المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         7 ألوان محايدة يصفها مصممو الديكور بأنها مثالية.. موضة 2026 (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          تفريزات رمضان.. اعرفى الطريقة الصحيحة لتخزين السبانخ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          طريقة عمل مكرونة بالصلصة البيضاء والسبانخ المشوحة.. لذيذة وأطفالك هتحبها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          4 طرق مختلفة لإزالة طلاء الأظافر بخطوات بسيطة.. مش هتحتاجى لاسيتون (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          6 نصائح لوضع مكياج دون علامات أو تكتل فى الشتاء.. خليكى مميزة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          خطوات بسيطة لوضع مكياج إطلالة مميزة لصاحبات البشرة الجافة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          طريقة عمل الأرز بالكريمة والمشروم وصوص الليمون.. مش عارفة تطبخى إيه النهاردة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          7 أخطاء فى تخزين الطعام تسبب روائح كريهة فى الثلاجة.. اعرفيها وتجنبيها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          وصفات طبيعية لعلاج المسام المفتوحة.. أبرزها بياض البيض (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          طريقة عمل جلاش بالجبن.. عشاء سريع وطعمه حلو (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 15-12-2025, 10:43 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,570
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى عشر

صـــ 132 الى صـــ 141
(261)




والدليل عليه أنه يثبت في الذمة مهرا وأن الدعوى والشهادة في الحيوان تسمع بذكر الصفة فدل أنها تصير معلومة بذكر الوصف بخلاف اللآلئ والجواهر فالسلم في الصغار من اللآلئ يجوز وزنا أما الكبار منها فلا يمكن إعلامها لكون المقصود التدوير والصفاء والماء وليس لذلك حد معلوم يوقف عليه فإذا بالغ في بيانه يصير بذلك عديم النظير وفي مثله لا يجوز السلم ولهذا لا يثبت مهرا في الذمة وحجتنا في ذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن السلم في الحيوان } وفي الكتاب قال : ( بلغنا عن عبد الله بن مسعود ) وإنما فسر هذا الحديث في أول كتاب المضاربة أن ابن مسعود دفع مالا مضاربة إلى زيد بن خليدة فأسلمها زيد إلى عتويس بن عرقوب في قلانص معلومة فقال عبد الله بن مسعود اردد مالنا لا نسلم أموالنا في الحيوان وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه قال : إن من الربا أبوابا لا يكدن يخفين على أحد منها السلم في السن وقد بينا تأويل آثارهم وما روي أنه استقرض بكرا فالمراد استعجل في الصدقة ثم لم تجب الزكاة على صاحبها فردها رباعيا أو استقرض لبيت المال وكما يجوز أن يثبت لبيت المال حق مجهول يجوز أن يثبت ذلك على بيت المال أيضا والمعنى فيه أنه أسلم في مجهول فلا يجوز كما لو أسلم في الحلقات أو الجواهر وهذا لأن المسلم فيه مبيع وشرط جواز العقد القدرة على التسليم ولا يوجد ذلك إذا كان المسلم فيه مجهولا وبيان الوصف أن بعد ذكر الأوصاف التي يشترطها الخصم يبقى تفاوت عظيم في المالية فإنك تجد فرسين مستويين في السن والصفة ثم تشتري أحدهما بأضعاف ما تشتري به الآخر لتفاوت بينهما في المعاني الباطنة كالهملجة وشدة العدو وكذلك في البعيرين وهذا في بني آدم لا يخفى فإن العبدين والأمتين يتساويان في السن والصفة ويختلفان في المالية لتفاوتهما في الذهن [ ص: 133 ] والكياسة . وفيه يقول القائل :
رب واحد يعدل ألفا زائدا وألوف تراهم لا يساوون واحدا
وكما أن العين مقصود ، فالمالية أيضا مقصودة ، بل أكثر لأن المقصود هو الاسترباح وذلك بالمالية يكون .

فإذا كان الحيوان بذكر الأوصاف لا يلتحق بذوات الأمثال في معنى المالية ; قلنا : لا يجوز السلم فيها بخلاف الثياب فإنها مصنوع بني آدم . فما لم يكن معلوما لهم لا يتمكنون من اتخاذها ، والثياب إذا نسجت في منوال واحد على هيئة واحدة لا تتفاوت في المالية إلا يسيرا ، ولا معتبر بذلك القدر كالتفاوت بين الجيد والرديء في الحنطة في المالية . فأما الحيوان مصنوع الله تعالى وذلك يكون على ما يريده فقد يكون على وجه لا نظير له ولو بالغ فاستقصى في بيان وصفه يصير عديم النظير ، وذلك لا يجوز السلم فيه بالاتفاق ويوضحه أن أقرب الحيوانات إلى الثياب الغنم ، وما هو المقصود من الغنم غير مرئي بل هو تحت الجلد ، ويقع فيه تفاوت عظيم ، وما هو المقصود في الثياب ظاهر مرئي ، وقد ذكر عمرو بن أبي عمرو عن محمد رحمهما الله تعالى قال : قلت : له إنما لا يجوز السلم في الحيوان لأنه غير مضبوط بالوصف ، قال : ( لا فإنا نجوز السلم في الذبائح ولا نجوز في العصافير ) ولعل ضبط العصافير بالوصف أهون من ضبط الذبائح ; ولكنه للسنة . وإنما ذكر الله تعالى لبنى إسرائيل الأوصاف الظاهرة وذلك يمكن إعلامه عندنا ثم كان المقصود التشديد عليهم لما استقصوا في الاستيصاف .

هكذا قاله ابن عباس وإنما نهى صلى الله عليه وسلم عن الاستيصاف لخوف الفتنة وذلك يقع بالأوصاف الظاهرة ، وكذلك سماع الدعوى والشهادة لأن الأوصاف الظاهرة منها تصير معلومة ، وثبوته في الذمة مهرا لكون النكاح مبنيا على التوسع ، فإن المقصود به شيء آخر سوى المالية بخلاف السلم ، ولهذا يجوز من غير بيان الوصف هناك

قال ( ولا بأس بالسلم في الثياب كلها بعد أن يشترط ضربا معلوما ، وطولا ، وعرضا ، بذراع معلوم ، وأجلا ، وصفة معلومة ) لأن مقدار المالية بذكر هذه الأوصاف يصير معلوما عادة ، والتفاوت الذي يقع بعد هذا يسير واليسير من التفاوت غير معتبر لأنه لا يتمكن بسببه منازعة مانعه من التسليم والتسلم ، ولا يشترط الوزن بخلاف الحرير فإنه إذا أسلم في الحرير ينبغي أن يشترط الوزن لأن قيمة الحرير تختلف باختلاف الوزن . وينبغي أن يشترط الطول والعرض مع الوزن لأن المسلم إليه يأتي وقت حلول الأجل يقطع الحرير بذلك الوزن ونحن نعلم يقينا أنه [ ص: 134 ] لم يرد به قطع الحرير .
قال ( وكل شيء ينقطع من أيدي الناس فلا خير في السلم فيه ) وهذه المسألة على أربعة أوجه : ( أحدهما ) أن يكون المسلم فيه موجودا عند العقد منقطعا عن أيدي الناس عند حلول الأجل فلهذا لا يجوز بالاتفاق لأن السلم إليه بالعقد يلتزم التسليم عند حلول الأجل فإذا لم يكن مقدور التسليم عند ذلك لا يجوز العقد ( الثاني : ) أن يكون منقطعا وقت العقد موجودا في أيدي الناس عند حلول الأجل فهذا لا يجوز عندنا ويجوز عند الشافعي ( الثالث : ) أن يكون موجودا عند العقد وعند حلول الأجل ولكنه ينقطع عن أيدي الناس فيما بين ذلك فهذا لا يجوز عندنا وعلى قول مالك والشافعي رحمهما الله ( الرابع : ) أن يكون موجودا من وقت العقد إلى وقت المحل على وجه لا ينقطع فيما بين ذلك فيكون العقد صحيحا بالاتفاق وحجتهم في ذلك حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم { دخل المدينة فوجدهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين - وربما قال : ثلاث سنين - فقال : من أسلم منكم فليسلم في كيل معلوم } ومعلوم أن الثمار الرطبة لا تبقى إلى هذه المدة الطويلة ومع هذا قرهم على السلم فيها والمعنى فيه وهو أن المسلم فيه معلوم مقدور التسليم عند وجوب التسليم فيجوز العقد كما لو كان موجودا من وقت العقد إلى وقت المحل وبيان الوصف أن وجوب التسليم بحكم العقد عند حلول الأجل وعند ذلك هو موجود في العالم والقدرة على تسليم الدين بوجود جنسه في العالم ولا معنى لقول من يقول من الجائز أن يموت المسلم إليه عقيب العقد فيحل الأجل لأن هذا موهوم

ولا يبنى العقد على الموهومات ألا ترى أن اعتبار هذا الموهوم يؤدي إلى الحلول أو جهالة الأجل وذلك مبطل لعقد السلم وإن كان موجودا في الحال فدل أنه لا يعتبر ذلك وكذلك إن كان ينقطع فيما وراء ذلك المحل يجوز العقد وإن كان يتوهم أن يتأخر التسليم إلى أن ينقطع وليس هذا نظير ما لو عين مكيالا أو قيما تخالف ما بين الناس لأن بطلان العقد ليس باعتبار هلاك ما عينه بل باعتبار جهالة قدر المسلم فيه كتعيين المسلم فيه لا لأنه يتوهم أو يصيب ثمار تلك النخلة آفة والدليل أن وجود السلم فيه في مكان العقد ليس بشرط بجواز العقد فكذلك في زمان العقد لا التسليم لا يتأتى إلا بمكان أو زمان فكل يسقط اعتبار وجوده في مكان العقد فكذلك في زمان العقد وحجتنا في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم { لا تسلفوا في الثمار حتى يبدو صلاحها } وفي الحديث المعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها } ولم يرد به النهي عن بيعها سلما والمعنى فيه أن قدرة العاقد [ ص: 135 ] على تسليم المعقود عليه شرط لجواز العقد كما في بيع العين وهذا لأن الملتزم للتسليم هو العاقد فيشترط قدرته على التسليم ولا يوجد ذلك إذا كان المسلم فيه معدوما في الحال لأن العاقد لا يقدر على تسليمه إلا بإيصال حياته وأن ذلك الشيء وإيصال حياته بأوان الوجود موهوم وبالموهوم لا تثبت القدرة على التسليم فإن قيل حياته معلومة في الحال

والأصل بقاؤه حيا إلى ذلك الوقت وإنما الموت موهوم قبله قلنا نعم ولكن بقاؤه حيا إلى ذلك الوقت باستصحاب الحال فيكون معتبرا في إبقاء ماله على ملكه لا في توريثه من مورثه فبهذا الطريق لا تثبت قدرته على التسليم إلا أن يكون موجودا في الحال حتى تكون حياته متصلة بأوان ذلك الشيء ثم عجزه بالموت أو بآخر التسليم إلى أن ينقطع موهوم فلا يعتبر ذلك في إفساد العقد يقرره أن ما بعد العقد بمنزلة حالة المحل لأن زمان المحل وقت وجوب التسليم بشرط بقائه حيا إلى ذلك الوقت وذلك موهوم وما بعد العقد وقت وجوب التسليم يشترط موته وذلك موهوم أيضا فاستويا من هذا الوجه ثم يشترط الوجود وقت المحل بالاتفاق فلذلك يشترط الوجود من وقت العقد إلى وقت المحل بخلاف ما وراء المحل لأن ذلك ليس بزمان وجوب التسليم ابتداء وإنما هو زمان بقاء ما وجب من التسليم ولا يعتبر في حالة البقاء ما يعتبر في حالة الابتداء كخلو المحل عن الردة والعدة في النكاح والشهود تعتبر عند ابتداء العقد لا عند البقاء واعتبار الزمان بالمكان ساقط لأنه يتحقق نقله من مكان إلى مكان فبانعدامه في مكان العقد لا تنعدم القدرة على التسليم ولا يتحقق نقله من زمان إلى زمان فتنعدم القدرة على التسليم لعدم الوجود في زمان العقد ألا ترى أنه لا يشترط وجوده في المكان الذي جعلاه محل التسليم ويشترط وجوده في زمان المحل وما افترقا إلا لما قلنا وإذا كان المسلم فيه موجودا من وقت العقد إلى وقت المحل ثم لم يأخذه بعد محل الأجل حتى انقطع فرب السلم بالخيار إن شاء أخذ رأس المال وإن شاء صبر حتى يجيء حينه فيأخذ ما أسلم فيه عند علمائنا الثلاثة رحمهم الله تعالى وقال زفر : يبطل العقد ويسترد رأس المال لأن الانقطاع من أيدي الناس في العجز عن تسليم الدين بمنزلة هلاك العين في العجز عن التسليم

ولو هلك المبيع في بيع العين قبل التسليم بطل به البيع فكذلك إذا انقطعت من أيدي الناس وقاس بما لو اشترى بفلوس شيئا فكسدت قبل القبض يبطل العقد لهذا المعنى فكذلك إذا انقطع المسلم فيه من أيدي الناس وحجتنا في ذلك أنه يعذر بتسليم المعقود عليه بعارض على شرف الزوال فيتخير فيه [ ص: 136 ] العاقد كما لو أبق العبد المبيع قبل القبض وهذا لأن المعقود عليه دين وبقاء الدين ببقاء محله ومحل الدين إنما هو الذمة فكان المعقود عليه باقيا ببقاء الذمة ولكن تأخر تسليمه إلى أوان وجوده وفيه يعتبر شرط العقد فيثبت للعاقد الخيار بين أن يفسخ العقد ويسترد رأس المال وبين أن يصبر حتى يأتي أوانه فيأخذ المسلم فيه وبه فارق هلاك العين فالمعقود عليه هناك يفوت أصلا وكذلك الفلوس إذا كسدت فإن العقد إنما تناول فلوسا هي ثمن فبعد الكساد لا يبقى ثمنا أصلا يوضحه أن ما يكسد من الفلوس لا يروج بعد ذلك أو لا يدرى متى يروج فلم يكن للقدرة فيه على التسليم أوان معلوم فلهذا يبطل العقد هنا لادراك الثمار للقدرة على التسليم أوان معلوم فيخير رب السلم إن شاء رضي بالتأخير وإن شاء فسخ العقد وأخذ رأس ماله
قال : ( ولا خير في السلم في الرمان والسفرجل والبطيخ والقثاء والخيار وما أشبه ذلك مما لا يكال ولا يوزن ) لأنه يختلف فيه الصغير والكبير فلا يمكن أن يؤتى على حصر متقاربة وأصل هذا الجنس مروي عن أبي يوسف ، قال : ( ما يتفاوت آحاده في القيمة فهو عددي متفاوت لا يجوز السلم فيه عددا ) وما لا يتفاوت آحاده في القيمة وإن ما يتفاوت أنواعه فهو عددي متفاوت لا يجوز السلم فيه عددا والرمان والبطيخ تتفاوت في المالية آحاده والباذنجان وما أشبه ذلك لا يتفاوت آحاده في المالية وعلى هذا الأصل يجوز السلم في البيض والجوز عددا لأن آحاده في المالية لا تتفاوت فإنك لا ترى جوزة بفلس وجوزة بفلسين وإنما تتفاوت أنواعه في المالية وذلك التفاوت يزول بذكر العد في العدديات كالقدر في المقدورات وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنه لا يجوز السلم في بيض النعام لأنه تتفاوت آحاده في المالية وعلى قول زفر لا يجوز السلم في البيض والجوز عددا لأن فيه الصغير والكبير وتجري فيه المنازعة بينهما في التسليم والتسلم وإنما يجوز السلم في البيض وزنا وفي الجوز كيلا بعد أن يكون بمكيال معروف له ونحن نجوز السلم فيه كيلا أيضا لأنه يكال تارة ويعد أخرى فتنقطع فيه المنازعة بينهما بذكر الكيل كما ينقطع بذكر العدد

قال : ( ولا بأس بالسلم في الفلوس عددا لأنه عددي متقارب أو هي أمثال متساوية قطعا ما دامت متساوية قطعا ما دامت متساوية رائجة لسقوط قيمة الجودة منها باصطلاح الناس ) وذكر أبو الليث الخوازم عن محمد أنه لا يجوز السلم في الفلوس لأنها ثمن ما دامت رائجة والمسلم فيه مبيع فما ثمن لا يجوز أن يكون مسلما فيه كالذهب والفضة وبعد الكساد هي قطع صغار موزونة فلا يجوز السلم فيها عددا ولكن ما ذكره في الكتاب [ ص: 137 ] أصح لأن صفة الثمنية في الفلوس عارضة باصطلاح الناس والمتعاقدان أعرض عن هذا الاصطلاح حين عقد السلم وما أعرض على الاصطلاح على كونه عدديا ولكن ليس من ضرورة خروجه في حقهما من أن يكون ثمنا خروجه من أن يكون عدديا كالجوز والبيض فأما الذهب والفضة ثمن بأصل الخلقة فلا ينعدم ذلك بجعلهما إياه مبيعا ألا ترى أن الفلوس تروج تارة وتكسد أخرى وتروج في ثمن الخسيس من الأشياء دون النفيس بخلاف النقود
ولا خير في السلم في اللحم لأنه مختلف في قول أبي حنيفة ولا بأس به في قول ابن أبي ليلى وقال : أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إذا أسلم في موضع منه معلوم وسمى صفة معلومة فهو جائز وقيل لا خلاف بينهما وبين أبي حنيفة بل جواب أبي حنيفة فيما إذا أطلق السلم في اللحم ، وهما لا يجوزان ذلك ، وجوابهما فيما إذا بين منه موضعا معلوما . وأبو حنيفة يجوز ذلك والأصح أن الخلاف ثابت ، وأن عند أبي حنيفة لا يجوز السلم فيه وإن بين منه موضعا معلوما . وجه قولهما أنه موزون معلوم فيجوز السلم فيه كسائر الموزونات ، وبيان الوصف أن الناس اعتادوا بيعه وزنا ويجوز استقراضه وزنا ويجري فيه الربا بعلة الوزن ، ثم الموزون المثمن معتبر بالمكيل المثمن ويجوز السلم فيه وإن اشتمل على ما هو مقصود وعلى ما ليس بمقصوده كالتمر ، فما فيه من النوى غير مقصود ، ولا يمنع ذلك جواز السلم . فكذلك ما في اللحم من العظم لأن كل واحد منهما ثابت بأصل الخلقة والدليل عليه جواز السلم في الألية مع ما فيها من العظم ، وكذلك يجوزالسلم في الشحم لأنه موزون فكذلك في اللحم . ولأبي حنيفة طريقان : ( أحدهما : ) أن اللحم يشتمل على ما هو المقصود وعلى ما ليس بمقصوده وهو العظم ، فيتفاوت ما هو المقصود بتفاوت ما ليس بمقصود منه ; ألا ترى أنه تجري المماكسة بين البائع والمشتري في ذلك ، فالمشتري يطالبه بالنزع والبائع يدسه فيه ؟ وهذا نوع من الجهالة والمنازعة بينهما لا ترتفع ببيان الموضع ، وذكر الوزن بخلاف النوى الذي في التمر فالمنازعة لا تجري في نزع ذلك ، وكذلك العظم الذي في الألية . وعلى هذا الطريق إذا أسلم في لحم منزوع العظم يجوز عند أبي حنيفة وهو اختيار ابن شجاع والطريق الآخر : أن اللحم يشتمل على السمن والهزال ومقاصد الناس في ذلك مختلفة وذلك يختلف باختلاف فصول السنة وبقلة الكلأ وبكثرة الكلأ ، والسلم لا يكون إلا مؤجلا ، فلا يدرى أن عند حلول الحول على أي صفة تكون وهذه الجهالة لا ترتفع بذكر الوصف فكان السلم في اللحم بمنزلة السلم في الحيوان ، وبه فارق الاستقراض .

فالقرض لا يكون إلا حالا وفي الحال [ ص: 138 ] صفة السمن والهزال معلومة وبخلاف الشحم والألية فالتفاوت فيهما من حيث القلة والكثرة ، وبذكر الوزن يزول ذلك وعلى هذا الطريق منزوع العظم سواء ، وهو الأصح .

قال ( ولا خير في السلم في السمك الطري في غير حينه ، ) لأنه ينقطع عن أيدي الناس ولأنه مختلف . فالنكتة الأولى : تدل على أنه إذا أسلم في حينه يجوز . والنكتة الثانية : تمنع من ذلك ، وحاصل الجواب أن السلم فيه في غير حينه لا يجوز وزنا ولا عددا ، وفي حينه يجوز وزنا ولا يجوز عددا لأن فيه الصغير والكبير إلا أن الناس اعتادوا بيعه وزنا ، والتفاوت في المالية ينعدم بذكر الوزن . وأبو حنيفة يفرق بين هذا وبين السلم في اللحم لما بينا أن العظم ليس بمقصود من اللحم حتى تجري المماسكة في نزعه ، فإنه يشتمل على السمن والهزال وذلك لا يوجد في السمك . وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أن الكبار من السمك الذي يقطع لا يجوز السلم فيها وزنا بمنزلة السلم في اللحم ، فإنه إذا كان يقطع تجري المماكسة في نزع العظم منه وتختلف رغائب الناس باختلاف الموضع منه ، فأما السمك المالح فلا بأس بالسلم فيه وزنا معلوما ولا خير فيه عددا ، أما الصغار منه فإنه يباع وزنا ولا سمن له وهو مما لا ينقطع عن أيدي الناس فيجوز السلم فيه وزنا وفي الكبار لا يجوز السلم عددا للتفاوت ويجوز وزنا وعن أبي يوسف أنه لا يجوز ذلك بخلاف اللحم فهناك يتمكن من إعلام موضع الخبث أو الطهر ولا يتأتى ذلك في السمك فلا يجوز وزنا
قال : ( وإذا أسلم في الجذوع ضربا معلوما وسمى طوله وغلظه وأجله والمكان الذي يوفيه فيه فهو جائز ) لأنه مذروع معلوم كالثياب وكذلك الساج وصنوف العيدان والخشب والقصب وإعلام الغلظ في القصب بإعلام ما يسد به الظن بشبر أو ذراع أو نحو ذلك فعند ذلك لا تجري المنازعة بينهما
قال : ( وإذا استصنع الرجل عند الرجل خفين أو قلنسوة أو طستا أو كوزا أو آنية من أواني النحاس فالقياس أن لا يجوز ذلك ) لأن المستصنع فيه مبيع وهو معدوم وبيع المعدوم لا يجوز لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عند الإنسان ثم هذا في حكم بيع العين ولو كان موجودا غير مملوك للعاقد لم يجز بيعه فكذلك إذا كان معدوما بل أولى ولكنا نقول نحن تركنا القياس لتعامل الناس في ذلك فإنهم تعاملوه من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من غير نكير منكر وتعامل الناس من غير نكير أصل من الأصول كبير لقوله صلى الله عليه وسلم { ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن } وقال : صلى الله عليه وسلم { لا تجتمع أمتي على ضلالة } [ ص: 139 ] وهو نظير دخول الحمام بأجر فإنه جائز لتعامل الناس وإن كان مقدار المكث فيه وما يصب من الماء مجهولا وكذلك شرب الماء من السقا بفلس والحجامة بأجر جائز لتعامل الناس وإن لم يكن له مقدار فما يشترط أن يصنع من الكنة على ظهره غير معلوم وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم { استصنع خاتما واستصنع المنبر } فإذا ثبت هذا يترك كل قياس في مقابلته وكان الحاكم الشهيد يقول : الاستصناع مواعدة وإنما ينعقد العقد بالتعاطي إذا جاء به مفروغا عنه ولهذا ثبت فيه الخيار لكل واحد منهما والأصح أنه معاقدة فإنه أجرى فيه القياس والاستحسان والمواعيد تجوز قياسا واستحسانا ثم كان أبو سعيد البردعي يقول المعقود عليه هو العمل لأن الاستصناع اشتغال من الصنع وهو العمل فتسمية العقد به دليل على أنه هو المعقود عليه والأديم والصرم فيه بمنزلة الآلة للعمل

