|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث والعشرون صـــ 132الى صـــ 141 (475) وإذا دفع المريض نخلا له معاملة بالنصف فقام عليه العامل ولقحه وسقاه حتى أثمر ثم مات رب النخيل ولا مال له غير النخيل وثمره - فإنه ينظر إلى الثمر يوم طلع من النخل وصار كفرى وصارت له قيمة ، فإن كان نصف قيمته مثل أجر العامل أو أقل فللعامل نصف الثمر ، وإن كان أكثر من أجر مثله نظر إلى مقدار أجر مثل العامل يوم تقع القسمة فيعطى العامل ذلك ، وثلث تركة الميت مما بقي من حصته وصية له إلا أن يكون وارثا فلا وصية له ، وهذا لأن المريض استأجر العامل بما شرط له من الثمر وإنما يصير شريكا في الثمر بعد طلوعه ، وإنما يمكن تقويمها حين تصير لها قيمة ; فلهذا يعتبر قيمة حصته عند ذلك . وإذا كان على المريض دين يحيط بماله : فإن كانت قيمة النصف من الكفرى حين طلعت مثل أجره ضرب مع الغرماء بنصف جميع التمر لأنه لا محاباة هنا ولا وصية ، فتكون الزيادة حادثة على ملك تام له إلا أن تخصيصه إياه بقضاء حقه يبطل ، فيكون هو أسوة الغرماء بنصف جميع التمر . وإن كانت قيمة نصفه أكثر من أجر مثله ضرب معهم في التركة بمقدار أجر مثله لتمكن الوصية هنا بطريق المحاباة . ولو دفع الصحيح إلى المريض نخلا له معاملة على أن للعامل جزءا من مائة جزء مما يخرج منه فقام عليه المريض بأجرائه وأعوانه وسقاه ولقحه حتى صار تمرا ثم مات ولا مال له غيره ، وعليه دين ، ورب النخل من ورثته ، وأجر مثل ذلك العمل [ ص: 133 ] أكثر من حصته - فليس له إلا ما شرط له ; لأن المريض إنما تصرف هنا فيما لا حق فيه لغرمائه ولورثته وهو منافع بدنه . [ ألا ترى ] أنه لو أعانه بهذه الأعمال ولم يشرط لنفسه شيئا من الخارج كان ذلك صحيحا منه ؟ ففي اشتراطه جزءا من الخارج بمقابلة عمله - وإن قل - منفعة غرمائه وورثته . ولو دفع المريض إلى رجل زرعا له في أرض لم يستحصد ، أو كفرى في رءوس النخيل ، أو ثمرا في شجر حين طلع ولكنه أخضر ، ولم يبلغ بعد على أن يقوم عليه حتى يبلغ بالنصف فقام عليه العامل حتى بلغ ثم مات صاحب الشجر والزرع ولم يدع مالا غيره - فإنه ينظر إلى حصة العامل يوم قام عليه فزاد في يده ; لأنه إنما يصير شريكا عند ذلك ، فإن المعاملة إيجاب الشركة فيما يحصل بعمله ، وأول أحوال ذلك حين تظهر زيادة من عمله ، فإن كانت قيمته أكثر من أجر مثله كان له من حصته مقدار أجر مثله وقت القسمة وثلث التركة بطريق الوصية ، وكذلك إن كان أحد ورثته إلا أنه لا وصية له ، وإن لم يكن من ورثته وكان على الميت دين يحيط بماله ضرب العامل بما ثبت له من ذلك على ما وصفنا مع الغرماء ولا وصية له ، وهذا في التخريج وما تقدم ذكره سواء . وإذا استأجر المريض رجلا يخدمه هذه السنة بجارية بعينها فلما وقعت الإجارة لم يخدمه حتى زادت الأمة وكانت قيمتها يوم وقعت الإجارة مثل أجر مثل الأجير فخدمه السنة كلها ، ودفع إليه الجارية فولدت عند الأجير ثم مات المريض ولا مال له غيرها - فللأجير من الجارية وأولادها مقدار أجر مثله والثلث مما يبقى بطريق الوصية ; لأنه لم يملكها بنفس العقد قبل استيفاء المنفعة ، فما زاد يكون على ملك