المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         تفاهم | الدكتور عبد الرحمن منصور (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 17 - عددالزوار : 970 )           »          طريقة إلغاء «قفل» هاتف الآيفون عند نسيان كلمة السر.. خطوات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 61 )           »          ميزات جديدة بتطبيق ترجمة جوجل تسهل استخدامه وتدرب على اللغة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 79 )           »          تحديث جديد لخرائط جوجل يضيف القدرة على تخصيص أماكنك المفضلة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 87 )           »          آبل تتخلى عن تطبيق الفيديو القصير الخاص بها "clips".. تفاصيل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 78 )           »          واتساب يختبر ميزة جديدة لربط الحسابات الشخصية بفيسبوك مباشرةً (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 83 )           »          استطلاع رأى يكشف تفوق iPhone Air.. احتل المرتبة الثانية بين هواتف آيفون الأكثر تفضيلا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 88 )           »          تعرف على ميزة تعطيل إشعارات الويب التى لا تهمك من كروم تلقائيًا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 93 )           »          يوتيوب يسمح لمنشئى المحتوى المحظورين إنشاء قنوات جديدة بعد عام من الإغلاق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 90 )           »          برنامج Copilot يمكنه إنشاء مستندات Office والاتصال بـ Gmail (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 116 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 25-12-2025, 05:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,994
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الرابع والعشرون

صـــ72 الى صـــ 81
(490)





( قال رحمه الله ) وإذا بعث الخليفة عاملا على كورة ، فقال لرجل لتقتلن هذا الرجل عمدا بالسيف ، أو لأقتلنك ، فقتله المأمور ، فالقود على الآمر المكره في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، ولا قود على المكره ، وقال زفر رحمه الله القود على المكره دون المكره ، وقال الشافعي رحمه الله يجب القود على المكره قولا واحدا ، وله في إيجاب القود على المكره قولان .

، وقال أهل المدينة رحمهم الله عليهما القود ، وزادوا على هذا ، فأوجبوا القود على الممسك حتى إذا أمسك رجلا ، فقتله عدوه قالوا يجب القود على الممسك ، وقال أبو يوسف أستحسن أن لا يجب القود على واحد منهما ، ولكن تجب الدية على المكره في ماله في ثلاث سنين أما زفر رحمه الله ، فاستدل بقوله تعالى { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } ، والمراد سلطان استيفاء القود من القاتل والقاتل هو المكره حقيقة ، والمعنى فيه أن من قتل من يكافئه لإحياء نفسه يعتمد بحق مضمون ، فيلزمه القود كما لو أصابته مخمصة ، فقتل إنسانا ، وأكل من لحمه ، والدليل على أن القاتل هو المكره أن القتل فعل محسوس ، وهو يتحقق من المكره ، والطائع بصفة واحدة فيعرف به أنه قاتل حقيقة ، ومن حيث الحكم أنه يأثم إثم القتل ، وإثم القتل على من [ ص: 73 ] باشر القتل ، والدليل عليه أن المقصود بالقتل إذا قدر على قتل المكره كان له أن يقتله كما لو كان طائعا ، وبه نعلل .

، فنقول : كل حكم يتعلق بالقتل ، فإنه لا يسقط عن المكره بالإكراه كالإثم ، والتفسيق ، ورد الشهادة ، وإباحة قتله للمقصود بالقتل بل أولى ; لأن تأثير الضرورة في إسقاط الإثم دون الحكم حتى إن من أصابته مخمصة يباح له تناول مال الغير ، ويكون ضامنا ، ثم هنا لا يسقط إثم الفعل عن المكره ، فلأن لا يسقط عنه حكم القتل أولى ، ولما جعل هذا نظير الإكراه بالحبس في إثم الفعل ، فكذلك في حكمه ، ولا يقال : إنما يأثم إثم سوء الاختيار ، أو إثم جعل المخلوق في معصية الخالق ; لأنه مكره على هذا كله كما هو مكره على القتل .

والشافعي يستدل بهذا أيضا إلا أنه يوجب القود على المكره أيضا للسبب القوي ; لأن القصد إلى القتل بهذا الطريق ظاهر من المتخيرين ، والقصاص مشروع بطريق الزجر ، فيقام السبب القوي مقام المباشرة في حق المكره لتغليظ أمر الدم ، وتحقيق معنى الزجر كما قال في شهود القصاص يلزمهم القود قال ، وعلى أصلكم حد قطاع الطريق يجب على الردى بالسبب القوي ، والدليل عليه أن الجماعة يقتلون بالواحد قصاصا لتحقيق معنى الزجر ، ومن أوجب القود على الممسك يستدل بها أيضا ، فنقول الممسك قاصد إلى قتله مسبب له ، فإذا كان التسبيب يقام مقام المباشرة في أخذ بدل الدم ، وهو الدية يعني حافر البئر في الطريق ، فكذلك في حكم القصاص إلا أن المتسبب إذا قصد شخصا بعينه يكون عامدا ، فيلزمه القود ، وإذا لم يقصد بتسببه شخصا بعينه ، فهو بمنزلة المخطئ ، فتلزمه الدية وللشافعي رحمه الله طريق آخر أن المكره مع المكره بمنزلة الشريكين في القتل ; لأن القصد وجد من المكره ، وما هو المقصود به ، وهو الانتقام يحصل له ، والمباشرة وجدت من المكره ، فكانا بمنزلة الشريكين ، ثم وجب القود على أحدهما ، وهو المكره فكذلك على الآخر ، والدليل على أنهما كشريكين أنهما مشتركان في إثم الفعل ، وأن المقصود بالقتل أن يقتلهما جميعا .

