما أهل به رسول الله - ﷺ -، وقال الآخر: لبيك بحجة رسول الله، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يقيم على إحرامه وأشركه في الهدي (١). وذكر أصله من حديث ابن عباس بدون هذا، وخرجه في الباب السالف في المغازي من حديث بكر بن عبد الله المزني قال: ذكر لابن عمر، أن أنسًا حدثهم أن النبي - ﷺ - أهل بعمرة وحجة، فقال: أهل النبي - ﷺ - بالحج، وأهللنا به، فلما قدمنا مكة قال: «من لم يكن معه هدي فليجعلها عمرة» وكان مع النبي - ﷺ - هدي، فقدم علينا علي بن أبي طالب من اليمن حاجًّا، فقال النبي - ﷺ -: «بما أهللت، فإن معنا أهلك؟» قال: أهللت بما أهل به النبي - ﷺ -. قال: «فأمسك، فإن معنا هديًا» (٢) وقد ذكره مسلم بمعناه (٣). وقال الترمذي في حديث أنس: حسن غريب مشهور من حديث سليم -يعني بفتح السين- ابن حيان (٤). -------------- (١) سيأتي برقم (٢٥٠٥)، باب: الاشتراك في الهدي والبُدن. (٢) سيأتي برقم (٤٣٥٤). (٣) «صحيح مسلم» (١٢٣٢) كتاب: الحج، باب: الإفراد بالحج. (٤) «سنن الترمذي» (٩٥٦) كتاب: الحج، باب: ما جاء في الرخصة للرعاء أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا. وحديث أبي موسى (١) رواه البخاري عن محمد بن يوسف، ثنا سفيان. قال أبو مسعود الدمشقي: سفيان هذا هو الثوري، وإذا كان كذلك فمحمد هذا هو الفريابي، وكذا قاله أبو نعيم أيضًا، وأخرجه مسلم أيضًا (٢). أما حكم الباب: فيجوز أن يهل كإهلال زيد لقصة علي وأبي موسى في ذَلِكَ، فإن كان زيد محرمًا انعقد إحرامه كإحرامه إن حجا فحج، وإن عمرة فعمرة، وإن قرانًا فقران. وإن كان أحرم بنية التمتع كان عمرو محرمًا بعمرة، ولا يلزمه التمتع، إن كان مطلقًا انعقد مطلقا، ويتخير كما يتخير زيد، ولا يلزمه الصرف إلى ما يصرفه إليه زيد على الأصح وإن كان زيد أحرم مطلقًا ثم عينه قبل إحرام عمرو فالأصح أنه ينعقد إحرام عمرو مطلقًا. وقيل: معينا، وإن لم يكن زيد محرمًا انعقد إحرامه مطلقًا، ولنا وجه أنه إن علم عدم إحرام زيد لم ينعقد كما لو علق فقال: إن كان زيد محرمًا فقد أحرمت، فلم يكن محرمًا، والأصح: الانعقاد، والفارق بأنه جازم بالإحرام في مسألتنا، بخلاف ما إذا علق. وظاهر الحديث أنهما لم يعلما قبل بما أحرم به رسول الله - ﷺ -. وقال بعضهم: يحتمل الإعلام بذلك، وأنها حجة مفردة، ففعل علي كذلك. ------------ (١) ورد في هامش الأصل ما نصه: حديث أبي موسى أعاده في باب متى يحل المعتمر. (٢) مسلم (١٢٢١). وقال الخطابي: يحتمل أن يكون علي علم بأنه - عليه السلام - كان قارنًا؛ لأن الهدي لا يجب على غير القارن أو المتمتع، ولو كان متمتعًا لحل من إحرامه للعمرة، ثم استأنف إحرامًا للحج. فلما أمره أن يمكث حرامًا دل على أنه قارن (١). ويحتمل أن يكون على معنى الترقب، فلما وصل إلى رسول الله - ﷺ - أمضى له ذَلِكَ وكان أحرم بعمرة فلم يجز له أن يحل لمكان ما معه من الهدي، ذكره الداودي. فرع: قال الروياني في «بحره» عن والده: لو كان أحرم بإحرام زيد ثم تبين أنه كان ميتًا انعقد إحرامه، ويصرفه إلى ما أراد، وقيل: لا ينعقد. فرع: لو علق على إحرام زيد ولو في المستقبل، أو على طلوع الشمس فوجهان، والميل إلى الجواز. ولم يقل بقصة علي وأبي موسى مالك والكوفيون؛ أخذًا بظاهر قوله: «إنما الأعمال بالنيات» (٢) وقالوا: لا بد أن ينوي حجًا أو عمرة عند دخوله فيه، وقالوا: إذا نوى بحجته التطوع وعليه حجة الإسلام أنه لا يجزئه عنها، وبه قال الثوري، وإسحاق. وقال الشافعي: يجزئه عن حجة الإسلام، وتعود النافلة فرضًا لمن لم يؤد فرضه في الحج خاصة، كما يعود الإحرام بالحج قبل وقته (٣)، وإن نوى به الفريضة تطوعًا. ------------- (١) «أعلام الحديث» ٢/ ٨٥٠. (٢) سلف برقم (١). (٣) «الأم» ٢/ ١٠٤، «البيان» ٤/ ٥٨. قال ابن بطال: فيقال له: قد أجمعوا أن من صلى قبل الزوال أربعًا، إن نوى به الظهر أنها لا تجزئه، وهي تطوع، فكذا الحج (١). قُلْتُ: هذا لا يقال لمثل هذا الإمام، فإن الحج لا يقاس عليه. وقال ابن المنير في «تراجمه»: كأن البخاري لما لم ير إحرام التقليد ولا الإحرام المطلق ثم تعين بعد ذَلِكَ، أشار في الترجمة بقوله: باب: من أهل في زمن النبي - ﷺ - كإهلاله، إلى أن هذا خاص بذلك الزمن، فليس لأحد أن يحرم بما أحرم به فلان، بل لا بد أن يعين العبادة التي نواها ودعت الحاجة إلى الإطلاق، والحوالة على إحرامه - عليه السلام -؛ لأن عليًّا وأبا موسى لم يكن عندهما أصل يرجعان إليه في كيفية الإحرام، فأحالا على رسول الله - ﷺ -، وأما الآن فقد استقرت الأحكام، وعرفت مراتب كيفيات الإحرام، ومذهب مالك على الصحيح جواز ذَلِكَ، وأنه ليس خاصًا بذلك الزمن (٢). ثم اعلم أن حديث أنس موافق لرأي الجماعة في إفراده - عليه السلام -. قال المهلب: ويردُّ وهْمَ أنس أنه - عليه السلام - قرن، واتفاقه مع الجماعة أولى بالاتباع بما انفرد به وخالفهم فيه،. فتسويغ الشارع لنفسه: «لولا الهدي» يدل أنه كان مفردًا؛ لأنه لا يجوز للقارن الإهلال، حتى يفرغ من الحج؛ وأما قوله - عليه السلام -: «لولا أني سقت الهدي لأحللت» والمفرد لا يحل اليوم سواء كان معه هدي أو لم يكن، فإن معنى: «لأحللت»: لفسخت الحج في العمرة؛ لأن الفسخ كان مباحًا حينئذ --------------- (١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٣٤. (٢) انتهى كلام ابن المنير من «المتواري على تراجم أبواب البخاري» ص ١٣٦. وينظر لمذهب مالك: «التفريع» ١/ ٣١٥، و«عيون المجالس» ٢/ ٧٦٩، و«مواهب الجليل» ٣/ ٤٤٦. لمن لا هدي له، فجاز لهم الإحلال ووطء النساء قبل الشروع في عمل العمرة في وقت فسخهم الحج. فأما من كان معه هدي فلم يفسخ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقوله: «بم أهللت؟» قال ابن التين: ووقع في الأمهات بالألف، وصوابه بحذفها. وقوله: «فأهل» هو بهمزة قطع؛ لأنه أمر من الرباعي، وقوله: «وامكث» أي لأجل سوق الهدي، فإن من ساقه لم يحل حَتَّى يتم الحج كما فعل - ﷺ -. وفيه: استعمال علي على اليمن، وفي غير هذا الحديث أنه استُعمل على الصدقات ويحتمل أن يكون ولِيَها احتسابًا وأعطى عطاءه من غيرها. ومعنى قوله: «لولا أن معي الهدي لأحللت» حمله قوم على أن التمتع أفضل من الإفراد والقران، وهو قول الشافعي، وقاله أحمد، وإسحاق، وبعض متأخري المالكية (١) ----------- (١) قال الإمام مالك: الإفراد بالحج أحب إلى، انظر: «المدونة» ١/ ٢٩٥، «التفريع» ١/ ٣٣٥، وانظر لأقوال متأخري المالكية «الذخيرة» ٣/ ٢٨٥، وقال النووي في «روضة الطالبين»: وأفضلها: الافراد، ثم التمتع، ثم القرآن، هذا هو المذهب. والمنصوص في عامة كتبه. «الروضة» ٣/ ٤٤، وقال في «المجموع» ٧/ ١٥٨: الأصح تفضيل الإفراد ورجحه الشافعي والأصحاب وغيرهم، وقال العمراني في «البيان»: المشهور من المذهب: أن الإفراد والتمتع أفْضَلُ من القران. وفي الأفراد والتمتع قولان: أحدهما: أن الإفراد أفْضَلُ والثاني: أن التمتع أفضل. ثم ذكر العمراني قولًا ثالثًا للشافعي حكاه صاحب «الفروع» أن القرآن أفْضَلُ. ويقول العمراني: وإذا قلنا: إن الإفراد أفْضَلُ فإنما نريد به: إذا أتى بالحج، ثم أتى العمرة بعده، فأما إذا أتى بالحج دون العمرة … فالتمتع أفْضَلُ. وهذا هو الصحيح. «البيان» ٤/ ٦٦، وانظر قول الإمام أحمد في «المستوعب» ٤/ ٤٩، «المغني» ٥/ ٨٢، «المبدع» ٣/ ١١٩. وقيل: إن الحديث خرج على سبب، وهو أن الجاهلية كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج، فأباح ذَلِكَ الإسلام، وقيل: قاله تطييبًا لقلب أصحابه، وليتأسى به غيره في الرخصة، ولا يضيق على أمته؛ لأن بعض أصحابه كانوا لا يحبون أن يفعلوا إلا كفعله. وقوله: «لأحللت» يقال: أحل من إحرامه فهو محل، وحل أيضًا قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وقوله في حديث أبي موسى: فأمرني فطفت بالبيت، ثم أمرني فأحللت. هذا يخالف ما أمر به عليًا، وذلك أنه - عليه السلام - كان معه الهدي، وكذا علي، فشاركه علي في عدم التحلل، وأبو موسى لم يكن معه هدي فصار له حكم النبي - ﷺ - في الإحرام فقط؛ لأنه قال: «لولا الهدي لجعلتها عمرة وتحللت». قال ابن التين: ويشبه أن يكون أراد كإهلال النبي - ﷺ - أي: كما سَنَّه وعَيَّنَه من أنواع ما يحرم له، ولم يكن معه هدي، ولا اتساعَ لثمن الهدي، فأمر أن يحل بعمل عمرة إذا كان إهلاله بها مضى وعلي كان معه الهدي. وقيل: أمر أبا موسى بمنزلة ما أمر غيره ممن كان معه بفسخ العمرة إلى الحج إذ لا هدي معه. وقول عمر: (أن نأخذ بكتاب الله … إلى آخره) ظاهره أن من أنشأ حجًّا ليس له فسخه في عمرة من أجل الهدي؛ تعظيمًا لحرمات الله، وتأول قوم أنه - عليه السلام - كان نهى عن التمتع بالعمرة إلى الحج. وهذا تأويل من لا يعرف؛ لأن التمتع ثابت بنص الكتاب والسنة، وروي عنه أن ذَلِكَ خاص بذلك العام كما سلف إباحته؛ ردًّا لقول الجاهلية إن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور. وقوله: (فقدم عمر)، يعني: إذ حج بالناس في خلافته ومعنى الأمر بالتمام في الآية أن من أهل بشيء فليتم ما بدأ به ولا يفسخه، وفي أحاديث الباب دلالة لما ذهب إليه أبو حنيفة وأحمد من أن المعتمر المتمتع إذا كان معه هدي لا يتحلل من عمرته حَتَّى ينحر هديه يوم النحر. ومذهب الشافعي، ومالك أنه إذا طاف، وسعى، وحلق حل من عمرته وحل له كل شيء في الحال سواء كان ساق هديًا أم لا (١) (٢). ------------- (١) انظر: «مختصر الطحاوي» (٧٢)، «الهداية» ١/ ٢٠١، «التفريع» ١/ ٣٣٤، «عيون المجالس» ٢/ ٧٨١، «روضة الطالبين» ٣/ ٥٢، «المجموع» ٧/ ١٨٣، «البيان» ٤/ ٤٢٢، «المستوعب» ٤/ ٣٦٧، «المغني» ٥/ ٣٠٠، «المبدع» ٣/ ٢٤١. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الخامس بعد العشرين، كتبه مؤلفه. ٣٣ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وقوله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالحَجِّ﴾ [البقرة: ٨٩] وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَشْهُرُ الحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو القَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِى الحَجَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِالحَجِّ إِلاَّ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ. وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ. ١٥٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، سَمِعْتُ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَلَيَالِي الحَجِّ وَحُرُمِ الحَجِّ، فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ، قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ فَلَا». قَالَتْ: فَالآخِذُ بِهَا وَالتَّارِكُ لَهَا مِنْ أَصْحَابِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَرِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَانُوا أَهْلَ قُوَّةٍ، وَكَانَ مَعَهُمُ الهَدْيُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى العُمْرَةِ قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَنَا أَبْكِى فَقَالَ «مَا يُبْكِيكِ يَا هَنْتَاهْ؟». قُلْتُ سَمِعْتُ قَوْلَكَ لأَصْحَابِكَ فَمُنِعْتُ العُمْرَةَ. قَالَ «وَمَا شَأْنُكِ؟». قُلْتُ: لَا أُصَلِّي. قَالَ: «فَلَا يَضِيرُكِ، إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ كَتَبَ اللهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ، فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ، فَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا». قَالَتْ: فَخَرَجْنَا فِي حَجَّتِهِ حَتَّى قَدِمْنَا مِنًى فَطَهَرْتُ، ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ مِنًى فَأَفَضْتُ بِالبَيْتِ، قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجَتْ مَعَهُ فِي النَّفْرِ الآخِرِ حَتَّى نَزَلَ المُحَصَّبَ، وَنَزَلْنَا مَعَهُ، فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: «اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الحَرَمِ، فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ افْرُغَا، ثُمَّ ائْتِيَا هَا هُنَا، فَإِنِّي أَنْظُرُكُمَا حَتَّى تَأْتِيَانِي». قَالَتْ: فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ، وَفَرَغْتُ مِنَ الطَّوَافِ ثُمَّ جِئْتُهُ بِسَحَرَ فَقَالَ: «هَلْ فَرَغْتُمْ؟». فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَآذَنَ بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَارْتَحَلَ النَّاسُ فَمَرَّ مُتَوَجِّهًا إِلَى المَدِينَةِ. ضَيْرُ: مِنْ ضَارَ يَضِيرُ ضَيْرًا، وَيُقَالُ: ضَارَ يَضُورُ ضَوْرًا، وَضَرَّ يَضُرُّ ضَرًّا. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٤١٨] ثم ذكر حديث عائشة: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَلَيَالِي الحَجَّ وَحُرُمِ الحَجِّ .. الحديث بطوله. ![]()
__________________
|
|
#313
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (11) من صـــ 211 الى صـــ 230 الحلقة (313) أما الآية الأولى فقال الفراء في «معانيه»: معناها: وقت الحج هذِه الأشهر، فهي وإن كانت (في) تصلح فيها، فلا يقال إلا بالرفع، وكذلك كلام العرب، يقولون: البرد شهران، والحر شهران، لا ينصبون؛ لأنه مقدار الحج. ولو كانت الأشهر والشهر معرفة على هذا المعنى لصلح فيه النصب، ووجه الكلام الرفع، والمعلومات: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وإنما جاز أن يقال: أشهر، وإنما هما شهران وعشر من ثالث؛ لأن العرب إذا كان الوقت لشيء يكون فيه الحج وشبهه جعلوه في التسمية للثلاثة أو الاثنين، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وإنما يتعجل في يوم ونصف، وكذلك هو في اليوم الثالث من أيام التشريق ليس (معها) (١) شيء تام، وكذلك تقول العرب له اليوم يومان منذ لم أره، وإنما هو يوم وبعض آخر، وهذا ليس بجائز في غير المواقيت (٢). ------------ (١) كذا في الأصل، وفي «معاني القرآن»: منها. (٢) انتهى بتصرف من «معاني القرآن» للفراء ١/ ١١٩. قُلْتُ: ومثله ثلاثة قروء، وقد يطلقها في آخر الطهر فيكون قرءان، والطعن في الثالث من الحيض. وقال ابن المنذر: كان الفراء يقول: معناه: وقت الحج أشهر معلومات. وقال غيره: تأويله أن الحج في أشهر معلومات. وقال الزجاج في «معانيه»: قال أكثر الناس: إن أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. وقال بعضهم: لو كانت المشهور التي هي أشهر الحج شوالًا، وذا القعدة لما جاز للذي منزله بينه وبين مكة مسافة أكثر من هذِه المشهور أن يفرض على نفسه الحج، وهذا حقيقته عندنا، أنه لا ينبغي للإنسان أن يبتدئ بعمل من أعمال الحج قبل هذا الوقت، نحو الإحرام؛ لأنه إذا ابتدأ قبل هذا الوقت أضر بنفسه، فأمر الله تعالى أن يكون أقصى الأوقات الذي ينبغي للمرء أن لا يتقدمها في عقد فرض الحج على نفسه شوالًا. وقال بعض أهل العلم: معنى الحج إنما هو في السنة في وقت بعينه، وإنما هو في الأيام التي يأخذ الإنسان فيها في عمل الحج؛ لأن العمرة في طول السنة، فينبغي له في ذَلِكَ الوقت أن لا يرفث ولا يفسق. وقوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] قال ابن عباس: التلبية (١)، وقد سلف بالخُلف فيه في بابها. وقال الضحاك: هو الإحرام. وقال عطاء: من أهل فيهن بالحج قال: والفرض: التلبية؛ وكذا قال الزهري وإبراهيم وطاوس وابن مسعود وابن الزبير كما سلف، ونقل ابن التين عن ابن مسعود وابن عمر معنى ﴿فَرَضَ﴾: لبّى. ---------- (١) «أحكام القرآن» للجصاص ١/ ٣٨٢. وعن ابن عباس: أحرم (١)، وحقيقته أوجب فيهن. والرفث: الجماع، والفسوق: المعاصي. والجدال: المراء حَتَّى يغضب صاحبه، قاله ابن عباس وابن عمر وعطاء. وقال مجاهد: ﴿وَلَا جِدَالَ﴾: لا شك فيه أنه في ذي الحجة (٢)، بخلاف ما يعتقده من النسئ، وأن الحج في غير ذي الحجة، ويقف بعضهم -وهم قريش- بالمزدلفة، وبعضهم بعرفة، ويتمارون في ذَلِكَ، فقال - عليه السلام -: «إن الزمان قد استدار كيوم خلق الله السموات والأرض، وإن الحج في ذي الحجة» (٣). وقال أبو عمر: وأراد: فلا يكون رفث ولا فسوق أي: حَتَّى يخرج من الحج. ثم ابتدأ فقال: ﴿وَلَا جِدَالَ﴾، وأما الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩] قال الواحدي (٤)، عن معاذ: يا رسول الله، إن اليهود تغشانا، ويكثرون مسألتنا، فأنزل الله الآية. وقال قتادة: ذكر لنا أنهم سألوا نبي الله: لم خلقت هذِه الأهلة؟ فنزلت (٥). وقال الكلبي: نزلت في معاذ وثعلبة بن عنمة الأنصاريين. قال: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو دقيقًا مثل الخيط ثم يزيد حَتَّى ينقص؛ فنزلت (٦). ---------------- (١) روى هذِه الآثار الطبري في «تفسيره» ٢/ ٢٧١ - ٢٧٣، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ١/ ٣٤٦. (٢) رواها الطبري في «تفسيره» ٢/ ٢٧٣ - ٢٨٦، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ١/ ٣٤٦ - ٣٤٩. (٣) سيأتي برقم (٤٦٦٢) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ﴾. (٤) «أسباب النزول» ص ٥٥. (٥) المصدر السابق ص ٥٥. (٦) «أسباب النزول» ص ٥٥ - ٥٦. وقال الزجاج: أخبرني من أثق به من رواة البصريين والكوفيين أن الهلال سمي هلالًا؛ لرفع الصوت بالإخبار عنه. وقال بعضهم: يسمى بذلك لليلتين من الشهر، ثم لا يسمى هلالًا إلى أن يعود في الشهر الثاني، وهو الأكثر. وقال بعضهم: يسمى هلالًا ثلاث ليال، ثم قمرًا. وقال بعضهم: يسمى هلالًا إلى أن يستدير. وقيل: إلى أن يبهر ضوؤه سواد الليل، ثم قمر، وهذا لا يكون إلا في الليلة السابعة. وجمعه أهلة لأدنى العدد وأكثره، ولا يقال: هلَّ. وحكي أيضًا (١)، وقيل: هلَّ: طلع. وأما أثر ابن عمر، فأخرجه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عنه (٢). وأخرجه البيهقي من حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع، عنه. قال البيهقي: وروي ذَلِكَ أيضًا عن ابن عمر عن أبيه (٣). وهو قول ابن مسعود وابن الزبير. وقال ابن المنذر: اختلف عن ابن عمر وابن عباس في ذَلِكَ، فروي عنهما كما قال ابن مسعود، وروي عنهما أنها ثلاثة كاملة. قُلْتُ: وهو ما ذكره البخاري عن ابن عباس في باب قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] كما سيأتي (٤)، وفي ليلة النحر عندنا وجه، ----------- (١) ورد في هامش الأصل ما نصه: قال ابن دريد في «الجمهرة»: وقال أبو زيد: هلّ الهلال. (٢) «المصنف» ٣/ ٢١٤ كتاب: الحج، باب: قوله تعالى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ما هذِه الأشهر. (٣) «السنن الكبرى» ٤/ ٣٤٢ كتاب: الحج، باب: بيان أشهر الحج. (٤) انظر ما سيأتي برقم (١٥٧٢). وفي قول أن ذا الحجة كله وقت للإحرام، وهو شاذ (١)، وحُكي عن مالك وعمر. وحكى ابن حبيب عنه كالأول، وحكى القرطبى عنه: آخر أيام التشريق (٢). قال ابن القصار: والأول هو المشهور عنه (٣). وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في جماعة من الصحابة والتابعين بالأول (٤). فلو أحرم به في غير وقته انعقد عمرة على الصحيح، وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد وأبو ثور (٥)، ونقله الماوردي، عن عمر وابن مسعود وجابر وابن عباس. وقيل: لا ينعقد عمرة بل يتحلل بعملها (٦)، ونقله ابن المنذر عن الأوزاعي وأحمد وإسحاق. وقال داود: لا ينعقد أصلًا (٧). وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد والنخعي وأهل المدينة والثوري: يجوز قبله بكراهة (٨). ------------- (١) قال النووي رحمه الله: أما الميقات الزماني، فوقت الإحرام بالحج: شوال، وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة. آخرها آخر ليلة النحر، وفي وجه: لا يجوز الإحرام في ليلة النحر، وهو شاذ مردود، وحكى المحاملى قولًا عن «الإملاء»: أنه يصح الإحرام به في جميع ذي الحجة، وهو أشذ وأبعد. «روضة الطالبين» ٣/ ٣٧. (٢) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٤٠، «تفسير القرطبي» ٢/ ٣٨٢. (٣) انظر: «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٣٦. (٤) انظر: «تبيين الحقائق» ٢/ ٤٩، «أحكام القرآن» للشافعي ١/ ١١٤ - ١١٥، «مختصر المزني» ٢/ ٤٦، «الإقناع» للحجاوي ١/ ٥٥٥. (٥) انظر: «البيان» ٤/ ٦١ - ٦٢، «المجموع» ٧/ ١٣١، ١٣٣. (٦) وهو القول القديم للشافعي، انظر: «البيان» ٤/ ٦٢. (٧) انظر: «المجموع» ٧/ ١٣٣. (٨) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ٥٩، «المدونة» ١/ ٢٩٦، «المغني» ٥/ ٧٤. وفائدة الخلاف تعلق الدم عن آخر طواف الإفاضة على الزمن الذي هو عنده آخر الأشهر. احتج من منع بقوله تعالى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] فلو انعقد الإحرام بالحج في غيرها لم يكن لتخصيصها فائدة، وبحديث الباب. واحتج من ألزم بأن ذكر الله في هذِه الأشهر إنما معناه عندهم على التوسعة والرفق بالناس، والإعلام بالوقت الذي فيه يتأدى الحج، فأخبرهم تعالى بما يقرب منه، وبين ذَلِكَ نبيه بقوله: «الحج عرفة» (١) وبنحره يوم النحو، ورميه الجمار في ذَلِكَ اليوم، فمن ضيق على نفسه وأحرم به قبل أشهره فهو في معنى من أحرم من بلده قبل الميقات، ويعضده قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولم يخص محرمًا من محرم، ولا يمتنع أن يجعل الله الأشهر كلها وقتًا لجواز الإحرام فيها، ويجعل شهور الحج وقتًا للاختيار، وأثر ابن عباس أخرجه البيهقي من حديث يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن الحجاج، عن الحكم، عن أبي القاسم -يعني: مقسمًا مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل- عن ابن عباس به (٢). وأخرجه الحاكم في «مستدركه» بلفظ: لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج ثم قال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، وقد جرت فيه مناظرة بيني وبين ------------ (١) ذكره المصنف -رحمه الله- من حديث عبد الرحمن بن يعمر في شرح الحديث الآتي برقم (١٦٦٥) باب: الوقوف بعرفة، وهناك يأتي تخريجه باستفاضة، فانظره غير مأمور. (٢) «السنن الكبرى» ٤/ ٣٤٣ كتاب: الحج، باب: لا يعمل بالحج في غير أشهر الحج. شيخنا أبي محمد السبيعي قال: فقال: إنما رواه الناس عن أبي خالد عن ابن أرطاة، عن الحكم فمن أين جاء به شيخكم علي بن حماد، ثَنَا محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا أبو كريب، ثنا أبو خالد، عن شعبة، عن الحكم؟! فقلت له: تأمل ما تقول، فإن شيخنا أتى بالإسنادين جميعًا، فكأنما ألقمته حجرًا (١). قُلْتُ: وهو قول جابر بن عبد الله كما سلف. وقوله: (وكره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان). روى ابن أبي شيبة، عن عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن أن ابن عباس: أحرم من خراسان، فعاب عليه عثمان وغيره، وكرهوه (٢)، وبالكراهة قال مالك أيضًا، خلافًا للشافعي (٣). وعن مالك: يكره لمن قرب؛ لأنه يتعمد مخالفة التوقيت، بخلاف من بَعُدَ لغرض استدامة الإحرام (٤)، وهذا كتقدم رمضان بيوم أو يومين، بخلاف من صام شعبان كله. وقولها: (في أشهر الحج، وليالي الحج، وحرم الحج). ذكرته تفخيمًا وتعظيمًا، ولذلك أتت بالظاهر مكان المضمر. وقولها: (وحرم الحج)، قال صاحب «المطالع»: هو بضمها كذا لهم، وضبطه الأصيلي بفتح الراء كأنه الأوقات والمواضع والأشياء والحالات، وضم الراء جمع حرمة، أي ممنوعات الشرع ومحرماته، وفي هذا الموضع بينت أن الأمر بالفسخ كان بسرف، وأنها أرادت -------------- (١) «المستدرك» ١/ ٤٤٨ كتاب: المناسك. (٢) «المصنف» ٣/ ١٢٣ (١٢٦٩١) كتاب: الحج. (٣) انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٠٥، «البيان» ٤/ ١١١. (٤) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٣٦، «المنتقى» ٢/ ٢٠٥. فسخ الحج فمنعت. قال عياض: والذي تدل عليه نصوص الأحاديث في الصحيحين وغيرهما إنما قال لهم - عليه السلام - بعد إحرامه بالحج، ويحتمل أنه كرر الأمر بذلك في موضعين، وأن العزيمة كانت آخرًا حين أمرهم بالفسخ إلى العمرة (١). وقال المهلب: إنما ذكرت عائشة المآل؛ لأن سرف أول حدود مكة، وكانوا أحرموا بالحج أولًا، فإنه قال: «من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة» ولو كانت قرانًا لقال: فليجعلهما، وإنما أمر بالفسخ من أفرد لا من قرن، ولا من أهل بعمرة؛ لأنه أمرهم كلهم أن يجعلوها عمرة ليتمتعوا بالعمرة إلى الحج. وقولها: (حَتَّى قدمنا منى فطهرت) تريد: ثاني يوم النحو؛ لأن أيام منى ثلاثة بعد النحو. وقوله: («يا هنتاه») أي: يا هذِه، قال صاحب «العين»: إذا أدخلوا التاء في هن، فتحوا النون فقالوا: يا هنة، وإن زادوا التاء سكنوا النون فقالوا: يا هنتاه، ويا هنتوه. وقال أبو حاتم: يقال للمرأة: ياهنت أقبلي استخفافًا، فإذا ألحقت الزوائد قُلْتَ: يا هناه، للرجل، ويا هنتاه، للمرأة. وقال أبو زيد: تلقى الهاء في الدرج، فيقال: يا هناه (٢). وقال ابن التين: ضبط في زوائد أبي ذر بإسكان النون، وفي رواية أبي الحسن بفتحها، وهكذا هو في «الصحاح» (٣). وقال: هو اسم يلزمه النداء مثل قوله: يا هذِه، من غير أن يراد به ---------- (١) انظر: «إكمال المعلم بفوائد مسلم» ٤/ ٢٣٧. (٢) «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٨٠٢. (٣) «الصحاح» ٦/ ٢٥٣٦. مدح ولا ذم، وقال ابن الأثير: تضم الهاء الأخيرة، وتسكن، وفي التثنية هنتان، وفي الجمع هنات، وفي المذكر هن وهنان وهنون، ولك أن تلحقها الهاء لبيان الحركة، فتقول: يا هذه، وأن تشبع الحركة فتصير ألفًا، فتقول: يا هناه، ولك ضم الهاء فتقول: يا هُناه أقبل (١). وقال أبو نصر: هذِه اللفظة مختصة بالنداء، وقيل: معنى يا هنتاه: يا بلهاء. كأنها نُسبت إلى قلة المعرفة بمكائد الناس وشرورهم. وقوله: («من أحب أن يجعلها عمرة فعل») ظاهره التخيير، ولذلك كان منهم الآخذ والتارك، لكن لما ظهر منه - عليه السلام - العزم حين عصته، قالوا: تحللنا وسمعنا وأطعنا، وكان ترددهم لأنهم ما كانوا يرون العمرة في أشهر الحج جائزة، فبين لهم جواز ذَلِكَ. وقولها: (فمنعت العمرة): كذا هنا وفي بعض روايات مسلم (٢)، وفي بعضها: سمعت كلامك مع أصحابك فتمتعت بالعمرة. قال عياض: والأول هو الصواب (٣). ومعنى: («لا يضيرك»): لا يضرك، وفي بعض نسخ البخاري: «لا ضير» من ضار يضير ضيرًا، ويقال: ضار يضور ضورًا، وضر يضر ضرًّا. وقولها: (حَتَّى نزل المُحَصب) هو بضم الميم وفتح الحاء، وفيه لغة أخرى: الحِصَاب بكسر الحاء. قال أبو عبيد: هو من حدود خيف بني كنانة، وحده من الحجون ذاهبًا إلى منى، وهو بطحاء مكة، وقال في --------- (١) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٥/ ٢٧٧ - ٢٧٨. (٢) «صحيح مسلم» برقم (١٢١١) - ١٢٣ كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام. (٣) «إكمال المعلم بفوائد مسلم» ٤/ ٢٤٧. موضع آخر: هو الخيف، وهو إلى منى أقرب، وهو الأبطح وبطحاء مكة (١)، وقال غيره: هو اسم لما بين الجبلين إلى المقبرة. وقال ياقوت: هو غير المحصب، موضع رمي الجمار بمنى (٢)، قالت عائشة: إنما نزله رسول الله - ﷺ -؛ لأنه كان أسمح لخروجه. وسيأتي (٣). زاد مسلم: وليس بسنة (٤)، وفيه عن أبي رافع -وهو من أفراده-: لم يأمرني رسول الله - ﷺ - أن أنزله حين خرج من منى، ولكن ضربت قبة فجاء فنزل، وكان علي ثقل النبي - ﷺ - (٥). وزعم ابن حبيب أن مالكًا كان يأمر بالتحصيب، ويستحبه (٦). وقال أبو حنيفة: سنة (٧)، وبه قال النخعي وطاوس وابن جبير (٨). وقال ابن المنذر: كان ابن عمر يراه سنة، وقال نافع: حصب النبي - ﷺ - والخلفاء بعده، أخرجه مسلم (٩) [و] (١٠) كما قال مالك قال الشافعي (١١). ------------ (١) انظر: «غريب الحديث» ٢/ ١٠٨ بتصرف. (٢) «معجم البلدان» ٥/ ٦٢. (٣) برقم (١٧٦٥) كتاب: الحج، باب: المحَصَّب. (٤) «صحيح مسلم» (١٣١١) كتاب: الحج، باب: استحباب النزول بالمحصب يوم النفر، والصلاة به. (٥) «صحيح مسلم» (١٣١٣). (٦) انظر: «المنتقى» ٣/ ٤٤. (٧) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٦٠، «تبيين الحقائق» ٢/ ٣٦. (٨) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٨٤ (١٣٣٣٩ - ١٣٣٤١) كتاب: الحج، باب: في التحصيب، من كان يحصب. (٩) «صحيح مسلم» ١٣١٠/ ٣٣٨. (١٠) زيادة يقتضيها السياق. (١١) انظر: «المنتقى» ٣/ ٤٤. وقال عياض: هو مستحب عند جميع العلماء، وهو عند الحجازيين أوكد منه عند الكوفيين، وأجمعوا أنه ليس بواجب (١)، وعند الميموني: ثنا خالد عن ابن خداش، ثنا ابن وهب، أنا عمرو، عن قتادة عن أنس أن رسول الله - صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمحصب، ورقد رقدة، ثم نفذ إلى البيت وطاف به (٢)، قال: فقلت لأحمد: لم كتبت هذا؟ قال: إسناد غريب. --------- (١) «إكمال المعلم» ٤/ ٣٩٣. (٢) سيأتي برقم (١٧٥٦) كتاب: الحج، باب: طواف الوداع. ٣٤ - باب التَّمَتُّعِ وَالإِقْرَانِ وَالإِفْرَادِ بِالحَجِّ، وَفَسْخِ الحَجِّ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ ١٥٦١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَلَا نُرَى إِلاَّ أَنَّهُ الحَجُّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا بِالبَيْتِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ، فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الهَدْيَ، وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ فَأَحْلَلْنَ، قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: فَحِضْتُ فَلَمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ. فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ. قَالَ: «وَمَا طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ؟». قُلْتُ: لَا. قَالَ: «فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ ثُمَّ مَوْعِدُكِ كَذَا وَكَذَا». قَالَتْ صَفِيَّةُ: مَا أُرَانِي إِلَّا حَابِسَتَهُمْ. قَالَ: «عَقْرَى حَلْقَى، أَوَمَا طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟». قَالَتْ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: «لَا بَأْسَ، انْفِرِي». قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ، وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا، أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ وَهْوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٤٢١] ١٥٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالحَجِّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالحَجِّ أَوْ جَمَعَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، لَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٤٢١] ١٥٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا رضي الله عنهما، وَعُثْمَانُ يَنْهَى عَنِ المُتْعَةِ، وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ، أَهَلَّ بِهِمَا: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، قَالَ: مَا كُنْتُ لأَدَعَ سُنَّةَ النَّبِيِّ - ﷺ - لِقَوْلِ أَحَدٍ. [١٥٦٩ - فتح: ٣/ ٤٢١] ١٥٦٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ العُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الفُجُورِ فِي الأَرْضِ، وَيَجْعَلُونَ المُحَرَّمَ صَفَرًا، وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ، وَعَفَا الأَثَرْ، وَانْسَلَخَ صَفَرْ، حَلَّتِ العُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ، قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الحِلِّ؟ قَالَ: «حِلٌّ كُلُّهُ». [انظر: ١٠٨٥ - مسلم: ١٢٤٠ - فتح: ٣/ ٤٢٢] ١٥٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه - قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -. فَأَمَرَهُ بِالحِلِّ. [انظر: ١٥٥٩ - مسلم: ١٢٢١ - فتح: ٣/ ٤٢٢] ١٥٦٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ - رضي الله عنهم - زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ». [١٦٧٩، ١٧٢٥، ٤٣٩٨، ٥٩١٦ - مسلم: ١٢٢٩ - فتح: ٣/ ٤٢٢] ١٥٦٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَمْرَةَ نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ الضُّبَعِيُّ قَالَ: تَمَتَّعْتُ فَنَهَانِي نَاسٌ، فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، فَأَمَرَنِي، فَرَأَيْتُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ رَجُلًا يَقُولُ لِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ وَعُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ. فَأَخْبَرْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: سُنَّةَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ لِي: أَقِمْ عِنْدِي، فَأَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي. قَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْتُ: لِمَ؟ فَقَالَ: لِلرُّؤْيَا الَّتِي رَأَيْتُ. [١٦٨٨ - مسلم: ١٢٤٢ - فتح: ٣/ ٤٢٢] ١٥٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ قَالَ: قَدِمْتُ مُتَمَتِّعًا مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ، فَدَخَلْنَا قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ لِي أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: تَصِيرُ الآنَ حَجَّتُكَ مَكِّيَّةً. فَدَخَلْتُ عَلَى عَطَاءٍ أَسْتَفْتِيهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ سَاقَ البُدْنَ مَعَهُ، وَقَدْ أَهَلُّوا بِالحَجِّ مُفْرَدًا، فَقَالَ لَهُمْ: "أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِطَوَافِ البَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا ثُمَّ أَقِيمُوا حَلَالًا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَهِلُّوا بِالحَجِّ، وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً». فَقَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الحَجَّ؟ فَقَالَ: «افْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ، فَلَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الذِي أَمَرْتُكُمْ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ». فَفَعَلُوا. [انظر: ١٥٥٧ - مسلم: ١٢١٦ - فتح: ٣/ ٤٢٢] ١٥٦٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَعْوَرُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قَالَ: اخْتَلَفَ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ رضي الله عنهما وَهُمَا بِعُسْفَانَ فِي المُتْعَةِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَنْهَى عَنْ أَمْرٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا [انظر: ١٥٦٣ - مسلم: ١٢٢٣ - فتح: ٣/ ٤٢٣] ذكر فيه تسعة أحاديث: أحدها: حديث الأسود، عَنْ عَائِشَةَ: خَرَجْنَا مَعَ رسول الله - ﷺ - وَلَا نُرى إِلَّا الحَجُّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا بِالبَيْتِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ .. الحديث. وقوله في الترجمة: (والإقران) كذا في الأصول، وفي بعض النسخ: (والقران). قال ابن التين: والإقران غير ظاهر؛ لأن فعله ثلاثي، وصوابه: القرآن، وهو مصدر من قرن بين الحج والعمرة، إذا جمع بينهما بنية واحدة وتلبية واحدة، وهو قارن، ومضارعه بكسر الراء، وسيأتي في البيوع نهي النبي - ﷺ - عن الإقران في التمر (١). وفي «المحكم» و«الصحاح» في المضارع ضم الراء (٢)، وفي «المشارق»: لا يقال: أقرن، وكذا في قرآن التمر (٣). والتمتع هو أن يحرم الآفاقي ------------ (١) برقم (٢٤٨٩) كتاب: الشركة، باب: القرآن في التمر بين الشركاء. (٢) «المحكم» ٦/ ٢٢١، «الصحاح» ٦/ ٢١٨١. (٣) «مشارق الأنوار» ٢/ ١٧٩. بالعمرة، ويفرغ من أعمالها ثم ينشئ حجًّا من مكة. قال ابن سيده: المتعة -بضم الميم وكسرها-: العمرة إلى الحج، وقد تمتع واستمتع (١). وقال القزاز: المتعة، وفسرها كما ذكرناه أولًا، وهو معنى الآية، قال: والتمتع أيضًا: أن يضم الرجل عمرة إلى حجة، ومعنى (إلى) هنا بمعنى: (مع). وقال عياض: هي جمع غير المكي بينهما في أشهر الحج في سفر واحد (٢). وقال ابن الأثير: هي الترفق بأداء النسكين على وجه الصحة في سفرة واحدة من غير أن يلم بأهله إلمامًا صحيحًا، سمي بذلك لسقوط أحد السفرين عنه؛ ولهذا لم يتحقق من المكي إذ ليس من سائر الإحرام من الميقات ولا السفر. وقيل: سمي تمتعًا؛ لأنهم يتمتعون بالنساء والطيب بين الحج والعمرة، قاله عطاء وآخرون (٣)، وهو جائز إلا ما روي عن عمر وعثمان أنهما كانا ينهيان عن التمتع (٤)، وقيل: كان نهي تنزيه، وقيل: إنما نهيا عن فسخ الحج إلى العمرة؛ لأن ذَلِكَ كان خاصًّا بالصحابة، وكذا كان معتقد الصحابة أنه خاص بهم في تلك السنة، وذهب أحمد إلى جواز فسخ الحج إلى العمرة (٥). وقال ابن حزم: كل من أحرم مفردًا أو قارنًا ولم يسق الهدي حل بعمرة شاء أو أبي (٦). ---------- (١) «المحكم» ٢/ ٤٧. (٢) «إكمال المعلم» ٤/ ٢٦٣. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٤٣١ (١٥٨٣٥) كتاب: الحج، باب: في المتعة؛ لأي شيء سميت المتعة. (٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٥٥ (١٣٠٣٣) كتاب: الحج، باب: العمرة في أشهر الحج. (٥) انظر: «المغني» ٥/ ٢٥١ - ٢٥٥. (٦) «المحلى» ٧/ ٩٩. والإفراد: أن يحرم بالحج وحده ثم يفرغ من أعماله، ثم يحرم بالعمرة، ثم يفرغ منها. وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي أن يدخل العمرة على الحج كما ستعلمه. وقولها: (لا نرى إلا الحج): ضبط بفتح النون، وضمها حكاه ابن التين. وقال القرطبي: أي نظن، وكان هذا قبل أن يعلمن بأحكام الإحرام وأنواعه (١)، وقيل: يحتمل أن ذَلِكَ كان اعتقادها من قبل أن تهل، ثم أهلت بعمرة، ويحتمل أن تريد بقولها: (لا نرى) حكاية عن فعل غيرها من الصحابة، وهم كانوا لا يعرفون إلا الحج، ولم يكونوا يعرفون العمرة في أشهر الحج، فخرجوا محرمين بالذي لا يعرفون غيره. وزعم عياض أنها كانت أحرمت بالحج ثم بالعمرة ثم بالحج (٢)، ويدل على أن المراد بقولها: (لا نرى إلا الحج)، عن فعل غيرها. وقولها: (فلما قدمنا تطوفنا بالبيت): تعني بذلك رسول الله - ﷺ -، والناس غيرها؛ لأنها لم تطف بالبيت ذَلِكَ الوقت؛ لأجل حيضها. قال أبو عبد الملك: قولها: (فلما قدمنا تطوفنا بالبيت، فأمر النبي من لم يكن ساق الهدي). معناه: أمر النبي - ﷺ - بسرف من لم يكن ساق الهدي أن يحل، فتطوفنا. وظاهر الحديث خلافه فإن العطف بالفاء يقتضي التعقيب فثبت أن الأمر كان بعد الطواف، وقيل: معناه: أمر المعتمر أن يحل من عمرته، ومن معه هدي أحرم بحج، فكذلك لم يحل من حجه. وسيأتي في رواية: (فأما من أهل بعمرة فقد حل). -------- (١) «المفهم» ٣/ ٣١٦. (٢) «إكمال المعلم» ٤/ ٢٣١. وقيل: يحتمل أن يريد من ظن أنه سيؤمر أن يردف الحج على العمرة، ولا يحل حَتَّى يحل منهما جميعًا، أمر من لم يكن معه هدي من هذا الصنف من الناس أن يحل من عمرته ثم يحرم بالحج، فيكون متمتعًا، وخص بمن لا هدي معه؛ لأن من معه هدي مقلد لينحر بمنى في حجة لا يحل حَتَّى ينحر للآية، فمن معه هدي بقي على إحرامه، وأردف الحج عليها؛ لئلا يحل قبل بلوغ الهدي محله. وقيل: يحتمل أنه لما أمر بالقران من معه هدي أمر نساءه أن يهللن بعمرة، وأن يحللن منها وأخبر أنه لو لم يسق الهدي لحل؛ فدل هذا أنه أراد التيسير على أمته. وفي قولها: (لا نرى إلا الحج) تضعيف قول من قال: إنه أحرم إحرامًا مطلقًا ينتظر ما يؤمر به. وقولها: (وقالت صفية: ما أراني إلا حابستكم). أي: حَتَّى أطهر من حيضتي وأطوف طواف الوداع؛ لأنها قد كانت طافت طواف الإفاضة المفترض وهي طاهر، قال مالك: والمرأة إذا حاضت بعد الإفاضة فلتنصرف إلى بلدها، فإنه قد بلغنا في ذَلِكَ رخصة من رسول الله - ﷺ - للحائض (١)، يعني حديث صفية. وسيأتي مذاهب العلماء فيمن ترك طواف الوداع في باب: إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت. وقوله: («عَقْرى حلقى»): معناه: عقرها الله وأصابها في حلقها الوجع، وهذا مما جرى على ألسنتهم من غير قصد له. وقال الأصمعي: يقال ذَلِكَ للأمر يعجب منه. وقيل: معناه: مشؤمة مؤذية (٢). وقيل: دعاء عليها. أي: تصير عاقرًا. ويقال: امرأة حالق إذا ------------ (١) انظر: «المنتقى» ٣/ ٦٣. (٢) «تهذيب اللغة» ٣/ ٢٥١٣ مادة (عقر). حلقت قومها بشؤمها. وقال الأصمعي: العرب تقول في الدعاء على الإنسان: أصبحت أمه حالقًا. أي: ثاكلًا. وقال الداودي: يريد: أنت طويلة اللسان لمَّا كلمته بما يكره، وهو مأخوذ من الحلق الذي يخرج منه الكلام. وعقرى من العقر: وهو الصوت، ومنه رفع عقيرته، وُيروى على وزن فعل، وقياسه عقرى حلقى، كما يقال: تعسا نكسا، وروي بالتنوين فيهما كما قاله القزاز جعلوهما مصدرين أي: عقرك الله عقرًا، وحلقك حلقًا كما يحلق الشعر، وقال ابن ولاد: هو دعاء على الرجل بحلق الرأس، يعني: حلقًا (١)، قال: ولا ننونه؛ لأن ألفه للتأنيث. وقد بوب لها البخاري بابًا في الأدب، كما سيأتي إن شاء الله تعالى (٢). وقوله: («أوما طفت يوم النحر؟» قالت: قُلْتُ: بلى، قال: «لا بأس انفري») فيه: دلالة على أنها تقيم لطواف الإفاضة، ويحبس لها الولي والكريُّ. وفيه: دلالة على وجوبه، وأن طواف الوداع ليس بركن لأن المكث لا يلزم لأجله، وسيأتي عن ابن عمر، وزِيْدَ بعد هذا: تمكث. ورجع ابن عمر عن ذَلِكَ. وقولها: (فلقيني النبي - ﷺ - وهو مصعد من مكة وأنا منهبطة عليها، أو أنا مصعدة وهو منهبط منها)، إنما حكت الأمر على وجهه، وشك المحدث أي الكلمتين قالت، وإنما لقيها وهو يريد المحصب، وهي --------- (١) «المقصور والممدود» ص ٧٤. (٢) سيأتي برقم (٦١٥٧) باب: قول النبي - ﷺ -: تربت يمينك وعقرى وحلقى. تهبط إلى مكة، والمصعد في اللغة: المبتدئ في السير، والصاعد الراقي إلى الأعلى من أسفل (١). وقد أسلفنا الخلاف في كيفية إحرامه - عليه السلام - في باب الإهلال مستقبل القبلة، واختلاف العلماء في الأفضل، ومذهب الإمام أحمد اختيار التمتع، قال ابن قدامة: وهو مذهب ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وعائشة والحسن وعطاء وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد وسالم والقاسم وعكرمة، وهو أحد قولي الشافعي، واستدل لهم بما رواه ابن عباس وجابر وأبو موسى وعائشة في الصحيح أن النبي - ﷺ - أمر أصحابه لما طافوا أن يحلوا ويجعلوها عمرة فنقلهم من الإفراد والقران إلى التمتع، قال: ولا ينقلهم إلا إلى الأفضل (٢). قُلْتُ: في «صحيح ابن حبان»: «من شاء أن يجعلها عمرة» (٣) على وجه التخيير، ثم قال: ولم يختلف أنه - عليه السلام - قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» وذلك دليل فضل التمتع، وهو منصوص في الكتاب العزيز بقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦]، دون سائر الإنساك (٤). قُلْتُ: ما ذكره عن الحسن وعطاء وطاوس ومجاهد وابن عباس حكاه ابن حزم عنهم في الوجوب لا الاختيار، ثم قال: وقال عبيد الله بن الحسن وأحمد بن حنبل: بإباحة فسخ الحج لا بإيجابه، -------------- (١) في هامش الأصل: في «المطالع» وصعد في الجبل: علا وصعد فيه وأصعد بمعنىً واحد. (٢) «المغني» ٥/ ٨٢ - ٨٤. (٣) «صحيح ابن حبان» ٩/ ١٠٤ (٣٧٩٤) كتاب: الحج، باب: الإحرام. (٤) المصدر السابق ٥/ ٨٤ - ٨٥. ومنع منه أبو حنيفة ومالك والشافعي (١). وقال أبو عمر: ما أعرف من الصحابة من يجيز الفسخ ويأمر به، إلا ابن عباس. وتابعه أحمد وداود، وأما سائر الفقهاء فعلى أن فسخ الحج إلى العمرة خُص به أصحاب رسول الله - ﷺ - (٢). وقوله: ولأن التمتع منصوص في القرآن بقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ﴾ ليس هو التمتع الذي ذكره، والذي فسره به ابن عمر فيما رواه مالك، عن عبد الله بن دينار عنه هو من اعتمر في أشهر الحج شوال أو ذي القعدة أو ذي الحجة قبل الحج، ثم أقام بمكة حَتَّى أدركه الحج (٣)، فهو متمتع إن حج وعليه ما استيسر من الهدي ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ الآية. قال أبو عمر: ما ذكره مالك عن ابن عمر لا خلاف بين العلماء أنه التمتع المراد بالآية (٤)، ثم قال ابن قدامة: ولأن المتمتع يجتمع له الحج والعمرة في أشهر الحج مع كمالهما وكمال أفعالهما على وجه السهولة مع زيادة نسك (٥). قُلْتُ: الإفراد مثله مع زيادة أن لا دم عليه بخلافه، ثم قال: وأما القرآن فإنما يؤتى فيه بأفعال الحج وحده، وإن اعتمر بعده من التنعيم فقد اختلف في إجزائها عن عمرة الإسلام، وكذلك اختلف في إجزاء عمرة القرآن، ولا خلاف في إجزاء التمتع عن الحج والعمرة جميعًا، فكان أولى (٦). -------------- (١) «المحلى» ٧/ ١٠١، ١٠٣. (٢) «التمهيد» ٨/ ١٧٨. (٣) «الموطأ» ص ٢٢٧. (٤) «الاستذكار» ١١/ ٢٠٩. (٥) «المغني» ٥/ ٨٥. (٦) المصدر السابق ٥/ ٨٥. ![]()
__________________
|
|
#314
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (11) من صـــ 231 الى صـــ 250 الحلقة (314) قُلْتُ: يعارض بالإفراد كما أسلفناه، ثم قال: واختيارنا قولٌ، واختيار غيرنا فعل، وعند التعارض يجب تقديم القول لاحتمال اختصاصه دون غيره (١). قلتُ: القول ما دل لمصلحة سلفت، ثم قال: فإن قيل: فقد قال أبو ذر في «صحيح مسلم»: كانت متعة الحج لأصحاب محمد خاصة (٢)، قلنا: هذا قول صحابي يخالف الكتاب والسنة والإجماع، وقول من هو خير منه، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهذا عام، وأجمع المسلمون على إباحة التمتع في جميع الأعصار، وإنما اختلفوا في فضله، وأما السنة فحديث سراقة: المتعة لنا خاصة أو هي للأبد؟ قال: «بل هي للأبد» وحديث جابر في مسلم في صفة الحج نحو هذا (٣)، ومعناه، [أن] (٤) أهل الجاهلية كانوا لا يجيزون التمتع ويرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فبين الشارع أن الله قد شرعها في أشهر الحج وجوز المتعة إلى يوم القيامة (٥) رواه سعيد بن منصور من قول طاوس، وزاد فيه: فلما كان الإسلام أمر الناس أن يعتمروا في أشهر الحج، فدخلت العمرة في أشهر الحج إلى يوم القيامة. قُلْتُ: كأنه أشار إلى تفرد أبي ذر بذلك، وليس كذلك، بل توبع عليه في حديث مرفوع صحيح أخرجه أبو داود من حديث الدراوردي، عن ------------- (١) المصدر السابق ٥/ ٨٨. (٢) «صحيح مسلم» (١٢٢٤) كتاب: الحج، باب: جواز التمتع. (٣) مسلم (١٢١٨) كتاب: الحج، باب حجة النبي - ﷺ -. (٤) في الأصل (و) والمثبت من «المغني» ٥/ ٨٩. (٥) المصدر السابق ٥/ ٨٨ - ٨٩. ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن الحارث بن بلال، عن أبيه بلال ابن الحارث قُلْتُ: يا رسول الله، فسخ الحج إلى العمرة لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «بل لنا خاصة» إسناده صحيح (١). وقد صحح الحاكم حديثه في المعادن القبلية بهذا الإسناد (٢)، وضعف أحمد حديث الحارث بن بلال، وقال: هو ليس بمعروف، ولم يرو عنه عمر بن ربيعة (٣). والأحاديث الصحاح لا ترد بمثل هذا، وقد تقدمت. وفي كتاب «الصحابة» لابن البرقي: أخبرنا ابن أبي مريم، ثنا محمد بن جعفر، ثنا كثير بن عبد الله المزني، عن بكير بن عبد الله المزني، عن عبد الله بن هلال صاحب رسول الله - ﷺ - قال: ليس لأحد بعدنا أن يحرم بالحج ثم يفسخ بعمرة. هذا إسناد حسن على شرط الترمذي في تحسينه حديث كثير (٤). وعند البزار: حَدّثَنَا عمر بن الخطاب، ثنا الفريابي، ثنا أبان بن أبي حازم، حَدَّثَني أبو بكر بن حفص، عن ابن عمر أنه قال: يا أيها الناس، إن رسول الله - ﷺ - أحل لنا المتعة ثم حرمها علينا. وقال هذا ----------- (١) «سنن أبي داود» (١٨٠٨) كتاب: المناسك، باب: الرجل يهل بالحج ثم يجعلها عمرة، وضعفه الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» ٣/ ٤٩ (١٠٠٣) قائلًا: هذا سنده ضعيف، فإن الحارث هذا لم يوثقه أحد. وكذا في «ضعيف أبي داود» (٣١٥) وذكر أنه ضعفه غير واحد. (٢) «المستدرك» ١/ ٤٠٤ كتاب: الزكاة. (٣) انظر «بحر الدم» فيمن تكلم فيه الإمام أحمد بمدح أو ذم ص ١٠٢. (٤) أخرج له الترمذي في «السنن» حديث رقم (٤٩٠)، (٥٣٦)، (١٣٥٢)، (٢٦٣٠)، (٢٦٧٧). الحديث لا نعلم له إسنادًا عن عمر أحسن من هذا الإسناد (١). قُلْتُ: قد يقال إن هذِه متعة النكاح. وفي «الاستذكار» قال عثمان بن عفان: متعة الحج كانت لنا. قال أبو عمر: يعني أمر النبي - ﷺ - الصحابة عام حجة الوداع بفسخ الحج (٢). قال أبو عمر: وقاله أيضًا ابن عباس. يعني: كقول عثمان. ثم ما عزاه إلى «سنن سعيد بن منصور» من قوله: «فدخلت العمرة في أشهر الحج إلى يوم القيامة» هو في مسلم من حديث ابن عباس (د. س) (٣) وجابر الطويل (٤)، وإن كان أبو داود قال في حديث ابن عباس: منكر، إنما هو من قول ابن عباس (٥)، فإن فيه نظرًا. ولابن ماجه من حديث سراقة (٦)، ثم قال ابن قدامة: وقد خالف أبا ذر علي وسعد وابن عباس وابن عمر وعمران بن حصين، وسائر الصحابة، وسائر المسلمين. قال عمران: تمتعنا مع رسول الله - ﷺ -، ونزل فيه القرآن، فلم ينهنا عنه رسول الله - ﷺ -، ولم ينسخها شيء قال فيها رجل برأيه ما شاء. أخرجاه (٧). وقال سعد بن أبي وقاص: فعلناها مع رسول الله - ﷺيعني المتعة- وهذا -يعني الذي نهى عنها- يومئذ ----------- (١) «مسند البزار» ١/ ٢٨٦ - ٢٨٧ (١٨٣). (٢) «الاستذكار» ١١/ ٢١٢. (٣) «صحيح مسلم» (١٢٤١) كتاب: الحج، باب: جواز العمرة في أشهر الحج. (٤) «صحيح مسلم» (١٢١٨) باب: حجة النبيﷺ -. (٥) «سنن أبي داود» (١٧٩٠) كتاب: المناسك، باب: في إفراد الحج. (٦) «سنن ابن ماجه» (٢٩٧٧) كتاب: المناسك، باب: التمتع بالعمرة إلى الحج، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» ٢/ ١٦٦ (٢٤١١). (٧) سيأتي برقم (١٥٧١) باب: التمتع، ورواه مسلم (١٢٢٦) كتاب: الحج، باب: جواز التمتع. كافر بالعُرُش. يعني بيوت مكة (١). أخرجه مسلم (٢). أي: مقيم في بيوت مكة، يقال: أكفر الرجل إذا لازم الكفور، وهي القرى، وإنما أوله بذلك؛ لأنه كان إذ ذاك مسلمًا، وكاتبًا للوحي، وحمله عياض وغيره على عمرة القضاء (٣)، والصواب الأول، وهو ما أوله المازري (٤) وغيره. ثم قال: فإن قيل: فقد روى أبو داود عن سعيد بن المسيب أن رجلًا من الصحابة أتى عمر فشهد عنده أنه سمع رسول الله - ﷺ - ينهى عن [المتعة] (٥) قبل الحج (٦)، قلنا: هذِه حالة مخالفة للكتاب والسنة والإجماع كحديث أبي ذر، بل هو أدنى حالًا منه، فإن في إسناده مقالًا، ثم قال: فإن قيل: فقد نهى عنها عمر وعثمان ومعاوية (٧). قلنا: قد أنكر عليهم علماء الصحابة، وخالفوهم في فعلها، والحق مع المنكرين عليهم دونهم، وقد سبق إنكار علي على عثمان، واعتراف عثمان له، وقول سعد وردهم عليهم بحجج لم يكن عنها جواب. قال عمر: إني لأنهاكم عنها، وإنها لفي كتاب الله، وصنعها رسول الله - ﷺ - (٨). وسئل سالم: أنهى عمر عن المتعة؟ قال: لا والله ما نهى عنها عمر، ولكن نهى عنها عثمان. وسئل ابن عمر عن متعة الحج، فأمر بها، فقيل: إنك تخالف أباك. فقال: إن عمر لم يقل --------------- (١) «المغني» ٥/ ٨٩ - ٩٠. (٢) «صحيح مسلم» (١٢٢٥) باب: جواز المتعة. (٣) «إكمال المعلم» ٤/ ٢٩٩. (٤) «المعلم بفوائد مسلم» ١/ ٣٤٦. (٥) في «سنن أبي داود» و«المغني»: العمرة. (٦) «سنن أبي داود» (١٧٩٣). (٧) مسلم (١٢٢٤، ١٢٢٥) باب: جواز التمتع. (٨) رواه النسائي ٥/ ١٥٣ كتاب: مناسك الحج، باب: التمتع. الذي يقولون (١). هذا آخر كلامه، وما ذكره عن عمر فيه نظر، كيف ينهى عنها وهي في كتاب الله، وكان وقافًا عنده وعند السنة. وما حكاه عن سالم -إن كان صحيحًا عنه- فهو رد لما ذكره عن عمر، وكذا لما ذكره عن أبيه، وقد قال ابن حزم: إنَّ عمر رجع عن ذَلِكَ. يؤيده ما رواه الترمذي محَسّنًا عن ابن عباس: تمتع رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وعمر وعثمان، وأول من نهى عنها معاوية (٢). وفي «سنن الكجي» من حديث ليث عن طاوس: تمتع النبي - ﷺ - حَتَّى مات، وأبو بكر حَتَّى مات، وعمر حَتَّى مات. فدل أن ما ورد عن عمر وعثمان في هذا محمول على غير متعة الحج. قال ابن حزم: أما حديث نهي عمر، فإنما هو في متعة النساء بلا شك؛ لأنه صح عنه الرجوع إلى القول بهما في الحج (٣). وقال أبو عمر: إنما نهى عمر عند أكثر العلماء عن فسخ الحج في العمرة، هذِه هي التي نهى عنها (٤). وقوله: في إسناده مقال. ليس كذلك، وتبع فيه الخطابي (٥)، فإن رجاله كلهم ثقات، وأبو عيسى الخراساني اسمه سليمان بن كيسان، وثقه ابن حبان وابن خلفون، وعبد الله بن القاسم وثقاه، فصيح قارئ (٦). ------ (١) رواه البيهقي ٥/ ٢١ كتاب: الحج، باب: كراهية من كره القران والتمتع، وذكره ابن قدامة في «المغني» ٥/ ٩٠. (٢) الترمذي (٨٢٢). (٣) «المحلى» ٧/ ١٠٧. (٤) «الاستذكار» ١١/ ٢١١ - ٢١٢. (٥) «معالم السنن» ٢/ ١٤٣. (٦) انظر: «الجرح والتعديل» ٤/ ١٣٧ (٦٠٢)، و«الثقات» ٦/ ٣٩٢، و«تهذيب الكمال» ٣٤/ ١٦٧ - ١٦٨ (٧٥٥٩). وقوله: (رجل من الصحابة): لا تضر جهالته، وادعى المنذري أن سعيد بن المسيب لم يصح سماعه من عمر (١)، وليس كذلك، فقد صح سماعه منه (٢) ينعي النعمان (٣)، وهذا الحديث لم يروه عنه إنما رواه بواسطة، ثم إنه اقتصر على أحاديث الفسخ على حديث أبي موسى وابن عباس وجابر وعائشة، وترك ما ذكره خطاب بن بشر الوراق في كتاب «المسائل عن أحمد» أنه قال: روى عشرة من الصحابة أن النبي - ﷺ - أمرهم بفسخ الحج. قال أحمد: والخبر الذي روي أنه كان لهم خاصة ليس بالصحيح، وهذِه أخبار صحاح. وفي أبي داود من حديث فاطمة -ورآها علي قد لبست ثيابًا صبيغًا-: مالك؟ قالت: إن رسول الله - ﷺ - قد أمر أصحابه فأحلوا. رواه أبو داود (٤)، وصححه ابن حزم (٥)، وأخرج الشيخان عن ابن عمر: تمتع رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج. وفيه: قال للناس لما قدم مكة: «من لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليحلل» (٦) ولهما عن حفصة: يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا بعمرة، ولم تحلل أنت؟ الحديث (٧). --------- (١) «مختصر سنن أبي داود» ٣/ ٣١٧. (٢) ورد بهامش الأصل: أثبت سماعه منه أحمد، ونفاه يحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين وأبو حاتم الرازي، ورجح هذا. (٣) ورد في الأصل أسفلها: يعني ابن مقرن. (٤) «سنن أبي داود» (١٧٩٧) كتاب: المناسك، باب: في الإقران. (٥) «حجة الوداع» ص ٤٣٢. (٦) سيأتي برقم (١٦٩١) كتاب: الحج، باب: من ساق البدن معه، «صحيح مسلم» (١٢٢٧) كتاب: الحج، باب: وجوب الدم على المتمتع. (٧) سيأتي برقم (١٧٢٥) باب: من لبد رأسه، «صحيح مسلم» (١٢٢٩) كتاب: الحج، باب: بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد. ولأبي داود على شرط مسلم من حديث الربيع بن سبرة عن أبيه: قال سراقة: يا رسول الله، اقض لنا قضاء، وفيه: فقال: «إن الله -عز وجل- قد أدخل عليكم في حجكم عمرة، فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة فقد حل، إلا من كان معه هدي» (١) ولمسلم عن أسماء قالت: خرجنا محرمين مع رسول الله - ﷺ -، فقال: «من لم يكن معه هدي فليحلل». الحديث (٢)، وله أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - فلما قدمنا مكة أمرنا أن نجعلها عمرة (٣). ولابن ماجه بإسناد على شرط الشيخين من حديث أبي إسحاق عن البراء بن عازب، خرج رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكة قال: «اجعلوا حجكم عمرة» (٤) قال الترمذي: سألت البخاري عنه فكأنه لم يعده محفوظًا، والصحيح عن أبي إسحاق عن سعيد (بن ذي حدان) (٥) عن سهل بن حنيف (٦)، وذكره ابن حزم من حديث معقل بن يسار، وسلف حديث سراقة، وحديث أنس وعلي السالف. قال --------------- (١) «سنن أبي داود» (١٨٠١) كتاب: المناسك، باب: في الإقران، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» على شرط مسلم برقم (١٥٨٠). (٢) «صحيح مسلم» (١٢٣٦) باب: ما يلزم من طاف بالبيت. (٣) «صحيح مسلم» (١٢٤٧) كتاب: الحج، باب: التقصير في العمرة. (٤) «سنن ابن ماجه» (٢٩٨٢) كتاب: المناسك، باب: فسخ الحج، وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٤٧٥٣). (٥) في الأصل: سعيد بن حُدَّان، والصواب ما أثبتناه من مصادر التخريج، وهو: سعيد بن ذي حدان: كوفي، ذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: ربما أخطأ، وقال ابن حجر في «تقريبه» كوفي مجهول من الثالثة. انظر: «الثقات» ٤/ ٢٨٢، و«تهذيب الكمال» ١٠/ ٤٢٤ (٢٢٦٦)، و«تقريب التهذيب» ص ٢٣٥ (٢٣٠٠). (٦) «علل الترمذي الكبير» ١/ ٣٩٦. أبو محمد بن حزم: خمسة عشر صحابيًّا رووه عن رسول الله - ﷺ - بأوكد أمر، ورواه عنهم نيف وعشرون من التابعين، ورواه عن هؤلاء من لا يحصيه إلا الله تعالى، فلم يسع أحد الخروج عن هذا (١)، وما ذكره عن عمران بن حصين، وقال في آخره: أخرجاه، يحتاج إلى تثبت؛ فإن لفظ مسلم عن مطرف بن عبد الله قال عمران: أحدثك بحديث عسى الله أن ينفعك به، إن رسول الله - ﷺ - جمع بين حجة وعمرة، ثم لم ينه عنها حَتَّى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه (٢). وفي لفظ: قال فيها رجل برأيه ما شاء (٣). وللبخاري: تمتعنا على عهد النبي - ﷺ -، ونزل القرآن، قال رجل برأيه ما شاء (٤). وروى ابن أبي شيبة من حديث أبي الضحى قال: سألت علقمة عن المتعة في الحج، فقال: ما شعرت أن أحدًا يفعلها. ومن حديث ابن سيرين أنه كان لا يرى المتعة قبل الحج، ويقول ابتدأ بالحج واعتمر. ومن حديث هشام عن أبيه أنه قال: إنما المتعة للمحصر، وتلا قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ الآية (٥) [البقرة: ١٩٦]، وكذا ذكره أبو عمر عن ابن الزبير (٦)، قال أبو عمر: ومن معنى التمتع أيضًا القرآن عند جماعة العلماء، والتمتع والقران يتفقان في سقوط سفره الثاني من ------------ (١) «المحلى» ٧/ ١٠٣. (٢) مسلم ١٢٢٦/ ١٦٧. (٣) مسلم ١٢٢٦/ ١٦٨. (٤) سيأتي برقم (١٥٧٢). (٥) «المصنف» ٣/ ٢٢٢ (١٣٧١٣ - ١٣٧١٤) كتاب: الحج، باب: من كره المتعة. (٦) «الاستذكار» ١١/ ٢١١. بلده، كما صنع المتمتع بحله من عمرة إذا حج من عامه، وكذلك يتفقان عند أكثر العلماء في الهدي لمن لم يجد هديًا (١). وقال ابن العربي في «مسالكه»: التمتع على أربعة أوجه: المعروف عند عامة العلماء، وهو ما رواه مالك عن ابن دينار، والقران عند جماعة من العلماء، وفسخ الحج إلى العمرة، وجمهور العلماء يكرهونه، وما ذهب إليه ابن الزبير وهو المحصر. وقال المهلب: أشكلت الأحاديث على الأئمة، وصعب تخليصها، ونفي التعارض عنها، وكلُّ ركب في توجيهها غير مذهب صاحبه، واختلفوا في الإفراد والتمتع والقران أيها أفضل؟ وفي الذي كان به النبي - ﷺ - محرمًا من ذَلِكَ؟ فذهبت طائفة إلى أن إفراد الحج أفضل، هذا قول مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة والأوزاعي وعبيد الله بن الحسن، وهو أحد أقوال الشافعي، وبه قال أبو ثور (٢)، وممن روى أن النبي - ﷺ - أفرد الحج جابر وابن عباس وعائشة، وبهذا عمل الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعائشة وابن مسعود بعد النبي - ﷺ -. وقال أبو حنيفة والثوري: القران أفضل، وبه عمل النبي - ﷺ - (٣)، واحتجوا بحديث أنس أن النبي - ﷺ - لما استوت به راحلته على البيداء أهلّ بحج وعمرة (٤)، وهو مذهب علي وطائفة من أهل الحديث، وأجازه الطبري. وقال أحمد بن حنبل: لا شك أن النبي - ﷺ - كان ----------- (١) «الاستذكار» ١١/ ٢٠٩. (٢) انظر: «الاستذكار» ١١/ ١٢٧ - ١٢٩، «المجموع» ٧/ ١٤٣. (٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٠٣، «البناية» ٤/ ١٨٣. (٤) سبق تخريجه. قارنًا، قال: والتمتع أحب إليَّ (١)؛ لقول النبي - ﷺ -: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة» (٢) وقال آخرون: التمتع أفضل. وهو مذهب ابن عمر وابن عباس وابن الزبير، وبه قال عطاء، وهو أحد أقوال الشافعي، وإليه ذهب أحمد (٣)، واحتجوا بحديث ابن عمر أن النبي - ﷺ - تمتع في حجة الوداع (٤). وبقول حفصة: ما شأن الناس حلوا ولم تحل من عمرتك (٥)؟ قال ابن بطال: وأما ما جاء من اختلاف ألفاظ حديث عائشة مما يوهم القرآن والتمتع، فليس ذَلِكَ بموهن للإفراد؛ لأن رواة حديث الحج عنها الأسود وعمرة والقاسم وعروة، فأما الأسود وعمرة فقالا عنها: خرجنا لا نرى إلا الحج. وقال أبو نعيم في حديثه: مهلين بالحج. وقال القاسم عنها: خرجنا في أشهر الحج، وليالي الحج، وحرم الحج. وفي رواية «الموطأ» عن القاسم، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - أفرد الحج (٦). وكذلك صرح عروة عنها أنه أفرده، ويشهد لصحة روايتها بالإفراد أن جابرًا وابن عباس روياه عن رسول الله - ﷺ -، فوجب رد ما خالف الإفراد من حديث عائشة، إلى معنى الإفراد؛ لتواتر الرواية به عن رسول الله - ﷺ -. ---------- (١) انظر: «الفروع» ٣/ ٣٠١، «كشاف القناع» ٢/ ٣٧٦. (٢) سيأتي برقم (٧٢٢٩) كتاب: التمني، باب: قول النبي - ﷺ -: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت». (٣) انظر: «المغني» ٥/ ٨٢، «المبدع» ٣/ ١١٩. (٤) سيأتي برقم (١٦٩١)، ورواه مسلم (١٢٢٧). (٥) يأتي برقم (١٥٦٦)، ورواه مسلم (١٢٢٩). (٦) «الموطأ» ص ٢٢١. قال الطحاوي: وروى مالك وجماعات عددهم عنها أن إحرامها كان بحجة. زاد حماد وغيره عن مالك: فأمرهم لما قدموا مكة أن يجعلوها عمرة. وكذلك في رواية عمرة والأسود موافقة القاسم عن عائشة بالإفراد. وقولها: (لا نرى إلا الحج). إنما هو على معنى لا نعرف إلا الحج؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون العمرة في أشهر الحج، فخرجوا محرمين بالذي لا يعرفون غيره. قال: والأشبه عندي أن يكون إحرامه كان بالحج خاصة، لا بهما؛ لأنه قد أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، ولا يجوز أن يكون أمرهم بذلك وهم في حرمة عمرة أخرى؛ لأنهم يرجعون بذلك إلى أن يصيروا في حرمة عمرتين، وقد أجمع المسلمون على المنع من ذَلِكَ، ومحال عندنا أن يجمعوا على خلاف من أمر رسول الله - ﷺ -، مما لم يكن مخصوصًا به، وما لم يفسخ بعد فعله إياه. قال المهلب: وقد أشكل حديث عائشة على أئمة الفتوى، فمنهم من أوقف الاضطراب فيه عليها، ومنهم من جعل ذَلِكَ من قبل ضبط الرواة عنها، ومعناه يصح -إن شاء الله- بترتيبه على مواطنه، ووقت إخبارها عنه في المواضع التي ابتدأ الإحرام منها، ثم أعقب حين دنا من مكة بما أمر من لم يسق الهدي بالفسخ، فأما حديث الأسود عن عائشة فإنها ذكرت فيه البدأة، وأنها أهلَّت بحجة مفردة بذي الحليفة، وأهلَّ الناس كذلك، ثم لما دنوا من مكة أمر من لم يكن ساق الهدي أن يجعلها عمرة، إذ أوحى الله إليه بتجويز الاعتمار في أشهر الحج، فُسحة منه تعالى لهذِه الأمة، ورحمةً لهم بإسقاط أحد السفرين عنهم، وأمر من لم يكن معه هدي بالإحلال بعمرة؛ ليُري أمته جوازها، ويعرفهم بنعمة الله تعالى عليهم عيانًا وعملًا بحضرة النبي - ﷺ -. وفي حديث عروة عن عائشة ذكرت أنهم كانوا في إهلالهم على ضروب: من مهل بحج، بعمرة، بهما، فأخبرت عما آل أمر المحرمين، واختصرت ما أهلوا به في ابتداء إحرامهم، ولم تأت بالحديث على تمامه كما جاء في حديث عمرة عنها، فإنها ذكرت إحرامهم في الموطنين، ولذلك قال القاسم: أتتك بالحديث على وجهه، يريد أنها ذكرت الابتداء بالإحرام والانتهاء إلى مكة، وأول حدودها سرف، وما أمر به من الفسخ بعمرة. قال الطحاوي: ودل حديث عروة أنهم عرفوا العمرة في أشهر الحج بما عرفهم به رسول الله - ﷺ -، وأمرهم به بعد قدومه مكة. واحتج من قال بالإفراد، بقول مالك: إذا جاء عن النبي - ﷺ - حديثان مختلفان، وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحدهما وتركا الآخر، فإن في ذَلِكَ دلالة على أن الحق فيما عملا به (١). وقال الزهري: بلغنا أن عمر قال في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أنه قال: من تمامها أن تفرد كل واحدة من الأخرى. وقال ابن حبيب: أخبرني ابن الماجشون قال: حدثني الثقات من علماء المدينة وغيرهم، أن أول ما أقيم للناس الحج سنة ثمان، مرجع رسول الله - ﷺ - من حنين، فاستخلف رسول الله - ﷺ - على مكة عتَّاب بن أسيد، وأفرد الحج، ثم حج أبو بكر بالناس سنة تسع فأفرد، ثم قبض رسول الله - ﷺ - فاستخلف أبو بكر، فأفرد الحج خلافته سنتين، ثم ولي عمر، فلم يشك أحد أن عمر أفرده عشر سنين، وولي عثمان فأفرده اثنتى عشرة سنة (٢). ------------ (١) انظر: «التمهيد» ٩/ ٢٠٧. (٢) رواه الدارقطني عن ابن عمر ٢/ ٢٣٩ كتاب: الحج، باب: المواقيت، والبيهقي ٤/ ٣٤١ - ٣٤٢ باب: تأخير الحج. قال: وحَدَّثَني ابن أبي حازم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أن عليًّا أفرد الحج، وأفرد ابن عمر ثلاثين سنة متوالية، ما تمتع ولا قرن، إلا عامًا واحدًا. وأفردت عائشة كل عام حَتَّى توفيت. قال: فعلمنا أن الإفراد هو الذي فعل رسول الله - ﷺ - كاليقين؛ لأنا نعلم بفعل أصحابه بعده -وهم بطانته- أنهم لا يتركون ما فعل. وهكذا قال المدنيون والمصريون من أصحاب مالك. وأما نهي عثمان عن المتعة والقران، وإهلال علي بهما، فإن عثمان اختار ما أخذ به رسول الله - ﷺ - في خاصة نفسه، وما أخذ به أبو بكر وعمر، ورأى أن الإفراد عنده أفضل من القران والتمتع. والقران عند جماعة من العلماء في معنى التمتع؛ لاتفاقهما في المعنى، وذلك أن القارن يتمتع بسقوط سفره الثاني من بلده، كما يصنع المتمتع، وكذلك يتفقان في الهدي والصوم لمن لم يجد هديًا عند أكثر العلماء. قال المهلب: وأما قول من اختار القران؛ لأنه الذي فعل رسول الله - ﷺ -، فإنه يفسر من وجهين: أحدهما: توهين قول أنس فيما رواه عنه مروان الأصفر أنه - عليه السلام - قال لعلي: «لولا أن معي الهدي لأحللت» (١) فبان بهذا أنه - عليه السلام - لم يكن قارنًا؛ لأن القارن لا يجوز له الإحلال، كان معه هدي أو لم يكن، وهذا إجماع. ثانيهما: أن التمتع والقران رخصتان، والإفراد أصل، ومحال أن تكون الرخصة أفضل من الأصل؛ لأن الدم الذي يدخل في التمتع والقران جبران، وهو يجب لإسقاط أحد السفرين، أو لترك شيء من -------------- (١) سلف برقم (١٥٥٨) باب: من أهل في زمن النبي كإهلال النبي - ﷺ -. الميقات؛ لأنه لو لم يقرن وأتى بكل منهما منفردًا بعد أن لا تكون العمرة فعلت في أشهر (١) الحج وأتى بكل واحدة من ميقاتها لما وجب عليه دم. وقد أنكر القران على أنس عائشةُ وابنُ عمر وجعلاه من وهمه، وقد سلف. وأما حجة من قال بالتمتع، وأنه - عليه السلام - كان متمتعًا: فحديث ابن عمر، فهي مردودة بما رواه البخاري في حديث ابن عمر بما يرد به على نفسه، وقد سلف من المغازي من البخاري. وأيضًا قوله - عليه السلام - في حديث عائشة: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» (٢). وهذا نص قاطع أنه لم يُهل بعمرة، وليس في قوله «استقبلت» إلى آخره: دليل على أن التمتع أفضل من القران كما زعم أحمد (٣)، وإنما قال ذلك تطييبًا لقلبهم- كما سلف، وسيأتي ما روي عن عروة عن عائشة بما يوهم أنه - عليه السلام - تمتع، في باب: من ساق الهدي معه (٤) -إن شاء الله- وبيان الشبهة فيه. وأما قول الناس لأبي شهاب حين قدم مكة متمتعًا: تصير حجتك الآن مكية (٥). فمعناه: أنه ينشئ حجة من مكة إذا فرغ من تمتعه، كما ينشئ أهل مكة الحج من مكة؛ لأنها ميقاتهم للحج، إلا أن غير أهل مكة إن حلوا من العمرة في أشهر الحج، أنشئوا الحج من عامهم دون أن يرجعوا إلى أفقهم، أو أفق مثل أفقهم في ----------- (١) في الأصل: شهر، وصوبه في الهامش: أشهر. (٢) سيأتي برقم (١٦٥١) باب: تقضي الحائض المناسك كلها. (٣) انظر: «المغني» ٥/ ٨٤. (٤) سيأتي برقم (١٦٩٢) باب: من ساق البدن معه. (٥) سيأتي برقم (١٥٦٨). البعد، فعليهم في ترك ذلك الدّم، ولو خرج إلى الميقات بعد تمام العمرة؛ ليهل بالحج منه لم يسقط ذلك عنه الدم -عند مالك وأصحابه- إلا أن يكون الميقات أفقه، أو مثل أفقه (١). وأما حديث حفصة وقولها: (ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟) فإنه يوهم إهلاله بالعمرة وأنه تمتع؛ لأن الإحلال كان لمن تمتع، وهو وهم فاسد. وذكر (عمرتك) في الحديث وتركها سواء؛ لأن المأمورين بالحل هم المحرمون بالحج؛ ليفسخوه في عمرة، ويستحيل أن يأمر بذلك المحرمين بعمرة؛ لأن المعتمر يحل بالطواف والسعي، والخلاف لا شك فيه عندهم، وقد اعتمروا معه عُمَرًا، وعرفوا حكمها في الشريعة، فلم يكن يعرفهم بشيء في علمهم، بل عرفهم بما أحله الله لهم في عامهم ذلك من فسخ الحج في عمرة، لما أنكروه من جواز العمرة في زمن الحج. وللعلماء في قول حفصة: (ما شأن الناس حلوا ولم تحل من عمرتك؟) ضروب من التأويل، فقال بعضهم: إنما قالت ذلك؛ لأنها ظنت أنه - عليه السلام - فسخ حجه بعمرة، كما أمر بذلك من لا هدي له من أصحابه، وهم الأكثر، فذكر لها العلة المانعة من الفسخ، وهي سوقه الهدي، فبان أن الأمر ليس كما ظنت، وقيل: معناه: ما شأن الناس حلوا من إحرامهم ولم تحل أنت من إحرامك الذي ابتدأته معهم بنية واحدة. بدليل قوله «لو استقبلت من أمري ما استدبرت» الحديث (٢) ------------- (١) انظر: «التفريع» ١/ ٣١٩، «عيون المجالس» ٢/ ٧٩٠، «الذخيرة» ٣/ ٢٠٨. (٢) سبق تخريجه قريبًا. فعلم بهذا أنه لم يحرم بعمرة، وهو قول ابن القصار. وقيل معناه: لِمَ لمْ تحل من حجك بعمرة كما أمرت أصحابك؛ وقالوا: قد تأتي (من) بمعنى: الباء، كما قال تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ [الرعد: ١١]، أي: بأمر الله. تريد ولم تحل أنت بعمرة من إحرامك الذي جئت به مفردًا في حجك. وأما قول ابن عباس لأبي جمرة في المتعة: هي السنة. فمعناه: أن كل ما أمره النبي - ﷺ - بفعله فهو سنة، وكذلك معنى قول علي لعثمان في القران: ما كنت أدع سنة النبي - ﷺ - لقول أحد. يعني سنته التي أمر بها؛ لأنه - عليه السلام - فعل في خاصته غيرها وهو الإفراد. وأما فسخ الحج في عمرة فهو في حديث عائشة وابن عباس وجابر وغيرهم. والجمهور على تركه، وأنه لا يجوز فعله بعد رسول الله - ﷺ -، وليس لأحد دخل في حجة أن يخرج منها إلا بتمامها، ولا يحله منها شيء قبل يوم النحر من طواف، ولا غيره، وإنما أمر به أصحابه؛ لينسخ ما كان عليه أهل الجاهلية بما سلف؛ لأنه خشي حلول أجله قبل حجة أخرى فيجعلها عمرة في أشهر الحج، فلما لم يتسع له العمر بما استدل عليه من كتاب الله من قرب أجله أمرهم بالفسخ، وأحل لهم ما كانت الجاهلية تحرمه من ذلك. وقد قال أبو ذر: ما كان لأحدٍ بعدنا أن يحرم بالحج، ثم يفسخه في عمرة. وروي ذلك عن عثمان. وعن عمر أنه قال: إن الله يخص نبيه بما شاء، وإنه قد مات، فأتموا الحج والعمرة لله. وقال جابر: المتعتان فعلناهما على عهد رسول الله - ﷺ -، ثم نهى عمر عنهما، فلن نعود إليهما -يعني: فسخ الحج ومتعة النساء- ثم ذكر حديث الحارث بن بلال السالف. قال الطحاوي: لا يجوز للصحابة أن يقولوا هذا بآرائهم، وإنما قالوه من جهة ما وقفوا عليه؛ لأنهم لا يجوز لهم ترك ما فعلوه مع رسول الله - ﷺ - من الفسخ إلا بتوقيف منه إياهم على الخصوصية بذلك، ومنع من سواهم منه، فثبت أن الناس جميعًا بعدهم ممنوعون من الخروج من الحج إلا بتمامه، إلا أن يصدوا (١)، ووجه ذلك من طريق النظر: أنه من أحرم بعمرة فطاف لها وسعى، أنه قد فرغ منها، وله أن يحلق ويحل إذا لم يكن ساق هديًا، ورأيناه إذا ساقه لمتعته، فطاف لعمرته وسعى لم يحل حتى يوم النحر، فيحل منها ومن حجته إحلالًا واحدًا، فكان الهدي الذي ساقه لمتعته التي لا يكون عليه فيها هدي إلا بأن يحج، يمنعه من أن يحل بالطواف إلا يوم النحر؛ لأن عقد إحرامه هكذا، كان، أن يدخل في عمرة فيتمها فلا يحل منها حتى يحرم بحجة، ثم يحل منها ومن العمرة التي قدمها قبلها معًا، وكانت العمرة لو أحرم منها منفردة حل منها بعد فراغه من تلك العمرة بقي على إحرامه إلى يوم النحر، فلما كان الهدي الذي هو من سبب الحج يمنعه الإحلال بالطواف بالبيت قبل يوم النحر، كان دخوله في الحج أولى وأحرى أن يمنعه من ذلك إلى يوم النحر. --------------- (١) انظر: «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٩٤ - ١٩٦، وحديث الحارث بن بلال رواه أيضًا أبو داود (١٨٠٨) كتاب: المناسك، باب: الرجل يهل بالحج ثم يجعلها عمرة، والنسائي ٥/ ١٧٩ كتاب: مناسك الحج، باب: إباحة فسخ الحج بعمرة لمن لم يسق الهدي، وابن ماجه (٢٩٨٤) كتاب: المناسك، باب: من قال كان فسخ الحج لهم خاصة، وأحمد ٣/ ٤٦٩، والطبرانى ١/ ٣٧٠ (١١٣٨)، وضعفه الألباني في: «الضعيفة» ٣/ ٤٩ (١٠٠٣) وقد تقدم. قال ابن بطال: ولم يجز فسخ الحج أحد من الصحابة إلا ابن عباس، وتابعه أحمد وأهل الظاهر، وهو شذوذ من القول، والجمهور الذين لا يجوز عليهم تحريف التأويل هم الحجة التي يلزم اتباعها (١). الحديث الثاني: حديث عائشة: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ .. الحديث، وأخرجه مسلم أيضًا (٢)، وسلف فقهه. وقولها: (فمنا من أهلَّ بعمرة). قيل معناه: فسخ الحج، وقيل: على ظاهره. وقولها: (وأهل رسول الله - ﷺ - بالحج). هو صريح في الإفراد، وقد سلف الاختلاف فيه. قال ابن التين: وعائشة أقعد الناس برسول الله - ﷺ - وأعلمهم بما كان عليه، لا سيما وقسمته ثلاثة أقسام. وقولها: (حتى كان يوم النحر). أي: لأنه أول وقت تحلل الحج. الحديث الثالث: حديث مروان بن الحكم: شَهِدْتُ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا، وَعُثْمَانُ يَنْهَى عَنِ المُتْعَةِ، وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا رَأى عَلِيٌّ أَهَلَّ بِهِمَا: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةِ وَحَجَّةٍ، قَالَ: مَا كُنْتُ لأَدَعَ سُنَّةَ النَّبِيِّ - ﷺ - لِقَوْلِ أَحَدٍ. وهو من أفراده، وأخرجا من حديث سعيد بن المسيب قال: اجتمع عثمان وعلي بعسفان، فكان عثمان ينهي عن المتعة أو العمرة، فقال ------------ (١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٤٢ - ٢٥١ بتصرف وانظر: «المغني» ٥/ ٩٨، «الفروع» ٣/ ٣٣٥، «المحلى» ٧/ ٩٩. (٢) «صحيح مسلم» (١٢١١) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز (١١٨) إفراد الحج والتمتع والقران. عليٌّ: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله - ﷺ - تنهى عنه؛ (قال عثمان) (١): دعنا منك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما رأى علي ذلك، أهل بهما جميعًا. لم (يقل) (٢) البخاري: دعنا. إلى، أدعك (٣). ولهما (٤) عن عبد الله بن شقيق قال: كان عثمان ينهى عن المتعة، وكان علي يأمر بها، فقال عثمان لعلي كلمة، فقال علي: لقد علمت أنا قد تمتعنا مع رسول الله - ﷺ -، فقال: أجل، ولكنا كنا خائفين (٥)، وقد سلف تأويل ذلك. قال ابن التين: إنما نَهْيُ عثمان عن القرآن يحمل على ما سمع منه على إرداف الحج على العمرة. وقال أبو الوليد: لم يكن علي محرمًا بعمرة، وإنما قرن ابتداءً، وخالفه أيضًا في أنه لم ينه عن ذلك، وإنما أراد أن الإفراد أفضل فقط، وإظهار علي القران؛ ليظهر ما نواه منه، وقد اختلف العلماء في النطق بنفس النسك، فروي عن ابن عمر أنه كان يرى ترك التسمية، وقال: أليس الله يعلم ما في نفسك (٦)؟ وروي عن عائشة التسمية، وعن عطاء: لا تجزئه النية (٧). ----------- (١) ليست في الأصل. (٢) في (م): يخرج. (٣) سيأتي برقم (١٥٦٩)، ورواه مسلم (١٢٢٣/ ١٥٩). (٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: إنما هو في مسلم فقط. (٥) رواه مسلم (١٢٢٣/ ١٥٨) كتاب: الحج، باب: جواز التمتع. (٦) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» ٥/ ٤٠ كتاب: الحج، باب: من قال: لا يسمي في إهلاله حجًّا ولا عمرة وأن النية تكفي منهما، وفي «معرفة السنن والآثار» ٧/ ١٢٥ (٩٥٣٢) كتاب: المناسك، هل يسمي الحج أو العمرة عند الإهلال. (٧) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ٣٣٥ (١٤٨٤١) كتاب: المناسك، من كان يقول: إذا أردت الحج فلا تسم شيئًا؛ لكنه بلفظ: تجزئه النية. وقوله: (ما كنت لأدع ..) إلى آخره. يحتمل أن يريد ما فعله، وأن يريد ما أذن فيه؛ لأن من أمر بشيء كان كفاعله. وفيه: ما كان عليه عثمان من الحكم أنه لا يلوم مخالفه. وفيه: أن القوم لم يكونوا يسكتون عن قول يرون أن غيره أمثل منه إلا بينوه. وفيه: أن طاعة الإمام إنما تجب في المعروف. الحديث الرابع: حديث ابن طاوس عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ العُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الفُجُورِ فِي الأَرْضِ، وَيجْعَلُونَ المُحَرَّمَ صَفَر، وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ، وَعَفَا الأَثَرْ، وَانْسَلَخَ صَفَرْ، حَلَّتِ العُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ. قَدِمَ رسول الله - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الحِلِّ؛ قَالَ: «حِلٌّ كُلُّهُ». وأخرجه مسلم أيضًا (١). وفي بعض ألفاظ البخاري: يسمون المحرم صفر. وابن طاوس: هو عبد الله، قاله أصحاب الأطراف، وقوله: (كانوا). يعني الجاهلية، وذلك من تحكماتهم المبتدعة. ولأبي داود: قال ابن عباس: والله ما أعمر رسول الله - ﷺ - عائشة في ذي الحجة؛ إلا ليقطع أمر أهل الشرك، فإن هذا الحي من قريش، ومن دان دينهم كانوا يقولون: إذا عفا الوبر، وبرأ الدَّبَر، ودخل صفر، فقد ------------ (١) «صحيح مسلم» (١٢٤٠) كتاب: الحج، باب: جواز العمرة في أشهر الحج. ![]()
__________________
|
|
#315
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (11) من صـــ 251 الى صـــ 270 الحلقة (315) حلت العمرة لمن اعتمر (١). فكانوا يحرمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة والمحرم. وقوله: (صفر) كذا هو بغير ألف، كذا هنا في أصل بخط الدمياطي وفي مسلم، والصواب صفرًا؛ لأنه مصروف قطعًا، وفي «المحكم» كان أبو عبيدة لا يصرفه، فقيل له: لم لا تصرفه؟ لأن النحويين قد أجمعوا على صرفه وقالوا: لا يمنع الحرف من الصرف إلا علتان، فأخبرنا بالعلتين فيه، فقال: نعم هما المعرفة والساعة، قال المطرز: يرى أن الأزمنة كلها ساعات، والساعات مؤنثة (٢). قال عياض: وقيل: صفر: داء يكون في البطن، كالحيات إذا اشتد جوع الإنسان عضته (٣)، وقال رؤبة: هي حية تلتوي في البطن، وهي أعدى من الجرب عند العرب (٤). وهذا إخبار عن النسيء الذي كانوا يفعلونه، كانوا يسمون المحرم صفرًا، ويحلونه، وينسئون المحرم أي: يؤخرون تحريمه إلى ما بعد صفر؛ لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرمة، فتضيق عليهم أمورهم من الإغارة وغيرها، فضللهم الله تعالى بذلك فقال: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [التوبة: ٣٧]. وقال القرطبي: كانوا يحلون من الأشهر الحرم ما احتاجوا إليه، ويحرمون مكان ذلك غيره (٥). ----------- (١) «سنن أبي داود» (١٩٨٧) كتاب: المناسك، باب: العمرة، وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» ٦/ ٢٢٧ (١٧٣٤). (٢) «المحكم» ٨/ ٢٠٤. (٣) «مشارق الأنوار» ٢/ ٤٩. (٤) انظر: «غريب الحديث» للهروي ١/ ٢٦. (٥) «المفهم» ٣/ ٣٦٣. قال الكلبي: وأول من نسأ القلمس واسمه: حذيفة بن عبيد الكناني، ثم ابنه عباد، ثم ابنه قُلَع، ثم ابنه أمية بن قلع بن عوف بن أمية، ثم جنادة بن أمية، وعليه قام الإسلام، وقيل: أول من نسأ نعيم بن ثعلبة بن جنادة، وهو الذي أدركه سيدنا رسول الله - ﷺ -، وقيل: مالك بن كنانة، وقيل: عمرو بن لحي. (وبرأ): بفتح الباء، أي: أفاق، قال ابن فارس يقال: برأت من المرض وبرئت أيضًا (١). والدبر: بفتحها جمع دبرة، يعني: الجرح الذي يكون في ظهر الدابة، وقيل: أن يقرح خف البعير. حكاه عياض (٢)، (وعفا الأثر). أي: درس أثر الحاج من الطريق، وأمحي بعد رجوعهم بوقوع الأمطار وغيرها؛ لطول مرور الأيام. وقال الخطابي: أي: درس أثر الوبر المذكور (٣)، وفي أبي داود: وعفا الوبر (٤) أي: كثر وبرها الذي خلفته رحال الحاج، وعفا من الأضداد، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥]، أي: كثروا، وقال الداودي: (عفا الأثر). أي: آثار الحج، وما نالهم في حجهم من الشعث. (وانسلخ صفر). أي: انقضى. وقوله: (ويجعلون المحرم صفر): هو النسيء الذي قال تعالى فيه أنه زيادة في الكفر. يحلون الشهر الحرام. يعني: المحرم، يحرمون الحلال صفر. أي: يؤخرون حرمة الحرام إلى الحلال صفر. ------ (١) «مجمل اللغة» ١/ ١٢٢. (٢) «مشارق الأنوار» ١/ ٢٥٣. (٣) «أعلام الحديث» ٢/ ٨٥٧. (٤) سبق تخريجه. قال ابن فارس: كانوا إذا صدروا عن منى يقيم الرجل فيقول: أخرت عنكم حرمة المحرم، وأجعلها في صفر؛ لأنهم كانوا يكرهون أن يتوالى عليهم ثلاثة شهور لا يغيرون فيها؛ لأن معيشتهم كانت من الإغارة، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ﴾ (١) [التوبة: ٣٧]. وقال ابن دريد: الصفران: شهران من السنة سمي أحدهما في الإسلام المحرم (٢). وقال في «المحكم» عن بعضهم: قال بعضهم: سمي صفرًا؛ لأنهم كانوا يمتارون الطعام فيه من المواضع، وقال بعضهم: سمي بذلك لإصفار مكة من أهلها إذا سافروا. وروي عن رؤبة أنه قال: سموا الشهر صفرًا؛ لأنهم كانوا يغيرون فيه، فيتركون من لقوا صفرًا من المتاع، وذلك أن صفر بعد المحرم، فقالوا: صفر الناس منا صفرًا (٣). وقال القزاز: قالوا: إنما سموه صفرًا؛ لأنهم كانوا يخلون البيوت منهم بخروجهم إلى بلدٍ يقال له الصفرية يمتارون وقيل: لأنهم كان يخرجون إلى الغارة فتبقى بيوتهم صفرًا. وقيل: لأن العرب كانوا يزيدون في كل أربع سنين شهرًا يسمونه؛ صفر الثاني، فتكون السنة ثلاثة عشر شهرًا كي تستقيم لهم الأزمان على موافقة اسمائها مع المشهور، وكانوا يتطيرون به، ويقولون: لأن الأمور فيه متعلقة، والآفات واقعة. وقوله: (قدم صبيحة رابعة). فيه: دخولها نهارًا، وكان ابن عمر يستحبه، وكذا عطاء والنخعي وابن راهويه وابن المنذر، وهو أصح ------------ (١) «مجمل اللغة» ٣/ ٨٦٦. (٢) «جمهرة اللغة» لابن دريد ٢/ ٧٤٠. (٣) «المحكم» ٨/ ٢٠٤. الوجهين عندنا، وقيل: دخولها ليلًا ونهارًا سواء، وهو قول طاوس والثوري، وعن عائشة وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز: دخولها ليلًا أفضل من النهار، وقال مالك: يستحب دخولها نهارًا، فمن جاءها ليلًا فلا بأس به. قال: وقد كان عمر بن عبد العزيز يدخلها لطواف الإفاضة ليلًا (١)، وسيأتي ترجمة البخاري دخولها ليلًا ونهارًا، ولم يأت في دخولها ليلًا شيء نعلمه. وقوله: (تعاظم ذلك). أي: تعاظم مخالفة العادة التي كانوا عليها من تأخير العمرة عن أشهر الحج، نقلوه عن الإحلال فقالوا: أي الحل: إحلال الطيب والمخيط كما يحل من رمى جمرة العقبة وطاف للإفاضة، أم غيره؟ فأخبره أنه الحل كله بإصابة النساء. الحديث الخامس: حديث أَبِي مُوسَى: قَدِمْتُ على رسول الله - ﷺ -. فَأَمَرَهُ بِالحِلِّ. يريد: أمره بالفسخ لما لم يكن معه هدي، كما أمر أصحابه الذين لا هدي معهم. الحديث السادس: حديث (٢) مالك عن نافع عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ أَنَّهَا قَالَتْ؛ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؛ قَالَ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ». وقد أخرجه مسلم أيضًا (٣)، وقد أسلفنا الكلام عليه واضحًا. ----------- (١) انظر: «الاستذكار» ١١/ ٢٤، «الذخيرة» ٣/ ٢٣٥، «كفاية الطالب» ١/ ٤٦٣، «حاشية العدوي على كفاية الطالب» ١/ ٤٦٣. (٢) ورد فوقها كلام غير واضح في الأصل. (٣) «صحيح مسلم» (٦٩٦) كتاب: صلاة المسافرين، باب: قصر الصلاة بمنى. قال أبو عمر: زعم بعض الناس أنه لم يقل أحد في هذا الحديث عن نافع: ولم تحل أنت من عمرتك؟ إلا مالك وحده، قال: وهذِه اللفظة قد قالها عن نافع جماعة منهم: عبيد الله بن عمر وأيوب بن أبي تميمة، وهما ومالك حفاظ أصحاب نافع، قال: ولما لم يكن لأحد من العلماء سبيل إلى الأخذ بكل ما تعارض وتدافع من الآثار في هذا الباب، ولم يكن بد من المصير إلى وجه واحد منها، صار كل واحد إلى ما صح عنده بمبلغ اجتهاده، فصار مالك (أي) (١): والشافعي إلى تفضيل الإفراد لوجوه (٢) منها: أنه روي عن عائشة أيضًا من وجوه، فكانت تلك الوجوه عنده أولى من حديث حفصة هذا. ومنها: أنه الثابت في حديث جابر. ومنها: أنه اختيار أبي بكر وعمر وعثمان. ومنها: أنه أتم ولذلك لم يحتج فيه إلى جبر شيء بدم. وما أعلم أحدًا ردّ حديث حفصة هذا بأن قال: إن مالكًا تفرد بتلك اللفظة إلا هذا الرجل، والله يغفر لنا وله (٣). قال أبو عمر: وهذا أمر مجمع عليه في القارن، أنه لا يحل حتى يحل منهما جميعًا (٤). وقال ابن التين: قولها: ولم تحل أنت من عمرتك؛ يحتمل أن تريد من حجك؛ لأن معناهما متقارب بجامع القصد، وقيل: إنها إنما سمعته يأمر الناس بسرف بفسخ الحج في العمرة، ظنت أنه فسخ الحج فيها، وقيل: اعتقدت أنه كان معتمرًا. وقيل: يحتمل أن يكون قارنًا -كما ذكره الخطابي (٥) - وقيل: يحتمل لمَ لمْ تهل بعمرة، وتتحلل بها؟ ------------ (١) كذا بالأصل ولعلها زائدة. (٢) سبق تخريج المسألة. (٣) «التمهيد» ١٥/ ٢٩٨ - ٣٠١ بتصرف. (٤) «التمهيد» ١٥/ ٣٠٢. (٥) «أعلام الحديث» ٢/ ٨٦٢، «معالم السنن» ٢/ ١٤٥. قال: والصواب أن المراد: لمَ لمْ تفسخ حجك في عمرة كفعل غيرك؟ ولعلها لم تسمع قوله «من كان معه هدي فلا يحل» (١). وقال القرطبي: معنى قولها، وقول ابن عباس: (من عمرتك). أي: بعمرتك، كما قال تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ [الرعد: ١١] أي: بأمر الله، عبر بالإحرام بالعمرة عن القرآن؛ لأنها السابقة في إحرام القارن قولًا ونية، ولا سيما على ما ظهر من حديث ابن عمر أنه - عليه السلام - كان مفردًا (٢). وقوله: «لبدت رأسي وقلدت هديي» قال الداودي: فيه أن من لبد وقلد لا يحل حتى يحلق ويفرغ من الحج كله، وقال غيره: لا يمنع ذلك من إحلاله من عمرته؛ لأن من فعل ذلك وأهل بعمرة ينحر ويحلق عند كمالها، ولا يجب عليه لأجل التلبيد والتقليد إرداف حجة عليها، وإنما معناه: أن في الكلام حذفًا، وذلك أن يعلمها أنه لبد رأسه وقلد هديه للحج، فلا يمكنه التحلل من ذلك قبل أن يبلغ الهدي محله وينحره بمنى بعد كمال حجه، وأما من أحرم بعمرة وأكملها فلا يردف ويحلق، ولا يقال كره الحلق؛ لقرب الحج على ما ذكره مالك أنه يكره لمن اعتمر أن يحلق إذا قرب من الموسم؛ لأن مالكًا كان يقصر ولو من شعره، بخلاف الحج فيجمع بين الأمرين، وحفصة لم تسأله عن ترك الحلاق، وإنما سألته عن ترك التحلل (٣). --------- (١) سلف برقم (١٦٣٨) باب: طواف القارن، ورواه مسلم (١٢١١) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام وأنه … (٢) «المفهم» ٣/ ٣٥٥. (٣) «المنتقى» ٤/ ٢٦. الحديث السابع: حديث أبي جمرة نصر بن عمران قَالَ: تَمَتَّعْتُ فَنَهَانِي نَاسٌ، فَسَأَلْتُ ابن عَبَّاسٍ، فَأَمَرَنِي، فَرَأَيْتُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ رَجُلًا يَقُولُ لِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ وَعُمْرَةٌ مُتَقبلَةٌ. فَأخْبَرْتُ ابن عَبَّاسٍ، فَقَالَ: سُنَّةَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وقال لِي: أَقِمْ عِنْدِي، وأجعل لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي. فقَالَ شُعْبَةُ؛ فَقُلْتُ: لِمَ؟ فَقَالَ: لِلرُّؤْيَا التِي رَأَيْتُ. وأخرجه مسلم أيضًا بدون: أقم عندي، إلى آخره (١)، وسببه أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (٢). وفيه: ما كانوا عليه من التعاون على البر والتقوى، وحمدهم لمن يفعل الخير، فخشي أبو جمرة من تمتعه هبوط الأجر، ونقص الثواب؛ للجمع بينهما في سفر واحد وإحرام واحد، وكان الذين أمروا بالإفراد إنما أمروه بفعل رسول الله - ﷺ - في خاصة نفسه؛ ليفرد الحج وحده، ويخلص عمله من الاشتراك فيه، فأراه الله الرؤيا؛ ليعرفه بها أن حجه مبرور، وعمرته متقبلة في حال الاشتراك؛ ولذلك قال له ابن عباس: أقم عندي. ليقص على الناس هذِه الرؤيا المثبتة لحال التمتع، ففيه دليل أن الرؤيا الصادقة شاهدة على أمور اليقظة، وكيف لا وهي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة؟ وفي قوله: (أجعل لك سهمًا من مالي). أن العالم يجوز له أخذ الأجرة على العلم، وقد أسلفنا أن قوله لأبي جمرة: هي السنة. أن معناه: أن كل ما أمر رسول الله - ﷺ - بفعله فهو السنة، فراجعه. ---------- (١) «صحيح مسلم» (١٢٤٢) كتاب: الحج، باب: جواز العمرة في أشهر الحج. (٢) حديث سيأتي برقم (٦٩٨٩) كتاب: التعبير، باب: الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة. الحديث الثامن: حديث أبي شهاب قَالَ: قَدِمْتُ مُتَمَتِّعًا مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ .. إلى آخره. الحديث بطوله. قال أبو عبد الله: أبو شهاب ليس له مسند إلا هذا. قال ابن التين: كأنه يقول: من كان هكذا لا يجعل حديثه أصلا من أصول العلم، واسمه: موسى بن نافع الحفاظ، وقد سلف الكلام عليه، وهما اثنان: أبو شهاب (خ. م. س) الحناط الكبير (١) هذا، والصغير عبد ربه بن نافع (خ. م. ت. ق)، وكلاهما في الصحيحين. وفيه تقديم وتأخير، التقدير: وقد أهلوا بالحج مفردًا، فقال رسول الله - ﷺ -: «اجعلوا إحرامكم عمرة، وتحللوا بعمل العمرة» وهذا معنى فسخ الحج إلى العمرة، وهو أبين ما في هذِه الأحاديث من فسخه الحج إلى العمرة، وفي حديث جابر هذا إنما فعل ذلك لأنهم كانوا يتحرجون من العمرة في أشهر الحج، كما سلف، فأبطله وحضّ عليه كما في نذر عمر في الجاهلية، فإنه حضه على الوفاء بالنذر (٢)، وإن كان نذر الكافر لا يلزم إذا. أسلم. وهذا الحديث طرف من حديث جابر بن عبد الله الطويل، وقد ساقه مسلم أحسن سياقة، وهو من أفراده (٣)، والبخاري ذكر جله في مواضع متفرقة من حديث جابر، وابن عمر، وابن عباس وابن مسعود، ------------ (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: أبو شهاب الكبير قال فيه أحمد: منكر الحديث. قال في «الكاشف» في ترجمة الصغير: صدوق. وكل منهما له ترجمة في «الكمال». (٢) سيأتي برقم (٢٠٣٢) كتاب: الاعتكاف، باب: الاعتكاف ليلًا، ورواه مسلم (١٦٥٦) كتاب: الإيمان، باب: نذر الكافر وما يفعل فيه إذا أسلم. (٣) «صحيح مسلم» (١٢١٦) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز … وغيرهم (١)، وكذا فعل مسلم أيضًا (٢)، وصنف ابن المنذر عليه مصنفًا سماه (التحبير»، استنبط منه مائة ونيفًا وخمسين نوعًا من وجوه العلم، وبين في كل وجه منها وجه استدلاله، من أغربها: كراهة الحل للمحرمة، وبه قال أحمد، ومن فوائد القطعة التي ساقها البخاري: التقصير للمعتمر؛ ليتوفر الشعر للحُلاّق يوم النحر. الحديث التاسع: حديث سعيد بن المسيب قَالَ: اخْتَلَفَ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ وَهُمَا بِعُسْفَانَ فِي المُتْعَةِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَنْهَى عَنْ أَمْرٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -. فَلَمَّا رَأى ذَلِكَ عَلِيٌّ أَهَل بِهِمَا جَمِيعًا. وقد أسلفناه في الحديث الثالث (٣). ----------- (١) سلف برقم (١٥٥٧) باب: من أهل في زمن النبي - ﷺ - كإهلال النبي - ﷺ -، وسيأتي برقم (١٥٧٠) باب: من لبى بالحج وسماه، و(١٦٥١) باب: تقضي الحائض المناسك كلها، و(١٧٥٨) كتاب: العمرة، باب: عمرة التنعيم، و(٢٥٠٥ - ٢٥٠٦) كتاب: الشركة، باب: الاشتراك في الهدي والبدن، و(٤٣٥٢) كتاب: التمني، باب: قول النبي - ﷺ -: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت)، و(٧٣٦٧) كتاب: الاعتصام، باب: نهي النبي - ﷺ - على التحريم إلا ما تعرف إباحته. (٢) رواه مسلم (١٢١٦) كتاب: الحج. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: آخر الجزء الأول من الجزء السادس من تجزئة المصنف. وبالجانب الآخر من الهامش كتب: ثم بلغ في السادس بعد العشرين كتبه مؤلفه. باب: مَن لَبَّى بِالحَجِّ وَسَمَّاهُ ١٥٧٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ بِالحَجِّ. فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً. [انظر: ١٥٥٧ - مسلم: ١٢١٦ - فتح: ٣/ ٤٣٢] ذكر فيه حديث جابر: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَنَحْنُ نَقُولُ: لبَّيْكَ بِالحَجِّ. فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، أن نجعلها عُمْرَةً. وقد سلف الكلام على فقهه، ويؤخذ منه أن التعيين أفضل، وأن يسميه في تلبيته، وكذا في التمتع والقران. باب: ١٥٧١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُطَرِّفٌ عَنْ عِمْرَانَ - رضي الله عنه - قَالَ: تَمَتَّعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَنَزَلَ القُرْآنُ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ. [٤٥١٨ - مسلم: ١٢٢٦ - فتح: ٣/ ٤٣٢] ذكر فيه حديث عمران -يعني: ابن الحصين- تَمَتَّعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ونزل القُرْآنُ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ. في بعض نسخ البخاري: باب التمتع على عهد رسول الله - ﷺ -. وقد أدرجه ابن بطال في الباب الأول (١)؛ لأنه كمعنى حديث جابر في التسمية لما أحرم به، ولا شك أن عمران لم يكن ليقدم على القول عن نفسه، وعن أصحابه أنهم تمتعوا على عهد رسول الله - ﷺ -، إلا وأنهم قد أسمع بعضهم بعضًا تلبيتهم للحج وتسميتهم له، ولولا ما تقدم لهم قبل تمتعهم من تسميتهم الحج والإهلال به لم يعلم عمران إن كانوا قصدوا مكة بحج أو عمرة، إذ عملهما واحد إلى موضع الفسخ، والفسخ لم يكن حينئذٍ إلا للمفردين بالحج، وهم الذين تمتعوا بالعمرة ثم حلوا، ثم أحرموا بالحج، فدل هذا كله على أنه لا بد من تعيين الحج أو العمرة عند الإهلال، وأن هذا مفتقر إلى النية عند الدخول فيه. وقول عمران: (تَمَتَّعْنَا علي عهد رسول الله - ﷺ - ونزل القرآن)، يريد أن التمتع والقران معمول به على عهد رسول الله - ﷺ - لم ينسخه شيء، ونزل القرآن بإباحة العمرة في أشهر الحج في قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]. ------------- (١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٥٣. وقوله: (قال رجل برأيه ما شاء): يعني من تركه، أو الأخذ به، وأن الرأي بعد النبي - ﷺ - باختيار الإفراد لا ينسخ ما سَنَّهُ من التمتع والقران. قال ابن الجوزي: كأنه يريد عثمان. وقال النووي والقرطبي: يريد عمر (١)، زاد ابن التين: يحتمل أن يكون أراد أبا بكر أو عمر أو عثمان. وقد ذكر البخاري في التفسير حديث عمران قال: أنزلت آية المتعة في كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله - ﷺ - ولم ينزل قرآن يحرمه، ولم ينه عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء، قال محمد: يقال: إنه عمر (٢). وفي «الموطأ» عن الضحاك بن قيس قال: ما يعقلها إلا من جهل أمر الله (٣). وروي نحو ذلك عن ابن الزبير ومعاوية، وفسر ذلك ابن عمر، وذلك أنه سئل عن متعة فأمر بها، فقيل له: تخالف أباك؟! فقال: إن عمر لم يقل الذي تقولون، إنما قال: أفردوا الحج عن العمرة، فإنه أتم؛ لأن العمرة لا تتم إلا في أشهر الحج إلا بهدي، فأراد أن يزار البيت في غير أشهر الحج، فجعلتموها أنتم حرامًا، وعاقبتم الناس عليها، وأحلها الله وعمل بها رسوله (٤). وهذا هو الصحيح، وابنه أعلم الناس بمقالة أبيه، ولعله يرى أن اعتقاد تفضيل المتعة خطأ، وكان ينهى عن ذلك. ------------ (١) «مسلم بشرح النووي» ٨/ ٢٠٥، و«المفهم» ٣/ ٣٥٠. (٢) سيأتي برقم (٤٥١٨) باب: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ﴾. (٣) «الموطأ» ص ٢٢٦. (٤) رواه أحمد ٢/ ٩٥، وابن حزم في «حجة الوداع» ص ٣٩٨، والبيهقي في «سننه» ٥/ ٢١ كتاب: الحج، باب: كراهية من كره القران والتمتع، والذهبي في «تذكرة الحفاظ» ٣/ ١٠٠٥. وذكر الهروي عن عمر أنه قال: إن اعتمرتم في أشهر الحج رأيتموها مجزئة من حجكم، وكانت فائتة فوت عامها. ضربه عمر مثلًا لخلاء مكة من المعتمرين سائر السنة. ٣٧ - باب قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ١٥٧٢ - وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ البَصْرِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الحَجِّ، فَقَالَ: أَهَلَّ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَأَهْلَلْنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالحَجِّ عُمْرَةً إِلاَّ مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ». فَطُفْنَا بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَقَالَ: «مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ». ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ المَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا، وَعَلَيْنَا الهَدْىُ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] إِلَى أَمْصَارِكُمْ. الشَّاةُ تَجْزِي، فَجَمَعُوا نُسُكَيْنِ فِي عَامٍ بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وَسَنَّهُ نَبِيُّهُ - ﷺ - وَأَبَاحَهُ لِلنَّاسِ غَيْرَ أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ اللهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَأَشْهُرُ الحَجِّ التِي ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى: شَوَّالٌ، وَذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحَجَّةِ، فَمَنْ تَمَتَّعَ فِي هَذِهِ الأَشْهُرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ أَوْ صَوْمٌ، وَالرَّفَثُ الجِمَاعُ، وَالفُسُوقُ المَعَاصِى، وَالجِدَالُ المِرَاءُ. [فتح: ٣/ ٤٣٣] أصل حاضري: حاضرين، سقطت النون للإضافة، والياء سقطت وصلًا؛ لسكونها، وسكون اللام في المسجد، وإذا وقعت عند الاضطرار إليه فأثبت الياء. ثم قال البخاري: وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ البَصْرِيُّ فُضَيلُ بْنُ حُسَيْنٍ، ثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الحَجِّ .. الحديث. وهو من أفراده، وقد وصله الإسماعيلي فقال: ثنا القاسم بن زكريا المطرز، ثنا أحمد بن سنان، ثنا أبو كامل، ثنا أبو معشر البراء، ثنا عثمان بن سعيد، عن عكرمة .. الحديث. وقال: هكذا قال القاسم: عثمان بن سعيد. وكذا رواه أبو نعيم الحافظ عن أبي أحمد، ثنا القاسم المطرز به. وقال ذكره البخاري بلا رواية عن أبي كامل، وقال أبو كامل: عثمان بن غياث، وقال المطرز: ابن سعيد. وقال أبو مسعود الدمشقي: هذا حديث (غريب) (١)، ولم أره عند أحدٍ إلا عند مسلم بن الحجاج، ومسلم لم يذكره في «صحيحه» من أجل عكرمة، وعندي أن البخاري أخذه عن مسلم (٢). قلت: ويجوز أن يكون البخاري أخذه عن أبي كامل بغير واسطة، فإنه غالبًا يستعمل مثل ذلك فيما أخذه عرضًا أو مناولة، وهما صحيحان عند جماعة، يجب العمل بهما (٣). ---------- (١) كذا في الأصل، وفي «الجمع بين الصحيحين» عزيز. (٢) انظر «الجمع بين الصحيحين» ٢/ ١١١ - ١١٢ (١١٧٣). (٣) العرض أو القراءة على الشيخ هي: طريقة من طرق تحمل الحديث وفيها يقرأ الطالب على الشيخ، والشيخ يسمع، سواء قرأ من حفظه أو كتابه، وسواء قرأ هو أو غيره، وسواء تابعه الشيخ من حفظه أو من كتابه، وصفة أداء العرض أن يقول: قرأت على فلان كذا، أو قرئ عليه وأنا أسمع كذا، واللفظ المستعمل هو: أخبرنا، أما المناولة فهي: أن يناول الشيخ الطالب كتابًا أو سماعًا له ويحيز له أن يرويه عنه أو لا يجيز له، فمنها مناولة مقرونة بالإجازة، ومناولة غير مقرونة بالإجازة، وصغية أداء المناولة أن يقول: ناولني فلان كذا، أو ناولني وأجاز لي كذا. انظر: «علوم الحديث» لابن الصلاح ص ١٣٧ - ١٥٠، ١٦٥ - ١٧٣، و«المقنع» للمصنف ١/ ٢٩٧ - ٣١٤، ٣٢٥ - ٣٣٠، «فتح المغيث» للسخاوي ٢/ ٢٧، ١١١. وقوله: (فلما قدمنا مكة قال - عليه السلام -: «اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة»). يريد قرب مكة، وهو سرف، كما سلف، وبين في هذا الحديث أنهم لما حلوا أتوا النساء، ولبسوا الثياب. وقد اختلف العلماء في حاضري المسجد من هم؟ فذهب طاوس ومجاهد إلى أنهم أهل الحرم (١)، وبه قال داود. وذهب طائفة إلى أنهم أهل مكة بعينها. روي هذا عن نافع مولى ابن عمر، وعن عبد الرحمن الأعرج (٢)، وهو قول مالك، قال: هم أهل مكة وذي طوى، وشبهها، وأما أهل منى وعرفة المناهل مثل: قديد وعسفان، ومر الظهران فعليهم الدم (٣). وذهب أبو حنيفة إلى أنهم أهل المواقيت فمن دونهم إلى مكة (٤)، وقال مكحول: من كان منزله دون المواقيت إلى مكة فهو من حاضري المسجد الحرام، وأما أهل المواقيت فهم كسائر أهل الآفاق (٥). روي هذا عن عطاء (٦)، وبه قال الشافعي بالعراق، وقال الشافعي وأحمد: من كان من الحرم على مسافة لا تقصر في مثلها الصلاة، فهو من حاضري المسجد الحرام (٧). وعند الشافعي ومالك وأحمد ----------- (١) رواه الطبري في «تفسيره» ٢/ ٢٦٥، وابن أبي حاتم في «تفسير القرآن العظيم» ١/ ٣٤٤، وذكره ابن الجوزي في «زاد المسير» ١/ ٢٠٨. (٢) انظر: «أحكام القرآن» ١/ ٣٦٠. (٣) انظر: «الاستذكار» ١١/ ٢١٥، «المنتقى» ٢/ ٢٢٩. (٤) انظر: «المبسوط» ٤/ ١٦٩، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٦٩. (٥) رواه الطبري ٢/ ٢٦٦. وانظر: «الاستذكار» ١١/ ٢١٥. (٦) المصدر السابق. (٧) انظر: «البيان» ٤/ ٨١، «روضة الطالبين» ٣/ ٤٦١، «العزيز» ٣/ ٣٤٨، «المستوعب» ٤/ ٥٦، «المبدع» ٣/ ١٢٥، «مسائل الإمام برواية الكوسج» ١/ ٥٢٥. وداود، أن المكي لا يكره له التمتع ولا القران؛ فإن تمتع لم يلزمه دم (١). وقال أبو حنيفة: يكرهان له، فإن خالف فعليه دم جبرًا، وهما في حق الآفقي مستحبان، ويلزمه الدم شكرًا (٢). وقال الدوادي: وقول ابن عباس، وإباحته للناس غير أهل مكة أولى بظاهر الآية، وقال ابن عمر والحسن وطاوس: ليس لأهل مكة تمتع. حكاه ابن المنذر. وجه قول أبي حنيفة أنهم كأهل مكة في عدم وجوب الإحرام عليهم. وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه أقبل من مكة، حتى إذا كان بقديد بلغه خبر من المدينة، فرجع، فدخل مكة حلالًا (٣). فدل على أن أهل قديد كأهل مكة، وقد روي عن ابن عباس خلاف هذا، روى عنه عطاء أنه كان يقول: لا يدخل أحد مكة إلا محرمًا. وقال ابن عباس: لا عمرة على المكي إلا أن يخرج من الحرم، فلا يدخله إلا حرامًا، وإن خرج قريبًا من مكة (٤). فهذا ابن عباس قد منع الناس جميعًا من دخول مكة بغير إحرام، فدل هذا أن من كان من غير أهل مكة فهو عنده مخالف لحكم أهل ------------- (١) انظر: «الاستذكار» ١١/ ٢١٦، «المنتقى» ٢/ ٢٢٩، «روضة الطالبين» ٣/ ٤٦، «العزيز» ٣/ ٣٥٤، «المستوعب» ٤/ ٥٧، «المبدع» ٣/ ١٢٧. (٢) انظر: «المبسوط» ٤/ ١٦٩، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٦٩. (٣) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ٢٠٣ (١٣٥٢٤) كتاب: الحج، من رخص أن يدخل مكة بغير إحرام، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٦٣، والبيهقي في «سننه» ٥/ ١٧٨ كتاب: الحج، باب: من رخص في دخولها بغير إحرام وإن لم يكن محاربًا. (٤) انظر: «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٦٣. مكة، يوضحه قوله - عليه السلام -: «إن الله حرم مكة» (١). أفلا ترى أنه قصد بالحرمة إلى مكة دون ما سواها، فدل ذلك أن سائر الناس سوى أهلها في حرمة دخولهم إياها سواء، فثبت بذلك قول ابن عباس، وفي ثبوت ذلك ما يجب به أن حاضري المسجد الحرام هم أهل مكة خاصة، كما قال نافع والأعرج، لا كما قال أبو حنيفة وأصحابه. ومن الحجة لمالك: أنهم أهل القرية التي فيها المسجد، وليس أهل الحرم كذلك؛ لأنه لو كان كذلك لما جاز لأهل مكة إذا أرادوا سفرًا أن يقصروا حتى يخرجوا عن الحرم كله، فلما جاز لهم القصر إذا خرجوا عن بيوت مكة، دل ذلك على أن حاضري المسجد هم أهل مكة دون الحرم. وأما قول من قال: من كان أهله دون المواقيت، فإن المواقيت ليس من هذا الباب في شيء؛ لأنها لم تجعل للناس؛ لأنها حاضرة المسجد الحرام، ألا ترى أن بعض المواقيت بينها وبين مكة مسيرة ثمان ليال، وبعضها ليلتين، فيكون من كان دون ذي الحليفة حاضري المسجد الحرام، وبينه وبين مكة ثمان ليال، ومن كان منزله من وراء قرن بما يلي نجدًا لا يكون من حاضريه، وإنما بينه وبينها مسيرة ليلتين، وبعض أخرى، وإنما الحاضر للشيء من كان معه، ويجعل من هو أبعد حاضرًا، ومن هو أقرب ليس بحاضر. وأيضًا فقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥] دال أنه المسجد الحرام بعينه، والصد إنما وقع عنه وعن البيت، فأما الحرم فلم يكن ممنوعًا منه؛ لأن الحديبية تلي الحرم، وهذا قاطع، قاله طاوس ومجاهد. ------------ (١) سيأتي برقم (١٨٣٣) من حديث ابن عباس كتاب: جزاء الصيد، باب: لا ينفر صيد الحرم. وأما قول ابن عباس في التمتع: فإن الله أنزله في كتابه وسنة نبيه، وأباحه للناس، غير أهل مكة، فإن مذهبه أن أهل مكة لا متعة لهم، وذلك -والله أعلم- لأن العمرة لا بد في الإحرام بها الخروج إلى الحل، ومن كان من أهل مكة فهي داره لا يمكنه الخروج عنها، وهي ميقاته للحج، وقد صرح بذلك ابن عباس فقال: يا أهل مكة، لا متعة لكم، إنما يجعل أحدكم بينه وبين مكة بطنًا واحدًا ويهل (١). وهذا مذهب أبي حنيفة، وأصحابه قالوا: ليس لأهل مكة تمتع ولا قران، فإن فعلوا فعليهم الدم، كما سلف (٢). وأوجب ابن الماجشون الدم للقران دون التمتع (٣)، واعتل بأن القارن، قارن من حيثما حج، والمتمتع إنما هو المعتمر من بلده في أشهر الحج، المقيم بمكة حتى يحج، ومن كان من أهلها، فهي داره لا يمكنه الخروج منها إلى غير داره، وقد وضع الله ذلك عنه، ولم يذكر القارن وهو خطأ؛ لأنه إذا أجاز التمتع لأهل مكة فقد أجاز لهم القران، إذ لا فرق بينهما، واحتج أبو حنيفة بأن الاستثناء عنده في الآية راجع إلى الجملة، لا إلى الدم، قال: ولو رجع إلى الدم لقال ذلك على من لم يكن أهله. وقول القائل: لفلان كذا، يفيد نفي الإيجاب عليه، ولهذا لا يقال له الصلاة والصوم، وإنما يقال عليه الصلاة والصوم. واحتج لمالك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ [البقرة: ١٩٦] لفظه يقتضي إباحة التمتع، ثم علق عليه حكمًا وهو الهدي، ثم استثنى في آخرها أهل مكة، والاستثناء إذا وقع بعد فعل علق عليه ------------ (١) رواه الطبري في «تفسيره» ٢/ ٢٦٥ (٣٥٠٩). (٢) سبق تخريج قولهم. (٣) «الاستذكار» ١١/ ٢١٦. حكم انصرف إلى الحكم المعلق على الفعل، لا إلى الفعل نفسه، فأهل مكة وغيرهم في إباحة التمتع الذي هو الفعل سواء، والفرق بينهم في الاستثناء يعود إلى الدم؛ لأنه الحكم المعلق على التمتع، وهذا بمنزلة قوله - عليه السلام - «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل منزله فهو آمن» (١) فلو وصله بقوله ذلك لمن لم يكن من أهل القينتين، أو لغير ابن خطل، لم يكن ذلك الاستثناء عائدًا إلا إلى الأمر، لا إلى الدخول، ولا يكون سائر الناس ممنوعين من دخول منازلهم، ومنزل أبي سفيان، بل إن دخلوا فلهم الأمان كلهم، إلا من استثنى. وقوله ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] لو تجرد من تمامه لم يعد، كقولك: زيد. لا يفيد بانفراده حتى تخبر عنه بقائم أو قاعد أو غيره، فكذلك قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ﴾ لا يفيد شيئًا حتى تخبر عن حكمه. وقوله ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] هو الحكم الذي به تتم الفائدة، والفوائد إنما هي في الأحكام المعلقة على أفعال العباد، لا على أسمائهم، ومثله ﴿فَسَجَدَ المَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ معناه: فإنه لم يسجد، فلم تكن الفائدة في الاستثناء راجعة إلا إلى نفي السجود الذي به يتم الكلام، وإنما أوجب الله الدم على المتمتع غير المكي؛ لأنه كان عليه أن يأتي محرمًا بالحج من داره في سفره، والعمرة في سفرتان، فلما تمتع بإسقاط أحد السفرين، أوجب الله عليه الهدي، فكذلك القارن هو في معناه لإسقاط أحد السفرين، ودلت الآية على أن أهل مكة بخلاف هذا المعنى؛ لأن إهلالهم بالحج خاصة من مكة، ولا خروج -------------- (١) رواه مسلم (١٧٨٠) كتاب: الجهاد والسير، باب: فتح مكة. ![]()
__________________
|
|
#316
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (11) من صـــ 271 الى صـــ 290 الحلقة (316) لهم إلى الحل للإهلال إلا بالعمرة خاصة، فإذا فعلوا ذلك، لم يسقطوا سفرًا لزمهم، فلا دم عليهم، ففارقوا سائر أهل الآفاق في هذا، وقد أسلفنا اختلافهم فيمن أحرم من مكة بالعمرة ولم يخرج إلى الحل في باب مهل أهل مكة للحج والعمرة. وقوله: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]: إلى أمصاركم. هو أصح أقوال الشافعي فيه، أن المراد بالرجوع: الرجوع إلى أهله، كما سيأتي مصرحًا به في باب: من ساق البدن (١)، وثانيها: الأخذ فيه، وثالثها: من منى إلى مكة، ورابعها: الفراغ من أعمال الحج، والثلاثة تكون في الحج، فيستحب الإحرام بالحج في السادس؛ لتقع الثلاثة في الحج. والثامن الأولى للحاج عدم صومه، واستحب مالك وأبو حنيفة الإهلال من المسجد لهلال ذي الحجة. وعند أبي حنيفة: الأفضل أن يصوم السابع والثامن والتاسع من ذي الحجة؛ رجاء أن يقدر على الهدي الذي هو الأصل، وعنده: إن صام السبعة بمكة بعد فراغه من الحج جاز إذا مضت أيام التشريق (٢)، وفي «شرح الهداية»: المستحب في السبعة أن يكون صومها بعد رجوعه إلى أهله، إذ جواز ذلك مجمع عليه (٣)، ويجوز إذا رجع إلى مكة بعد أيام التشريق في مكة، وفي الطريق، وهو محكي عن مجاهد وعطاء (٤)، وهو قول وجوزه أيضًا في أيام التشريق، وهو قول ابن عمر، ----------- (١) سيأتي برقم (١٦٩١). (٢) انظر: «تحفة الفقهاء» ١/ ٤١٢، «المبسوط» ٤/ ١٨١. (٣) «الهداية» ١/ ١٦٨. (٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ١٥١ كتاب: الحج، في قضاء السبعة الفرق أو الوصل. وعائشة (١)، والأوزاعي، والزهري، والشافعي في القديم، وهو المختار في حق فاقد الهدي، ولم يجوزه عليٌّ للنهي عن ذلك (٢). وقال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس. وقال إسحاق: يصومها في الطريق (٣)، فإن فاته الثلاثة في الحج لم يجزه عند أبي حنيفة إلا الدم، روي ذلك عن علي، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وطاوس، ومجاهد، والحسن، وعطاء (٤)، وجوز صومها بعد أيام التشريق حماد، والثوري، والأظهر من أقوال الشافعي: أنه يفرق بينها وبين السبعة، بقدر مسافة الطريق (٥). ---------- (١) «المصنف» ٣/ ١٥١ (١٢٩٩١ - ١٢٩٩٢) من رخص في الصوم ولم ير عليه هديًا. (٢) انظر: «البيان» ٤/ ٩٤، «روضة الطالبين» ٣/ ٥٣، «مختصر خلافيات البيهقي» ٣/ ١٦٥. (٣) انظر: «مسائل الإمام برواية الكوسج» ١/ ٥٦٩. «المغني» ٥/ ٣٦٢. (٤) «المصنف» ٣/ ١٥٠ - ١٥١ في المتمتع إذا فاته الصوم. (٥) انظر: «البيان» ٤/ ٩٩، «روضة الطالبين» ٣/ ٥٥. ٣٨ - باب الاغتِسَالِ عِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ ١٥٧٣ - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طُوًى، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ وَيَغْتَسِلُ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. [انظر: ٤٩١ - مسلم: ١٢٥٩ - فتح: ٣/ ٤٣٥] ذكر فيه، عَنْ نَافِعٍ كَانَ ابن عُمَرَ إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طُوى، ثمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ وَيَغْتَسِلُ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. هذا الباب سلف فقهه في باب: الإهلال مستقبل القبلة. قال ابن المنذر: الاغتسال لدخول مكة مستحب عند جميع العلماء؛ إلا أنه ليس في تركه عامدًا عندهم فدية (١). وقال أكثرهم: الوضوء يجزئ منه، وكان ابن عمر يتوضأ أحيانًا، ويغتسل أحيانًا، وروى ابن نافع عن مالك أنه استحب الأخذ بقول ابن عمر في الغسل؛ للإهلال بذي الحليفة وبذي طوى لدخول مكة، وعند الرواح إلى عرفة، قال: ولو تركه تارك من عذر لم أر عليه شيئًا. وقال ابن القاسم عن مالك: إن اغتسل بالمدينة وهو يريد الإحرام، ثم مضى في فوره إلى ذي الحليفة، فأحرم فإن غسله يجزئ عنه، قال: وإن اغتسل بالمدينة غدوة، وأقام إلى العشي، ثم راح إلى ذي الحليفة (فأحرم) (٢) فلا يجزئه (٣)، وأوجبه أهل الظاهر فرضًا على ---------- (١) سبق تخريج المسألة. (٢) ليست في الأصل. (٣) انظر «المدونة» ١/ ٢٩٥. مريدي الإحرام (١)، والأمة على خلافهم. وروي عن الحسن: إذا نسي الغسل للإحرام يغتسل إذا ذكره (٢)، واختلف فيه عن عطاء، فقال مرة: يكفي منه الوضوء، وقال مرة غير ذلك (٣). ومن الفوائد الجليلة أن الغسل لدخول مكة ليس لكونه محرمًا، وإنما هو لحرمتها، حتى يستحب لمن كان حلالًا أيضًا، وقد اغتسل لها - عليه السلام - عام الفتح، وكان حلالًا، كما أفاده الشافعي في «الأم». فرع: لو خرج من مكة فأحرم بالعمرة واغتسل ثم أراد دخولها، فإن كان أحرم من بعد كالجعرانة أعاد، وإلا فلا. فرع: يكون الغسل بذي طوى للاتباع، ويسمى اليوم أبيار الزاهر (٤)، وإنما أمسك ابن عمر عن التلبية في أول الحرم، وكان محرمًا بالحج كما في «الموطأ» (٥)؛ لأنه تأول أنه قد بلغ إلى الموضع الذي دُعي إليه، ورأى أن يكبر الله ويعظمه ويسبحه، إذ سقط عنه معنى التلبية بالبلوغ، وكره مالك التلبية حول البيت (٦). -------- (١) انظر: «المحلي» ٧/ ٨٢، «الإجماع» لابن المنذر ص ٦١. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٤٠٧ (١٥٥٩٣). (٣) المصدر السابق ٣/ ٤٠٧ (١٥٥٩٦). (٤) في الأصل: الزاهد، وفي هامش الأصل: صوابه الزاهر. (٥) «الموطأ» ١/ ٤٣٢ (١٠٩٢) كتاب: المناسك، باب: قطع التلبية. (٦) «المدونة» ١/ ٢٩٧، «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٣٣، «الاستذكار» ١١/ ٢٠٣، «المنتقى» ٢/ ٢١٧. وقال ابن عيينة: ما رأيت أحدًا يفتدى به يلبي حول البيت إلا عطاء بن السائب (١). وروي عن سالم أنه كان يلبي في طوافه، وبه قال ربيعة، وأحمد، وإسحاق، وكلٌ واسع (٢). وعندنا: لا يستحب في طواف القدوم؛ لأن له أذكارًا تخصه، وفي القديم: يستحب فيه بلا جهر، والخلاف جار في السعي بعده. أما طواف الإفاضة: فلا يستحب فيه جزمًا؛ لأنه قد أخذ في أسباب التحلل، وكذا الطواف المتطوع به في أثناء الإحرام ولا يبعد، جرى خلاف فيه (٣). وحكى ابن التين خلافًا عن مالك هل يقطعها أول الحرم، أو إذا دخل مكة؟ وخلافًا متى يعود إليها، هل هو بعد الطواف؟ أو بعد فراغه من السعي؟ وكان ابن عمر إن كان معتمرًا قطعها إذا دخل الحرم. قال مالك: فإن أحرم من الجعرانة قطعها عند الدخول، وإن كان من التنعيم قطعها عند رؤية البيت. قال ابن التين: وأصحابنا ذكروا الغسل في الحج في ثلاثة مواضع: للإحرام، والطواف، والوقوف. وأضاف البخاري في تبويبه لدخول مكة، وكذا فسره نافع في «الموطأ» (٤)، وإنما ذلك يفعل عند دخول مكة، فالغسل في الحقيقة للطواف، وعبارة الجلاب يغتسل لأركان الحج (٥)، وظاهره الغسل للسعي، وعن عائشة أنها كانت تغتسل لرمي الجمار. --------- (١) انظر «التمهيد» ١٣/ ٨٥، «الاستذكار» ١١/ ١٦٤. (٢) انظر: «المغني» ٥/ ١٠٧، «الفروع» ٣/ ٣٤٨. (٣) «البيان» ٤/ ١٣٩، «روضة الطالبين» ٣/ ٧٣. (٤) «الموطأ» ص ٢١٤. (٥) انظر «التفريع» ١/ ٣٢٠. وفي «الموطأ» عن ابن عمر أنه كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من احتلام (١)، وظاهره أن غسله لدخول مكة، ووقوف عرفة يختص بجسده دون رأسه. وقال ابن حبيب: إذا اغتسل المحرم لدخولها يغسل جسده دون رأسه، واحتج بذلك. وقال الشيخ أبو محمد: لعل ابن عمر كان لا يغسل رأسه إلا من جنابة، يعني: في غير هذِه المواطن الثلاثة (٢)، كأنه خصص ذلك. وحكى محمد عن مالك أن المحرم لا يتدلك في غسل دخول مكة، ولا الوقوف بعرفة، ولا يغسل رأسه إلا بالماء وحده يصبه صبًّ، ولا يغيب رأسه في الماء (٣). ------------- (١) «الموطأ» ص ٢١٥. (٢) انظر «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٢٥ - ٣٢٦. (٣) المصدر السابق ٢/ ٣٢٤. ٣٩ - باب دُخُولِ مَكَّةَ نَهَارًا أَوْ لَيْلًا بَاتَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِذِي طُوى حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ، وَكَانَ ابن عُمَرَ - رضي الله عنه - يَفْعَلُهُ. ١٥٧٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: بَاتَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِذِي طُوى حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ. وَكَانَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما يَفْعَلُهُ. [انظر: ٤٩١ - مسلم: ١٢٥٩ - فتح: ٣/ ٤٣٦] ذكر فيه حديث ابن عمر قال بَاتَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِذِي طُوى حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ، وَكَانَ ابن عُمَرَ - رضي الله عنه - يَفْعَلُهُ. وقد سلف فقهه في باب: التمتع والقران في الحديث الرابع منه، وذكرنا هناك لغات طوى، واقتصر ابن بطال فقال: ذو طوى -بضم الطاء- موضع بمكة، مقصور، وذو طواء -بفتح الطاء- موضع باليمن ممدود ولم يذكر غيره. قال: وليس دخوله مكة إذا أصبح بأمرٍ لازم لا يجوز تركه، ودخولها في كل وقت واسع (١). ------------ (١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٦١. ٤٠ - باب مِنْ أَيْنَ يدخلُ مَكَّةَ ١٥٧٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدْخُلُ مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى. [انظر: ٤٨٤ - مسلم: ١٢٥٧ - فتح: ٣/ ٤٣٦] ذكر فيه حديث ابن عمر أيضًا: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدْخُلُ مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى. ٤١ - باب مِنْ أَيْنَ يَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ ١٥٧٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيَا التِي بِالبَطْحَاءِ، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى. [انظر: ٤٨٤ - مسلم: ١٢٥٧ - فتح: ٣/ ٤٣٦] قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: كَانَ يُقَالُ هُوَ مُسَدَّدُ كَاسْمِهِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينِ يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ مُسَدَّدَا أَتَيْتُهُ فِي بَيتِهِ فَحَدَّثْتُهُ لَاسْتَحَقَّ ذَلِكَ، وَمَا أُبَالِي كُتُبِي كَانَتْ عِنْدِي أَو عِنْدَ مُسَدَّدٍ. ١٥٧٧ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ دَخَلَ مِنْ أَعْلَاهَا وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا. [١٥٧٨، ١٥٧٩، ١٥٨٠، ١٥٨١، ٤٢٩٠، ٤٢٩١ - مسلم ١٢٥٨ - فتح: ٣/ ٤٣٧] ١٥٧٨ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ المَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ، وَخَرَجَ مِنْ كُدًا مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ. [انظر: ١٥٧٧ - مسلم: ١٢٥٨ - فتح: ٣/ ٤٣٧] ١٥٧٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرٌو، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ أَعْلَى مَكَّةَ. قَالَ هِشَامٌ: وَكَانَ عُرْوَةُ يَدْخُلُ عَلَى كِلْتَيْهِمَا مِنْ كَدَاءٍ وَكُدًا، وَأَكْثَرُ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ، وَكَانَتْ أَقْرَبَهُمَا إِلَى مَنْزِلِهِ. [انظر: ١٥٧٧ - مسلم: ١٢٥٨ - فتح: ٣/ ٤٣٧] ١٥٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَامَ الفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ. وَكَانَ عُرْوَةُ أَكْثَرَ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ وَكَانَ أَقْرَبَهُمَا إِلَى مَنْزِلِهِ. [انظر: ١٥٧٧ - مسلم: ١٢٥٨ - فتح: ٣/ ٤٣٧] ١٥٨١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ: دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَامَ الفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ. وَكَانَ عُرْوَةُ يَدْخُلُ مِنْهُمَا كِلَيْهِمَا، وَأَكْثَرُ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ أَقْرَبِهِمَا إِلَى مَنْزِلِهِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: كَدَاءٌ وَكُدًا مَوْضِعَانِ. [انظر: ١٥٧٧ - مسلم: ١٢٥٨ - فتح: ٣/ ٤٣٧] ذكر فيه حديث ابن عمر أيضًا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيَا التِي بِالبَطْحَاءِ، وخَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى. وحديث عائشة أَنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - لَمَّا جَاءَ مَكَّةَ دَخَلَ مِنْ أَعْلَاهَا وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا. وفي رواية عنها: دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ مِنْ كُدًا، وَخَرَجَ مِنْ كَدَاءٍ مِنْ أَعْلى مَكَّةَ. وفي رواية عنها: دَخَلَ مكة عَامَ الفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ أَعْلَى مَكَّةَ. قَالَ هِشَامٌ: وَكَانَ عُرْوَةُ يَدْخُلُ من كِلْتَيْهِمَا مِنْ كَدَاءٍ وَكُدى، وَأَكْثَرُ مَا يدخلُ مِنْ كَدى، وَكَانَتْ أَقْرَبَهُمَا إِلَى مَنْزِلِهِ. وعَنْ عُرْوَةَ (١): دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَامَ الفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ مِنْ أَعْلى مَكَّةَ. وَكَانَ عُرْوَةُ أَكْثَرَ مَا يدخلُ مِنْ كَدى وَكَانَ أَقْرَبَهُمَا إِلَى مَنْزِلِهِ. وعنه (٢): دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَامَ الفتْحِ مِنْ كداء. وَكَانَ عُرْوَةُ يدخلُ مِنْهُمَا كلاهما، وَأَكْثَرُ مَا يدخلُ مِنْ كَدى أَقْرَبِهِمَا إِلَى مَنْزِلِهِ. وفي بعض النسخ: كداء وكدى: موضعان. قاله أبو عبد الله، وفي بعض النسخ الثناء على مسدد، شيخه: (وكان يقال له: مسدد كاسمه، سمعت يحيى بن معين يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: لو أن مسددًا ------------ (١) في الأصل كُتب فوق عروة: مرسل. (٢) انظر الهامش السابق. أتيته في بيته فحدثته لاستحق ذلك، ولا أبالي كتبي كانت عندي، أو عند مسدد). وحاصل ما ذكره البخاري أن أكثر روايته في كداء في الابتداء الفتح والمد، وفي الخروج الضم والقصر، مسندًا ومرسلًا، وأن في رواية بالعكس: الضم في الدخول، والفتح والمد في الخروج؛ ولهذا قال عبد الحق في «جمعه»: إنه مقلوب. وكدى بالضم إنما هي السفلى، ولفظ مسلم في حديث ابن عمر: كان إذا دخل مكة دخل من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السفلى (١)، وفي أخرى العليا التي بالبطحاء (٢). وفي حديث عائشة: لما جاء إلى مكة دخلها من أعلاها، وخرج من أسفلها. وفي أخرى: دخل مكة عام الفتح من كداء من أعلى مكة. قال هشام: فكان أبي يدخل منهما كلتيهما، وكان أبي أكثر ما يدخل من كداء. والمراد بالثنية العليا: التي ينزل منها إلى المعلى مقبرة مكة. قال أبو عبيد: لا يصرف؛ لأنه مؤنث. قيل: هو جبل بمكة، وقيل: هو عرفة بعينها. قلت: هذا بعيد، والسفلى: هي التي أسفل مكة عند باب شبيكة بقرب شعب الشاميين، وشعب ابن الزبير عند قعيقعان. وقال ابن المواز: كداء العليا هي العقبة الصغرى بأعلى مكة التي يهبط منها إلى الأبطح، والمقبرة منها على يسارك. وكدى التي خرج منها: هي العقبة الوسطى التي بأسفل مكة. ----------- (١) «صحيح مسلم» (١٢٥٧) كتاب: الحج، باب: استحباب دخول مكة من الثنية العليا والخروج منها من الثنية السفلى. (٢) المصدر السابق. وفي حديث الهيثم بن خارجة أن العليا بالضم والقصر (١)، وتابعه على ذلك وهيب وأبو أسامة. وقال عبيد بن إسماعيل: دخل من كداء -بالمد والفتح- في المغازي، ودخل من كدى بالضم والقصر، وقال ابن قرقول: وكذا عند عامتهم في حديث عبيد بالفتح، وهو الصواب، إلا أن الأصيلي ذكره عن أبي زيد بالعكس: دخل من كدى، وخالد بن الوليد: من كداء، وهو مقلوب، وفي حديث ابن عمر: دخل من كداء ممدود مصروف، وكذا في حديث عائشة، وعند الأصيلي: هو الموضع مهمل في هذا الموضع، وعند أبي ذر: القصر في الأول مع الضم، وفي الثاني: الفتح مع المد. وعن عروة من حديث عبد الوهاب: أكثر ما يدخل من كُدى. مضموم مقصور، للأصيلي والحموي وأبي الهيثم، ومفتوح مقصور للقابسي والمستملي، وعند محمود: دخل من كدى، وخرج من كداء، كذا لكافتهم، وللمستملي عكس ذلك، وهو أشهر، وعند مسلم: دخل يوم الفتح من كداء من أعلاها بالمد للرواة، إلا السمرقندي، فعنده: كدى بالضم والقصر، وفيه قال هشام: أكثر ما كان أبي يدخل من كدى بالضم، كذا رويناه، ورواه غيري بالمد والفتح (٢). وقال القرطبي: اختلف في ضبط هاتين الكلمتين، والأكثر منهم على أن العليا بالفتح والمد، والسفلى بالضم والقصر، وقيل: بالعكس (٣). ----------- (١) سيأتي برقم (٤٢٩٠) كتاب: المغازي، باب: دخول النبي - ﷺ - من أعلى مكة. (٢) في الكلام اضطراب، وجاء في «معجم البلدان» ٤/ ٤٤٠ - ٤٤١ وعند الأصيلي مهمل في هذا الموضع. (٣) «المفهم» ٣/ ٣٧١. وقال ابن التين: العليا بفتح الكاف، وضبطت في بعض الأمهات بالمد من غير صرف، والسفلى بالضم. وقال الخطابي: الرواة قلما يقيمون هذين الاسمين، وإنما هو كداء وكُدى (١). وذكر ابن ولاد أن كداء ممدود: جبل أو موضع، وكدى بالضم والقصر جمع، قال: وهو الموضع الغليظ الصلب (٢)، ورواية: دخل من كداء وخرج من كدى من أعلى مكة. فيه تقديم وتأخير، وإنما أراد أنه دخل من أعلاها من كداء، وخرج من أسفلها من كدى، وما روي عن عروة أنه كان يدخل من كلتيهما، فإنما أراد أن يعرف أن ذلك ليس بفرض، وإنما هو سنة. واقتصر ابن بطال من هذا الاختلاف على قوله: إذا فتحت الكاف مددت، وإذا ضممتها قصرت، وقد قيل: كدى بالضم وهو أعلى مكة، وقيل: بل بالفتح وهو أصح (٣). وقال ابن حزم: الممدود عند المحصب، وبضم الكاف وتنوين الدال عند ذي طوى، وهي الثنية السفلى، قال الحازمي وغيره: تقول الثنية السفلى هي كدى مصغر. وقوله: (كلاهما). كذا في الأصل، وفي نسخة: كليهما. وقوله قبله: (وكان عروة يدخل على كلتيهما) هو الصواب. وقال ابن التين: في «الأمهات»: كلتاهما، والصواب كلتيهما، والحكمة في الدخول من العليا، والخروج من السفلى أن نداء أبينا إبراهيم كان من جهة العلو، وأيضًا فالعلو مناسب للمكان العالي الذي قصده، والسفل مناسب لمكانه الذي يذهب إليه؛ لأنه سفل بالنسبة إليه. وقيل: إن من جاء ------- (١) «أعلام الحديث» ٢/ ٨٦٤. (٢) «المقصور والممدود» ص ٩٣. (٣) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٦٢. هذِه الجهة كان مستقبلًا البيت، وقيل: لأنه - عليه السلام - لمَّا خرج مختفيًا أراد أن يدخلها ظاهرًا عاليًا. وقال المهلب: إنما فعله؛ ليعلم الناس السعة في ذلك، وأن ما يمكن له منه فمجزئ عنهم، ألا ترى أن عروة كان يفعل ذلك. وقال غيره: ليتبرك به الطريقان، أو ليغيظ المنافقين بظهور الدين وعز الإسلام، أو تفاؤلًا بتغير الحال، أو ليشهد له الطريقان كما في العيد (١). قلت: وروى الطبراني في «الأوسط» عن العباس أنه - عليه السلام - لما بعث، قال العباس لأبي سفيان بن حرب: أسلم بنا. فقال: لا والله حتى أرى الخيل تطلع من كداء. قال العباس: قلت له: ما هذا؟ قال: شيء يطلع بقلبي؛ لعلمي أن الله لا يطلع الخيل هناك أبدًا. قال: فلما طلع رسول الله - ﷺ - من هناك ذكرت أبا سفيان به، فذكره. وروى البيهقي من حديث ابن عمر أنه - عليه السلام - قال لأبي بكر: «كيف قال حسان بن ثابت؟» فأنشد: عدمت بنيتي إن لم يروها … تسير النقع عن كنفي كداء فتبسم رسول الله - ﷺ - فقال: «ادخلوها من حيث قال حسان» (٢)، ومن حديث عروة نحوه، وأجاب كعب بن مالك أبا سفيان بقوله: فلا تعجل أبا سفيان وارقب … جياد الخيل تطلع من كداء ---------- (١) دل على ذلك حديث سبق برقم (٩٨٦) كتاب: العيدين، باب: من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد. (٢) «دلائل النبوة» ٥/ ٤٨ - ٤٩. ٤٢ - باب فَضْلِ مَكَّةَ وَبُنْيَانِهَا وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ إلى قوله: ﴿التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٦ - ١٢٨]. [فتح: ٣/ ٤٣٨] ١٥٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا بُنِيَتِ الكَعْبَةُ ذَهَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَعَبَّاسٌ يَنْقُلَانِ الحِجَارَةَ، فَقَالَ العَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ. فَخَرَّ إِلَى الأَرْضِ، وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: «أَرِنِي إِزَارِي». فَشَدَّهُ عَلَيْهِ. [انظر: ٣٦٤ - مسلم: ٣٤٠ - فتح: ٣/ ٤٣٩] ١٥٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنهمزَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ لَهَا: «أَلَمْ تَرَىْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوُا الكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: «لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالكُفْرِ لَفَعَلْتُ». فَقَالَ عَبْدُ اللهِ - رضي الله عنه -: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَا أُرَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الحِجْرَ، إِلَّا أَنَّ البَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ. [انظر: ١٢٦ - مسلم: ١٣٣٣ - فتح: ٣/ ٤٣٩] ١٥٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنِ الجَدْرِ أَمِنَ البَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي البَيْتِ؟ قَالَ: «إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ». قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: «فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا، وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ، أَنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ فِي البَيْتِ، وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ». [انظر: ١٢٦ - مسلم: ١٣٣٣ - فتح: ٣/ ٤٣٩] ١٥٨٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَوْلَا حَدَاثَةُ قَوْمِكِ بِالكُفْرِ لَنَقَضْتُ البَيْتَ، ثُمَّ لَبَنَيْتُهُ عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ - عليه السلام -، فَإِنَّ قُرَيْشًا اسْتَقْصَرَتْ بِنَاءَهُ، وَجَعَلْتُ لَهُ خَلْفًا». قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: خَلْفًا يَعْنِي: بَابًا. [انظر: ١٢٦ - مسلم: ١٣٣٣ - فتح: ٣/ ٤٣٩] ١٥٨٦ - حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهَا: «يَا عَائِشَةُ لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لأَمَرْتُ بِالبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ: بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ». فَذَلِكَ الذيِ حَمَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما عَلَى هَدْمِهِ. قَالَ يَزِيدُ: وَشَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الحِجْرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الإِبِلِ. قَالَ جَرِيرٌ: فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ مَوْضِعُهُ؟ قَالَ أُرِيكَهُ الآنَ. فَدَخَلْتُ مَعَهُ الحِجْرَ فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ فَقَالَ: هَا هُنَا. قَالَ جَرِيرٌ: فَحَزَرْتُ مِنَ الحِجْرِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا. [انظر: ١٢٦ - مسلم: ١٣٣٣ - فتح: ٣/ ٤٣٩] ﴿مَثَابَةً﴾: مجمعًا، أو من الثواب، أو مرجعًا، أو لا يقضون فيه وطرًا، وأصلها؛ مثوبة، وقرئ (مثابات). ﴿وَأَمْنًا﴾ أي؛ يأمن من دخله، وكان معاذًا له. قال تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وكان الرجل منهم لو لقي قاتل أبيه أو أخيه لم يهجه، ولم يعرض له حتى يخرج منه. قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وحديث: «إن إبراهيم حرم مكة» (١) المراد: -------- (١) سيأتي برقم (٢١٢٩) كتاب: البيوع، باب: بركة صاع النبي - ﷺ - ومده. ورواه مسلم (١٣٦٠) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة ودعاء النبي - ﷺ - فيها بالبركة. أظهر حرمتها، وإلا فهي حرام منذ خلق الله السموات والأرض كما ستعلم، فهو آمن من عقوبة الله، وعقوبة الجبابرة، وسأل إبراهيم أن يؤمنه من الجدب والقحط، دليله: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وقيل: بل كانت حلالًا قبل دعائه، وهو حرمها كما حرم نبينا المدينة. وقوله: (﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾) [البقرة: ١٢٥] قيل: هو المقام الذي يصلي فيه الأئمة اليوم، وقيل: الحج كله مقام إبراهيم. قاله ابن عباس وعطاء (١). ومصلى أي: مدعى، قاله مجاهد (٢)، والأظهر: الصلاة. ﴿وَعَهِدْنَا﴾ أمرنا وأوحينا. ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ أي: من الآفات والريبة، أو من الأوثان، أو من الشرك. ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ ببيتي، ﴿وَالعَاكِفِينَ﴾: المجاورين، أو أهل البلد. و﴿القَوَاعِدَ﴾: الأساس، والجدر. ﴿مَنَاسِكَنَا﴾: ذبائحنا أو متعبداتنا. ﴿وَأَرِنَا﴾: بكسر الراء وإسكانها. ثم ذكر فيه خمسة أحاديث: أحدها: حديث جابر بن عبد الله: لَمَّا بُنيَتِ الكَعْبَةُ ذَهَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - والعباس يَنْقُلَانِ الحِجَارَةَ، فَقَالَ العَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ. فَخَرَّ إِلَي الأَرْضِ، وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: «أرِنِي إِزَارِي». فَشَدَّهُ عَلَيْهِ. -------------- (١) رواه الطبري في «تفسيره» ١/ ٥٨٤ - ٥٨٥ (١٩٩٢، ١٩٩٤)، وابن أبي حاتم في «تفسير القرآن العظيم» ١/ ٢٢٦ (١١٩٧ - ١١٩٨). (٢) رواه الطبري في «تفسيره» ١/ ٥٨٦، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٢٢٤ إلى «سنن بن منصور». ولفظ زكريا بن إسحاق في أول كتاب الصلاة: فقال له العباس: ابن أخي لو حللت إزارك فجعلته على منكبيك دون الحجارة. قال: فعله، فجعله على منكبه، فسقط مغشيًّا عليه، فما رُئي بعد ذلك عريانًا. وسلف شرحه هناك في باب: كراهة التعري في الصلاة وغيرها (١)، ورواه الإسماعيلي بلفظ: لما بنت قريش الكعبة ذهب النبي - ﷺ - وعباس ينقلان الحجارة، فقال عباس لرسول الله - ﷺ -: اجعل إزارك على رقبتك (٢) من الحجارة، ففعل، فخر إلى الأرض، وطمحت عيناه. الحديث. ثم قال: قد جعل عبد الرزاق وضع الإزار على رقبة رسول الله - ﷺ - وتابعه أبو عاصم (٣)، وجعل البرساني الإزار على رقبة العباس. قلت: أخرجه مسلم من طريق محمد بن بكر كرواية عبد الرزاق (٤). فإن قلت: هذا الحديث مرسل صحابي؛ لأنه من المعلوم أنه لم يكن ثم، ولا قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقوله. قلت: مرسله حجة إلا من شذ كما سلف هناك، وقد رواه سماك عن عكرمة عن مولاه، حدثني أبي العباس، فذكره. أخرجه البيهقي في «دلائله»، وفيه: «نهيت أن أمشي عريانًا» (٥)، وأخرجه ابن جرير في «تهذيبه» أيضًا. ولابن إسحاق حدثني والدي عمن حدثه عن رسول الله - ﷺ - أنه قال فيما يذكر من حفظ الله تعالى إياه: «إني لمع غلمان هم أسناني قد جعلنا أزرنا على ----------- (١) سلف برقم (٣٦٤) كتاب: الصلاة. (٢) في (م) والأصل: رقبتي، ولعل الصحيح ما أثبتناه. (٣)»المصنف«١/ ٢٨٦ (١١٠٣) كتاب: الطهارة، باب: ستر الرجل إذا اغتسل. (٤)»صحيح مسلم«(٣٤٠) كتاب: الحيض، باب: الاعتناء بحفظ العورة. (٥)»دلائل النبوة" ٢/ ٣٢ - ٣٣. أعناقنا لحجارة ننقلها (١) إذ لكمني لاكم لكمة شديدة» ثم قال: «اشدد عليك إزارك» (٢). ويجوز أن يكون المراد بقول ابن عباس: أول شيء رآه من النبوة أن قيل له: استتر، وهو غلام (٣). هذا وفي خبر آخر ذكره السهيلي (٤) أنه لما سقط ضمه العباس إلى نفسه، وسأله عن نفسه، فأخبره أنه نودي من السماء: أن اشدد عليك إزارك يا محمد. قال: وإنه لأول ما نودي. وفي «طبقات محمد بن سعد» من حديث ابن عباس وغيره، قالوا: بينا رسول الله - ﷺ - ينقل معهم الحجارة -يعني للبيت- وهو يومئذ ابن خمس وثلاثين سنة، وكانوا يضعون أزرهم على عواتقهم، ويحملون الحجارة، ففعل ذلك رسول الله - ﷺ -، فلبط -أي: سقط من قيام- ونودي: عورتك. وكان ذلك أول ما نودي، فقال له أبو طالب: يا ابن أخي، اجعل إزارك على رأسك. فقال: «ما أصابني ما أصابني إلا في تعدّيّ» (٥). وليس في الحديث- كما قال ابن الجوزي- دلالة على كشف عورة، وإنما فيه كشف الجسد، وهو الظاهر، وفي رواية: أن الملك نزل فشد عليه إزاره. --------- (١) في الأصل: الحجارة نلفها، وفي (م) تكفنها الحجارة والمثبت من سيرة ابن إسحاق ١/ ٥٧. (٢) «سيرة ابن إسحاق» ص ٥٧ - ٥٨. (٣) روه ابن سعد في «طبقاته» ١/ ١٥٧، والطبراني ١١/ ٢٥٣ (١١٦٥١)، وابن عدي في «الكامل» ٨/ ٢٦٠، والحاكم في «المستدرك» ٤/ ١٧٩ كتاب: اللباس، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: النضر ضعفوه اهـ، وأورده الهيثمي في «المجمع» ٢/ ٥٢ وقال: رواه الطبراني في «الكبير». وفيه: النضر، وقد أجمعوا على ضعفه. (٤) «الروض الأنف» ١/ ٢٠٨ - ٢٠٩. (٥) «الطبقات الكبرى» ١/ ١٤٥. وطمحت عيناه: شخصت وارتفعت. قال ابن سيده: طمح ببصره يطمح طمحًا: شخص، وقيل: رمى به إلى الشيء، ورجل طماح: بعيد الطرف (١). وقوله: («أرني إزاري»)، قال ابن التين: ضبط بإسكان الراء وبكسرها، والإسكان أحسن عند بعض أهل اللغة؛ لأن معناه أعطني، وليس معناه الرؤيا، وإنما قال: ناولني إزاري. ووقع في «شرح ابن بطال»: إزاري، إزاري مكررًا (٢). ومعناه صحيح إن ساعدت الرواية ولم نره. قال ابن بطال في الصلاة: لو كان نهي عن التعري مطلقًا لكان نهيًا عن التعري للغسل في الموضع الذي أمن أن يراه فيه أحد إلا الله تعالى، ولكنه نهي عن التعري حيث يراه أحد، ولذلك نهى عن دخول الحمام بغير مئزر (٣). وحديث القاسم عن أبي أمامة مرفوعًا «لو أستطيع أن أواري عورتي من شعاري لواريتها» (٤) إن صح فمحمول على الندب، وكذا قول علي: إذا كشف الرجل عورته أعرض عنه الملك (٥)، وكذا قول أبي موسى الأشعري: إني لأغتسل في البيت المظلم، فما أقيم صلبي حياءً من ------------- (١) «المحكم» ٣/ ١٨٦. (٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٦٢. (٣) «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٧ - ٢٨. (٤) رواه ابن عدي في «الكامل» ٢/ ٣٦٣، وأورده الديلمي في «الفردوس» ٣/ ٣٦٣ (٥٠٩٨). (٥) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ١٠٤ (١١٧٤) كتاب: الطهارات من كان يقول: إذا دخلته فادخله بمئزر. ![]()
__________________
|
|
#317
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (11) من صـــ 291 الى صـــ 310 الحلقة (317) لفناه هناك، وأعدناه لبعد العهد به. ثم أعلم أن الرب ﷻ ذكر فضل مكة في غير موضع من كتابه، ومن أعظم فضلها أنه ﷻ فرض على عباده حجها، وألزمهم قصدها، أو لم يقبل من أحد صلاة إلا باستقبالها، وهي قبلة أهل دينه أحياءً وأمواتًا. وفي حديث عائشة معرفة بنيان قريش للكعبة، وقد بناها إبراهيم قبل ذلك، وبنته الملائكة قبل آدم، وحجه آدم ثم الأنبياء، ما من نبي إلا حجه، وفي «الروض» أول من بناه شيث، وكانت قبل أن يبنيها خيمة من ياقوتة حمراء، يطوف بها آدم ويأنس بها؛ لأنها أنزلت من الجنة (٢)، وقيل: إنه بني في أيام جرهم مرة أو مرتين؛ لأن السيل كان قد صدَّعَ حائطه. قال: وقيل: لم يكن بنيانًا إنما كان إصلاحًا لما وَهى منه، وجدارًا بني بينه وبين السيل، بناه عامر الجادر. وفي «أنساب الزبير»: لما بني قصي الكعبة بنيانًا لم يَبْنِ مثله أحد؛ ذكر شعرًا، وبناها عبد الله بن الزبير لما كانت عائشة ترويه؛ ولأنه لما نصب عليها المنجنيق الحصين بن بشر وهت جدرانها، وقيل: بل طارت شررة من مجمره في أستارها فاحترقت، فلمَّا أمر عبد الملك بهدمها وبناها الحجاج على البناء الأوَّل، أخبر عبدَ الملك أبو سلمة وغيره عن عائشة ما كان عمدة ابن الزبير في هدمها، فندم لذلك، وقال: ليتنا تركناه وما تولى، فلمَّا ولي أبو جعفر أراد أن يهدمها ويردها إلى بناء ابن الزبير، فناشده مالك في ذلك فتركه، وفي ----------- (١) رواه ابن سعد في «طبقاته» ٤/ ١١٤، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ٢/ ٨٢٩ - ٨٣٠ (٨٢٩)، وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ٢٦٠. (٢) «الروض الأنف» ١/ ٢٢٢. «صحيح الحاكم»، وقال: صحيح على شرط الشيخين من حديث ابن عمر مرفوعًا: «استمتعوا من هذا البيت، فإنه هدم مرتين ويرفع في الثالثة» (١). وقال عطاء -فيما حكاه ابن جريج-: إن آدم قال: أي ربِّ، إني لا أسمع أصوات الملائكة. فقال: اهبط إلى الأرض فابن لي بيتًا ثم احفف به، كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماءِ، قال: فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل: من حراء، وطور سيناء، وطور زيتا، والجودي، ولبنان (٢). فكان هذا بناء آدم حتى بناه إبراهيم، وعن عبد الله بن عمرو: لما أهبط آدم قال: إني مهبط معك أو مُنزل معك بيتًا يطاف حوله كما يطاف حول عرشي، ويصلى عليه كما يصلى عند عرشي. فلما كان زمن الطوفان رُفعَ، فكانت الأنبياء يحجون ولا يعلمون مكانه، حتى بوأه الله لإبراهيم وأعلمه بمكانه، فبناه من خمسة أجبل: حراء، وثبير، ولبنان، والطور، وجبل الخمر (٣)، قال الطبري: هو جبل الشام، وعن قتادة: ذكر لنا أنه بني من خمسة أجبل: من طور سيناء، وطور زيتا، ولبنان، وجودي، وحراء. وذكر لنا أن قواعده من حراء (٤). وعن عطاء: لمَّا أهبط آدم كان رجلاه في الأرض ورأسه في السماء، يسمع كلام أهل السماء ودعاء هم، يانس إليهم، فهابته الملائكة حتى شكت إلى الله، فخفضه --------- (١) «المستدرك» ١/ ٤٤١ كتاب: المناسك، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٩٥٥)، وانظر: «الصحيحة» ٣/ ٤٣٤ (١٤٥١). (٢) رواه الطبري في «تفسيره» ١/ ٥٩٦ (٢٠٣٩). (٣) «تفسير الطبري» ١/ ٥٩٦ (٢٠٤١). (٤) رواه الأزرقي في «أخبار مكة» ١/ ٦٣. إلى الأرض، فلمَّا بعد ما كان يسمع منهم استوحش، فشكى إلى الله، فوجه إلى مكة، وأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن، فلم يزل يطوف به، فلمَّا كان الطوفان رفع الله تلك الياقوتة حتَّى بعث الله إبراهيم فبناه (١)، وعن أبان: أن البيت أُهبط ياقوتة أو درة واحدة (٢). وقال مجاهد: كان موضع البيت على الماء قبل خلق السماوات والأرض مثل الزبدة البيضاء، ومن تحته دحيت الأرض (٣). وقال عمرو بن دينار: بعث الله رياحًا، فصفقت الماء، فأبرزت موضع البيت عن حشفة كأنها القبة، فهذا البيت منها، فلذلك هي أم القرى (٤). وعن ابن عباس، قال: وضع البيت على أركان الماء، على أربعة أركان قبل خلق الدنيا بألفي عامٍ (٥)، وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد وغيره من أهل العلم أن الله لمَّا بوأ لإبراهيم مكان البيت خرج إليه من الشام، ومعه إسماعيل وأمه، وهو طفل يرضع، وحملوا على البراق، ومعه جبريل يدله على مواضع البيت ومعالم الحرم، فكان لا يمر بقرية إلا قال: بهذِه أمرت يا جبريل؟ فيقول جبريل: امضه حتى قدم به مكة، وهي إذ ذاك عِضَاه سلمٍ وسمر، وبها أناس يقال: لهم العماليق خارج مكة وما حولها، والبيت يومئذٍ ربوة حمراء مدرة، --------- (١) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ٥/ ٩١ (٩٠٩٠) كتاب: الحج، باب: بنيان الكعبة، والطبري في «تفسيره» ١/ ٥٩٦ (٢٠٤٣). (٢) رواه الطبري في «تفسيره» ١/ ٥٩٧ (٢٠٤٥)، وفي «تاريخه» ١/ ٨٤ - ٨٥. (٣) «تفسير الطبري» ١/ ٥٩٧ (٢٠٤٦). (٤) «تفسير الطبري» ١/ ٥٩٧ (٢٠٤٧). (٥) رواه الطبري ١/ ٥٩٧ (٢٠٤٨)، وأبو الشيخ الأصبهاني في «العظمة» ص ٣٦٧ - ٣٦٨ (٩٠٢)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٢٣٦ إليهما. فقال إبراهيم لجبريل: أها هنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم، فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أن تتخذ فيه عريشًا (١). قال ابن إسحاق: ويزعمون -والله أعلم- أن ملكًا من الملائكة أتى هاجر قبل أن يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت فأشار لهما إلى البيت، وهو ربوة حمراء، فقال لهما: هذا أول بيت وضع في الأرض، وهو بيت الله العتيق، واعلمي أن إبراهيم وإسماعيل يرفعانه (٢). قال مجاهد: خلق الله موضع البيت قبل أن يخلق شيئًا من الأرض بألفي سنة، وأركانه في الأرض السابعة (٣). وقال كعب: كان البيت غثاءً على الماء قبل أن تخلق الأرض بأربعين سنة (٤). وعن عليٍّ أن إبراهيم أقبل من أرمينية ومعه السكينة تدله حتى تبوأ البيت، كما تبوأ العنكبوت بيتًا، فرفعت من أحجار يطيقه أولًا يطيقه ثلاثون رجلًا، قيل لابن المسيب رواية عنه: فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧] قال: كان ذلك بعد (٥). ----------- (١) رواه الأزرقي في «أخبار مكة» ١/ ٥٤، ورواه الطبري في «تفسيره» ١/ ٥٩٧ - ٥٩٨ (٢٠٥٠)، وفي «تاريخه» ١/ ١٥٣ - ١٥٤. (٢) رواه عنه الأزرقي في «أخبار مكة» ١/ ٥٦. (٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٩٤ - ٩٥ (٩٠٩٧) كتاب: الحج، باب: بنيان الكعبة، والأزرقي في «تاريخ مكة» ١/ ٣٢، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٢٣٦ إلى عبد الرزاق والأزرقي والجندي. (٤) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ١٩٥ (٩٠٩٨) كتاب: الحج، باب: بنيان الكعبة، والأزرقي في «أخبار مكة» ١/ ٣١. (٥) رواه الطبري ١/ ٥٩٧ (٢٠٥٢)، وابن أبي حاتم ١/ ٢٣٢ (١٢٣٦)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٢٦٧ كتاب: التفسير، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٠/ ٣٢ - ٣٣. وفي كتاب «التيجان»: لما عتت قوم نوح وهدموا الكعبة، قال تعالى له: انتظر الآن هلاكهم إذا فار التنور. وقال ابن عبَّاس: كان إبراهيم يبني، وإسماعيل يحمل الحجارة على رقبته (١). وعن السدي: أخذا المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحًا يقال لها: الخجوج لها جناحان ورأس، في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة، وعن أساس البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس، فلمَّا بنت القواعد، وبلغا مكان الركن، قال: يا إسماعيل، اطلب لي حجرًا حسنًا أضعه هنا، قال: يا أبت إني لَغِبٌ، قال: عليَّ ذلك، وانطلق يطلب حجرًا، فجاء جبريل بالحجر الأسود من الهند، وكان ياقوتة بيضاء مثل الثغامة، وكان آدم هبط به من الجنة، ولما جاءه إسماعيلُ بحجر قال: يا أبتِ من جاء بهذا؟ قال: من هو أنشط منك (٢). وقال عليٌّ: لمِّا أمر إبراهيم ببناء البيت خرج معه إسماعيل وهاجر، فلمَّا قدم رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس، فكلمه فقال: يا إبراهيم، ابن على ظلي، أو على قدري، ولا تزد ولا تنقص، فلمَّا بني خرج وخلف إسماعيل مع أمه، فقالت: يا إبراهيم، إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله. قالت: انطلق؛ فإنه لا يضيعنا. قال: فعطش إسماعيل عطشًا شديدًا. قال: فصعدت هاجر الصفا فنظرت، فلم تر شيئًا، ثم أتت المروة فلم تر شيئًا، ثم رجعت إلى الصفا ففعلت ذلك سبعًا، فقالت لولدها: مُتْ حيث لا أراك، فناداها جبريل: من أنت؟ قالت: هاجر أمُّ ولد إبراهيم، قال: إلى من ----------- (١) قطعة من حديث سيأتي برقم (٣٣٦٤) كتاب: أحاديث الأنبياء. (٢) روه الطبري في «تفسيره» ١/ ٥٩٩ (٢٠٥٥)، وفي «تاريخه» ١/ ١٥٣. وكلكما؟ قالت: إلى الله. قال: وكلكما إلى كافٍ، ففحص الأرض بإصبعه؛ فنبعت زمزم، فجعلت تحبس الماء، فقال: دعيه، فإنها رواءٌ (١). وقال ابن هشام في «التيجان»: كان إبراهيم وإسماعيل يبنيان، وهاجر تسقي لهما الماء من زمزم، وتعجن لهما الطين وتعينهما، قال: وإن إبراهيم سار إلى القدس بإسماعيل وهاجر؛ ليسكنهما فيه، فإذا كان وقت الحج يحجون من بيت المقدس إلى البيت الذي بناه. فلمَّا نزل بالقدس أُريَ أن يذبح إسماعيل، فخرج به إلى الطور، وهاجر تقول: أحدٌ أحدٌ صمد لم يلد ولم يولد، رب ولدي كبدي اربط على قلبي بالصبر، فلمَّا فُديَ بالكبش، قال لها إبراهيم: كلي من كبده يهدئ روعك، فأول من أكل منه هاجر، ثم إبراهيم وإسماعيل. قال وهب: الذبيح إسماعيل، ثم ولد بعده إسحاق، على ما في القرآن العظيم، فلما كان وقت الحج حج إبراهيم من بيت المقدس، ومعه إسماعيل وهاجر، وأمر الله أن يؤذن في الناس بالحج، فأذن ثم صار إلى بابل. وذكر الواقدي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله: أن إبراهيم نصب أنصاب الحرم، يريه جبريل، ثم جددها إسماعيل، ثم قصي، ثم سيدنا رسول الله - ﷺ - فبعث عام الفتح رجلًا من خزاعة فجددها، ثم عمر. وعن ابن عباس: أن جبريل أرى إبراهيم موضع أنصاب الحرم، فنصبها ثم جددها إسماعيل إلى آخره (٢). ---------- (١) رواه الطبري ١/ ٦٠٠ (٢٠٥٩)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٥٥١ مختصرًا، كتاب: التاريخ، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. (٢) رواه الأزرقي في «أخبار مكة» ٢/ ١٢٧، والفاكهي في «أخبار مكة» ٢/ ٢٧٣ (١٥١٢). وروى الجندي من طريق ميمون بن مهران، عن ابن عباس رفعه: «كان البيت قبل هبوط آدم ياقوتة من ياقوت الجنة، له بابان من زمرد أخضر: باب شرقي، وباب غربي، وفيه قناديل من الجنة، والبيت المعمور الذي في السماء يدخله كلَّ يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون منه إلى يوم القيامة حذاء البيت الحرام، ولما أهبط آدم إلى موضع الكعبة، وهو مثل الفلك من شدة رعدته، وأنزل عليه الحجر الأسود يتلألأ كأنه لؤلؤة بيضاء، فأخذه آدم فضمه إليه استئناسًا به، ثم أخذ الله تعالى من بني آدم ميثاقهم، فجعله في الحجر ثم أنزل على آدم العصا، ثم قال: يا آدم، تخطَّ فتخطى، فإذا هو بأرض الهند، فمكث ما شاء الله، ثم استوحش إلى البيت، فقيل له: احجج يا آدم، فلمَّا قدم مكة تلقته الملائكة، فقالت: برَّ حِجَّك يا آدمُ، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام، فقال: ما كنتم تقولون حوله؟ قالوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله، والله كبر. فكان آدم إذا طاف قالهنَّ وكان يطوفُ سبعة أسابيع بالليل، وخمسة أسابيع بالنهار، وقال: ربِّ اجعل لهذا البيت عُمَّارًا يعمرونه من ذريتي، فأوحى الله جلَّ وعز أني معمره نبيًّا من ذريتك اسمه إبراهيم، أقضي على يده عمارته، وأنيط له سقايته، وأريه مواقفه، وأعلمه مناسكه» (١). وفي «الدلائل» للبيهقي من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «بعث الله جبريل إلى آدم وحواء، فقال لهما: ابنيا لي بيتًا فخطه لهما جبريل، فجعل آدم يحفر وحواء تنقل، حتى أصابه الماء فنودي من تحت: حسبك يا آدم، فلمَّا بنيا أوحى الله إليه أن يطوف به، وقيل له: أنت أول الناس، ---------- (١) أورده الديلمي في»الفردوس«٣/ ٢٧٢ (٤٨١٥) مختصرًا، وكذا السيوطي في»الدر المنثور" ١/ ٢٤٥ مطولًا، وعزاه إلى الجندي والديلمي. وهذا أوَّل بيت» (١). ثم تناسخت القرون حتَّى حجه نوح، ثم تناسخت القرون حتى رفع إبراهيم القواعد منه. قال البيهقي: تفرد به ابن لهيعة هكذا مرفوعًا (٢)، وقال أبو الطفيل: كانت الكعبة قبل أن تبنيها قريش برضم يابس ليس بمدر تنزوه العناق، وتوضع الكسوة على الجُدر، ثم تدلى، ثم إن سفينة للروم انكسرت بالشعبية، فأخذت قريش خشبها، وروميًّا -يقال له: باقوم- نجار، بأن يبنيها، ونقلوا الحجارة من أجياد (٣). وعن عليٍّ: فلمَّا بناه إبراهيم مرَّ عليه الدهُر فانهدم، فبنته العمالقة، فمَّر عليه الدهرُ فانهدم، فبنته جرهم، فمرَّ عليه الدهرُ فانهدم، فبنته قريش، ورسول الله - ﷺ - يومئذٍ شابٌّ. صحح الحاكم أصل هذا الحديث (٤). وقال ابن شهاب: لمَّا بلغ رسول الله - ﷺ - الحُلُمَ أجمرت امرأة الكعبة فطارت شرارة من مجمرتها في ثياب الكعبة فاحترقت فهدموها، فلمَّا اختلفوا في وضع الركن دخل رسول الله - ﷺ - هو غلام عليه وشاح نمرة، فحكَّموه، فأمر بثوبٍ .. الحديث. وفيه: فوضعه هو في مكانه، ------------ (١) «دلائل النبوة» ٢/ ٤٥. (٢) المصدر السابق. (٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ١٠٢ (٩١٠٦) كتاب: الحج، باب: بنيان الكعبة، وإسحاق بن راهويه في «مسنده» ٣/ ٩٩٣ (١٧٢٠)، والأزرقي في «أخبار مكة» ١/ ١٥٧ - ١٥٨، وابن خزيمة في «صحيحه» ٤/ ٣٣٧ (٣٠٢٢)، والضياء في المختارة ٨/ ٢٢٧ (٢٧٢)، وأورده الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٨٩ وقال: رواه الطبراني في «الكبير» بطوله، وروى أحمد طرفًا منه، ورجالهما رجال الصحيح. اهـ. (٤) «المستدرك» ١/ ٤٥٨. ثم طفق لا يزداد على السر إلا رضي حتى دعوه الأمين (١). ولموسى بن عقبة: كان بنيانها قبل النبوة بخمس عشرة سنة (٢)، وكذا روي عن مجاهد (٣) وجماعات (٤). وفي «الطبقات»: كانت الجرف مظلةً على الكعبة، وكان السيلُ يدخلُ من أعلاها حتى يدخل البيت، فانصدع فخافوا أن ينهدم، وسرق منه حية وغزالٌ من ذهب كان عليه درٌّ وجوهر، فأقبلت سفينة فيها رومٌ رأسهم باقوم، وكان بانيًا، فخرج الوليد بن المغيرة في نفر فابتاعوا خشبها، وكلَّموا باقوم فقدم معهم (٥). وفي كتاب الأزرقي: جعل إبراهيم طول بناء الكعبة في السماء تسعة أذرع، وطولها في الأرض ثلاثين ذراعًا، وعرضها في الأرض اثنين وعشرين ذراعًا، وكانت بغير سقف، ولمَّا بنتها قريش جعلوا طولها ثماني عشرة ذراعًا في السماء، ونقصوا من طولها في الأرض ستة أذرع وشبرًا تركوها في الحجر، ولما بناها ابن الزبير جعل طولها في السماء سبعًا وعشرين ذراعًا، فلم يغير الحجاج طولها حين هدمها، وهو إلى الآن (٦). وذكر أهل السير أن قريشًا لمَّا ابتنت الكعبة وبلغت موضع الركن اختصمت في الركن: أي القبائل تلي رفعه؟ قالوا: تعالوا نحكِّم أوَّلَ --------------- (١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ١٠٠ (٩١٠٤) كتاب: الحج، باب: بنيان الكعبة. (٢) انظر «البداية والنهاية» لابن كثير ٢/ ٧٠٥. (٣) رواه عبد الرزاق ٥/ ٩٨ (٩١٠٣). (٤) انظر «تاريخ الإسلام» ١/ ٦٩، «البداية والنهاية» ٢/ ٧٠٥. (٥) «الطبقات الكبرى» ١/ ١٤٥. (٦) «أخبار مكة» ١/ ٢٨٨ - ٢٨٩. رجلٍ يطلع علينا، فطلع رسول الله - ﷺ - فحكموه وسموه الأمين، وكان في ذلك الوقت ابن خمس وثلاثين فيما ذكر ابن إسحاق. فأمر بالركن فوضع في ثوب، ثم أمر سيد كل قبيلة فأعطاه ناحية من الثوب، ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن فوضعه - عليه السلام - بيده، فعجبت قريش من سداد رأيه، وكان الذي أشار بتحكيم أول رجل يطلع عليهم أبو أمية بن المغيرة والد أمِّ سلمة أمِّ المؤمنين، وكان عامئذٍ أسنَّ قريش كلها (١). وقد روي أن هارون الرشيد ذكر لمالك بن أنس أنه يريد هدم ما بناه الحجاج من الكعبة، وأن يرده إلى بناءِ ابن الزبير، فقال له: ناشدتك الله يا أمير المؤمنين أن (لا) (٢) تجعل هذا البيت ملعبة للملوك لا يشاء أحدٌ منهم إلَّا نقض البيت وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس (٣). الحديث الثاني: حديث عائشة أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ لَهَا: «أَلمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوُا الكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ألَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؛ قَالَ: «لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالكُفْرِ لَفَعَلتُ». فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَئنْ كَانَتْ عَائِشَةُ: سَمِعَتْ هذا مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - مَا أُرى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تَرَكَ استِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الحِجْرَ، إِلَّا أَنَّ البَيْتَ لَمْ يُتمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبرَاهِيمَ. هذا الحديث ذكره كذلك في التفسير (٤)، واختلف في إسناده كما ---------------- (١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٣١٣ - ٣٢١ (٩٧١٨) كتاب: المغازي، باب: ما جاء في حفر زمزم وقد دخل في الحج أو ما ذكر من عبد المطلب، وانظر: «سيرة النبي» لابن هشام ٢٠٩/ ١ - ٢١٤، و«تاريخ الطبري» ١/ ٥٢٦. (٢) ليست في الأصل، وإنما هي زيادة ليستقيم المعنى. (٣) انظر: «التمهيد» ١٠/ ٤٩ - ٥٠، و«تفسير القرآن العظيم» لابن كثير ٢/ ٩٢. (٤) سيأتي برقم (٤٤٨٤) باب: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ …﴾. قال ابن الحذاء فقال بعضهم: عن سالم، عن عائشة، وقال بعضهم: عبد الله بن أبي بكر. ورواه ابن وهب، عن مخرمة، عن أبيه، عن نافع: سمعت عبيد الله بن أبي بكر يحدث ابن عمر، عن عائشة، والصحيح رواية مالك، عن محمد يعني المذكور هنا وهناك. ومعنى («اقتصروا»): لم يستوعبوا. يعني: قريشًا حين بنوا البيت الذي كان لها، وهذا البناء شهده رسول الله - ﷺ - كما سلف، ووضعت قريش الحجر الأسود في حائطه بحكم رسول الله - ﷺ - بينهم بذلك البنيان الذي اقتصرت فيه قريش على بعض القواعد وتركت شيئًا منها خارجًا عن بنيانها، وسبب ذلك قصر النفقة الحلال بهم كما ستعلمه بعد. وقوله: («لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت»): يريد أنهم لقرب عهدهم بالجاهلية فربما أنكرت نفوسهم خراب الكعبة، ونفرت قلوبهم، فيوسوس لهم الشيطان ما يقيض شيئًا في دينهم، وهو كان يريد ائتلافهم وتثبيتهم على الإسلام، وقد بَوَّب عليه البخاري باب: من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس فيقعوا في أشد منه (١)، فرأى ترك ذلك، وأمر باستيعاب البيت بالطواف؛ لقربه إلى سلامة أحوال الناس، وإصلاح أديانهم؛ لأنَّ استيعاب بنيانه ليس من الفروض، ولا من أركان الشريعة التي لا تقام إلَّا به، وهو ممكن مع بقائه على حالته. ومن طاف ببعض البيت لم يجزئه عند مالك والشافعيِّ (٢). ------------ (١) سلف برقم (١٢٦) كتاب: العلم. (٢) «المنتقى» ٢/ ٢٨٣، «الاستذكار» ١٢/ ١١٨، «عيون المجالس» ٢/ ٨١١، «البيان» ٤/ ٢٨٠، «روضة الطالبين» ٣/ ٨١، «مختصر خلافيات البيهقي» ٣/ ١٩٥. وقال أبو حنيفة: إن كان بمكة أعاد طوافه (١). وقال ابن بطال عنه: قضى ما بقي عليه، وإن تباعد ورجع إلى بلده جبره بالدم (٢). وأجزأه إذا طاف بالحجر طوافًا واحدًا، دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وهذا يقتضي الطواف بجميعه ومن طاف بالحجر فإنما يطوف بالبعض. وقول ابن عمر: (لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله - ﷺ - يريد إن كان عبد الله بن محمد بن أبي بكر سلم من السهو في نقله عن عائشة وكانت عائشة سمعته من رسول الله - ﷺ - ما أرى رسول الله - ﷺ - ترك ذلك ..) إلى آخره، فأخبر ابن عمر أنه - عليه السلام - ترك استلامها، ومقتضاه: أنه قصد تركهما، وإلَّا فلا يسمى تاركًا في عرف الاستعمال من أراد شيئًا فمنعه منه مانع فكأن ابن عمر علم ترك رسول الله - ﷺ - ولم يعلم علته، فلمَّا أخبره عبد الله بن محمد بخبر عائشة هذا عرف علَّة ذلك، وهو كونهما ليسا على القواعد، بل أخرج منه بعض الحجر، فلم يبلغ به ركن البيت الذي في تلك الجهة، فالركنان اللذان اليوم من جهة الحجر لا يستلمان كما لا يستلم سائر الجدر؛ لأنه حكم يختصُّ بالأركان، وسيأتي عن عروة ومعاوية استلام الكل، وأنه ليس من البيت شيءٌ مهجورًا (٣). وعن ابن الزبير أيضًا (٤)، وذكر ذلك عن جابر، وابن عباس، ---------- (١) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٣٢، «الهداية» ١/ ١٥٢، «حاشية ابن عابدين» ٢/ ٥٢٢. (٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٦٥. (٣) سيأتي برقم (١٦٠٨) باب: من لم يستلم إلا الركنين اليمانيين. (٤) سيأتي معلقًا برقم (١٦٠٨)، ورواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٤٦ (٨٩٤٧) كتاب: الحج، باب: الاستلام في غير طواف، وهل يستلم غير متوضئ؟، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ٣٤٨ (١٤٩٩١) كتاب الحج، فيما يستلم من الأركان. والحسن، والحسين. وقال أبو حنيفة: لا يستلم إلا الركن الأسود خاصة ولا يستلم اليماني؛ لأنه ليس بسنة فإن استلمه فلا بأس، دليلنا ما في الكتاب. وسيأتي (١) ذكر استلام الأركان في موضعه إن شاء الله تعالى. الحديث الثالث: حديثها أيضًا: سَأَلْتُ رسول الله - ﷺ - عَنِ الجَدْرِ أَمِنَ البَيْتِ هُو؟ قَالَ: «نَعَمْ». قُمتُ: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي البَيْتِ؟ قَالَ: «إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النفَقَةُ». قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعَا؟ قَالَ: «فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا، وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيث عَهْدُهُمْ بالجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ، أَنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ فِي البَيْتِ، وَأَنْ ألصِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ». وقد سلف ما فيه قبله، والجدر: الجدار، وأرادت الحجر: بكسر الحاءِ. قال الخطابي: وضبطه بفتح الدال في البخاري، والذي ذكر أهل اللغة سكونها، وكذا في بعض روايات البخاري، وكذا قال الجوهري: الجدر والجدار: الحائط (٢). وقال ابن فارس: الجدار: الحائط، والجدر أصل الحائط والجدرة: حيٌّ من الأزد بنوا جدار الكعبة (٣). وقولها: (فما شأن بابه مرتفعًا) .. إلى آخره، وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: سمعت الوليد بن عطاء يحدث عن الحارث، عن ابن ---------- (١) انظر: «الهداية» ١/ ١٥٢، «البناية» ٤/ ٧٨. (٢) «الصحاح» ٢/ ٦٠٩. (٣) «مجمل اللغة» ١/ ١٧٨. عبد الله بن ربيعة، عن عائشة: أنه - عليه السلام - قال لها: «وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟» قالت: لا. قال: «تعززًا؛ لئلَّا يدخلها إلَّا من أرادوا، وكان الرجل إذا كرهو اأن يدخلها يدعوه حتى يرتقي، حتى إذا كاد أن يدخلها دفعوه فسقط» (١). وفيه: أن الناس غير محجوبين عن البيت، متى شاءوا دخلوه، ولكنه تركه على ما كان وسلم مفتاحه لبني عبد الدار، وقال: «خذوها خالدة تالدة» (٢)، فأمَّا ما يأخذه حُجَّابه من جُعْلٍ على فتح بابه ورؤية الحجر الذي قام عليه إبراهيم ونحوه، فليس بسائغ، وإنما أجرهم في تحصينه وتجميره، وتطييبه، وقد روي في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] أنه للكعبة (٣) والجمهور أنه ذكر للتبرك. الحديث الرابع: حديثها أيضًا، أن النبي - ﷺ - قال لها: «لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت ثم لبنيته على أساس إبراهيم، فإن قريشًا استقصرت بناءه وجعلت له خلفا» وقال أبو معاوية: ثنا هشام: خلفًا يعني: بابًا. ------------ (١) «المصنف» ٥/ ١٢٧ - ١٢٨ (٩١٥٠) في الحج، باب: الحجر وبعضه من الكعبة. (٢) رواه الطبراني ١١/ ١٢٠ (١١٢٣٤)، وفي «الأوسط» ١/ ١٥٥ - ١٥٦ (٤٨٨)، وابن عدي في «الكامل» ٥/ ٢٢٤، وذكره الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٨٥ وقال: رواه الطبراني في «الكبير» و«الأوسط»، وفيه: عبد الله بن المؤمل، وثقه ابن حبان، وقال: يخطئ، ووثقه ابن معين في راوية، وضعفه جماعة، وقال السخاوي في «كشف الخفاء» ص ٣٧٤ (١١٩٧): رواه الطبراني في «الكبير» و«الأوسط» عن ابن عباس - رضي الله عنهما- رفعه بسند فيه: عبد الله بن المؤمل، وثقه ابن معين في رواية، وابن حبان وقال: يخطئ وضعفه آخرون اهـ. (٣) رواه الطبراني في «تفسيره» ٦/ ٢٥٠ (١٦١١٦، ١٦١١٧) وابن أبي حاتم ٥/ ١٧٠٣ (٩٠٨٦) عن أبي العالية. الحديث الخامس: حديثها أيضًا، أن رسول الله - ﷺ - قال لها: «يا عائشة، لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم وأدخلت فيه ما أخرج منه ..» الحديث بطوله. تعليق أبي معاوية أسنده مسلم عن يحيى بن يحيى، عن أبي معاوية (١). والحديث الثاني: هو من رواية جرير بن حازم، ثنا يزيد بن رومان، عن عروة، عنها. أخرجه الإسماعيلي من حديث أحمد بن الأزهر، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي قال: سمعت يزيد بن رومان يحدث عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، فذكره، ثم قال: كان يزيد بن رومان رواه عن عبد الله وعروة ابني الزبير إن كان ابن الأزهر حفظه. قال ابن التين: ولم يضبط «أساس» بفتح الهمزة، ولا بكسرها، ويحتمل أن يكون بفتحها، ويكون واحدًا، وهو أصل البناء كما قاله ابن فارس (٢)، وعن صاحب «الصحاح»: أنه جمع أس (٣). ويحتمل أن يكون بكسرها، وهو جمع إس، عن صاحب «الصحاح». وقال ابن بطال: الجدر: واحد الجدور وهي الحواجز التي بين السواقي التي تمسك الماء (٤). وقوله: «بابًا»، يريد أي: من خلفه، يدخل الناس من وجهه، ويخرجون من خلفه، وخلفًا، بإسكان اللام. «وجعلت له» بضم التاء. وقال ابن التين: في كتاب أبي الحسن بفتح اللام وسكون التاء عطفًا --------- (١) «صحيح مسلم» (١٢٣٣) كتاب: الحج، باب: نقض الكعبة وبنائها. (٢) «مجمل اللغة» ١/ ٧٩. (٣) «الصحاح» ٣/ ٩٠٣. (٤) «شرج ابن بطال» ٤/ ٢٦٧. على فعل قريش، وليس ببين، والصحيح: سكونها مع ضم التاء، على أنه فعل رسول الله - ﷺ -، معطوفا على «لبنيت». وقول عروة: (حجارة كأسنمة الإبل). قد أسلفنا عن قتادة أن قواعده من حراء. وقوله: (قال جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها). قد اختلفت الروايات فيه، وسيأتي إن شاء الله ما فيه. وفيه: أن الحجر من البيت، وإذا كان كذلك فإدخاله واجب في الطواف. وقد اختلف العلماء فيمنْ سلك في الحجر في طوافه، فكان عطاء ومالك والشافعي وأحمد وأبو ثور يقولون: يبني على ما طاف قبل أنْ يسلك فيه، ولا يعتد بما طاف في الحجر (١). وفصَّل أبو حنيفة كما سلف (٢). واحتج المهلب وأخوه له فقالا: إنما عليه أن يطوف بما بُني من البيت؛ لأنَّ الحكم للبنيان لا للبقعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ الآية [الحج: ٢٩] فأشار إلى البناء، والبقعة دون البناء لا تسمى بيتًا. والشارع إنما طاف بالبيت ولم يكن على الحجر علامة، وإنما علمها عمر إرادة استكمال البيت، ذكره عبيد الله بن أبي يزيد (٣) وعمرو بن دينار في باب: بنيان الكعبة في آخر مناقب الصحابة (٤)، كما ستعلمه. --------------- (١) انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٨٣، «الاستذكار» ١٢/ ١١٨، «عيون المجالس» ٢/ ٨١١، «البيان» ٤/ ٢٨٠، «روض الطالبين» ٣/ ٨١، ١٩٥، «مختصر خلافيات البيهقي» ٣/ ١٩٥، «المغني» ٥/ ٢٢٩. (٢) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٣٢، «الهداية» ١/ ١٥٢، «حاشية ابن عابدين» ٢/ ٥٢٢. (٣) في الأصل: عبد الله بن أبي زيد، والصواب ما أثبتناه. (٤) سيأتي برقم (٣٨٣٠). قالا: ولم يكن حول البيت حائط إنما كانوا يصلّون حول البيت حتى كان عمر، فبنى حوله حائطًا جدره قصير، فبناه ابن الزبير؛ ولذلك كان الطواف قبل تحجير عمر حول البيت الذي قصرته قريش عن القواعد، كما قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥] والطواف فرضه البيت المبني، ولو كان ذراعًا منه، وقد حج الناس من زمن الشارع إلى زمن عمر فلم يأمر أحدًا بالرجوع من بلده إلى استكمال البيت. وقد قال مالك: من حلف أن لا يدخل دار فلان فهدمت فدخلها أنه لا يحنث. فهذا دال أنَّ الدار والبيت إنما يختص بالبنيان لا بالبقعة. قال المهلب: ومعنى ما سلف أنه لم يكن حول البيت حائط أي حائط يحجز الحجر من سائر المسجد، حتى حجزه عمر بالبنيان، ولم يبنه على الجدر الذي كان علامة للناس، بل زاد ووسع قطعًا للشك أنَّ الجدر على آخر قواعد إبراهيم، فلمَّا لم يكن عند عمر أن ذلك الجدر هو آخر قواعد إبراهيم التي رفعها إبراهيم وإسماعيل على يقين ونقلٍ كافة، مع معرفته أن قريشًا كانت قد هدمت البيت وبنته على غير القواعد، خشي أن يكون الجدر من بنيان قريش القديم، فزاد في الفسحة استبراءً للشك، ووسع الحجر حتى صار الجدر في داخل الحجر. وقد بان هذا في حديث جرير، وهو قوله: (فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها)، والحائط الذي بناه عمر حول الحجر ليس بحائط مرتفع، هو من ناحية الحجر نحو ذراعين، ومن الجرف خارجه نحو أربعة أذرع إلى صدر الواقف من خارجه، ولم يكن الجدر الذي ظهر من الأساس مرتفعًا، إنما كان علامة كالنجم والهدف لا بنيانا. والحجة لمالك ومنْ تبعه كما سلف، وإخبار الشارع أن البيت قصر به عن القواعد ولم يتم عليها لمن طاف في الحجر جعل طائفًا ببعضه؛ لأن البيت يضم ما خط آدم، وبناه إبراهيم. وقد قال عمر وابنه عبد الله: لولا أن الحجر من البيت ما طفت به. وقال ابن عباس: الحجر من البيت، قال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ورأيت رسول الله - ﷺ - طاف من وراء الحجر (١). يدل على أنه إجماع. ومن لم يستوف الطواف بالبيت وجب أن لا يجزئه كما لو فتح بابًا في البيت فطاف وخرج منه (٢). --------------- (١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ١٢٧ (٤١٤٩) كتاب: الحج، باب: الحجر وبعضه من الكعبة، وابن خزيمة ٤/ ٢٢٢ - ٢٢٣ (٢٧٤٠) كتاب.: المناسك، باب: الطواف من وراء الحجر، والطبراني ١١/ ٤٤ (١٠٩٨٨)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٥/ ٩٠ كتاب: الحج، باب: موضع الطواف، وفي «معرفة السنن والآثار» ٧/ ٢٣٨ (٩٩١٨) كتاب: المناسك، كمال الطواف وموضعه. (٢) ورد في هامش الأصل: ثم بلغ في السابع بعد العشرين، كتبه مؤلفه غفر الله له. ٤٣ - باب فَضْلِ الحَرَمِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل: ٩١]، وَقَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ الآية [القصص: ٥٧]. ١٥٨٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْن عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الَحمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ فَتحِ مَكَّةَ: «إِنَّ هذا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يُلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلا مَنْ عَرَّفَهَا». [انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ - فتح: ٣/ ٤٤٩] ثم ذكر فيه حديث ابن عباس قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَوْمَ فَتْح مَكَّةَ: «إِنَّ هذا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يُلْتَقِط لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا». أما الآية الأولى فقال الزجاج: قرئ ﴿الَّتِى﴾ وهي قليلة و﴿الَّذِى﴾ في موضع نصب من صفة ورَلمحث هَد، ﴿وَالَّتِي﴾ في موضع خفض من نعت البلدة. وقال ابن التين: وقع في رواية أبي الحسن ﴿الَّتِى﴾ (١) وقال: ﴿الَّذِى﴾ قرأنا في السبعة. وروي أنَّ ابن عباس قرأها كذلك، وذلك غير بعيد جعله نعتا للبلدة. وأمَّا الآية الثانية فكانوا آمنين قبل الإسلام، فلو أسلموا لكان أوكد، قال قتادة: وكان أهل الحرم آمنين يخرج أحدهم فإذا عرض له قال: أنا ---------- (١) انظر: «مختصر شواذ القرآن» ص ١٦٢. من أهل الحرم فيترك، وغيرهم يُقتل ويُسلب (١). وقال الفراء: قال بعض قريش: يا محمد، ما منعنا أنْ نؤمن بك ونصدقك إلا أنَّ العرب على ديننا فنخاف أن نصطلم (٢) إذا آمنا بك. فأنزل الله هذِه الآية. يعني: ألم نسكنهم حرمًا آمنا لا يخاف من دخله أن يقام عليه حدّ ولا قصاص، فكيف يخافون أن تستحل العرب قتالهم فيه؟! (٣). وقوله: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، ذكرت ﴿يُجْبَىَ﴾ وإنْ كانت الثمرات مؤنثة، لأنك فرقت بينهما بالنية. قال الشاعر: إنَّ الذي غره منكن واحدة … بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور قال ابن عباس: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ﴾ ثمرات الأرضين (٤). وقد قيل: إنَّ البلدة اسم خاص بمكة، ولها أسماء كثيرة، ذكرتها في «لغات المنهاج» نحو الأربعين، فلتراجع منه. وفيه: التصريح بتحريم الله -عز وجل- مكة والحرم، وتخصيصها بذلك من بين البلاد. وقد اعترض قوم من أهل البدع وقالوا: قد قتل خلق بالحرم والبيت من الأفاضل كعبد الله بن الزبير ومن جرى مجراه، ولا تعلق لهم بذلك؛ لأنه خرج مخرج الخبر، والمراد به الأمر بأمان من دخل البيت، وأن لا يقتل، ولم يرد الإخبار بأن كل داخل إليه آمن، وعلى مثل هذا -------------- (١) رواه الطبري في «تفسيره» ١٠/ ٨٩ - ٩٠ (٢٧٥٣٥). (٢) الاصطلام: الاستئصال، واصطُلم القوم: أبيدوا من أصلهم، انظر: «لسان العرب» ٤/ ٢٤٨٩. (٣) «معاني القرآن» للفراء ٢/ ٣٠٨. (٤) رواه الطبري ١٠/ ٩٠ (٢٧٥٣٧). ![]()
__________________
|
|
#318
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (11) من صـــ 311 الى صـــ 330 الحلقة (318) خرج قوله - عليه السلام -«من ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل الكعبة أو دار أبي سفيان فهو آمن» (١) فإنما قصد الأمر بأمان من ألقى سلاحه ودخل في ذلك، ولم يرد بذلك الخبر، ومثل قوله تعالى: ﴿وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] يعني بذلك الأمر لهن بالتربص دون الخبر عن تربص كل مطلقة؛ لأنها قد تعصي الله ولا تتربص، فلذلك قال: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] أي أمنوا من دخله، فهو داخل على صفة من يجب أنْ يؤمن، فمن لم يفعل ذلك عصى وخالف، ومتى جعلنا هذا القول أمرًا بطل تمويههم. قال القاضي أبو بكر بن الطيب: وقد يجوز أن يكون أراد تعالى كان آمنا يوم الفتح، وقت قوله: «من ألقى سلاحه فهو آمن ..» إلى آخره فلا يناقض عدم الأمن في غير ذلك الوقت وجوده فيه، فيكون الأمن في بعض الأوقات دون جميعها، وسيأتي في باب: لا يحل القتال بمكة (٢)، زيادة في هذا المعنى. وأما حديث الباب فذكره في اللقطة معلقًا فقال: وقال طاوس عن ابن عباس عن النبي - ﷺ -: «لا يلتقط لقطتها إلا من عرفها» (٣) وقد أسنده هنا كما تراه وسيأتي حكمه -إن شاء الله- وفي الحج أيضًا. -------------- (١) رواه مسلم (١٧٨٠) كتاب: الجهاد والسير، باب: فتح مكة. (٢) انظر ما سيأتي برقم (١٨٣٤). (٣) سيأتي قبل حديث (٢٤٢٣) باب: كيف تعرف لقطة أهل مكة. ٤٤ - باب تَوْرِيد دُورِ مَكَّةَ وَبَيْعِهَا وَشِرَائِهَا وَأَنَّ النَّاسَ فِي مَسْجِدِ الحَرَامِ سَوَاءٌ خَاصَّةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِ﴾ الآية [الحج: ٢٥]. البَادِي: الطَّارِي، مَعْكُوفًا: مَحْبُوسًا. ١٥٨٨ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: «وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟». وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ رضي الله عنهما شَيْئًا؛ لأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ - رضي الله عنه - يَقُولُ: لَا يَرِثُ المُؤْمِنُ الكَافِرَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانُوا يَتَأَوَّلُونَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] الآيَةَ. [٣٠٥٨، ٤٢٨٢، ٦٧٦٤ - مسلم: ١٣٥١ - فتح: ٣/ ٤٥٠] ثم ذكر حديث ابن شهاب، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ حُسَيْنِ، عَنْ عَمْرٍو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ في دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: «وَهَلْ تَرَكَ لنا عَقِيل مِنْ رِبَاعٍ» .. الحديث. أما الآية: فخبر ﴿إِنَّ﴾ محذوف، المعنى: هلكوا، أي: وعن المسجد الحرام، واختلف في العاكف والبادي، فقال مجاهد: العاكف: النازل، والبادي: الجائي (١). ----------- (١) رواه الطبري في «تفسيره» ٩/ ١٢٩ (٢٥٠١٢ - ٢٥٠١٣). وقال الحسن وعطاء: العاكف: من كان من أهل مكة، والبادي: من كان بغيرها (١). قال مجاهد: أي هما في تعظيمها وحرمتها سواء (٢). وقال عطاء: ليس أحد أحق به من الآخر، ونحوه عن ابن عباس، وقيل: هما في إقامة المناسك سواء، وقيل: لا فضل لأحد على الآخر، وتأوله عمر بن عبد العزيز على أن بيوت مكة لا تكرى (٣)، وروي عن عمر أنه كان ينهى أن تغلق دور مكة في زمن الحج، وأن الناس كانوا ينزلون فيها وحيث وجدوه فارغًا (٤). وقيل: إنَّ المراد بالآية المسجد الحرام خاصة دون الدور؛ لأنهم كانوا يمنعون منه، ويدّعون أنهم أربابه. وأما حديث أسامة فأخرجه مسلم أيضًا إلى قوله: وكان طالب وعقيل كافرين (٥)، والباقي بما زاده البخاري عليه، وفي موضع آخر «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» (٦) وفي رواية لمسلم: وذلك في حجته حين دنوا من مكة، وفي لفظ آخر له: وذلك زمن الفتح (٧). وقال البخاري: لم يقل يونس: حجته، ولا زمن الفتح. وهو ما ساقه في الكتاب من طريقه. ----------- (١) «تفسير الطبري» ٩/ ١٢٩ (٢٥٠١٤). (٢) السابق. (٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ١٤٧ (٩٢١٢) كتاب: الحج، باب: الكراء في الحرم. (٤) «مصنف عبد الرزاق» ٥/ ١٤٦ (٩٢١٠). (٥) «صحيح مسلم» (١٣٥١) كتاب: الحج، باب: النزول بمكة للحاج. (٦) سيأتي برقم (٦٧٦٤) كتاب: الفرائض، باب: لا يرث المسلم الكافر. (٧) «صحيح مسلم» (١٣٥١). وقال الطرقي: رواية الأكثرين من أصحاب الزهري: زمن الفتح، ويحتمل كما قال القرطبي: تكرر السؤال والجواب (١)، وفيه بُعد. وقد ترجم البخاري أيضًا، وأخرجه مع البخاري مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه (٢). ----------- (١) «المفهم» ٣/ ٤٦٦. (٢) «صحيح مسلم» (١٣٥١) كتاب: الحج، باب: النزول بمكة للحاج، «سنن أبي داود» (٢٩٠٩) كتاب: الفرائض، باب: هل يرث المسلم الكافر؟، «السنن الكبرى» للنسائي ٢/ ٤٨٠ (٤٢٥٥) كتاب: الحج، باب: دور مكة، «سنن ابن ماجه» (٢٧٣٠) كتاب: الفرائض، باب: ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك. ٤٥ - باب نُزُولِ النَّبِيِّ - ﷺ - مَكَّةَ ١٥٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ: «مَنْزِلُنَا غَدًا -إِنْ شَاءَ اللهُ- بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ». [١٥٩٠، ٣٨٨٢، ٤٢٨٤، ٤٢٨٥، ٧٤٧٩ - مسلم: ١٣١٤ - فتح: ٣/ ٤٥٢] ١٥٩٠ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنَ الغَدِ يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ بِمِنًى: «نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ». يَعْنِي: ذَلِكَ المُحَصَّبَ، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا وَكِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِى هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ -أَوْ بَنِي المُطَّلِبِ- أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ، وَلَا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا إِلَيْهِمُ النَّبِيَّ - ﷺ -. وَقَالَ سَلَامَةُ عَنْ عُقَيْلٍ وَيَحْيَى بْنُ الضَّحَّاكِ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ. وَقَالَا: بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي المُطَّلِبِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: بَنِي المُطَّلِبِ أَشْبَهُ. [انظر: ١٥٨٩ - مسلم: ١٣١٤ - فتح: ٣/ ٤٥٣] ثم ساق من حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - حِينَ أرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ: «مَنْزِلُنَا غَدًا -إِنْ شَاءَ اللهُ- بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ». وبه قال (١) قال: النبي - ﷺ - من الغد يوم النحر وهو بمنى: «نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر». يعني بذلك: المحصَّب، وذلك أن قريشًا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب أو بني المطلب .. الحديث. وقال سلامة: عن عقيل ويحيى بن الضحاك، عن الأوزاعي، أخبرني ابن -------- (١) فوقها في الأصل: يعني: زيد السند من الزهري لا من أوله. شهاب، وقالا: بني هاشم وبني المطلب. قال أبو عبد الله: بني المطلب أشبه. قلت: ويحيى بن الضحاك هو يحيى بن عبد الله بن الضحاك (١) البابلتي، مات سنة ثماني عشرة ومائتين (٢)، وسلامة هو ابن روح بن خالد بن أخي عقيل، كنيته أبو خربق بالخاء المعجمة، ثم راء، ثم باء موحدة، ولم يسمع من عقيل، ومات سنة ثمان وتسعين ومائة (٣)، ولم يسمع يحيى من الأوزاعي كما قاله يحيى بن معين (٤)، لكنه كان في حجره، لا جرم قال أبو عبد الرحمن: حديث الأوزاعي غير محفوظ، وخرج طرفًا منه عن مالك عن الزهري (٥) -أي: عن علي بن الحسين، عن عمرو، عن --------- (١) ورد في هامش الأصل ما نصه: قال في «الكاشف» وهو لين، وقال في «الضعفاء» واهٍ، قال ابن عدي الضعف على حديثه بيِّن، وأما سلامة فقال في «الكاشف» و«المغني»: قال أبو زرعة: منكر الحديث، زاد في «الكاشف» وقواه ابن حبان وكونه لم يسمع من عقيل قاله الدمياطي في حاشية نسخته ..... (٢) هو يحيى بن عبد الله بن الضحاك بن بابلت البابلتي، أبو سعيد الحراني، مولى بني أمية، أصله من الري، وهو ابن امرأة الأوزاعي. قال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه، فقال: لا أحدث عنه، ولم يقرأ علينا حديثه، وذكره ابن حبان في «المجروحين» وقال: يأتي عن الثقات بأشياء معضلات يهم فيها، فهو ساقط الاحتجاج فيما انفرد به، وقال ابن عدي: وليحبى البابلتي عن الأوزاعي أحاديث صالحة، وأثر الضعف على حديثه بيِّن، انظر: «التاريخ الكبير» ٨/ ٢٨٨ (٣٠٢٧)، «الجرح والتعديل» ٩/ ١٦٤ (٦٨١)، و«المجروحين» لابن حبان ٣/ ١٢٧، «الكامل» ٩/ ١١٨ (٢١٥١)، «تهذيب الكمال» ٣١/ ٤٠٩ (٦٨٦٢). (٣) قال عنه أبو حاتم: ليس بالقوي، محله عندي محل الغفلة، وقال أبو زرعة: أيلي ضعيف منكر الحديث، وسئل: هل يكتب حديثه؟ قال: نعم يكتب على الاعتبار، انظر: «الجرح والتعديل» ٤/ ٣٠١ - ٣٠٢ (١٣١١)، و«الكامل» ٤/ ٣٢٩ (٧٧٣). (٤) انظر: «الكامل» لابن عدي ٩/ ١١٨. (٥) في (م): (الترمذي) وهو خطأ. أسامة- قلت: يا رسول الله، أين تنزل غدًا؟ في حجته فقال: «وهل ترك لنا عقيل منزلًا» (١) أخرجه في الجهاد عن محمود، عن عبد الرزاق، أنا معمر والأوزاعي، عن الزهري به، وقلادة ثم قال: قال الزهري: والَخيْف: الوادي (٢)، وقال (٣): الصواب من حديث مالك: عمرو وقال البخاري: عمُر وهم (٤). قلت: وقال الدارقطني في «موطآته»: رواه روح بن عبادة وخالد بن مخلد ومكي بن إبراهيم عن مالك فسماه عَمرًا. وفي رواية القعنبي ويحيى بن بكير، عن مالك: عُمر، أو عَمرو على الشك. وفي رواية إسحاق الطباع: قال مالك: أنا أعرف به، كان عمر بن عثمان جاري، وقد أخطأ من سماه عمرًا. وقال أبو حاتم الرازي فيما ذكره عنه ابنه في «علله»: تفرد الزهري برواية هذا الحديث (٥). إذا تقرر ذلك فالكلام على البابين من أوجه: أحدها: ظاهر الإضافة في قوله: (أين تنزل غدًا؟) من دارك. وفي أخرى ذكرها ابن التين: من ربع آبائك وأجدادك الملكية، يؤيده «هل ترك لنا عقيل من رباع» (٦)؟ فأضافها إلى نفسه وظاهرها يقتضي ----------- (١) «السنن الكبرى» ٢/ ٤٨٠ عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب. (٢) سيأتي برقم (٣٠٥٨) باب: إذا أسلم قوم في دار الحرب. (٣) ورد أعلى كلمة قال في الأصل: يعني أبا عبد الرحمن. (٤) «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٥٣ - ٣٥٤. (٥) «علل الحديث» ١/ ٢٨٨ (٨٦٠). (٦) الرواية السابقة. الملك، فيحتمل أن يكون عقيل أخذها وتصرف فيها كما فعل أبو سفيان بدور المهاجرين. قال الداودي: كان (عقيل باع) (١) ما كان لرسول الله - ﷺ - لمن هاجر من بني عبد المطلب، فعلى هذا يكون قوله - عليه السلام - ذلك تحرجًا أنْ يرجع في شيء خرج منه لأجل الله، ولفظه يقتضي الاستفهام، ومعناه النفي، أي: ما ترك لنا شيئًا. وأبعد من قال: يحتمل أنه حكم لها بحكم الدار، فإنها خرجت عن ملكه لمَّا ملكها المسلمون، كما يقوله مالك والليث في هذِه المسألة لا في هذا الحديث، وسبب بُعده أنه يكون تعليله بأخذ عقيل لا يوافق، ويخرج عن أن يكون جوابًا لما سأله. وقيل: كان أصلها لأبي طالب فأمسكه - عليه السلام - مدة حياته إياها، فلما مات أبو طالب ورثه عقيل وطالب (٢)، واستولى عليها عقيل لما هاجر - عليه السلام - بحكم ميراثه من أبيه. وعلى هذا فتكون إضافتها إليه مجازية؛ لأنه كان يسكنها لا أنه ملكها، والقول الأول أولى كما قاله القرطبي (٣). وقال عياض: احتواء أبي طالب على أملاك عبد المطلب لأنه كان أكبر ولده حين وفاته على عادة أهل الجاهلية (٤). الثاني: فيه دلالة على أن مكة -شرفها الله- فتحت صلحًا، وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب الشافعي وأصحابه إلى ذلك، وذهب --------- (١) كذا في الأصل، وفي (م): يجعلها حجة. (٢) ورد في هامش (م): ولعله لما فقد طالب يوم بدر اختص بها عقيل، وقد أسل عقيل قبل الفتح بعد الحديبية، ولم يسلم طالب. (٣) «المفهم» ٣/ ٤١٣. (٤) «إكمال المعلم» ٤/ ٤٦٣. أبو حنيفة والأوزاعي ومالك وغيرهم إلى أنها فتحت عنوة (١). قال ابن بزيزة: وهو الصحيح، ونقله غيره عن الأكثرين. وفي حديث أبي شريح الكعبي دلالة على ذلك أيضًا (٢). وقيل: إن أسفلها دخله خالد بن الوليد عنوة، وأعلاها صلحًا، كفوا عن الزبير والتزموا شرط أبي سفيان، فلما دخل رسول الله - ﷺ - التزم أمان من لم يقاتل واستأنف أمان من قاتل، فلذلك استجار بأم هانئ رجلان، فلو كان الأمان عامًّا لم يحتاجا إلى ذلك، ولو لم يكن أمان لكان كل الناس كذلك. وفي «الإكليل» لأبي عبد الله الحاكم: والأخبار تدل أن سيدنا رسول الله - ﷺ - نزل يوم الفتح في بيت أم هانئ ابنة عمه، وكان عمر بن الخطاب يأمر بنزع أبواب دور مكة إذا قدم الحاج، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بمكة فيما حكاه السهيلي أن ينهى أهلها عن كراء دورها إذا جاء الحاج، فإنَّ ذلك لا يحل لهم، وعن مالك: إن كان الناس ليضربون فساطيطهم بدور مكة لا ينهاهم أحد. ولابن ماجه من حديث علقمة بن نضلة: توفي رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وعمر، وإنَّ دور مكة كانت تدعى السوائب، من احتاج سكن (٣)، ومن استغنى أسكن. وإسناده على شرطهما، ورماه البيهقي بالانقطاع (٤). ------------ (١) انظر: «شرح معاني الآثار» ٣/ ٣١١، «الهداية» ٢/ ٤٥٠، «البحر الرائق» ٥/ ١٣٩، «عيون المجالس» ٢/ ٧٠٦، «المنتقى» ٣/ ٢٢٠، «نهاية المحتاج» ٨/ ٧٨، «الفروع» ٦/ ٢٤٣، «نيل الأوطار» ٥/ ١٨٢. (٢) سلف برقم (١٠٤) كتاب: العلم، باب: ليبلغ العلم الشاهد الغائب. (٣) «سنن ابن ماجه» (٣١٠٧) كتاب: المناسك، باب: أجر بيوت مكة. وضعفه الألباني. في «ضعيف ابن ماجه» (٦٦٣). (٤) «السنن الكبرى» ٦/ ٣٥ كتاب: البيوع، باب: ما جاء في بيع دور مكة وكرائها = وللدارقطني من حديث عبد الله بن عمرو يرفعه: «من كل كراء بيوت مكة أكل نارًا» رواه عنه ابن أبي نجيح عبد الله بن يسار، ولم يدركه (١). وفي «المصنف» عن مجاهد قال النبي - ﷺ -: «مكة حرم حرمها الله لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها» (٢). وكان عطاء يكره إجارة بيوتها، والقاسم، وعبد الله بن عمرو (٣)، وروي عن (محمد) (٤) بن علي: لم يكن لدور مكة أبواب (٥). قال السهيلي: وهذا كله منتزع من أصلين، أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] وقال ابن عباس وابن عمر: الحرم كله مسجد (٦). الثاني: أنه - عليه السلام - دخلها عنوة، غير أنه مَنَّ على أهلها بأنفسهم وأموالهم، ولا يقاس عليها غيرها من البلاد كما ظن بعض الفقهاء، ----------- = وجريان الإرث فيها. (١) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٩٩ - ٣٠٠ كتاب: الحج، باب: المواقيت من حديث المعتمر بن سليمان عن أبي إسرائيل عن عبيد الله بن أبي زياد عن ابن أبي نجيح عن عبد الله بن عمرو .. الحديث. ضعفه الألباني في «الضعيفة» ٥/ ٢٠٨ (٢١٨٦). (٢) «المصنف» ٣/ ٣١٤ (١٤٦٧٦) كتاب: الحج، من كان يكره كراء بيوت مكة وما جاء في ذلك. (٣) «المصنف» ٣/ ٣١٤ - ٣١٥ (١٤٦٧٨، ١٤٦٧٩، ١٤٦٨١). (٤) في (م): مجاهد. (٥) «المصنف» ٣/ ٣١٥ (١٤٦٨٣) من حديث جعفر عن أبيه قال: ثم يكن لدور مكة أبواب … (٦) انظر: «زاد المسير» ٥/ ٤١٩، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٤/ ٦٣١ إلى عبد بن حميد. لأنها مخالفة لغيرها من وجهين: أولهما: ما خص الله به رسوله حيث قال: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]. ثانيهما: ما خصَّ الله به مكة من أنه لا تحل غنائمها، ولا تلتقط لقطتها، وهي حرم الله وأمنه، فكيف تكون أرضها أرض خراج؟ فليس لأحد افتتح بلدًا أن يسلك بها سبيل مكة، فأرضها إذًا ودورها لأهلها، ولكن أوجب الله تعالى عليهم أن يوسعوا على الحجاج إذا قدموها من غير كراء فهذا حكمها، فلا عليك بعد هذا فتحت عنوة أو صلحًا، وإن كان ظواهر الأحاديث أنها فتحت عنوة. وقال ابن شعبان: أجمعوا أنّ النبي - ﷺ - لم يجعلها فيئًا كغيرها. وقال الطحاوي: عن أبي يوسف لا بأس ببيع أرضها وإجارتها كسائر البلدان، ذكر ذلك بعد أن قال: اختلف العلماء في بيعها وكرائها. فروي عن عطاء ومجاهد وطاوس أنه لا يحل بيع أرض مكة، ولا كراؤها، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، ومحمد (١). وكره مالك بيعها وكراءها، وخالفهم آخرون فقالوا: لا بأس ببيع أرضها وإجارتها، وجعلوها كسائر البلدان، هذا قول أبي يوسف، وذكره ابن المنذر عن الشافعي، وعن طاوس إباحة الكراء (٢)، وقال مجاهد: لا أرى به بأسًا. ذكره ابن أبي شيبة (٣)، وحكي عن عثمان أنه قال: رباعي التي بمكة يسكنها بني ويسكنها من ---------- (١) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٤٩. (٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ٣١٥ (١٤٦٨٤) كتاب: الحج، من رخص في كرائها. (٣) «المصنف» ٣/ ٣١٥ (١٤٦٨٥). أحبوا (١). وكان أحمد بن حنبل يتوقى الكراء في الموسم، ولا يرى بأسًا بالشراء، واحتج بأن عمر اشترى دار السجن بأربعة آلاف درهم (٢). واحتج من أجاز بيعها وكراءها بحديث أسامة، لأنه (٣) ذكر ميراث عقيل لما تركه أبو طالب فيها من رباع ودور (٤). وقال الشافعي: فأضاف الملك إليه وإلى من ابتاعها منه (٥). قال الطحاوي: واعتبرنا ذلك فرأينا المسجد الحرام الذي كل الناس فيه سواء، لا يجوز لأحد أن يبني فيه بناء، ولا يحتجر منه موضعًا، وكذلك حكم جميع المواضع التي لا يقع لأحد فيها ملك، وجميع الناس فيها سواء، ألا ترى أنَّ عرفة لو أراد [رجل] (٦) أن يبني في الموقف بناءً لم يكن له ذلك، وكذا منى، وقد قال - عليه السلام - لمَّا قيل له: ألا تتخذ لك بمنى بيتًا تستظل به؟ «لا، منى مُناخُ من سبق» حسنه الترمذي وصححه الحاكم على شرط مسلم (٧). وكذا فعلت عائشة لمَّا -------- (١) «المصنف» ٣/ ٣١٥ (١٤٦٨٦). (٢) رواه البخاري معلقًا قبل حديث رقم (٢٤٢٣) كتاب: الحضومات، باب: الربط والحبس في الحرم، وأسنده ابن أبي شيبة في «المصنف» ٥/ ٧ (٢٣١٩١) كتاب: البيوع، والفاكهي في «أخبار مكة» ٣/ ٢٥٤ (٢٠٧٦). (٣) في (م): (أنه). (٤) سبق برقم (١٥٨٨). (٥) انظر: تفصيل المسألة في «مختصر الطحاوي» (٤٣٩: ٤٤٠)، «الهداية» ٤/ ٤٢٩، «المقدمات» المطبوع مع «المدونة» ٣/ ٤٦٤، «عيون المجالس» ٣/ ١٥٢٠، «أنوار البروق» ٤/ ٩١، «روضة الطالبين» ٣/ ٤١٣، «المجموع» ٩/ ٢٤٨، «مختصر خلافيات البيهقي» ٣/ ٣٤٦، «نهاية المحتاج» ٨/ ٧٨، «المغني» ٦/ ٣٦٤، «الفروع» ٦/ ٢٤٣، «شرح منتهى الإرادات» ٣/ ١٢٠. (٦) ليست في (م) ولا الأصل وأثبتناها من «شرح معاني الآثار» ٥/ ٥. (٧) «سنن الترمذي» (٨٨١) كتاب: الحج، «المستدرك» ١/ ٤٦٦ - ٤٦٧ كتاب: = سُئلت في ذلك (١). وفي كتاب ابن أبي حاتم من حديث منصور بن شيبة عن أمه عن عائشة أنها قالت: لا يوضع حجر على حجر بمنى إلا أن يتخذ الرجل كنيفًا. قال أبي: هو بلا عائشة، وهو منصور عن أبيه أشبه عندي، ومتن الكلام مشهور عن عائشة (٢). ورأينا مكة على غير ذلك قد أُجيز البناء فيها. وقال رسول اللهﷺ - يوم دخلها: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن» (٣) فأثبت لهم أملاكهم، فصفتها إذًا صفة المواضع التي تجرى فيها الأملاك، وشراء عمر سبق، وقد اشتراه من صفوان، ومحال أن يشتري منه ما لا يجوز له ملكه، وقد ثبت عن الصحابة أنهم كانت لهم الدور بمكة، منهم الصديق، والزبير، وحكيم بن حزام، وعمرو بن العاصي، وصفوان بن أمية وغيرهم، وتبايع أهل مكة لدورهم قديمًا أشهر من أن يخفي. واحتج من كره ذلك بحديث علقمة بن نضلة السالف. قال إسماعيل بن إسحاق: وما تأول مجاهد في الآية وظاهر القرآن يدل على أنه المسجد الذي يكون فيه النسك والصلاة لا سائر في دورها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [الحج: ٢٥]، وقال: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ﴾: أي: وعن المسجد ---------- = المناسك، وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٦٢٠) وانظر: «شرح معاني الآثار» ٤/ ٥٠. (١) انظر: «شرح معاني الآثار» ٤/ ٥٠. (٢) «علل الحديث» ١/ ٢٧٣ (٨٠٨). (٣) تقدم تخريجه. الحرام، فدل ذلك كله على أنَّ الذي كان المشركون يفعلونه هو التملك عن المسجد الحرام، وادعاؤهم أنهم أربابه وولاته، وأنهم يمنعون منه من أرادوا ظلمًا، وأنَّ الناس كلهم فيه سواء، فأمَّا المنازل والدور فلم تزل لأهل مكة غير أنَّ المواساة تجب عند الضرورة، ولعل عمر فعل هذا على سبيل المواساة عندها. ومناظرة الشافعي مع إسحاق بن راهويه في ذلك مشهور. واعلم أنَّ الروياني في «بحره» قال في باب بيع الكلاب: لا يكره بيع شيء من الملك المطلق إلَّا أرض مكة، فإنه يكره بيعها وإجارتها للخلاف. وتورع فيه، واستغربت الكراهة، والأحسن أن يقال خلاف الأولى؛ لأن المكروه ما ثبت فيه نهي مقصود، ولم يثبت في هذا شيء، والحصر المذكور غير صحيح، فإنَّ بيع المصحف مكروه خلافًا له، وكذا الشطرنج. قال الروياني وغيره: ومحل الخلاف بين العلماء في بيع دور مكة وغيرها من الحرم، وهو في بيع نفس الأرض، وأمَّا البناء فهو مملوك، فيجوز بيعه بلا خلاف. الثالث: قال ابن أبي صفرة: هذا الحديث حجة في أن من خرج من بلده مسلمًا وبقي أهله وولده في دار الكفر، ثم غزا مع المسلمين بلده، أنَّ أهله وماله وولده على حكم البلد، كما كانت دار النبي - ﷺ - على حكم البلد، ولم ير - عليه السلام - نفسه أحق بها. وهذا قول مالك والليث، وقد سلف. وقال أشهب: ليس بفيء. وقيل: إن ضمه إليهم أهل الحرب ففيء وإلَّا فلا. وسيأتي اختلاف العلماء فيه في الجهاد، في باب: إذا غنم المشركون مال المسلم (١)، وبيان مذاهبهم فيها. الرابع: فيه: أنَّ المسلم لا يرث الكافر وهو قول كافة الفقهاء حاشا معاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، ومحمد بن الحنيفية، وإبراهيم النخعي. فإنهم قالوا: يرثه كالنكاح، كما حكاه ابن التين عنهم. وقال في «شرح المهذب»: وهو قول العلماء كافة، إلَّا ما روي عن إسحاق بن راهويه وبعض السلف أنَّ المسلم يرثه (٢)، وأجمعوا أنَّ الكافر لا يرث المسلم (٣). وعن أحمد: أنَّ اختلاف الدين لا يمنع الإرث بالولاء. وحكاه الإمام عن علي، وقال: هو غريب لا أصل له (٤). قلت: بل له أصل أصيل، وهو حديث جابر - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا يرث المسلم النصراني، إلَّا أن يكون عبده أو أمته» أخرجه النسائي وصححه -------- (١) انظر الأحاديث الآتية برقم (٣٠٦٧ - ٣٠٦٩). (٢) انظر: «مختصر الطحاوي» (١٤٢)، «تكملة البحر الرائق» ٩/ ٣٨٦، «التفريع» ٢/ ٣٣٥، «عيون المجالس» ٤/ ١٩٠٠، «الاستذكار» ١٥/ ٤٩٢، «المنتقى» ٦/ ٢٥٠، «الأم» ٤/ ٧٣، «البيان» ٩/ ١٦، «المغني» ٩/ ١٥٤، «المبدع» ٦/ ٢٣١، «المحلى» ٩/ ٣٠٤. (٣) انظر: «الاستذكار» ١٥/ ٤٩٠. (٤) هل يرث السيد مولاه مع اختلاف الدين، فيه روايتان عن الإمام أحمد: إحدهما: يرثه، روي ذلك عن علي، وعمر بن عبد العزيز وبه قال أهل الظاهر، واحتج الإمام أحمد يقول الإمام علي - رضي الله عنه -: الولاء شعبة من الرق. وجمهور الفقهاء على أنه لا يرثه مع اختلاف دينها؛ لقول النبي - ﷺ -: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم». وهذا أصح في الأثر والنظر كما يقول ابن قدامة انظر: «المغني» ٩/ ٢١٧. الحاكم (١)، وسيأتي -إن شاء الله- في الفرائض مبسوطًا. واحتجاج ابن شهاب في الكتاب بالآية مراده أنهم لا يتوارثون مع كافر، ومعنى ﴿هَاجَرُوا﴾ في الآية إمَّا هجروا قومهم، أو راحوا إلى الحبشة، ثم إلى مكة ثم لا هجرة منها إذ صارت دار أمان. الخامس: قوله إثر حديث أبي هريرة: (وقال سلامة) إلى أنْ قال: (وقالا: بني هاشم وبني المطلب) إنما أتى به لعدم التشكيك في بني عبد المطلب أو بني المطلب كما أسلفته قبل، ولهذا قال إثره: بنو المطلب أشبه. وقال الداودي: قوله بني عبد المطلب وهم. وقوله: (وذلك أنَّ قريشًا وكنانة تحالفت). لو قال تحالفتا أو تحالفا لكان أوضح، وكان حصر بني هاشم لمَّا بلغ قريشًا فعل النجاشي بجعفر وأصحابه وإكرامه إياهم، كبر ذلك عليهم وغضبوا وأجمعوا على قتل رسول الله - ﷺ -، وكتبوا كتابًا على بني هاشم أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يخالطوهم، وكان الذي كتب الصحيفة منصور بن عكرمة العبدري فشلت يده، قاله في «الطبقات» (٢)، وهو ما في ابن إسحاق أنَّه منصور بن عكرمة بن هاشم بن عبد العُزى (٣). وقال الزبير في «أنسابه»: اسمه بغيض بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار. ----------- (١) «السنن الكبرى» ٤/ ٨٣ - ٨٤ (٦٣٨٩) كتاب: الفرائض، باب: الصبي يسلم أحد أبويه، «المستدرك» ٤/ ٣٤٥ كتاب: الفرائض، وضعفه الألباني في «الإرواء» ٦/ ١٥٥ (١٧١٥). (٢) «الطبقات الكبرى» ١/ ٢٠٨ - ٢١٠. (٣) «سيرة ابن إسحاق» ص ١٣٧ (٢٠٣). وقال الكلبي: هو منصور بن عامر بن هاشم أخو عكرمة بن عامر بن هاشم. وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة. وقيل: بل كانت عند أم الجلاس بنت الخربة الخطلية (١) خالة أبي جهل، وحصروا بني هاشم في شِعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من حين النبوة، وانحاز بنو المطلب بن عبد مناف إلى أبي طالب في شِعبه، وخرج أبو لهب إلى قريش فظاهرهم على بني هاشم وبني المطلب، وقطعوا عنهم الميرة والمادة، فكانوا لا يخرجون إلَّا من موسم إلى موسم حتى بلغهم الجهد، فأقاموا فيه ثلاث سنين، ثم أطلع الله رسوله على أمر صحيفتهم، وأنَّ الأرضة قد أكلت ما كان فيها من جور وظلم، وبقي ما فيها من ذكر الله. وفي لفظ: ختموا على الكفر ثلاثة خواتم، وفي لفظ: سنتين، وآخر: سنين، فذكر ذلك سيدنا رسول - ﷺ - لأبي طالب، فقال أبو طالب لكفار قريش: إن ابن أخي أخبرني -ولم يكذبني قط- أنَّ الله قد سلط على صحيفتكم الأرضة، فلحست ما كان فيها من جور وظلم، وبقى فيها كل ما ذكر به الله (٢)، فإن كان ابن أخي صادقًا نزعتم عن سوء رأيكم، وإن كان كاذبًا دفعته لكم فقتلتموه أو استحييتموه، قالوا: قد أنصفتنا، فأرسلوا إلى الصحيفة، فإذا هي كما قال - عليه السلام -، فسقط في أيديهم، ونكثوا على رءوسهم، فقال --------- (١) كذا بالأصل، وفي «الطبقات الكبرى» ١/ ٢٠٩: أم الجلاس بنت مخرِّبة الحنظلية. (٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: من خط الشيخ: وقع في ابن بطال عكس ذلك: روينا عن أهل السير: لم يترك فيها اسما لله إلا لحسته، وتركت فيها غدركم وظلمكم لنا. وصدق، أهل السير ذكروا القولين. أبو طالب: علام نحبس ونحصر وقد بان الأمر، فتلاوم رجال من قريش على ما صنعوا ببني هاشم، منهم: مطعم بن عدي، وعدي بن قيس، وربيعة بن الأسود، وأبو البختري بن هاشم (١) وزهير بن أمية، ولبسوا السلاح لهم، ثم خرجوا إلى بني هاشم وبني المطلب، فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم، ففعلوا، فلمَّا رأت قريش ذلك سقط في أيديهم، وعرفوا أن لن يُسلموهم، وكان خروجهم في الشعب في السنة العاشرة، ثم أذن - عليه السلام - بالخروج بالهجرة إلى المدينة (٢). والخيف: ما انحدر عن الجبل وارتفع عن السبيل وبه سُمى مسجد الخيف، ويقال: هو وادٍ بعينه وسيأتي في البخاري في الجهاد عن الزهري أنه قال: الخيف: الوادي (٣)، وقيل: هو المحصَّب. -------- (١) كذا في (م) والأصل وفي مصادر التخريج: أبو البختري بن هشام. (٢) انظر: و«الطبقات الكبرى» ١/ ٢٠٨ - ٢١٠، «السيرة النبوية» لابن هشام ١/ ٣٧١ - ٤٠٧، و«البداية والنهاية» ٣/ ٩١ - ١١٠. (٣) سيأتي عقب حديث (٣٠٥٨) باب: إذا أسلم قوم في دار الحرب، ولهم مال وأرضون فهي لهم. ٤٦ - باب قَوْلِ اللِّه تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا﴾ إلى قوله: ﴿يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٧] الآيَةَ. [فتح: ٣/ ٤٥٤] هذا الباب حذفه شيخنا علاء الدين من شرحه، وأدخله ابن بطال في الباب بعده وجعلهما بابًا واحدًا (١)، وتقدم تفسير الأمن. ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ﴾ قرأه الجحدري بقطع الألف، معناه: اجعلني جانبًا وثبتنا على توحيدك، كقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾، ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ أي: بسببهن، وهن لا يعقلن. ﴿بَيْتِكَ﴾: الذي لا يملكه غيرك ﴿المُحَرَّمِ﴾؛ لأنه يحرم فيه ما يباح في غيره ﴿أَفْئِدَةً﴾ جمع فؤاد، وهو القلب، أو جمع وفود ﴿تَهْوِي﴾: تحن، أو تهواهم وتنزل عليهم، طلب ذلك ليميلوا إلى سكناها فيصير بلدًا محرمًا أو ليحجوا. قال ابن عباس: لو أن إبراهيم قال: أفئدة الناس لغلبكم عليه الترك والديلم (٢)، ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ أجابه بما في الطائف من الثمار، ويجلب إليهم من الأمصار. -------------- (١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٧٤. (٢) عزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٤/ ١٦١ لابن المنذر. ٤٧ - باب قَوْلِ اللِّه تَعَالَى: ﴿جَعَلَ اللهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الحَرَامَ وَالهَدْيَ وَالقَلَائِدَ﴾ الآيه [المائدة: ٩٧] ١٥٩١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ». [١٥٩٦ - مسلم: ٢٩٠٩ - فتح ٣/ ٤٥٤] ١٥٩٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ -هُوَ: ابْنُ المُبَارَكِ- قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانُوا يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ، وَكَانَ يَوْمًا تُسْتَرُ فِيهِ الكَعْبَةُ، فَلَمَّا فَرَضَ اللهُ رَمَضَانَ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ فَلْيَتْرُكْهُ». [١٨٩٣، ٢٠٠١، ٢٠٠٢، ٣٨٣١، ٤٥٠٢، ٤٥٠٤ - مسلم: ١١٢٥ - فتح: ٣/ ٤٥٤] ١٥٩٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ حَجَّاجٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَيُحَجَّنَّ البَيْتُ، وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ». تَابَعَهُ أَبَانُ وَعِمْرَانُ عَنْ قَتَادَةَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُحَجَّ البَيْتُ». وَالأَوَّلُ أَكْثَرُ، سَمِعَ قَتَادَةُ عَبْدَ اللهِ وَعَبْدُ اللهِ أَبَا سَعِيدٍ. [فتح: ٣/ ٤٥٤] ثم ذكر حديث أبي هريرة: «يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ ذُو السُّويقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَة». وحديث عائشة من طريقين: كَانُوا يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ، وَكَانَ يَوْمًا تُسْتَرُ فِيهِ الكَعْبَةُ، فَلَمَّا فَرَضَ اللهُ رَمَضَانَ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ فَلْيَتْرُكْهُ». ![]()
__________________
|
|
#319
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (11) من صـــ 331 الى صـــ 350 الحلقة (319) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، ثَنَا أَبي، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ الحَجَّاجٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ أَبِي عُتْبَةَ، عَنْ أبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَيُحَجَّنَّ البَيْتُ، وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوج يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ» قال أبو عبد الله: سمع قتادة عبد الله، وعبد الله أَبا سعيد، تَابَعَهُ أَبَانُ وَعِمْرَانُ، عَنْ قَتَادَةَ. وَقَالَ عَبْدُ الرحْمَنِ، عَنْ شُعْبَةَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُحَجَّ البَيْتُ». وَالأَوَّلُ أكْثَرُ. الشرح: أما الآية فقوله: (﴿قِيَامًا﴾) أي: قوامًا لدينهم، وعصمة لهم، وقيامًا للناس لو تركوه عامًا لم ينظروا أن يهلكوا أو يقومون بشرائعها ﴿وَالشَّهْرَ الحَرَامَ﴾ لا يقاتلون فيه وهو: رجب أو ذو القعدة، أو الأشهر الحرم، ﴿وَالهَدْيَ﴾ كل ما يهدى للبيت من شيء، أو ما يقلد من النعم، وقد جعل على نفسه أن يهديه ويقلده، ﴿وَالقَلَائِدَ﴾ قلائد الهدي، أو كانوا إذا حجوا تقلدوا من (لحاء) (١) الشجر ليأمنوا في ذهابهم وإيابهم، أو كانوا يأخذون لحاء سمر الشجر إذا خرجوا فيتقلدونه، ليأمنوا فنهوا عن نزع شجر الحرم. وقوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ الآية، ومجانسته هذا للأول أن الذي ألهمهم هذا يعلم ذلك. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم أيضًا (٢). ------------ (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: اللحاء بالمد والكسر: القشر (٢) «صحيح مسلم» (٢٩٠٩) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة = وحديث أبي سعيد من أفراده، وله من حديث ابن عباس يأتي بعد أيضًا: «كأني به أسود أفحج ينقلها حجرًا حجرًا» (١). وأحمد (خ. د. س) السالف هو ابن حفص بن عبد الله بن راشد السلمي مولاهم، قاضي نيسابور، مات سنة ستين، كذا بخط الدمياطي (٢). وقال غيره؛ ثماني وخمسين ومائتين، وهو ما في «الكاشف» (٣). وإبراهيم هو ابن طهمان، وحجاج هو الأحول الثقة مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، وله ألقاب: الأسود، وزق العسل، والعسلي، وقيل: هما اثنان، وعبد الله هو مولى أنس مصري صدوق، ولأبي داود الطيالسي من حديث أبي هريرة بإسناد جيد: «يبايع لرجل بين الركن والمقام، وأول من يستحل هذا البيت أهله، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب، ثم يجيء الحبشة فيخربونه خرابًا لا يعمر بعده، وهم الذين يستخرجون كنزه» (٤). ولأبي نعيم بسند فيه مجهول: «كأني انظر إلى أصيلع أفدع أفحج على ظهر الكعبة يهدمها بالكرزنة». ولأحمد من حديث ابن عمرو: «يسبيها (٥) حليها ويجردها من --------------- = حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيتمنى أن يكون مكان الميت من النبلاء. (١) سيأتي قريبًا برقم (١٥٩٥) باب: هدم الكعبة. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: ما قاله الدمياطي قاله الكلاباذي وأبو علي الغساني وابن خلفون ومحمد بن طاهر وقيل توفي سنة ٢٥٥ وما قاله في»الكاشف«أصح، والله أعلم وبه جزم الذهبي في»الوفيات«وقال النسائي ومسلمة ثقة وقال النسائي صدوق لا بأس به. وقد روى له مسلم في غير الصحيح. (٣)»الكاشف«١/ ١٩٢ (٢٢) (٤)»مسند أبي داود الطيالسي«٤/ ١٢٧ (٢٤٩٤). (٥) كذا في الأصل، وفي»المسند": يسلبها. كسوتها وكأني انظر إليه أصيلع أفيدع يضرب عليها بمسحاته ومعوله» (١). ولابن الجوزي من حديث حذيفة مرفوعًا: «خراب مكة من الحبشة على يد حبشي، أفحج الساقين، أزرق العينين، أفطس الأنف، كبير البطن، معه أصحابه، ينقضونها حجرًا حجرًا، ويتناولونها حتى يرموا بها البحر -يعني الكعبة- وخراب المدينة من الجوع، وخراب اليمن من الجراد». وفي «غريب أبي عبيد» عن علي: «استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يُحال بينكم وبينه، فكأني برجل من الحبشة أصلع أو أصمع (٢) حمش الساقين قاعد عليها، وهي تهدم» (٣). ورفعه الحاكم، وفيه: «أصمع أفدع، بيده معول، وهو يهدمها حجرًا حجرًا» (٤). وذكر الحُليمي: أنَّ ذلك يكون زمن عيسى، وأنَّ الصريخ يأتيه بأن ذا السويقتين قد سار إلى البيت يهدمه، فيبعث عيسى - عليه السلام - طائفة بين الثمان إلى التسع. وفي «منسك الغزالي» وحكاه ابن التين عن بعضهم: لا تغرب الشمس في يوم إلَّا ويطوف بهذا البيت رجل من الأبدال، ولا يطلع الفجر من ليلة إلَّا طاف بهذا البيت واحد من الأوتاد، وإذا انقطع ----------- (١) «المسند» ٢/ ٢٢٠. (٢) كذا بالأصل، وفي «غريب أبي عبيد»: أصعلٍ أصمع. (٣) «غريب الحديث» ٢/ ١٤٠. (٤) «المستدرك» ١/ ٤٤٨، ٤٤٩ كتاب: المناسك، وقال الألباني في «الضعيفة» ٢/ ٢٣ (٥٤٤): موضوع، رواه الحاكم وسكت عليه وتعقبه الذهبي قائلًا: حصين واه، ويحيى الحماني ليس بعمدة، وأقول -أي: الألباني-: حصين كذاب كما قال ابن خراش وغيره، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات، اهـ. ذلك كان سبب رفعه من الأرض، فيصبح الناس وقد رفعت الكعبة ليس فيها أثر، وهذا إذا أتى عليها سبع سنين لم يحجها أحد، ثم يرفع القرآن من المصاحف ثم من القلوب، ثم يرجع الناس إلى الأشعار والأغاني وأخبار الجاهلية، ثم يخرج الدجال، ثم ينزل عيسى فيقتله، والساعة عند ذلك كالحامل المقرب ولادتها. وفي كتاب «الفتن» لنعيم بن حمَّاد: حدثنا بقية، عن صفوان، عن شريح، عن كعب: يخرج الحبشة خرجةً يهبون فيها إلى البيت، ثم يفزع إليهم أهل الشام فيجدونهم قد افترشوا الأرض في أودية بني علي، وهي قريبة من المدينة حتى إنَّ الحبشي يباع بالشملة. قال صفوان: وحدثني أبو اليمان، عن كعب قال؛ يخربون البيت وليأخذن المقام فيدركون على ذلك فيقتلهم الله (١). وفيه: يخرجون بعد يأجوج (ومأجوج) (٢). وعن عبد الله بن عمرو: تخرج الحبشة بعد نزول عيسى، فيبعث عيسى طليعة فيهزمون (٣)، وفي رواية: تهدم مرتين، ويرفع الحجر في المرة الثالثة (٤)، وفي رواية: ويرفع في الثالثة (٥)، وفي رواية: ويستخرجون كنز فرعون يمنعه من الفسطاط، ويقتلون بوسيم (٦). ---------- (١) رواه نعيم بن حماد في «الفتن» ٢/ ٦٧٠ (١٨٧٨)، ٢/ ٦٧٢ (١٨٨٦). (٢) ساقطة من الأصل والمثبت من مصادر التخريج. (٣) «الفتن» ٢/ ٦٧٠ (١٨٧٩). (٤) رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ١/ ٣٥٩ (٧٤٨)، ونعيم بن حماد في «الفتن»٢/ ٦٧١ (١٨٨٤). (٥) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٧/ ٤٦١ (٣٧٢٢٢)، كتاب: الفتن، من كره الخروج في الفتنة وتعوذ منها. (٦) «الفتن» ٢/ ٦٧٢ (١٨٨٧). وفي لفظ: فيأتون في ثلاثمائة ألف عليهم أسيس أو أسبس (١)، وقيل: خرابه يكون بعد رفع القرآن من الصدور والمصاحف، وذلك بعد موت عيسى، وصححه القرطبي قال: ولا تعارض بين هذا وبين كون الحرم آمنًا؛ لأنِّ تخريبها إنما يكون عند خراب الدنيا، ولعله لا يبقى إلَّا شرار الخلق، فيكون آمنا مع بقاء الدين وأهله، فإذا ذهبوا ارتفع ذلك المعنى. وتحقيقه أنه لا يلزم من الأمن الدوام، بل إذا حصلت له حرمة وأمن في وقت ما فقد صدق ذلك. وأما حديث: «ثم عادت حرمتها إلى يوم القيامةج فالحكم بالحرمة والأمن لم يرتفع، ولا يرتفع إلى يوم القيامة، وأما وقوع الخوف فيها وترك حرمتها فقد وُجد من ذلك في أيام يزيد وغيره كثيرًا (٢). وقال عياض: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧] أي: إلى قرب القيامة (٣). وقيل: يخص منه قصة ذي السويقتين. فإنْ قلت: ما السر في حراسة الكعبة من الفيل، ولم تحرس في الإسلام بما صنع بها الحَجاج والقرامطة وذو السويقتين؟ قلت: الجواب ما ذكره ابن الجوزي أن حبس الفيل كان من أعلام نبوته ودلائل رسالته، ولتتأكد الحجة عليهم، بالأدلة التي شوهدت بالبصر قبل الأدلة التي ترى بالبصائر، وكان حكم الجيش أيضًا دلالة على وجود الناصر. -------- (١)»الفتن«٢/ ٦٧٢ (١٨٨٨)، ٢/ ٦٧٤ (١٨٩٣). (٢)»المفهم«٧/ ٢٤٦. (٣)»إكمال المعلم" ٨/ ٤٥٤. وقال ابن المنير: دخول هذا الحديث تحت ما ترجم له؛ ليبين أن الأمر المذكور مخصوص بالزمن الذي شاء الله فيه بالأمان، وأنه إذا شاء الله رفعه عند خروج ذي السويقتين، ثم إذا شاء أعاده بعد (١). وقال ابن بطال: حديث أبي هريرة مبين لقوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] أي: غير وقت تخريبه؛ لأنَّ ذلك لا يكون إلَّا باستباحة حرمتها. وتغلبه عليها، ثم تعود حرمتها ويعود الحج كما أخبر خليله إبراهيم فقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] فهذا شرط الله -عز وجل- لا ينخرم ولا يحول، وإن كان في خلاله وقت يكون فيه خوف فلا يدوم، ولا بدَّ من ارتفاعه، ورجوع حرمتها وأمنها وحج العباد إليها، كما كان إجابة لدعوة خليله - عليه السلام -، يدل عليه حديث أبي سعيد في الكتاب. وعلى ذلك لا تضاد، ولو صح ما ذكره قتادة: لا يحج البيت، لكان ذلك وقتًا من الدهر، ويحتمل أنْ يكون ذلك وقت تخريبها بدليل حديث أبي سعيد (٢). وقال ابن التين: قيل: هذا ليس باختلاف قد ينقطع ثم يعود، قال: وفي حديث آخر: «لا تزول مكة حتى تزول أخشباها» يعني: جبليها، أي: لا يزول الحج، ومعنى خرابه له في وقت يدعه الله إلى ذلك، ابتلاءً منه شقوة له وليسود وجهه، وليعلم من يرتاب من ذلك، ولعله هو الذي يخسف بجيشه، وكأنه مفهوم البخاري فيما ترجمه بعد من ------------- (١) «المتواري» ص ١٣٧. (٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٧٥. باب: هدم الكعبة، وذكر عن عائشة رفعته «يغزو جيش الكعبة فيخسف بهم» (١). وروي عن علي مرفوعًا: «قال الله -عز وجل-: إذا أردت أن أخرب الدنيا، بدأت ببيتي فخربته، ثم أخرب الدنيا على أثره» (٢). ويخرب رباعي بضم الياء. قال تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الحشر: ٢] وقد منع الله صاحب الفيل في الوقت الذي شاء كما سلف. ويغزوه جيش كما ذكرناه، ويأذن في هذا الوقت الذي شاء ثم يعود، ولا فرق بين هذا وبين إدالة المشركين على المؤمنين، وقتل الأنبياء، وكلٌ ابتلاء. والحبش: جنس من السودان، وهم الأحباش والحبشان، وقد قالوا: الحبشة، وليس بصحيح في القياس؛ لأنه لا واحد له على مثال فاعل، فيكون مكسرًا على فعلة، والأحبوش: جماعة الحبش، وقيل: هم الجماعة أيّا كانوا؛ لأنهم إذا تجمعوا اسودوا. قال الجوهري: الحبش والحبشة جنس من السودان (٣). وقال ابن دريد: الحبشة على غير قياس، وقد قالوا: حبشان أيضًا، ولا أدري كيف هو (٤). ----------- (١) سيأتي برقم (٢١١٨) كتاب: البيوع، باب: ما ذكر في الأسواق، ورواه مسلم (٢٨٨٤) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: الخسف بالجيش الذي يؤم البيت. بلفظ مختلف. (٢) أورده العجلوني في: «كشف الخفاء» ١/ ٧٩ (١٩٣) وقال: رواه في «الإحياء»، قال العراقي في تخريجه: لا أصل له. (٣) «الصحاح» ٣/ ٩٩٩. (٤) «جمهرة اللغة» ١/ ٢٧٨. وقال الرشاطي: هم من ولد كوش بن حام، وهم أكثر ملوك السودان، وجميع ممالك السودان يعطون الطاعة للحبش. روى سفيان بن عيينة أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا خير في الحبش، إنْ جاعوا سرقوا، وإنْ شبعوا زنوا، وإنَّ فيهم حسنتين: إطعام الطعام، والبأس يوم البأس» (١). وقال ابن هشام في «تيجانه»: أول من جرى لسان الحبشة على لسانه سُحلب بن أداد بن ناهس بن سرعان بن كوش بن حام بن نوح، ثم تولدت من هذِه اللسان ألسن استخرجت منه، وهذا هو الأصل. وقوله في حديث ابن عباس الذي سقناه من عند البخاري: «كأني به أسود أفحج ينقلها حجرًا حجرًا» يعني: الكعبة. والأفحج بحاء ثم جيم: البعيد ما بين الرجلين، وذلك من نعوت الحبشان، ولذلك قال: ذو السويقتين؛ لأن في سوقهم حموشة أي: دقة، وصغرهما لدقتهما ونقصهما، وأتى بالتاء لأنّ الساق مؤنثة، وذكره أبو المعالي في «المنتهى» في الحاء والجيم كما أسلفناه، وقال: هو تداني صدور القدمين، وتباعد العقبين، وفتح الساقين. قال: وهو عيب في الخيل، وقال في الجيم والحاء: الفجح بالتحريك تباعد ما بين الساقين، ومن الدواب ما بين العرقوبين، وهو أقبح من الفحج أي من الأول، وذكره في «المحكم» في الحاء والجيم ------------- (١) رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ٣٢٣ - ٣٢٤ (٢١٥٠) من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عوسجة مولى بن عباس - رضي الله عنه -، عن ابن عباس مرفوعًا، والبزار كما في «كشف الأستار» ٣/ ٣١٦ (٢٨٣٦)، والطبراني ١١/ ٤٢٨ (١٢٢١٣)، وابن عدي في «الكامل» ٧/ ١٠٣، وقال الألباني في «الضعيفة» ٢/ ١٥٨ (٧٢٨): موضوع. أيضًا، وقال في الثاني: هو تباعد ما بين القدمين (١)، وفي «المخصص»: هو تباعد ما بين الفخذين رجل أفحج وامرأة فحجاء. وعن أبي حاتم فخذ فخجاء بخاء معجمة: وهي التي بانت من صاحبتها، والمصدر، الفخج، وقد يكون في إحدى الفخذين (٢). وفي «الجامع»: الجمع فحج. وقال ابن دريد: هو تباعد بين الرجلين (٣). وفي «المجمل» و«المغرب»: هو تباعد ما بين أوساط الساقين في الإنسان والدابة (٤)، واقتصر عليه ابن بطال (٥). وأما حديث عائشة فهو مصدق للآية، ومعناه: أن المشركين كانوا يعظمون الكعبة قديمًا بالستور والكسوة، ويقدمون إليها كلما يفعل المسلمون. وقال الإسماعيلي: جمع أبو عبد الله فيه بين حديث عقيل وابن أبي حفصة في المتن، ولم يبين، وحديث ستر الكعبة في حديث ابن أبي حفصة وحده ثم ساقه، وحديث عقيل ليس فيه ذكر الستر ثم ساقه بدونه. قال: فإن كان أراد بيان اسم الكعبة التي تذكر في الآية فذاك، وإلَّا فليس ما في الباب من الترجمة في شيء. ---------- (١) «المحكم» ٣/ ٦٥. (٢) «المخصص» ١/ ١٧٢ - ١٧٣. (٣) «جمهرة اللغة» ١/ ٤٣٩. (٤) «مجمل اللغة» ٣/ ٧١٣. (٥) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٧٨. قلتُ: لعل البخاري أراد أصل الحديث على عادته، وإن كان ظاهره غير مطابق للترجمة. وادعى بعضهم أنه أراد من حديث عقيل التصريح بسماع ابن شهاب من عروة، وليس كما ذكر، فإنه لم يأت به. نعم هو عند الإسماعيلي وأبي نعيم. ٤٨ - باب (١) كِسْوَةِ الكَعْبَةِ ١٥٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جِئْتُ إِلَى شَيْبَةَ. وَحَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جَلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ عَلَى الكُرْسِيِّ فِي الكَعْبَةِ فَقَالَ: لَقَدْ جَلَسَ هَذَا المَجْلِسَ عُمَرُ - رضي الله عنه - فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إِلَّا قَسَمْتُهُ. قُلْتُ: إِنَّ صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلَا. قَالَ: هُمَا المَرْآنِ أَقْتَدِى بِهِمَا. [٧٢٧٥ - فتح: ٣/ ٤٥٦] ذكر فيه حديث أبي وائل من طريقين: جِئْتُ إِلَى شَيْبَةَ. وفي لفظ: جَلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ عَلَى الكُرْسِيِّ فِي الكَعْبَةِ فَقَالَ: لَقَدْ جَلَسَ هذا المَجْلِسَ عُمَر - رضي الله عنه - فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إِلَّا قَسَمْتُهُ. قُلْتُ: إِنَّ صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلَا. قَالَ: هُمَا المَرْآنِ أَقْتَدِي بِهِمَا. هذا الحديث أخرجه أيضًا في الاعتصام في باب الاقتداء بالسنة، وفيه: ما أنت بفاعل؟ قال: لم؟ قلتُ: لم يفعله صاحباك، فقال: هما المرآن يقتدي بهما (٢)، وهذا الحديث جعله الحميدي (٣) وأبو مسعود الدمشقي وقبلهما الطبراني من مسند شيبة (٤)، وهو ابن عثمان بن أبي طلحلة الحجبي، أسلم يوم الفتح، ومات سنة تسع وخمسين (٥)، ------ (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثامن بعد العشرين كتبه مؤلفه. (٢) سيأتي برقم (٧٢٧٥). (٣) «الجمع بين الصحيحين» ٣/ ٤٨٥ (٣٠٣٧). (٤) «المعجم الكبير» ٧/ ٣٠٠ (٧١٩٦). (٥) انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ٢/ ٢٦٩ (١٢١٠)، و«أسد الغابة» ٢/ ٥٣٤ (٢٤٦٦)، و«الإصابة» ٢/ ١٦١ (٣٩٤٥). وخالف ذلك خلف فذكره في مسند عمر بن الخطاب. وتقديم البخاري الإسناد الأول لمعنيين: أولهما: تصريح سفيان فيه -وهو ابن سعيد- بالسماع. ثانيهما: من عادة الأئمة غالبًا الابتداء بالنازل، ثم العالي (١)، وهو كذلك في الأول إلى أبي وائل أربعة، وفي الثاني: ثلاثة. وعند ابن ماجه عن أبي وائل قال: بعث رجل معي بدراهم هدية إلى البيت، فدخلت البيت، وشيبة جالس على كرسي فناولته إياها فقال: ألك هذِه؟ قلتُ: لا، ولو كانت لي لم آتك بها. قال: أما لئن قلت ذاك، لقد جلس عمر مجلسك الذي أنت فيه، وقال: لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة، الحديث. وفيه: فقلت: لأنه - عليه السلام - قد رأى مكانه، وأبو بكر وهما أحوج منك إلى المال، فلم يحركاه، فقام كما هو فخرج (٢). وقال الإسماعيلي: ليس في الخبر لكسوة الكعبة ذكر. --------- (١) الإسناد العالي هو: الإسناد الذي قلَّ عدد رجاله بالنسبة إلى إسناد آخر لنفس الحديث أو نفس المتن كثر عدد رجاله. والإسناد النازل هو: الإسناد الذي كثر عدد رجاله بالنسبة إلى إسناد آخر لنفس الحديث أو نفس المتن قل عدد رجاله. والإسناد العالي أفضل من النازل؛ لأن عدد رجاله أو وسائطه أقل وكلما قلت الوسائط أو الرجال قلَّ احتمال وقوع الخطأ، والعكس. والإسناد النازل قد يكون أفضل في حالة واحدة، إذا كان رجاله أوثق وأضبط وأتقن من الإسناد العالي، وقد شغف المتقدمون بالإسناد العالي وبذلوا في طلبه الرحلات الطويلة الشاقة. انظر: «علوم الحديث» لابن الصلاح ص: ٢٥٥ - ٢٦٤، و«المقنع في علوم الحديث» للمصنف ٢/ ٤٢١ - ٤٢٦، و«فتح المغيث» للسخاوي ٣/ ٢ - ٢٧. (٢) «سنن ابن ماجه» (٣١١٦) وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٢٥٢٩). قلتُ: الجواب -كما أفاده ابن بطال-: لأنَّ منْ المعلوم أنَّ الملوك في كل سنة كانوا يتفاخرون بتسبيل الأموال لها، فأراد البخاري أنَّ عمر لمَّا أراد قسمة الذهب والفضة الموقوفين بها على أهل الحاجة صوابًا، كان حكم الكسوة حكم المال يجوز قسمتها، بل ما فضل من كسوتها أولى بالقسمة على أهل الحاجة من قسمة المال، إذ قد يمكن نفقة المال فيما تحتاج إليه الكعبة في إصلاح ما وَهَى منها، وفي (وقيد) (١) وأجرة قيم، والكسوة لا تدعو إليها ضرورة، ويكفي منها بعضها (٢). ونحا نحوه ابن المنير فقال: يحتمل أنْ يكون مقصوده بالترجمة التنبيه على أنَّ كسوة الكعبة مشروعة ومأثورة، ولم تزل تقصد بمال يوضع فيها على معنى الزينة والجمال؛ إعظامًا لحرمتها في الجاهلية والإسلام، والكسوة من هذا القبيل. ويحتمل أن يريد التنبيه على حكم الكسوة، وهل يجوز التصرف فيما عتق منها كما يصنع الآن؟ فنبَّه على أنه موضع اجتهاد، وأنَّ مقتضى رأي عمر أن يقسم في المصالح، وأنَّ رأي الشارع والصديق يخالف رأيه. قال: والظاهر جواز قسمة الكسوة العتيقة إذ بقاؤها تعريض لفسادها بخلاف النقدين، وإذ لا جمال في كسوة عتيقة مطوية، ويؤخذ من قول عمر أن صرف المال في الفقراء والمساكين آكد من صرفه في كسوة الكعبة، لكن الكسوة في هذِه الأزمنة أهم؛ إذ الأمور المتقادمة تتأكد حرمتها في النفوس، وقد صار تركها في العرف غضا في الإسلام، ---------- (١) كذا صورتها في الأصل، وفي «شرح ابن بطال» وهو المصدر المنقول منه وضع محقق الكتاب مكانها بياضًا بين قوسين وعلق قائلًا: كلمة لم أستطع قراءتها في الأصل. (٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٧٦ - ٢٧٧. واضعًا لقلوب المسلمين (١). ولك أن تقول: لعل البخاري أراد أصل الحديث على عادته في الاستنباط وهو قوله عند ابن ماجه: «مال الكعبة» (٢) وهي داخلة فيه. يؤيده قوله - عليه السلام -: «وهل لك من مالك إلا ما لبست فأبليت» (٣). فجعل اللبس وهو الكسوة مالًا. قال صاحب «التلخيص»: لا يجوز بيع أستارها، وكذا قال أبو الفضيل بن عبدان: لا يجوز قطع أستارها ولا قطع شيء من ذلك، ولا يجوز نقله ولا بيعه ولا شراؤه، قال: ومن عمل شيئًا من ذلك كما تفعله العامة يشترونه من بني شيبة لزمه رده، ووافقه الرافعي. وقال ابن الصلاح: الأمر فيها إلى الإمام يصرفه في بعض مصارف بيت المال بيعًا وعطاء. واحتج بما ذكره الأزرقي: أنَّ عمر كان ينزع كسوة البيت كل سنة فيقسمها على الحاج (٤). وعند الأزرقي عن ابن عباس وعائشة أنهما قالا: تباع كسوتها، ويجعل منها في سبيل الفقراء والمساكين وابن السبيل، قالا: ولا بأس أن يلبس كسوتها من صارت إليه من حائض وجُنب وغيرهما، وكذا قالته أم سلمة (٥). وذكر ابن أبي شيبة عن ابن أبي ليلى -وسُئل عن رجل سرق من الكعبة- فقال: ليس عليه قطع (٦). ----------- (١) «المتواري» ص: ١٣٨ - ١٣٩. (٢) ابن ماجه (٣١١٦). (٣) رواه مسلم (٢٩٥٨). (٤) «أخبار مكة» ١/ ٢٥٨ - ٢٥٩. (٥) «أخبار مكة» ١/ ٢٦١ - ٢٦٢. (٦) «المصنف» ٦/ ٣ (٢٩٠٠١). وذكر محمد بن إسحاق في «سيره» تبان أسعد كرب، وهو تُبَّعُ الآخر، وجده تُبَّع الأول، ثم ساق نسبه إلى يعرب بن قحطان، قال: كان هو وقومه أصحاب أوثان يعبدونها، وجه إلى مكة حتى إذا كان بين عسفان وأمجَ أتاه نفر من هذيل بن مدركة فقالوا: ألا ندلك على بيت مال داثر؟ قال: بلى، قالوا: مكة. وإنما أراد الهذليون هلاكه؛ ما عرفوا هلاك من أراده من الملوك، فقال له حبران كانا معه: إنما أراد هؤلاء هلاكك، قال: فبماذا تأمراني؟ قالا: تصنع عنده ما يصنع أهله، تحلق وتطوف وتنحو، ففعل، وأقام بمكة ستة أيام ينحر للناس ويطعمهم، فَأُرِيَ في المنام أنْ يكسو البيت، فكساه الخصف، ثم أُرِيَ أن يكسوه أحسن من ذلك، فكساه المعافر، ثم أُريَ أنْ يكسوه أحسن من ذلك، فكساه الملاء والوصائل، فكان تبع فيما يزعمون أول من كسا البيت. وقال في موضع آخر عن ابن إسحاق: أول من كساها الديباج الحجاج، وذكر ابن قتيبة أنَّ هذِه القصة كانت قبل الإسلام بسبعمائة سنة. وفي «معجم الطبراني» من حديث ابن لهيعة ثنا أبو زرعة بن عمرو سمعت سهل بن سعد رفعه: «لا تسبوا تبعًا فإنه قد أسلم». وقال: لا يروى عن سهل إلَّا بهذا الإسناد، تفرَّد به ابن لهيعة (١). وفي «مغائص الجوهر في أنساب حمير»: كان يدين بالزبور. وذكر ابن أبي الأزهر في «تاريخه»: أول من كساها عدنان بن أدد، وفي كتاب الكلبي: تبع بن حسان بن تبع بن ملكيكرب، وهو تبع ------------- (١) «المعجم الأوسط» ٣/ ٣٢٣ (٣٢٩٠)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٧٣١٩)، وانظر: «الصحيحة» ٥/ ٥٤٨ (٢٤٢٣). الأصغر، وآخر التبابعة، أتى مكة وطاف بها وحلق كالذي فعل جده تبع الأوسط، وكسا البيت الملاء والخز والديباج، وهو القائل: كسونا البيت الذي حرَّم الله … .................... وقيل: بل قائله تبع الأوسط، والأول أصح وأكثر، وهو الذي عليه العلماء باليمن. وزعم الزبير أنَّ أول من كساها الديباج عبد الله بن الزبير، زاد أبو بكر التاريخي وغيره جوفها أجمع، وكان يصب الطيب فيما بين أضعاف البنيان. وذكر بعض الحجبة أنه وجد قطعة ديباج من ديباج الكعبة فيها بما أمر به أبو بكر أمير المؤمنين، وكان ينقل بنفسه الحجارة لبنائها، قال عامر ابنه: رأيته يشرب الماء وهو نائم من اللغب. قال أبو بكر بإسناده إلى عمر أنه كان ينزع كسوة الكعبة كل عام يقسمها في الحاج، فيستترون بها ويستظلون بها على الشجر، وهذا سلف في «أخبار مكة وفتوحها» للفاكهي (١)، ويقال: أول من كساها الديباج عبد الملك بن مروان. وفي «الأوائل» لأبي عروبة الحراني من حديث الأشعث، عن الحسن قال: أول شيء كسية الكعبة أن سيدنا رسول الله - ﷺ - كساها قباطي. وذكر الدارقطني أنَّ نتيلة بنت جناب أم العباس بن عبد المطلب كانت قد أضلت العباس صغيرًا فنذرت إن وجدته أن تكسو الكعبة الديباج، ففعلت ذلك حين وجدته، وكانت من بيت مملكة (٢). --------- (١) «أخبار مكة» ٥/ ٢٣٢ (٢١٢). (٢) رواه الدارقطني في «المؤتلف والمختلف» ١/ ٤٦٦. وللأزرقي عن ابن جريج: كان تبع أول من كسا البيت كسوة كاملة، أُرِيَ في المنام أن يكسوها، فكساها الأنطاع، ثم أُرِي أن يكسوها ثياب حبرة من عصب اليمن (١). ثم كساها الناس بعده في الجاهلية، ثم ذكر أيضًا أن النبي - ﷺ - كساها، ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ومعاوية بن أبي سفيان وابن الزبير الديباج، وكانت تُكسى يوم عاشوراء ثم صار معاوية يكسوها مرتين، والمأمون كان يكسوها ثلاثًا: الديباج الأحمر يوم التروية، والقباطي هلال رجب، والديباج الأبيض يوم سبع وعشرين من رمضان (٢). وذكر الماوردي أن أول من كساها الديباج خالد بن جعفر بن كلاب، أخذ لطيمة (٣) تحمل البر ووجد فيها أنماطًا فعلقها على الكعبة. وذكر الجاحظ أن أول من خلَّقها عبد الله بن الزبير. وفي كتاب ابن اسحاق أول من جلاها عبد المطلب بن عبد مناف، لمَّا حفرها بالغزالين اللذين وجدهما من ذهب (٤). وفي ابن أبي شيبة، عن عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن عجوز من أهل مكة قالت: أُصيب ابن عفان وأنا ابنة أربع عشرة سنة، قالت: ولقد رأيت البيت وما عليه كسوة إلا ما يكسوه الناس الكساء الأحمر يطرح عليه، والثوب الأصفر والكساء الصوف، وما كسي من شيء علق عليه، ولقد رأيته وما عليه ذهب ولا فضة، قال --------- (١) «أخبار مكة» ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠. (٢) «أخبار مكة» للأزرقي ١/ ٢٥٢ - ٢٥٦. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: اللطيمة: العير التي تحمل الطيب وبز التجار، وربما قيل لسوق العطارين: لطيمة. (٤) «سيرة ابن إسحاق» ص ٦ (١٢). محمد: لم يُكسَ البيت على عهد أبي بكر ولا عمر، وأن عمر بن عبد العزيز كساه الوصائل والقباطي. وعن ليث بن أبي سليم قال: كانت كسوة الكعبة على عهد رسول الله - ﷺ - الأنطاع والمسوح (١). وقال ابن دحية: كساها المهدي القباطي والخز والديباج، وطلى جدرانها بالمسك والعنبر من أسفلها إلى أعلاها (٢). وفي ابن بطال: قال ابن جريج: زعم بعض علمائنا أن أول من كساها إسماعيل، قال: وبلغني أن تبعًا أول من كساها، ولم تزل الملوك في كل زمن يكسونها بالثياب الرقيقة، ويقومون بما تحتاج إليه من المؤنة؛ تبركا بذلك، فرأى عمر أن ما فيها من الذهب والفضة لا تحتاج إليه الكعبة لكثرته، فأراد أن يصرفه في منافع المسلمين؛ نظرًا لهم، فلمَّا أخبره شيبة بأنه - عليه السلام - وأبا بكر لم يتعرضا لذلك أمسك، وصوب فعلهما، وإنما تركا ذلك والله أعلم؛ لأن ما جعل في الكعبة وسبل لها يجري مجرى الأوقاف، ولا يجوز تغيير الأوقاف عن وجوهها، ولا صرفها عن طرقها، وفي ذلك أيضًا تعظيم للإسلام وحرماته، وترهيب على العدو (٣). وقد روى ابن عيينة، عن عمرو، عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب: لو أخذنا ما في هذا البيت -يعني الكعبة- فقسمناه، فقال له أُبي بن كعب: والله ما ذلك لك. قال: ولم؟ قال: لأن الله بين ---------- (١) «المصنف» ٣/ ٤٢٨ - ٤٢٩ (١٥٨١٢، ١٥٨١٤). (٢) انظر: «أخبار مكة للأزرقي» ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣. (٣) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٧٦. موضع كل مال، وأقره رسول الله - ﷺ -. قال: صدقت (١). وفي الحديث حجة لمن قال: إنه يجوز صرف ما جعل سبيل من سبل الله في سبيل آخر من سُبل الله، إذا كان ذلك صوابًا، وفي فعله - عليه السلام - وفعل أبي بكر حجة لمن رأى بقاء الأموال على ما سبلت عليه، وترك تغييرها عما جُعلت له. وفي قوله: (هُمَا المَرْآنِ أَقْتَدِي بهما)، من الفقه ترك خلاف كبار الأئمة، وفضل الاقتداء بهما، وأن ذلك فعل السلف. وقوله: (الْمَرْآنِ): يقال هذا مرء صالح، وفيه لغة بالضم، ولا يجمع على لفظه، وبعضهم يقول: المرءون. فإن جئت بألف الوصل كان فيه ثلاث لغات: فتح الراء على كل حال، وإعرابها على كل حال، حكاهما الفراء، وضم الراء على كل حال، وإعرابها على كل حال، تقول: هذا امرؤٌ، ورأيت امرأً، ومررت بامرئ، ولا جمع له من لفظه، وهذِه امرأة، مفتوحة الراء على كل حال. --------- (١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٨٨ (٩٠٨٤). ٤٩ - باب هَدمِ الكَعْبَةِ قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ، فَيُخْسَفُ بِهِمْ». [انظر: ٢١١٨] ١٥٩٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الأَخْنَسِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ، يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا». [فتح: ٣/ ٤٦٠] ١٥٩٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ». [انظر: ١٥٩١ - مسلم: ٢٩٠٩ - فتح: ٣/ ٤٦٠] ثم ذكر حديث ابن عباس السالف، وحديث أبي هريرة السالف أيضًا، وقد سبقا. والتعليق الأول عنده مسند وكذا عند مسلم (١). وفيه: إخبار عما يكون من الحدثان والأشراط؛ وذلك يكون في أوقات مختلفة، فحديث عائشة هو في وقت غير هدمها، ويمكن أن يكون هدمه لها عند اقتراب الساعة، ولا يدل ذلك على انقطاع الحج، فقد سلف من حديث أبي سعيد أنه يحج بعد خروج يأجوج ومأجوج، وعيسى يحج ويعتمر بعد ذلك (٢). ------------ (١) سيأتي مسندًا برقم (٢١١٨) في البيوع، باب: ما ذكر في الأسواق، ورواه مسلم (٢٨٨٤) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: الخسف بالجيش الذي يؤم البيت. (٢) سلف برقم (١٥٩٣). ![]()
__________________
|
|
#320
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (11) من صـــ 351 الى صـــ 370 الحلقة (320) ٥٠ - باب مَا ذُكِرَ فِي الحَجَرِ الأَسْوَدِ ١٥٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُمَرَ - رضي الله عنه - أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ. [١٦٠٥، ١٦١٠ - مسلم: ١٢٧٠ - فتح: ٣/ ٤٦٢] ذكر فيه حديث عابس بن ربيعة، عَنْ عُمَرَ - رضي الله عنه - أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقبَّلَهُ، فَقَالَ: إِنَّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رسول الله - ﷺ - يُقبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا من حديث عبد الله بن عمر وعبد الله ابن سرجس عن عمر (١)، والنسائي من حديث ابن عباس عنه، وعنده: قبله ثلاثًا (٢)، وعند الحاكم: وسجد عليه، ثم صحح إسناده (٣)، وعند الترمذي عنه: «نزل الحجر الأسود من الجنة أشد بياضا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم» ثم قال: حسن صحيح (٤)، وعنده عنه: «إن لهذا الحجر لسانًا وشفتين يشهد لمن استلمه يوم القيامة بحق» وقال: حسن (٥). --------- (١) «صحيح مسلم» (١٢٧٠) كتاب: الحج، باب: استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف. (٢) «سنن النسائي» ٥/ ٢٢٧. (٣) «المستدرك» ١/ ٤٥٥. (٤) «سنن الترمذي» (٨٧٧). وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٧٥٦)، وانظر: «الصحيحة» ٦/ ٢٣٠ (٢٦١٨). (٥) «سنن الترمذي (٩٦١). بلفظ:»والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق«. وصححه الألباني في»صحيح = والحاكم وقال: صحيح الإسناد (١)، وله شاهد صحيح عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «يأتي الركن والمقام يوم القيامة أعظم من أبي قبيس، له لسان وشفتان، يكلم عمن استلمه بالنية، وهو يمين الله التي يصافح بها عباده» (٢). قال: وقد روي لهذا الحديث شاهد مفسر غير أنه ليس من شرطهما، فذكره من حديث أبي سعيد الخدري (٣). وذكر على شرط مسلم من حديث جابر: بدأ بالحجر فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء وقبَّله ووضع يده عليه، ومسح بها وجهه (٤). وفي «فضائل مكة» للجندي من حديث ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن ابن عباس: إن هذا الركن الأسود يمين الله في الأرض يصافح به عباده مصافحة الرجل أخاه. ومن حديث الحكم بن أبان، عن عكرمة عنه زيادة: فمن لم يدرك بيعة رسول الله - ﷺ - ثم استلم الحجر فقد بايع الله ورسوله. وللطبراني من حديث إبراهيم بن يزيد المكي زيادة: ما حادى به عبد مسلم يسال الله خيرا إلا أعطاه إياه. ----------- = الجامع«(٧٠٩٨)، وانظر:»صحيح الترغيب والترهيب«٢/ ٢٨ (١١٤٤). (١)»المستدرك«١/ ٤٥٧، باللفظ الذي ذكره المصنف، وصححه الألباني في»صحيح الجامع«(٢١٨٤). (٢)»المستدرك«١/ ٤٥٧ وقال الألباني في»صحيح الترغيب والترهيب«٢/ ٢٩ (١١٤٥): حسن لغيره. (٣)»المستدرك«١/ ٤٥٧ - ٤٥٨. (٤)»المستدرك«١/ ٤٥٤ - ٤٥٥، وقال الألباني في»ضعيف الترغيب والترهيب" ١/ ٣٦٣ (٧٣١): منكر. ومن حديث معمر، عن رجل، عن المنهال بن عمرو، عن مجاهد أنه قال: يأتي الحجر والمقام يوم القيامة كل واحد منهما مثل أُحد، فيناديان بأعلى صوتهما، يشهدان لمن وافاهما بالوفاء. وعن أنس رفعه: «الركن والصفا يقوتتان من ياقوت الجنة». قال الحاكم: صحيح الإسناد (١). وعن ابن عمرو مرفوعًا: «الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولولا ذلك لأضاء ما بين المشرق والمغرب» ذكره شاهدًا (٢)، وأخرجه البيهقي بإسناد جيد بزيادة «ولولا ما مسهما من خطايا بني آدم، وما مسهما من ذي عاهة إلا شفي، وما على الأرض من الجنة غيره» (٣). قال ابن أبي حاتم عن أبيه: وقفه أشبه على عبد الله بن عمرو، ورجاء بن صبيح الذي رفعه ليس بقوي (٤). وعن عبد الله بن السائب: سمعت النبي - ﷺ - فيما بين ركن بني جُمح والركن الأسود يقول: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم (٥). وعن ابن عباس يرفعه كان يدعو بين الركن: «رب قنعني بما رزقتني، ----------- (١)»المستدرك«١/ ٤٥٦، بلفظ: (الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة) وصححه الألباني في»صحيح الجامع«(٣٥٥٩). (٢)»المستدرك«١/ ٤٥٦، وصححه الألباني في»صحيح الجامع«(١٦٣٣)، وانظر:»صحيح الترغيب والترهيب«٢/ ٢٩ - ٣٠ (١١٤٧). (٣)»السنن الكبرى«٥/ ٧٥. (٤)»علل الحديث«١/ ٢٩٩ (٨٩٩). (٥)»المستدرك" ١/ ٤٥٥. وبارك لي فيه، واختلف علي كل غائبة لي بخير» وقال: صحيح الإسناد (١). وعن أبي هريرة يرفعه: «وُكِّلَ بالحجر الأسود ملكًا فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. قالوا آمين» رواه ابن ماجه بإسناد فيه: إسماعيل بن عياش، بلفظ «من فاوضه -يعني الركن الأسود- فإنما يفاوض يد الرحمن» (٢). وعن ابن عباس مرفوعًا «ما مزرت على الركن إلَّا رأيت عليه ملكًا يقول: آمين، فإذا مررتم عليه فقولو ا: ربنا آتنا في الدنيا حسنة» الحديث. ذكره ابن مردويه في «تفسيره» (٣)، وعن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - كان إذا طاف بالبيت مسح أو قال: استلم الحجر والركن في كل طواف. صحيح الإسناد (٤). وعند الجندي عن سعيد بن المسيب: الركن والمقام حجران من حجارة الجنة. --------- (١) «المستدرك» ١/ ٤٥٥، وقال الألباني: إسناده ضعيف، وقد استغربه الحافظ؛ لأن عطاء بن السائب كان اختلط، وسعيد بن زيد سمع منه آخرًا، على ضعف في حفظه، ورواه غيره عنه موقوفًا ا. هـ. «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ٢١٧ (٢٧٢٨). (٢) «سنن ابن ماجه» (٢٩٥٧)، وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» ١/ ٣٥٩ (٧٢١). (٣) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٤١٨، وعزاه لابن مردويه. (٤) رواه ابن خزيمة ٤/ ٢١٦ (٢٧٢٣)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٥٦ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٤٧٥١)، وانظر: «الصحيحة» ٥/ ١٠٨ (٢٠٧٨). والحديث رواه أبو داود (١٨٧٦) بلفظ: كان رسول الله - ﷺ - لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة، قال: وكان عبد الله بن عمر يفعله. وكذا رواه النسائي ٥/ ٢٣١، أحمد ٢/ ١٨. وعن ابن عمر أنه - عليه السلام - أتى الحجر الأسود فاستلمه، ووضع شفتيه عليه وبكى بكاءً طويلًا ثم التفت فإذا عمر يبكي خلفه فقال: «يا أبا حفص ها هنا تسكب العبرات»، قال الحاكم فيه: صحيح الإسناد (١). وعنده -أعني: الجندي- عن مجاهد: الركن من الجنة ولو لم يكن منها لغني. وعن ابن عباس رفعه: «لولا ما طبع الله الركن من أنجاس الجاهلية وأوساخها وأيدي الظلمة والأثمة؛ لاستشفي به من كل عاهة، ولألفاه اليوم كهيئة يوم خلقه الله تعالى وإنما غيَّره الله بالسواد؛ لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة، وإنه لياقوتة من ياقوت الجنة بيضاء وضعه لآدم حيث أنزله في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة والأرض يومئذ طاهرة، لم يعمل فيها بشيء من المعاصي، وليس لها أهل ينجسونها، ووضع لها صفًا من الملائكة على أطراف الحرم يحرسونه من جان الأرض، وسكانها يومئذ الجن، وليس ينبغي لهم أن ينظروا إليه؛ لأنه شيء من الجنة، ومن نظر إلى الجنة دخلها فهم على أطراف الحرم حيث أعلامه اليوم، محدقون به من كل جانب بينه وبين الحرم» (٢). وللطبراني عن عائشة مرفوعًا «استمتعوا من هذا الحجر الأسود قبل أن يرفع فإنه خرج من الجنة وإنه لا ينبغي لشيء خرج منها أن لا يرجع إليها قبل يوم القيامة». ------------ (١) «المستدرك» ١/ ٤٥٤، وقال الألباني في «الضعيفة» ٣/ ٩١ (١٠٢٢): ضعيف جدًا. (٢) رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ١/ ٨١ - ٨٢، والطبراني ١١/ ٥٥ - ٥٦ (١١٠٢٨)، وفي «الأوسط» ٦/ ٢٢٩ - ٢٣٠ (٦٢٦٣) مختصرًا، وأورده الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٤٢ - ٢٤٣، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه: جماعة لم أجد من ترجمهم ثم أتبعه بالحديث الذي في «الكبير» وقال: رواه الطبراني في «الكبير» وفيه: من لم أعرفه ولا له ذكر. وضعفه الألباني في «الضعيفة» ١/ ٦١٥ (٤٢٦). ولأحمد عن عمر أنه عليه - ﷺ - قال»: «إنك رسول قوى فلا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبل وكبر وهلل» (١). وللدارقطني عن عطاء قال: رأيت أبا سعيد وأبا هريرة وابن عمر وجابرًا إذا استلموا الحجر قبَّلوا أيديهم (٢). ولمسلم عن ابن عباس يرفعه «يستلم الركن بمحجن، ويقبل المحجن» (٣). وللطبراني: أن ابن عمر كان إذا استلم الركن قال: بسم الله، والله أكبر (٤). وعنده من حديث الحارث عن علي أنه كان إذا استلم الحجر قال: اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك وسُنة نبيك - ﷺ - (٥). إذا تقرر ذلك: فإنما قال ذلك عمر؛ لأن الناس كانوا حديث عهد بعبادة الأصنام. ----------- (١) «المسند» ١/ ٢٨. (٢) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٩٠. (٣) حديث ابن عباس هذا رواه مسلم (١٢٧٢) لكن بدون ذكر: (ويقبل المحجن)، كتاب: الحج، باب: جواز الطواف على بعير وغيره واستلام الحجر بمحجن ونحوه للراكب. واللفظ الذي ذكره المصنف رواه مسلم (١٢٧٥) من حديث أبي الطفيل. (٤) «الدعاء» ٢/ ١٢٠١ (٨٦٢). (٥) «المعجم الأوسط» ١/ ١٥٧ (٤٩٢)، وذكره الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٤٠ وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه: الحارث، وهو ضعيف وقد وثق، وضعفه الألباني في «الضعيفة» ٣/ ١٥٦ (١٠٤٩). ٥٤ - باب مَن كَبَّرَ فِي نَوَاحِي الكَعْبَةِ ١٦٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمَّا قَدِمَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ البَيْتَ وَفِيهِ الآلِهَةُ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ، فَأَخْرَجُوا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فِي أَيْدِيهِمَا الأَزْلَامُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قَاتَلَهُمُ اللهُ، أَمَا وَاللهِ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ». فَدَخَلَ البَيْتَ، فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ. [انظر: ٣٩٨ - مسلم: ١٣٣١ - فتح: ٣/ ٤٦٨] ذكر فيه حديث ابن عباس: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمَّا قَدِمَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ البَيْتَ، وَفِيهِ الآلِهَةُ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ، فَأَخْرَجُوا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فِي أَيْدِيهِمَا الأَزْلَامُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قَاتَلَهُمُ اللهُ، أَمَا وَاللهِ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ». فَدَخَلَ البَيْتَ، فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ. هذا الحديث من أفراد البخاري. وفي رواية: حتى أمر بها فمحيت، خرجهُ في الأنبياء في باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وخرج فيه أيضًا عن ابن عباس: دَخَل النبي - ﷺ - البيت فَوجَد صورة إبراهيم وصورة مريم فقال «أما هم فقد سمعوا أنَّ الملائكة لا تَدخل بيتًا فيه صورة، هذا إبراهيم مُصور، فما له يستقسم؟» (١). وأخرجه أيضًا من طريق وهيب: حَدَّثَنَا أيوب، عن عكرمة، عن رسول الله - ﷺ - مرسلًا (٢). وسَلف في الصَّلاة عن إسحاق بن نصر، ثَنَا ----------- (١) سيأتي برقم (٣٣٥١). (٢) ستأتي عقب حديث رقم (٤٢٨٨). عبد الرزاق، أنا ابن جريج، عن عطاء: سَمعْتُ ابن عباس لما دَخل النبي - ﷺ - البيت. الحديث (١). قَالَ الإسماعيلي: هذا أحسبه وقع غلطًا لا من الكتَّاب، فإني نقلتهُ من كتاب مسموع مُصحح ممن سمع منهُ، ووجدتهُ كذلك في غير نسخة، والحديث إنما هو عن ابن عباس، عن أسامة، وكان هذا في فتح مكة سنة ثمان. وفي أبي داود، عن عبد الرحمن بن صفوان: لمَّا فتح رسول الله - ﷺ - مكة، انطلقت فوافقته قد خرج من الكعبة، وكان قد دخلها بالسيف، فأخرجت الآلهة وهي الأنصاب التي كانت قُريش تعبد، ثم دخل البيت بعد ذَلِكَ، وكبَّر في نواحيه، وكان دَخل مكة حلالًا، ثم اعتمر في ذَلِكَ العام بعد رجوعه من الطائف (٢). إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: الأزلام: جمع زُلم وزَلم، وهي: الأقداح أيضًا، واحدها قِدْح، وسُميت بذلك؛ لأنها تُقلم أي: تُبرى، ذكرهُ ابن قُتيبة في كتاب «القداح»، كانت الجاهلية يتخذونها، ويكتبون على بعضها: نهاني ربِّي، وعلى بعضها: أمرني ربي، وعلى بعضها: نعم، وعلى بعضها: لا، فإذا أراد أحدهم سفرًا، أو غيره دفعوها إلى بعضهم حَتَّى يقبضها، فإن خرج القدح الذي عليه: أمرني ربي مضى، أو نهاني كف. ----------- (١) برقم (٣٩٨) باب: قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. (٢) «سنن أبي داود» (١٨٩٨) كتاب: المناسك، باب: الملتزم. وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٣٢٩). والاستقسام: ما قسم له من أَمر يزعمه، وقيل: كان إذا أراد أحدهم أمرًا أدخل يده في الوعاء الذي فيه الأزلام، فأخرج منها زلمًا وعمل بما عليه (١)، وقيل: الأزلام: حصى أبيض كما نوا يضربون بها (٢)، والاستقسام استفعال من قسم الرزق والحاجات، وذلك طلب أحدهم بالأزلام عَلَى ما قَسم له في حاجته التي يلتمسها من نجاح أو حرمان، فأبطل الرب تعالى ذَلِكَ من فعلهم، وأخبر أنه فسق؛ لأنهم كانوا يستقسمون عند آلهتهم التي يعبدونها، ويقولون: يا إلهنا، أخرج الحق في ذَلِكَ، ثم يعملون بِمَا خرج فيه، فكان ذَلِكَ كُفرًا بالله تعالى؛ لإضافتهم ما يكون من ذَلِكَ من صَواب، أو خطأ إلى أنهُ قسم آلهتهم (٣). فأخبر الشارع عن إبراهيم، وإسماعيل أنهما لم يكونا يستقسمان بالأزلام، وإِنَّما كانا يفوضان أمورهما إلى الله الذي لا يخفَى عليه علم ما كان وما هو كائن؛ لأن الآلهة لا تضر ولا تنفع، ولذلك قَالَ - ﷺ -: «لقدْ علموا أنهما لم يستقسما بها قط»؛ لأنهم قد علموا أنَّ آباءهم أحدثوها، وكان فيهم بقية من دين إبراهيم، منهُ: الخِتان، وتحريم ذوات المحارم، إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين. وقال ابن التين: الأزلام: قداح، وهي أعواد نحتوها، وكتبوا في إحديهما: افعل، وفي الأخرى: لا تفعل، ولا شيء في الآخر. فإن خرجا فقد سلف، وإِنْ خرج الثالث أعاد الضرب حَتَّى يخرج له افعل، أو لا تفعل. ----------- (١) انظر: «الصحاح» ٥/ ٢٠١٢. و«النهاية في غريب الحديث» ٤/ ٦٣. (٢) انظر: «الصحاح» ٥/ ١٩٤٣. «لسان العرب» ٦/ ١٨٥٧ - ١٨٥٨. (٣) «النهاية في غريب الحديث» ٤/ ٦٣. و«لسان العرب» ٦/ ٣٦٢٩. قَالَ: وكانت سبعة عَلَى صيغة واحدة مكتوب عليها: لا، نعم، منهم، من غيرهم، ملصق، العقل، فضل العقل. وكانت بيد قيم الأصنام، وهو السادن، وكانوا إذا أرادوا خروجًا، أو تزويجًا، أو حاجة أتى المُريد بمائة درهم فدفعها إلى السادن، فيسأل الصنم أن يوضح لهم ما يعمل عليه مِنْ مَقام أو خروج، فيضرب له بذينك السهمين الذين عليهما: نعم، ولا، فإِن خرج نعم ذَهب لحاجته، وإِنْ خرج لا كفَّ عنها، وإِنْ شكُّوا في نسب رجل أتوا به دار الأصنام، فضرب عليها بتلك الثلاثة التي هي: منهم، من غيرهم، ملصق. فما خرج فحكمه عَلَى السهم، فإِنْ خرج: منهم. كان من أوسطهم نسبًا، وإن خرج: من غيرهم. كان حليفًا، وإن خرج: مُلصق. لَمْ يكن له نسب، ولا حلف. وكانوا، إذا جنى أحدهم جناية فاختلفوا عَلَى من العقل، ضربوا عليه. فإن خرج العقل عَلَى مَنْ ضرب عليه، عَقَل وبرئ الآخرون. وكانوا إذا عَقلوا العقل، وفضل الشيء منهُ واختلفوا فيه، فأتوا السادن فضرب، فعلى مَنْ وَجب أداه، فهذا هو الاستقسام. وفي «الجامع»: أتى المُريد لحاجته بمائة درهم يدفعها إلى السادن إلى آخر ما سَلف. قَالَ: فأما ما تفعله العرب من رمي السِّهام عَلَى الشيء الذي يتشاح عليه، فليس من هذا، وهو مُباح. قَالَ تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] لأنهم تشاحوا عليها، فألقوا عَلَى ذَلِكَ سهامًا، فخرج سهم زكريا، فهذا وأمثاله مُباح، والمحظور ما كانوا يرون من فعل الصَّنم. الثاني: في الحديث من الفقه، أنَّهُ يجب عَلَى العالم، والرجل الفاضل اجتناب مواضع الباطل، وأن لا يشهد مجالس الزور، وُينزه نفسه عن ذَلِكَ. الثَّالث: فيه أيضًا من الفقه: الإبانة عن كراهة النبي - ﷺ - دخوله بيتًا فيه صورة، وذلك أَنَّ الآلهة التي كانت في البيت. يومئذٍ إنَّما كانت تماثيل وصورًا، وقد تظاهرت الأخبار عنه - ﷺ - أنه كان يَكره دخول بيت [فيه] (١) صورة، مع أنَّه يُكره دخول البيت الذي فيه ذَلِكَ، ولا يُحرم، وسيأتي ذَلِكَ في كتاب اللباس، والزينة مبسوطًا في باب. من كره القعود عَلَى الصورة (٢)، وفي باب: لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة (٣)، إن شاء الله تعالى. الرَّابع: فيه التكبير في نواحي البيت، كما ترجم له. فائدة: سيأتي في الفتح أنَّه كان حول الكعبة ثلاثمائة صنم وستون، وسببه أنهم كانوا يعظمون كل يوم صنمًا، ويخصون أعظمها بيومين (٤). ---------- (١) زيادة ليست في الأصل ولا يستقيم المعنى بدونها. (٢) انظر ما سيأتي برقم (٥٩٥٧ - ٥٩٥٨). (٣) انظر ما سيأتي برقم (٥٩٦٠). (٤) برقم (٤٢٨٧) كتاب: المغازي، باب: أين ركز النبي - ﷺ - الراية يوم الفتح. ٥٥ - بَاب كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الرَّمَلِ ١٦٠٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ- عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ، وَقَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ. فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلاَّ الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ. [٤٢٥٦، ١٦٤٩، ٤٢٥٧ - مسلم: ١٢٦٦ - فتح: ٣/ ٤٦٩] ذكر فيه حديث ابن عباس: قَدِمَ رَسُولُ الله - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ، وَقَدْ وهنتهم حُمَّى يَثْرِبَ. فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ. وهو حديث صحيح أخرجه مسلم أيضًا بزيادة: فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أنَّ الحُمَّى وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا (١)، وفي لفظ لهما: إنَّما سعى (٢). ورمل بالبيت، ليُري المشركين قوته. وللبخاري في عمرة القضاء: والمشركون من قبل قعيقعان (٣). ولمسلم: وكانوا يحسدونه (٤). وفي لفظ: وكان أهل مكة قومًا حسدًا (٥). --------------- (١) «مسلم» (١٢٦٦/ ٢٤٠) في الحج، باب: استحباب الرمل في الطواف والعمرة. (٢) سيأتي برقم (١٦٤٩) باب: ما جاء في السعي بين الصفا والمروة. ورواه مسلم برقم (١٢٦٦/ ٢٤١) (٣) سيأتي برقم (٤٢٥٦) كتاب: المغازي. (٤) «صحيح مسلم» (١٢٦٤/ ٢٣٧). (٥) انظر: المصدر السابق. وللإسماعيلي: يقدم عليكم قوم عُراة، فأطلع الله نبيه عَلَى ما قالوا، فأمرهم أنْ يرملوا وأَنْ يمشوا. ولابن ماجه: قَالَ - ﷺ - لأصحابه حين أرادوا دخول مكة في عمرته بعد الحُديبية: «إن قومكم غدًا سيرونكم، فليروكم جلدًا»، فلمَّا دخلوا المسجد استلموا الركن، ورملوا وهو معهم (١). وللطبراني عن عطاء، عن ابن عباس قَالَ: من شاء فليرمل، ومنْ شاء فلا رمل، إنما أمر رسول الله - ﷺ - بالرمل؛ ليري المشركين قوته (٢). وللطبري في «تهذيبه»: لمَّا اعتمر رسول الله - ﷺ - بلغه أن أهل مكة يقولون: إن بأصحابه هزلًا. فقال لهم حين قَدِموا: «شدوا مآزركم وأعضادكم، وأرملوا حَتَّى يرى قومكم أن بكم قوة». قَالَ: ثم حج رسول الله - ﷺ - فلم يرملْ، قالوا: وإِنَّما رَمل في عمرة القضية. في إسناده: حجاج بن أرطاة، ولأبي داود أنه - ﷺ - وأصحابه اعتمروا من جعرانة -يعني في عمرة القضاء- فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوه عَلَى عواتقهم اليسرى (٣)، وفي لفظ: كانوا إذا بلغوا الركن اليماني، وتغيبوا من قريش مَشوا، ثم اطلعوا عليهم يرملون، تقول قُريش: كأنهم الغُزلان. قَالَ ابن عباس: كانت سُنَّة (٤). ----------- (١) «سنن ابن ماجه» (٢٩٥٣) كتاب: المناسك، باب: الرَّمَلِ حول البيت. (٢) «المعجم الأوسط» ٥/ ١٩١ - ١٩٢ (٥٠٤٨). (٣) «سنن أبي داود» (١٨٨٤) كتاب: المناسك، باب: الاضطباع في الطواف. من حديث ابن عباس، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٦٤٦). (٤) «سنن أبي داود» (١٨٨٩) باب: في الرمل. وفي لفظ: أنه لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه (١)، صححه الحاكم عَلَى شرط الشيخين (٢)، مِنْ حديث أبي سعيد، وله عَلَى شرطهما أيضًا من حديث أبي سعيد، وابن عباس: رمل رسول الله - ﷺ - في حجته، وفي عمره كلها، وأبو بكر، وعمر، والخُلفاء. إذا تقرر ذَلِكَ: فالرمل هو: الإسراع، وحقيقتهُ إسراع المشي مع تقارب الخطى. قَالَ صاحب «الأفعال»: رمل رملًا: أسرع في الرمل (٣)، وقال صاحب «العين»: الرمل ضرب من المشي (٤)، وقال ابن سيده: يرمل رملًا، ورملانًا: إذا مشى دون العدو (٥)، وقال القزاز: هو العدو الشديد، وقال ابن دريد: هو شبيه بالهرولة (٦)، وقال الجوهري: هو الهرولة (٧). وقال في «المغيث»: هو الخبب (٨). وقيل: هو أن يهز منكبيه، ولا يسرع العدو. وقَالَ ابن العربي في «مسالكه»: هو مأخوذ من التحريك، وهو أن يُحرك الماشي منكبيه؛ لشدة الحركة في مشيه. والشوط جري مرة إلى الغاية، والجمع أشواط (٩)، قاله صاحب ------------ (١) «سنن أبي داود» (٢٠٠١) باب: الإفاضة في الحج. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (١٧٤٦). (٢) «المستدرك» ١/ ٤٧٥ كتاب المناسك. (٣) «الأفعال» ص ٩٩. (٤) «العين» ٨/ ٢٦٧. (٥) «المحكم» ١١/ ٢٢٧. (٦) «جمهرة اللغة» ٢/ ٨٠١. (٧) «الصحاح» ٤/ ١٧١٣. (٨) «المغيث» لأبي موسى المديني ١/ ٨٠٥. (٩) «العين» ٦/ ٢٧٥. «العين» مأخوذ من قولهم: جرى الفرس شوطًا، إذا بلغ مجراه ثم عَاد، فكل مَنْ أتى موضعًا ثم انصرف عنهُ فهو شوط. وقال الطبري: يُقال: شاط يشوط شوطًا إذا عدا غلوة بعيدة. و(وهنتهم) بتخفيف الهاء المفتوحة أي: أضعفتهم، وحكى التياني وهن بالكسر. وقال صاحب «العين»: الوهن لغة في الوهن. وقوله: (إلا الإبقاء). هو بكسر الهمزة، ثم باء موحدة ممدود أي: للرفق بهم. قَالَ القرطبي: رويناه بالرفع عَلَى أنَّه فاعل يمنعهم، ويجوز النصب عَلَى أن يكون مفعولًا من أجله، قَالَ: ويكون في (منعهم) ضمير عائد عَلَى رسول الله - ﷺ -، وهو فاعله (١) وقالوه استهزاءً بهم. ويثرب: المدينة شرفها الله تعالى. قوله: وأَنْ يمشوا ما بين الركنين. يُريد اليماني، والحجر الأسود. وقوله: وقد هو بالفاء. قَالَ صاحب «المطالع»: عند ابن السكن بالقاف وللكافة بالفاء وهو الصواب، واختلف في الرمل هل هو سنة من سنن الحج، أم لا؛ لأنه كان لعلة ذهبت وزالت فمن شاء فعله اختيارًا. فروي عن أبي بكر وعمر وابن مسعود وابن عمر الأول، وهو قول الأربعة والثوري وإسحاق (٢)، وقال آخرون: ليس بسنة فمن شاء فعل ومن شاء تركه. -------- (١) «المفهم» ٣/ ٣٧٦. (٢) انظر «المبسوط» ٤/ ٤٦، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٣١، «الهداية» ١/ ١٥٢، «التفريع» ١/ ٣٣٧، «المعونة» ١/ ٣٦٩، «الاستذكار» ١٢/ ١٢٦، «الأم» ٢/ ١٤٩، «البيان» ٤/ ٢٩٢، «روضة الطالبين» ٣/ ٨٦، «العزيز» ٣/ ٤٠٢، «مسائل الإمام أحمد برواية إسحاق بن منصور» ١/ ٥٢٩، «المستوعب» ٤/ ٢٠٩، «المغني» ٥/ ٢١٧. روي ذَلِكَ عن ابن عباس وجماعة من التابعين: طاوس وعطاء (١) والحسن والقاسم وسالم، والأول هو ما عليه الجمهور فإن تركه كره. نص عليه الشافعي، ثم الجمهور عَلَى أنه يستوعب البيت بالرمل (٢). وفي قول: لا يرمل بين الركنين اليمانيين بل بين الشاميين؛ لأن فيه كانوا ينكشفون للكفار فيرون جلدهم، إذ سبب الرمل، والاضطباع إظهار القوة للكفار لما قالوا: وهنتهم حمى يثرب كما سلف. لكنه في عمرة القضاء سنة سبع، وحديث جابر الطويل في مسلم (٣)، وكذا حديث ابن عمر فيه: كانا في حجة الوداع سنة عشر، فكان العمل بهما أولى؛ لتأخرهما، وابن عباس لم يكن عام القضية، بخلاف جابر فإنه شاهد، والحكمة فيه مع زوال المعنى الذي شرع لأجله قد قالها الفاروق وهو الاتباع كما سيأتي، وأيضًا الفاعل له يستحضر مسببه، وهو ظهور أمر الكفار خصوصًا في ذَلِكَ المكان الشريف، فيتذكر نعمة الله عَلَى إعزاز الإسلام وأهله. فرع: لا فرق في استحباب الرمل بين الراكب والمحمول وغيرهما عَلَى الأظهر، فيرمل به الحامل ويحرك هو الدابة (٤). وعند المالكية أن طواف الإفاضة ونحوه، وطواف المحرم من التنعيم، وشبهه في ---------- (١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٦٥ (١٤١٦٠، ١٤١٦٢) كتاب: الحج، باب: من رخص في ترك الرمل. (٢) انظر «روضة الطالبين» ٣/ ٨٦. (٣) «صحيح مسلم» (١٢١٨/ ١٤٧) كتاب: الحج، باب: حجة النبي. (٤) انظر «الأم» ٢/ ١٤٩، «البيان» ٤/ ٢٩٣، «المجموع» ٨/ ٥٩. مشروعية الرمل ثلاثة أقوال فيها، ثالثها المشهور مشروع دونه (١). وفي الرمل بالمريض والصبي قولان (٢). وعند الحنفية أنه إذا طاف للركن رمل إن لم يسع ولم يرمل في طواف سالف فيه (٣). فرع: لو ترك الرمل في الطوفات الثلاثة لم يقضه في الأربع الأخيرة؛ لأن هيئتها السكينة فلا تتغير، ولو تذكر عن قرب ففي الإعادة قولان عن مالك، والمشهور عندهم أنه لا دم عليه (٤). وعند أحمد: من نسي الرمل لا إعادة عليه (٥). فرع: يختص الرمل بطواف يعقبه سعي (٦)، وفي قول: يختص بطواف القدوم، وبه قَالَ أحمد (٧). --------- (١) انظر «الاستذكار» ١٢/ ١٨٦، «الذخيرة» ٣/ ٢٤٥، ٢٤٦. (٢) انظر «الأم» ٢/ ١٤٩، «المجموع» ٨/ ٥٨. (٣) انظر «الأصل» ٢/ ٣٩٣، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٤٧، «الهداية» ١/ ١٥٢. (٤) انظر «الاستذكار» ١٢/ ١٣٨، «الذخيرة» ٣/ ٢٤٥. (٥) انظر «مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج» ١/ ٥٢٩، «المستوعب» ٤/ ٢٠٩، «المغني» ٥/ ٢٢٢، «المبدع» ٣/ ٢١٦. (٦) قال الكاساني: «وهو قول عامة الصحابة» «بدائع الصنائع» ٢/ ١٣١. وقال النووي في «المجموع»: وقد اضطربت طريق الأصحاب فيه، ولخصها الرافعي متفقة فقال: لا خلاف أن الرمل لا يُسن في كل طواف؛ بل إنما يسن في طواف واحد، وفي ذلك الطواف قولان مشهوران أصحهما عند الأكثرين أنه يُسن في طواف يستعقب السعي والثاني: يُسن في طواف القدوم مطلقًا، فعلى القولين لا رمل في طواف الوداع بلا خلاف، «المجموع» ٨/ ٥٨. (٧) قال ابن قدامة في «المغني»: "ولا يُسن الرمل والضطباع في طواف سوى ما ذكرناه -طواف القدوم أو طواف العمرة- لأن النبي - ﷺ - وأصحابه إنما رملوا واضطبعوا = فائدة: المختار أنه لا يكره تسمية الطواف شوطًا كما نطق به ابن عباس، كما سلف، ولأن الكراهة إنما تثبت بنهي الشرع ولم تثبت، وأمَّا الشافعي والأصحاب فقالوا بالكراهة، وسببها كما قَالَ القاضي: أن الشوط هو الهلاك. قَالَ الشافعي في «الأم»: لا يقال: شوط ولا دور، وكره مجاهد ذَلِكَ، قَالَ: وأنا أكره ما كره مجاهد. وعن مجاهد: لا تقولوا شوطًا ولا شوطين، ولكن قولوا: دورًا أو دورين (١). فائدة أخرى: قَالَ المهلب: فيه من الفقه أن إظهار القوة للعدو في الأجسام والعدة والسلاح. ومفارقة الهدوء والوقار في ذَلِكَ من السنة، كما أمر الشارع بالرمل في الثلاثة الأول. قَالَ: ومثله إباحته اللعب للحبشة في المسجد بالحراب لهذا المعنى، والمسجد ليس بموضع لعب بل هو موضع وقار وخشوع لله؛ لما كان من باب القوة والعدة والرهبة عَلَى المنافقين وأهل الكتاب المجاورين لهم أباحه في المسجد؛ لأنه أمر من أمر جماعة المسلمين، والمسجد لجماعتهم. فرع: المرأة لا ترمل بالإجماع؛ لأنه يقدح في الستر وليست من أهل الجلد، ولا هرولة أيضًا في السعي (٢)، ورواه الشافعي عن ابن عمر وعائشة وعطاء. --------- = في ذلك«.»المغني«٥/ ٢٢١، وانظر»كشاف القناع«٢/ ٤٨٠. (١)»الأم«٢/ ١٥٠. (٢)»الاستذكار«١٢/ ١٣٩،»الإجماع«لابن المنذر (٥٢)»المجموع" ٨/ ٦٢. ٥٦ - باب اسْتِلَامِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ حِيَن يَقْدَمُ مَكَّةَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ وَيَرْمُلُ ثَلَاثًا ١٦٠٣ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ - رضي الله عنه - قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ. [١٦٠٤، ١٦١٦، ١٦١٧، ١٦٤٤ - مسلم: ١٢٦١ - فتح: ٣/ ٤٧٠] ذكر فيه حديث سالم عن أبيه: قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ. وقد أخرجه مسلم أيضًا (١). ولا شك أن سنة الداخل إلى المسجد الحرام أن يبدأ بالحجر الأسود فيقبله إن قدر، فإن عجز أشار، ثم يمضي عَلَى يمينه إلى أن يأتي إليه، فهذِه واحدة، ثم ثانية، ثم ثالثة كذلك بالرمل، والأربعة الأخيرة لا رمل فيها، ثم الخب وهو الرمل إنما يشرع في طواف يعقبه سعي كما سلف، ولا يتصور في طواف الوداع؛ لأن شرطه أن يكون طاف للإفاضة، فإن طاف للقدوم وعزمه السعي بعده رمل وإلا فلا، بل يرمل في طواف الإفاضة. وثم قول آخر أنه يرمل في طواف القدوم وإن لم يرد السعي بعده، وقد سلف. وقد أسلفنا أنه - ﷺ - لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه. وقال عطاء: لا رمل فيه. -------------- (١) «صحيح مسلم» (١٢٦١) كتاب: الحج، باب: استحباب الرمل. فرع: لو خالف وجعل البيت عَلَى يمينه لم يصح عندنا، وبه قَالَ مالك وأبو ثور؛ لأنه خالف الاتباع (١). وقال أبو حنيفة وأصحابه: يعيد الطواف ما كان بمكة فإذا بلغ الكوفة وأبعد كان عليه دم ويجزئه، واحتجوا بأن الله تعالى لم يفرق بين طواف منكوس أو غيره، فوجب أن يجزئه (٢). فائدة: الخب: ضرب من العدو، يقال: خبت الدابة تخب خبًا إذا أسرعت المشي وراوحت بين قدميها، وكذا الخيل، أما إذا رفعت يديها معًا ووضعتهما معًا فذلك التقريب لا الخب، وقيل: خب الفرس إذا نقل أيامنه وأياسره جميعًا (٣). فائدة ثانية: الاستلام افتعال من السلام وهو: التحية كما قَالَ الأزهري، أو من السِّلام -بكسر السين- وهي: الحجارة، كما قَالَ ابن قتيبة، تقول: استلمت الحجر إذا لمسته. كما تقول؛ اكتحلت من الكحل، وحكى في «الجامع» أنه استفعل من اللأمة وهي الدرع والسلاح؛ لأنه إذا لمس الحجر تحصن من العذاب كما يتحصن باللأمة من الأعداء. ----------- (١) انظر «التفريع» ١/ ٣٣٧، «عيون المجالس» ٢/ ٨١٢، «الاستذكار» ١٢/ ١٢٥، «البيان» ٤/ ٢٨٣، «روضة الطالبين» ٣/ ٧٩، «مغني المحتاج» ١/ ٤٨٦. (٢) انظر «المبسوط» ٤/ ٤٤، «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ٥١٤. (٣) انظر: «الصحاح» ١/ ١١٧، و«لسان العرب» ٢/ ١٠٨٥. ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |