|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث عشر صـــ 132الى صـــ 141 (283) وكذلك النكاح ; لأن بعقد النكاح يتجدد ثبوت المملوكية في المحل وكان ينبغي أن لا يثبت للمسلم على المسلمة إلا أنه لضرورة الحاجة إلى قضاء الشهوة وإقامة النسل أثبت الشرع ذلك للمسلم على المسلمة فيبقى في حق الكافر إذلالا فلا يكون مشروعا للكافر على المسلمة ألا ترى أن ملك النكاح يبقى للكافر على المسلمة ; لأنه ليس في إبقاء الملك تبديل صفة المحل فصار الشراء هنا في معنى الإذلال بمنزلة البقاء في ملك النكاح ويوضحه أن المحلية للنكاح باعتبار صفة المحل ولهذا لا يجوز للمسلم نكاح المجوسية والمرتدة والأخت من الرضاعة والمسلمة ليست بمتحللة في حق الكافر فلانعدام المحل لا ينعقد النكاح ولكن يبقى ; لأن فوات المحل عارض على شرف الزوال فيمنع ابتداء النكاح ولا يمنع البقاء كالفوات بسبب العدة ، وكذلك القبض الذي يتم به العقد ليس فيه معنى الإذلال ; لأن ذلك يحصل بالتخلية ، وليس هذا نظير المحرم يشتري صيدا ; لأن الصيد في حق المحرم محرم العين قال الله تعالى { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } فلم يكن مالا متقوما كالخمر في حق المسلم ولهذا لا يجوز بيعه [ ص: 133 ] عندنا فكذلك شراؤه فإنما بطل ذلك التصرف لانعدام المحل بخلاف ما نحن فيه ولسنا نقول بأنه لا يقر على مقصود هذا العقد بل يقر على مقصوده إذا أسلم ثم موجب الشراء إثبات الملك فأما استدامة الملك فليس من موجبات العقد ولا يمنع صحة الشراء لكونه ممنوعا من استدامة الملك فيه كالمسلم يشتري عبدا مرتدا فيصح شراؤه ، وإن كان ممنوعا من استدامة الملك فيه وعند التأمل في تصحيح هذا الشراء إظهار ذل الكافر دون المسلم ; لأن العبد المسلم يتسلط به على الكافر فيخاصمه ويجره إلى باب القاضي يجبره على بيعه شاء أو أبى . ولهذا يتبين أن هذا النوع من التصرف لم يدخل تحت قوله { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } مع أن المراد بالآية أحكام الآخرة بدليل قوله تعالى { فالله يحكم بينكم يوم القيامة } وعلى هذا الخلاف الكافر إذا اشترى مصحفا لا يصح الشراء عند الشافعي ; لأنه يستخف به فيرجع ذلك إلى إذلال المسلمين وعندنا يصح شراؤه ; لأنه ليس في عين الشراء من إذلال المسلمين شيء وكلامنا في هذا الفصل أظهر فالكافر لا يستخف بالمصحف ; لأنه يعتقد أنه كلام فصيح وحكمة بالغة ، وإن كان لا يعتقد أنه كلام الله عز وجل فلا يستخف به ثم يجبر على بيع العبد من المسلمين ; لأنه لو ترك في ملكه استخدمه قهرا بملك اليمين وفيه ذل فيجبر على إزالة هذا الذل ، وذلك ببيعه من المسلمين ولا يترك ليبيعه من كافر آخر ، وإن كان لو باعه جاز ولكن المقصود لا يحصل به فلا يمكن منه ، وكذلك يجبر على بيع المصحف ; لأنه لا يعظمه كما يجب تعظيمه وإذا ترك في ملكه يمسه ، وهو نجس وقال الله تعالى { إنما المشركون نجس } وقال الله تعالى في القرآن { لا يمسه إلا المطهرون } فلهذا يجبر على بيعه من المسلمين . وكذلك إن أسلم مملوك الذمي فإنه يجبر على بيعه من المسلمين وذلك بعد أن يعرض عليه الإسلام فلعله يسلم فيترك العبد في ملكه فإن أبى ذلك أجبر على بيعه كالكافر إذا أسلمت امرأته يعرض عليه الإسلام فإن أبي فرق بينهما إلا أن ملك النكاح ليس بمال متقوم فيجوز إزالته مجانا عند إبانة الإسلام وملك اليمين مال متقوم محترم بعقد الذمة فلا يجوز إبطاله عليه بالعتق مجانا ولا بد من إزالة ملكه عن المسلم فيجبر على بيعه بقيمته ليستوفي المالية ويحصل المقصود . وإن كان للذمي عبد وامرأة له أمة قد ولدت منه فأسلم العبد وولده منها صغير فإنه يجبر على بيع العبد وولده ; لأن الولد الصغير يصير مسلما بإسلام أبيه فيجبر على بيعه ، وإن كان ذلك [ ص: 134 ] تفريقا بينه وبين أمه ; لأن هذا تفريق بحق وجب فيه فهو كما لو جنى الابن الصغير جناية فدفع بها أو لزمه دين فبيع فيه يجوز ذلك ، وإن كان تفريق بين الولد والأم ولكن لما كان بحق لزم ذلك في الولد خاصة واستقام ذلك ، فهذا مثله وعن أبي يوسف أن في كل موضع يجب بيع الولد تباع الأم معه ; لأنه لا ضرورة في التفريق بينهما إذا كان كل واحد منهما محلا للبيع . قال وإذا أسلم العبد ، وهو بين مسلم وكافر أجبر الكافر على بيع حصته منه اعتبارا للبعض بالكل ، وإن أسلم عبد الذمي فكاتبه جازت الكتابة ; لأن ملكه فيه باق بعد إسلامه ونفوذ عقد الكتابة منه باعتبار ملكه ثم ما هو المقصود يحصل بالكتابة في الحال ، وهو إزالة ذلة منه ; لأنه يصير بمنزلة الحر في حق اليد والمكاتب ولا يبقى له ولاية الاستخدام عليه قهرا بملك اليمين وربما يؤدي بدل الكتابة فيعتق ويتم المقصود به فإن عجز أجبر على بيعه ; لأن الكتابة انفسخت حين تحقق عجزه فظهر الحكم الذي كان قبل الكتابة ، وهو الإجبار على البيع ، وإن لم يكاتبه ولكنه رهنه عند مسلم أو كافر أجبر المولى على بيعه ; لأن المقصود بعقد الرهن لم يحصل فالراهن يستخدم المرهون بإذن الراهن ثم بعد الرهن هو محل للبيع فيبقى فيه حكمه ، وهو الإجبار على البيع فأما بعد الكتابة فلا يكون محلا للبيع ما بقيت الكتابة وإذا بيع المرهون فيكون ثمنه رهنا مكانه ; لأن عقد الرهن قد صح باعتبار ملكه في المحل فيتحول حكمه إلى بدله كما إذا قبل المرهون وأخذ المرتهن قيمته ، وكذلك لو آجره من مسلم أو كافر فالمقصود ، وهو إزالة اليد عن المسلم لا يحصل بالإجارة بل يتحقق فيه معنى الإذلال . ويبقى هو محلا للبيع بعد الإجارة فيجبر على بيعه ثم تبطل به الإجارة بخلاف الرهن ، ألا ترى أن المؤجر إذا باع المؤاجر برضى المستأجر بطلت الإجارة والراهن إذا باع المرهون برضى المرتهن كان الثمن رهنا ، ولو كان رهنه أو أجره ، وهو كافر ثم أسلم في يد المرتهن أو المستأجر أجبرته على بيعه ولم أتركه يكون في ملك الكافر ، وهو مسلم كما بينا أن الإذلال هنا يتقرر إذا ترك في ملكه فيجب إزالته بالإجبار على بيعه . وإن كانت جارية فدبرها أو استولدها قبل الإسلام أو بعده جعلت عليها أن تسعى في قيمتها ; لأن بيعها متعذر لما يقر فيها من حق العتق فيجب إخراجها عن ملك الكافر بالاستسعاء في قيمتها وهي بمنزلة المكاتبة ما دامت تسعى وعند زفر هي حرة والسعاية دين عليها وعند الشافعي يجبر [ ص: 135 ] على بيع المدبرة وأم الولد بخارج وقد تقدم بيان هذا في كتاب العتاق . وإذا باع الكافر عبدا على أنه بالخيار ثلاثة أيام ثم أسلم العبد فهو على خياره ; لأن إسلامه لا يمنع ابتداء البيع ولا يمنع بقاؤه بطريق الأولى فإن نقض البيع أجبر على بيعه ; لأن الأول صار كأن لم يكن ، وإن أمضاه لكافر مثله أجزأه وأجبر ذلك الكافر على بيعه كما لو باعه منه ابتداء بعدما أسلم العبد ، وكذلك إن كان الخيار للمشتري فإن فسخ العقد أجبر على بيعه إذا كان كافرا ، وإن أمضى العقد والمشتري مسلم فهو سالم له . قال وإذا اشترى الكافر عبدا مسلما شراء فاسدا وقبضه فإنه يجبر على رده على البائع سواء كان البائع مسلما أو كافرا ثم يجبر البائع على بيعه إن كان كافرا لأن فسخ البيع الفاسد مستحق شرعا ولا يفوت به ما يثبت من الحق للعبد بإسلامه فإن البائع يجبر على بيعه إذا كان كافرا ومع إمكان استيفاء الحقين لا يجوز ترك أحدهما فإن كان البائع غائبا فرفع العبد المشتري إلى القاضي أجبره على البيع إن كان شراء يجوز في مثله البيع منه ; لأنه مالك له وقد تعذر فسخ العقد لغيبة البائع ولا يجوز أن يترك المسلم في ملك الكافر فيجبر على بيعه ، وهذا لأن في التأخير إلى أن يحضر البائع إضرارا بالعبد وابقاء له في ذل الكافر وذلك ممتنع في الشرع ، وإن كان شراء يجوز في مثله البيع فهو غير مالك له ولا يمكن إجباره على بيعه ولكنه ملك الغير مضمون في يده أو أمانة بمنزلة المغصوب أو الوديعة . مسلم اشترى عبدا مسلما من كافر شراء فاسدا أجبرته على رده على الكافر لفساد العقد ثم يجبر الكافر على بيعه ; لأن استيفاء الحقين ممكن ، وإن كان الكافر غائبا فهو على حالة عند المسلم ; لأنه ليس في إبقاء المسلم في ملك المسلم معنى الإذلال . ولو أن مسلما وهب عبدا مسلما لكافر أو تصدق به عليه جاز وأجبر الكافر على بيعه كما لو ملكه بسبب آخر ، ولو أراد المسلم أن يرجع في هبته كان له ذلك ما لم يبعه الكافر أو يعوض المسلم منه والكافر في حكم الهبة بمنزلة المسلم ، وكذلك لو كان الكافر هو الواهب للعبد المسلم من المسلم ثم رجع في هبته كان له ذلك ; لأن حقه في الرجوع كان ثابتا ما لم يصل إليه العوض فلا يبطل بإسلام العبد ولكن إذا رجع فيه أجبر على بيعه . وإذا أسلم عبد النصراني فأجبره القاضي على بيعه فباعه ثم استحقه نصراني آخر ببينة مسلمين وقد أعتقه المشتري فإن عتقه باطل ; لأن بالاستحقاق قد ظهر أن المشتري لم يملك وإن عتقه لم ينفذ ; لأن بائعه لم يكن مالكا فيأخذه المستحق ويجبر على بيعه ولا يقال ينبغي أن ينفذ [ ص: 136 ] البيع بإجبار القاضي عليه في حق المستحق إذا كان نصرانيا ; لأن القاضي إنما أجبر عليه المالك الظاهر له حين أبى أن يسلم فلا يتعدى ذلك إلى المستحق ; لأنه لم يكن ظاهرا يومئذ ولعله يسلم لو عرض عليه الإسلام . ولو أن نصرانية تحت مسلم لها مملوك مسلم فأجبرت على بيعه فباعته من زوجها واشتراه زوجها لولد له صغيرا فذلك جائز ; لأن المقصود قد حصل ، وهو إزالة ذل الكافر عن المسلم بخروجه من ملكها . قال : ولو أن يتامى من النصارى أسلم عبد لهم أجبروا على بيعه لتقرر السبب ، وهو ملك الكافر في العبد المسلم فإن كان لهم وصي باعه الوصي ; لأنه قائم مقامهم في البيع الذي ليس بمستحق ففي البيع المستحق أولى ، وإن لم يكن لهم وصي جعل القاضي لهم وصيا فباعه لهم ; لأنه إذا جاز للقاضي نصب الوصي نظرا منه لليتامى فلأن يجوز ذلك منه نظرا لليتامى ومراعاة لحرمة الإسلام أولى . قال وإذا كان للمسلم عبد نصراني تاجر فاشترى عبدا نصرانيا فأسلم ولا دين على العبد التاجر لم أجبره على بيعه ; لأن كسب العبد الذي لا دين عليه مملوك لمولاه ، وهو مسلم وإن كان عليه دين أجبرته على بيعه ; لأن المولى لا يملك من كسبه ما لم يقض عنه الدين كالأجنبي والعبد هو المستبد بالتصرف ، وهو نصراني فيجبر على بيعه كمكاتب نصراني لمسلم أسلم عبده . قال وإذا اشترى النصراني عبدا مسلما فوجد به عيبا فقال أرده تركته حتى يرده ; لأنه يستوفي بالرد حقه ويدفع به الضرر عن نفسه وأكثر ما فيه أن يكون رده إياه بمنزلة البيع منه وذلك صحيح ، وإن وكل وكيلا يخاصم عنه في العيب جاز حتى يبلغ اليمين بالله ما رأى ولا رضي ، فإذا بلغ ذلك لم يستطع رده حتى يحضر الموكل فيحلف وفي هذا الحكم يستوي الكافر والمسلم ثم في ظاهر الرواية القاضي يحلف المشتري بهذه الصفة ما رأى ولا رضي طلب البائع ذلك أو لم يطلب ومن أصحابنا رحمهم الله من يقول لا يحلف إلا بطلب البائع ; لأنه نصب لفصل الخصومة لا لإنشائها ولكنا نقول هو مأمور بأن يصون قضاءه عن أسباب الخطأ وليس كل خصم يهتدي إلى ذلك ليسأل أو يتجاسر على ذلك مع حشمة القاضي فيحتاط القاضي بذلك ويحلفه بالله ما رأى العيب ولا رضي به وفي موضع آخر قال ولا عرضه على بيع ثم يقضي بالرد فإن أقر الوكيل عند القاضي أن المشتري قد رضي بالعيب جاز ذلك على المشتري ، وإن وكل البائع وكيلا بالخصومة فإقرار وكيله عليه جائز في مجلس القاضي ; لأنه قائم مقام الموكل في جواب الخصم [ ص: 137 ] ولا يحلف الوكيل ; لأن النيابة في اليمين لا تجزئ ولكن يحضر الموكل فيحلف بالله لقد باعه وما هذا به وقد قررنا هذا في كتاب العيوب . قال ولا يجوز بين أهل الذمة شيء من بيوع الصرف والسلم وغيرهما إلا ما يجوز بين أهل الإسلام ما خلا الخمر والخنزير فإني أجيز ذلك بينهم وأستحسن ذلك ; لأنهما أموال متقومة في حقهم والأثر الذي جاء فيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال ولوهم بيعها وخذوا العشر من أثمانها وقد تقدم بيان هذا الفصل في كتاب الغصب وأوضحنا الفرق بين الربا والتصرف في الخمر والخنزير باعتبار أن ذلك مستثنى من عقد الذمة ونذكر هنا حرفا آخر للفرق بينهما فنقول لما بقي الخمر والخنزير مالا متقوما في حقهم فلو لم نجز تصرفهم فيهما بالبيع والشراء لم تظهر فائدة المالية والتقوم فيكون إضرارا بهم ، ولو منعناهم عن عقود الربا لأدى ذلك إلى إبطال فائدة المالية والتقوم ; لأنهم قد لا يتمكنون من التصرف في ذلك المحل إلا بطريق الربا . قال ولا يحل للمسلم بيع الخمر ولا أكل ثمنها بلغنا ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه حديثان أحدهما قوله صلى الله عليه وسلم لعن الله في الخمر عشرة وذكر في الجملة بائعها والثاني قوله صلى الله عليه وسلم أن الذي حرم شربها حرم بيعها وأكل ثمنها وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم { لعن الله اليهود حرمت عليه الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا ثمنها } والله تعالى إذا حرم شيئا حرم بيعه وأكل ثمنه وبهذه الآثار تبين أن الخمر ليست بمال متقوم في حق المسلم فلا يجوز بيعه إياها . قال وإذا اشترى المسلم عصيرا فلم يقبضه حتى صار خمرا فالبيع فاسد ; لأنه تعذر قبضه بعد التخمر وبالقبض يتأكد الملك المستفاد بالعقد ويستفاد بملك التصرف وكما لا يجوز ابتداء العقد على الخمر من المسلم فكذلك لا يجوز قبض الخمر بحكم العقد فإن صارت خلا قبل أن يترافعا إلى السلطان فالمشتري بالخيار إن شاء أخذه وإن شاء تركه ، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أما عند محمد فالبيع باطل هكذا ذكر الكرخي ; لأن العقد فسد بالتخمر فلا يمكن تصحيحه على الخل إلا بالاستقبال ; وهذا لأن التخمر قبل القبض كالموجود عند العقد ، ولو اشترى المسلم خمرا فتخللت لا يصح العقد وجه قولهما أن أصل العقد صحيحا ثم بالتخمر فات القبض المستحق بالعقد العارض على شرف الزوال ، وهو انعدام المالية والتقوم ، فإذا زال صار كأن لم يكن كما لو أبق المبيع قبل القبض ثم عاد من إباقه إلا أن المشتري هنا مخير لتغيير صفة المبيع ، وهو في ضمان البائع ; ولهذا لو [ ص: 138 ] خاصمه فيها قبل أن يصير خلا فأبطل القاضي البيع ثم صارت خلا بعد ذلك لم يكن له عليها سبيل ; لأن العقد انفسخ بقضاء القاضي كما في الإباق إذا عاد بعدما فسخ القاضي البيع بينهما وبه فارق ما لو كانت خمرا في الابتداء فإن هناك البيع ما انعقد صحيحا ، ألا ترى أنه لو باع العبد . وهو آبق ثم رجع من إباقه لم يصح البيع وعلى هذا النصراني لو اشترى من نصراني خمرا ثم صارت خلا ثم أسلما فالمشتري بالخيار إن شاء أخذ وإن شاء ترك لتغير صفة المبيع ، وإن أسلما ثم صارت خلا فهو على هذا الخلاف الذي ذكرنا ثم ذكر مسألة إقراض النصراني نصرانيا خمرا وقد تقدم بيان ذلك في كتاب الغصب . قال وإذا اشترى النصراني من النصراني خمرا أو خنزيرا على أنه بالخيار ثلاثة أيام ثم أسلم المشتري قبل أن يختار وقد قبض كان البيع باطلا في قول أبي حنيفة ويتم البيع في قول صاحبيه بناء على اختلافهما في وقوع الملك للمشتري مع اشتراط الخيار وقد تقدم بيانه بفصوله ، ولو كان الخيار للبائع فأسلما أو أسلم البائع بطل البيع ; لأن خيار البائع يمنع خروج المبيع عن ملكه فلا يمكن من إخراجه عن ملكه بالإجازة بعد إسلامه ، وإن أسلم المشتري وقد قبض ما اشترى لم يفسد البيع ; لأن البيع قد تم من قبله والبائع على خياره فإن أجاز البيع ملك المشتري الخمر حكما من غير عقد باشره بعد إسلامه وإسلامه لا يمنعه من ذلك . وإذا ارتهن نصراني من نصراني خمرا بدين له عليه فأسلم المرتهن بطل الرهن ; لأن المقصود بالرهن الاستيفاء ولا يتم ذلك إلا بهلاك الرهن فالإسلام الطارئ بعد العقد قبل حصول المقصود يجعل بمنزلة المقترن بالعقد فإن كان المرتهن هو الذي أسلم بقي مضمونا عليه حتى إذا هلك هلك على الراهن ; لأن خمر الكافر يجوز أن تكون مضمونة على المسلم بالغصب فكذلك بالقبض بحكم الرهن فإن كان الراهن هو الذي أسلم ثم هلك الرهن لم ينتقص من حق المرتهن شيء ; لأن خمر المسلم لا تكون مضمونة على الذمي بالغصب فكذلك بالقبض بحكم الرهن ، وهذا لانعدام المالية والتقوم في حق المالك هنا بخلاف الأول . قال وإذا وكل المسلم نصرانيا ببيع الخمر فباعها جاز في قول أبي حنيفة ; لأن العاقد نصراني ولم يجز في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ; لأن من وقع له العقد مسلم وقد تقدم بيان هذا الفصل . وإذا كان للذمي عبدان أخوان لم أكره له أن يفرق بينهما في البيع ; لأن ما فيه من الشرك أعظم من التفريق يعني أن المنع من التفريق لحق الشرع والكفار لا يخاطبون من حقوق الشرع بما هو أعظم من كراهة التفريق نحو العبادات فكذلك لا يظهر في حقهم حكم كراهة التفريق [ ص: 139 ] في البيع والله أعلم باب بيوع ذوي الأرحام قال ليس ينبغي للرجل أن يفرق بين الجارية وولدها في البيع ولا في الهبة ولا في الصدقة ولا في الوصية إذا كان صغيرا لما روي أن { زيد بن حارثة رضي الله عنه قدم بسبايا فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يتصفحهم فرأى جارية والهة فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شأنها فقال زيد رضي الله عنه احتجنا إلى نفقة فبعنا ولدها فقال صلى الله عليه وسلم أدرك أدرك لا توله والدة بولدها وقال النبي صلى الله عليه وسلم من فرق بين والدة وولدها فرق الله تعالى بينه وبين الجنة وفي رواية فرق الله تعالى بينه وبين أحبته يوم القيامة } وكذلك كل ذي رحم محرم والحاصل أنه إذا اجتمع في ملكه شخصان بينهما قرابة محرمة للنكاح وهما صغيران أو أحدهما صغير فليس له أن يفرق بينهما في الإخراج عن ملكه بالبيع عندنا . وقال الشافعي في الوالدين والمولودين كذلك وفيما سوى ذلك لا بأس بالتفريق بناء على مذهبه في عتق أحدهما على الآخر عند دخوله في ملكه وحجتنا في ذلك ما روي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهب لعلي كرم الله وجهه أخوين صغيرين ثم لقيه بعد ذلك فقال ما فعل الغلامان فقال بعت أحدهما فقال أدرك } والمعنى فيه أن الصغير يستأنس بالكبير والكبير يشفق على الصغير ويقوم بحوائجه ففي التفريق بينهما إيحاشهما وترك الترحم عليهما وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم { من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا فليس منا } والكافر والمسلم في ذلك سواء لاستوائهما في الشفقة التي تنبني على