والأصح أن المعقود عليه المستصنع فيه وذكر الصنعة لبيان الوصف فإن المعقود هو المستصنع فيه ألا ترى أنه لو جاء به مفروغا عنه لا من صنعته أو من صنعته قبل العقد فأخذه كان جائزا والدليل عليه أن محمدا قال : إذا جاء به مفروغا عنه فللمستصنع الخيار لأنه اشترى شيئا لم يره وخيار الرؤية إنما يثبت في بيع العين فعرفنا أن المبيع هو المستصنع فيه قال : ( وإذا عمله الصانع فقبل أن يراه المستصنع باعه يجوز بيعه من غيره ) لأن العقد لم يتعين في هذا بعد ولكن إذا أحضره ورآه المستصنع فهو بالخيار لأنه اشترى ما لم يره وقال : صلى الله عليه وسلم { من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه } وعن أبي يوسف قال : إذا جاء به كما وصفه له فلا خيار للمستصنع استحسانا لدفع الضرر عن الصانع في إفساد أديمه وآلاته فربما لا يرغب غيره في شرائه على تلك الصفة فلدفع الضرر عنه قلنا بأنه لا يثبت له الخيار وفرق في ظاهر الرواية بين هذا والسلم ، وقال : لا فائدة في إثبات الخيار في السلم لأن المسلم فيه دين في الذمة وإذا رد المقبوض عاد دينا كما كان وهنا إثبات الخيار مقيد لأنه مبيع عين فبرده ينفسخ العقد ويعود إليه رأس ماله ويوضح الفرق أن إعلام الدين بذكر الصفة إذ لا يتصور فيه المعاينة فقام ذكر الوصف في المسلم فيه مقام الرؤية في بيع العين فأما إعلام العين فتمامه بالرؤية والمستصنع فيه مبيع عين فلهذا يثبت فيه خيار الرؤية

قال : ( فإن ضرب لذلك أجلا وكانت تلك الصناعة معروفة فهو سلم ) في قول أبي حنيفة تعتبر فيه شرائط السلم من قبض رأس المال في المجلس ولا خيار فيه لرب السلم إذا أحضره المسلم إليه وهو عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى استصناع على حاله لأنه بدون ذكر الأجل عقد [ ص: 140 ] جائز غير لازم فبذكر الأجل فيه لا يصير لازما لعقد الشركة والمضاربة وهذا لأن ذكر الأجل تيسر فيه وتأخير المطالبة فلا يتغير به العقد من جنس إلى جنس آخر ولو كان الاستصناع بذكر الأجل فيه يصير سلما لصار السلم بحذف الأجل منه استصناعا ولو كان هذا سلما فاسدا لأنه شرط فيه صنعة صانع بعينه وذلك مفسد للسلم وأبو حنيفة يقول هذا مبيع دين والمبيع الدين لا يكون إلا سلما كما لو ذكر لفظة السلم وبيانه ما ذكرنا أن المستصنع فيه مبيع والأجل لا يثبت إلا في الديون فلما ثبت فيه الأجل هنا عرفنا أنه مبيع دين فتأثيره أن المعتبر ما هو المقصود وبه يختلف العقد لا باعتبار اللفظ ألا ترى أنه لو قال : ملكتك هذه العين بعشرة دراهم كان بيعا

ولو قال : بسكنى هذه الدار شهرا كانت إجارة فعرفنا أن المعتبر ما هو المقصود ثم السلم أقرب إلى الجواز من الاستصناع فإن كل واحد منهما مستحسن ولكن الآثار في السلم مشهورة وهو جائز فيما للناس فيه تعامل وفيما لا تعامل فيه فكان الأصل فيما قصداه السلم إلا إذا تعذر جعله سلما بأن لم يذكرا فيه أجلا فحينئذ جعل استصناعا فأما إذا أمكن جعله سلما بأن ذكر الأجل يجعل سلما ولأن الأجل مؤخر للمطالبة ولا يكون ذلك إلا بعد لزوم العقد واللزوم في السلم دون الاستصناع فثبوت الأجل فيه دليل على أنه سلم وذكر الصنعة لبيان وصف المسلم فيه ولهذا لو جاء به مفروغا عنه لا من صنعته يجبر على القبول وبهذا تبين فساد قولهم أنه سلم شرط فيه صنعة صانع بعينه وما قالا بأن السلم بحذف الأجل لا يصير استصناعا يشكل بالمتعة فإنه لا يصير نكاحا بحذف المدة عنه ثم النكاح بذكر المدة فيه يصير متعة وهو إذا تزوج امرأة شهرا وهذا إذا كان ذكر المدة على سبيل الاستمهال أما إذا كان على سبيل الاستعجال بأن قال : على أن يفرغ منه غدا أو بعد غد فهذا لا يكون سلما لأن ذكر المدة للفراغ من العمل لا لتأخير المطالبة بالتسليم ألا ترى أنه ذكر أدنى مدة يمكنه الفراغ فيها من العمل ويحكى عن الهندواني . قال : إن كان ذكر المدة من قبل المستصنع فهو للاستعجال ولا يصير به سلما وإن كان الصانع هو الذي ذكر المدة فهو سلم لأنه يذكر على سبيل الاستمهال وقيل إن ذكر أدنى مدة يتمكن فيها من الفراغ من العمل فهو استصناع وإن كان أكثر من ذلك فهو سلم لأن ذلك يختلف باختلاف الأعمال فلا يمكن تقديره بشيء معلوم

قال : ( ولا بأس بالسلم في اللبن في جبنه وزنا أو كيلا معلوما ) لأنه يكال تارة ويوزن أخرى فيصير معلوما بذكر كل واحد [ ص: 141 ] منهما على وجه لا يبقى فيه منازعة في التسليم قال : ( في الكتاب وهذا قبل انقطاعه وهذا في عرف ديارهم ) لأن اللبن ينقطع عن أيدي الناس في بعض الأوقات فأما في ديارنا لا ينقطع وإن كانت تزاد قيمته في بعض الأوقات ولكن لا يعد ذلك انقطاعا فيجوز السلم فيه في كل وقت قال : ( ولا بأس بالسلم في اللبن والآجر إذا شرط فيه شيئا معلوما ) لأنه عددي متقارب فإن آحاده لا تختلف في المالية وإنما تختلف أنواعه وإنما يكون معلوما بذكر الملبن فملبن كل نوع منه معلوم عند أهل الصنعة وإن كان لا يعرف ذلك فلا خير فيه
قال : ( ولا بأس بالسلم في التبن كيلا معلوما وكيمانا معلومة ) لأنه مكيل مقدور التسليم وكيله الغرارة إذا كان معلوما وإن كان لا يعرف ذلك فلا خير فيه .
قال : ( ولا خير في السلم في رءوس الغنم والأكارع ) لأنها عددية متفاوتة ألا ترى أن المشتري ينازع البائع فيقول أريد هذا ولا أريد هذا والمقصود ما عليها من اللحم وهي تختلف ثم هذا على قول أبي حنيفة غير مشكل لأنها أبعاض الحيوان كاللحم وهما يقولان اللحم موزون أما الرءوس والأكارع فغير موزونة عادة وبذكر الوزن لا يصير المقصود منها معلوما فلا يجوز السلم فيها
قال : ( ولا خير في السلم في كل شيء مما يكال أو يوزن إذا شرط بمكيال غير معروف أو بإناء بعينه غير معروف أو بوزن حجر غير معروف ) لأن مقدار السلم فيه لا بد من أن يكون معلوما عند العقد وبما ذكر لا يصير مقداره بالمكيال المعروف والميزان المعروف معلوما فكان هذا سلما في المجهول ولأن القدرة على التسليم وقت وجوب التسليم شرط وذلك لا يتحقق الإبقاء ما عينه من المكيال إلى وقت حلول الأجل وبقاؤه موهوم فربما يهلك قبل ذلك وإن اشترى بذلك الإناء يدا بيد فلا بأس به لأن في العين يجوز البيع مجازفة فمكيال غير معروف أولى وهذا لأن التسليم عقيب العقد والقدرة على التسليم للحال ثابتة وهذا لأن التسليم عقيب العقد لا بقيام المكيال الذي عينه وعن أبي حنيفة في غير الأصول أنه لا يجوز لأن البيع في المكيلات والموزونات إما أن تكون مجازفة أو يذكر القدر ففي المجازفة والمعقود عليه ما يشار إليه وعند ذكر القدر المعقود عليه ما سمى من القدر ولم يوجد واحد منهما هنا فإنه ليس بمجازفة ولا يشترط فيه الكيل إذا لم يكن المكيال معلوما وعن أبي يوسف قال : في بيع العين إن عين مكيالا لا ينكبس فيه كالزنبيل ونحوه لا يجوز العقد فيه فإنه تتمكن المنازعة بينهما في الكيل وإن كان شيئا لا ينقبض ولا ينبسط كالقصعة ونحوها يجوز .

قال : ( ولا بأس بالسلم [ ص: 142 ] في العصير في حينه وزنا أوكيلا ) لأنه يوزن أو يكال كالبن وكذلك الخل لا بأس بالسلم فيه كيلا معلوما أو وزنا معلوما لأنه يكال ويوزن وإعلام المقدار بذكر كل واحد منهما محصل والأصل أن ما عرف كونه مكيلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مكيل أبدا وإن اعتاد الناس بيعه وزنا وما عرف كونه موزونا في ذلك الوقت فهو موزون أبدا وما لم يعلم كيف كان يعتبر فيه عرف الناس في كل موضع إن تعارفوا فيه الكيل والوزن جميعا فهو مكيل وموزون وعن أبي يوسف إن المعتبر في جميع الأشياء العرف لأنه إنما كان مكيلا في ذلك الوقت أو موزونا في ذلك الوقت باعتبار العرف لا بنص فيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنا نقول تقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم على ما تعارفوه في ذلك الشيء بمنزلة النص منه فلا يتغير بالعرف لأن العرف لا يعارض النص

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 16-12-2025, 05:06 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,570
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثالث عشر

صـــ 21 الى صـــ 21
(271)


قال : وإذا اشترى فصا على أنه ياقوت فإذا هو غير ذلك فالبيع فاسد ، والأصل في هذا الجنس أن من جمع في كلامه بين الإشارة والتسمية فإن كان المشار إليه من خلاف جنس المسمى فالبيع باطل ; لأن انعقاد العقد بالتسمية فإن ما ينعقد على المسمى وهو معدوم وإن كان المشار إليه من جنس المسمى فالبيع جائز ; لأن التسمية تتناول ما وقعت الإشارة إليه فكانت الإشارة من يده مؤيدة للتسمية فينعقد العقد بالمشار إليه وهو مال إلا أنه إن كان المشار إليه دون المسمى فللمشتري الخيار لفوات شرطه كما لو اشترط في العبد على أنه كاتب فوجده غير كاتب إذا ثبت هذا فنقول : إن كان المشار إليه زجاجا فالبيع فاسد لانعدام المجانسة وإن استهلكه المشتري فعليه قيمته ; لأنه استهلك ملك الغير بغير إذنه سمي يقوتا أحمر والمشار إليه أصفر فالبيع جائز وللمشتري الخيار لفوات صفة مشروطة
وكذلك لو اشترى ثوبا على أنه هروي فإذا هو من صنف آخر فهو فاسد ; لأن الثياب أجناس مختلفة ولو اشترى شخصا على أنه عبد فإذا هو جارية فالبيع فاسد عندنا .

وقال زفر : جائز وللمشتري الخيار ; لأن بني آدم جنس واحد ذكورهم وإناثهم كسائر الحيوان ولو اشترى بقرة على أنها أنثى فإذا هي ثور كان البيع جائزا وكذلك الإبل والبقر والغنم فكما يتفاوت المقصود هنا في بني آدم بين الذكور والإناث يتفاوت هناك ، يوضحه [ ص: 13 ] أنه لو اشترى عبدا على أنه تركي فإذا هو رومي أو سندي جاز البيع وبينهما تفاوت فيما هو المقصود وهو المالية وحجتنا في ذلك أن الذكور والإناث من بني آدم في حكم جنسين ; لأن ما هو المقصود بأحدهما لا يحصل بالآخر فالمقصود بالجارية الاستفراش والاستيلاد وشيء من ذلك لا يحصل بالغلام فكان التفاوت بينهما في المقصود أبلغ من التفاوت بين الحنطة والشعير وبين الهروي والمروي من الثياب وبه فارق سائر الحيوانات ; لأن ما هو المقصود بالعين فيهما لا يتفاوت في الذكور والإناث وذلك اللحم أو الانتفاع من حيث الركوب أو الحمل عليه ، وإنما التفاوت في صفة المقصود لا في أصله فكان جنسا واحدا كذلك ذكر في الأصل والله أعلم

باب البيوع إذا كان فيها شرط قال : إذا اشترى عبدا على أنه لا يبيعه ولا يهبه ولا يتصدق به فالبيع فاسد عندنا وقال ابن أبي ليلى : البيع جائز والشرط باطل وقال ابن سيرين : البيع جائز والشرط صحيح ، وحكي عن عبد الوارث بن سعيد قال حججت فدخلت بمكة على أبي حنيفة وسألته عن البيع بالشرط فقال : باطل فخرجت من عنده ودخلت على ابن أبي ليلى وسألته عن ذلك فقال : البيع جائز والشرط باطل فدخلت على ابن سيرين وسألته عن ذلك فقال : البيع جائز والشرط جائز ، فقلت : هؤلاء من فقهاء الكوفة وقد اختلفوا علي في هذه المسألة كل الاختلاف فعجزني أن أسأل كل واحد منهم عن حجته فدخلت على أبي حنيفة فأعدت السؤال عليه فأعاد جوابه فقلت : إن صاحبيك يخالفانك فقال لا أدري ما قالا حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط فدخلت على ابن أبي ليلى فقلت له مثل ذلك فقال : لا أدري ما قال حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها { لما أرادت أن تشتري بريرة رضي الله عنها أبى مواليها إلا بشرط أن يكون الولاء لهم فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلوات الله عليه وسلامه اشتري واشترطي لهم الولاء فإن الولاء لمن أعتق ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ، كتاب الله أحق وشرط الله أوثق والولاء لمن أعتق } فدخلت على ابن سيرين [ ص: 14 ] وقلت له مثل ذلك فقال : لا أدري ما قالا حدثني محارب بن دثار عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهم { أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى منه ناقة في بعض الغزوات وشرط له ظهرها إلى المدينة } ، والصحيح ما استدل به أبو حنيفة فإنه حديث مشهور ، ومطلق النهي يوجب فساد المنهي عنه ، فأما حديث هشام بن عروة فقد . قال أبو يوسف : أوهم هشام بن عروة ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترطي لهم الولاء ; لأن هذا أمر بالغرور ولا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ولو صح فتأويله اشترطي الولاء عليهم واللام تذكر بمعنى على قال الله تعالى { أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار } أو معناه أعلميهم معنى الولاء فالاشتراط في اللغة الأعلام ومنه أشراط الساعة قال القائل
فأشرط فيها نفسه وهو معصم وألقى بأسباب له وتوكلا
أي جعل نفسه علما لذلك الأمر ، وتأويل حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن ذلك لم يكن شرطا في البيع على أن ما جرى بينهما لم يكن بيعا حقيقة ، وإنما كان ذلك من حسن العشرة والصحبة في السفر ، والدليل عليه قصة الحديث فإن جابرا رضي الله تعالى عنه قال { كانت لي ناقة ثغال فقامت علي في بعض الطريق فأدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما بالك يا جابر فقلت جرى أن لا يكون لي إلا ناقة ثغال فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن راحلته فدعا بماء ورشه في وجه ناقتي ثم قال اركبها فركبتها فجعلت تسبق كل راحلة - الحديث - إلا أن قال أتبيعني ناقتك بأربعمائة درهم فقلت : هي لك يا رسول الله ولكن من لي بالحمل إلى المدينة فقال صلى الله عليه وسلم : لك ظهرها إلى المدينة فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعمائة درهم فلما قدمت المدينة جئت بالناقة إلى باب المسجد ودخلت المسجد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين الناقة قلت : بالباب فقال : جئت لطلب الثمن فسكت فأمر بلالا رضي الله تعالى عنه فأعطاني أربع مائة درهم فقال صلى الله عليه وسلم : خذها مع الناقة فيما لك بارك الله لك فيهما } وبهذا يتبين أنه لم يكن بينهما بيع . ثم الشرط في البيع على أوجه إما أن يشترط شرطا يقتضه العقد كشرط الملك للمشتري في المبيع أو شرط تسليم الثمن أو تسليم المبيع فالبيع جائز ; لأن هذا بمطلق العقد يثبت ، فالشرط لا يزيده إلا وكادة وإن كان شرطا لا يقتضيه العقد وليس فيه عرف ظاهر فذلك جائز أيضا كما لو اشترى نعلا وشراكا ، بشرط أن يحذوه البائع ; لأن الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي ; ولأن في النزوع عن [ ص: 15 ] العادة الظاهرة حرجا بينا ، وإن كان شرطا لا يقتضيه العقد .

وليس فيه عرف ظاهر قال : فإن كان فيه منفعة لأحد المتعاقدين فالبيع فاسد ; لأن الشرط باطل في نفسه والمنتفع به غير راض بدونه فتتمكن المطالبة بينهما بهذا الشرط فلهذا فسد له البيع ، وكذلك إن كان فيه منفعة للمعقود عليه وذلك نحو ما بينا أنه إذا اشترى عبدا على أنه لا يبيعه فإن العقد يعجبه أن لا تتناوله الأيدي ، وتمام العقد بالمعقود عليه حتى لو زعم أنه حر كان البيع باطلا فاشتراط منفعته كاشتراط منفعة أحد المتعاقدين . قال : وإن لم يكن فيه منفعة لأحد فالشرط باطل والبيع صحيح نحو ما إذا اشترى دابة أو ثوبا بشرط أن يبيع ; لأنه لا مطالب بهذا الشرط فإنه لا منفعة فيه لأحد ، وكان لغوا والبيع صحيح إلا في رواية عن أبي يوسف قال : يبطل به البيع نص عليه في آخر المزارعة ; لأن في هذا الشرط ضررا على المشتري من حيث إنه يتعذر عليه التصرف في ملكه والشرط الذي فيه ضرر كالشرط الذي فيه منفعة لأحد المتعاقدين ولكنا نقول : لا معتبر بعين الشرط بل بالمطالبة به والمطالبة تتوجه بالمنفعة في الشرط دون الضرر

قال وإذا اشترى عبدا على أنه يعتقه فالبيع فاسد ، وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله - أن البيع جائز بهذا الشرط وهو قول الشافعي لحديث بريرة رضي الله عنها فإنها جاءت إلى عائشة رضي الله عنها تستعينها في المكاتبة قالت إن شئت عددتها لأهلك وأعتقك فرضيت بذلك فاشترتها وأعتقتها ، وإنما اشترتها بشرط العتق ، وقد أجاز ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ولأن الشراء بشرط الإعتاق متعارف بين الناس ; لأن بيع العبد سمة متعارف في الوصايا وغيره وتفسيره البيع بشرط العتق ولأن العتق في المبيع قبض حتى إذا أعتق المشتري المبيع قبل القبض صار قابضا ، والقبض من أحكام العقد فاشتراطه في العقد يلائم العقد ولا يفسده وحجتنا في ذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط ; ولأن في هذا الشرط منفعة للمعقود عليه ، والعقد لا يقتضيه فيفسد به العقد كما لو شرط أن لا يبيع يوضحه أنه لو شرط في الجارية أن يستولدها أو في العبد أن يدبره كان العقد فاسدا فإذا كان اشتراط حق العتق لها يفسد البيع فاشتراط حقيقة العتق أولى ودعواه أن هذا الشرط يلائم العقد لا معنى له فإن البيع موجب للملك والعتق مبطل له فكيف يكون بينهما ملاءمة ، ثم هذا الشرط يمنع استدامة الملك فيكون ضد ما هو المقصود بالعقد وبيع العبد لسمة [ ص: 16 ] لا يكون بشرط العتق بل يكون ذلك وعدا من المشتري ، ثم البيع بعقد مطلقا وهو تأويل حديث عائشة رضي الله عنها فإنها اشترت بريرة رضي الله عنها مطلقا ووعدت لها أن تعتقها لترضى هي بذلك فإن بيع المكاتبة لا يجوز بغير رضاها فإن استهلكه المشتري فعليه قيمته لأنه قبضه بعقد فاسد فيكون مضمونا بالقيمة عند تعذر رد العين .

وإن أعتقه فعليه الثمن المسمى في قول أبي حنيفة استحسانا وفي قولهما عليه قيمته وهو القياس ; لأنه قبضه بعقد فاسد وقد تعذر رده بإعتاقه فيلزمه قيمته كما لو تعذر بيعه أو استهلاكه بوجه آخر يوضحه أنه لو اشتراها بشرط التدبير أو الاستيلاد كانت مضمونة عليه بالقيمة إذا تعذر ردها ثان وفى بذلك الشرط فكذا إذا اشترى بشرط العتق اعتبار الحقيقة الحرمة بحقيقة العتق وأبو حنيفة استحسن فقال : زال المفسد قبل تقرره فيجب الثمن كما لو اشتراه بأجل مجهول ثم أسقطه قبل مضيه ، وبيان ذلك أن الحكم بفساد هذا العقد كان لمخافة أن لا يفي المشتري بالعتق وليكون في الإقدام على التصرف في ملكه مختارا غير مجبر عليه ، وقد زال هذا المعنى حين أقدم على إعتاقه مختارا ، وحقيقة المعنى فيه أن هذا الشرط لا يلائم العقد بنفسه ولكن يلائم العقد بحكمه ; لأن العتق ينهي الملك فإن الملك في بني آدم ثابت إلى العتق فيكون العتق منهيا له وإنهاء الشيء يقرره ولهذا لو اشترى عبدا فأعتقه ثم اطلع على عيب به رجع بنقصان العيب بخلاف ما إذا باعه ، والدليل عليه أن شراء القريب إعتاق على معنى أنه متمم عليه العتق وهي الملك فكان هذا الشرط ملائما بحكمه للعقد وبصورته غير ملائم ; لأن الإنسان لا يجبر على إنهاء ملكه بالعتق .

وبالشرط يجبر عليه فلا يحكم بفساد العقد على الثبات ولكنه موقوف ، فإن استهلكه بوجه آخر يتقرر الفساد لوجود صورة الشرط دون الحكم ، وإن أعتقه تتقرر صفة الجواز باعتبار الملاءمة بحكم العقد وهو إنهاء الملك به فيلزمه الثمن المسمى وإنما سماه استحسانا لمعنى التوقف فيه في الابتداء ومخالفة صورته معنى بخلاف شرط الاستيلاد والتدبير فالملك به لا ينتهي ، ومعنى الملاءمة باعتبار إنهاء الملك به فلهذا تتعين صفة الفساد هناك وفى بالشرط أو لم يف

قال : وإذا اشتراه على أن يقرض له قرضا أو يهب له هبة أو يتصدق عليه بصدقة أو على أن يبيعه بكذا وكذا من الثمن فالبيع في جميع ذلك فاسد لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وسلف وعن بيعتين في بيعة وكل شيء فسد فيه البيع فالمشتري إذا استهلكه فهو ضامن لقيمته بالغة ما بلغت ; لأن الضمان الأصلي في البيع ضمان القيمة ولهذا كان المقبوض على سوم المبيع مضمونا بالقيمة [ ص: 17 ] وقبض الغصب ينوب عن قبض الشراء وإنما يتحول من القيمة إلى المسمى عند صحة السبب وتمامه ، فإذا فسد السبب بقي الضمان الأصلي كما إذا كان البيع بالخيار فإن البيع يكون مضمونا على المشتري بالقيمة لعدم تمام السبب
قال : ولو اشترى ثوبا على أنه إن لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينهما فالبيع فاسد في القياس وهو قول زفر وفي الاستحسان يجوز وهو قول علمائنا الثلاثة - رحمهم الله تعالى - وجه القياس أنه شرط في البيع إقالة معلقة لخطر عدم النقد ، ولو شرط إقالة مطلقة فسد به العقد فإذا شرط إقالة معلقة أولى أن يفسد به العقد وهذا الشرط ليس في معنى شرط الخيار ; لأن هناك لو سكت حتى مضت المدة تم البيع وهنا لو سكت حتى مضت المدة بطل البيع ، وجواز البيع مع شرط الخيار ثابت بالنص بخلاف القياس فلا يلحق به ما ليس في معناه ولكن تركنا هذا القياس لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فإنه باشر البيع بهذا الشرط ، وقول الواحد من فقهاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم مقدم على القياس عندنا ; لأن قوله بخلاف القياس كروايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يظن به أنه قال جزافا ، والقياس لا يوافق قوله فعرفنا أنه قال سماعا ثم هذا الشرط من حيث المقصود كشرط الخيار ; لأنه إنما يشترط الخيار ليتروى النظر فيه ، ويكون مخيرا في الأيام الثلاثة بين فسخ العقد وتمامه ، بهذا الشرط لا يحصل إلا هذا المقصود والشرع إنما جوز شرط الخيار لهذا المقصود حتى قال لحيان بن منقذ إذا بايعت فقل لا خلابة ولي الخيار ثلاثة أيام
قال فإن اشتراه على أنه لم ينقده إلى أربعة أيام فلا بيع بينهما فهذا العقد فاسد عند أبي حنيفة كقوله في شرط الخيار فإن عنده شرط الخيار أكثر من ثلاثة أيام يفسد العقد وعند محمد العقد جائز بمنزلة شرط الخيار عنده فإنه يجوز شرط الخيار مدة معلومة طالت المدة أو قصرت ولم يذكر في الكتاب قول أبي يوسف وفي بعض نسخ المأذون ذكر قول أبي يوسف كقول أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - وذكر ابن سماعة في نوادره أن هذا قوله الأول فأما قوله الأخير كقول محمد ; لأن هذا في معنى شرط الخيار ، وقوله كقول محمد في جواز اشتراط الخيار أربعة أيام فكذلك في هذا الشرط ، وجه قوله الذي ذكره في المأذون أن القياس ما قاله زفر فإن هذا الشرط من حيث الحكم ليس نظير شرط الخيار ولكن تركنا القياس في ثلاثة أيام لقول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ففيما زاد على ذلك نأخذ بالقياس ، وهذا لأن الغرر يزداد بطول المدة وقد يجوز أن يحمل العقد لليسير من الغرر دون الكثير منه ألا ترى أنا نجوز [ ص: 18 ] شراء أحد الثياب الثلاثة على أنه بالخيار فيها ثم لا يجوز ذلك في الأربعة لما ذكرنا
قال : وكل فاسد رده المشتري على البائع بهبة أو صدقة أو بيع فهو متاركة للبيع ويبرأ المشتري من ضمانه ; لأن الرد بسبب فساد البيع مستحق في هذا المحل بعينه شرعا فعلى أي وجه أتى به يقع من الوجه المستحق : كرد المغصوب والودائع وهذا ; لأنه ممنوع من تمليكه من البائع بسبب مبتدإ مأمور برده لفساد البيع ولا معارضة بين المنهي عنه ، ويكره المأمور به فيترك جانب المأمور به في رده عليه
قال : وإن اشترى شيئا وشرط على البائع أن يحمله إلى منزله أو يطحن الحنطة أو يخيط الثوب فهو فاسد ; لأن فيه منفعة لأحد المتعاقدين والعقد لا يقتضيه ; لأنه إن كان بعض البدل بمقابلة العمل المشروط عليه فهو إجارة مشروطة في العقد ، وإن لم يكن بمقابلته شيء من البدل فهو إعارة مشروطة في البيع وهو مفسد للعقد ، وكذلك لو اشترى دارا على أن يسكنها البائع شهرا فهذه إعارة مشروطة في البيع وهو مفسد للعقد أو هذا شرط أجل في العين ، والعين لا تقبل الأجل
قال ولو اشترى شيئا على أن يرهنه بالثمن رهنا أو على أن يعطيه كفيلا بنفسه أو بالثمن فهذا العقد فاسد والكلام في هذين الفصلين ينقسم على أربعة أقسام أما في شرط الكفيل سواء سمى الكفيل أو لم يسمه فالعقد فاسد إذا كان الكفيل غائبا عن مجلس العقد ; لأنه لا يدري أيكفل أم لا فيفسد العقد لمعنى الغرر ، ولأن جواز هذا العقد يتعلق بقبول الكفيل الكفالة فمتى شرط قبوله إذا كان غائبا عن مجلس العقد لم يجز العقد ، وإن قبله بعد المجلس كالمشتري ، فإن كان الكفيل حاضرا أو حضر وقبل قبل أن يتفرقا جاز البيع استحسانا وفي القياس لا يجوز وهو قول زفر ; لأن الكفالة عقد آخر ليس من حقوق العقد في شيء واشتراط هذا عقد آخر في عقد البيع مفسد للعقد إذا كان فيه منفعة لأحد المتعاقدين ، وجه الاستحسان أن المقصود بالكفالة التوثق بالثمن في معنى اشتراط زيادة وصف الجودة في الثمن ، ولو اشترط في البيع ثمنا جيدا كان البيع جائزا ثم تمام هذا العقد بقبول الكفيل فإنه بقبوله ينتفي معنى الغرر فإذا وجد ذلك في المجلس كان هذا بمنزلة انتفاء الغرر عند العقد ، وشرط الحوالة في هذا كشرط الكفالة ; لأنه لا ينافي وجود أصل الثمن في ذمة المشتري فإن الحوالة تحويل ولا يكون ذلك إلا بعد وجود الثمن في ذمة المشتري بخلاف ما لو شرط وجوب الثمن ابتداء على غير المشتري بالعقد فإن ذلك ينافي وجوب العقد فكان مفسدا للعقد قال : وإن شرط أن يرهنه بالثمن رهنا فإن كان الرهن مجهولا فالعقد فاسد ; لأن قبول الرهن لا بد [ ص: 19 ] منه عند هذا الشرط وما يشترط قبول العقد فيه لا بد أن يكون معلوما ولكن لو أوفاه الثمن صح العقد ; لأن المفسد قد زال قبل تقريره ; لأن شرط الرهن للاستيفاء ، وقد استوفاه حقيقة
وإن شرط أن يرهنه هذا المبتاع بعينه ففي القياس العقد فاسد لما بينا أنه شرط عقد في عقد وفي الاستحسان يجوز هذا العقد ; لأن المقصود بالرهن الاستيفاء فإن موجبه ثبوت يد الاستيفاء وشرط استيفاء الثمن ملائم للعقد ثم الرهن بالثمن للتوثق بالثمن فاشتراط ما يتوثق به كاشتراط صفة الجودة في الثمن ، وكذلك إن سمى مكيلا أو موزونا موصوفا بغير عينه وجعله رهنا بالثمن لأن قبول ذلك في البيع صحيح ألا ترى أنه يصلح أن يكون ثمنا فكذلك يصلح اشتراطه رهنا بالثمن ، فإن أبى المشتري أن يرهنه ما سمى لم يجبر عليه ; لأن تمام الرهن بالقبض ولم يوجد القبض وعلى قول ابن أبي ليلى يجبر عليه ; لأنه ثبت في ضمن عقد لازم فيصير الوفاء به مستحقا كالعدل في الرهن إذا سلطه على البيع كان مجبرا عليه ، ولا يملك الراهن عزله بخلاف التوكيل بالبيع مقصودا ولكنا نقول عقد الرهن ليس من حقوق البيع فلا بد في إتمامه من اتحاد شرط العقد وإتمامه بالقبض فما لم يوجد لا يلزم حكم الرهن ألا ترى أن يد الاستيفاء لا تثبت له إلا بالقبض فكذا اشتراطه في العقد لا يلزم إلا بالقبض ولكن إن أبى المشتري أن يرهنه فللبائع أن يفسخ العقد ; لأن رضاه بالبيع كان بهذا الشرط فبدونه لا يكون راضيا ، وإذا لم يتم رضاه كان له أن يفسخ
قال : وإن باع شيئا من الحيوان واستثنى ما في بطنه فالبيع فاسد ; لأن ما في البطن لا يجوز إيجاب البيع فيه مقصودا فلا يجوز استثناؤه مقصودا كاليد والرجل ، وهذا لأن الجنين ما دام متصلا بالأم فهو في حكم الأجزاء ألا ترى أنها تقطع بالمقراض عنها وأجزاء الحيوان لا تقبل العقد مقصودا ، ولا يكون مقصودا بالاستثناء ، وهذا لأن الجنين في البطن مجهول ، ولا يدري أذكر هو أم أنثى واحدا أو مثنى فإذا كان المستثنى مجهولا فالمستثنى منه يصير مجهولا أيضا وجهالة المعقود عليه تمنع جواز العقد ، وكذلك إن وقع العقد على عدل بر أو أغنام أو نخيل واشترط أن يرد المشتري أحد العينين أو يأخذ البائع إحداهن بغير عينها فالبيع فاسد ; لأن المستثنى مجهول وبه يصير المستثنى منه مجهولا أيضا وهذه جهالة تفضي إلى المنازعة ; لأنها متفاوتة في المالية فيفسد
قال : وإن اشترى شاة على أنها حامل فالعقد فاسد ; لأن الحبل في البهائم وهي زيادة مجهولة فإنه لا يدري أن انتفاخ بطنها من ريح أو ولد وأن الولد حي أو ميت ذكرا أو أنثى واحدا أو مثنى والمجهول إذا ضم إلى معلوم يصير الكل مجهولا
[ ص: 20 ] وكذلك إن شرط أنها تحلب كذا فالبيع فاسد ; لأنه لا يدري لعل الشرط باطل يعني أن اشتراط مقدار من البيع ليس في وسع البائع إيجاده ولا طريق إلى معرفته فكان شرطا باطلا فيفسد به العقد قال : وإن شرط أنها حلوب أو لبون لم يذكر هذا الفصل في الأصل ، وقد ذكر الكرخي أن هذا ما لو شرط أنها تحلب كذا وكذا سواء اللبن زيادة مال منفصل ولا يكون لبونا حلوبا إلا به وتلك الزيادة مجهولة على ما مر فصار كما لو اشترى على أنها حامل وذكر الطحاوي أن هذا شرط وصف مرغوب فيه فلا يفسد العقد به كما لو شرط في العبد أنه كاتب أو خباز ولأن هذا يذكر على سبيل بيان الوصف لا على سبيل الشرط ; لأن هذا وصف مرغوب فيه كما إذا اشترى فرسا على أنها هملاج أو اشترى كلبا على أنه صائد فإنه يجوز كذا هنا وهكذا روى الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - في الحلوب بخلاف ما إذا اشترط أنها تحلب كذا ; لأن الفساد باشتراط مقدار لبن في الضرع لا طريق إلى معرفته قال : وكذلك إن اشترى سمسما أو زيتونا على أن فيهما من الدهن كذا أو اشترى حنطة بشرط أن يطحن منها كذا مختوم دقيق فهذا شرط باطل لا طريق للبائع إلى معرفته ولا يقدر على الوفاء به فيكون مفسدا للعقد .

قال ولو باع جارية وتبرأ من الحبل وكان بها حبل أو لم يكن فالبيع جائز ; لأن الحبل في بنات آدم ألا ترى أن للمشتري حق الرد به فإنما تبرأ البائع من العيب وذلك غير مفسد للعقد ، قال : وليست البراءة في هذا كالبهائم قيل معناه كالشرط في البهائم فإن الحبل في البهائم زيادة فذكره في العقد شرط زيادة مجهولة وفي الآدمية عيب فذكره يكون تبريئا من العيب ولا يكون شرط زيادة مجهولة ، وقيل : معناه إذا ذكر الحبل في الجارية على وجه التبري عرفنا أن مراده العيب فلا يفسد به العقد وإذا ذكره على وجه الشرط عرفنا أن مراده شرط زيادة مجهولة فيفسد به العقد وقد ذكر هشام عن محمد - رحمهما الله - أنه إذا اشترى جارية على أنها حامل فالبيع جائز إلا أن يظهر المشتري أنه يريدها للطؤرة فحينئذ يفسد به العقد لعلمنا أنه قصد الحبل بالشرط وهو مجهول ، وعلى هذا يحكى عن الهندواني أنه كان يقول إن شرط الحبل إذا وجد من البائع لم يفسد به العقد وإن شرطه المشتري يفسد ; لأن البائع إنما يذكر الحبل على وجه بيان العيب عادة والمشتري يذكر على وجه اشتراط الزيادة .
قال : رجل اشترى جارية بجاريتين إلى أجل فالعقد فاسد ; لأن الحيوان لا يثبت دينا في الذمة بدلا عما هو مال ولأن الجنس بانفراده يحرم النساء فإن قبض [ ص: 21 ] الجارية فذهبت عينها عنده من عمله أو من غير عمله فللبائع أن يأخذها ويضمنه نصف قيمتها ; لأن العين من الآدمي نصفه وفوات النصف في ضمان المشترى كفوات الكل ولو هلكت كان عليه ضمان قيمتها سواء هلكت بفعله أو بغير فعله فكذلك إذا ذهب نصفها ، وهذا لأنها صارت مضمونة بالقبض ، والأوصاف تضمن بالقبض ألا ترى أنها تضمن بالغصب فإن الجارية المغصوبة إذا ذهبت عينها عند الغاصب أخذها المغصوب منه مع نصف قيمتها ، ولو فقأ عينها غيره فإن البائع يأخذها ; لأن فسخ العقد فيها مستحق شرعا فما دامت قائمة كان على البائع أن يأخذها ثم يتخير في نصف قيمتها فإن شاء ضمن ذلك الفاقئ ، وإن شاء ضمن المشتري ; لأن بالأخذ ينفسخ العقد فيها ويعود إلى قديم ملك البائع فجناية الفاقئ كانت على ملكه فله أن يضمنه نصف قيمتها ، وإن شاء ضمن المشتري ذلك ; لأنها كانت مضمونة عليه بالقبض بجميع أجزائها فكانت كالمغصوبة في هذا الحكم ، فإن ضمن المشتري يرجع المشتري بذلك على الفاقئ ; لأن ملكه تقرر في ذلك الجزء حين ضمن بدله وهو كالغاصب في ذلك .

وإن ضمن الفاقئ لم يرجع على المشتري بشيء ; لأنه ضمن بجنايته فأما إذا قتلها في يد المشتري قاتل فللبائع أن يضمن المشتري قيمتها ولا سبيل له على القاتل بخلاف المغصوبة فإن المغصوبة إذا قتلها إنسان في يد الغاصب يتخير المغصوب منه إن شاء ضمن الغاصب قيمتها وإن شاء ضمن القاتل بخلاف المشتراة شراء فاسدا في يد المشتري ; لأن المغصوب على ملك المغصوب منه فالقاتل من القاتل جناية على ملكه فيتخير في التضمين إن شاء ضمن الغاصب بالغصب أو القاتل بالقتل وهنا قد صارت الجارية مملوكة للمشتري بالقبض وبالقتل يتعذر فسخ البيع فيها ولا يعود إلى ملك البائع فلهذا تعين حق البائع في تضمين المشتري وليس له أن يضمن القاتل وفي فقء العين ما تعذر فسخ العقد فيها ، وإذا انفسخ العقد فيها بالرد كانت جناية الفاقئ على ملك البائع فلذلك يتخير البائع إن شاء ضمن القاتل بالقتل ، وإن شاء ضمن المشتري بالقبض كما في الغصب ، ثم إذا ضمن البائع المشتري قيمتها في القتل كان للمشتري أن يضمن القاتل قيمتها ; لأنه أتلف ملكه فيها بالجناية فكان له أن يضمنه قيمتها قال : فلو كانت الجارية كما هي غير أنها ولدت ولدين فمات أحدهما أخذ البائع الجارية والولد الباقي ; لأنها في يده كالمغصوبة مستحقة الرد بزوائدها المتصلة والمنفصلة .

وهذا ; لأن الولد متولد من العين ووجوب الرد كان حكما متقررا فيها فيسري إلى الولد ، ولأن ملك الأصل يسري إلى الولد والثابت للمشتري في الأصل كان ملكا مستحق [ ص: 22 ] الإزالة بالرد على البائع فثبت مثله في الولد ، وليس له أن يضمنه قيمة الميت بمنزلة ولد المغصوب إذا مات في يد الغاصب من غير صنعه لم يضمن لانعدام الصنع منه فهذا مثله قال فإن كانت الولادة قد نقصتها وفي الولد الثاني وفاء بجميع ذلك النقصان فلا شيء على المشتري لرده ما ينجبر به النقصان فإن نقصان الولادة يتخير بالولد عندنا ، وقد بينا ذلك في المغصوبة ، وكذلك في المشتراة شراء فاسدا ، والولد الميت صار كأن لم يكن فكأنها ولدت ولدا واحدا قال : وإن لم يكن في الولد الباقي وفاء النقصان فعلى المشتري تمام ذلك ; لأن انجبار النقصان بالولد لصفة المالية ، وإنما ينجبر بقدر مالية الولد وما زاد على ذلك ليس بإزائه ما يجبره فعلى المشتري ضمان ذلك قال وإن كان الميت مات من فعل المشتري أو منعه بعد طلب البائع حتى مات صار المشتري ضامنا بقيمته يردها مع الأم ; لأن الولد إنما لم يكن مضمونا عليه لانعدام الصنع الموجب للضمان فيه وقد وجد ذلك بالإتلاف أو المنع بعد الطلب ثم رد قيمة الولد كرد عينه حتى إذا كان فيها وفي مالية الحي وفاء بالنقصان فلا شيء على المشتري .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 172.32 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 170.19 كيلو بايت... تم توفير 2.13 كيلو بايت...بمعدل (1.24%)]