المريض ، وتجعل هذه الزيادة كالموجودة عند العقد فيتمكن معنى الوصية بهذا الطريق حين سلم الجارية إليه بعد استيفاء الخدمة وحدوث الزيادة ; فإنما السالم له منها ومن أولادها مقدار أجر مثله عوضا عن الخدمة ، والثلث مما يبقى بطريق الوصية أعطي وصية من الجارية . فإن بقي شيء كان له من أولادها في قياس قول أبي حنيفة - رحمه الله - بناء على أصله أن في تنفيذ الوصية الجارية أصل والأولاد تبع على ما نبينه في الوصايا - إن شاء الله تعالى - ويقال له : أد قيمة ما بقي دراهم أو دنانير ، ورد الجارية وولدها ويكون لك أجر مثلك في مال الميت لأنه يلحقه عيب التبعيض ، ولم يكن هو راضيا بذلك فيكون له أن يردها بالعيب ، ولكن إذا ردها بطلت الوصية بالمحاباة له لأن ذلك كان في ضمن العقد وقد بطل العقد بالرد ، وإن أبى أن يردها أعطى الورثة قيمة ما بقي لإزالة المحاباة ودفع الضرر عن الورثة ، وبرد القيمة يندفع الضرر عنهم ، وثبوت الخيار له في الرد لهذا المعنى أيضا وهو أنه يلزمه زيادة لم [ ص: 134 ] يرض بالتزامها فيكون له أن يردها لذلك . ولو كانت الجارية حين وقعت الإجارة دفعها المريض إلى الأجير فلم يخدم الأجير حتى زادت في يده وصارت قيمتها أكثر من أجر مثله ثم خدمه بعد ذلك حتى تمت السنة ، ومات المريض ولم يدع مالا غيرها وقد ولدت الجارية أولادا - فالجارية وجميع أولادها للأجير ; لأنه بالقبض قد ملكها وليس فيها فضل فتم ملكه في جميعها لانعدام المحاباة ، ثم الزيادة حدثت على ملك تام له فيكون سالما له ، وكذلك إن كان الأجير أحد ورثته إلا أن يكون ولدا أو زوجة فرد الجارية وولدها فيكون بينهم ميراثا ; لأن استئجار الولد والزوجة على الخدمة لا يجوز ، ولا يستوجبون الأجر بهذا العقد فتثبت هي في يد الأجير بسبب باطل فعليه أن يردها مع الزيادة ، بخلاف المزارعة والمعاملة لأن الولد والزوجة في ذلك العمل كسائر الورثة فإنه غير مستحق عليهما دينا بخلاف الخدمة . وإن لم يكن من ورثته وكان على الميت دين يحيط بماله فإن كانت الجارية لا فضل فيها عن أجر مثله يوم قبضها الأجير قسمت هي وولدها بين الغرماء وبينه ، ويضرب في ذلك الأجير بقيمتها وقيمة ولدها لأنه لا محاباة في تصرفه هنا ; ولكن فيه تخصيص الأجير بقضاء حقه من ماله وذلك يرد لحق الغرماء ، إلا أن الولد حدث على ملك صحيح له ; فلهذا ضرب مع الغرماء بقيمتها وقيمة ولدها ، فما أصابه كان له في الجارية ، وما أصاب الغرماء قيل له : أد قيمة ذلك إلى الغرماء دراهم أو دنانير ; لأن حقهم في المالية لا في العين ، وبأداء القيمة يصل إليهم كمال حقهم ويندفع عنه ضرر التبعيض ، فإن أبى ذلك بيعت الجارية وولدها فقسم الثمن بينه وبين الغرماء ، يضرب الغرماء بدينهم ويضرب الأجير بأجر مثله ; لأنه حين أبى ذلك تعذر ردها بسبب عيب التبعيض أو بما لحقه من زيادة مال لم يرض بالتزامه بعقد المعاوضة ، والأجرة إذا كانت بعينها فردت بالعيب ينفسخ العقد وتبقى المنفعة مستوفاة بحكم عقد قد انفسخ فيكون رجوعه بأجر مثله ; فلهذا يضرب بأجر مثله . وفي هذا نوع إشكال : فإن الزيادة المنفصلة المتولدة بعد تمام الملك تمنع الرد بالعيب فيبقى أن لا يكون له أن يردها ولكن يغرم للغرماء قيمة الزيادة دراهم أو دنانير ، ويمكن أن يقال : الزيادة إنما تمنع الرد إذا لم يجب ردها مع الأصل ، فإنه لا يجوز أن يسلم بغير عوض بعد رد الأصل ، وهذا لا يوجد هنا ، فإن حق الغرماء ثابت في الزيادة كما هو ثابت في الأم ; لأنه إن لم يثبت حقهم فيه باعتبار صحة السبب وخلوه عن المحاباة - فقد ثبت حقهم فيه ببطلان تخصيص الأجير بإيفاء حقه مراعاة لحقهم . وإن كان في قيمة الجارية يوم قبضها الأجير فضل عن أجر مثله ، وكانت قيمتها يوم وقعت [ ص: 135 ] الإجارة مثل أجر الأجير إلا أن الأجير لم يخدم المريض حين قبض الجارية يضرب الأجير في الجارية وولدها بمقدار أجر مثله ، فما أصابه كان له في الجارية وولدها وقيل له : أد قيمة ما أصاب الغرماء ، فإن أبى بيعت الجارية وولدها واقتسموا الثمن يضرب فيه الأجير بأجر مثله ; لأنه لم يملكها بنفس العقد وإنما يملكها بالقبض ، وعند القبض لما كانت قيمتها أكثر من أجر مثله بقيت موقوفة على حق المريض لتمكن الوصية فيها بطريق المحاباة ; فلهذا كان التخريج على ما قال . وإذا استأجر الرجل في مرضه رجلا يخدمه بجارية قيمتها ثلثمائة درهم وأجر مثل الأجير في خدمته مائة درهم ; فخدمه الأجير حتى أتم الخدمة وقبض الجارية ، ثم مات المريض ولا مال له غيرها - فالأجير بالخيار : إن شاء أخذ الجارية كلها وأعطى الورثة أربعة أتساع قيمتها ، وإن شاء نقض الإجارة وردها على الورثة ; لأن المريض حابى بقدر ثلثيها حين كان أجر مثله مثل قيمة ثلثها ، والمحاباة وصية فلا تنفذ إلا في مقدار الثلث ، فاحتجنا إلى حساب لثلثيه ثلث وذلك تسعة ، فثلثها وهو ثلاثة يسلم له ، ومن الثلثين يسلم له الثلث بينهما ، وعليه إزالة المحاباة فيما وراء الثلث وذلك في أربعة أتساع قيمتها ، فإذا اختار ذلك فقد وصل إلى الورثة كمال حقهم ، وثبوت الخيار له في العقد لما لحقه من الزيادة ، وإن نقض الإجارة وردها كان له في مال الميت أجر مثله مائة درهم وتباع الجارية حتى يستوفي دينه والباقي للورثة ، وقد بطلت الوصية بالمحاباة حين اختار نقض العقد ، ولا يشبه هذا ما وصفت لك قبله من المزارعة والمعاملة إذا كان فيها محاباة ، فإن هناك إنما يسلم له مقدار أجر مثله والثلث مما يبقى بطريق الوصية ويرد الفضل . وإذا قال : أعطي قيمة الفضل لم يكن له ذلك لأن الخارج من الزرع والثمار يحتمل التبعيض فلا يتضرر هو برد الفضل على الورثة ; فلهذا لا يكون له أن ينقل حق الورثة من العين إلى القيمة . ولو كان أجر مثل الأجير يوم وقعت الإجارة ثلثمائة درهم فدفع إليه المريض الجارية ، وخدمه الأجير جميع السنة ، ثم مات المريض ، وقد زادت الجارية في بدنها أو في السعر أو ولدت في يد الأجير قبل موت المريض بعد ما كملت السنة أو قبل أن تكمل ، وعلى المريض دين كثير - فإن الجارية بزيادتها وولدها بينهم ، يضرب الأجير في ذلك بقيمتها وقيمة ولدها يوم يختصمون ، وتضرب الغرماء بدينهم ; لأنه لا محاباة هنا فكانت الجارية وولدها للأجير ، إلا أن تخصيص المريض إياه بقضاء حقه من ماله يرد بعد موته ; فلهذا ضرب هو بقيمتها وقيمة ولدها يوم يختصمون فما أصاب الأجير كان له من