المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5382 - عددالزوار : 2776472 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4991 - عددالزوار : 2109339 )           »          5 أخطار ناجمة عن الطلاق العاطفي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 905 )           »          في مناطق الكوارث والنكبات فتش عن المنصرين!! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 883 )           »          الهداية في القرآن من خلال سورة البقرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 910 )           »          التوكل على الله – سرُّ القوة والطمأنينة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 919 )           »          ترجمة معاني القرآن بين الجهود الفردية والجهود الجماعية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2383 )           »          نساء تحدث عنهن القرآن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 2426 )           »          كيف تُعيد المقاصد القرآنية صياغة الأسرة في مواجهة التحديات المعاصرة؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2397 )           »          رسول المحبة الصامت.. مهارة الهدية في محراب الزوجية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2359 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 14-12-2025, 02:45 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,357
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد العاشر

صـــ 12 الى صـــ 21
(201)





وقيل : بنو نوفل وبنو عبد شمس كانوا أقرب إليه من بني المطلب لأن نوفلا وعبد شمس كانا أخوي هاشم لأب وأم والمطلب كان أخا هاشم لأبيه لا لأمه والأخ لأب وأم أقرب إلى المرء من الأخ لأب ثم أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني المطلب ولم يعط بني نوفل وبني عبد شمس فأشكل ذلك عليهما فلذلك سألاه ثم أزال إشكالهما ببيان علة الاستحقاق أنه النصرة دون القرابة ولم يرد به نصرة القتال فقد كان ذلك موجودا من عثمان رضي الله عنه وجبير بن مطعم وإنما أراد نصرة الاجتماع إليه للمؤانسة في حال ما هجره الناس على ما روي أن الله تعالى لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني هاشم ورأت قريش آثار الخير فيهم حسدوهم وتعاقدوا فيما بينهم أن لا يجالسوا بني هاشم ولا يكلموهم حتى يدفعوا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه وتعاقد بنو هاشم فيما بينهم على القيام بنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بنو نوفل وبنو عبد شمس في عهد قريش ودخل بنو المطلب في عهد بني هاشم حتى دخلوا معهم الشعب فكانوا فيه ثلاث سنين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 13 ] حتى أكلوا العلهز من جهد القصة .

وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم { إنا لم نزل نحن وبنو المطلب في الجاهلية والإسلام معا } وإذا ثبت أن الاستحقاق بتلك النصرة ولا تبقى تلك النصرة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يبقى الاستحقاق لا للانتساخ بعد موته بل لانعدام الحكم لعدم علته وهذا معنى ما قلنا : إن ذلك كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصرفه إليهم مجازاة على تلك النصرة المخصوصة فقد { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكافئ كل من نصره يوما حتى قال يوما لما عرض عليه الأسارى : لو كان مطعم بن عدي حيا لوهبت هؤلاء السبي منه } مجازاة له على ما صنع وقد كان مات على شركه ولكنه قام بنصرته يوما وفيه قصة معروفة أو نقول ثبت بالكتاب أن الاستحقاق بالقرابة وببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الاستحقاق بالنصرة وما كان ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى فصار هذا الاستحقاق ثابتا بعلة ذات وصفين القرابة والنصرة وانعدم أحد الوصفين وهو النصرة بعد وفاته فلا يبقى الاستحقاق كما أنه لما انعدم أحد الوصفين في حق بني نوفل وبني عبد شمس في حياته لم يعطهم شيئا فبنو هاشم وبنو المطلب بعد وفاته بمنزلة بني نوفل وبني عبد شمس في حياته وتعليق الاستحقاق بالنصرة أولى منه بالقرابة لأن القيام بنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قربة وطاعة ومال الله تعالى يجوز أن يستحق بعمل هو قربة ولا يجوز أن يستحق بنفس القرابة لأن قرابة الرجل سبب لاستحقاق ماله .

فأما مال الله تعالى لا يستحق بالقرابة ولأن درجة قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلى من أن تجعل علة لاستحقاق شيء من الدنيا ولا معنى لما يقول الخصم أن هذا السهم لهم عوض عن حرمة الصدقة عليهم كما قال صلى الله عليه وسلم { يا معشر بني هاشم إن الله تعالى كره لكم غسالة الناس وعوضكم منها سهما من الخمس } وهذا لأن حرمة الصدقة عليهم لكرامتهم فلا يدخل به عليهم نقصان يحتاج إلى جبره بالتعويض ولئن كان هذا السهم عوضا من حرمة الصدقة فينبغي أن يستحقه من يستحق الصدقة لولا قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الفقراء دون الأغنياء وينبغي أن يكون استحقاقهم على نحو استحقاق الصدقة لولا قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم واستحقاقهم للصدقة لولا قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه جواز الصرف إليهم لا وجوب الصرف إليهم فكذلك هذا السهم ونحن نقول إنه يجوز صرف بعض الخمس إليهم وإنما ننكر وجوب الصرف إليهم بسبب القرابة وأيد جميع [ ص: 14 ] ما قلنا حديث أم هانئ أن النبي صلى الله عليه وسلم { قال سهم ذوي القربى لهم في حياتي وليس لهم بعد وفاتي } والحديث وإن كان شاذا فقد تأكد بإجماع الخلفاء الراشدين على العمل به وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : كان يحمل من الخمس في سبيل الله تعالى ويعطي منه نائبة القوم فلما كثر المال جعل في غير ذلك وإنما أراد به ما كان يصرف من الخمس إلى ذوي القربى في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكر بعد هذا عن الضحاك أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه استشار المسلمين في سهم ذوي القربى فرأوا أن يجعل في الخيل والسلاح وفي هذا بيان أنهم كانوا مجمعين على أنه لا استحقاق لهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن استحقاقهم في حياته كان للنصرة ألا ترى أنهم جعلوا مصرفه آلة النصرة وهي الخيل والسلاح ، وقوله ويعطي منه نائبة القوم قيل المراد بالقوم : ذوي القربى كما قال في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عرض علينا عمر رضي الله عنه أن يزوج منه أيمنا ويقضي منه عن مغرمنا وقيل المراد بالقوم الغزاة أي يعطي منه ما يحتاج إليه الغزاة في سبيل الله تعالى ومعلوم أن الصرف إلى المستحق المحتاج أولى من الصرف إلى محتاج غير مستحق وقوله فلما كثر المال جعل في غير ذلك تعرض لبعض من كان لا يصرفه في وقته يعني كثرة الإجماع فيه فمع كثرة المال لا يصل إلى المصرف الذي كان يصل إليه عند قلة المال .
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رجلا وجد بعيرا في المغنم قد كان المشركون أصابوه قبل ذلك فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال { : إن وجدته قبل القسمة فهو لك وإن وجدته بعد القسمة أخذته بالثمن إن شئت } وفي رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المشركين أحرزوا ناقة لرجل من المسلمين بدارهم فاشتراها رجل منهم وأخرجها فخاصم فيها مالكها فقال صلى الله عليه وسلم { : إن شئت أخذتها بالثمن } وفي الحديثين حجة لنا أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالإحراز لأنهم لو لم يملكوا لرده رسول الله صلى الله عليه وسلم على المالك مجانا بكل حال فإن المسلمين إنما يملكون على الكفار مالهم لا مال المسلم وكذلك المشتري إنما يملك على البائع ماله إلا أنه جعل له حق الأخذ قبل القسمة بغير شيء وبعد القسمة بالقيمة لأن المستولى عليه صار مظلوما وعلى من يذب عن دار الإسلام القيام بنصرته ودفع الظلم عنه وذلك بإعادة ماله إليه ، وقبل القسمة لم يتعين الملك فيه لأحد بل هو باق على حق الغزاة فكان عليهم الرد ليندفع به الظلم عن صاحبه وبعد القسمة قد تعين الملك لمن وقع في [ ص: 15 ] سهمه وعليه دفع الظلم عنه ولكن ليس له أن يحول ملكه وحقه إليه إلا أن حقه في المالية فلمراعاة النظر من الجانبين قلنا : تعاد إليه العين بالقيمة ليصل المستولي عليه إلى عين ماله ويصل الآخر إلى حقه في المالية ودليل أن حقه في المالية أن للإمام بيع الغنائم وقسمتها بين الغانمين .

ومراده بالثمن القيمة فالقيمة ثمن التعديل والمسمى ثمن التراضي ولهذا مكنه من الأخذ من المشتري بالثمن لأن حق المشتري فيما أعطى من ماله وهو الثمن فينظر له في ذلك كما ينظر للمستولي عليه في إعادة ماله إليه وعن الشعبي رحمه الله تعالى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جعل أهل السواد ذمة المراد سواد العراق وفيه دليل على أن الإمام إذا فتح بلدة عنوة وقهرا فله أن يجعل أهلها ذمة ويضع الجزية على جماجمهم والخراج على أراضيهم كما فعله عمر رضي الله تعالى عنه فإنه افتتح السواد عنوة وقهرا وذلك مشهور في كتب المغازي وفيه أشعار وقد كان صاحب جيش العجم رستم بن فرخ هرمزان وقتل في الحرب وأنشد الأعرابي الذي قتله فقال
ألم تر أني حميت الذمار وأبقيت مكرمة في الأمم غداة الهزيمة إذ رستم
يسوق الفوارس سوق النعم رماني بسهم وقد نلته
فصك الركاب ببطن القدم وأضرب بالسيف يافوخه
فكانت لعمري فتح العجم
وقد كان صاحب جيش المسلمين سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وكان قد خرج به دماميل فلم يحضر الحرب يوم الفتح وفي ذلك يقول قائلهم
: ألم تر أن الله أنزل نصره وسعد بباب القادسية معصم
فأبنا وقد آمت نساء كثيرة ونسوة سعد ليس فيهن أيم
وإنما بينا هذا لأن بعض أصحاب الشافعي رحمهم الله ينكرون فتح السواد عنوة .

وذكر الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه : لا أدري ماذا أقول في سواد الكوفة ولكني أقول قولا بظن مقرون إلى علم وهذا جهل وتناقض من قائله فإن الظن أن يترجح أحد الجانبين من غير دليل فكيف يكون علما وفتح السواد عنوة وقهرا أشهر من أن يخفى على أحد حتى يحتاج إلى هذا التكلف وربما يقول الشافعي رحمه الله : إن عمر رضي الله عنه ملك الأراضي للمسلمين واسترقهم ثم تركهم ليعملوا في أراضي المسلمين وما جعل عليهم من الخراج والجزية بمنزلة [ ص: 16 ] الضريبة كالمولى يساوي عبده الضريبة ويستعمله وربما يقول من عليهم برقابهم وتملك الأراضي ثم أجرها منهم والخراج الذي جعل عليهم أجرة وهذا بعيد فإن جزيتهم أشهر من أن تخفى وقد كانوا يتبايعون ذلك فيما بينهم ويتوارثونه من ذلك الوقت إلى يومنا هذا فعرفنا أن الصحيح ما قاله علماؤنا رحمهم الله تعالى أنه من عليهم برقابهم وأرضهم وجعل عليهم الجزية في رءوسهم والخراج في أرضهم وإنما فعل ذلك بعد ما شاور الصحابة رضي الله عنهم على ما روي أنه استشارهم مرارا ثم جمعهم فقال : أما إني تلوت آية من كتاب الله تعالى واستغنيت بها عنكم ثم تلا قوله تعالى { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } إلى قوله تعالى { للفقراء المهاجرين } إلى قوله تعالى { والذين تبوءوا الدار } هكذا في قراءة عمر رضي الله عنه إلى قوله تعالى { والذين جاءوا من بعدهم } ثم قال أرى لمن بعدكم في هذا الفيء نصيبا ولو قسمتها بينكم لم يكن لمن بعدكم نصيب فمن بها عليهم وجعل الجزية على رءوسهم والخراج على أراضيهم ليكون ذلك لهم ولمن يأتي بعدهم من المسلمين ولم يخالفه في ذلك إلا نفر يسير منهم بلال رضي الله عنه ولم يحمدوا على خلافه حتى دعا عليهم على المنبر فقال : اللهم اكفني بلالا وأصحابه فما حال الحول وفيهم عين تطرف أي ماتوا جميعا .
وذكر عن عطاء رحمه الله تعالى قال : كتب نجدة إلى ابن عباس رضي الله عنهما يسأله هل للعبد في المغنم سهم ؟ وهل كانت النساء يحضرن الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ومتى يجب للصبي سهم في المغنم ؟ وعن سهم ذوي القربى ؟ فكتب ابن عباس رضي الله عنهما أنه لا حق للعبد في المغنم ولكن يرضخ له الحديث وفي هذا بيان أن الاستفتاء بالكتاب كان معروفا فيهم فإن نجدة كان حروريا وهم كانوا قوما يسألون سؤال التعمق فكان كثيرا ما يكتب نجدة إلى ابن عباس رضي الله عنهما حتى ربما كان يضجر ابن عباس رضي الله عنهما ويقول : لا يزال يأتينا بأحموقة من خاطره ، ومع هذا كان يجيبه فيما كتب إليه وفيه بيان أنه لا يسهم للعبد كما يسهم للحر وبه نأخذ فإن العبد تبع للحر وليس من أهل أن يجاهد بنفسه حتى كان للمولى أن يمنعه وهو ممنوع من الخروج بغير إذنه ولا يسوى بين الأصل والتبع في الاستحقاق ولكن يرضخ له إذا قاتل بحسب جرأته وغنائه وكفايته وكتب إليه أن النساء كن يخرجن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يداوين الجرحى وكان يرضخ لهن وخروج النساء مع رسول الله عليه الصلاة والسلام مشهور في الآثار ومنهن من كانت تقاتل معه على ما روي أن [ ص: 17 ] أم سليم بنت ملحان قاتلت يوم حنين شادة على بطنها وكانت حاملا حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لمقامها خير من مقام فلان وفلان } يعني الذين انهزموا وهي التي قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نقاتل هؤلاء الفرارين كما قاتلنا المشركين فقال صلى الله عليه وسلم { : عافية الله أوسع لنا } وأم أيمن كانت تخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتداوي الجرحى وتقوم على المرضى وبعض العجائز كانت تخرج مع خالد بن الوليد رضي الله عنه للطبخ والخبز وسقي الماء وهذا دليل على أنه لا بأس بخروج العجائز مع الجيش لهذه الأعمال ثم يرضخ لهن لأنهن أتباع كالعبيد ولأنهن عاجزات عن القتال بنية والعبيد يعجزون عن ذلك بمنع الموالي فاستويا في المعنى فلهذا يرضخ للفريقين وكتب أنه لا حق للصبي في المغنم حتى يحلم وإنما أراد السهم الكامل أنه لا يثبت اسمه فيمن يسهم له ما لم يبلغ وبه نأخذ .

والأصل فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال { : عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني ثم عرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني } ولكن يرضخ للصبي إذا قاتل فقد كان في الصبيان من يقاتل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روي { أنه عرض عليه صبي فرده فقيل : إنه رام فأجازه وعرض عليه صبيان فرد أحدهما وأجاز لآخر فقال المردود : أجزته ورددتني ولو صارعته لصرعته فقال : صارعه فصارعه فصرعه فأجازهما } والمراد الإجازة في المقاتلين ليرضخ لهما لا ليسهم فقد ثبت أنه لا يستحق السهم إلا بعد البلوغ وذكر عن عمر رضي الله عنه أنه قال : لا حق للعبد في المغنم والمراد : السهم الكامل ، فأما الرضخ ثابت له إذا قاتل بإذن سيده أو المراد الآبق الخارج بغير إذن مولاه وهذا لا حق له بل يؤدب على فعله وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم { قسم غنائم بدر بعد ما قدم المدينة } وإنما أورد هذا ليبين أن الإمام لا يشتغل بالقسمة في دار الحرب لأنهم كانوا محتاجين في ذلك الوقت ثم أخر القسمة حتى قدم المدينة فدل أنها لا تقسم في دار الحرب ، والذي يرويه الشافعي رحمه الله تعالى أنه قسمها بالسير شعب من شعاب الصفراء والصفراء من بدر لا يكاد يصح بل المشهور أنه قسم بالمدينة حتى { طلب منه عثمان رضي الله تعالى عنه أن يضرب له فيها بسهم ففعل قال : وأجري يا رسول الله قال : وأجرك } وكان خلفه بالمدينة على ابنته رقية يمرضها فماتت قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قاله بعضهم قدم علينا زيد بن حارثة بشيرا بفتح بدر حين سوينا على رقية يعني التراب [ ص: 18 ] على قبرها { وسأله طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن يضرب له بسهم وكان غائبا بالشام فوافق قدومه قسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب له بسهم قال : وأجري يا رسول الله قال : وأجرك } وتكلموا في ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما بالسهم ولم يشهدا بدرا فذكر الواقدي رحمه الله تعالى أنه ضرب لثمانية نفر ممن لم يشهدوا بدرا بالسهم فقيل : إنما ضرب لعثمان رضي الله تعالى عنه لأن تخلفه كان بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليمرض ابنته وكانت تحته وكان في ذلك فراغ قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتحق هو بمن شهد بدرا .

ألا ترى أنه وعد له الأجر وطلحة كان بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتجسس خبر العير فكان مشغولا بعمل المسلمين فجعله كمن شهد بدرا وقيل : بل كان أسهم لهما لأنهما كالمدد أما طلحة فقد كان في دار الحرب عازما على اللحوق بالمسلمين وعثمان رضي الله عنه وإن كان بالمدينة فالمدينة إنما كان لها حكم دار الإسلام في ذلك الوقت حين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المسلمين فيها ، فأما بعد خروجهم فقد كانت الغلبة فيها لليهود والمنافقين ، وهو دليل لنا على أن المدد إذا لحق الجيش في دار الحرب شركهم في الغنيمة وإن لم يشهد الوقعة .

وقيل : إنما أسهم لهما لأن الأمر في غنائم بدر كان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي من يشاء ويمنع من يشاء ; أما لأنها أصيبت بمنعة السماء ، أو لأنها كثرت المنازعة بينهم فيها على ما روي { عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : ساءت أخلاقنا يوم بدر فحرمنا ثم بين ذلك فقال : كنا ثلاث فرق فرقة كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرقة جمعوا الغنائم وفرقة اتبعوا المنهزمين فجعلت كل فرقة تقول : الغنيمة لنا فارتفعت أصوتنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت فأنزل الله تعالى { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول } } فتبين أن الأمر كان في غنائم بدر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلهذا أعطى من أعطى ممن لم يحضر ، وذكر عن محمد بن إسحاق والكلبي رحمهما الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { قسم غنائم حنين بعد منصرفه من الطائف بالجعرانة } وفي هذا دليل أنها لا تقسم في دار الحرب فإنه أخر القسمة حتى انتهى إلى الجعرانة وكانت حدود دار الإسلام في ذلك الوقت ; لأن فتح حنين كان بعد فتح مكة والجعرانة من نواحي مكة وقد روي أن الأعراب طالبوه بالقسمة وأحاطوا به يقولون : أقسم بيننا ما أفاء الله تعالى علينا حتى ألجئوه إلى سمرة وجذب بعضهم رداءه فتخرق فقال : اتركوا لي ردائي فلو كانت هذه العضاه [ ص: 19 ] إبلا وبقرا وغنما لقسمتها بينكم ثم لا تجدونني جبانا ولا بخيلا ، فمع كثرة مطالبتهم أخر القسمة حتى انتهى إلى دار الإسلام فدل أنها لا تقسم في دار الحرب .

( قال ) وأما خيبر فإنه افتتح الأرض وجرى فيها حكمه فكانت القسمة فيها بمنزلة القسمة في المدينة وقسم الغنائم فيها قبل أن يخرج منها ففي هذا دليل أن الإمام إذا افتتح بلدة وصيرها دار إسلام بإجراء أحكام الإسلام فيها فإنه يجوز له أن يقسم الغنائم فيها ، وقد طال مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد الفتح وأجرى أحكام الإسلام فيها فكانت من دار الإسلام القسمة فيها كالقسمة في غيرها من بقاع دار الإسلام .

( قال ) : وقسم غنائم بني المصطلق في ديارهم وكان قد افتتحها يعني صيرها دار الإسلام ودل على ذلك حديث مكحول قال { : ما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم إلا في دار الإسلام } وفي هذا دليل على أنها لا تقسم في دار الحرب لأن الأفعال المتفقة في الأوقات المختلفة لا تكون إلا على صفة واحدة إلا لداع يدعو إليها وليس ذلك إلا لكراهة القسمة في دار الحرب وذكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الفارس سهمين والراجل سهما يوم بدر } وإنما كان يوم بدر مع المسلمين فرسان وسبعون بعيرا ففي هذا دليل أنه يسهم للفرس دون غيره من البهائم وهذا لأن الإرهاب الذي يحصل بالخيل لا يحصل بغيره قال الله تعالى { ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم } وفيه دليل أنه يسهم للفرس سهم واحد وهو حجة لأبي حنيفة رحمه الله تعالى فإنهما يقولان : للفرس سهمان وللرجل سهم واحد وقد ورد به بعض الآثار ولكن رجح أبو حنيفة رحمه الله تعالى حديث ابن عباس رضي الله عنهما في غنائم بدر قال : السهم الواحد متيقن به لاتفاق الآثار وما زاد عليه مشكوك فيه لاشتباه الآثار فلا أعطينه إلا المتيقن ولا أفضل بهيمة على آدمي وسنقرره في موضعه إن شاء الله تعالى .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما في جعل القاعد للشاخص : ما جعل من ذلك في الكراع والسلاح فلا بأس به وما صنع ذلك في متاع البيت فلا خير فيه . وفيه دليل جواز التجاعل بخلاف ما يقوله بعض الناس أن من خرج للجهاد لا يحل له أن يجتعل من غيره واعتمدوا فيه ما روي { أن رجلا استؤجر بدينارين للجهاد فلما جاء يطلب الغنيمة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بكم استؤجرت قال بدينارين قال : إنما لك ديناران في الدنيا والآخرة } ولكنا نقول بهذا الحديث فنقول : الاستئجار على الجهاد لا يجوز والتجاعل ليس [ ص: 20 ] باستئجار ولكنه إعانة على السير وهو مندوب إليه وجهاد بالمال والنفس جميعا قال الله تعالى { وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم } وقال جل وعلا { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم } وأحوال الناس متفاوتة فمنهم من يقدر على إقامة الفرض بهما ومنهم من يقدر على إقامة الجهاد بالنفس لصحة بدنه ويعجز عن الخروج لفقره والآخر يعجز عن الخروج والجهاد بالنفس لمرض أو آفة ويقدر على الجهاد بالمال فيجهز بماله من يخرج فيجاهد بنفسه حتى يكون الخارج مجاهدا بالنفس والقاعد المعطي المال مجاهدا بالمال والمؤمنون كالبنيان يشد بعضهم بعضا ولهذا كره ابن عباس رضي الله عنهما لقابض المال أن يجعل ذلك في متاع بيته لأن المعطي أمره بالجهاد به وذلك في استعداده له والإنفاق في الطريق على نفسه وهو على وجهين عندنا إن قال : هذا المال لك فاغز به فله أن يصرفه إلى ما يشاء لأنه ملكه المال ثم أشار عليه بأن يصرفه إلى الجهاد فإن شاء قبل مشورته وإن شاء لم يقبل وإن قال اغز بهذا المال فليس له أن يصرفه إلى متاع بيته ولكن يشتري به الكراع والسلاح وينفق على نفسه في طريق الجهاد وقد بينا نظيره في الحج .

وعن عمر رضي الله عنه أنه كان يغزي العزب عن ذي الحليلة ويعطي الغازي فرس القاعد وأنه كان حسن التدبير والنظر للمسلمين فمن حسن نظره هذا أن ذا الحليلة قلبه مع أهله فلا يطيل المقام في الثغر والعزب لا يكون قلبه وراءه فيتمكن من إطالة المقام فلهذا كان يأمر العزب بالخروج ، ومنهم من يروي الأعزب ، وكان يعطي الغازي فرس القاعد ليكون صاحب الفرس مع زوجته يحفظها ، ويكون مجاهدا بفرسه ، والخارج يكون مجاهدا ببدنه ثم منهم من يقول : إنما كان يفعل ذلك بالتراضي فأما عند عدم الرضى ما كان يفعل ذلك بل كان يجهز الغازي من بيت المال إن لم يكن مال فإن مال بيت المال معد لذلك والأصح أن نقول للإمام أن يفعل ذلك عند الحاجة فإن لم يكن في بيت المال مال ومست الحاجة إلى تجهيز الجيش ليذبوا عن المسلمين فله أن يحكم على الناس بقدر ما يحتاج إليه لذلك لأنه مأمور بالنظر للمسلمين وإن لم يجهز الجيش للدفع ظهر المشركون على المسلمين فيأخذون المال والذراري والنفوس فمن حسن التدبير أن يتحكم على أرباب الأموال بقدر ما يحتاج إليه لتجهيز الجيش ليأمنوا فيما سوى ذلك وهو المراد بما ذكر بعده عن جرير بن عبد الله أن معاوية رضي الله عنه ضرب بعثا على أهل الكوفة فرفع عن جرير وعن ولده وقال جرير رضي الله عنه : لا نقبل ذلك ولكن نجعل أموالنا للغازي ومعنى ضرب البعث [ ص: 21 ] التحكم عليهم في أموالهم بقدر الحاجة لتجهيز الجيش فكأنه من على جرير وولده رضي الله عنهم بأن رفع ذلك عنهم فقد كان موقرا فيهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوقره حتى قال جرير رضي الله عنه : ما نظر إلي إلا تبسم ولو في صلاته لكن لم يقبل جرير هذه المنة منه لعلمه أن في الجهاد بالمال معنى الثواب واستحقاق المؤمن التوقير بكونه مستبقا إلى الخيرات والطاعات ولكن قال : لا أعطي المال إليك بل أدفع بنفسي إلى من أختاره من الغزاة ليتبين به أنه غير مجبر على ما يعطي وبهذا يستدل من يقول من أصحابنا إن الأفضل للمرء أن يشارك أهل محلته في إعطاء النائبة .

ولكنا نقول هذا كان في ذلك الوقت لأنه إعانة على الطاعة فأما في زماننا إنما يوجد أكثر النوائب بطريق الظلم ، ومن تمكن من دفع الظلم عن نفسه فذلك خير له ، وإن أراد الإعطاء فليعطه من هو عاجز عن دفع الظلم عن نفسه وعن أداء المال لفقره حتى يستعين على دفع الظلم فينال المعطي الثواب بذلك وعن أبي مرزوق عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه افتتح قرية بالمغرب فخطب أصحابه فقال : لا أحدثكم إلا بما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول يوم خيبر { : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره ولا يتبع المغنم حتى يقسم ولا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ولا يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه } ففيه دليل على أن صاحب الجيش عند الفتح ينبغي له أن يخطب ويعلم الناس في خطبته ما يحتاجون إليه في ذلك الوقت فقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وعند فتح خيبر فمما ذكر عنده في فتح خيبر هذا الحديث وفيه دليل على أنه لا يحل وطء الحبالى من الفيء وبه نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا أوطاس : { ألا لا توطأ الحبالى من الفيء حتى يضعن ولا الحبالى حتى يستبرئن بحيضة ، } وفي وطء الحامل سقي مائه زرع غيره كما فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قوة سمع الجنين وبصره وشعره بماء الواطئ ففيه دليل أنه ليس للغازي أن يبيع نصيبه قبل القسمة لأن الملك لا يثبت له إلا بالقسمة وبيع مجرد الحق لا يجوز ولأن نصيبه مجهول لا يدري أين يقع وأي مقدار يكون ، وللإمام رأي في بيع الغنائم وقسمة الثمن فإنما يبيع ما هو مجهول جهالة متفاحشة وذلك باطل وفيه دليل على أنه لا يحل لبعضهم الانتفاع بدواب الغنيمة وثيابها قبل القسمة وقد سمى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ربا الغلول في حديث آخر ونهى عنه ولكن هذا عند عدم [ ص: 22 ] الحاجة فأما إذا تحققت الحاجة والضرورة فلا بأس بأن يفعل ذلك في دار الحرب بغير ضمان وفي دار الإسلام يشترط ضمان النقصان لأن عند الضرورة له أن يدفع الضرر عن نفسه بمال الغير بشرط الضمان مع أنه لا حق له فيه فلأن يكون له ذلك فيما له فيه حق أولى .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 14-12-2025, 02:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,357
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد العاشر

صـــ 112 الى صـــ 121
(211)




وإن ولدت بأرض الحرب ثم سبيت ، ومعها ولدها كان ولدها فيئا معها ; لأن ولدها بمنزلتها ، وهي حربية تسترق فكذلك ولدها .
وإذا رفعت المرتدة إلى الإمام فقالت ما ارتددت ، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فهذا توبة منها لما بينا أن توبة المرتد بالإقرار بكلمة الشهادتين ، والتبري عما كان انتقل إليه ، وقد حصل ذلك ، فإنه بالإنكار يحصل نهاية التبري فلهذا كان ذلك توبة من الرجل والمرأة جميعا .
ويقتل المملوك على الردة ; لأنه محارب كالحر ، وكسبه إذا قتل لمولاه ; لأنه بملك الرقبة يخلفه في ملك الكسب ، ولا تقتل المملوكة وتحبس ; لأنها ليس لها بنية صالحة للقتال كالحرة ، وإذا كان أهلها يحتاجون إلى خدمتها دفعتها إليهم ، وأمرتهم بإجبارها على الإسلام ; لأن حق العبد في المحل مقدم على حق الله تعالى لحاجة العبد ، ولأن الجمع بين الحقين ممكن فإن حق الله تعالى في إجبارها على الإسلام ، ومولاها ينوب في ذلك عن الإمام فتدفع إليه ليستخدمها ، ويجبرها على الإسلام ، وجناية الأمة والمكاتب في الردة كجنايتهم في غير الردة ; لأن الملك فيهم باق بعد الردة ، والمكاتب أحق بكسبه بعد الردة يدا وتصرفا كما كان قبله فيكون موجب جنايته في كسبه .
والجناية على المماليك في الردة هدر أما في الذكور منهم فلاستحقاق قتلهم بالردة ، ومن استوفى قتلا مستحقا يكون محسنا لا جانيا ، وفي الإناث قتل المملوكة بعد الردة كقتل الحرة ، ومن قتل حرة مرتدة لم يضمن شيئا ، وإن ارتكب ما لا يحل ، ويؤدب على ذلك فكذلك الأمة قال : لأن بعض الفقهاء يرى عليها القتل ، ولأنها كالحربية ، والحربية لا تقتل ، ولو قتلها قاتل لا يلزمه شيء فكذلك المرتدة .

( فإن قيل ) فلماذا لا تسترق في دارنا . ؟ قلنا : لبقاء [ ص: 113 ] الإحراز ، ومن ضرورة تأكد الحرمة بالإحراز منع الاسترقاق ، وليس من ضرورته تقوم الدم كما في المقضي عليها بالرجم ، وإذا كان هدر الدم مما يثبت مع الإحراز يثبت ذلك في حق المرتدة فكانت فيه كالحربية .

وإذا باع الرجل عبده المرتد أو أمته المرتدة فالبيع جائز لبقاء صفة المملوكية ، والرق فيه بعد الردة .

( فإن قيل ) جواز البيع باعتبار المالية والتقوم ، ولا مالية فيهما حتى لا يضمن قاتلهما . ( قلنا ) لا كذلك بل المالية في الآدمي بسبب المملوكية ، وهو ثابت على الإطلاق والتقوم بالإحراز وهو باق فيهما ، وإن كان لا يجب على المتلف الضمان لعارض وهو الردة ، ألا ترى أن غاصبهما يكون ضامنا وأن الردة عيب فيهما ، والعيب لا يعدم المالية والتقوم ، ولهذا لو كان البائع أعلم المشتري فالبيع لازم لانتفاء التدليس حين أعلمه العيب .

مدبرة أو أم ولد ارتدت ولحقت بدار الحرب فمات مولاها في دار الإسلام ثم أخذت أسيرة فهي فيء ، بخلاف ما لو أسرت قبل موت المولى فإنها ترد عليه لقيام ملكه ، فأما بعد موت المولى فقد عتقت ; لأن عتقها كان تعلق بموت ، وتباين الدارين لا يمنع نزول العتق عند وجود شرطه ، وإذا عتقت فهي حرة مرتدة أسرت من دار الحرب فتكون فيئا .
عبد ارتد مع مولاه ، ولحقا بدار الحرب فمات المولى هناك وأسر العبد فهو فيء ; لأنه مال حربي فقد أحرزه مع نفسه بدار الحرب ، وذلك مانع من ثبوت حق ورثته المسلمين فيه فيكون فيئا ، ويقتل إن لم يسلم لردته .
وكذلك كل ما ذهب به المرتد من ماله مع نفسه فهو فيء ، فإن كان خرج من دار الحرب مغيرا فأخذ مالا من ماله قد قسم بين ورثته ، وذهب به ثم قتل مرتدا ، وأصيب ذلك المال فهو لورثته بغير قيمة قبل القسمة ، وبالقيمة بعد القسمة ; لأنهم ملكوا ذلك المال حين قسمه القاضي بينهم فهذا حربي أحرز مال المسلم بدار الحرب ثم ظهر المسلمون عليه ، وقد بينا الحكم فيه .
ولو ارتد العبد وأخذ مال مولاه فذهب به إلى دار الحرب ثم أخذ مع ذلك المال لم يكن فيئا ، ويرد على مولاه ; لأن العبد باق على ملكه فلا يكون محرزا نفسه بدار الحرب ، ألا ترى أنه لو أبق منه غير مرتد فدخل دار الحرب لم يكن محرزا نفسه عليه فكذلك إذا أبق مرتدا ، وكذلك لا يكون محرزا لما معه من المال فيرد ذلك كله على المولى ثم هذا لا يشكل على أصل أبي حنيفة رحمه الله تعالى كما هو مذهبه في الآبق ، وكذلك عندهما ; لأن أهل الحرب لم يأخذوه ، وإنما يزول ملك المولى عندهما بإحراز المشركين إياه بالأخذ ، فإذا لم يوجد ذلك بقي على ملك مولاه .
قوم ارتدوا عن الإسلام وحاربوا المسلمين ، وغلبوا على مدينة من [ ص: 114 ] مدائنهم في أرض الحرب ، ومعهم نساؤهم وذراريهم ثم ظهر المسلمون عليهم ، فإنه تقتل رجالهم ، وتسبى نساؤهم وذراريهم ، والحاصل أن عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى إنما تصير دارهم دار الحرب بثلاث شرائط : أحدها : أن تكون متاخمة أرض الترك ليس بينها وبين أرض الحرب دار للمسلمين ، والثاني : أن لا يبقى فيها مسلم آمن بإيمانه ، ولا ذمي آمن بأمانه ، والثالث : أن يظهروا أحكام الشرك فيها ، وعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى إذا أظهروا أحكام الشرك فيها فقد صارت دارهم دار حرب ; لأن البقعة إنما تنسب إلينا أو إليهم باعتبار القوة والغلبة ، فكل موضع ظهر فيه حكم الشرك فالقوة في ذلك الموضع للمشركين فكانت دار حرب ، وكل موضع كان الظاهر فيه حكم الإسلام فالقوة فيه للمسلمين ، ولكن أبو حنيفة رحمه الله تعالى يعتبر تمام القهر والقوة ; لأن هذه البلدة كانت من دار الإسلام محرزة للمسلمين فلا يبطل ذلك الإحراز إلا بتمام القهر من المشركين ، وذلك باستجماع الشرائط الثلاث ; لأنها إذا لم تكن متصلة بالشرك فأهلها مقهورون بإحاطة المسلمين بهم من كل جانب ، فكذلك إن بقي فيها مسلم أو ذمي آمن فذلك دليل عدم تمام القهر منهم ، وهو نظير ما لو أخذوا مال المسلم في دار الإسلام لا يملكونه قبل الإحراز بدارهم لعدم تمام القهر ، ثم ما بقي شيء من آثار الأصل فالحكم له دون العارض كالمحلة إذا بقي فيها واحد من أصحاب الخطة فالحكم له دون السكان والمشترين .

وهذه الدار كانت دار إسلام في الأصل فإذا بقي فيها مسلم أو ذمي فقد بقي أثر من آثار الأصل فيبقى ذلك الحكم ، وهذا أصل لأبي حنيفة رحمه الله تعالى حتى قال : إذا اشتد العصير ، ولم يقذف بالزبد لا يصير خمرا لبقاء صفة السكون ، وكذلك حكم كل موضع معتبر بما حوله فإذا كان ما حول هذه البلدة كله دار إسلام لا يعطى لها حكم دار الحرب كما لو لم يظهر حكم الشرك فيها ، وإنما استولى المرتدون عليها ساعة من نهار ، ثم في كل موضع لم تصر الدار دار حرب ، فإذا ظهر المسلمون عليها قتلوا الرجال ، وأجبروا النساء والذراري على الإسلام ، ولم يسب واحد منهم ، وفي كل موضع صار دار حرب فالنساء ، والذراري ، والأموال فيء فيه الخمس ، ويجبرون على الإسلام لردتهم فلا يحل لمن وقعت امرأة منهم في سهمه أن يطأها ما دامت مرتدة ، وإن كانت متهودة أو متنصرة ; لأن الردة تنافي الحل ، وإنما يحل بملك اليمين من يحل بالنكاح ، فإن كان عليها دين فقد بطل بالسبي ; لأنها صارت أمة ، وما كان من الدين على حرة لا يبقى بعد أن تصير أمة ; لأن بالرق تتبدل نفسها ، ولأن الدين لا يجب على المملوك إلا شاغلا مالية رقبته [ ص: 115 ] وهذه مالية حادثة بالسبي فتخلص للسابي ; فلهذا لا يبقى الدين عليها .
وإذا ارتد الزوجان ، وذهبا إلى دار الحرب بولدهما الصغير ، ثم ظهر عليهما المسلمون فالولد فيء ; لأنه خرج من أن يكون مسلما حين لحقا به إلى دار الحرب فإن ثبوت حكم الإسلام للصغير باعتبار تبعية الأبوين والدار فقد انعدم كل ذلك حين ارتدا ولحقا به بدار الحرب ; فلهذا كان الولد فيئا يجبر على الإسلام إذا بلغ كما تجبر الأم عليه ، وإن كان الأب ذهب به وحده ، والأم مسلمة في دار الإسلام لم يكن الولد فيئا ; لأنه بقي مسلما تبعا لأمه .

( فإن قيل ) كيف يتبعها بعد تباين الدارين ( قلنا ) تباين الدارين يمنع الاتباع في الإسلام ابتداء لا في إبقاء ما كان ثابتا ألا ترى أن الحربي لو أسلم في دار الحرب ، وله ولد صغير ثم خرج إلى دارنا بقي الولد مسلما بإسلامه حتى إذا وقع الظهور عليه لا يكون فيئا ، بخلاف ما لو أسلم في دارنا وله ولد في دار الحرب فههنا قد كان الولد مسلما فيبقى كذلك ببقاء الأم مسلمة ، وإن كانت في دار الإسلام ، وكذلك إن كانت الأم ماتت مسلمة ; لأن إسلامها يتأكد بموتها ولا يبطل ، وكذلك إن كانت الأم نصرانية ذمية ; لأنها من أهل دارنا ، وكما يتبعها الولد إذا كانت من أهل ديننا يتبعها إذا كانت من أهل دارنا توفيرا للمنفعة على الولد ، ولأنه لا يتم إحراز الولد بدار الحرب ; لأن اعتبار جانب الأب يوجب أن يكون الولد حربيا ، واعتبار جانب الأم يوجب أن يكون الولد من أهل دار الإسلام فيترجح هذا الجانب عند المعارضة توفيرا للمنفعة على الولد ، وإذا بقي من أهل دار الإسلام فكأنه من أهل دارنا حقيقة فلا يسترق ، وكذلك إن كان الأب ذميا نقض العهد فهو كالمسلم يرتد في أنه يصير من أهل دار الحرب إذا التحق بهم .

وإذا ولد للمرتدين في دار الحرب ولد ثم ولد لولدهما ولد ثم وقع الظهور عليهم ، أجبر ولدهما على الإسلام ، ولم يجبر ولد ولدهما على الإسلام ; لأن حكم الإسلام قد ثبت لولدهما باعتبار أن الأبوين كانا مسلمين في الأصل ، والولد تابع لهما فكذلك يجبر على الإسلام ، فأما ولد الولد لم يثبت له حكم الإسلام ; لأنه تابع لأبيه في الدين لا لجده ، وأبوه ما كان مسلما قط .

ألا ترى أنه لو أسلم الجد لا يصير ولد الولد مسلما بإسلامه فكذلك لا يجبر على الإسلام بإسلام جده ، وهذا لأنه لو اعتبر إسلام جده في حق النافلة كان الجد الأعلى والأدنى في ذلك سواء ، فيؤدي إلى أن يكون الكفار كلهم مرتدين يجبرون على الإسلام بإسلام جدهم آدم أو نوح عليهما السلام ، وذكر في النوادر أنهما إذا ارتدا أو لحقا بولد صغير لهما بدار الحرب فولد لذلك الولد بعدما كبر ثم ظهر المسلمون على ولد الولد فهو [ ص: 116 ] يجبر على الإسلام في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ، ولا يجبر عليه في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى ; لأن هذا الولد ما كان مسلما بنفسه ، وإنما ثبت حكم الإسلام في حقه تبعا فهو والمولود في دار الحرب بعد ردتهما سواء ، وهما يقولان قد كان هذا الولد محكوما بإسلامه تبعا لأبويه أو لدار الإسلام ، والولد يتبع أباه في الدين فإذا كان الأب مسلما في وقت يثبت لولده حكم الإسلام ، فيجبر على الإسلام ، بخلاف ما إذا ولد في دار الحرب بعد ردتهما ; لأن هذا الولد لم يكن مسلما قط .

وإذا نقض قوم من أهل الذمة العهد ، وغلبوا على مدينة فالحكم فيها كالحكم في المرتدين إلا أن للإمام أن يسترق رجالهم بخلاف المرتدين ; لأنهم كفار في الأصل ، وإنما كانوا لا يسترقون لكونهم من أهل دارنا ، وقد بطل ذلك حين نقضوا العهد ، وصارت دارهم دار الحرب ، فأما المرتدون كانوا مسلمين في الأصل فلا يقبل منهم إلا السيف أو الإسلام ، وكذلك إن رجع الذين كان نقضوا العهد إلى الصلح والذمة قبل ذلك منهم بخلاف المرتدين ; لأنهم لما نقضوا العهد التحقوا بالحربيين ، وأهل الحرب إذا انقادوا للذمة قبل ذلك منهم بخلاف المرتدين ، والأصل أن من جاز استرقاقه جاز إبقاؤه على الكفر بالجزية ; لأن القتال ينتهي بكل واحد من الطريقين ، وفيه منفعة للمسلمين ، ثم إذا عادوا إلى الذمة أخذوا بالحقوق التي كانت قبل نقض الذمة عليهم من القصاص والمال لبقاء نفوسهم وذممهم على ما كانت قبل نقض العهد ، ونقض العهد كان عارضا ، فإذا انعدم صار كأن لم يكن ، ولم يؤخذوا بما أصابوا في المحاربة ; لأنهم أهل حرب حين باشروا السبب ، وقد بينا أن أهل الحرب لا يضمنون ما أتلفوا من النفوس والأموال في حال حربهم إذا تركوا المحاربة بالإسلام أو الذمة ، وكذلك المرتدون في هذا هم بمنزلة أهل الذمة ; لأن القصاص المستحق عليهم عقوبة ثابتة لحق المسلم والردة ، ونقض العهد لا ينافيهما ، وإن تعذر استيفاؤها لقصور يد صاحب الحق عمن عليه ، والمال كذلك ، فإذا تمكن من الاستيفاء كان له أن يستوفي حقه .
وإذا نقض الذمي العهد مع امرأته ، ولحقا بأرض الحرب ثم عادا على الذمة فهما على نكاحهما ; لأنه لم يتباين بهما دين ولا دار ، ولو ارتد المسلمان ثم أسلما كانا على نكاحهما فالذميان أولى بذلك ، وإن كان خلف في دار الإسلام امرأة ذمية بانت منه بتباين الدار حقيقة وحكما ، والتي بقيت في دارنا من أهل دارنا .
وكذلك المرتد إذا لحق بدار الحرب ، وخلف امرأته المرتدة معه في دار الإسلام انقطعت العصمة بينهما ; لأن المرأة من أهل دارنا ، وإن كانت مرتدة فقد تباينت بينهما الدار حقيقة ، وذلك قاطع للعصمة بينهما .

وإذا منع [ ص: 117 ] المرتدون دارهم وصارت دار كفر ثم لحقوا بدار الحرب فأصابوا سبايا منهم ، وأصابوا مالا من أموال المسلمين وأهل الذمة ثم أسلموا كان ذلك كله لهم ; لأنهم ملكوا ذلك كله بالإحراز بدارهم ، ومن أسلم على مال فهو له إلا أن يكونوا أخذوا من المسلمين أو أهل الذمة حرا أو مدبرا أو مكاتبا أو أم ولد فعليهم تخلية سبيلهم ; لأن هؤلاء لا يملكون بالإحراز لتأكد حقيقة الحرية أو حقها فيهم بالإسلام ، فإن كان أهل الإسلام أصابوا من هؤلاء في حربهم مالا أو ذرية فاقتسموها على الغنيمة لم يردوا عليهم شيئا من ذلك ; لأنهم أصابوا أموال أهل الحرب وذراريهم ، وملكوها بالإحراز والقسمة فلا ترد عليهم ، وإن أسلموا بعد ذلك كما لو أصابوا ذلك من غيرهم من أهل الحرب .
وإن طلب المرتدون أن يجعلوا ذمة للمسلمين لم يفعلوا ذلك بهم ; لأنه إنما تقبل الذمة ممن يجوز استرقاقه ، ولأن المرتدين كمشركي العرب ، فإن أولئك جناة على قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهؤلاء على دينه ، وكما لا تقبل الذمة من مشركي العرب عملا بقوله صلى الله عليه وسلم { لا يجتمع في جزيرة العرب دينان } فكذلك لا يقبل ذلك من المرتدين ، وإن طلبوا الموادعة مدة لينظروا في أمورهم فلا بأس بذلك إن كان ذلك خيرا للمسلمين ، ولم يكن للمسلمين بهم طاقة ; لأنهم لما ارتدوا دخلت عليهم الشبهة ، ويزول ذلك إذا نظروا في أمرهم ، وقد بينا أن المرتد إذا طلب التأجيل يؤجل إلا أن هناك لا يزاد على ثلاثة أيام لتمكن المسلمين من قتله ، وههنا لا طاقة بهم للمسلمين فلا بأس بأن يمهلوهم مقدار ما طلبوا من المدة لحفظ قوة أنفسهم ولعجزهم عن مقاومتهم ، وإن كانوا يطيقونهم ، وكان الحرب خيرا لهم من الموادعة حاربوهم ; لأن القتال معهم فرض إلى أن يسلموا قال الله تعالى : { تقاتلونهم أو يسلمون } ، ولا يجوز تأخير إقامة الفرض مع التمكن من إقامته ، فإذا وادعوهم لم يأخذ الإمام منهم في الموادعة خراجا ; لأن ذلك حينئذ يشبه عقد الذمة ، وقد بينا أنه لا تقبل منهم الذمة فكذلك لا يؤخذ منهم على الموادعة خراج بخلاف أهل الحرب ، فإن أخذ منهم مالا جاز ; لأن العصمة زالت عن مالهم ، ألا ترى أنه لو ظهر المسلمون عليهم كانت أموالهم غنيمة ، وكذلك إن أخذوا شيئا من مالهم ملكوا ذلك بأي طريق أخذوا منهم .
( قال ) ولا يقبل من مشركي العرب الصلح والذمة ، ولكن يدعون إلى الإسلام ، فإن أسلموا ، وإلا قوتلوا ، وتسترق نساؤهم وذراريهم ، ولا يجبرون على الإسلام ، وهم في ذلك بمنزلة المرتدين إلا في حكم الإجبار على الإسلام ، فإن نساء المرتدين وذراريهم كانوا مسلمين في الأصل فيجبرون على العود ، وأما النساء والذراري [ ص: 118 ] من مشركي العرب ما كانوا مسلمين في الأصل فلا يجبرون على الإسلام ، ولكنهم يسترقون { ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم سبى النساء ، والذراري بأوطاس ، وقسمهم } ، وقد بينا أن أبا بكر رضي الله عنه سبى النساء والذراري من بني حنيفة ، فإذا جاز ذلك في المرتدين ففي مشركي العرب أولى ، وأما الرجال منهم لا يسترقون عندنا ، وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى يسترقون ; لأن المعنى الذي لأجله جاز الاسترقاق في حق سائر الكفار موجود في حق مشركي العرب ، وهو منفعة للمسلمين في عملهم وخدمتهم ، ولأن الاسترقاق إتلاف حكمي ، ومن جاز في حقه الإتلاف الحقيقي من الكفار الأصليين يجوز الإتلاف الحكمي بطريق الأولى ; لأن فيه تحقيق معنى العقوبة بتبديل صفة المالكية بالمملوكية ، وهو الأليق بحال كل كافر ، فإنهم لما أنكروا وحدانية الله تعالى عاقبهم على ذلك بأن جعلهم عبيد عبيده ، وهكذا كان ينبغي في المرتدين إلا أن قتل المرتد على ردته حد فقلنا لا يترك إقامة الحد لمنفعة المسلمين ، ولأن حريته كانت متأكدة بالإسلام فلا يحتمل النقض بالاسترقاق ، وذلك لا يوجد في حق مشركي العرب ( وحجتنا ) في ذلك قوله تعالى { تقاتلونهم أو يسلمون } قيل معناه إلى أن يسلموا ، والآية فيمن كان يقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم عبدة الأوثان من العرب فدل أنهم يقتلون إن لم يسلموا .

وقال صلى الله عليه وسلم : { لا رق على عربي } ، وقال يوم أوطاس { لو جرى رق على عربي لكان اليوم ، وإنما هو القتل أو الإسلام } ، وظاهر قوله تعالى { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا } يدل على تحريم الاسترقاق كما يدل على المنع من المفاداة ; لأن المقصود بكل واحد منهما ابتغاء عرض الدنيا ، ولأنه لا يقبل منهم عقد الذمة بالاتفاق ، والاسترقاق والذمة يتقاربان في المعنى ; لأن في كل واحد من الأمرين إبقاء الكافر على كفره لمنفعة المسلمين في ذلك من مال أو عمل ، وفي الجزية معنى الصغار ، والعقوبة في حقهم كما في الاسترقاق بل أظهر ، والاسترقاق ثابت في حق النساء والصغار ، والجزية لا تجب إلا على الرجال البالغين ، فإذا لم يجز إبقاء عبدة الأوثان من العرب على الشرك بالجزية فكذلك بالاسترقاق ، وقد بينا أنهم في تغلظ جنايتهم كالمرتدين ، فكما لا يسترق المرتدون فكذلك عبدة الأوثان من العرب ، بخلاف سائر المشركين وأهل الكتاب من العرب حكمهم حكم غيرهم من أهل الكتاب حتى يجوز استرقاقهم ، وأخذ الجزية منهم ; لأنهم ليسوا من العرب في الأصل ، وإن توطنوا في أرض العرب بل هم في الأصل من [ ص: 119 ] بني إسرائيل ، ولئن كانوا في الأصل من العرب فجنايتهم في الغلظ ليست كجناية عبدة الأوثان فإن أهل الكتاب يدعون التوحيد ، ولهذا تؤكل ذبائحهم ، وتجوز مناكحة نسائهم بخلاف عبدة الأوثان ، والأصل فيه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من يهود تيماء ، ووادي القرى ، وكذلك من بهز ، وتنوخ ، وطيء وعمر رضي الله عنه أراد أن يوظف الجزية على نصارى بني تغلب ثم صالحهم على الصدقة المضعفة ، وقال هذه جزية فسموها ما شئتم ، وكانوا من العرب .

فأما عبدة الأوثان من العجم فلا خلاف في جواز استرقاقهم ، وإنما الخلاف في جواز أخذ الجزية منهم فعندنا يجوز ذلك ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا يجوز بمنزلة عبدة الأوثان من العرب فإن الله تعالى خص أهل الكتاب بحكم الجزية بقوله تعالى { ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } وزعم الشافعي أن المجوس أهل كتاب أنه فيه أثرا عن علي رضي الله عنه أنه قال : كان لهم كتاب يقرءون إلى أن واقع ملكهم ابنته فأصبحوا وقد أسرى بكتابهم . حديث فيه طول

( وحجتنا ) في ذلك أن الجزية تؤخذ من المجوس بالاتفاق ، ولا كتاب لهم ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال { سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب } ففي هذا تنصيص على أنه لا كتاب لهم ، وقال الله تعالى { أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا } ، ولو كان للمجوس كتاب لكانوا ثلاث طوائف ، والأثر بخلاف نص القرآن لا يكاد يصح عن علي رضي الله عنه فثبت أن لا كتاب للمجوس ، ومع ذلك تؤخذ منهم الجزية ، وهم مشركون ، فإنهم يدعون الاثنين ، وإن اختلفت عبارتهم في ذلك من النور والظلمة أو يزدان واهر من ، وليس الشرك إلا هذا ، فإذا جاز أخذ الجزية منهم فكذلك من غيرهم من المشركين ، وقد { أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية من مجوس هجر } ، وبهذا تبين أن ذكر أهل الكتاب في الآية ليس لتقييد الحكم بل لبيان جواز أخذ الجزية من أهل الكتاب ، ومن أصلنا أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على أن الحكم فيما عداه بخلافه .

قوم غزوا أرض الحرب فارتد منهم طائفة ، واعتزلوا عسكرهم ، وحاربوا ، ونابذوهم فأصاب المسلمون غنيمة ، وأصاب أولئك المرتدون غنيمة من أهل الشرك ثم تابوا قبل أن يخرجوا من دار الحرب لم يشارك أحد الفريقين الآخر فيما أصابوا ; لأن بعضهم لم يكن ردءا للبعض ، فالمسلمون لا ينصرون المرتدين ، ولا يستنصرون بالمرتدين إذا حزبهم أمر ، وإن مصاب المرتدين ليس بغنيمة إذا لم يكن قصدهم عند الإصابة إعزاز الدين ، والمرتدون في حق [ ص: 120 ] المسلمين كأهل الحرب ، فإنهم في دار الحرب ، وأهل الحرب إذا أسلموا والتحقوا بالجيش لم يشاركوهم فيما أصابوا قبل ذلك ، وكذلك المرتدون إلا أن يلقوا قتالا فيقاتلوا قبل أن يخرجوا إلى دار الإسلام فحينئذ يشارك بعضهم بعضا ; لأنهم قاتلوا دفعا عن ذلك المال فكأنهم أصابوه بهذا القتال ، واشتركوا في إحرازه بالدار ، فيشارك بعضهم بعضا في ذلك ، ثم هذا فيما أصابه المسلمون غير مشكل بمنزلة من أسلم من أهل الحرب ، والتحق بالجيش إذا لقوا قتالا فقاتل بعضهم ، وما أصاب المرتدون ، وإن لم يكن له حكم الغنيمة ، فإنه يأخذ حكم الغنيمة بهذا القتال كالمتلصص إذا أصاب مالا ثم لحقه جيش المسلمين ، فإن مصابه يأخذ حكم الغنيمة حتى يخمس ، ولا شيء على من قتل المرتدين قبل أن يدعوهم إلى الإسلام ; لأنهم بمنزلة كفار قد بلغتهم الدعوة ، فإن جددوها فحسن ، وإن قاتلوهم قبل أن يدعوهم فحسن .
( قال ) وإذا ارتد الغلام المراهق عن الإسلام لم يقتل ، وهنا فصلان إذا أسلم الغلام العاقل الذي لم يحتلم فإسلامه صحيح عندنا استحسانا ، وفي القياس لا يصح إسلامه في أحكام الدنيا ، وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم : { رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم } ، ومن كان مرفوع القلم فلا ينبني الحكم في الدنيا على قوله ، ولأنه غير مخاطب بالإسلام ما لم يبلغ فلا يحكم بصحة إسلامه كالذي لا يعقل إذا لقن فتكلم به ، وتقريره من أوجه : أحدهما : أنه لا عبرة لعقله قبل البلوغ حتى يكون تبعا لغيره في الدين والدار بمنزلة الذي لا يعقل ، وتقرير هذا أنه يحكم بإسلامه إذا أسلم أحد أبويه مع كونه معتقدا للكفر بنفسه ، فإذا لم يعتبر اعتقاده ، ومعرفته في إبقاء ما كان ثابتا فكيف يعتبر ذلك في إثبات ما لم يكن ثابتا ، وبين كونه أصلا في حكم ، وتبعا فيه بعينه مغايرة على سبيل المنافاة ، والثاني : أنه لو صح إسلامه بنفسه كان ذلك منه فرضا لاستحالة القول بكونه مستقلا في الإسلام ، ومن ضرورة كونه فرضا أن يكون مخاطبا به ، وهو غير مخاطب باتفاق ، فإذا لم يمكن تصحيحه فرضا لم يصح أصلا بخلاف سائر العبادات ، فإنه يتردد بين الفرض والنفل ، وبخلاف ما إذا جعل مسلما تبعا لغيره ; لأن صفة الفرضية في الأصل تغني عن اعتباره في التبع كالإقرار باللسان ، والاعتقاد بالقلب ، ولأن اعتبار عقله قبل البلوغ لضرورة الحاجة إليه ، وذلك يختص بما لا يمكن تحصيله له من قبل غيره ، ففيما يمكن تحصيله له من جهة غيره لا حاجة إلى اعتبار عقله فلا يعتبر ، والدليل عليه أنه لو لم يصف الإسلام بعد ما عقل لا تقع الفرقة بينه وبين امرأته ، ولو صار عقله معتبرا في الدين لوقعت الفرقة إذا لم يحسن أن [ ص: 121 ] يصف كما بعد البلوغ ، ولأن أحكام الإسلام في الدنيا تنبي على قوله ، وقوله إما أن يكون إقرارا أو شهادة ، ولا يتعلق به حكم الشرع كسائر الأقارير ، والشهادات ، وأما فيما بينه ، وبين ربه إذا كان معتقدا لما يقول : فنحن نسلم أن له في أحكام الآخرة ما للمسلمين .

( وحجتنا ) في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : { حتى يعرب عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا } ، وقد أعرب هنا لسانه شاكرا شكورا فلا نجعله كافرا كفورا ، وأن عليا رضي الله عنه أسلم وهو صبي ، وحسن إسلامه حتى افتخر به في شعره قال :
سبقتكم إلى الإسلام طرا غلاما ما بلغت أوان حلمي
، واختلفت الروايات في سنه حين أسلم ، وحين مات فقال محمد بن جعفر : رضي الله عنهما أسلم ، وهو ابن خمس سنين ، ومات وهو ابن ثمانية وخمسين سنة ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه إلى الإسلام في أول مبعثه ، ومدة البعث ثلاث وعشرون سنة ، والخلافة بعده ثلاثون انتهى بموت علي رضي الله عنه ، فإذا ضممت خمسا إلى ثلاث وخمسين فيكون ثمانية وخمسين ، وقال العتيبي : أسلم وهو ابن سبع سنين ، ومات وهو ابن ستين سنة بهذا الطريق أيضا ، وقال الجاحظ : أسلم وهو ابن عشر سنين ، ومات وهو ابن ثلاث وستين ، وهكذا ذكره محمد في السير الكبير ، والمعنى فيه أنه أتى بحقيقة الإسلام ، وهو من أهله فيحكم بإسلامه كالبالغ ، وبيان الوصف أن الإسلام اعتقاد بالقلب ، واقرار باللسان ، وهو من أهل الاعتقاد ، ومن رجع إلى نفسه علم أنه كان معتقدا للتوحيد قبل بلوغه ، ولأنه من أهل اعتقاد سائر الأشياء والمعرفة به ، ومن أهل معرفة أبويه والرجوع إليهما إذا حزبه أمر ، فعرفنا ضرورة أنه من أهل معرفة خالقه ، وقد سمعنا إقراره بعبارة مفهومة ، ونحن نرى صبيا يناظر في الدين ، ويقيم الحجج الظاهرة حتى إذا ناظر الموحدين أفهم ، وإذا ناظر الملحدين أفحم ، فلا يظن بعاقل أن يقول : إنه ليس من أهل المعرفة ، والدليل على الأهلية أنه يجعل مسلما تبعا لغيره ، وبدون الأهلية لا يتصور ذلك ، ولأنه مع الصبا أهل للرسالة قال الله تعالى : { وآتيناه الحكم صبيا } فعلم ضرورة أنه أهل للإسلام ثم بعد وجود الشيء حقيقة أنه أن يسقط اعتباره بحجر شرعي فلا يظن ذلك ههنا ، والناس عن آخرهم دعوا إلى الإسلام ، والحجر عن الإسلام كفر أولا يحكم بصحته لضرر يلحقه ، ولا تصور لذلك في الإسلام ، فإنه سبب للفوز والسعادة الأبدية فيكون محض منفعة في الدنيا والآخرة ، وإن حرم ميراث مورثه الكافر أو بانت منه زوجته الكافرة ، فإنما [ ص: 122 ] يحال بذلك على خبثها لا على إسلامه .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 174.83 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 172.70 كيلو بايت... تم توفير 2.13 كيلو بايت...بمعدل (1.22%)]