، وحجة أبي حنيفة ومحمد أن المكره ملجأ إلى هذا الفعل ، والإلجاء بأبلغ الجهات يجعل الملجأ آلة للملجئ ، فلا يصلح أن يكون آلة له كما في إتلاف المال ، فإن الضمان يجب على المكره ، ويصير المكره آلة له حتى لا يكون عليه شيء من حكم الإتلاف ، ومعلوم أن المباشر ، والمتسبب إذا اجتمعا في الإتلاف ، فالضمان على المباشر دون المتسبب ، ولما وجب ضمان المال على المكره علم أن الإتلاف منسوب إلى المكره ، ولا طريق للنسبة إليه سوى جعل المكره آلة للمكره ، فكذلك في القتل ; لأن المكره يصلح أن يكون آلة للمكره فيه بأن يأخذ بيده [ ص: 74 ] مع السكين ، فيقتل به غيره ، وتفسير الإلجاء أنه صار محمولا على ذلك الفعل بالتهديد بالقتل ، فالإنسان مجبول على حب الحياة ، ولا يتوصل إلى ذلك إلا بالإقدام على القتل ، فيفسد اختياره بهذا الطريق ، ثم يصير محمولا على هذا الفعل ، وإذا فسد اختياره التحق بالآلة التي لا اختيار لها ، فيكون الفعل منسوبا إلى من فسد اختياره ، وحمله على هذا الفعل لا على الآلة ، فلا يكون على المكره شيء من حكم القتل من قصاص ، ولا دية ، ولا كفارة .

( ألا ترى ) أن شيئا من المقصود لا يحصل للمكره ، فلعل المقتول من أخص أصدقائه ، فعرفنا أنه بمنزلة الآلة ، فأما الإثم ، فبقاء الإثم عليه لا يدل على بقاء الحكم كما إذا قال لغيره : اقطع يدي ، فقطعها كان آثما ، ولا شيء عليه من حكم القطع بل في الحكم يجعل كأن الآمر فعله بنفسه ، وقد بينا أنه مع ، فساد الاختيار يبقى مخاطبا ، فلبقائه مخاطبا كان عليه إثم القتل ، ولفساد اختياره لم يكن عليه شيء من حكم القتل ، ثم حقيقة المعنى في العذر عن فعل الإثم من وجهين : أحدهما أن تأثير الإلجاء في تبديل النسبة لا في تبديل محل الجناية ، ولو جعلنا المكره هو الفاعل في حكم الضمان لم يتبدل به محل الجناية ، ولو أخر جناية المكره من أن يكون فاعلا في حق الآثم تبدل به محل الجناية ; لأن الآثم من حيث إنه جناية على حد الدين ، وإذا جعلنا المكره في هذا آلة كانت الجناية على حد دين المكره دون المكره ، وإذا قلنا : المكره آثم ، ويكون الفعل منسوبا إليه في حق الآثم كانت جناية على دينه بارتكاب ما هو حرام محض ، وبسبب الإكراه لا يتبدل محل الجناية ، فأما في حق الضمان فمحل الجناية نفس المقتول سواء كان الفعل منسوبا إلى المكره ، أو إلى المكره ، وبهذا تبين أن في حق الإثم لا يصلح أن يكون آلة ; لأن الإنسان في الجناية على حد دين نفسه لا يصلح أن يكون آلة لغيره ، والثاني - أنا لو جعلنا المكره آلة في حق الإثم كان ذلك إهدارا ، وليس تأثير الإلجاء في الإهدار .

( ألا ترى ) أن في المال لا يجعل فعل المكره كفعل بهيمة ليس لها اختيار صحيح ، والمكره آثم بإكراهه ، فإذا لم يجعل المكره آثما كان هذا إهدارا للآثم في حقه أصلا ، ولا تأثير للإلجاء في ذلك بخلاف حكم الفعل ، فإنه إذا جعل المكره آلة فيه كان المكره مؤاخذا به إلا أن يكون هدرا ، ولا يقال : الحربي إذا أكره مسلما على قتل مسلم ، فإن الفعل يصير منسوبا إلى المكره عندكم ، وفي هذا إهدار ; لأنه ليس على المكره شيء من الضمان ، وهذا ; لأنه ليس بإهدار بل هو بمنزلة ما لو باشر الحربي قتله فيكون المقتول شهيدا ، ولا يكون قتل الحربي إياه هدرا ، وإن كان لا يؤاخذ بشيء من الضمان إذا أسلم ، وبه ، فارق المضطر ; لأنه غير ملجأ إلى ذلك الفعل من جهة غيره ليصير [ ص: 75 ] هو آلة للملجئ .

( ألا ترى ) أن في المال الضمان ، واجب عليه ، فعرفنا به أن حكم الفعل مقصور عليه ، والدليل على أن الفاعل هو المكره أن القصاص يلزمه عند الشافعي رحمه الله ، والقصاص عقوبة تندرئ بالشبهات ، فيعتمد المساواة حتى أن بدون المساواة لا يجب القصاص كما بين المسلم ، والمستأمن ، وكما في كسر العظام ، ولا مساواة بين المباشرة ، والتسبب ، ولا طريق لجعل المكره شريكا إلا بنسبة بعض الفعل إليه ، وإذا كان للإلجاء تأثير في نسبة بعض الفعل إلى الملجئ ، فكذلك في نسبة جميع الفعل إليه ، ولا معنى لإيجاب القود على الممسك ; لأن القصاص جزاء مباشرة الفعل ، فإنه عقوبة تندرئ بالشبهات ، وفي التسبب نقصان ، فيجوز أن يثبت به ما يثبت مع الشبهات ، وهو المال ، ولا يجوز أن يثبت ما يندرئ بالشبهات بخلاف حد قطاع الطريق ، فإن ذلك جزاء المحاربة ، والردء مباشر للمحاربة كالقاتل ، وقد بينا هذا في السرقة ، والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام { يصبر الصابر ، ويقتل القاتل } أي يحبس الممسك ، ويقتل القاتل .

فأما أبو يوسف رحمه الله ، فقال أستحسن أن لا يجب القود على واحد منهما ; لأن بقاء الإثم في حق المكره دليل على أن الفعل كله لم يصر منسوبا إلى المكره ، والقصاص لا يجب إلا بمباشرة تامة ، وقد انعدم ذلك من المكره حقيقة ، وحكما ، فلا يلزمه القود ، وإن كان هو المؤاخذ بحكم القتل فيما يثبت مع الشبهات ، والدليل عليه أن وجوب القصاص يعتمد المساواة ، ولا مساواة بين المباشرة ، والإكراه ، فلا يمكن إيجاب القود على المكره إلا بطريق المساواة ، ولكنا نقول : المكره مباشر شرعا بدليل أن سائر الأحكام سوى القصاص نحو حرمان الميراث ، والكفارة في الموضع الذي يجب ، والدية يختص بها المكره فكذلك القود ، والأصل فيه قوله تعالى { يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم } ، فقد نسب الله الفعل إلى المعين ، وهو ما كان يباشر صورة ، ولكنه كان مطاعا فأمر به ، وأمره إكراه إذا عرفنا هذا ، فنقول : سواء كان المكره بالغا عاقلا ، أو كان معتوها ، أو غلاما غير يافع فالقود على المكره ; لأن المكره صار كالآلة ، والبلوغ .

والعقل لا معتبر به في حق الآلة ، وإنما المعتبر تحقق الإلجاء لخوف التلف على نفسه ، وكذلك حكم حرمان الميراث ، فإنه يثبت في حق المكره دون المكره ، وإن كان الآمر غير بالغ ، ولكنه مطاع بتحقق الإكراه منه ، أو كان رجلا مختلط العقل ، ولكن يتحقق الإكراه منه ، فإن الفعل يصير منسوبا إليه ، وذلك يكون بمنزلة جنايته بيده في أحكام القتل ، واستدل بقول الحسن البصري رحمه الله في أربعة شهدوا على رجل بالزنا ، ورجمه الناس فقتلوه ، ثم رجع بعض الشهود - إن على الراجع [ ص: 76 ] القتل ، وهذا شيء لا يؤاخذ به ، ولكن قصد بهذا الاستشهاد دفع النسبة عمن تمسك بالصورة ، ويقول كيف أوجبتم القتل على المكره ، ولم يباشر القتل حسا ؟ واستدل عليه بقول أهل المدينة في الممسك : ويقتل الردء في قطع الطريق ، وإن لم يباشروا قتل أحد حسا ، وكذلك لو قال العامل له لتقطعن يده ، أو لأقتلنك لم ينبغ له أن يفعل ذلك ; لأن لأطراف المؤمن من الحرمة مثل ما لنفسه .

( ألا ترى ) أن المضطر لا يحل له أن يقطع طرف الغير ليأكله كما لا يحل له أن يقتله ، وكذلك لو أمره بقطع أصبع أو نحوه ، فإن حرمة هذا الجزء بمنزلة حرمة النفس ، فإن القتل من المظالم ، والمكره مظلوم ، فليس له أن يظلم أحدا ، ولو ظلم ، وإن أقدم على القتل ، فليس عليه إلا الإثم ، فأما الفعل في حق الحكم ، فقد صار منسوبا إلى المكره لوجود الإلجاء بالتهديد بالقتل ، وإن رأى الخليفة أن يعزر المكره ، ويحبسه ، فعل لإقدامه على ما لا يحل له الإقدام عليه ، وإن أمره أن يضربه سوطا واحدا ، أو أمره أن يحلق رأسه ، أو لحيته ، أو أن يحبسه ، أو أن يقيده ، وهدده على ذلك بالقتل رجوت أن لا يكون آثما في فعله ، ولا في تركه أما في تركه ، فلأنه من المظالم ، والكف عن المظالم ، هو العزيمة ، والمتمسك بالعزيمة لا يكون آثما ، وأما إذا قدم عليه ، فلأنه يدفع القتل عن نفسه بهم ، وحزن يدخل على غيره ، فإن بالحبس ، والقيد ، وبحلق اللحية ، وضرب سوط يدخله هم ، وحزن ، ولا يخاف على نفسه ، ولا على شيء من أعضائه ، ولدفع الهلاك عن نفسه قد رخص له الشرع في إدخال الهم ، والحزن على غيره .

( ألا ترى ) أن المضطر يأخذ طعام الغير بغير رضاه ، ولا شك أن صاحب الطعام يلحقه حزن بذلك إلا أنه علق الجواب بالإلجاء ; لأنه لم يجد في هذا بعينه نصا ، والفتوى بالرخصة فيما هو من مظالم العباد بالرأي لا يجوز مطلقا ، فلهذا قال رجوت ، وإن كان يهدده على ذلك بحبس ، أو قيد ، أو ضرب سوط ، أو حلق رأسه ، ولحيته لم ينبغ له أن يقدم على شيء من الظلم قل ذلك ، أو كثر ; لأن الرخصة عند تحقق الضرورة ، وذلك إذا خاف التلف على نفسه ، وهو بما هدده هنا لا يخاف التلف على نفسه . .

ولو أكرهه بالحبس على أن يقتل رجلا ، فقتله كان القود فيه على القاتل ; لأن بالتهديد بالحبس لا يتحقق الإلجاء ، ولهذا كان الضمان في المال عند الإكراه بالحبس على المكره دون المكره ، ولو أمره بقتله ، ولم يكرهه على ذلك إلا أنه يخاف إن لم يفعل أن يقتله ، ففعل ما أمره به كان ذلك بمنزلة الإكراه ; لأن الإلجاء باعتبار خوفه التلف على نفسه أن لو امتنع من الإقدام على الفعل ، وقد تحقق ذلك هنا ، ومن عادة المتجبرين الترفع عن التهديد بالقتل ، ولكنهم يأمرون [ ص: 77 ] ثم لا يعاقبون من خالف أمرهم إلا بالقتل ، فباعتبار هذه العادة كان الأمر من مثله بمنزلة التهديد بالقتل .
ولو أكرهه بوعيد تلف حتى يفتري على مسلم رجوت أن يكون في سعة منه .

( ألا ترى ) أنه لو أكرهه بذلك على الكفر بالله تعالى كان في سعة من إجراء كلمة الكفر على اللسان مع طمأنينة القلب بالإيمان ، فكذلك إذا أكرهه بالافتراء على مسلم ; لأن الافتراء على الله تعالى ، والشتم له يكون أعظم من شتم المخلوق إلا أنه علقه بالرجاء ; لأن هذا من مظالم العباد ، وليس هذا في معنى الافتراء على الله تعالى من كل وجه ، فإن الله تعالى مطلع على ما في ضميره ، ولا اطلاع للمقذوف على ما في ضميره ، ولأن الله تعالى يتعالى أن يدخله نقصان بافتراء المفترين ، وفي الافتراء على هذا المسلم هتك عرضه ، وذلك ينقص من جاهه ، ويلحق الحزن به ، فلهذا علق الجواب بالرجاء .

قال ( ألا ترى ) أنه لو أكرهه على شتم محمد صلى الله عليه وسلم بقتل كان في سعة إن شاء الله ، فهذا أعظم من قذف امرئ مسلم ، ولو تهدده بقتل حتى يشتم محمدا صلى الله عليه وسلم أو يقذف مسلما ، فلم يفعل حتى قتل كان ذلك أفضل له لما بينا أن في الامتناع تمسك بما هو العزيمة ، ولما { امتنع خبيب رضي الله عنه حتى قتل سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الشهداء . } .

ولو تهدده بقتل حتى يشرب الخمر ، فلم يفعل حتى قتل خفت أن يكون آثما ، وقد بينا هذا الفصل إلا أنه ذكره هنا بلفظ يستدل به على أنه كان من مذهبه أن الأصل في الأشياء الإباحة ، وأن الحرمة بالنهي عنها شرعا ، فإنه قال ; لأن شرب الخمر ، وأكل الميتة لم يحرم إلا بالنهي عنهما ، وبين أهل الأصول في هذا كلام ليس هذا موضع بيانه . .
ولو أكرهه بوعيد تلف على أن يأخذ مال فلان ، فيدفعه إليه رجوت أن يكون في سعة من أخذه ، ودفعه إليه ; لأنه بمنزلة المضطر ، وقد بينا أنه يباح للمضطر أخذ مال الغير ليدفع به الضرورة عن نفسه ، ولكنه علق الجواب بالرجاء ; لأن هذا ليس في معنى المضطر من وجه فالعذر هناك ، وهو الجوع ما كان بصنع مضاف إلى العباد ، والخوف هنا باعتبار صنع مضاف إلى العبد ، وبينهما ، فرق .

( ألا ترى ) أن المقيد إذا صلى قاعدا يلزمه الإعادة إذا أطلق عنه القيد بخلاف المريض قال : والضمان فيه على الآمر ; لأن الإلجاء قد تحقق فيصير الأخذ ، والدفع كله منسوبا إلى الآمر ، والمكره بمنزلة الآلة له ، وإنما يسعه هذا ما دام حاضرا عند الآمر ، فإن كان أرسله ليفعل ، فخاف أن يقتله إن ظفر به ، ولم يقل إن لم يفعل ما هدد به لم يحل الإقدام على ذلك ; لأن الإلجاء إنما يتحقق ما دام في يد المكره بحيث يقدر على إيقاع [ ص: 78 ] ما هدده به عاجلا ، وقد انعدم ذلك حين بعد عنه ، ولا يدري أيقدر عليه بعد ذلك ، أو لا يقدر ؟ ، وبهذا الفصل تبين أنه لا عذر لأعوان الظلمة في أخذ الأموال من الناس ، فإن الظالم يبعث عاملا إلى موضع ليأخذ مالا ، فيتعلل العامل بأمره ، وإنه يخاف العقوبة من جهته إن لم يفعل ، وليس ذلك بعذر له إلا أن يكون بمحضر من الآمر ، فأما بعد ما بعد من الظالم ، فلا إلا أن يكون رسول الآمر معه على أن يرده عليه إن لم يفعل ، فيكون هذا بمنزلة الذي كان حاضرا عنده ; لأن كونه تحت يد رسوله ككونه في يده ، ويتمكن الرسول من رده إليه ليعاقبه بتحقق الإلجاء ، ولو لم يفعل ذلك حتى قتله كان في سعة إن شاء الله ; لأنه تحرز عما هو من مظالم العباد ، وذلك عزيمة .

( ألا ترى ) أن للمضطر أن يأخذ طعام صاحبه بقدر ما تندفع عنه الضرورة به ، ولو لم يأخذه حتى تلف لم يكن مؤاخذا به ، فهذا مثله ، ولو كان المكره هدده بالحبس ، أو القيد لم يسعه الإقدام على ذلك لأن الإلجاء والضرورة بهذا التهديد لا يتحقق .

ولو أكره رجلا على قتل أبيه ، أو أخيه بوعيد قتل ، فقتله ، فقد بينا حكم المسألة أن الفعل يصير منسوبا إلى المكره فيما هو من أحكام القتل ، فكأنه هو المباشر بيده ، وعلى هذا الحرف ينبني ما بعده من المسائل حتى قالوا : لو أن لصين أكرها رجلا بوعيد تلف على أن يقطع يد رجل عمدا كان ذلك كقطعهما بأيديهما ، فعليهما أرش اليد في مالهما في سنتين ، ولا قود عليهما ; لأن اليدين لا يقطعان بيد ، واحدة ، وإن مات فيهما ، فعلى المكرهين القود ; لأن القطع إذا اتصلت به السراية كان قتلا من أصله ، ولو باشرا قتله لزمهما القود ، ولو كان الآمر واحدا ، والمأمور اثنين كان على الآمر القصاص في اليد إن عاش ، وفي البدن إن مات من ذلك ; لأن الفعل منسوب إلى المكره ، وهو واحد لو باشر قطع يده ، أو قتله يجب القود عليه ، فكذلك إذا أكرهه على ذلك رجلان ، والله أعلم بالصواب .


( قال رحمه الله ) ولو أن لصا أكره رجلا بوعيد تلف حتى أعطى رجلا ماله ، وأكره الآخر بمثل ذلك حتى قبضه منه ، ودفعه ، فهلك المال عنده ، فالضمان على الذي أكرههما دون القابض ; لأن الدافع والقابض كل واحد منهما ملجأ من جهة المكره ، فيصير الفعل في الدفع ، والقبض منسوبا إلى المكره ، والقابض مكره على قبضه بوعيد تلف ، فلا يبقى في جانبه فعل موجب للضمان عليه ، ولأنه قبضه ليرده على صاحبه إذا تمكن منه ، ومثل هذا القبض لا يوجب [ ص: 79 ] الضمان على القابض ، وإن كان قبضه بغير أمر صاحبه كمن أخذ آبقا ، أو ، وجد لقطة ، وأشهد أنه أخذه ليرده على صاحبه لم يكن عليه ضمان إن هلك عنده ، وكذلك لو كان أكره القابض على قبضه ليدفعه إلى الذي أكرهه فقبضه ، وضاع عنده قبل أن يدفعه إليه ، فلا ضمان على القابض إذا حلف بالله ما أخذه إلا ليدفعه إليه طائعا ، وما أخذه إلا ليرده على صاحبه إلا أن يكره على دفعه ; لأن الظاهر يشهد له في ذلك ، فإن فعل المسلم محمول على ما يحل ، ويحل له الأخذ مكرها على قصد الرد على صاحبه ، ولا يحل له الأخذ على قصد الدفع إلى المكره طائعا ، ودينه ، وعقله يدعوانه إلى ما يحل دون ما لا يحل إلا أن في اللقطة لا يقبل قوله على هذا إذا لم يشهد في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ; لأنه متمكن من الإشهاد على ذلك ، وهنا هو غير متمكن من الإشهاد على ما في ضميره من قصد الرد على المالك ; لأنه إن أظهر ذلك عاقبه المكره ، فلهذا قبلنا قوله في ذلك مع اليمين .
ولو كان أكره صاحب المال على أن يهبه لصاحبه ، وأكره الآخر على أن يقبل الهبة منه ، ويقبضها بوعيد تلف ، فقبضها ، فضاعت عنده ، فإن قال القابض : أخذتها على أن تكون في يدي مثل الوديعة حتى أردها على صاحبها ، فالقول قوله مع يمينه ; لأن الإكراه شاهد له على أنه غير راغب في تمليكها ، فيكون الضمان على المكره خاصة ، وإن قال أخذتها على وجه الهبة لتسلم لي كان لرب المال أن يضمنه إن شاء ، وإن شاء المكره ; لأن الموهوب له قبض مال الغير على وجه التملك بغير رضا صاحبه ، وهو طائع في ذلك القبض على هذا القصد ، فيكون ضامنا للمال ، وأما المكره ، فلأن الدافع ملجأ من جهته ، فيجعل كأنه قبضه بنفسه ، ودفعه إليه ، فإن ضمن المكره - رجع على الموهوب له ; لأنه قائم مقام من ضمنه ; لأن المكره ما قصد مباشرة الهبة من جهته ، فلا يمكن تنفيذ الهبة من جهته بملكه إياه ، وفي الأصل أشار إلى حرف آخر ، فقال ; لأنه إنما ضمن المال بقبض الموهوب له ، وقد كانت الهبة قبل القبض ، فلا يجعل الذي أكرههما بمنزلة الواهب ، وما قلناه أوضح ; لأنا إذا جعلنا القابض مكرها ، وكان المكره ضامنا باعتبار نسبة القبض إليه لا يبقى في جانب القابض سبب موجب للضمان عليه ، والدليل عليه أنه قال : فإن ضمن الموهوب له لم يكن على الذي أكرهه شيء ; لأنه أخذه على أنه له .

ولو كان القبض منسوبا إلى المكره كان للقابض أن يرجع على المكره بما يلحقه من الضمان بسببه ، فإن كان الموهوب له بحيث يتمكن من الإشهاد عند الهبة أن يقبضه للرد ، فلم يفعل كان ضامنا بترك الإشهاد ; لأن القبض بحكم الهبة عمل منه لنفسه ، فلا يقبل قوله بخلاف ما صرح به إلا عند [ ص: 80 ] الضرورة ، وهو ما إذا لم يكن متمكنا من الإشهاد ; لأنا رأينا أن في موضع الضرورة يجعل القول قوله فيما في ضميره كالمكره على الكفر إذا قال بعد ما تكلم بالكفر كنت مطمئن القلب بالإيمان قبل قوله ، ولم تبن منه امرأته ، فأما عند تمكنه من الإشهاد بلا ضرورة ، فلا يقبل قوله بمنزلة من وجد عبدا آبقا لرجل في يد غيره ، فلم يقدر على استرداده منه إلا بشراء ، أو هبة فطلب ذلك منه حتى ، وهب له ، أو اشتراه كان ضامنا له إلا أن يشهد عند ذلك أنه يأخذه ليرده على مولاه ، فإذا أشهد لم يضمن ، وكذلك إن لم يكن متمكنا من الإشهاد يقبل قوله في ذلك .

ولو أكرهه على بيع عبده ، وأكره المشتري على شرائه ، وأكرههما على التقابض ، فهلك الثمن ، والعبد ، ثم اختصموا ، فضمان العبد للبائع ، وضمان الثمن للمشتري على الذي أكرههما ; لأن كل ، واحد منهما ملجأ على دفع ماله إلى الآخر من جهته ، فإن أراد أحدهما أن يضمن صاحبه سئل كل واحد منهما عما قبضه على وجه قبضه ، فإن قال : قبضته على البيع الذي أكرهنا عليه ليكون لي ، وقالا ذلك جميعا فالبيع جائز ، ولا ضمان على المكره فيه ; لأن قبض كل ، واحد منهما على هذا القصد دليل الرضا منه بالبيع ، ودليل الرضا كصريح الرضا .

( ألا ترى ) أنهما لو أكرها على البيع ، ثم تقابضا بغير إكراه تم البيع بينهما ، فكذلك إذا أقر كل واحد منهما أنه قبضه على وجه التملك ، وإن قال قبضته مكرها لأرده على صاحبه ، وآخذ منه ما أعطيت ، وحلف كل ، واحد منهما لصاحبه على ذلك لم يكن لواحد منهما على صاحبه ضمان ; لأن الإكراه دليل ظاهر لكل واحد منهما على ما يخبر به عن ضميره إلا أن صاحبه يدعي عليه ما لو أقر به لزمه الضمان ، فإذا أنكر يحلف على ذلك فإن حلف أحدهما ، وأبى الآخران يحلف لم يضمن الذي حلف ; لأن بيمينه قد انتفى عنه بسبب الضمان إلا أن يثبته صاحبه بالحجة ، ويضمن الذي لم يحلف ما قبض ; لأن نكوله كإقراره ، وذلك يثبت عليه سبب الضمان عند قضاء القاضي ، فإن كان الذي أبى اليمين هو الذي قبض العبد ضمن البائع قيمة العبد أيهما شاء ; لأن فعله بالدفع صار منسوبا إلى المكره ، والقابض كان طائعا حين قبضه لنفسه على وجه التملك ، فإن ضمنها المكره رجع بها على المشتري ; لأنه ملك بالضمان ، وما قصد تنفيذ البيع من جهته ، ولأنه إنما ضمنها بالإكراه على القبض ، وقد كان البيع قبل ذلك ، فلا يكون بمنزلة البائع .

وقد بينا أن الوجه الأول أصح ، وإن ضمنها المشتري لم يرجع بها على المكره ; لأنه أقر أنه لم يقبضه على وجه الإكراه ، وإنما قبضه على وجه الشراء ، ولم يرجع على البائع بالثمن أيضا ; لأن البائع قد حلف أنه قبض الثمن للرد [ ص: 81 ] عليه ، وقد هلك في يده ، فلا يضمن له شيئا من ذلك ، ولا يرجع بالثمن على المكره أيضا ; لأنه أقر أنه دفع الثمن طوعا ، وأنه كان راضيا بالبيع ، وإن كان المشتري حلف ، وأبى البائع اليمين ، فلا ضمان في العبد على من أخذه ، وأما الثمن ، فإن شاء المشتري ضمنه المكره ، وإن شاء ضمنه البائع ; لأن البائع بنكوله أقر أنه قبض الثمن لنفسه طائعا ، وفعل الدافع منسوب إلى المكره للإلجاء ، فإن ضمن البائع لم يرجع به على المكره ; لأنه ضمن بفعل كان عاملا فيه لنفسه طائعا ، وإن ضمنه المكره رجع به على البائع ; لأنه قام مقام من ضمنه ، ولأنه ملكه بالضمان ، والقابض كان طائعا في قبضه لنفسه ، فيضمن له ذلك .

ولو أكرههما على البيع ، والشراء ، ولم يذكر لهما قبضا ، فلما تبايعا لم يتقابضا حتى فارقا الذي أكرههما ، ثم تقابضا على ذلك البيع ، فهذا رضا منهما بالبيع ، وإجازة له ; لأن البيع مع الإكراه كان منعقدا ، ولم يكن نافذا جائزا لانعدام الرضا منهما ، فإذا وجد دليل الرضا نزل ذلك منزلة التصريح بالرضا بالإجازة طوعا ، وقد بينا الفرق بين الهبة ، وبين البيع ; لأن الإكراه على البيع لا يكون إكراها على التسليم ، والإكراه على الهبة يكون إكراها على التسليم ، ولو كان الإكراه في الوجه الأول على البيع ، والقبض بغير تلف بل بحبس ، أو قيد ، وتقابضا على ذلك مكرهين لم يجز البيع ; لأن نفوذ البيع يعتمد تمام الرضا ، وبالتهديد بالحبس ينعدم تمام الرضا ، فإن ضاع ذلك عندهما ، فلا ضمان لواحد منهما على المكره ; لأن فعلهما لم يصر منسوبا إلى المكره ، فإن نسبة الفعل إليه بالإلجاء ، والتهديد بالحبس لا يتحقق الإلجاء ، ولكن كل واحد منهما ضامن لما قبض من مال صاحبه ; لأنه قبضه بحكم عقد ، فاسد ، وفعل كل واحد منهما في القبض مقصور عليه ، وقد قبضه بغير رضا صاحبه ، ولو قبضه بحكم العقد الفاسد برضا صاحبه كان مضمونا عليه فهنا أولى أن يكون مضمونا عليه . .
ولو أكرهه بالحبس على أن يودع ماله هذا الرجل ، وأكره الآخر بالحبس على قبوله ، وديعة ، فقبله ، وضاع عنده فلا ضمان على المكره ، ولا على القابض أما على المكره ، فلانعدام الإلجاء من جهته ، وأما على القابض ، فلأنه ما قبض لنفسه ، وإنما قبضه ليحفظه وديعة ، ويرده على صاحبه إذا تمكن منه ، ومثل هذا القبض لا يكون موجبا للضمان عليه ، وإن انعدم الرضا من صاحبه كما لو هبت الريح بثوب إنسان ، وألقته في حجر غيره ، فأخذه ليرده على صاحبه ، فهلك لم يكن ضامنا شيئا .
ولو أكرهه بالحبس على أن يهب ماله لهذا ، أو يدفعه إليه ، وأكره الآخر بالحبس على قبوله ، وقبضه ، فهلك ، فالضمان على القابض ; لأنه قبضه على وجه التملك ، وفعله في القبض مقصور عليه [ ص: 82 ] فإنه غير ملجأ من جهة المكره ، فلهذا كان الضمان عليه دون المكره ، ولو كان أكره القابض بوعيد تلف على ذلك لم يضمن القابض ، ولا المكره شيئا .

أما القابض ، فلأنه ملجأ إلى القبض ، وذلك بعدم الفعل الموجب للضمان في حقه ، وأما المكره ، فلأن الدافع لم يكن ملجأ في دفع المال إليه ; لأنه كان مكرها بالحبس ، فبقي حكم الدفع مقصورا على الدافع قاله أبو حازم رحمه الله ، وهذا غلط ; لأن فعل الدافع إن لم يكن منسوبا إلى المكره ، ففعل القابض صار منسوبا إليه ، وإنما قبضه بغير رضا المالك ، فكأن المكره قبضه بنفسه ، فينبغي أن يكون المكره ضامنا من هذا الوجه ، وما قاله في الكتاب أصح ; لأن هذا القبض متمم للهبة ، وفي مثله لا يصلح المكره آلة للمكره ( ألا ترى ) أن المكره لو قبضه بنفسه لا تتم الهبة به ، ثم الموجب للضمان على المكره تفويت اليد على المالك ، وذلك بالدفع ، والإخراج من يدهما لا بالقبض ; لأن الأموال محفوظة بالأيدي ، وفعل الدافع لم يصر منسوبا إلى المكره ، ولو أكره الواهب بتلف ، وأكره الموهوب له بحبس كان لصاحب المال أن يضمن - إن شاء - المكره ، - وإن شاء - القابض ; لأن فعل الدافع منسوب إلى المكره لكونه ملجأ من جهته ، فيكون المكره ضامنا له ، وفعل القابض مقصور عليه ; لأنه كان مكرها على القبض بالحبس ، وقد قبضه على وجه التملك ، فكان للدافع أن يضمن أيهما شاء ، فإن ضمن المكره رجع به على القابض لما قلنا ، وكذلك في البيع إذا أكره البائع بوعيد تلف على البيع ، والتقابض ، وأكره المشتري على ذلك بالحبس ، فتقابضا ، وضاع المال ، فلا ضمان على البائع فيما قبض بعد أن يحلف ما قبضه إلا ليرده على صاحبه ; لأنه ملجأ قبل القبض ، فيكون مقبول القول في أنه قبضه للرد مع يمينه ، وللبائع أن يضمن المكره قيمة عبده ; لأنه كان ملجأ إلى تسليم العبد من جهته ، ثم يرجع بها المكره على المشتري لما بينا أن البيع لم ينفذ من جهة المكره ، وقد ملكه بالضمان .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,482.55 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,480.87 كيلو بايت... تم توفير 1.68 كيلو بايت...بمعدل (0.11%)]