الجارية وولدها ; لأن حقه في عينها ، وما أصاب الغرماء قيل للأجير : أد قيمته [ ص: 136 ] دراهم أو دنانير إلى الغرماء ; لأن حقهم في المالية ، فإن أبى أخذت الجارية وولدها وبيعا فضرب الأجير في الثمن بأجر مثله والغرماء بدينهم ; لأن العقد قد انفسخ حين أخذت من يده وانتقض قبضه فيها بسبب سابق على قبضه . ولو كانت الجارية لم تزد ولم تلد ولكنها نقصت في السعر عند الأجير حتى صارت تساوي مائة - والمسألة بحالها - فلا ضمان على الأجير في نقصانها ; لأن نقصان السعر فتور رغائب الناس فيها ولا معتبر بذلك في شيء من عقود المعاوضات ، ويضرب الغرماء في الجارية بدينهم والأجير بقيمتها وهي مائة درهم ; لأن تخصيصه الأجير بقضاء حقه مردود بعد موته ، ثم ما أصاب الأجير فهو له من عينها ، وما أصاب الغرماء قيل للأجير : أعطهم قيمة ذلك لأن حقهم في المالية ، فإن أبى بيعت الجارية وضرب الأجير في ثمنها بأجر مثله ثلثمائة درهم ; لأن العقد قد انفسخ بانتقاض قبضه فيها ، فإنما يضرب هو بأجر مثله والغرماء بدينهم بخلاف الأول ، فهناك لم ينتقض قبضه فيها فإنما يضرب بقيمتها لذلك ، وإن نقصت في البدن حتى صارت تساوي مائة درهم فإن قيمة الجارية يوم قبضها الأجير وهي ثلثمائة بين الأجير وبين الغرماء ، فما أصاب الغرماء ضمنه لهم الأجير في ماله وتسلم له الجارية ، وليس له أن يردها لأنها دخلت في ضمانه يوم قبضها على وجه التملك بعقد المعاوضة ، وقد تعيبت في يده بالنقصان الحاصل في بدنها فلا يملك أن يردها للعيب الحادث ، ولكن يغرم للغرماء حصتهم في ماليتها يوم دخلت في ضمانه . ولو دفع المريض نخلا له معاملة إلى رجل بالنصف فأخرج النخل كفرى يكون نصفه مثل أجر العامل أو أقل فقام عليه وسقاه حتى صار تمرا يساوي مالا عظيما ، ثم صار حشفا قيمته أقل من قيمة الكفرى يوم خرج ، ثم مات المريض وعليه دين - فإن ماله يقسم بين الغرماء والعامل ، يضرب فيه العامل بقيمة نصف الحشف فقط ، فما أصابه كان له في حصته من الحشف ، وما أصاب الغرماء بيع لهم في دينهم ، ولا ضمان على العامل بالنقصان هنا ; لأنه كان أمينا في الخارج ، فالزيادة إنما حصلت في عين هي أمانة بغير صنعه وتلفت بغير صنعه فلا يضمن شيئا منها لأحد ، بخلاف ما سبق ، وإنما هذا بمنزلة ولد الجارية في المسألة الأولى التي ولدت في يد الأجير أو مات أو حدث به عيب لم يضمنه الأجير ; لأن الزيادة حدثت من غير صنعه وهلكت كذلك فلا تكون مضمونة عليه وإن كان هو ضامنا للأصل . ولو كان الميت لا دين عليه - والمسألة بحالها - كان للعامل نصف الحشف وللورثة نصفه ولا ضمان على العامل فيما صار من ذلك حشفا ، لأنه لو تلف الكل من غير صنع العامل لم يضمن لهم شيئا ، فإذا [ ص: 137 ] صار حشفا أولى أن لا يضمن لهم النقصان . والله أعلم بالصواب . . [ قال رحمه الله ] : وإذا وكل الرجل الرجل بأرض له على أن يدفعها مزارعة هذه السنة فدفعها مزارعة بالثلث أو أقل أو بأكثر - فهو جائز ; لأن الموكل حين لم ينص على مقدار من الخارج فقد فوض الأمر فيه إلى رأيه ، فبأي مقدار دفعها مزارعة كان ممتثلا لأمره محصلا لمقصوده ، إلا أن يدفعها بشيء يعلم أنه حابى فيه بما لا يتغابن الناس في مثله فحينئذ لا يجوز ذلك في قول من يجيز المزارعة ; لأن مطلق التوكيل عندهم يتقيد بالمتعارف ، فإن زرعها المزارع فخرج الزرع فهو بين المزارع والوكيل على ما اشترطا ، لا شيء منه لرب الأرض ; لأنه صار غاصبا مخالفا ، وغاصب الأرض إذا دفعها مزارعة كان الزرع بينه وبين المدفوع إليه على الشرط ، ولرب الأرض أن يضمن نقصان الأرض في قول أبي يوسف الأول وهو قول محمد - رحمهما الله - إن شاء الوكيل ، وإن شاء المزارع ، فإن ضمن المزارع رجع على الوكيل به لأنه مغرور من جهته وفي قول أبي يوسف الآخر يضمن المزارع خاصة ; لأنه هو المتلف . فأما الوكيل فغاصب والعقار عنده لا يضمن بالغصب ، ثم يرجع المزارع على الوكيل للغرور ، فإن كان حابى فيه بما يتغابن الناس في مثله فالخارج بين المزارع ورب الأرض على الشرط ، والوكيل هو الذي قبض نصيب الموكل ; لأنه هو الذي أجر الأرض ، وإنما وجب نصيب رب الأرض بعقده فهو الذي يلي قبضه ، وليس لرب الأرض أن يقبضه إلا بوكالة من الوكيل ، فإن كان رب الأرض أمر الوكيل أن يدفعها مزارعة ولم يسم سنة ولا غيرها جاز للوكيل أن يدفعها مزارعة سنته الأولى ، فإن دفعها أكثر من ذلك أو بعد هذه السنة ولم يدفعها هذه السنة لم يجز في الاستحسان ، وفي القياس يجوز ; لأن التوكيل مطلق عن الوقت ففي أي سنة دفعها وفي أي مدة دفعها لم يكن فعله مخالفا لما أمره الموكل به ، فجاز كالوكيل بإجارة الدور والرقيق ، ولكنه استحسن وقال دفع الأرض مزارعة يكون في وقت مخصوص من السنة عادة ، والتقييد الثابت بالعرف في الوكالة كالثابت بالنص ، فإذا دخله التقييد من هذا الوجه يحمل على أخص الخصوص وهو وقت الزراعة من السنة الأولى ، كالوكيل يشتري الأضحية يتقيد بأيام الأضحية من السنة [ ص: 138 ] الأولى ، بخلاف إجارة الدور والرقيق فإنها لا تختص بوقت عرفا ، فراعى فيها مطلق الوكالة ، إنما المزارعة نظير التوكيل بإكراء الإبل إلى مكة للحج عليها ، فإنها تختص بأيام الموسم في السنة الأولى ; لأن هذا يكون في وقت مخصوص من كل سنة عرفا فيحمل على أخص الخصوص وهو وقت خروج القافلة من السنة الأولى خاصة . ولو كان البذر من رب الأرض كان هذا أيضا على أن يدفعه بما يتغابن الناس فيه ; لأن هذا توكيل بالاستئجار ، فإن صاحب الأرض يكون مستأجرا للعامل ، والتوكيل بالاستئجار كالتوكيل بالشراء ، فإنما ينفذ على الموكل إذا كان بغبن يسير ، ورب الأرض هو الذي يلي قبض حصته وليس للوكيل قبضها إلا بإذنه ; لأن رب الأرض هنا ما استحق نصيبه بعقد الوكيل بل بكونه نماء بذره ، فإن دفعها الوكيل بما لا يتغابن الناس فيه كان الخارج بين الوكيل والمزارع على الشرط ; لأنه بالخلاف صار غاصبا للأرض والبذر فيكون عليه ضمان مثل ذلك البذر للموكل ، فإن تمكن في الأرض نقصان بالزراعة فلرب الأرض أن يضمن النقصان أيهما شاء في قول أبي يوسف الأول وهو قول محمد ; لأن المزارع متلف والوكيل غاصب ، فإن ضمن المزارع رجع به على الوكيل للغرور ، ولا يتصدق الزارع بشيء مما صار له في هذه المسألة ولا في المسألة الأولى ، ولكن الوكيل يأخذ مثل ما غرم من نقصان الأرض ، وبذرا مثل الذي غرم ، ويتصدق بالفضل ; لأن الخبث تمكن في تصرف الوكيل حين صار كالغاصب فعليه أن يتصدق بالفضل ، وإنما يدفعها للوكيل مزارعة هنا أيضا في المسألة الأولى خاصة استحسانا ، فإن دفعها بعد مضي تلك السنة فهو مخالف غاصب للأرض والبذر ، والحكم فيه ما بينا في الفصل الأول . وإذا وكل رجلا بأن يأخذ له هذه الأرض مزارعة هذه السنة على أن يكون له البذر من قبل الموكل فللوكيل أن يأخذها بما يتغابن الناس فيه ، وإن أخذها بما لا يتغابن الناس فيه لم يجز على الموكل إلا أن يرضى به ويزرعها عليه ; لأنه وكيل بالاستئجار فهو بمنزلة الوكيل بالشراء فلا ينفذ تصرفه بالغبن الفاحش على الموكل إلا أن يرضى به . وزراعة الموكل بعد العلم بما صنع الوكيل دليل الرضا به فهو كصريح الرضا ، فإن زرعها الموكل فحصل الخارج كان الوكيل هو المأخوذ بحصة رب الأرض يستوفيه منه الموكل فيسلمه إليه ; لأن رب الأرض استحق ذلك بالشرط ، والوكيل هو الذي شرط له ذلك ، فإن أخذ ذلك رب الأرض من الموكل بغير محضر من الوكيل برئ الوكيل لوصول الحق إلى مستحقه ، وإن كان الوكيل أخذها بما لا يتغابن الناس فيه وهو لم يخبره بذلك حتى زرعها الموكل ، وقد [ ص: 139 ] أمره الوكيل بزراعتها كان الخارج للمزارع على الوكيل ، ولرب الأرض أجر مثل أرضه مما أخرجت الأرض ; لأن الوكيل استأجرها بما سمى من الخارج وقد حصل الخارج ، ثم استحق الموكل فيكون لرب الأرض على الوكيل أجر مثل الأرض مما أخرجت الأرض ; لأن ذلك من ذوات الأمثال ، ولا شيء للوكيل على الموكل لأنه هو الذي أمره بزراعتها وقد كان استئجاره نافذا عليه فالتحقت هذه بأرض مملوكة له دفعها إلى غيره وأمره أن يزرعها من غير أن يشترط عليه شيئا . وإن كان الوكيل دفع إليه الأرض ولم يأمره بزراعتها ولم يخبره بما أخذها به فالخارج للمزارع ; لأنه نماء بذره ، وتصرف الوكيل بما لا يتغابن الناس فيه لم ينفذ عليه ، ولا شيء لرب الأرض على الوكيل هنا ; لأن الزارع بمنزلة الغاصب حين زرعها بغير أمر الوكيل . ومن استأجر أرضا فغصبها غاصب وزرعها لم يكن لرب الأرض على المستأجر أجرها ، بخلاف الأول . فإن هناك الوكيل أمر الزارع بزرعها فيجعل بمنزلة ما لو زرعها بنفسه فيلزمه أجر مثلها لصاحبها ، ثم على الزارع هنا نقصان الأرض لرب الأرض لأنه زرعها بغير إذن صاحب الأرض على وجه الغصب ، ولا يرجع به على الوكيل ; لأن الوكيل لم يغره بل هو الذي اغتر حين لم يسأل الوكيل ولم يستكشف حقيقة الحال ، ويتصدق الزارع بالفضل لأنه ربى زرعه في أرض غيره بسبب خبيث ، وإذا لم يبين الوقت للوكيل هنا فهو على أول سنة وأول زراعة استحسانا . ولو كان وكله بأن يأخذ له أرض فلان وبذرا مزارعة فإن أخذها بما يتغابن الناس فيه جاز ، ورب الأرض هو الذي يقبض نصيبه من الزرع لأنه يملك نصيبه بكونه نماء بذره لا بشرط الوكيل له ذلك بالعقد ، وإن أخذ بما يتغابن الناس فيه لم يجز على الموكل إلا أن يرضى به ; لأنه وكله بأن يؤاجره ، وذلك يتقيد بما يتغابن الناس فيه عند من يجيز المزارعة ، فإن عمل المزارع في جميع ما ذكرنا فحصل الخارج فهو بينهما على الشرط ، وإن كان الوكيل أخذه بما لا يتغابن الناس فيه من قلة حصة المزارع وأمر المزارع فعمل ولم يبين ذلك له - فالمزارع متطوع في عمله في القياس ، والخارج كله لرب الأرض . وفي الاستحسان الخارج بينهما على الشرط . وجه القياس أن تصرف الوكيل بالغبن الفاحش لم ينفذ على الموكل معينا في إقامة العمل . وجه الاستحسان أنه إنما لا ينفذ تصرف الوكيل على الموكل فبقي الموكل بالغبن ; لدفع الضرر عن الموكل ، والضرر هنا في امتناع نفوذ التصرف عليه ; لأنه إذا نفذ تصرفه عليه استحق ما شرط له من الخارج وإن قل ذلك ، وإذا لم ينفذ لم يستحق شيئا على أحد بمقابلة عمله ، وهو نظير القياس والاستحسان في العبد [ ص: 140 ] إذا أجر نفسه في عمل وسلم من ذلك العمل ، فإن كان الموكل لم يسم للوكيل الوقت فهو على أول سنة وزراعة استحسانا ، فإن مضت السنة قبل أن يأخذ ثم أخذ لم يجبر الموكل على العمل ، فإن رضي به وعمل كان بينهما على الشرط بمنزلة ما لو أخذ أرضا وبذرا ليزرعها . وإذا دفع الرجل إلى الرجل نخلا ووكله بأن يدفعها معاملة هذه السنة أو لم يسم له وقتا - فهذا على أول سنة للعرف ، فإن دفعه بما يتغابن الناس فيه جاز وصاحب النخل هو الذي قبض نصيبه لأنه يملك التمر بملكه النخل لا بالعقد الذي باشره الوكيل فإن دفعه بما لا يتغابن الناس فيه فالخارج لصاحب النخل ; لأنه وكله باستئجار العامل فلا ينفذ تصرفه بالغبن الفاحش على الموكل ، وللعامل أجر مثله على الوكيل لأنه استأجره ببعض الخارج وقد حصل الخارج واستحقه رب النخل فيستوجب الرجوع بأجر مثله . ولو وكله بأن يأخذ نخلا بعينه فأخذه بما يتغابن الناس فيه جاز على الشرط ، وصاحب النخل هو الذي يلي قبض نصيبه ; لأنه يملكه بسبب تولده من نخله ، وإن أخذه بما لا يتغابن الناس فيه من قلة نصيب العامل لم يلزم العامل ذلك إلا أن يشاء ، فإن عمله وقد علم نصيبه منه أو لم يعلم كان له نصيبه الذي سمى له ، أما إذا علم به فلوجود دلالة الرضا منه بالإقدام على العمل بعد العلم بحقيقة الحال ، وأما إذا لم يعلم به فهو استحسان لما فيه من المنفعة للعامل ; لأنه لو لم ينفذ تصرفه عليه لم يستوجب شيئا . وإذا أمره أن يأخذ له نخلا معاملة أو أرضا وبذرا مزارعة ولم يعين شيئا من ذلك لم يجز ; لأن الوكيل عاجز عن تحصيل مقصود الموكل مع هذه الجهالة المستتمة ، فإن العمل يختلف باختلاف النخل والأراضي على وجه لا يمكن أن يوقف فيه على شيء معلوم . وإذا أمره بأن يدفع أرضه مزارعة أو أن يدفع نخله معاملة إلى رجل ولم يعين الرجل - جاز ، لأن دفع الأرض مزارعة بمنزلة إجارتها . ومن وكل غيره بأن يؤاجر أرضه مدة معلومة جاز وإن لم يبين من يؤاجرها منه ; لأن المعقود عليه منفعة الأراضي وهي معلومة لا تختلف باختلاف المستوفي ، وكذلك في المعاملة مقدار العمل قد صار معلوما ببيان النخل على وجه لا يختلف باختلاف العامل . ولو أمره بأن يدفع أرضه هذه مزارعة فأعطاها رجلا وشرط عليه أن يزرعها حنطة أو شعيرا أو سمسما أو أرزا فهو جائز ; لأن دفع الأرض مزارعة لهذه الأشياء متعارف ، فمطلق التوكيل ينصرف إلى هذه الأشياء كلها ، والوكيل يكون ممتثلا أمره في جميع ذلك . وكذلك لو وكله أن يأخذ له هذه الأرض وبذرا معها مزارعة فأخذها مع بذر حنطة أو شعيرا أو غير [ ص: 141 ] ذلك من الحبوب - جاز ذلك على الموكل ; لأنه وكله ليؤاجره في عمل الزراعة وهو في جميع ذلك متعارف ، فمطلق التوكيل ينصرف إلى جميع ذلك . ولو وكله أن يأخذ له هذه الأرض مزارعة فأخذها من صاحبها للموكل على أن يزرعها حنطة أو شرط عليه شعيرا أو غيره - لم يكن له أن يزرع إلا ما شرط عليه رب الأرض ; لأن الوكيل إذا امتثل أمره كان عقده كعقد الموكل بنفسه وهو لو أخذ أرضا مزارعة ليزرعها حنطة لم يكن له أن يزرعها غير الحنطة ; لأن صاحب الأرض إنما رضي بأن يكون أجر أرضه الحنطة فلا يملك المستأجر أن يحولها إلى غيره . ولو وكله بأن يدفع أرضا له مزارعة هذه السنة فأجرها ليزرع حنطة أو شعيرا بكر من حنطة وسط أو بكر من شعير وسط أو سمسم أو أرز أو غير ذلك مما تخرجه الأرض - فذلك جائز استحسانا ، وفي القياس هو مخالف ; لأن الموكل إنما رضي بالمزارعة ليكون شريكا في الخارج وقد أتى بغير ذلك حين أجرها بأجرة مسماة ، ولكنه استحسن فقال : قد حصل مقصود الآمر على وجه يكون أنفع له ; لأنه لو دفعها مزارعة فلم يزرعها أو أصاب الزرع آفة لم يكن لرب الأرض شيء ، وهنا تقرر حق رب الأرض دينا في ذمة المستأجر إذا تمكن من زراعتها وإن لم يزرع أو أصاب الأرض آفة ، ومتى أتى الوكيل بجنس ما أمر به وهو أنفع للآمر مما نص عليه لم يكن مخالفا ، وإذا لم يكن مخالفا كان عقده كعقد الموكل بنفسه ، فللمستأجر أن يزرع ما بدا له ، والتقييد بالحنطة أو الشعير غير مفيد هنا في حق رب الأرض فإنه لا شركة له في الخارج بخلاف الدفع مزارعة . وإن أجرها بدراهم أو ثياب أو نحوها مما لا يزرع لم يجز ذلك على الموكل لأنه خالف في الجنس ، فرب الأرض نص على أن يدفعها مزارعة وذلك إجارة الأرض بشيء تخرجه الأرض ، فإذا أجرها الوكيل بشيء لا تخرجه الأرض كان مخالفا في جنس ما نص عليه الموكل ، فهو بمنزلة الوكيل بالبيع بألف درهم إذا باع بألف دينار لا ينفذ على الموكل ، بخلاف ما إذا باعه بألفي درهم . وكذلك إن أمره أن يدفعها هذه السنة مزارعة في الحنطة خاصة فأجرها بكر حنطة وسط جاز ، ويزرعها المزارع ما بدا له من الزراعات مما يكون ضرره على الأرض مثل ضرر الحنطة أو أقل منها ; لأن تسمية رب الأرض الحنطة معتبرة في معرفة مقدار الضرر على الأرض به ، وهو لم يخالفه في الجنس حين سمى الآخر كر حنطة وسط ، وإن أجر بغير الحنطة صار مخالفا للموكل في جنس ما سمى له من أجر الأرض فلا ينفذ تصرفه عليه . ولو وكله أن يدفعها مزارعة بالثلث فدفعها على أن لرب الأرض الثلث جاز ; لأن حرف [ ص: 142 ] الباء يصحب الأعواض ، ورب الأرض هو الذي يستحق الخارج عوضا عن منفعة أرضه ، فكان هذا بمنزلة التنصيص على اشتراط الثلث له . فإن قال رب الأرض إنما عنيت أن للمزارع الثلث لم يصدق ; لأن ما يدعيه يخالف الظاهر إلا أن يكون البذر من قبله فيكون القول قوله حينئذ ; لأن المزارع هو الذي يستوجب الخارج عوضا عن عمله بالشرط . ولو وكله أن يدفعها مزارعة بالثلث فأجرها لرجل بكر حنطة وسط مخالف ; لأن رب الأرض هنا نص على ما هو منافع أرض وهو ثلث الخارج وقد أجرها بغير ذلك ، ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |