|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 211 الى صـــ 230 الحلقة (281) ١٣٩٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ ابْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ. قَالَ: مَا لَهُ؟ مَا لَهُ؟ وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَرَبٌ مَالَهُ، تَعْبُدُ اللهَ، وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ». وَقَالَ بَهْزٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُوهُ عُثْمَانُ بْن عَبْدِ اللهِ أنَهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أيُّوبَ بهذا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ غَيْرَ مَحْفُوظٍ إِنَّمَا هُوَ عَمْرٌو. [٥٩٨٢، ٥٩٨٣ - مسلم: ١٣ - فتح: ٣/ ٢٦١] ١٣٩٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمِ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنهأَنَّ أعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلِ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الَجنَّةَ. قَالَ: «تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ المَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ». قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هذا. فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَي هذا». حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو زُرْعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بهذا. [مسلم: ١٤ - فتح: ٣/ ٢٦١] ١٣٩٨ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا الحَيَّ مِنْ رَبِيعَةَ، قَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، وَلَسْنَا نَخْلُصُ إِلَيْكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، فَمُرْنَا بِشَيْءٍ نَأْخُذُهُ عَنْكَ، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا. قَالَ: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: الإِيمَانِ بِاللهِ وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ -وَعَقَدَ بِيَدِهِ هَكَذَا - وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ، وَالمُزَفَّتِ». وَقَالَ سُلَيْمَانُ وَأَبُو النُّعْمَانِ، عَنْ حَمَّادٍ: «الإِيمَانِ بِاللهِ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ». [انظر: ٥٣ - مسلم: ١٧ - فتح: ٣/ ٢٦١] ١٣٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه -، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ فَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه، كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ؟» [٦٩٢٤، ٧٢٨٤ - مسلم: ٢٠ - فتح: ٣/ ٢٦٢] ١٤٠٠ - فَقَالَ: وَاللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَي رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ - رضي الله عنه -، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ. [١٤٥٦، ١٤٥٧، ٦٩٢٥، ٧٢٨٥ - مسلم: ٢٠ - فتح: ٣/ ٢٦٢] ثمَّ ذَكَرَ حديثَ ابن عباسٍ في بعثِهِ معاذًا إلى اليمن، إلى أنْ قال: «.. فَأعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ». وحديث أبي أيوب: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ. وفيه: «وَتُؤْتي الزَّكاةَ». ذكره من حديثِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ (أبي) (١) عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أيوبَ. وَقَالَ: قال بَهْزٌ: ثنَا شُعْبَةُ، ثنَا محمدُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُوهُ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وأَخْشَى أنْ يَكُونَ محمَّدٌ غَيْرَ مَحْفُوظٍ إِنَّمَا هُوَ عَمْروٌ. وحديث أبي هريرة، وفيه: «وتؤدي الزَّكاةَ المفْرُوضة». وحديث ابن عباس: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ .. الحديث، وفيه: «وَإيتَاءِ الزَّكاةِ». -------------- (١) كذا بالأصل، وفي اليونينية (ابن) وفي نسخة: (محمد بن) وسيأتي تعليق المصنف على هذا الاختلاف. وحديث أبي هريرة: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، وفيه: والله لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فرق بَيْنَ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ .. الحديث. الشرح: الزكاةُ في اللغة: النَّماء والتطهير، وإن كان في الظاهر قد تنقص. وحديث ابن عباس الأول سلف مسندًا في أول الكتاب وغيره (١). وحديثه الثاني أخرجه مسلم، والأربعة (٢)، وسيأتي في مواضع من الكتاب (٣). وعند مسلم عن أبي معبد، عن ابن عباس، عن معاذ قَالَ: بعثني رسول الله - ﷺ -. جعله من مسند معاذ (٤). وفي «الإكليل» للحاكم أن بعثه وبعث أبي موسى عند انصرافه من تبوك سنة تسع، وفي «الطبقات» مثله، وأنه في ربيع الآخر (٥). وزعم ابن الحذاء أن هذا كان في هذا الشهر سنة عشر. وقدم في خلافة أبي بكر في الحجة التي حج فيها عمر، وكذا ذكره سيف في «الردة»، وبعثه قاضيًا كما قَالَ أبو عمر (٦). وقال العسكري: واليًا. -------------- (١) سلف برقم (٧) كتاب بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -. (٢) «صحيح مسلم» برقم ١٩/ ٣١ كتاب: الإيمان، باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، وأبو داود (١٥٨٤)، والترمذي (٦٢٥)، والنسائي ٥/ ٢ - ٤، وابن ماجه (١٧٨٣). (٣) سيأتي برقم (١٤٥٨) باب: لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة، (١٤٩٦) باب: أخذ الصدقة من الأغنياء، (٢٤٤٨) كتاب: المظالم، باب: الاتقاء والحذر من دعوة المظلوم، و(٤٣٤٧) كتاب: المغازي، باب: بعث أبي موسى، و(٧٣٧١ - ٧٣٧٢) كتاب: التوحيد، باب: ما جاء في دعاء النبي - ﷺ - أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى. (٤) «صحيح مسلم» ١٩/ ٢٩. (٥) «الطبقات» ٣/ ٥٨٤. (٦) «الاستيعاب» ٣/ ٤٦٠. وكان قسم اليمن على خمسة: خالد بن سعيد على صنعاء، والمهاجر بن أبي أمية على لبدة، وزياد بن أبيه (١) على حضرموت، ومعاذ على الجنَد، وأبي موسى على زَبيد وعدن والساحل. وحديث أبي أيوب أخرجه البخاري في موضع آخر بلفظ: عرض له في سفر. وفي آخره: دع الناقة (٢). قَالَ الدارقطني: يقال: إن شعبة وهم في اسم ابن عثمان بن موهب فسماه محمدًا، وإنما هو عمرو بن عثمان، والحديث محفوظ عنه، حدث به عن يحيى القطان وأحمد بن عبيد وجماعات عن عمرو بن عثمان (٣). وقال الكلاباذي، والجياني (٤)، وغيرهما: هو مما عد على شعبة أنه وَهِمَ فيه. وقد خرجه مسلم عن محمد بن نمير، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، ونبه عليه في كتابه «شيوخ شعبة». وقال البخاري في كتاب الأدب: حَدَّثَني عبد الرحمن، ثنا بهز، عن شعبة، عن ابن عثمان (٥)، وهو أقرب إلى الصواب. وعند مسلم عن محمد بن حاتم، وعبد الرحمن بن بشر، ثنا بهز، أنا شعبة، ثنا محمد بن عثمان وأبوه عثمان (٦). ------------- (١) في هامش الأصل: صوابه كبير. (٢) هذِه الرواية لم أقف عليها عند البخاري وإنما هي في «صحيح مسلم» برقم (١٣) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان الذي يُدخل به الجنة، وكذا عزاه ابن حجر إلى مسلم كما في «الفتح» ٣/ ٢٦٤، وعزاه أيضًا العيني إلى مسلم في «عمدة القاري» ٧/ ١٦٧. (٣) «علل الدارقطني» ٦/ ١١٢ - ١١٣. (٤) «تقييد المهمل» للجياني ٢/ ٦٠٥. (٥) سيأتي برقم (٥٩٨٣) باب: فضل صلة الرحم. (٦) «صحيح مسلم» (١٣) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة. وفي الأول من حديث بدل بن المحبر، أنبأنا شعبة، عن محمد بن عثمان: سمعت موسى، فذكره. ثم قَالَ: قَالَ أبو يحيى: هذا حديث صحيح سمعه شعبة من عثمان بن عبد الله، ومن ابنه محمد بن عثمان، وسمعه محمد، وأبوه عثمان، وأخوه عمرو بن موسى عن أيوب. وفيه: رد لقول الدارقطني: الحديث محفوظ عن عمرو. وأخرجه النسائي من حديث بهز، عن شعبة، عن محمد بن عثمان، وأبيه عثمان، وكذا رواه أحمد، عن بهز (١). وقال الإسماعيلي: جوده بهز فقال: حَدَّثَنَا شعبة، ثنا محمد بن عثمان، وأبوه عثمان. قَالَ: وانفرد ابن أبي عدي بالرواية، عن محمد، عن أبيه، عن موسى. وحديث أبي هريرة قَالَ البخاري في آخره: حَدَّثَنَا مسدد .. إلى أن قَالَ: حَدَّثَنِي (أبو زرعة) (٢) عن النبي - ﷺ - بهذا، كذا هو ثابت في النسخ، وكذا ذكره صاحبا المستخرجين، والحميدي في «جمعه» (٣)، وفي أصل العز الحراني، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة. وزعم الجياني (٤) أنه وقع تخليط وَوَهمٌ في رواية أبي أحمد كان عنده، من طريق عفان، عن يحيى بن سعيد بن حيان، أو عن يحيى بن سعيد؛ عن أبي حيان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة. وهو خطأ، إنما الحديث عن وهيب، عن أبي حيان يحيى بن سعيد بن حيان، عن أبي زرعة على ما رواه ابن السكن، وأبو زيد، وسائر الرواة، عن الفربري (٥). ------------ (١) «سنن النسائي» ١/ ٢٣٤ كتاب: الصلاة، ثواب من أقام الصلاة، وأحمد ٥/ ٤١٨. (٢) ورد في الأصل فوق هذِه الكلمة كلمة: تابعي. (٣) انظر: «الجمع بين الصحيحين» ٣/ ١٦٨ - ١٦٩. (٤) «تقييد المهمل» ٢/ ٦٠٤. (٥) انتهى كلام الجياني. وهذا الأعرابي هو سعد كما قَالَ ابن الأثير. وفي الطبراني من حديث المغيرة بن سعد بن الأخرم، عن عمه أنه شاك (١). وحديث ابن عباس سلف في الإيمان (٢). وحديث أبي هريرة الأخير فيه هنا: عناقًا، وفي موضع آخر: عقالًا (٣)، وذكره في مسند الصديق، ويدخل في مسند عمر أيضًا لقوله: إن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «أمرتُ أنْ أقاتِلَ النَّاَس» وذكره خلف في مسنديهما، وابن عساكر ذكره في مسند عمر. قَالَ الترمذي: ورواه عمران القطان، عن معمر، عن الزهري، عن أنس، عن أبي بكر، وهو خطأ. وقد خولف عمران في روايته عن معمر (٤). وقال النسائي: المحفوظ حديث الزهري عن عبيد الله (٥). إذا تقرر ذلك؛ فالزكاة فرض بنص الكتاب والسنة -وقد ذكر جملة منها في الباب- وإجماع الأمة، وهي الركن الثالث من أركان الإسلام الخمس في الحديث الصحيح: «بُنِي الإسلامُ عَلَى خَمْسٍ» (٦) وهي دعائمه وقواعده لا يتم إسلام من جحد واحدًا منها، ألا ترى فهم الصديق لهذا المعنى. ------------- (١) «المعجم الكبير» ٦/ ٤٩ - ٥٠ (٥٤٧٨). (٢) سلف برقم (٥٣) باب: أداء الخمس من الإيمان. (٣) سيأتي برقم (٧٢٨٥) كتاب: الاعتصام، باب: الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -. (٤) «سنن الترمذي» بعد حديث (٢٦٠٧) كتاب: الإيمان، باب: عن رسول الله ما جاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. (٥) «السنن الكبرى» ٣/ ٦ كتاب: الجهاد، باب: وجوب الجهاد. (٦) سلف برقم (٨) كتاب: الإيمان، باب: ﴿دُعَاؤُكُمْ﴾ إيمانكم لقوله -عز وجل-: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ ورواه مسلم (١٦) كتاب: الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام. وقوله: (والله لأُقَاتِلَن مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ) وقام الإجماع على أن جاحدها كافر، فإن منعها بخلًا أخذت قهرًا وعُزِّر، وإن نصب الحرب دونها قوتل اقتداءً بالصديق في أهل الردة (١). وكانت الردة أنواعًا: قوم ارتدوا على ما كانوا عليه من عبادة الأوثان، وقوم آمنوا بمسيلمة، وهم أهل اليمامة، وطائفة منعوا الزكاة وقالوا: ما رجعنا عن ديننا ولكن شححنا على أموالنا، فرأى الصديق قتال الجميع، ووافقه جميع الصحابة بعد أن خالفه عمر في ذلك، ثم بان له صواب قوله، فرجع إليه، فسبى الصديق نساءهم وأموالهم، اجتهادًا منه. فلما ولي عمر بعده رأى أن يرد ذراريهم ونساءهم إلى عشائرهم، وفداهم وأطلق سبيلهم، وذلك أيضًا بمحضر الصحابة من غير نكير. والذين رد منهم عمر لم يأبَ أحد منهم الإسلام. وعذر أبا بكر في اجتهاده، وصوب رأيه. وقال بعضهم: حكم أبو بكر في أهل الردة بالسبي وأخذ الأموال، وجعلهم كالناقضين. وحكم فيهم عمر بحكم المرتدين، فرد النساء والصغار من الرق إلى عشائرهم كذرية من ارتد فله حكم الإسلام، إلا من تمادى بعد بلوغه. وعلى هذا الفقهاء، وبه قَالَ ربيعة، وابن الماجشون، وابن القاسم. وذهب أصبغ إلى فعل أبي بكر أنهم كانوا كالناقضين (٢). -------------- (١) انظر: «الإقناع في مسائل الإجماع» ٢/ ٦١٥ - ٦١٨. (٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١٤/ ٤٩٦، ٤٩٧. وتأويل أبي بكر مستنبط من قوله -عز وجل- في الكفار: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فجعل من لم يلتزم ذلك كله كافرًا يحل دمه وماله وأهله، ولذلك قَالَ: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. وقَالَ الداودي: قَالَ أبو هريرة: والله الذي لا إله إلا هو لولا أبو بكر ما عبد الله. قيل له: اتق الله يا أبا هريرة. فكرر اليمين، وقال: لما توفي رسول الله - ﷺ - ارتدت العرب، وكثرت أطماع الناس في المدينة، وإرادته الصحابة على إمساكه لجيش أسامة والكف عمن منع الزكاة، فقال: والله لو لم يتبعني أحد لجاهدتهم بنفسي حَتَّى يعز الله دينه أو تنفرد سالفتي، فاشتد عزم الصحابة حينئذٍ، وقمع الله أهل الباطل بما أرادوه. وهذا كله يشهد لتقدم الصديق في العلم ورسوخه فيه، وأن مكانه من العلم ونصرة الإسلام لا يوازيه فيه أحد. ألا ترى رجوع جماعة الصحابة إلى رأيه في قتال أهل الردة، ولا يجوز عليهم اتباعه تقليدًا له دون تبين الحق لهم، وذلك بأنه احتج عليهم أن الزكاة قرينة الصلاة، وأنها حق المال، وأن من جحد فريضة فقد كفر ولم يعصم دمه ولا ماله، وأنه لا يعصم ذلك إلا بالوفاء بشرائع الإسلام، ولذلك قَالَ عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق بما بينه أبو بكر من استدلاله على ذلك، فبان لعمر وللجماعة الحق في قوله: فلذلك اتبعوه. وفي الآية التي ذكرها البخاري دليلان على الوجوب: أحدهما: أنه أمر بإتيانها، والأمر للوجوب. الثاني: أنه قرنها بالصلاة وهي الركن الثاني فاقتضى التساوي. وبهذه الطريقة احتج الصديق على من ناظره كما أسلفناه. وإنما أمر في حديث معاذ بالدعاء بالشهادة من لم يكن أسلم من أهل الكتاب، وسيأتي هذا مبينًا في حديث معاذ في باب لا تؤخذ الكرائم: «إِنَّكَ تأتي أَهْلَ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ» (١). ومعنى حديث معاذ في ترتيب ما يدعوهم إليه أنهم إن جحدوا واحدة من ذلك لم يكونوا مؤمنين، ولم يبين إن امتنعوا ما يكون حكمهم. والحكم أنهم إذا امتنعوا بعد الإقرار بالشهادتين من شيء من ذلك ما سلف. وقال بعضهم: إن حكمهم حكم المرتد. والمعروف من مذهب مالك أنه يقتل (٢) في ذلك، إلا أن يصلي صلاة واحدة (٣)، ولم يذكر الحج ولا الصيام. قَالَ ابن التين: ولعل ذلك قبل نزول فرضهما. قلتُ: هذا غلط؛ فإن بعثه كان في السنة التاسعة أو العاشرة كما سلف، وفُرِضا قبل (٤). والجواب أنه اقتصر على الثلاثة؛ لتأكدها في ذلك الوقت. ------------- (١) يأتي برقم (١٤٥٨). (٢) في الأصل: يقال، والصواب ما أثبتناه. (٣) انظر: «الكافي» ص ٥٨٦. (٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: من خط الشيخ: وقع في كلام القرطبي أن الحج فرض في السنة الثانية، وهو غريب انتهى. لعلها الثامنة، فإن الماوردي ذكره كذلك في «الأحكام السلطانية». وفيه: قبول خبر الواحد، ووجوب العمل به (١)، لكن أبو موسى كان معه. وفيه: أنه لا يحكم لإسلام الكافر إلا بالنطق بالشهادتين، وإنما بدأ في المطالبة بهما؛ لأنهما أصله لا يصح شيء من فروعه إلا به، فمن كان منهم غير موحد على التحقيق، كالنصراني فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين. وأما اليهود فبالجمع بين ما أقر به من التوحيد والإقرار بالرسالة، وأهل اليمن كانوا (يهود) (٢)؛ لأن ابن إسحاق وغيره ذكروا أن تبعًا تَهوَّد وتبعه على ذلك قومه فاعلمه (٣). ونبه - ﷺ - على أنهم أهل كتاب لكثرة حججهم، وأنهم ليسوا كجهال الأعراب. وفي قوله: «افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ» دلالة أن الوتر ليس بفرض، وهو ظاهر لا إيراد عليه، ومن ناقش فيه فقد غلط. وطاعتهم بالصلاة تحتمل وجهين: أحدهما: الإقرار بوجوبها. والثاني: الطاعة بفعلها. والأول أرجح؛ لأن المذكور في الحديث هو الإخبار بالفرضية. ويترجح الثاني بأن الامتثال كاف. ------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: ولا يخرج بذلك عن خبر الواحد. (٢) كذا بالأصل، والجادة أن يقول (يهودًا) لأنه لم يرد بها العلمية وإنما أراد الجمع والله أعلم. (٣) «سيرة ابن إسحاق» ٢٩ - ٣٣. وفيه: أنه ليس في المالِ حقٌّ سِوى الزَّكاة وقد أخرجه مرفوعًا ابن ماجه كذلك، وفي إسناده ضعف (١)، وهّاه البيهقي (٢). وفي الترمذي: «إن في المال حقًّا سوى الزكاة» وقال: إسناده ليس بذاك (٣). وذهب جمع منهم مجاهد أنه إذا حصد ألقى لهم من السنبل، وإذا جدوا النخل ألقى لهم من الشماريخ، فإذا كاله زكاه (٤). وفي «تفسير الفلاس» من حديث أبي العالية قال: كانوا يعطون شيئًا سوى الزكاة ثم يسرفوا، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤٦] (٥). ومن حديث محمد بن كعب في قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤١]. قَالَ: ما قل منه أو كثر (٦). ومن حديث جعفر بن محمد، عن أبيه ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ قَالَ: شيء سوى الحق الواجب (٧). وعن عطاء: القبضة من الطعام (٨). ثم ذكر عن يزيد بن الأصم، وإبراهيم نحوه (٩). -------------- (١) «سنن ابن ماجه» (١٧٨٩) كتاب: الزكاة، باب: ما أدي زكاته ليس بكنز، وقال الألباني: ضعيف منكر. (٢) «السنن الكبرى» ٤/ ٨٤ - ٨٥ كتاب: الزكاة، باب: الدليل على من أدى فرض الله في الزكاة فليس عليه أكثر منه، وقال: فهذا حديث يعرف بأبي حمزة ميمون الأعور كوفي، وقد جرحه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين فمن بعدهما من حفاظ الحديث، والذي يرويه أصحابنا في التعاليق: (ليس في المال حق سوى الزكاة) فلست أحفظ فيه إسنادًا، والذي رويت في معناه ما قدمت ذكره والله أعلم أهـ. (٣) «سنن الترمذي» (٦٥٩) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء أن في المال حقًّا سوى الزكاة، وضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي». (٤) رواه الطبري في «تفسيره» ٥/ ٣٦٥ (١٣٩٩٨). (٥) رواه الطبري في «تفسيره» ٥/ ٣٧٠ عن أبي العالية. (٦) رواه الطبري ٥/ ٣٦٧ (١٤٠٢١) عن محمد بن كعب. (٧) الطبري ٥/ ٣٦٤ (١٣٩٨٨). (٨) الطبري ٥/ ٣٦٤ (١٣٩٨٩). (٩) الطبري ٥/ ٣٦٦ (١٤٠٠٧ - ١٤٠٠٨). وروى أبو جعفر النحاس عن أبي سعيد مرفوعًا: «ما سقط من السنبل» (١) قَالَ: وقد روي وصح عن علي بن حسين، وهو قول عطية، وأبي عبيد. واحتج بحديث النهي عن حصاد الليل. وحكاه ابن التين عن الشعبي. وحكى الأدفوي أقوالًا في الآية: منهم من قَالَ: إنها منسوخة بالزكاة المفروضة. قاله سعيد بن جبير وغيره. ثانيها: أنه الزكاة المفروضة. قاله أنس وغيره (٢)، وعزي إلى الشافعي، وفيهما نظر. ومنهم من قَالَ: إنها على الندب. وانفرد داود (٣) فأوجب الزكاة في كل الثمر وكل ما أنبتت الأرض، وهو قول مجاهد، وحماد بن أبي سليمان، وعمر بن عبد العزيز، وإبراهيم النخعي. قَالَ ابن حزم: والسند إليهم في غاية الصحة (٤). وقال أبو حنيفة: في كل هذا الزكاة إلا في الحطب والقضب والحشيش (٥). وقوله: («تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ») استدل به بعضهم على الصرف لأحد الأصناف الثمانية خلافًا للشافعي، وأن الزكاة لا تنقل من موضعها، وبه قَالَ مالك والشافعي (٦)، وعن مالك الجواز، وهو قول أبي حنيفة (٧). -------------- (١) «الناسخ والمنسوخ» ٢/ ٣٣٣ (٤٨٠). (٢) الطبري ٥/ ٣٦٢ (١٣٩٦٦). (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: يعني من أصحاب المذاهب المتبوعة فإن أراد التفرد الملطق فلا يصح. (٤) «المحلى» ٥/ ٢١٢. (٥) انظر: «البناية» ٣/ ٤٩٢. (٦) انظر: «البيان» ٣/ ٤٣١، «المعونة» ١/ ٢٧١. (٧) انظر: «المدونة» ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦، «البناية» ٣/ ٥٦٤ - ٥٦٥. ومنع أحمد في مسافة القصر (١). وعن الحسن، والنخعي أنهما كرها نقلها إلا لذي قرابة (٢)، وبه أخذ ابن حبيب. قَالَ: ويكرى على ذلك منها إن شح على دوابه، فإن منعنا النقل لم يقع الموقع عندنا على الأصح. والخلاف للمالكية أيضًا بين سحنون المانع، وابن اللباد المجيز (٣)، وعليهما ينبني الضمان إذا تلف. ويدخل في عموم ذلك الطفل والمجنون، وبه قَالَ مالك، والشافعي، وخالف أبو حنيفة (٤). وقال الأوزاعي: في ماله الزكاة غير أن الولي يحصيه، فإذا بلغ أعلمه؛ ليزكي عن نفسه. وقال الثوري: إن شاء اليتيم حينئذٍ زكَّاه (٥). وقال الحسن وابن سيرين: لا زكاة في ماله إلا في زرع أو ضرع. وقال أهل العراق: عليه في الأرض والفطر. وقد أفردت المسألة بالتصنيف وذكرت فيها مذاهب عديدة وأدلتها. وفيه: أن الزكاة تدفع للمسلمين؛ خلافًا لأبي حنيفة (٦). -------------- (١) انظر: «المغني» ٤/ ١٣١. (٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٣٩٣ (١٠٣٠٧) كتاب: الزكاة، في الصدقة يخرج بها من بلد إلى بلد من كرهه؛ بلفظ: أنهما كانا يكرهان أن يخرج الزكاة من بلد إلى بلد. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٩١. (٤) انظر: «الهداية» ١/ ١٠٣، «المدونة» ١/ ٢١٣، «البيان» ٣/ ١٣٥. (٥) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٢٧. (٦) هذا القول فيه نظر، فقد اتفق الفقهاء كما قال ابن هبيرة: على أنه لا يجوز إخراج الزكاة إلى الكافر، وقال الجوهري: وأجمعوا أن الذمي لا يعطى من زكاة الأموال، ولا من عشور الأرضين، وإن لم يوجد مسلم، إلا أن أبا حنيفة ذهب إلى = وفيه: أن المديان لا زكاة عليه؛ لأنه قسمهم قسمين. وهو قول أبي حنيفة خلافًا للشافعي في أظهر قوليه (١). وفيه: أن حد ما بين الغني والفقير ما يجب فيه الزكاة. وقال بعضهم: في ألفين، وقال المغيرة، وأهل الكوفة: من له عشرون دينارًا لا يأخذ الزكاة (٢). وكذلك قَالَ مالك: لا يعطى أكثر من نصاب. وعنه: لا حد في ذلك، إنما هو على اجتهاد المتولي (٣). والصحيح جواز دفعها لمن له نصاب لا كفاية فيه. وقوله: (أخبرني بعمل يدخلني الجنة) يريد ما افترض عليه. قاله ابن التين. ويجوز أن يكون أعم. وقوله: «ما له؟ ما له؟» كأنه استعظم سؤاله؛ لأن الأعمال كثيرة. وقوله: (قَالَ النبي - ﷺ -: «أرَبٌ ماله؟») قَالَ صاحب «المطالع»: يروى «أرِبٌ ماله» على أنه اسم فاعل مثل حذر. ورواه بعضهم بفتح الراء أي: وضم الباء منونة، وبعضهم بفتح الباء أيضًا. فمن كسر الراء جعله فعلًا بمعنى احتاج فسأل عن حاجته، وقد يكون بمعنى يفطن لما سأله عنه فقال: أرب إذا عقل. وقيل معناه: رجل حاذق سأل عما يعنيه. وقيل: تعجب من حرصه، ومعناه: لله دره، أي: فَعَل فِعْل العقلاء في سؤاله عما جهله. وقيل: هو دعاء عليه، أي: سقطت ------------- = أنه يجوز أن يدفع إلى الذمي ما سوى ذلك من الصدقة، كزكاة الفطر والنذور والكفارات، وروي عن أبي يوسف أنه لا يعطى الذمي صدقة واجبة، انظر: «الإفصاح» ٣/ ٧٥، و«نوادر الفقهاء» ص ٤٨، «البناية» ٣/ ٥٤٢، «الفتاوى الهندية» ١٨٨١، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٨٣. (١) انظر: «البناية» ٣/ ٣٥٤، «روضة الطالبين» ٢/ ١٩٧. (٢) انظر: «البناية» ٣/ ٥٤٦، «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٨٧. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٨٦، ٢٨٧. آرابه، وهي أعضاؤه على عادة العرب كعقرى حلقى ونحوه، من غير قصد لوقوعه. ومن قَالَ أرب فمعناه: حاجة به، وتكون ما زائدة، وفي سائر الوجوه استفهامية. ولا وجه لقول أبي ذر: أرب. وفسر ابن قتيبة أرِبَ بكسر الراء وفتح الباء بأنه من الآراب مأخوذٌ، أي: الأعضاء، واحدها أرب، ومنه قيل: قطعت أربًا أربًا. أي عضوًا عضوًا (١). وجاء في رواية: «أرب ما جاء به؟» وإنما كرر قوله «ما له»؛ لحبسه زمام ناقته، أو غير ذلك فعله. وفسر الطبري قوله: «أرَبٌ ما جاء به؟» وقال: معناه: لحاجة ما جاءت به، الإرب: الحاجة. و(ما) التي في قوله: «ما جاء به» صلة (٢) في الكلام، كما قَالَ تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] والمعنى: أرب جاء به. قَالَ ابن بطال: وعلى هذا التقرير تكون (ما) في الحديث زائدة، كأنه قَالَ: أرب له. وهو أحسن من قول ابن قتيبة، والمراد: له حاجة مهمة مفيدة جاءت به، وإلا فسؤاله قال أن له حاجة (٣). وقوله: «تعبد الله ..» إلى آخره؛ لم يذكر الحج والصوم. وفيه ما تقدم في حديث معاذ، ولم يذكر الجهاد؛ لأنه ليس بفرض على الأعراب. ذكره الداودي. ولم يذكر لهم التطوع؛ لأنهم كانوا حديثي عهد بإسلام، فاكتفي بالواجب تخفيفًا؛ ولئلا يعتقدوا أن التطوعات واجبة، فتركهم إلى أن تنشرح صدورهم لها فيسهل الأمر. وذكر فيه صلة الرحم لحاجة السائل إليه، وذكر في حديث أبي هريرة زيادة الصوم. -------------- (١) «غريب الحديث» ١/ ٤٥٧. (٢) ورد في الأصل تحت هذِه الكلمة: أي زائدة. (٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٩٨. ويجوز أن يكون السائل فيه هو السائل في حديث أبي أيوب، فإن يكنه فقد عرفت اسمه فيما مضى؛ وقيد فيه الزكاة بالمفروضة؛ وقد وصفها بذلك في قوله: «هذِه فريضة الصدقة» (١) كما ستعلمه. وقوله: (لا أزيد على هذا) أي من الفرائض أو أكتفي به عن النوافل. ويجوز أن يكون المراد: لا أزيد على ما سمعت منك في أدائي لقومي، لأنه وافدهم، وهو لائح. وقوله: في حديث ابن عباس: («وشَهَادَةِ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ») أي: وأن محمدًا رسول الله ولم يذكر فيه الصيام. وفيه ما سلف، وزاد فيه: «وأداء خُمُس المغنم». وقوله: (وعقد بيده هكذا) قَالَ الداودي جعل ذلك مثلًا للعقد والعهد الذي أخذه الله على عباده في الإسلام، وعلى العروة التي لا انفصام لها. والعَناق -بفتح العين-: الأنثى من ولد المعز ما دون الحول. وقيل عن أهل اللغة: إنها إذا أتى عليها أربعة أشهر، وفصل عن أمه، وقوي على الرعي فهو جدي. والأنثى عناق، حكاه ابن بطال (٢)، وابن التين. وقال الداودي: هي الأنثى من المعز الحديثة قاربت أن تلد أو حملت ولم تضع بعد، أو عند وضعها. والمعروف أن العناق: جذعة. والجذعة لا تحمل، إنما تحمل الثنية فاعلمه. والعقال: صدقة عام، أو الحبل الذي يعقل به البعير قولان، وذُكر --------------- (١) سيأتي برقم (١٤٥٤) كتاب: الزكاة، باب: زكاة الغنم. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٩٣ - ٣٩٤. ذلك على التقليل؛ لأن العناق لا يؤخذ في الصدقة عند أكثر أهل العلم، ولو كانت عناقًا كلها (١). والجديد عندنا أن في الصغار صغير (٢). وبه قَالَ أحمد، ومالك وأبو يوسف وزفر. إلا أن مالكًا وزفر يقولان: لا يجب فيما كبر من جنسها (٣). وقال ابن التين: بالوجوب قَالَ الفقهاء، خلا محمد بن الحسن فقال: لا شيء فيه (٤). وكان الواقدي يزعم أن التأويل الثاني رأي مالك، وابن أبي ذئب. قَالَ أبو عبيد: والأول أشبه عندي. وروى ابن وهب، عن مالك أن العقال: الفريضة من الإبل. وقال الخطابي: خُولف أبو عبيد في هذا التفسير، وذهب غير واحد من العلماء إلى أنه ضرب مثل بالقلة كقوله: لا أعطيك ولا درهمًا؛ وليس بسائغ في كلامهم أنه صدقة عام، وأيضًا فإنها منعت مطلقًا. وهم كانوا يتأولون أنهم كانوا مأمورين بدفعها إلى الشارع دون القائم بعده. وقيل: إنه كل ما أخذ من الأصناف من نعم وحب. وقيل: أن يأخذ عين الواجب لا الثمن. وفي رواية لابن الأعرابى: والله لو منعوني جديًا أدوط. قَالَ: والأدوط: الصغير الفك والذقن. --------------- (١) انظر: «الاستذكار» ٩/ ٢٢٨. (٢) انظر: «روضة الطالبين» ٢/ ١٦٧. (٣) ذكر المصنف رحمه الله مالكًا وزفر معهم، باعتبار أنهما يقولان: إن في الصغار زكاة، إلا أنهما كما يقولان: إن في الصغار صغيرة، فإنهما يقولان: إنه لا يؤخذ من الصغار شيئًا، بل يؤخذ مما كبر من جنسها، كما ذكر «المصنف» انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤١٩، «تحفة الفقهاء» ١/ ٢٨٨، «الكافي» ص ١٠٧، «المنتقى» ٢/ ١٤٣، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٢٠٢، «المغني» ٤/ ٤٧، «المحلى» ٥/ ٢٧٥. (٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤١٩، «تحفة الفقهاء» ١/ ٢٨٨. وقال الخطابي في قصة أبي بكر: هذا حديث مشكل لاختصاره في هذِه الرواية، وقد تعلق به الروافض. وقالوا: فيه تناقض، أخبر في أوله بكفر من كفر من العرب، وفي أثنائه: (لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة). وهذا يوجب كونهم ثابتين على الدين، وزعموا أن عمر وافقه على الحرب تقليدًا، وكيف استجاز قتلهم، وسبي ذراريهم إن كانوا مسلمين، وإن كانوا مرتدين فكيف تعلق بالفرق بين الصلاة والزكاة، ثم زعموا أن القوم تأولوا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] أنها خصوص بالشارع لم يؤمر بأخذها أحد غيره، فإن صلاته (كانت) (١) سكنًا وتطهيرًا. وقال شاعرهم وهو الحطيئة -فيما ذكره المبرد- من أبيات، وعزاها غيره لغيره: أطعنا رسول الله ما دام بيننا … فيا عجبا ما بال ملك أبي بكر أيورثها بكرًا إذا مات بعده … وتلك لعمرُ الله قاصمة الظهر ونحن نبين ذلك فنقول: روايات أبي هريرة مختصرة إلا رواية سعيد، عن أبيه كثير، عن أبي هريرة مرفوعًا: «أمرتُ أنْ أقاتِلَ النَّاسَ ..» الحديث (٢)، وفيه: «ثم حرمت عَلَيّ دماؤهُم وأموالهم». ------------ (١) من (م). (٢) أخرجه أحمد ٢/ ٣٤٥، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٥ - ٣٦، وإسحاق بن راهويه في «مسنده» ١/ ٢٩٤ - ٢٩٥ (٢٧٢)، وابن خزيمة في «صحيحه» ٤/ ٨ (٢٢٤٨) كتاب: الزكاة، باب: الدليل على أن دم المرء وماله إنما يحرمان، والدارقطني في «سننه» ١/ ٢٣١ - ٢٣٢ كتاب: الصلاة، باب: تحريم دمائهم وأموالهم إذا يشهدوا بالشهادتين ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. وابن عدي في «الكامل» ٥/ ٣٧٧، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ١/ ٩٢ (٨)، والحاكم ١/ ٣٨٧ كتاب: الزكاة. و(كثير) هذا هو ابن عبيد مولى أبي هريرة، أدخله ابن خزيمة في «صحيحه» (١). ووافقه ابن عمر وأنس من طرق صحاح أن الزكاة كانت شرطًا لحقن الدماء، فثبت أن أبا بكر قاتلهم بالنص لا بالاجتهاد الذي جرى في خبر عبيد الله في البخاري، عن أبي هريرة. ويشبه أن يكون ما ذكره على سبيل الاستظهار في المناظرة بالترجيح. وفي هذا سقوط جميع ما أورده الروافض. والمرتدة صنفان: صنف كفروا وهم أصحاب مسيلمة، ومن نحا نحوهم من إنكار نبوة نبينا، وإياهم عني بقوله: (وكفر من كفر). وصنف أنكروا الزكاة، وقالوا: ما رجعنا عن ديننا، ولكن شححنا على أموالنا، وهم في الحقيقة أهل بغي، ودخلوا في غمار الأولين فأضيف الاسم في الجملة إلى الردة، إذ كانت أعلى الأمرين خطبًا، وصار مبدأ قتال أهل البغي مؤرخًا بأيام علي، إذ كانوا منفردين في عصره لم يخلطوا بأهل شرك. ولا شك أن من أنكر الزكاة الآن فهو كافر بالإجماع. وهذِه الفرقة عذروا لقرب العهد بالزمان الذي غُيرت فيه الأحكام، ووقوع الفترة، وجهلهم أيضًا. وما جرى من السبي فهو راجع إلى الاجتهاد. واستولد علي جارية من سبي بني حنيفة، وولدت له محمدًا الذي يدعى ابن الحنفية، ثم لم ينقرض العصر حَتَّى رأوا خلافه. واتفقوا على أن المرتد لا يسبى. وهذا مذهب أصبغ أن من ارتد كمن نقض العهد، وهو تأويل الصديق وجماعة العلماء على ما حكم -------------- (١) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ٨ (٢٢٤٨). به عمر أنهم كالمرتدين، وذلك أن عمر رد النساء والصغار من الرق إلى عشائرهم كذرية من ارتد، إلا من تمادى بعد بلوغه. وإنما أوردوا الخلاف في أولاد المرتدين. وقد قيل: لم يسب أحد من رجالهم. وقد جيء بالأشعث بن قيس، وعيينة بن حصن فأطلقهما، ولم يسترقهما. وقيل: كانت الردة على ثلاثة أنواع. وقد سلفت. وأوضح ذلك الواقدي في «الردة» تأليفه فقال: لما توفي رسول الله - ﷺ - ارتدت العرب، وارتد من جماعة الناس: أسد، وغطفان إلا بني عبس؛ فأما بنو عامر فتربصت مع قادتها، وكانت فزارة قد ارتدت، وبنو حنيفة باليمامة، وارتد أهل البحرين، وبكر بن وائل، وأهل دباء، وأزد عمان، والنمر بن قاسط، وكلب، ومن قاربهم من قضاعة. وارتدت عامة بني تميم، وارتدت من بني سُليم عُصية، وعُميرة، وخُفاف، وبنو عمرو بن امرئ القيس، وذكوان، وحارثة. وثبت على الإسلام أسلم، وغفار، وجهينة، ومزينة، وأشجع، وكعب بن عمرو من خزاعة، وثقيف، وهذيل، والديل، وكنانة، وأهل السراة، وبجيلة، وخثعم، وطيء، ومن قارب تهامة من هوازن، وجشم، وسعد بن بكر، وعبد القيس، وتجيب، ومذحج إلا بني زبيد، وثبتت هَمْدَان، وأهل صنعاء. ثم أسند من حديث أبي هريرة قَالَ: لم يرجع رجل من دوس، ولا من أهل السراة كلها. ومن حديث مروان التجيبي قَالَ: لم يرجع رجل واحد من تجيب ولا من همدان، ولا من الأنباء بصنعاء. وقال موسى بن عقبة: لما مات رسول الله - ﷺ - رجع عِلْية العرب عن دينهم: أهل اليمن، وعامة أهل المشرق، وغطفان، وأسد، وبنو عامر، وأشجع. ومسكت طيء بالإسلام. ![]()
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 311 الى صـــ 330 الحلقة (286) وما جانسهم، وذلك أن رب البيت قد يأذن في مثل ذلك، وتطيب به نفسه، وليس ذلك بأن تفتات المرأة والخادم على رب البيت. وفرَّق بعضهم بين الزوجة والخادم بأن الزوجة لها حق في مال الزوج، ولها النظر في بيتها، فجاز لها أن تتصدق ما لم يكن إسرافًا. وأما الخادم فليس له تصرف في متاع مولاه ولا حكم، فيشترط الإذن فيه دون الزوجة. وجزم ابن التين بأن قوله: «غَيْرَ مُفْسِدَةٍ»، يريد: فعلت ما يلزم الزوج من نفقة عيال، وإعطاء سائل على ما جرت به العادة، أو صلة رحم، أو مواساة مضطر، فهذِه لها أجرها بما صرفت عنه من شح النفس. وقوله: «وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ» يريد الخادم طيب النفس. وقيل معناه: إذا فعل مثل المرأة كان له مثل أجرها. وبينه حديث أبي موسى الآتي: «طيب به نفسه» (١) ونفذ ما أمره به كاملًا موفرًا، وعليه يدل تبويب البخاري أخذه من قوله: «وَللْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ»؛ لأن الخازن لا يجوز له أن يتصدق إلا بإذن مولاه بخلاف الزوجة على قول من أباح لها ذلك؛ لأن الخازن إنما هو أمين فقط. ثم ظاهر الخبر أن أجر الجميع متساوٍ. وقال بعضهم: لا يعلم مقدار أجر كل واحد منهم إلا الله غير أن الأظهر أن الكاسب أكثر أجرًا، كما قاله ابن بطال (٢). وقد أسلفنا من حديث أبي هريرة أن لها نصف أجره. وقال بعضهم: النصف مجاز، وهما سواء في المثوبة، لكل منهما أجر كامل. ويحتمل -------------- (١) سيأتي هنا برقم (١٤٣٨)، باب: أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسد. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧. أنها مثلان فأشبه الشيء المنقسم بنصفين. ثم اعلم أن البخاري ترجم على هذا الحديث تراجم: ترجم عليه ما نحن فيه. وترجم عليه باب أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسد، وزاد فيه حديث أبي موسى كما ستعلمه (١)، وترجم عليه إثره باب: أجر المرأة إذا تصدقت أو أطعمت من بيت زوجها غير مفسدة، وساقه عن عائشة من طرق (٢). وهو من باب المعاونة التي أمر بها الرب ﷻ حيث قَالَ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وهي دالة على اشتراك المتعاونين على الخير في الأجر. وجاء هذا المعنى في هذِه الأحاديث إلا أنه لا يجوز لأحد أن يتصدق من مال أحد بغير إذنه، لكن لما كانت المرأة لها حق في ماله كان لها النظر في بيتها جاز لها الصدقة بما لا يكون إضاعة للمال، ولا إسرافًا، لكن بمقدار العرف والعادة، وما تعلم أنه لا يؤلم زوجها، وتطيب به نفسه. فأخبر أنها تؤجر على ذلك، ويؤجر زوجها بما كسب. ويؤجر الخادم الممسك كذلك هو والخازن المذكور في الحديث كما سلف إلا أن مقدار أجر كل منهم متفاوت كما سلف. -------------- (١) يأتي برقم (١٤٣٧) وحديث أبي موسى برقم (١٤٣٨). (٢) أحاديث (١٤٣٩ - ١٤٤١). ١٨ - باب لَا صَدَقَةَ إِلاَّ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهْوَ مُحْتَاجٌ، أَوْ أَهْلُهُ مُحْتَاجون، أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنَ الصَّدَقَةِ وَالعِتْقِ وَالهِبَةِ، وَهْوَ رَدٌّ عَلَيْهِ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ أَمْوَالَ النَّاسِ. قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللهُ». [٢٣٨٧] إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ فَيُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ كَانَ بِهِ خَصَاصَة، كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ، وَكَذَلِكَ آثَرَ الأَنْصَارُ المُهَاجِرِينَ، وَنَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَيِّعَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِعِلَّةِ الصَّدَقَةِ. [انظر: ٨٤٤] وَقَالَ كَعْبٌ بنُ مالك: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَي اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ - ﷺ -. قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ». قُلْتُ فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِى الذِي بِخَيْبَرَ. [٢٧٥٧] ١٤٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ». [١٤٢٨، ٥٣٥٥، ٥٣٥٦ - فتح: ٣/ ٢٩٤] ١٤٢٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ». [مسلم: ١٠٣٤ - فتح: ٣/ ٢٩٤] ١٤٣٨ - وَعَنْ وُهَيبِ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي هريرَةَ - رضي الله عنه - بهذا. [انظر: ١٤٢٦ - فتح ٣/ ٢٩٤] ١٤٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - ح. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ، وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ وَالمَسْأَلَةَ: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، فَاليَدُ العُلْيَا هِيَ المُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ». [مسلم: ١٠٣٣ - فتح: ٣/ ٢٩٤] ذكر فيه أحاديث ثلاثة، وسردها ابن بطال حديثًا واحدًا من حديث أبي هريرة (١): أحدها: حديث أبي هريرة: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ». ثانيها: حديث حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى ..» الحديث. وعن وهيب، حدثنا هشام، عن أبيه، عن أبي هُريرةَ، مرفوعًا مثله. ثالثها: حديث ابن عمر: «اليَدُ العُلْيَا خير مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، اليد العُلْيَا هِيَ المُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ». الشرح: هذِه الترجمة بلفظها مروية أخرجها الواحدي بإسناده إلى أبي صالح، عن أبي هريرة، وذكره ابن بطال في حديث عطاء عن أبي هريرة أيضًا (٢). ولأبي داود: «إن خير الصدقة ما ترك غنى أو تصدق به عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول» (٣). ------------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٢٧ - ٤٢٨. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٣٠. (٣) «سنن أبي داود» (١٦٧٦) كتاب: الزكاة، باب: الرجل يخرج من ماله. وحديث: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ ..» إلى آخره سيأتي مسندًا بعد إن شاء الله (١). وقوله: (فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنَ الصَّدَقَةِ) لعله يريد حديث: «أرأيت لو كان على أُمك دينٌ أكنتِ قاضيته؟» قالت: بلى. وسيأتي (٢) وهو إجماع. وقوله: (والعِتق) لعله يريد حديث نعيم النحَّام من عنده أيضًا في بيعه - ﷺ - العبد المعتق عن دُبر الذي لم يكن لسيده مال غيره (٣)، وقيل: إن عليه دينًا. وقوله: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ فَيُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ) إنما يرجع هذا الاستثناء إلى الصدقة لا إلى الدين كما سيأتي (٤). ومن علم من نفسه الصبر على الضر والإضاقة والإيثار فمباح له أن يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، وجائز له أن يتصدق وهو محتاج، ويأخذ بالشدة كما فعل الصديق والأنصار بالمهاجرين. وإن عرف أنه لا طاقة له ولا صبر فإمساكه أفضل؛ لقوله - ﷺ -: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ» وقوله: «ابدأ بمن تعول»، وحديث البخاري في ------------- (١) برقم (٢٣٨٧) كتاب: في الاستقراض، باب: من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها. (٢) برقم (٧٣١٥) كتاب: الاعتصام، باب: من شبه أصلًا معلومًا بأصل مبين قد بين الله حكمهما؛ ليفهم السائل. (٣) سيأتي هذا الحديث برقم (٢١٤١) كتاب: البيوع، باب: بيع المزايدة، ورواه مسلم (٩٩٧). (٤) برقم (٢٣٨٧) كتاب: في الاستقراض، باب: من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها. قصة الضيف الذي آثره صاحب البيت على نفسه وولده (١)، ظاهر فيما نحن فيه. وعند الواحدي: نزلت في رجل أهديت له رأس شاة فآثر غيره بها فدارت على سبعة أبيات (٢). والخَصَاصَةُ: الإملاق، وأصله الخلل والفرج، يقال: بدا القمر من خصاصة الغيم. وسيكون لنا عودة إليه في التفسير. وقوله: (كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ كلِّه) أخرجه أبو داود، وصححه الترمذي والحاكم على شرط مسلم (٣). وقوله: (وَكَذَلِكَ آثَرَ الأَنْصَارُ المُهَاجِرِينَ) ذكره ابن إسحاق وغيره: أن المهاجرين لما نزلوا على الأنصار آثروهم حَتَّى قَالَ بعضهم لعبد الرحمن بن عوف: أنزل لك عن إحدى امرأتيَّ (٤). وقوله: (وَنَهَى عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ) كأنه يشير إلى حديث المغيرة بن شعبة المذكور عنده في الصلاة (٥). وقوله: (وقال كعب بن مالك ..) إلى آخره. يأتي في موضعه مسندًا (٦). ------------- (١) يأتي برقم (٣٧٩٨). (٢) «أسباب النزول» ص ٤٣٩ - ٤٤٠ (٨١٠). (٣) «سنن أبي داود» (١٦٧٨) كتاب: الزكاة، باب: في الرخصة في الرجل يخرج من ماله، «سنن الترمذي» (٣٦٧٥) كتاب: المناقب، باب: في مناقب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وقال: هذا حديث حسن صحيح، «المستدرك» ١/ ٤١٤، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٧٣) إسناده حسن على شرط مسلم. (٤) الأنصاري هذا هو سعد بن الربيع كما سيأتي برقم (٢٠٤٩)، ورواه مسلم (١٤٢٧). (٥) سلف برقم (٨٤٤) كتاب: الأذان، باب: الذكر بعد الصلاة. (٦) سيأتي برقم (٢٧٥٧) كتاب: الوصايا، باب: إذا تصدق أو أوقف بعض ماله … وحديث أبي هريرة الأول من أفراده إلا قوله: «وابدأ بمن تعول». وحديث حكيم أخرجه مسلم أيضًا بدون «ومن يستعفف ..» إلى آخره. ولفظ مسلم: «أفضل الصدقة -أو خير الصدقة- عن ظهر غنى» (١) وما زاده البخاري أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد (٢)، وكذا البخاري أيضًا (٣). وحديث أبي هريرة الذي لم يذكر لفظه من أفراده. وقوله فيه: عن وهيب. ثم ساقه، قَالَ أبو مسعود، وخلف، وأبو نعيم أن البخاري رواه عن موسى بن إسماعيل عنه، كما أخرج حديث حكيم، ورواه الإسماعيلي من حديث حبان عنه، ثنا هشام، عن أبي هريرة مثل حديث حكيم وأخرجه الترمذي من حديث بيان بن بشر، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي هريرة: «اليد العُليا» إلى قوله: «تعول» ثم قَالَ: حسن غريب، يستغرب من حديث بيان عن قيس (٤). ولابن أبي شيبة: «وخيرُ الصدقة ما أبقت غنى» (٥). وحديث ابن عمر أخرجه مسلم أيضًا (٦). قَالَ أبو العباس أحمد بن طاهر الداني: تفسير العليا فيه، والسفلى مدرج في الحديث، وهو مرفوع وإن ظُنَّ لبعض الرواة. والمنفقة: المعطية. وفي رواية: «العليا -------------- (١)»صحيح مسلم«(١٠٣٤) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى. (٢)»صحيح مسلم«(١٠٥٣) كتاب: الزكاة، باب: فضل التعفف والصبر. (٣) سيأتي برقم (١٤٦٩) كتاب: الزكاة، باب: الاستعفاف عن المسألة. (٤)»سنن الترمذي«(٦٨٠) تقال: الزكاة، باب: ما جاء في النهي عن المسألة. (٥)»المصنف«٢/ ٤٧٢ (١٠٦٩٣) كتاب: الزكاة، باب: في الاستغناء عن المسألة، من قال: اليد العليا خير من اليد السفلى. (٦)»صحيح مسلم" (١٠٣٣) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح. المتعففة» (١)، أي: المنقبضة عن الأخذ. والأول أصح. وفي «الصحابة» للعسكري، عن عاصم الأحول، عن الحسن البصري قَالَ: معنى الحديث: يد المعطي خير من اليد المانعة. وقال أبو داود: أكثرهم «اليد العليا المتعففة» (٢) أي: لأنها علت يده إذ سفلت يد السائل. وفي «صحيح ابن خزيمة»، والحاكم -وقال: صحيح الإسناد- من حديث مالك بن نضلة مرفوعًا: «الأيدي ثلاثة: فيد الله العُليا، ويد المعطي التي تليها. ويد السائل السُّفلى. وأعط الفضل، ولا تعجز عن نفسك» (٣) (٤). إذا تقرر ذلك فقوله: «خير الصدقة ما كان عن ظهرِ غنى» معناه: أن صاحبها يبقى بعدها مستغنيًا بما بقي معه لمصالحه. وإنما كانت هذِه أفضل ممن تصدق بالجميع، ولم يصبر؛ لأنه قد يندم. وقال الداودي: معناه: أن يستغني من تلزمه نفقته. وقال ابن التين: ما كان عفوًا قد فضل عن الحاجة. والمراد: أن يبقي لعياله قدر الكفاية. ودليله قوله: «وابدأ بمن تعول». وقيل معناه: أن تغني المتصدق عليه. ومعناه: إجزال العطاء. قَالَ: والأول أصح. وفيه دلالة على أن النفقة ------------- (١) رواها أبو داود من حديث عبد الله بن عمر (١٦٤٨) كتاب: الزكاة، باب: في الاستعفاف، والبيهقي ٤/ ١٩٧ - ١٩٨ كتاب: الزكاة، باب: بيان اليد العليا واليد السفلى، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٥٤): إسناده صحيح على شرط الشيخين. (٢) «سنن أبي داود» عقب حديث (١٦٤٨)، وفيه: أكثرهم «المنفقة». (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثالث عشر، كتبه مؤلفه غفر الله له. (٤) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ٩٧ - ٩٨ (٢٤٤٠) كتاب: الزكاة، باب: فضل الصدقة عن ظهر غنى يفضل عمن يعول المتصدق، «المستدرك» ١/ ٤٠٨ كتاب: الزكاة. ورواه أيضًا أبو داود (١٦٤٩) قال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٥٥): إسناده صحيح. على الأهل أفضل من الصدقة؛ لأن الصدقة تطوع، والنفقة على الأهل فريضة. وقال ابن بطال: معناه لا صدقة إلا بعد إحراز قوته وقوت أهله؛ لأن الابتداء بالفرض أهم. وليس لأحد إتلاف نفسه وأهله بإحياء غيره. إنما عليه إحياء غيره بعد إحياء نفسه وأهله، إذ حقهما أوجب من حق سائر الناس، ولذلك قَالَ: «وابدأْ بمَنْ تعول» وقال لكعب: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَك» (١). فإن قلتَ: هذا المعنى يعارض فعل الصديق السالف، حيث تصدق بماله كله وأمضاه الشارع. قلتُ: اختلف العلماء في ذلك أعني من تصدق بماله كله في صحته. فقالت طائفة: ذلك جائز احتجاجًا بذلك. وهو قول مالك، والكوفيين، والجمهور (٢). ونقله ابن بطال (٣)، وابن التين عن الشافعي، والصحيح من مذهبه استحباب ذلك لمن قوي على الضر والإضاقة دون غيره (٤). وقال آخرون: لا يجوز شيء منه، روي ذلك عن عمر وأنه رد على غيلان بن سلمة نساءه، وكان طلقهن، وقسم ماله على بنيه، فرد عمر ذلك كله (٥). وقال آخرون: الجائز من ذلك الثلث، وترد الثلثان احتجاجًا بحديث كعب بن مالك السالف في غزوة تبوك، وأنه - ﷺ - رد صدقته إلى الثلث. وهو قول الأوزاعي ومكحول. وقال آخرون: كل عطية تزيد على النصف ترد إلى النصف، روي ذلك عن مكحول. قَالَ ---------------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٢٨. (٢) انظر: «المعونة» ٢/ ٥٠٦، «المغني» ٤/ ٣٢٠. (٣) انظر: «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٢٩. (٤) انظر: «البيان» ٣/ ٤٤٩. (٥) رواه أحمد ٢/ ١٤، وابن حبان (٤١٥٦) والحديث روي مطولًا ومختصرًا، انظره مفصلًا في «البدر المنير» ٧/ ٦٠٢ - ٦١١، و«تلخيص الحبير» ٣/ ١٦٨ - ١٦٩، و«الإرواء» (١٨٨٣) وفي الأخير جاء مصححًا. الطبري: والصواب في ذلك عندنا أن صدقة المتصدق بماله كله في صحته جائزة؛ لإجازته صدقة الصديق بماله كله، وإن كنت لا أرى أن يتصدق بماله كله، ولا يجحف بماله ولا بعياله، ويستعمل في ذلك أدب الرب لنبيه بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ الآية [الإسراء: ٢٩] وأن يجعل من ذلك الثلث كما أمر الشارع لكعب بن مالك، وأبي لبابة (١) وأما إجازته للصديق فهو إعلام بالجواز من غير ذم، وما فعل مع كعب وأبي لبابة إعلام بالاستحباب. والدليل على ذلك إجماع الجميع أن لكل مالك مال إنفاق جميعه في حاجاته، فكذا فيما هو قربة وأولى. فإن قلتَ: كيف نعمل بقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] وقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] وبحديث أبي ذر: «أفضل الصدقة جهد من مقل» (٢). وبحديث الباب. قلتُ: لا معارضة بينهما فإن المعنى في حديث الباب حصول ما تدفع به الحاجات الضرورية كالأكل، وستر العورة، وشبهها، فهذا ونحوه بما لا يجوز الإيثار به، ولا التصدق به بل يحرم، فإذا سقطت هذِه الواجبات صح الإيثار، وكان صدقته هي الأفضل؛ لأجل ما يحمله من مضض الحاجة، وشدة المشقة. وقوله: «واليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى». فيه: الندب إلى التعفف عن المسألة، والحض على معالي الأمور وترك دنيئها. والله تعالى يحب معالي الأمور. ------------ (١) انظر: «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٢٩ - ٤٣٠. (٢) رواه أحمد ٥/ ١٧٨، والطبراني في «الكبير» ٨/ ٢١٧، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٤/ ١٨٠، قال الهيثمي في «المجمع» ١/ ١٥٩: مداره على علي بن يزيد وهو ضعيف. وفيه: حض على الصدقة أيضًا؛ لأن العليا يد المتصدق، والسفلى يد السائل، والمعطي مفضل على المعطى، والمفضل خير من المفضل عليه. ولم يرد - ﷺ - أن المفضل في الدنيا خير اليدين. وإنما أراد في الإفضال والإعطاء. قَالَ الخطابي: توهم كثير من الناس أن العليا من علو الشيء فوق الشيء، وليس ذلك عندي بالوجه، إنما هو على المجد والكرم. يريد به الترفع عن المسألة والتعفف عنها (١). ورد عليه ابن الجوزي فقال: لا يمتنع أن يحمل على ما أنكره؛ لأنها إذا حملت العليا على المتعففة لم يكن للمنفق ذكر، وقد صحت لفظة: المنفقة، وكان المراد أن هذِه اليد التي علت وقت العطاء على يد السائل هي العالية في باب الفضل. وزعم قوم: أن العُليا هي الآخذة، والسفلى هي المعطية. وهؤلاء قوم استطابوا السؤال فجنحوا إلى الدناءة. والناس إنما يعلون بالمعروف والعطايا. وقال ابن العربي: إذا قلنا: إنَّ العليا: المعطي؛ فلأنها نائبة عن الله إذ هو خازنه ووكيله في الإعطاء، فأخذها منه كأنه أخذها من الله تعالى. وقد قيل: إن العليا: يد السائل (٢)؛ لقوله - ﷺ -: «إنَّ الصدقةَ لتقع في كفِّ الرَّحمن قَبْل أن تقعَ في كفِّ السَّائلِ» (٣) والتحقيق فيه أن الله تعالى عبر بالعليا عن يده المعطية إذ هو بأمره، وعبر عن يد السائل بالسفلى؛ لأنه الذي يقبل الصدقات. وكلتاهما يد الله، وكلتاهما يمين وعليا. فلذلك كان الأقوى أن تكون يد المعطي العليا. ويبقى في السفلى على ظاهره؛ لأنها ---------- (١) انظر: «غريب الحديث» ١/ ٥٩٤ - ٥٩٦. (٢) انظر: «كتاب القبس» ٢/ ٤٥٣. (٣) رواه ابن عبد البر في «تمهيده» ٢٣/ ١٧٤. تتقبلها، فكانت كالذي تؤخذ بالكف، وتقع في يد السائل فيقضي بها حاجته، ويسد فاقته. قَالَ ابن التين: ويدل على أن المراد بالسفلى السائلة أن عمر قَالَ: يا رسول الله، ألست أخبرتنا أن خيرًا لأحدنا أن لا يأخذ من أحد شيئًا. فقال - ﷺ -: «إنَّما ذلك عن مسألة، فأما ما كان عن غَيْرِ مسألة فإنَّما هو رزق رزقه الله تعالى» (١)، وقال: «لأن يأخُذَ أحدُكُم حَبْلَه فيحتطب، خيرٌ له مِنْ أنْ يأْتِيَ رجُلًا أعطاه الله من فضله فيسأله، أعطاهُ أو مَنَعَهُ» (٢). فتحصلنا على أقوال: أصحها: العليا: المنفقة، والسفلى: السائلة، كما هو مصرح به في الحديث كما سلف. ثانيها: أن العليا: المتعففة، وجعله ابن التين الأشبه. ثالثها: أن العليا: المعطية، والسفلى: المانعة، قاله الحسن. رابعها: أن العليا: الآخذة، وقد سلف ما فيه. وفي مراسيل سعيد وعروة أنه - ﷺ - لما قَالَ: «اليد العُليا خيرٌ مِنَ اليد السُّفلى» قَالَ حكيم: ومنك يا رسول الله؟ قَالَ: «ومني» قَالَ: والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا. فلم يقبل عطاءً ولا ديوانًا حَتَّى مات. فلو كانت اليد المعطية لكان حكيم قد توهم أن يدًا خير من ----------- (١) رواه أبو يعلى ١/ ١٥٦ (١٦٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٢٧٩ - ٢٨٠ (٣٥٤٦)، وابن عبد البر في «تمهيده» ٥/ ٨٥، وذكره الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٠٠، وقال: هو في الصحيح باختصارٍ، ورواه أبو يعلى ورجاله موثقون. وصححه الألباني في «صحيح الترغيب» (٨٤٦) قائلًا: صحيح لغيره. (٢) سيأتي برقم (١٧٤٠) كتاب: الزكاة، باب: الاستعفاف عن المسألة من حديث أبي هريرة. يد رسول الله - ﷺ - لقوله: ومنك؟ يريد أن المتعفف عن مسألتك كهو من مسألة غيرك؟ فقال: «نعم» فكان بعد ذلك لا يقبل العطاء من أحد. فائدة: في النفقة آداب: فرائض وسنن خمس. فمن الأول: الزكوات، والكفارات، والنذور، والنفقات الواجبات للآباء، والأبناء، والزوجات، والرقيق. ومن الثاني: الأضاحي عند من لم يوجبها، وصدقة الفطر عند من جعلها سنة، وغير ذلك. والتطوع كله آداب. وكل معروف صدقة. فرع: ينعطف على ما سبق أول الباب تقدم الدين العتق أو الصدقة رُدَّ لأجله عند المالكية. فإن كانا دينين: أحدهما قبلهما، والآخر بعدهما. رد من الدين بقدر الأول بلا خلاف. فإن فضلت فضلة من الصدقة أو من العبد المعتق. فقال ابن القاسم: يُمضي نفقته للموهوب، ويمضي من العتق بما فيه، ويدخل صاحب الدين الآخر على الأول، فيخاصمه فيما رد، يأخذ كل واحد بقدر دينه، وقال أشهب: إذا أخذ من يد صاحب الدين الأول شيء فرجع واستكمله من بقية الصدقة والمعتق حَتَّى تنفد الصدقة والعتق، أو يستوفيا جميعًا الدينين. وهذِه المسألة يعبرون عنها بمسألة الدور كما قال ابن التين. فرع: قد تقدم تفسير السفلى، وأنها السائلة ليست المعطاة بغير مسألة. وقد تأوله حكيم على عمومه. قَالَ مالك: كان ببلدنا من أهل الفضل والعبادة يردون العطية يُعطونها. قيل له: فالحديث: «ما أتاك من غير مسألة» (١) ----------- (١) سيأتي برقم (٦٦٢٢) كتاب: الأيمان والنذور. أفيه رخصة؟ قَالَ: نعم. وليس كل سائلة تكون المسئولة خيرًا منها، إنما هو أن يسأل وبه غنى، أو يظهر من الفقر فوق ما به. وقد استطعم موسى والخضر أهل القرية عند الضرورة. وقال - ﷺ - في لحم بريرة: «هو عليها صدقة ولنا هدية» (١). --------------- (١) سيأتي برقم (١٤٩٣) باب: الصدقة على موالي أزواج النبي - ﷺ -. ١٩ - باب المَنَّانِ بِمَا أَعْطَى لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٢] الآيَةَ. [فتح ٣/ ٢٩٨] هذِه الآية نزلت -فيما ذكره الواحدي عن الكلبي- في عثمان، وعبد الرحمن بن عوف: جاء عبد الرحمن إلى رسول الله - ﷺ - بأربعة آلاف درهم نصف ماله. وقال عثمان: عليّ جهاز من لا جهاز له في غزوة تبوك، فجهز المسلمين بألف بعير بأقتابها وأحلاسها، فنزلت هذِه الآية (١). وقال ابن بطال: ذكر أهل التفسير أنها نزلت في الذي يعطي ماله المجاهدين في سبيل الله؛ معونة لهم على جهاد العدو، ثم يمن عليهم بأنه قد صنع إليهم معروفًا إما بلسان أو بفعل. والأذى: أن يقول لهم أن يقوموا بالواجب عليهم في الجهاد، وشبه ذلك من القول. ومن أخرج شيئًا لله لم ينبغِ له أن يمن به على أحد؛ لأن ثوابه على الله (٢). وفي مسلم من حديث أبي ذر: «ثلاثةٌ لا يكلمهم الله يومَ القيامة: المنَّان: الذي لا يعطي شيئًا إلا مَنَّهُ، والمنفق سِلعتَه بالحلفِ، والمسبل إزاره» (٣). وفي الباب أيضًا عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي أمامة بن ثعلبة، وعمران بن حصين، ومعقل بن يسار. ولا شك أن الامتنان بالعطاء يحبط ------------- (١) «أسباب نزول القرآن» ص ٨٩ (١٧٠). (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٣٢ - ٤٣٣. (٣) «صحيح مسلم» (١٠٦) كتاب: الإيمان، باب: بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية … أجر الصدقة. قَالَ تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] قَالَ القرطبي: ولا يكون المن غالبًا إلا من البخل والكبر والعجب ونسيان منة الله تعالى فيما أنعم عليه. فالبخيل يعظم في نفسه العطية، وإن كانت حقيرة في نفسها. والعجب يحمله على النظر لنفسه بعين العظمة، وأنه منعم بماله على المعطى، والكبر يحمله على أن يحقر المعطى له، وإن كان في نفسه فاضلًا. وموجب ذلك كله الجهل، ونسيان منة الله تعالى فيما أنعم عليه. ولو نظر مصيره لعلم أن المنة للآخذ لما يزيل عن المعطي من إثم المنع وذم المانع، ولما يحصل له من الأجر الجزيل والثناء الجميل. وقيل: المنان في حديث أبي ذر من المن، وهو القطع، كما قَالَ تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] أي: غير منقطع. فيكون معناه البخيل بقطعه عطاء ما يجب عليه للمستحق كما جاء في حديث آخر: «البخيل المنَّان» (١) فنعته به. والأول أظهر (٢). ----------------- (١) قطعة من حديث رواه أحمد ٥/ ١٥١، ١٧٦، والبزار في «البحر الزخار» ٩/ ٣٤٨ (٣٩٠٨)، والحاكم ٢/ ٨٩، والبيهقي ٩/ ١٦٠ من حديث أبي ذر. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٠٧٤). (٢) «المفهم» ١/ ٣٠٤ - ٣٠٥. ٢٠ - باب مَنْ أَحَبَّ تَعْجِيلَ الصَّدَقَةِ مِنْ يَوْمِهَا ١٤٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ الحَارِثِ - رضي الله عنه - حَدَّثَهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - ﷺ - العَصْرَ، فَأَسْرَعَ ثُمَّ دَخَلَ البَيْتَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ، فَقُلْتُ -أَوْ قِيلَ- لَهُ، فَقَالَ: «كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي البَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ فَقَسَمْتُهُ». [انظر: ٨٥١ - فتح: ٣/ ٢٩٩] ذكر فيه حديث عقبة بن الحارث: في التِبْرِ. وقد سلف في الصلاة في باب: من صلى بالناس فذكر حاجة (١). والتبر جمع تبرة، وهي القطعة من الذهب، أو الفضة غير مصنوعة. وقيل: قطع الذهب فقط كما سلف هناك. وفيه: الحض على تعجيل الصدقة، وأفعال البر كلها إذا وجبت، وإنما عجلها؛ لأنه خشي أن يكون محتاجًا من وجب له حق في ذلك التبر. فيحبس عنه حقه، وقد كان بالمؤمنين رحيمًا، فبين لأمته الاقتداء به. ------------ (١) برقم (٨٥١) كتاب: الأذان. ٢١ - باب التَّحْرِيضِ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالشَّفَاعَةِ فِيهَا ١٤٣١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَدِيٌّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ عِيدٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ، ثُمَّ مَالَ عَلَى النِّسَاءِ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُلْبَ وَالخُرْصَ. [انظر: ٩٨ - مسلم: ٨٨٤ - فتح: ٣/ ٢٩٩] ١٤٣٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ، أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - ﷺ - مَا شَاءَ». [٦٠٢٧، ٦٠٢٨ - مسلم: ٢٦٢٧ - فتح: ٣/ ٣٢٩] ١٤٣٣ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تُوكِي فَيُوكَى عَلَيْكِ». حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدَةَ، وَقَالَ: «لَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْكِ». [١٤٣٤، ٢٥٩٠ - مسَلم: ١٠٢٩ - فتح: ٣/ ٢٩٩] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث ابن عباس: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ العيد فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ .. الحديث. وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُلْبَ وَالخُرْصَ. ثانيها: حديث أبي موسى: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ، أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - ﷺ - مَا شَاءَ». ثالثها: حديث أسماء: «لَا توكِي فَيُوكَى عَلَيْكِ». وفي لفظ: «لَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْكِ». الشرح: حديث ابن عباس سلف في باب الخطبة بعد العيد (١) بشرحه واضحًا، وأما حديث أبي موسى فلا شك أن الشفاعة في الصدقة وسائر أفعال البر مرغب فيها مندوب إليها. فندب أمته إلى السعي في حوائج الناس، وشرط الأجر على ذلك، ودل قوله - ﷺ -: «وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيهِ مَا شَاءَ» أنَّ الساعي مأجور على كل حال، وإن خاب سعيه، ولم تنجح طلبته لهذِه الأمة. فإنه قَالَ: من يشفع، ولم يقل: من يُشفَّع. بضم أوله، وتشديد ثالثه، والمراد بـ«وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبيهِ مَا شَاءَ». ييسره لما يأمر به من العطاء، وقد قال - ﷺ -: «والله في عونِ العَبْد ما كان العبدُ في عونِ أخيه» (٢). ولأبي الحسن: «شفعوا» بحذف الألف، وإنما أمرهم بالشفاعة لما فيه من الأجر لقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: ٨٥] الآية. ولأنهم إذا شفعوا، واجتمعت عليه المسألة كان أنجح، ولا يتأبى كبير أن يشفع عند صغير. فإن شفع عنده، ولم يقضها لا ينبغي له أن يتأذى الشافع. فقد شفع الشارع عند بريرة أن ترد زوجها فأبت (٣). وقد احتج أبو حنيفة والثوري بحديث ابن عباس السالف، وأوجبوا الزكاة ------------- (١) برقم (٩٦٢) كتاب: العيدين. (٢) رواه مسلم (٢٦٩٩) كتاب: الذكر والدعاء، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، وأبو داود (٤٩٤٦) كتاب: الأدب، باب: المعونة للمسلم، والترمذي (١٤٢٥) كتاب: الحدود، باب: ما جاء في الستر على المسلم، وابن ماجه (٢٢٥) كتاب: المقدمة، باب: فضل العلماء والحث على طلب العلم، وابن حبان في «صحيحه» ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣ (٥٣٤) كتاب: البر والإحسان، باب: فضل البر والإحسان. (٣) يشير إلى حديث مغيث وبريرة المشهور الآتي (٥٢٨٠ - ٥٢٨٣). في الحلي المتخذ للنساء (١)، وقال مالك: لا زكاة فيه، وهو مذهب ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وعائشة، وأسماء (٢)، وهو أظهر قولي الشافعي (٣)، ولا حجة في الحديث الأول؛ لأنه - ﷺ - إنما حضهن على صدقة التطوع. فقال: «تصدقوا» ولو كان ذلك واجبًا لما قال: «ولو مِنْ حُليِّكن» (٤)، ومما يرد قوله أنه لو كان ذلك من باب الزكاة لأعطينه بوزن ومقدار، فدل أنه تطوع. وأيضًا هو كالأثاث، وليس كالرقة. وهذا إجماع أهل المدينة، وذكر مالك عن عائشة أنها كانت تحلي بنات أخيها -يتامى كن في حجرها- لهن الحلي ولا تخرج منه الزكاة، وكان يفعله ابن عمر (٥). وأما حديث أسماء قد أخرجه مسلم أيضًا (٦). فإنما سألته عن الصدقة، وقالت يا رسول الله: ما لي إلا ما أدخل على الزبير. أفأتصدق؟ قَالَ: «تصدقي ولَا تُوكِي فَيُوكِي الله عَلَيْكِ». والمعنى: لا توكي مالكِ عن الصدقة، ولا تتصدقين خشية نفاده، وتدخريه فيوكي الله عليك أي: يمنعكِ. ويقطع مادة الرزق عنكِ، و(توكي) بالتاء لأنه خطاب للمؤنث، فسقطت النون للنهي فدل الحديث على أن الصدقة تنمي المال، وتكون سببًا إلى البركة والزيادة فيه، وأن من شح ولم يتصدق فإن الله يوكي عليه، ويمنعه من البركة في ماله، والنماء فيه. -------------- (١) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٤٩، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٢٩. (٢) انظر: «عيون المجالس» ٢/ ٥٦٢. (٣) انظر: «المجموع» ٥/ ٥١٩. (٤) سيأتي برقم (١٤٦٦) كتاب: الزكاة، باب: الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر. (٥) «الموطأ» ص ١٧٠ - ١٧١. (٦) «صحيح مسلم» (١٠٢٩) كتاب: الزكاة، باب: الحث في الإنفاق وكراهة الإحصاء. ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |