السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5198 - عددالزوار : 2507969 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4793 - عددالزوار : 1845567 )           »          سحور 14 رمضان.. طريقة عمل سندوتش جبن حلومى بالخضار (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          المعجم القرآني وأهميته في التفسير (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          وقفة مع سورة الروم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          (وإنه لَذِكرٌ لك ولقومك وسوف تُسألون) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          المجالس العلمية فضيلة الدكتور عرفة بن طنطاوي حفظه الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 9 - عددالزوار : 153 )           »          فتاوى رمضانية ***متجدد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 833 - عددالزوار : 369144 )           »          تنزيل | الدكتور هاني حلمي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 12 - عددالزوار : 192 )           »          موانئ دبي.. التجارة الدولية وأبعادها الاستخبارية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث > ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 10-01-2026, 02:17 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,868
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الثانى
الحلقة (103)

صــ 283إلى صــ 292





النَّاسِ يَعُدُّ سَلَمَةِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ أَحَدَ الثَّمَانِيَةِ، وَيَطْرَحُ أُسَيْدَ بْنَ ظُهَيْرٍ، أَخَا بَنِي حَارِثَةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ. وَلَمْ يَكُنْ سَلَمَةُ يَوْمَئِذٍ فَارِسًا، وَقَدْ كَانَ أَوَّلَ مَنْ لَحِقَ بِالْقَوْمِ عَلَى رِجْلَيْهِ. فَخَرَجَ الْفُرْسَانُ فِي طَلَبِ الْقَوْمِ حَتَّى تَلَاحَقُوا.

(سَبْقُ مُحْرِزٍ إلَى الْقَوْمِ وَمَقْتَلُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّ أَوَّلَ فَارِسٍ لَحِقَ بِالْقَوْمِ مُحْرِزُ بْنُ نَضْلَةَ، أَخُو بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ- وَكَانَ يُقَالُ لِمُحْرَزِ: الْأَخْرَمُ [١]، وَيُقَالُ لَهُ قُمَيْرٌ [٢]- وَأَنَّ الْفَزَعَ لَمَّا كَانَ جَالَ فَرَسٌ لِمَحْمُودِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي الْحَائِطِ، حِينَ سَمِعَ صَاهِلَةَ الْخَيْلِ، وَكَانَ فَرَسًا صَنِيعًا [٣] جَامًّا، فَقَالَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، حِينَ رَأَيْنَ الْفَرَسَ يَجُولُ فِي الْحَائِطِ بِجِذْعِ نَخْلٍ هُوَ مَرْبُوطٌ فِيهِ:
يَا قُمَيْرُ، هَلْ لَكَ فِي أَنْ تَرْكَبَ هَذَا الْفَرَسَ؟ فَإِنَّهُ كَمَا تَرَى، ثُمَّ تَلْحَقُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِالْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَعْطَيْنَهُ إيَّاهُ. فَخَرَجَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَذَّ الْخَيْلَ بِجَمَامِهِ، حَتَّى أَدْرَكَ الْقَوْمَ، فَوَقَفَ لَهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، ثُمَّ قَالَ: قِفُوا يَا مَعْشَرَ بَنِي اللَّكِيعَةِ [٤] حَتَّى يَلْحَقَ بِكُمْ مَنْ وَرَاءَكُمْ مِنْ أَدْبَارِكُمْ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. قَالَ: وَحَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَتَلَهُ، وَجَالَ الْفَرَسُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى آرِيِّهِ [٥] مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَلَمْ يُقْتَلْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ غَيْرُهُ.

(رَأْيُ ابْنِ هِشَامٍ فِيمَنْ قُتِلَ مَعَ مُحْرِزٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَعَ مُحْرِزٍ، وَقَّاصُ بْنُ مجزّز [٦] المدلجيّ، فِيمَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.

-----------------------
[١] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول والاستيعاب. وَفِي أ: «الأخزم» .
[٢] فِي الِاسْتِيعَاب: «فهَيْرَة» .
[٣] الْفرس الصَّنِيع: الّذي يَخْدمه أَهله ويقومون عَلَيْهِ.
[٤] اللكيعة: اللئيمة.
[٥] الآرى: الْحَبل الّذي تشد بِهِ الدَّابَّة، وَقد يُسمى الْموضع الّذي تقف فِيهِ الدَّابَّة آريا أَيْضا.
[٦] كَذَا فِي أوالاستيعاب والمشتبه والقاموس. وَفِي سَائِر الْأُصُول هُنَا وَفِيمَا سَيَأْتِي «مُحرز» وَهُوَ تَصْحِيف.


(أَسَمَاءُ أَفْرَاسِ الْمُسْلِمِينَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ اسْمُ فَرَسِ مَحْمُودٍ: ذَا اللِّمَّةِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ اسْمُ فَرَسِ سَعْدِ بْنِ زَيْدٍ: لَاحِقَ، وَاسْمُ فَرَسِ الْمِقْدَادِ بَعْزَجَةُ [١]، وَيُقَالُ: سُبْحَةُ [٢]، وَاسْمُ فَرَسِ عُكَاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ: ذُو اللَّمَّةِ، وَاسْمُ فَرَسِ أَبِي قَتَادَةَ: حَزْوَةُ [٣]، وَفَرَسُ عَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ: لَمَّاعٌ، وَفَرَسُ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ: مَسْنُونٌ، وَفَرَسُ أَبِي عَيَّاشٍ: جُلْوَةُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ:
أَنَّ مُجَزَّزًا إنَّمَا كَانَ عَلَى فَرَسٍ لِعُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، يُقَالُ لَهُ: الْجَنَاحُ، فَقُتِلَ مُجَزِّزٌ وَاسْتُلِبَتْ الْجَنَاحُ.

(الْقَتْلَى مِنْ الْمُشْرِكِينَ):
وَلَمَّا تَلَاحَقَتْ الْخَيْلُ قَتَلَ أَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثَ بْنَ رِبْعِيٍّ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، حَبِيبُ ابْن عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وَغَشَّاهُ بُرْدَهُ، ثُمَّ لَحِقَ بِالنَّاسِ.
وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُسْلِمِينَ.

(اسْتِعْمَالُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَإِذَا حَبِيبٌ مُسَجَّى [٤] بِبُرْدِ أَبِي قَتَادَةَ، فَاسْتَرْجَعَ [٥] النَّاسُ وَقَالُوا: قُتِلَ أَبُو قَتَادَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ بِأَبِي قَتَادَة، وَلكنه قَتِيل لِأَبِي قَتَادَةَ، وَضَعَ عَلَيْهِ بُرْدَهُ، لِتَعْرِفُوا أَنَّهُ صَاحِبُهُ. وَأَدْرَكَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ أَوْبَارًا [٦] وَابْنَهُ عَمْرَو بْنَ أَوْبَارٍ، وَهُمَا عَلَى بَعِيرٍ

----------------------------
[١] قَالَ السهيليّ: «البعزجة»: شدَّة جرى فِي مغالبة، كَأَنَّهُ منحوت من «بعج» إِذا شقّ، و«عز» أَي غلب.
[٢] قَالَ السهيليّ: «وَأما سبْحَة فَمن سبح، إِذا علا علوا فِي اتساع، وَمِنْه: سُبْحَانَ الله» .
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. قَالَ السهيليّ: «وحزوة: من حزوت الطير، إِذا زجرتها، أَو حزوت الشَّيْء، إِذا أظهرته» . وَفِي أ: «حزورة» .
[٤] مسجى: مغطى.
[٥] اسْترْجع النَّاس: قَالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. ٢: ١٥٦
[٦] فِي الطَّبَقَات: «أثار» بِضَم الْهمزَة.



وَاحِدٍ، فَانْتَظَمَهَا بِالرُّمْحِ، فَقَتَلَهُمَا جَمِيعًا، وَاسْتَنْقَذُوا بَعْضَ اللِّقَاحِ، وَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلَ بِالْجَبَلِ مِنْ ذِي قَرَدٍ، وَتَلَاحَقَ بِهِ النَّاسُ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَقَالَ لَهُ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ سرحتنى فِي مائَة رَجُلٍ لَاسْتَنْقَذْتُ بَقِيَّةَ السَّرْحِ، وَأَخَذْتُ بِأَعْنَاقِ الْقَوْمِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فِيمَا بَلَغَنِي: إنَّهُمْ الْآنَ لَيُغْبَقُونَ [١] فِي غَطَفَانَ.

(تَقْسِيمُ الْفَيْءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ):
فَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ فِي كل مائَة رَجُلٍ جَزُورًا، وَأَقَامُوا عَلَيْهَا، ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَافِلًا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ.

(امْرَأَةُ الْغِفَارِيِّ وَمَا نَذَرَتْ مَعَ الرَّسُولِ):
وَأَقْبَلَتْ امْرَأَةُ الْغِفَارِيِّ [٢] عَلَى نَاقَةٍ [٣] مِنْ إبِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ فَأَخْبَرَتْهُ الْخَبَرَ، فَلَمَّا فَرَغَتْ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي قَدْ نَذَرْتُ للَّه أَنْ أَنَحْرَهَا إنْ نَجَّانِي اللَّهُ عَلَيْهَا، قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: بِئْسَ مَا جَزَيْتِهَا أَنْ حَمَلَكَ اللَّهُ عَلَيْهَا وَنَجَّاكَ بِهَا ثُمَّ تَنْحَرِينَهَا! إنَّهُ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا فِيمَا لَا تَمْلِكِينَ، إنَّمَا هِيَ نَاقَةٌ مِنْ إبِلِي، فَارْجِعِي إلَى أَهْلِكَ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ.
وَالْحَدِيثُ عَنْ امْرَأَةِ الْغِفَارِيِّ وَمَا قَالَتْ، وَمَا قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ:

(شِعْرُ حَسَّانَ فِي ذِي قَرَدٍ):
وَكَانَ مِمَّا قِيلَ مِنْ الشِّعْرِ فِي يَوْمِ ذِي قَرَدٍ قَوْلُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ:
لَوْلَا الَّذِي لَاقَتْ وَمَسَّ نُسُورُهَا ... بِجَنُوبِ سَايَةَ أَمْسِ فِي التَّقْوَادِ [٤]

-----------------------------
[١] يغبقون: يسقون اللَّبن بالْعَشي.
[٢] هِيَ ليلى امْرَأَة ابْن أَبى ذَر، وَقد تقدم ذكرهمَا.
[٣] اسْم هَذِه النَّاقة: العضباء. (رَاجع شرح الْمَوَاهِب) .
[٤] أضمر ذكر الْخَيل، وَإِن لم يتَقَدَّم لَهَا ذكر، لِأَن الْكَلَام يدل عَلَيْهَا. والنسور: مَا يكون فِي بَاطِن حافر الدَّابَّة، مثل الْحَصَى والنوى. وساية: مَوضِع، وَقد تقدم شَرحه.



لَلَقِينَكُمْ يَحْمِلْنَ كُلَّ مُدَجَّجٍ ... حَامِي الْحَقِيقَةِ مَاجِدُ الْأَجْدَادِ [١]
وَلَسَرَّ أَوْلَادَ اللَّقِيطَةِ أَنَّنَا ... سِلْمٌ غَدَاةَ فَوَارِسِ الْمِقْدَادِ [٢]
كُنَّا ثَمَانِيَةً وَكَانُوا جَحْفَلًا ... لِجَبَا فَشُكُّوا بِالرِّمَاحِ بَدَادِ [٣]
كُنَّا مِنْ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ... وَيُقَدِّمُونَ عِنَانَ كُلِّ جَوَادٍ
كَلَّا وَرَبِّ الرَّاقِصَاتِ إلَى مِنًى ... يَقْطَعْنَ عُرْضَ مَخَارِمِ الْأَطْوَادِ [٤]
حَتَّى نُبِيلَ [٥] الْخَيْلَ فِي عرصاتكم ... ونئوب بِالْمَلَكَاتِ وَالْأَوْلَادِ [٦]
رَهْوًا بِكُلِّ مُقَلَّصٍ وَطِمَرَّةٍ ... فِي كُلِّ مُعْتَرَكٍ عَطَفْنَ وَوَادَى [٧]
أَفْنَى دَوَابِرَهَا وَلَاحَ مُتُونَهَا ... يَوْمٌ تُقَادُ بِهِ وَيَوْمٌ طِرَادُ [٨]
فَكَذَاكَ إنَّ جِيَادَنَا مَلْبُونَةٌ ... وَالْحَرْبُ مُشْعَلَةٌ بِرِيحِ غَوَادٍ [٩]
وَسُيُوفُنَا بِيضُ الْحَدَائِدِ تَجْتَلِي ... جُنَنَ الْحَدِيدِ وَهَامَةَ الْمُرْتَادِ [١٠]
أَخَذَ الْإِلَهُ عَلَيْهِمْ لِحَرَامِهِ ... وَلِعِزَّةِ الرَّحْمَنِ بِالْأَسْدَادِ [١١]
كَانُوا بِدَارٍ نَاعِمِينَ فَبُدِّلُوا ... أَيَّامَ ذِي قَرَدٍ وُجُوهَ عِبَادٍ [١٢]

----------------------
[١] المدجج (بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا): الْكَامِل السِّلَاح. والماجد: الشريف.
[٢] أَوْلَاد اللقيطة: الملتقطون الَّذين لَا يعرف آباؤهم. وَالسّلم (بِفَتْح السِّين وَكسرهَا): الصُّلْح.
[٣] الجحفل: الْجَيْش الْكثير. واللجب: الْكثير الْأَصْوَات، وَلَا يكون إِلَّا عَن كَثْرَة عدده، وَشَكوا: طعنوا. وبداد: من التبدد، وَهُوَ التَّفَرُّق.
[٤] الراقصات: الْإِبِل، والرقص: ضرب من مشيها. والأطواد،: الْجبَال المرتفعة. والمخارم:
الطّرق بَين الْجبَال.
[٥] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. ونبيل: نَجْعَلهَا تبول. وَفِي أ: «نئيل» .
[٦] العرصات: جمع عَرصَة، وَهِي وسط الدَّار. ونئوب: نرْجِع: والملكات: النِّسَاء يسبين فِي الْحَرْب.
[٧] الرهوب: الْمَشْي فِي سُكُون. ومقلص: مشمر. وطمرة: فرس وثابة سريعة. والمعترك:
مَوضِع الْحَرْب. ورواد، قَالَ أَبُو ذَر: من رَوَاهُ بِفَتْح الرَّاء فَمَعْنَاه: سريعات، من ردى الْفرس يردى، إِذا أسْرع، وَمن رَوَاهُ بِكَسْر الرَّاء، فَهُوَ من الْمَشْي الرويد، وَهُوَ الّذي فِيهِ فتور.
[٨] دوابرها: أواخرها. ولاح: غير وأضعف. ومتونها: ظُهُورهَا، والطراد: مطاردة الْأَبْطَال بَعضهم بَعْضًا.
[٩] ملبونة: تسقى اللَّبن. ومشعلة: موقدة.
[١٠] تجتلى: تقطع. والجنن: جمع جنَّة، وَهِي السِّلَاح. والمرتاد: الطَّالِب للحرب.
[١١] الأسداد: جمع سد، وَهُوَ مَا يسد بِهِ على الْإِنْسَان فيمنعه عَن وَجهه.
[١٢] كَذَا فِي أ. وَعباد: أَي عبيد. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عناد» .



(غَضَبُ سَعْدٍ عَلَى حَسَّانَ وَمُحَاوَلَةُ حَسَّانَ اسْتِرْضَاءَهُ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَلَمَّا قَالَهَا حَسَّانُ غَضِبَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ، وَحَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ أَبَدًا، قَالَ: انْطَلَقَ إلَى خَيْلِي وَفَوَارِسِي فَجَعَلَهَا لِلْمِقْدَادِ! فَاعْتَذَرَ إلَيْهِ حَسَّانُ وَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا ذَاكَ أَرَدْتُ، وَلَكِنَّ الرَّوِيَّ وَافَقَ اسْمَ الْمِقْدَادِ، وَقَالَ أَبْيَاتًا يُرْضِي بِهَا سَعْدًا:
إذَا أَرَدْتُمْ الْأَشَدَّ الْجَلْدَا ... أَوْ ذَا غَنَاءٍ فَعَلَيْكُمْ سَعْدًا
سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ لَا يُهَدُّ هَدًّا
فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ سَعْدٌ وَلَمْ يُغْنِ شَيْئًا.

(شِعْرٌ آخَرُ لِحَسَّانَ فِي يَوْمِ ذِي قَرَدٍ):
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي يَوْمِ ذِي قَرَدٍ:
أَظَنَّ عُيَيْنَةُ إذْ زَارَهَا ... بِأَنْ سَوْفَ يَهْدِمُ فِيهَا قُصُورًا [١]
فَأُكْذِبْتَ مَا كُنْتَ صَدَّقْتُهُ ... وَقُلْتُمْ سَنَغْنَمُ أَمْرًا كَبِيرًا
فَعِفْتَ الْمَدِينَةَ إذْ زُرْتهَا ... وَآنَسْتُ لِلْأُسْدِ فِيهَا زَئِيرًا [٢]
فَوَلَّوْا سِرَاعًا كَشَدِّ النَّعَامِ ... وَلَمْ يَكْشِفُوا عَنْ مُلِطٍّ حَصِيرًا [٣]
أَمِيرٌ عَلَيْنَا رَسُولُ الْمَلِيكِ ... أَحْبِبْ بِذَاكَ إلَيْنَا أَمِيرًا
رَسُولٌ نُصَدِّقُ مَا جَاءَهُ ... وَيَتْلُو كِتَابًا مُضِيئًا مُنِيرًا

(شِعْرُ كَعْب فِي يوذى قَرَدٍ):
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي يَوْمِ ذِي قَرَدٍ لِلْفَوَارِسِ:
أَتَحْسَبُ أَوْلَادُ اللَّقِيطَةِ أَنَّنَا ... عَلَى الْخَيْلِ لَسْنَا مِثْلَهُمْ فِي الْفَوَارِسِ
وَإِنَّا أُنَاسٌ لَا نَرَى الْقَتْلَ سُبَّةً ... وَلَا نَنْثَنِي عِنْدَ الرِّمَاحِ الْمَدَاعِسِ [٤]

-----------------------
[١] زارها، أَي الْمَدِينَة.
[٢] عفت: كرهت. وآنست: أحسست وَوجدت.
[٣] الشد: الجرى. وَلم يكشفوا عَن ملط حَصِيرا، أَي لم يُصِيبُوا بَعِيرًا، وَلَا كشفوا عَنهُ حَصِيرا.
ويعنى «بالحصير»: مَا يكنف بِهِ حول الْإِبِل من عيدَان الحظيرة. والملط: من قَوْلهم لطت النَّاقة وألطت بذنبها: إِذا أدخلته بَين رِجْلَيْهَا.
[٤] المداعس: المطاعن، يُقَال: دعسه بِالرُّمْحِ، إِذا طعنه.



وَإِنَّا لَنَقْرِي الضَّيْفَ مِنْ قَمَعِ الذُّرَا ... وَنَضْرِبُ رَأْسَ الْأَبْلَخِ الْمُتَشَاوِسِ [١]
نَرُدُّ كُمَاةَ الْمُعْلَمِينَ إذَا انْتَخَوْا ... بِضَرْبٍ يُسْلِي نَخْوَةَ الْمُتَقَاعِسِ [٢]
بِكُلِّ فَتًى حَامِي الْحَقِيقَةَ مَاجِدٍ ... كَرِيمٍ كَسِرْحَانِ الْغَضَاةِ مُخَالِسِ [٣]
يَذُودُونَ عَنْ أَحْسَابهِمْ وَتِلَادِهِمْ ... بِبِيضٍ تَقُدُّ الْهَامَ تَحْتَ الْقَوَانِسِ [٤]
فَسَائِلْ بَنِي بَدْرٍ إذَا مَا لَقِيتَهُمْ ... بِمَا فَعَلَ الْإِخْوَانُ يَوْمَ التَّمَارُسِ [٥]
إذَا مَا خَرَجْتُمْ فَاصْدُقُوا [٦] مَنْ لَقِيتُمْ ... وَلَا تَكْتُمُوا أَخْبَارَكُمْ فِي الْمَجَالِسِ
وَقُولُوا زَلِلْنَا عَنْ مَخَالِبِ خَادِرٍ ... بِهِ وَحَرٌ فِي الصَّدْرِ مَا لَمْ يُمَارِسْ [٧]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَيْتَهُ: «وَإِنَّا لَنَقْرِي الضَّيْفَ» أَبُو زَيْدٍ.

(شِعْرُ شَدَّادٍ لِعُيَيْنَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ شَدَّادُ بْنُ عَارِضٍ الْجُشَمِيُّ، فِي يَوْمِ ذِي قَرَدٍ: لِعُيَيْنَةَ ابْن حِصْنٍ، وَكَانَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ يُكَنَّى بِأَبِي مَالِكٍ:
فَهَلَّا كَرَرْتَ أَبَا مَالِكٍ ... وَخَيْلُكَ مُدْبِرَةٌ تُقْتَلُ
ذَكَرْتَ الْإِيَابَ إلَى عَسْجَرٍ ... وَهَيْهَاتَ قَدْ بَعُدَ الْمُقْفَلُ [٨]
وَطَمَّنْتَ [٩] نَفْسَكَ ذَا مَيْعَةَ ... مِسَحِّ الْفَضَاءِ إذَا يُرْسَلُ [١٠]

----------------------
[١] القمع: جمع قمعة، وَهِي أَعلَى سَنَام الْبَعِير. والذرا: الأسنمة، والأبلخ: المتكبر والمتشاوس:
الّذي ينظر بمؤخر عينه نظر المتكبر.
[٢] افتخوا: تكبروا. والمتقاعس: الّذي لَا يلين وَلَا ينقاد.
[٣] السرحان: الذِّئْب، والغضاة: شَجَرَة، وَجَمعهَا غضى. وَيُقَال: إِن أَخبث الذئاب ذئاب الغضى وَقد وَردت هَذِه الْكَلِمَة فِي أ «الْعضَاة» .
[٤] يذودون: يمْنَعُونَ ويدفعون. والتلاد: المَال الْقَدِيم. وتقد: تقطع. والقوانس: أعالى بيض الْحَدِيد، الْوَاحِدَة قونسة.
[٥] التمارس: الْمُضَاربَة فِي الْحَرْب والمقاربة.
[٦] فِي أ: «فاكتموا» .
[٧] خادر، أَي أَسد خادر، وَهُوَ الّذي يلْزم أجمته. والوحر: الحقد.
[٨] الإياب: الرُّجُوع. وعسجر: مَوضِع قرب مَكَّة. والمقفل: الرُّجُوع.
[٩] فِي أ: «وضمنت» .
[١٠] ذُو ميعة: فرس ذُو نشاط. وَالْمسح: الْكثير الجرى. والفضاء: المتسع من الأَرْض.



إذَا قبّضته إِلَيْك الشّمال ... جَاشَ كَمَا اضْطَرَمَ الْمِرْجَلُ [١]
فَلَمَّا عَرَفْتُمْ عِبَادَ الْإِلَهِ ... لَمْ يَنْظُرْ الْآخَرَ الْأَوَّلَ [٢]
عَرَفْتُمْ فَوَارِسَ قَدْ عُوِّدُوا ... طِرَادَ الْكُمَاةِ إذَا أَسْهَلُوا [٣]
إذَا طَرَدُوا الْخَيْلَ تَشْقَى بِهِمْ ... فِضَاحًا وَإِنْ يُطْرَدُوا يَنْزِلُوا [٤]
فَيَعْتَصِمُوا فِي سَوَاء الْمقَام ... بِالْبِيضِ أَخْلَصَهَا الصَّيْقَلُ [٥]

غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ [٦]

(وَقْتُهَا):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ بَعْضَ جُمَادَى الْآخِرَةِ وَرَجَبًا، ثُمَّ غَزَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ، فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سِتٍّ [٧] .

(اسْتِعْمَالُ أَبِي ذَرٍّ عَلَى الْمَدِينَةِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، وَيُقَالُ: نُمَيْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيُّ.

---------------------------
[١] جاش: تحرّك وَعلا. واضطرم: التهب، ويروى: اضْطربَ.
[٢] لم ينظر: لم ينْتَظر.
[٣] الكماة: الشجعان. وأسهلوا: نزلُوا السهل.
[٤] الفضاح: الفاضحة.
[٥] أخلصها الصيقل: أَي أَزَال مَا عَلَيْهَا من الصدأ.
[٦] وَتسَمى أَيْضا: «الْمُريْسِيع» .
[٧] فِي وَقت هَذِه الْغَزْوَة خلاف ذكره الزرقانى وعقب عَلَيْهِ بِمَا يأتى: «وَقَالَ الْحَاكِم فِي الإكليل:
قَول عُرْوَة وَغَيره إِنَّهَا كَانَت سنة خمس أشبه من قَول ابْن إِسْحَاق، قلت: وَيُؤَيِّدهُ مَا ثَبت فِي حَدِيث الْإِفْك أَن سعد بن معَاذ تنَازع هُوَ وَسعد بن عبَادَة فِي أَصْحَاب الْإِفْك، فَلَو كَانَت الْمُريْسِيع فِي شعْبَان سنة سِتّ مَعَ كَون الْإِفْك مِنْهَا، لَكَانَ مَا وَقع فِي الصَّحِيح من ذكر سعد بن معَاذ غَلطا، لِأَنَّهُ مَاتَ أَيَّام قُرَيْظَة، وَكَانَت فِي سنة خمس على الصَّحِيح، وَإِن كَانَت كَمَا قيل سنة أَربع، فَهُوَ أَشد غَلطا، فَظهر أَن الْمُريْسِيع كَانَت فِي سنة خمس فِي شعْبَان قبل الخَنْدَق، لِأَنَّهَا كَانَت فِي شَوَّال سنة خمس أَيْضا، فَيكون سعد بن معَاذ مَوْجُودا فِي الْمُريْسِيع وَرمى بهَا بعد ذَلِك بِسَهْم فِي الخَنْدَق، وَمَات من جراحته فِي قُرَيْظَة.
١٩- سيرة ابْن هِشَام- ٢



(سَبَبُ غَزْوِ الرَّسُول لَهُم):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، كُلٌّ قَدْ حَدَّثَنِي بَعْضَ حَدِيثِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، قَالُوا: بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ يَجْمَعُونَ لَهُ، وَقَائِدُهُمْ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ضِرَارٍ أَبُو جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، زَوْجِ رَسُول الله ﷺ، فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ خَرَجَ إلَيْهِمْ، حَتَّى لَقِيَهُمْ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ [١] يُقَالُ لَهُ:
الْمُرَيْسِيعُ، مِنْ نَاحِيَةِ قَدِيدٍ إلَى السَّاحِلِ، فَتَزَاحَفَ النَّاسُ وَاقْتَتَلُوا، فَهَزَمَ اللَّهُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، وَنَفَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأْفَاءَهُمْ عَلَيْهِ.

(مَوْتُ ابْنِ صُبَابَةَ):
وَقَدْ أُصِيبَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَنِي كَلْبِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لَيْثِ ابْن بَكْرٍ، يُقَالُ لَهُ: هِشَامُ بْنُ صُبَابَةَ، أَصَابَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ رَهْطِ عُبَادَةَ ابْن الصَّامِتِ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مِنْ الْعَدُوِّ، فَقَتَلَهُ خَطَأٍ.

(جَهْجَاهُ وَسِنَانٌ وَمَا كَانَ مِنْ ابْنِ أُبَيٍّ):
فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ، وَرَدَتْ وَارِدَةُ النَّاسِ، وَمَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَجِيرٌ لَهُ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، يُقَالُ لَهُ: جَهْجَاهُ بْنُ مَسْعُودٍ يَقُودُ فَرَسَهُ، فَازْدَحَمَ جَهْجَاهُ وَسِنَانُ بْنُ وَبَرٍ [٢] الْجُهَنِيُّ، حَلِيفُ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ عَلَى الْمَاءِ، فَاقْتَتَلَا، فَصَرَخَ الْجُهَنِيُّ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَصَرَخَ جَهْجَاهُ:
يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ [٣]، فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ، وَعِنْدَهُ رَهْطٌ مِنْ

-----------------------------
[١] فِي أ: «من مِيَاههمْ» .
[٢] قَالَ السهيليّ: «وَقَالَ غَيره: هُوَ سِنَان بن تَمِيم، من جُهَيْنَة بن سود بن أسلم، حَلِيف الْأَنْصَار» .
[٣] قَالَ السهيليّ: «وَلم يذكر مَا قَالَ النَّبِي ﷺ حِين سَمعهَا، وَفِي الصَّحِيح أَنه عليه السلام حِين سَمعهَا مِنْهُمَا قَالَ: دَعُوهَا فإنّها مُنْتِنَة، يعْنى أَنَّهَا كلمة خبيثة، لِأَنَّهَا من دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة. وَجعل الله الْمُؤمنِينَ إخْوَة وحزبا وَاحِدًا، فَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن تكون الدعْوَة للْمُسلمين. فَمن دَعَا فِي الْإِسْلَام بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة، فَيتَوَجَّه للفقهاء فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال، أَحدهَا أَن يجلد من اسْتَجَابَ لَهُ خمسين سَوْطًا، اقْتِدَاء بِأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي حَده النَّابِغَة الجعديّ خمسين سَوْطًا، حِين سمع «يَا لعامر» فَأقبل يشْتَد بعصبه. وَالثَّانِي أَن فِيهَا



قَوْمِهِ فِيهِمْ: زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، غُلَامٌ حَدَثٌ، فَقَالَ: أَوَقَدْ فَعَلُوهَا، قَدْ نَافَرُونَا وَكَاثَرُونَا فِي بِلَادِنَا، وَاَللَّهِ مَا أَعَدَّنَا وَجَلَابِيبَ [١] قُرَيْشٍ إلَّا كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، أَمَا وَاَللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا مَا فَعَلْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ، أَحْلَلْتُمُوهُم بِلَادكُمْ، وَقَاسَمْتُمُوهُمْ أَمْوَالَكُمْ، أَمَا وَاَللَّهِ لَوْ أَمْسَكْتُمْ عَنْهُمْ مَا بِأَيْدِيكُمْ لَتَحَوَّلُوا إلَى غَيْرِ دَارِكُمْ. فَسَمِعَ ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، فَمَشَى بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَذَلِكَ عِنْدَ فَرَاغِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَدُوِّهِ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، وَعِنْدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: مُرْ بِهِ عَبَّادَ بْنِ بِشْرٍ فَلْيَقْتُلْهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَكَيْفَ يَا عُمَرُ إذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ! لَا وَلَكِنْ أَذَّنَ بِالرَّحِيلِ، وَذَلِكَ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْتَحِلُ فِيهَا، فَارْتَحَلَ النَّاسُ.

(اعْتِذَارُ ابْنِ أُبَيٍّ لِلرَّسُولِ):
وَقَدْ مَشَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قَدْ بَلَّغَهُ مَا سَمِعَ مِنْهُ، فَحَلَفَ باللَّه: مَا قُلْتُ مَا قَالَ، وَلَا تَكَلَّمْتُ بِهِ. - وَكَانَ فِي قَوْمِهِ شَرِيفًا عَظِيمًا-، فَقَالَ مَنْ حَضَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَسَى أَنْ يَكُونَ الْغُلَامُ قَدْ أَوْهَمَ فِي حَدِيثِهِ، وَلَمْ يَحْفَظْ مَا قَالَ الرَّجُلُ، حَدَبًا عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ بن سَلُولَ، وَدَفْعًا عَنْهُ.

(الرَّسُولُ وَأُسَيْدٌ وَمَقَالَةُ ابْنِ أُبَيٍّ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا اسْتَقَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَارَ، لَقِيَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فَحَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ النُّبُوَّةِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَاَللَّهِ لَقَدْ رُحْتَ فِي سَاعَةٍ مُنْكَرَةٍ، مَا كُنْتَ تَرُوحُ فِي مِثْلِهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ

-------------------------
[()] الْجلد دون الْعشْر لنَهْيه عليه السلام أَن يجلد أحد قومه الْعشْرَة إِلَّا فِي حد. وَالْقَوْل الثَّالِث: اجْتِهَاد الإِمَام فِي ذَلِك على حسب مَا يرَاهُ من سد الذريعة وإغلاق بَاب الشَّرّ، إِمَّا بالوعيد، وَإِمَّا بالسجن، وَإِمَّا بِالْجلدِ» .
[١] جلابيب قُرَيْش: لقب من كَانَ أسلم من الْمُهَاجِرين، لقبهم بذلك الْمُشْركُونَ. وأصل الجلابيب:
الأزر الْغِلَاظ، كَانُوا يلتحمون بهَا، فلقبوهم بذلك.



ﷺ: أَوْ مَا بَلَغَكَ مَا قَالَ صَاحِبُكُمْ؟ قَالَ: وَأَيُّ صَاحِبٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، قَالَ: وَمَا قَالَ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّهُ إنْ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، قَالَ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاَللَّهِ تُخْرِجُهُ مِنْهَا إنْ شِئْتُ. هُوَ وَاَللَّهِ الذَّلِيلُ وَأَنْتَ الْعَزِيزُ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ارْفُقْ بِهِ، فو الله لَقَدْ جَاءَنَا اللَّهُ بِكَ، وَإِنَّ قَوْمَهُ لَيَنْظِمُونَ لَهُ الْخَرَزَ لِيُتَوِّجُوهُ، فَإِنَّهُ لَيَرَى أَنَّكَ قَدْ اسْتَلَبْتَهُ مُلْكًا.

(سَيْرُ الرَّسُولِ بِالنَّاسِ لِيُشْغِلَهُمْ عَنْ الْفِتْنَةِ):
ثُمَّ مَشَى [١] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى أَمْسَى، وَلَيْلَتَهُمْ حَتَّى أَصْبَحَ، وَصَدْرَ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ حَتَّى آذَتْهُمْ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَزَلَ بِالنَّاسِ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ وَجَدُوا مَسَّ الْأَرْضِ فَوَقَعُوا نِيَامًا، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيَشْغَلَ النَّاسَ عَنْ الْحَدِيثِ الَّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ. مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أُبَيٍّ.

(تَنَبُّؤُ الرَّسُولِ بِمَوْتِ رِفَاعَةَ):
ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ، وَسَلَكَ الْحِجَازَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى مَاءٍ بِالْحِجَازِ فُوَيْقَ النَّقِيعِ، يُقَالُ لَهُ: بَقْعَاءُ. فَلَمَّا رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَبَّتْ عَلَى النَّاسِ رِيحٌ شَدِيدَةٌ آذَتْهُمْ وَتَخَوَّفُوهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَخَافُوهَا، فَإِنَّمَا هَبَّتْ لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ الْكُفَّارِ. فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ وَجَدُوا رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ، أَحَدَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَكَانَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاءِ يَهُودَ، وَكَهْفًا لِلْمُنَافِقِينَ، مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.

(مَا نَزَلَ فِي ابْنِ أُبَيٍّ مِنْ الْقُرْآنِ):
وَنَزَلَتْ السُّورَةُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ فِيهَا الْمُنَافِقِينَ فِي ابْنِ أُبَيٍّ وَمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ أَمْرِهِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأُذُنِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا الَّذِي أَوْفَى اللَّهُ بِأُذُنِهِ. وَبَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِ أَبِيهِ.

(طَلَبُ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ أَنْ يَتَوَلَّى هُوَ قَتْلَ أَبِيهِ وَعَفْوَ الرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ

---------------------------
[١] فِي أ: «متن» يعْنى أَنه سَار بهم حَتَّى أَضْعَف إبلهم، يُقَال: متن بِالْإِبِلِ، إِذا أتعبها حَتَّى تضعف.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,423.22 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,421.54 كيلو بايت... تم توفير 1.68 كيلو بايت...بمعدل (0.12%)]