القرابة ثم تمتد هذه الكراهة إلى البلوغ عندنا وقال الشافعي إلى أن يستغني الصغير عن الكبير في التربية واعتمادنا في ذلك ما ذكره الدارقطني في مسنده بالإسناد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه { لا تجمعوا عليهم بين السبي والتفريق ما لم يبلغ الغلام وتحض الجارية } وقد قال بعض مشايخنا رحمهم الله إذا راهق الصغير ورضيا أن يفرق بينهما فلا بأس بالتفريق بينهما ; لأن كل واحد منهما من أهل النظر لنفسه وربما يريان مصلحة في ذلك فلا بأس بالتفريق عند ذلك برضاهما فأما بعد البلوغ فلا بأس بالتفريق بينهما ; لأن كل واحد منهما يقوم بحوائجه ، وربما لا يستأنس بعضهم ببعض بل يستوحش بعضهم من بعض إذا اجتمعوا في ملك رجل واحد حتى يؤدي إلى قطيعة الرحم ولهذا حرم [ ص: 140 ] الجمع بين الأختين نكاحا . ولو كان مملوكا لرجل وولده الصغير مملوك لابن الرجل ، وهو صغير في حجره كان له أن يفرق بينهما بالبيع ; لأنهما ما اجتمعا في ملك رجل واحد والأب في التصرف في ملك ولده قائم مقام الولد لو كان بالغا ، وكذلك إن كان كل واحد منهما لولد من أولاده ، ولو اشتراهما جميعا فوجد بأحدهما عيبا كان له أن يرده ويمسك الباقي وعن أبي يوسف قال يردهما أو يمسكهما ; لأن في معنى كراهة التفريق بينهما أنها كشخص واحد وقاس بما لو اشترى مصراعي باب فوجد بأحدهما عيبا كان له أن يردهما أو يمسكهما وجه ظاهر الرواية أن المثبت لحق الرد له هو العيب ، وهو مقصور على المعيب حقيقة وحكما ولا يتمكن من رد الآخر بعد تمام الصفقة ثم هذا تفريق بحق مستحق في أحدهما فيجوز كالدفع بالجناية والبيع بالدين ، ولو كان له من كل واحد منهما شقص لم أكره له أن يبيع شقصه من أحدهما دون الآخر ; لأنهما ما أجتمعا في ملكه وكراهة التفريق بناء على اجتماعهما في ملكه . ولو كانا مملوكين له فباع أحدهما دون الآخر كان مسيئا والبيع جائز في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف أستحسن إبطال البيع في الوالدين والمولودين ولا أبطله في الأخوين ، وهو قول الشافعي وروى الحسن عن أبي يوسف رحمهما الله أن البيع في جميع ذلك باطل لما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أدرك أدرك وقال صلى الله عليه وسلم ذلك لزيد بن حارثة رضي الله عنه وإنما يتمكن من الإدراك بالاسترداد لفساد البيع ففي إحدى الروايتين فيهما جميعا قال البيع فاسد ، وفي الرواية الأخرى فرق لقوة الولادة وضعف القرابة المتجردة عن الولادة وحمل قوله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أدرك على طلب الإقالة أو بيع الآخر ممن باع منه أحدهما ، وهو تأويل الحديثين عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله والقياس لهما فإن النهي عن بيع أحدهما لمعنى في غير البيع غير متصل بالبيع ، وهو الوحشة ، وذلك ليس من البيع في شيء والنهي متى كان لمعنى في غير المنهي عنه لا يفسد البيع كالنهي عن البيع وقت النداء . قال ولا بأس بأن يكاتب أحدهما دون الآخر ; لأن عقد الكتابة مآله العتق فهو كالإعتاق ولا بأس بأن يعتق أحدهما فكذلك يكاتبه ; لأنه لا تفريق بينهما في هذا التصرف بل يزداد الاستئناس ويمكن الكبير من القيام بحوائج الصغير إذا كوتب أو أعتق وربما يتمكن من شرائه بعد ذلك فيعتق عليه [ ص: 141 ] وكذلك لا بأس بأن يبيع أحدهما نسمة للعتق ويمسك الآخر وعن محمد أنه يكره له ذلك . وهذا لأن بيع نسمة ليس ببيع بشرط العتق فإن البيع بهذا الشرط لا يجوز ولكنه ميعاد بينهما فربما يفي به المشتري وربما لا يفي فيبقى التفريق بينهما متحققا في الحال وجه ظاهر الرواية أن الظاهر من حال من يشتري النسمة للعتق الوفاء بما يعد وإنما ينبني الحكم على الظاهر ما لم يتبين خلافه فبيع أحدهما نسمة كبيعه من قريبه ليعتق عليه ، وذلك غير مكروه . قال وإذا اجتمع في ملكه أختان فدبر إحداهما أو استولدها والأخرى صغيرة لم أكره له بيع الصغيرة ، وكذلك إن كاتب إحداهما ; لأن كراهة التفريق عند تمكنه من بيعها فإن عند ذلك يكون التفريق محالا على اختياره وهنا هو غير متمكن من بيع إحداهما فيجوز له بيع الأخرى ، وعن أبي يوسف أن في التدبير والاستيلاد ليس له أن يبيع الأخرى ; لأن ملكه في المدبرة وأم الولد مطلق فيتحقق اجتماعهما في ملكه فيكره التفريق وفي الكتابة لا يكره ; لأن ملكه في المكاتب ثابت من وجه دون وجه فلم يجتمعا في ملك مطلق له فلا بأس بأن يبيع أحدهما . قال وإذا كان أحد المملوكين له والآخر لزوجته أو لمكاتبه فلا بأس بالتفريق بينهما ; لأنهما ما اجتمعا في ملك رجل واحد ولأنه غير متمكن من بيعهما من واحد إذ ليس له حق التصرف في كسب مكاتبه وملك زوجته ، وكذلك إن كانت إحداهما لعبد له تاجر وعليه دين ; لأنه غير متمكن من بيعها فإن تصرفه في كسب العبد المديون لا ينفذه وعن أبي حنيفة هو لا يملك كسبه فلم يجتمعا في ملكه ، وإن لم يكن على العبد دين فليس له أن يفرق بينهما ; لأنهما اجتمعا في ملكه ، وهو متمكن من بيعهما وإن كانت إحداهما لمضاربه فلا بأس بأن يبيع المضارب ما عنده منهما ; لأن المضارب غير مالك لهما ولا هو متمكن من بيعهما فله أن يبيع ما كان عنده منهما . قال وإذا كان للرجل أمة فباعها على أن له الخيار ثلاثة أيام ثم اشترى ابنها كرهت له أن يوجب البيع في الأمة ; لأن خيار البائع يمنع خروج المبيع عن ملكه فقد اجتمعا في ملكه ، وهو متمكن من أن لا يفرق بينهما بأن يفسخ البيع ثم يبيعهما معا ، فإذا أوجب البيع في الأمة كان مفرقا بينهما باختياره وذلك مكروه ، وكذلك إن سكت حتى مضت المدة ; لأن سكوته عن الفسخ إلى مضي المدة كاختياره إمضاء البيع ، وإن كان الخيار للمشتري فلا بأس بأن يستوجبها ; لأن الأمة خرجت من ملك البائع مع خيار المشتري فلم يجتمعا في [ ص: 142 ] ملك رجل واحد ، ولو كان عنده ابن لها فاختار ردها لم يكن بذلك بأس أما عند أبي حنيفة فلأنهما لم يجتمعا في ملكه فإن خيار المشتري يمنع وقوع الملك له وعندهما ; لأن هذا التفريق لحق له في إحداهما فكان بمنزلة الرد بخيار العيب . ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |